Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
٣ - بابُ عقد الإزار على القفا في الصلاة
كتاب الصلاة
٣ - بَابُ
عَقْد الإزار على الْقَفَا في الصّلاة
وقال أبو حازمٍ، عن سَهْلٍ: صَلَّوْا مع رسولِ اللّهِ وَهُ عاقِدِي أُزُرِهم على
عواتقهم .
حديث سَهْلِ بنِ سعد هذا قد خرّجه البخاري بإسناده ، وسيأتي قريبًا - إن
شاء اللّه تعالى(١).
وأسند في هذا الباب حديثَ جابرٍ من طريقين :
٣٥٢ - من طريق : واقد بن محمد ، عن محمدِ بنِ المُنْكَدر ، قال : صَلَّی
٠
أحدهما :
جابرٌ في إزارِ ، قد عَقَدَه من قِبَل قَفاه ، وثيابُهُ مَوْضُوعَةٌ على المشْجَب ، فقال له
قائلٌ : تُصَلِّي في إزارٍ واحدٍ ؟ قال: إنما صَنَعْتُ ذلك لِيَرَانِي أَحْمَقُ مِثْلُكَ، وأُنا
كان له ثَوْبانِ على عَهْد رسول اللّه وَلِ ؟!
والثاني :
٣٥٣ - من طريق : عبد الرحمنِ بنِ أبي الموالي، عن محمد بنِ المُنْكَدر ،
قال: رأيتُ جابرًا يُصَلِّي في ثَوْب واحد، وقال: رأيتُ النبيّ ◌َّهِ يُصَلِّي في ثَوْبِ .
ليس في هذا الباب حديثٌ مرفوع صريح في الصلاة في إزار واحد معقود
على القفا ؛ وإنما في الرواية الأولى ذلك من فِعْل جابرٍ ، وفي حديث سهلٍ من
فعل الصحابة خلفَ النبيِ وَّر، وهو شبيه بالمرفوع .
والمرفوع في الباب: هو الصلاة في ثوب واحد ، من غير بيانِ كيفيةٍ لُبْسِهِ .
(١) برقم (٣٦٢) .

١٤٢
حديث : ٣٥٢ - ٣٣٥٣
كتاب الصلاة
وقد خرَّج البخاري فيما بعدَ هذا الباب(١) من رواية ابن أبي الموالي - أيضًا -
عن ابنِ المُنْكَدِرِ ، قال : دخلتُ على جابرٍ وهو يصلي في ثوب مُلْتَحَفًا به ،
ورِدَاؤُه موضوع ، فلما انصرَف قلنا : يا أبا عبدِ اللَّهِ ، تصلي ورداؤك موضوع ؟
قال : نعم : أحببتُ أن يَراني الجُهَّالُ مِثْلُكُم، رأيتُ النبيَّ ◌َّهِ يصلي هكذا .
وهذا يدل على أنه رأى النبيِّ وَُّ﴿ يصلي في إزار بغير رداء ، ورواية واقدِ بنِ
محمدٍ عن ابن المنكدرِ التي خرَّجها البخاري في هذا الباب صريحةٌ في أن جابرًاً
عَقَد إزاره من قِبل قَفاه ، فَظَهَر من كلا الروايتين أن جابرًا صلى في إزار عَقَده من
قَفاه، وأنه أخبر أنه رأى النبي بَّ يصلي كذلك.
ويؤخذ هذا - أيضاً - من نَهي النبي ◌َِّ أن يصلي الرجلُ في ثوب واحد،
ليس على عاتقه منه شيءٌ .
وقد خرَّجه البخاري فيما بعدُ (٢)، وسيأتي في موضعه - إن شاء اللّه تعالى.
قال الخَطَّبِيُّ: يريد أن لا يَتَّزِّر به في وَسَطَه، ويَشُدَّ طرفيه على حَقْوَيْه ،
ولكن يَتَّزِر به ويَرفع طرفيه ، فيُخالِف بينهما ، ويَشُدُّ عَقْدَه على عاتقَيْه ، فيكون
بمنزلة الإزار والرداء .
وقال الْمَيْمُونِيُّ : رأيتُ أبا عبد اللّه - يعني: أحمدَ - يصلي الفَرْضَ وعليه
إزار واحد متوشحًا به ، وقد عَقَد طرفيه في قفاه .
قال القاضي أبو يَعْلَى : هذا محمول على أنه كان صغيرًا لم يمكنه أن يخالف
بين طرفيه ، فعَقَدَه مِن ورائه .
يشير إلي أنَّ الارتداء بالثوب أفضلُ من الاتزار به ، وسيأتي بيانُ ذلك في
الباب الآتي - إن شاء اللّه تعالى.
(١) برقم (٣٧٠) .
(٢) برقم (٣٥٩) .

١٤٣
٣ - بابُ عقد الإزار على القفا في الصلاة
كتاب الصلاة
وخرَّج الطبراني(١) بإسناد ضعيف ، عن أبي هريرة، قال : صلى بنا
رسولُ اللّهِوَلّ في ثوب متوشحًا، فلم يَثَلْ طرفاه، فعَقَدَه.
(١) في ((الأوسط)) (٤٥٦٩).

١٤٤
٤ - باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفًا به
كتاب الصلاة
٤ - بَابُ
الصَّلاةِ فِي الثَّوْبِ الواحِدِ مُلْتَحِقًا بِه
وقال الزُّهْرِيُّ في حديثه : الْمُلْتَحِفُ: الْمُتَوَشِّحُ، وهو المُخالِفُ بين طَرَفَيْه
على عاتقيّه، وهو الاشْتِمالُ على مَنَّكِّه.
وقالت أُمُّ هانِيٍ: الْتَحَفَ النبيُّ ◌َ بِثَوْبِ، وخالَفَ بين طَرَفَيْه على عاتقيّه .
حديث أمِّ هانِئٍ قد خرّجه البخاري في هذا الباب ، وإنما مراده هنا : تفسيرُ
الالتحاف المذكورِ فيه ، وقد حكى عن الزهري أنه فَسَّرَه بالتوشّح ، وذَكَر أن
التوشح والالتحاف والاشتمالَ بالثوب المأمور به في الصلاة : هو أن يَطْرَح الثوبَ
على مَنْكِبَيْهِ ، ويَرُدَّ طرفيه على عاتقيه ، فإن لم يَرُدَّهما فهو السَّدْلُ المَنْهِيَّ عنه ،
كما سنذكره - إن شاء اللّه تعالى.
وقد فَسَّر يعقوبُ بنُ السِّكِّيتِ التَّوَشِّحَ ، فقال : هو أن يأخذ طَرَفَ الثوب
الذي ألقاه على مَنْكِبه الأيمنِ من تحت يده اليسرى ، ويأخذ طرفَه الذي ألقاه على
الأيسر من تحت يده اليمنى ، ثم يَعقدهما على صدره .
وفرَّق الأخفشُ بين التَّوَشُّح والاشتمال ، فقال : التوشح : هو أن يأخذ
طرفَ الثوبِ الأيسرَ من تحت يده اليسرى ، فيُلْقيه على مَنْكِبِه الأيمنِ ، ويلقي
طرفَ الثوبِ الأيمنَ من تحت يده اليمنى على مَنْكِبِه الأيسرِ .
قال : والاشتمال : أن يلتفَّ الرجلُ بردائه أو بكسائه من رأسه إلى قدمیه،
يرد طرفَ الثوبِ الأيمنَ على منكبه الأيسر .
خرَّج في هذا الباب ثلاثةَ أحاديثَ :
الحديث الأول :
حديث : عمرَ بنِ أبي سَلَمَةَ ، وخرَّجه من طُرُقٍ :
٠

١٤٥
٤ - باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفًا به
كتاب الصلاة
فخرجه أولاً :
٣٥٤ - عنْ عُبَيْد اللَّه بن مُوسى: ثنا هشامُ بنُ عُرْوَةَ، عن أبيه ، عن عمرَ بنِ
أبي سَلَمَةَ، أنَّ النبيَّ ◌َ صَلَّى فِي ثَوْبٍ واحد قد خالَفَ بين طَرَفَيْه.
وبدأ بهذه الطريق لعُلُوِّها ؛ فإنه رواه عن عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ موسى - وهو :
العَبْسِيُّ الكوفي - ، عن هشامٍ بنِ عروةَ سمعه منه .
وقد قيل : إنه لم يَرْوِ عنه في ((كتابه)) بغير واسطة غيرَ هذا الحديث ، وهذا
وَهْمٌ ؛ فإنه روى عنه - أيضًا - بغير واسطة أوَّلَ حديث في ((كتاب الإيمان))، وهو
حديث: (بُنِيَ الإسلامُ على خَمْسٍ))(١).
ثم قال :
٣٥٥ - ثنا محمدُ بنُ الْمُثَنَّى: ثنا يحيى، عن هشام، قال: حدَّثْني أبي، عن عمرَ
ابنِ أبي سَلَمَةَ ، أنهُ رأَى النبيَّ ◌َ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ واحدٍ فِي بَيْتِ أمِّ سَلَمَةَ، قد أَلْقَى
طَرَفَيْه على عاتقَيْه .
ويحيى ، هو : القَطَّنُ ، وفي هذه الرواية : زيادةُ تصريحِ هشامٍ بسماعه له
من أبيه ، ورؤيةُ عمرَ بنِ أبِي سَلَمَةَ لذلك من النبي ◌ِّه.
ثم قال :
٣٥٦ - ثنا عُبَيْدُ بنُ إسماعيلَ : ثنا أبو أسامةَ ، عن هشام، عن أبيه، أَنَّ عمرَ بنَ
أبي سَلَمَةَ أَخْبَرَهُ ، قال: رأيتُ النبيَّ ◌َِّ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ واحد مُشْتَملاً به في بيتٍ
أمِّ سَلَمَةَ ، واضعًا طَرَفَيْه على عاتقَيْهِ .
ففي هذه الرواية : تصريحُ عُرْوَةً بسماعه له من عمرَ بنِ أبي سَلَمَةَ ، وفيه -
أيضًا -: رؤيةُ عمرَ للنبيِ بَلَو يصلي كذلك، وفيه : تسميةُ ذلك اشتمالاً ،
(١) برقم (٨).

١٤٦
حديث : ٣٥٤ - ٣٥٦ - ٣٥٧
كتاب الصلاة
وتفسيره بوضع طرفي الثوب على عاتقيه .
وفي رواية خرَّجها مسلم في ((صحيحه))(١): ((متوشحًا به)).
وأظن البخاريَّ خرَّجه من هذه الوجوه الثلاثةِ عن هشامٍ ليبين أن مَن رواه :
عن هشامٍ ، عن أبيه، عن عبدِ اللهِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ أبي أُمَيَّةَ المَخْزُومِيِّ ، عن
النبي وَّ﴿ فقد وَهِم ؛ فإن ابن إسحاقَ رواه ، عن هشامٍ كذلك.
خَرَّجه من طريقه الإمام أحمد (٢) .
وخرَّجه - أيضًا(٣) - من طريق ابن أبي الزناد ، عن أبيه ، عن عروةَ كذلك ،
وهو وَهْمٌ - أيضًا .
وممن جزم بأنه وَهْمٌ : عليٌّ بنُ الْمَدِينِيِّ، وأبو زُرْعَةَ وأبو حاتم الرازيان(٤).
وممن رواه عن هشامٍ ، عن أبيه ، عن عمرَ بنِ أبي سَلَمَةَ : شُعْبَةُ ،
ومالكٌ ، وحَمَّادُ بنُ زَيْدٍ وغيرُهم .
الحديث الثاني :
٣٥٧ - ثنا إسماعيلُ بنُ أبي أُوَيْسٍ : حدثني مالكٌ، عن أبي النَّضْرِ مَوْلَى عمرَ
ابنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، أنَّ أَبَّا مُرَّةَ مولى أمِّ هَانِيْ بنتِ أبي طالبٍ أَخْبَرَهُ، أنه سَمِعَ أمَّ هَانِيْ
قالت : ذهبتُ إلى رسولِ اللّهِ ◌َ﴿ عامَ الفَتْحِ، فوجدتُه يَغْتَسِلُ وفاطمةُ ابتُهُ تَسْتُرُهُ .
قالت : فَسَلَّمْتُ عليه، فقال: ((مَن هذه؟)) قلتُ: أنا أمُّ هَانِئْ بنتُ أبي طالبٍ.
فقال: ((مَرْحَبًا بأمِّ هَانِيْ))، فلمَّا فَرَغَ من غُسْله قام، فصَلَّى ثمان ركعات مُلتَحفًا
في ثَوْبٍ واحدٍ ، فلما انصرف قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ ، زَعَم ابنُ أبي ، أنه قاتلٌ
(١) (٢ / ٦٢) .
(٢) (٤/ ٢٧) .
(٣) (٢٧/٤) .
(٤) (العلل)) لابن أبي حاتم (٢٣٠) وانظر (٥٤٧).

١٤٧
٤ - باب الصلاة فى الثوب الواحد ملتحفًا به
كتاب الصلاة
رَجُلاً قد أَجَرْتُهُ: فُلانَ بنَ هُبَيْرَةَ ، فقال رسولُ اللَّهِ وَِّ: ((قَدْ أَجَرْنَا مَن أَجَرْت
يا أُمَّهَانِئِ)) . قالتْ: وذلك ضُحْى .
وخرَّجه مسلم(١) من رواية جعفرِ بنِ محمدٍ ، عن أبيه ، عن أبي مُرَّةً ، عن
أم هَانِئِ، أن رسول اللّهِ وَلَّ صلى في بيتها عامَ الفَتْحِ ثمانِ ركعاتٍ ، في ثوب
واحد ، قد خالَفَ بين طَرَفَيْهِ .
وأول الحديث قد سَبَق في ((كتاب الغُسْل))، ويأتي الكلامُ على باقيه في
((صلاة الضحى)) وفي ((الجهاد)) في ((أمان المرأة)) - إن شاء اللّه تعالى.
الحديث الثالث :
٣٥٨ - ثنا عبدُ اللَّه بنُ يُوسُفَ : أنا مالِكٌ، عن ابنِ شِهابٍ ، عن سعيدِ بنِ
المُسَيَّبِ ، عن أبي هُرَيْرَةَ ، أنَّ سائلاً سأل رسولَ اللَّهِ بَِّ عن الصلاة في ثَوْبٍ
واحد، فقال رسول اللّه ◌َله: ((أَوَ لِكُلَّكُمْ ثَوْبانٍ ؟» .
وقد رواه ابنُ عُبَيْنَةَ والأَوْزاعِيَّ عن الزهري ، كما رواه مالكٌ .
ورواه يونسُ وعُقِيلٌ عن الزهري عن سعيدٍ وأبي سَلَمَةَ عن أبي هريرةَ .
قال أبو حاتم الرازيُّ (٢): كلاهما صحيح .
ورواه الأوزاعي، [ و] في روايته: قال: ((ليَتَوَشَّحُ به، ثُمْ لُيُصَلِّ فيه)).
وقيل : إنه تَفَرَّد بهذه اللفظة عن الزهري .
وقوله : ((أو لكلكم ثوبان ؟)) إشارةٌ إلى أن منهم من لا يَجِد سوى ثوبٍ
واحد ، فلو لم يُصَلِّ أَحَدٌ في ثوب واحد لشَقَّ ذلك على بعض الناس أو كثيرٍ
منهم ، والحَرَجُ مرفوع عن هذه الأُمة بقوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ
حرجٍ﴾ [المائدة: ٦]، وقوله: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
(١) (١٥٨/٢).
(٢) ((العلل)) لابنه (٤٦٩).

١٤٨
حديث : ٣٥٨
كتاب الصلاة
فدَلَّتْ أحاديثُ هذا الباب كلُّها على أنه يجوز أن يصلي الرجلُ في ثوب
واحد ، يَشتمل به على مَنْكِبَيْه ، ويُخالف بين طرفيه على عاتقيه ، وهو أفضل
من الاتزار به ، وعَقْدِه على قفاه ، فإنه إنما يُتَّزَرُ به ويُعقد عند ضيقه .
هذا قول أصحابنا والشافعيةِ وغيرِهم ، وسيأتي من حديث جابرِ التصريحُ بهذا
المعنى .
وكان كثير من الصحابة يصلي كذلك ويأمر به ، منهم : عليَّ ، وجابرٌ ،
وخالدُ بنُ الوليدِ .
وقد روي عن طائفة من السَّلَف ما يدل على خلاف ذلك ، وأن الاتزار
بالثوب الواحد في الصلاة أولى من الاشتمال .
وروى وَكِيعٌ ، عن فُضَيْلٍ بْنِ غَزْوانَ، عن عبدَ اللهِ بنَ واقد قال: صَلَّيْتُ
إلى جَنْب ابنِ عمرَ وأنا متوشح ، فأمرني بالأُدْرَةَ .
وعن عَوْنِ بنِ صالحٍ ، عن حَيَّنَ البارِقِيِّ، قال : قال ابنُ عمرَ : لا تَلَبَّبْ
كتلُّبِ اليهودِ - يعني : في التوشح .
وفي ((سنن أبي داودَ (١) من طريق حَمَّدِ بنِ زَيْدٍ ، عن أُوبَ ، عن نافعٍ ،
عن ابنِ عمرَ، قال: قال رسول اللّه ◌َلَهـ قال: أو قال عمرُ -: ((إذا كان
لأحدكم ثوبان فلْيُصَلِّ فيهما ، فإن لم يكن إلا ثوب فلْيَتَّزِرْ ، ولا يَشْتَمِلِ اشتمالَ
اليهود)» .
وقد سَبَق أنه حديث مختلف في رَفعه وفي وَقفه على عمرَ بنِ الخطابِ ،
وقد روي موقوفًا على ابن عمرَ من قَوله .
وفي رواية مرفوعة خرَّجها الحاكمُ (٢) وصححها : ((إذا لم يجد أحدكم إلا
(١) (٦٣٥) .
(٢) (٢٥٣/١) .
!

١٤٩
٤ - باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفًا به
كتاب الصلاة
ثوبًا واحدًا فلْيَشُدَّه على حَقْوَيْهِ ، ولا يَشتمل اشتمالَ اليهود)) .
قال الأَثْرَمُ في هذا الحديث: ليس كلُّ أَحَدٍ يَرفعه، وقد روي عن النبيِ وَل
من وجوه خلافُه - يُشير إلى الالتحاف والاتشاح بالثوب ، كما تقدم .
وإن صح حديثُ ابنِ عمرَ فهو محمول على ما إذا لم يَرُدَّ على عِطْفَيَه ، فإنَّ
ذلك هو السَّدْلُ المكروه، وبذلك فَسَّرِ السدلَ الإمامُ أحمدُ وأبو عُبَيْدٍ وغيرُهما من
الأئمة .
وممن كَرِهِ السدلَ في الصلاة : عليٌّ ، وابنُ مسعودٍ ، قال أحمدُ : صَحَّ عن
علي أنه كَرِهه ، وجعله من فِعْل اليهودِ ، واختلفوا فيه عن ابنِ عمرَ .
وفي كراهته أحاديثُ مرفوعةٌ في أسانيدها مقالٌ .
وعن أحمدَ ، أنه لا يُكْرَه ، إلا إذا لم يكن تحتَه قميصٌ .
وكان الحَسَنُ وابنُ سِيرِينَ يُسْدلان على قميصهما، ورخَّص النَّخَعِيُّ في
السَّدل على القميص ، وكَرِهَه على الإزار ، وحُكي نحوُهُ عن أحمدَ .
وفَسَّر آخرون السدل بما ذَكَرْنا ، وزادوا : أن يكون مُسْبَلاً تحت الكعبين ،
وهذا هو المروي عن الشافعي ، وهو الذي ذَكَره أكثرُ أصحابه ، وبعضُ أصحابنا،
وقاله الخَطَّبيُّ وغيرُه، وجعلوا حُكْمَه حُكْمَ إسبال الإزار تحت الكعبين : إن كان
خيلاءً حَرُم ذلك ، وإن لم يكن خيلاءً ففيه الاختلافُ المشهور .
والصحيح : أن ذلك ليس بشرط في السدل ، وأن الاختلاف في كراهة
السدل إذا لم يَعطف أَحَدَ طرفي ثوبه على الآخر وإن لم يكن مُسْبِلا . واللّه
أعلم.
قال يَزِيدُ بنُ أبي حَكِيمٍ : رأيت سفيانَ الثَّوْرِيَّ يصلي مُرْخِيًّا رداءَه في
الأرض ، قد اشتمله وكشف عن بطنه وصدره ، غير أنه قد زَرَّ طَرَفِي الثوبِ ،

١٥٠
حديث : ٣٥٨
كتاب الصلاة
مُمْسكًا عليها عند موضع الأُزْرَةَ ، فسألته : أَسَدْلٌ هذا ؟ قال : لا ، حتى يُرْخِيَه
ولا يُمْسكَه .
وكذلك روى إسحاقُ بنُ منصورِ ، أنه رأى أحمدَ يصلي سادلاً ، وطرفا ثوبه
بيده ، فإذا قام من الركوع خلَّى عنهما .

١٥١
٥ - باب إذا صلى في الثوب الواحد فليجعل على عاتقيه
كتاب الصلاة
٥ - بَابٌ
إِذَا صَلَّى فِي الثَّوْبِ الواحدِ فِلَيَجْعَلُ(١) عَلَى عاتقيه
خرَّج فیه حدیثین :
أحدهما :
قال :
٣٥٩ - ثنا أبو عاصم، عن مالك، عن أبي الزُّنَادِ، عن الأَعْرَجِ، عن أبي هُرَيْرَةَ،
قال: قال رسولُ اللَّه ◌َهُ : ((لا يُصَلِّي أَحَدُكُم في الثَّوْبِ الواحدِ، ليس على عاتقه
٠٠
ـَيْءٌ).
هكذا الرواية: ((لا يصلي)) بالياء ، فيكون إخباراً عن الحكم الشرعي ، أو
إخبارًا يراد به النهيُ، كما قيل مثله في قول اللّه تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ
٥١٠ ٥٫٥٠
أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
والثاني :
قال :
٣٦٠ - ثنا أبو نُعَيْمٍ: ثنا شَيَّانُ، عن يحيى بنِ أبي كَثِيرٍ، عن عِكْرِمَةَ، سمعتُه -
أو كنتُ سألتُه - قال: سمعتُ أبا هريرةَ يقول: أَشْهَدُ أني سمعتُ رسولَ اللَّه ◌ِاَخر
يقول: ((مَن صلَّى فِي ثَوْبٍ واحدٍ فلُخالِفْ بين طَرَفَيْه)) .
في هذه الرواية تصريحُ يحيى بنِ أبي كَثِيرٍ بالسماع لهذا من عِكْرِمَةَ، فزال
بذلك ما كان يُخشى من تدليسه، والتصريحُ بسماع عكرمةَ له من أبي هريرةَ .
والحديث الأول : نهيٌ لمن صلى في ثوب واحد أن يُجَرِّد عاتقيه ، والثاني:
(١) من ((اليونينية)) ونسخة عند ((ق))، وفي ((ق)): ((فليجعله)).

١٥٢
حديث : ٣٥٩ - ٣٦٠
كتاب الصلاة
أَمْرٌ لمن صلى في ثوب واحد أن يخالف بين طرفيه ويضعَهما على عاتقيه .
وقد أجمع العلماء على استحباب ذلك وأنه الأفضلُ ، بل كَرِهوا للمصلي أن
يُجَرِّد عاتقيه في الصلاة .
قال النَّخَعِيُّ: كان الرجل من أصحاب محمد وَّ إذا لم يجد رداءً يصلي فيه
وضَعَ على عاتقيه عقالاً ثم صلى .
وقال النَّخَعِيُّ - أيضًا - : كانوا يكرهون إعْراءَ المناكب في الصلاة .
خرَّجهما ابنُ أبي شَيْبَةَ في ((كتابه))(١) .
وقد سَبَقَ قولُ ابن عمرَ (٢) - وروي عنه مرفوعًا -: ((إذا صلى أحدكم فليَلْبَسْ
ثوبيه ؛ فإن اللَّهَ أحقُّ أن يُتَزَين له)) .
وفي رواية عنه : ((إذا صلى أحدكم فليَتَّزرْ وليرْتَد)).
ولو صلى مكشوفَ الْمَنْكِبَيْن ، فقال أكثر الفقهاء : لا إعادةَ عليه ، وحكي
روايةً عن أحمدَ .
وقال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ عليٍّ: عليه الإعادةُ لارتكابه النهيَ .
والمشهور من مذهب أحمدَ : أنه إن صلى الفريضةَ كذلك أَعاد ، وفي إعادة
النَّفْلِ عنه روايتان .
وقد قيل : إن الشافعي نَصَّ على وجوبه في الصلاة ، وحكى بعض المالكية
عن أبي الفَرَج من أصحابهم : أن سَتّرَ جميع الجسدِ في الصلاة لازم، وفي صحة
هذا نَظَرٌ .
ونصَّ أحمدُ على أنه لو سَتَرَ أحد مَنْكِبَيْهِ وأَعْرَى الآخرَ صَحَّت صلاتُه ؛ لأنه
لم يَرتكب النهيَ ، فإن النهي هو إعراء عاتِقَيْه ، ولم يوجد ذلك .
(١) (١/ ٣٠٧ - الثقافية).
(٢) في أول شرح الباب الثاني من ((كتاب الصلاة)).

١٥٣
٥ - باب إذا صلى في الثوب الواحد فليجعل على عاتقيه
كتاب الصلاة
وقال القاضي أبو يَعْلَى : يجب سترُ جميعٍ مَنْكِبَيْه كالعورة . وقال في
موضعٍ : يُجْزِئ سترُ بعضِهما ، ولا يجب سترُهما بما لا يَصفُ البَشْرَةَ ،
كالعورة .
ولأصحابنا وجه : أنه يُجْزِئ أن يَضَعَ على عاتقيه ولو حَبْلاً أو خَيْطًا وإن لم
يَستُره به.
ولهم وجهٌ آخرُ : أنه إن كان ذلك يُسمى لباسًا أَجزأه ، وإلا فلا .
وقد سَبَق أن من الصحابة من كان يَضَع على عاتقيه عِقالاً ثم يصلي .
وقال النَّخَعِي : تقليدُ السيف في الصلاة بمنزلة الرداء . وكان سعيدُ بنَ جُبَيْرِ
يَفْعَلُه. وعن الحَسَنِ قال : السيوف أرديةُ الغزاة .
وروي عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ ، أنه صلى بالناس في قَوْسٍ ليس عليه رداءٌ
غيرها .
وروى أبو نُعَيْمِ الفَضْلُ بنُ دُكَيْنِ : ثنا مِنْدَلُ ، عن الأَحْوَصِ بنِ حَكِيمٍ ، عن
مَكْحُولِ، قال: صلى رسول اللّه وَّلَه بالناس في قَوْس.
وقال النَّخَعِيُّ : كان يُكره القوس .
وقال الثَّوْرِيُّ: القوس والسيف بمنزلة الرداء . وعن الأوزاعي نحوُه .

١٥٤
حديث : ٣٦١
كتاب الصلاة
٦ - بابٌ
إِذَا كَانَ الثَّوْبُ ضَيِّقًا
فيه حديثان :
أحدهما :
قال :
٣٦١ - ثنا يحيى بنُ صالح: ثنا فُلَيْحُ بنُ سليمانَ، عن سعيدِ بنِ الحارثِ ،
قال : سألنا جابرَ بنَ عبدِ اللَّهِ عن الصلاةِ في الثَّوْبِ الواحدِ ؟ فقال : خرجتُ مع
رسولِ اللَّهِ في بعضِ أَسْفَارِهِ ، فجئتُ ليلةً لبعضِ أَمْرِي فوجدتُهُ يُصَلِّي، وعليّ
ثَوْبٌ واحدٌ ، فاشْتَمَلْتُ به ، وصَلَّيْتُ إلى جانبهِ ، فلمَّ انْصَرَف قال: ((ما السُّرَى
يا جابرُ؟)) فأخبرتُهُ بحاجتي، فلمَّا فَرَغْتُ قال: ((ما هذا الاشتمالُ الذي رأيتُ؟»
قلتُ : کان ثوبٌ ۔ یعني : ضاقَ - قال : «فإن کان واسعًا فالتحفْ به ، وإن كان
ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ» .
قوله : ((ما السُّرَى يا جابر) يدل على أن هذا السيرَ كان في آخرِ الليلِ ، وهو
السرى، وفَهِم النبيّ ◌َ له من جابرِ أنه جاء في ذلك الوقت لحاجة له، ولذلك
قال له ذلك .
وأما إنكاره عليه الاشتمال بالثوب الواحد ، فقال الخطابي (١): الاشتمال الذي
أَنكره أن يُدِير الثوب على بَدَنَه كلِّه، لا يُخْرِج منه يدَه .
قلتُ : قد خرَّج هذا الحديثَ مسلم وأبو داودَ (٢) وغيرُهما بسياق يدل على
بطلان هذا التفسير ، من رواية عُبادةَ بنِ الوليدِ بنِ عُبادةَ بنِ الصَّامِتِ ، عن جابرٍ،
(١) في ((شرح البخاري)) له (١/ ٣٥٢).
(٢) مسلم (٢٣١/٨) وأبو داود (٦٣٤).

١٥٥
٦ - باب إذا كان الثوب ضيقًا
كتاب الصلاة
فذَكَر حديثًا طويلاً، وفيه: قال: كنتُ مع النبي ◌ِِّ فِي غَزاة ، فقام يصلي ،
وكانت عليَّ بردةٌ ذهبتُ أُخالِف بين طَرَفَيْها ، فلم يَبْلُغ لي ، وكانت لها ذباذبٌ
فَنَكَسْتُها ، ثم خالفتُ بين طرفيها ، ثم تَواقَصْتُ عليها لا تَسْقُطُ ، ثم جئتُ حتى
قمتُ عن يسار رسول اللّه ◌َلَهر، فأخذ بيدي فأدارني حتى أَقامني عن يمينه ،
فجاء جَبَّارُ بنُ صَخْرٍ فقام عن يساره ، فأخذَنا بيديه جميعًا حتى أقامنا خلفَه . قال:
وجَعَل رسول اللّهِ بَّه يَرْمُقُنِي وأنا لا أَشْعُر، ثم فَطَنْتُ به، فأشار إليَّ أَن أَّزِر
بها، فلما فَرَغْ رسول اللّه بَِّلَّ قال: ((يا جابرُ)) قلتُ: لَبَّيْكَ يا رسولَ اللّه،
قال: ((إذا كان واسعًا فخالفْ بين طَرَفَيْه، وإذا كان ضيِّقًا فاشْدُدْه على حَقْوك)).
فهذا السياق يدل على أن بُرْدَةَ جابرٍ كانت ضيقةً ، لا تَتَسِع للاتزار بها
والارتداء ، ولذلك تَواقَص عليها لئلا تَسْقُطَ .
قال الخطابي في ((المعالم)) (١): معناه: أنه ثَنَى عُنْقَه لِيُمْسِك الثوبَ به ، كأنه
يَحكي خِلْقَةَ الأَوْقَصِ من الناس - يعني: مائِلَ العُنُقِ .
وقد استدل بهذا الحديث مَن قال : إن الصلاة بإزار واحد مع إعراء المَنْكِبَيْنِ
صحيحةٌ؛ فإن النبي وَلَّ أمر جابرًا أن يَتَّزِّرَ ويصلي لما عَجَزَ عن سَتْرِ عَوْرَتِه
ومَنْكِبَيْه بالبردة التي عليه لِضِيقها .
وممن استدل بذلك الشافعيُّ وأصحابه ومَن وافَقَهم .
وقد روى شُرَحْبِيلُ بنُ سَعْدٍ، عن جابر، قال قال رسول اللّه وَله: ((إذا ما
أَتَّسَعِ الثوبُ فتعاطَفْ به على مَنْكِبَيْكَ، [ ثم صلِّ](٢) وإذا ضاق عن ذلك فشُدَّ به
حَقْوَيْكَ، ثم صَلٌّ على غير رداء)) .
خرجه الإمام أحمدُ (٣)، وشرحبيلٌ هذا مختلفَ في أَمْره .
(١) (٣٢٣/١). قاله شرحًا لقول جابر - رضى الله عنه -: ((تواقصت عليها)).
(٢) زيادة من ((المسند)).
(٣) (٣٣٥/٣) .

١٥٦
حديث : ٣٦١
كتاب الصلاة
وأجاب أصحابنا عن ذلك من وجهين :
أحدهما : ما أجاب به أبو بكرِ الأَثْرَمُ : أن ذلك محمول على حالة العجز عن
ستر المنكبين ، والنهي عن إعرائهما إنما يكون للقادر على سترهما .
وهذا - أيضًا - قول إسحاقَ ، قال : إن أَعرى منكبيه في الصلاة من ضرورة
فجائزٌ - : نَقَلَه عنه حَرْبٌ .
والثاني : أن حديث جابر هذا محمول على صلاة النافلة ، وحديث
أبي هريرةَ محمول على صلاة الفرض ، وهذا جواب أبي بكرٍ عبدِ العزيزِ بنِ
جَعْفَرٍ .
ويَشهد له : أنَّ في رواية البخاري أن ذلك كان ليلاً ؛ وقوله : ((ما السّرَى
يا جابرُ ؟)) يدل على أنه كان من آخر الليل ، فيحتمل أن تكون تلك صلاةً
الليل، أو صلاةَ الوِتْرِ . والله أعلم .
وقال حَنْبَلٌ : قيل لأبي عبدِ اللَّهِ - يعني: أحمدَ - : الرجلُ يكون عليه
الثوبُ اللطيف لا يَبلغ أن يَعْقِدَه، ترى أن يَتَّزِر به ويصلي ؟ قال : لا أرى ذلك
مَجْزِئًا عنه ، وإن كان الثوب لطيفًا صلى قاعدًا وعَقَدَه من ورائه ، على ما فَعَل
أصحاب النبي ◌َّ في الثوب الواحد .
وهذه رواية مشكلةٌ جدًا ، ولم يَرَوها عن أحمدَ غيرُ حنبلٍ ، وهو ثقة إلا أنه
يَهِمُ أحيانًا، وقد اختَلَف متقدمو الأصحاب فيما تَفَرَّد به حنبلٌ عن أحمدَ: هل
تَثْبُت به روايةٌ عنه أم لا ؟
ولكن اعتمد الأصحاب على هذه الرواية ، ثم اختلفوا في معناها :
فقال القاضي أبو يَعْلَى ومن اتَّبَعَه : مَن وَجَد ما يَسْتُرُ بِهِ مَنْكِبَيْه أو عورتَه ولا
يكفي إلا أحَدهما فإنه يَستر عورتَه(١)، ويصلي جالسًا؛ لأن الجلوس بدلٌ عن
(١) في هامش الأصل ((ق)): ((صوابه: المنكبين)).
٩

١٥٧
٦ - بابٌ إذا كان الثوب ضيقًا
كتاب الصلاة
القيام ، ويحصل به سترُ العورة ، فيستر بالثوب اللطيف مَنْكِبَيْه حيث لم يكن له
بدلٌ .
وقال طائفة من أصحابنا : إذا كان الثوب يستر منكبيه وعجيزتَه سَتَرَهما ،
وصلى قاعداً لحصول ستر المنكبين وستر العورة ، فإن لم يَحْوِهما اتَّزَر به ،
وصلى قائمًا .
وهؤلاء ، منهم: من اعتبَر سترَ عَجُزِهِ خاصة ، فيكون قُبُلُه مستترًا بالجلوس.
وهذا إنما يصح على قولنا : إن العورة الفَرْجانِ خاصةً ، فأما على المذهب
المشهور : أن العورة ما بين السُّرَّةِ والرُّكْبة فقد حَصَل كشفُ معظمِ العورةِ ، وسَتْرُ
ذلك آكَدُ من ستر المنكبين .
ومنهم : من اعتبَر سترَ جميع عورتهِ مع المنكبين ، فأسقط القيامَ لذلك ،
وهو ظاهرُ كلامٍ ابنِ أبي موسى ، وهو أقربُ .
وقياسُ المذهبِ : أنه لا يلزمَه ذلك في هذه الحال ، بل يُخَيَّر بينه وبين سَتْرِ
عورتهِ وحدَها وصلاتهِ قائمًا ، كما يُخَيَّر العاري بين أن يصلي قاعدًا مراعاةً لستر
بعض عورتهِ بالجلوس وبين أن يصليَ قائمًا مراعاة لرُكْن القيامِ .
ولأصحابنا وجهٌ آخر : أنه يَلْزَمهُ أن يستر عورتهَ ويصلي قائمًا كقول جمهور
العلماء ، ورَجَّحه صاحب ((المغني))؛ لأن القيام وسترَ العورة واجبان بالإجماع ،
بخلاف سَتْرِ المنكبين .
وعليه يَدُلُّ : حديثُ جابرِ المخرَّجُ في هذا الباب ، وحديثُ سَهْلِ بنِ سعد
كما سيأتي - إن شاء اللّه تعالى - ، وإليه أشار أحمدُ في رواية حنبلٍ بقوله :
((وعَقَدَه من ورائه على ما فَعَل أصحابُ النبيِ نَّ))، لكن حديث سهلٍ ليس فيه
أنهم كانوا يُصَلُّون جلوسًا .
وقول الأَثْرَمِ وإسحاقَ بنِ راهويه : أنه يُفَرَّق في ستر المنكبين بين القادر

١٥٨
حديث : ٣٦٢
كتاب الصلاة
والعاجز ، فيجب مع القدرة ويسقط عند العجز أشبه الأقاويل في المسألة ، وعليه
يدل تبويب البخاريِّ . واللّه أعلم.
الحديث الثاني :
٣٦٢ - حدَّثْنَا مُسَدَّدٌ، ثنا يحيى، عن سُفْيانَ: ثنا أبو حازمٍ سَلَمَةُ بنُ دِینارٍ ، عن
سَهْل، قال : كان رجالٌ يُصَلُّون مع النبي ◌َُّ عاقِدِي أُزْرِهم على أَعْناقهم كَهَيْئَةِ
الصِّبْيان. وقالَ (١) للنساء: ((لا تَرْفَعْنَ رُءُوسِكُنَّ حتَّى يَسْتَوي الرِّجالُ جُلُوسًا)).
في هذا الحديث من الفقه : أن الإزار الضيقَ يُعْقَد على القفا إذا أمكن
لَيَحْصُل به سَتْرُ بعضِ المَنْكِبَيْن مع العورة ، ولهذا استدل به الإمام أحمدُ في
رواية حنبلٍ كما سَبَق .
وفيه : أن صفوفَ النساء كانت خلفَ الرجال .
وفيه : أن من انكشفَ من عورته يسيرٌ في صلاةٍ لم تَبطل صلاتهُ .
وقد استدل بذلك طائفةٌ من الفقهاء ، وتَوَقَّف فيه الإمام أحمد ، وقال :
ليس هو بالبيِّن .
يُشِير إلى أنه لم يُذْكَر فيه انكشافُ العورة حقيقةً ، إنما فيه خشيةُ ذلك ؛
وإنما ذَكَر حديثُ عمرو بنِ سَلَمَةَ الجرميِّ أنه كان يصلي بقومه في بُرْدَةٍ له صغيرةٍ
فكان إذا سجد تقلصتْ عنه فيبدو بعضُ عورته حتى قالت عجوز مِن وَرائه : ألا
تُغَطُّونَ عَنَّا اسْتَ قارِئِكم .
وقد خرَّجه البخاري في موضعٍ آخرَ من ((كتابه)) هذا(٢).
ومذهب أحمدَ : أنه إذا انكشفت العورة كلُّها أو كثيرٌ منها ، ثم سَتَرَها في
(١) وفي نسخة: ((ويقال)).
وفي هامش الأصل: ((ق)): ((في ((صحيح مسلم)): ((فقال قائل)).
(٢) برقم (٤٣٠٢)، وهو في («المسند» (٣٠/٥ - ٧١).

١٥٩
٦ - بابٌ إذا كان الثوب ضيقًا
كتاب الصلاة
زمن يسيرِ لم تبطل الصلاةُ ؛ وكذلك إن انكشفتْ منها شيء يسيرٌ ، وهو ما لا
يُسْتَفْحَش في النظر ولو طال زمنُه ، وإن كان كثيرًا وطالت مدةُ انكشافه بَطَلَتِ
الصلاةُ .
وكذا قال الثَّوْرِيُّ: لو انكشفت عورتُه في صلاته لم يُعدْ - ومراده : إذا أَعاد
سَتْرَها في الحال .
ومذهب الشافعي : أنه يُعيد الصلاةَ بانكشافها بكل حال ، وعن أحمد ما يدل
عليه .
وعن أبي حنيفةَ وأصحابِهِ : إنِ انكشفَ [ من ] (١) المغلظةِ دونَ قَدْرِ الدِّرْهَمِ
فلا إعادةَ ، ومن المخففة إن انكشف دونَ رُبُعها فكذلك ، ويُعيد فيما زاد على
ذلك .
ولا فَرْقَ بين العَمْدِ والسهو في ذلك عند الأكثرين .
وقال إسحاقُ : إن لم يَعلم بذلك إلا بعد انقضاء صلاته لم يُعد .
وهو الصحيح عند أصحاب مالك ــ أيضًا .
وحكي عن طائفة من المالكية : أن من صلى عاريًا فإنه يعيد في الوقت ولا
يعيده بعدَه . وقالوا : ليس سترُ العورة من فرائض الصلاة كالوضوء ، بل هو
سُنَّةٌ .
والمنصوص عن مالك : أن الحُرَّةَ إذا صلتْ باديةَ الشَّعرِ أو الصدر أو ظهورِ
القدمين أعادت في الوقت خاصةً .
(١) زيادة للسياق .
٠

١٦٠
٧ - باب الصلاة في الجبة الشامية
كتاب الصلاة
٧ -بَابُ
الصلاة في الجِنَّةِ الشَّامِيَّةِ
وقال الْحَسَنُ في ثيابٍ تَنْسُجُها الْمَجُوسُ : لم يَرَ بها بأسًا .
وقال مَعْمَرٌ : رأيْتُ الزُّهْرِيُّ يَبَسُ من ثيابِ الْيَمَنِ مَا صُبِغَ بالبَوْلِ .
وصلَّى عليٌّ - رضي اللهُ عنهُ - في ثَوْبٍ غيرِ مَقْصورٍ .
المقصود بهذا الباب : جوازُ الصلاة في الثياب التي يَنسجها الكفارُ ، وسواءٌ
نَسَجُوها في بلادهم وجُلِبَتْ منها ، أو نُسِجَتْ في بلاد المسلمين .
روى أبو إسحاقَ الفَزَارِيُّ، عن زائدةَ ومَخْلَدٍ ، عن هشامٍ ، عن الحَسَنِ ،
أنه قال في الثياب التي تَنسجها المجوسُ فيؤتى بها قبل أن تُغْسَل : لا بأسَ بالصلاة
فيها .
وروى سعيدُ بنُ منصور: ثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ، عن مَطَرِ الوَرَّاقِ ، عن
الحَسَنِ ، أنه كان لا يرى بأسًا أن يصلي في السابري والدّسْتَوائي ونحوِ ذلك قبل
أن تُغسل .
وروى وكيعٌ في ((كتابه)) عن الرَّبِيعِ بنِ صُبَيْحٍ ، عن الحَسَنِ ، قال : لا بأس
مما يعمل المجوسُ من الثياب .
وعن علي بن صالحٍ ، عن عَطاء أبي محمد (١)، قال: رأيتُ على عليّ
قميصًا من هذه الكَرابِيسِ ، لَبِيسًا غيرَ غَسِيلٍ .
ورواه عبدُ اللَّهِ بنُ الإمامِ أحمدَ في ((كتاب العلل))(٣): ثنا أبي: ثنا محمدُ بنُ
رَبِيعَةَ : ثنا عليّ بنُ صالحٍ : حدثني عَطاءٌ أبو محمدٍ ، قال : رأيتُ عليًا اشترى
(١) في هامش الأصل ((ق)): ((عطاء هذا ضعفه ابن معين)).
(٢) (٤٠٤٩) .