Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
٥ - باب التيمم للوجه والکفین
كتاب التيمم
التيمم ضربتين(١): ضربة للوجه ، وضربة للكَفَّيْن .
قال : وثنا أحمدُ بنُ خنبلِ : ثنا سُلَيْمانُ بنُ حَيَّنَ: أبنا حَجَّاجٌ ، عن عَطاءِ
والحَكَمِ ، عن إبراهيمَ ، قال : التيمم ضربتان للكفين والوجه .
قال : وثنا محمودُ بنُ خالدٍ : ثنا الوليدُ بنُ مُسْلِمٍ ، عن [حامد](٢) وسعيدٍ بن
بَشِيرٍ ، عن قَتَادَةَ ، عن سعيدِ بنِ المُسَيِّبِ ، قال : التيمم ضربةٌ واحدة للوجه
والكفين .
قال الوليد : وأبنا الأوزاعيّ ، عن عطاء ، أنه كان يقول في التيمم: مسحةٌ
واحدة للوجه ، ثم ضربةٌ أخرى لكفَّيْه . وبه يأخذ الأوزاعي .
وروى حَرْب بإسناده عن إسماعيلَ بنَ أبي خالد ، قال : سألتُ الشَّعْبِيَّ عن
التيمم ؟ فضَرَب بيديه الأرضَ ، ثم قَرَن إحداهما بالأخرى ، ثم مَسَح وجهَه
و کفيه .
قال حَرْبٌ : سمعتُ أبا عبدِ اللَّهِ أحمدَ بنَ حَنْبَلٍ يقول : والتيمم ضربة
واحدةٌ للوجه والكفين ، يَبدأ بوجهه ، ثم يَمسح كفيه إحداهما بالأخرى . قيل
له : صَحَّ حديث عَمَّارٍ، عن النبي ◌ِِّ في ذلك؟ قال: نَعَمْ، قد صَحَّ .
والقول بأن الواجب في التيمم مسحُ الكفين فقط : روايةٌ عن مالك ، وقولٌ
قديم للشافعي ، قال في القديم - فيما حكاه البيهقي في ((كتاب المعرفة)) - : قد
روي عن النبي ربَّ في الوجه والكفين، ولو أَعلمُه ثابتًا لم أَعْدُه. قال: فإنه
ثَبَت عن عَمَّارِ، عن النبيِ وَّر الوجه والكفين ، ولم يثبت إلى المرفقين ، فما
يَثبت عن النبي ◌َِّ أَولى، وبهذا كان يُفْتي سعيدُ بنُ سالمٍ . انتهى.
ومن العلماء من قال : الواجب مَسْحُ اليدين إلى الكوعين ، ويُستحب
(١) كذا .
(٢) كذا في ((ق))، وفي ((ك)): ((خليل))، والله أعلم.
٠٠

٦٢
حديث : ٣٣٩ - ٣٤٣
کتاب التيمم
مسحهما إلى المرفقين ، ولعله مرادُ كثيرٍ من السَّلَف - أيضًا - ؛ فإن منهم من
ے
رُوي عنه: إلى الكوعين . وروي عنه : إلى المرفقين ، كالشَّعْبِيِّ وغيره ، فدل
على أن الكُلَّ عندهم جائز .
وهو - أيضًا - رواية عن مالك ، وقولُ وكيعٍ ، وإسحاقَ ، وطائفةٍ من
أصحابنا ، وحكَوْه روايةً عن أحمد ، والمنصوصُ عنه يَدُلُّ على أن ذلك جائز،
لا أنه أفضلُ .
وسيأتي ذِكْرُ الضربة الواحدة ، والضربتين فيما بعد - إن شاء الله
تعالى - ؛ فإن البخاري أَفْرَدَ لذلك بابًا .

٦٣
٦ - باب الصعيد الطيب وضوء المسلم يكفيه من الماء
كتاب التيمم
٦ - بابٌ
الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ الْمُسْلِمْ، يَكْفِهِ مِنَ الْمَاءِ
وقال الحَسَنُ: يُجْزِئُهُ النَّهُمُ مَا لَمْ يُحْدِثْ.
وأَمَّابنُ عَبَّاسٍ وهوَ مُنَمِّمٌ.
وقال يحيى بنُ سَعِيدٍ: لا بأسَ بِالصَّلاةِ على السَّخَة والتَّمُّمِ بها أوْ عليها .
ما بوَّب عليه البخاري من أن الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ وضوءُ المسلم : قد روي عن
النبي وَّهِ، ولكنَّ إسنادَه ليس على شرط البخاري، وقد خرَّجه الإمام أحمدَ ،
وأبو داودَ ، والنسائي، والترمذي(١) من حديث أبي قلابةَ ، عن عمرٍو بنِ
بُجْدانَ، عن أبي ذرٍّ، عن النبيِ بَّه، قال: ((الصعيد الطيب وضوء
المسلم)) - وفي رواية : ((طَهور المسلم - وإن لم يَجِدِ الماءَ عشرَ سنين ، فإذا
وَجَدَ الماء فليُمِسَّه بشرته ، فإن ذلك خير)) .
وقال الترمذي : حسن صحيح .
وخرجه ابنُ حِبَّنَ في ((صحيحه))، والدار قطني ، وصححه ، والحاكم .
وتكلم فيه بعضُهم ؛ لاختلافٍ وَقَع في تسمية شيخ أبي قلابةَ ؛ ولأن عمرَو
ابنَ بُجدانَ غيرُ معروف - : قاله الإمام أحمدُ وغيرُه .
وقد روي هذا - أيضًا - من حديث ابن سِيرِينَ ، عن أبي هريرةَ ، عن النبي
ـة
خرَّجِه الطَّبَرَانِيُّ والبَزَارُ(٢).
(١) أحمد (١٨٠/١) وأبو داود (٣٣٣) والنسائي (١٧١/١) والترمذي (١٢٤) وابن حبان (١٣١١)
والدار قطني (١٨٧/١) والحاكم (١٧٦/١).
(٢) الطبراني في ((الأوسط)) (١٣٣٣) والبزار (٣١٠ - كشف الأستار).

٦٤
٦ - باب الصعيد الطيب وضوء المسلم يكفيه من الماء كتاب التيمم
ولكن الصحيح عن ابن سيرِينَ مُرسلاً - : قاله الدار قطني(١) وغيره .
وأما ما حكاه عن الحَسَن ، أنه يُجزئه التيممُ ما لم يُحْدِث ، فهذا قول كثيرٍ
من العلماء ، وحكاه ابنُ المُنْذِر عن ابنِ المُسَيَّبِ ، والحَسَنِ ، والزَّهْرِيِّ (٢)،
والثَّوْرِيِّ، وأصحابِ الرَّأي ، ويزيدَ بنِ هارونَ . قال : وروي ذلك عن ابن
عباسٍ ، وأبي جَعْفَرٍ .
وحكاه غيرُ ابنِ المنذر - أيضًا - عن عَطَاءٍ، والنَّخَعَيِّ والحَسَنِ بنِ صالحٍ ،
واللَّيْثِ بنِ سَعْدٍ ، وهو روايةٌ عن أحمدَ ، وقولُ أهلِ الظاهر .
واستُدل لهذه المقالة بحديث: ((الصَّعيدُ الطَّيِّب طَهورُ المسلم))، كما أَشار
إليه البخاري ، وأشار إليه الإمام أحمد - أيضًا .
والمخالفون يقولون : المراد أنه في حكم الوضوء والطهور في استباحة ما
يُستباح بالطُهور بالماء لا في رفع الحَدَث ، بدليل قوله : ((فإذا وجدتَ الماءَ
فأَمسَّ بَشرَتَك)) ، ولو كان الحدثُ قد ارتَفَع لم يُقَيِّد بوجود الماء .
وقد طَرَّد أبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرحمنِ قولَه في أنه يَرفع الحَدَث ، فقال :
يصلي به ، وإن وَجَد الماءَ قَبْل الصلاة، ولا يَنْتَقِض تيممُهُ إلا بحَدَث جدید.
وكذا قال في الجنب إذا تيمم ثم وَجَد الماءَ : لا غُسل عليه .
وهذا شذوذٌ عن العلماء ، ويَرَدُّه قولُه: ((فإذا وجدتَ الماءَ فأَمسَّه بشرتَك))،
ومن العجب أن أبا سلمةَ ممن يقول : إن مَن صلى بالتيمم ثم وَجَد الماءَ في
الوقت أنه يُعيد الصلاةَ ، وهذا تناقضٌ فاحش .
وذهب أكثر العلماء إلى أنه يَتَيَمَّم لكل صلاة ، روي ذلك عن عليَّ وابنٍ
عُمَرَ ، واستدل أحمد بقولهما ، وعن عمرِو بنِ العاصِ ، وابنِ عباسٍ في
(١) فى ((العلل)) (٨/ ٩٣).
(٢) في ((ك)): و((الترمذي)). تصحيف.

٦٥
٦ - باب الصعيد الطيب وضوء المسلم يكفيه من الماء
کتاب التيمم
رواية عنه .
وروى الحَسَنُ بنُ عُمارةَ ، عن الحَكَم ، عن مجاهدٍ ، عن ابنِ عباسٍ ،
قال : من السَّنَّة أن لا يصلي الرَّجُلُ بالتيمم إلا صلاةً واحدة ، ثم يَتَيَمّم للصلاة
الأخرى(١).
وهذا في حُكم المرفوع ، إلا أن الحَسَنَ بنَ عُمارةَ ضعيف جدًا .
وهو قولُ الشَّعْبِيِّ، وقتادةَ، والنَّخَعَيِّ، ومَكْحُولِ ، وشَرِيكِ ، ويَحيى بنِ
سعيدٍ، ورَبِيعةَ، وحكي عن اللَّيْثِ - أيضًا - ، وهو قول مالك ، والشافعي ،
وأحمدَ في ظاهر مذهبه ، وإسحاقَ ، وأبي ثَوْرِ وغيرِهم .
وقال إسحاقُ : هذا هو السُنّةِ .
وبناه ربيعةُ ويَحيى بنُ سعيدٍ ومالكٌ وأحمدُ على وجوب طَلَبِ الماء لكل
صلاة ، وقد سَبَقت الإشارةُ إلى هذه المسألة في ((كتاب: الوضوء).
ثم اختَلَف القائلون بالتيمم لكل صلاة على ثلاثة أقوال :
أحدها : أنه يجب التيممُ لكل صلاة مفروضة ، سواءٌ فُعِلَتْ كلُّ مفروضة في
وقتها أو جُمع بين فريضتين في وقت واحد ، وهو قول مالك والشافعي
وإسحاقَ ، وروايةٌ عن أحمدَ .
والثاني : أنه يجب التيممُ في وقت كل صلاة مفروضة ، ثم يصلي بذلك
التيمم ما شاء ، ويَقضي به فوائتَ ، ويَجمع به فرائض ، ويصلي به حتى يَخرج
ذلك الوقت ، وهذا هو المشهور عن أحمد ، وقول أبي ثَوْرٍ والمُزِّنِيِّ .
والثالث : أنه يتيمم لكل صلاة فَرِضًا كانت أو نَفلاً ، حكي عن شَرِيكِ،
وهو وجه ضعيف لأصحابنا .
ومذهب مالك : لا يصلي نافلة ومكتوبة بتيمم واحد إلا أن تكون نافلة
(١) ((السنن الكبرى)) للبيهقي (٢٢١/١).

٦٦
٦ - باب الصعيد الطيب وضوء المسلم يكفيه من الماء كتاب التيمم
بعد مكتوبة ، قال : وإن صلى ركعتي الفجر بتيمم واحد أعاد التيمم لصلاة
الفجر .
وقد ذهب طائفة ممن يرى أن التيمم يُصَلَّى به ما لم يُحدث إلى أنه يرفع
الحدث رفعًا مؤقتًا بوجود الماء، وهو قول طائفة من أصحابنا والحنفية والظاهرية،
ووافقهم طائفةٌ ممن يرى أن لا يُصلَّى به فريضتان من الشافعية كابن سُرَيْجٍ ، ومن
المالكية ، وقالوا : إنه ظاهرُ قولِ مالك في ((الموطٍ)(١).
ولهذا قيل : إن النزاع في هذه المسألة عند هؤلاء لفظي لا معنوي ، وإنما
يكون النزاع [فيها] (٢) معنويًا مع أبي سلمةَ بنِ عبد الرحمن كما سَبَق حكايةُ قوله .
والله أعلم .
وأما ما حكاه عن ابنِ عباسٍ أنه أَمَّ وهو متيمم ، فالمراد : أنه أم المتوضئين
وهو متيمم ، وقد حكاه الإمام أحمد عن ابن عباس أيضًا ، واحتَجَّ به .
وقد خرَّجه سعيدُ بنُ منصورِ : ثنا جَرِيرُ بنُ عبدِ الحميدِ ، عن أَشْعَثَ بنِ
إسحاقَ ، عن جعفرِ بنِ أبي المغيرةِ ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ ، قال : كان ابنُ عباسٍ
في نَفَرِ من أصحاب محمد ◌ََّ، منهم: عَمَّارُ بنُ ياسرٍ ، وكانوا يقدمونه يصلي
بهم لقرابته من رسول اللّه وَل، وصلى بهم ذاتَ يومٍ ، فأخبرهم أنه صلى بهم
وهو جنب متيمم .
ورَخَّص في ذلك سعيدُ بنُ المُسَيَّب ، والحَسَنُ ، وعَطاءٌ ، والزَّهْريَّ ،
وحَمَّادٌ، ومالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأحمدُ ، وإسحاقُ ، وأبو حنيفةَ ،
وأبو يوسفَ ، وأبو ثَوْرِ ، وهو روايةٌ عن الأوزاعيِّ.
وگره ذلك آخرون :
(١) (ص ٥٨) .
(٢) من ((ك)).

٦٧
٦- باب الصعيد الطيب وضوء المسلم يكفيه من الماء
كتاب التيمم
روى أبو إسحاقَ ، عن الحارثِ ، عن عليٍّ، قال: لا يَؤُمُّ المتيمِمُ
المتوضئءَ (١).
وكرهه النَّخْعِيُّ، والحَسَنُ بنُ حَيٍّ ، والأوزاعيّ في رواية ، ويَحيى بن
سعيدٍ ، وربيعةُ ، ومحمدُ بنُ الحَسَنِ .
وعن الأوزاعي روايةٌ: أنه لا يؤمُّهم إلا أن يكون [أميرًا](٢)، وإن كانوا
متيممين فله أن يؤمهم ، كذلك قال الأوزاعي وربيعةُ ويحيى بنُ سعيد .
وهذا لا أَحْسَب فيه خِلافًا ، وكلامُ ابنِ المُنْذِرِ يدل على أنه مَحِلٌّ خلاف -
أيضًا - وفيه نَظَرٌ .
وفي المنع من إمامة المتيمم للمتوضئين حديثان مرفوعان من رواية عمرَ بنِ
الخطابِ وجابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ ، وإسنادهما لا يَصِحُ(٣).
وفي الجواز [حديثُ] : صلاةٍ عمرِو بنِ العاصِ بأصحابه وهو جُنُبٌ ، فَتَيَمَّمَ
من البَرْد وصلَّى بهم وذَكَر ذلك للنبي وَّ، وقد ذَكَره البخاري فيما بعد -
تعليقًا(٤) - وسنذكره في موضعه - إن شاء الله تعالى.
وذكْرُ البخاريِّ لهذه المسألة في هذا الباب قد يُشعر بأن مأخذ جوازِ ذلك عنده
أن التيمم يَرفع الحدثَ .
وقد قال الزهري : يؤم المتيممُ المتوضئين ؛ لأن اللّه طَهَّرَه .
وقال الأوزاعي - في رواية أبي إسحاقَ الفزاريِّ ، عنه - : يؤمهم ، ما زادته
فريضةُ اللَّهِ ورخصتُهُ إلا طُهورًا .
وأكثر العلماء لم يَبْنُوا جوازَ إمامته على رَفع حَدَثه ، ولهذا أجاز ذلك كثيرٌ
(١) هو عند البيهقي (٢٣٤/١) .
(٢) في ((ك)): ((أقرأ).
(٣) رواية جابر، عند البيهقي (٢٣٤/١).
(٤) في الباب السابع من ((كتاب التيمم)).

٦٨
٦ - باب الصعيد الطيب وضوء المسلم يكفيه من الماء كتاب التيمم
ممن يقول : إن التيمم لا يَرفع الحدثَ كمالك والشافعي وأحمدَ ، لكن الإمام
أحمدَ ذَكَر أن ما فعله ابن عباسٍ يُستدل به على أن طهارةَ التيممٍ كطهارة الماء
يصلي بها ما لم يُحدث . ولكن لا يختلف مذهبه في صحة ائتمام المتوضئ
والمغتسِلِ بالمتيمم ؛ فإن المتيمم يصلي بطهارة شرعية قائمة مقامَ الطهارة بالماء
في الحُكْمٍ ، فهو كائتمام الغاسل لرجليه بالماسح لخُفيه ، بخلاف من لم يجد ماء
ولا ترابًا فإنه لا يأتم به متوضئ ولا مُتْيممٌ ، ولا يأتم به إلا من هو مثله ؛ لأنه
لم يأت بطهارة شرعية بالكلية .
والمانعون من ائتمام المتوضئ بالمتيمم ألحقوه بائتمام القارئ بالأمي الذي لا
يَقرأ الفاتحةَ إذا صلى بتسبيحٍ وذِكْرٍ ، وبصلاة القائم خلفَ القاعد ؛ فإن كلاً منهما
أتى بَدَلِ ، ولا يَصِحَّ أن يأتم به إلا من هو مثلُه .
ويُجاب عن ذلك: بأن الأُمِّيَّ مُخِلٌّ برُكن القيام الأعظم وهو القراءة ،
والقرآن مقصود لذاته في الصلاة بخلاف الطهارة ؛ فإنها لا تراد لذاتها بل لغيرها،
وهو استباحة الصلاة بها ، والتيمم يبيح الصلاةَ كطهارة الماء .
وأما ائتمام القائم بالقاعد فقد أجازه جماعةٌ من العلماء ، وأجازه أحمد في
صورة خاصة ، فإن القاعد قد أتى بيَدَل القيام وهو الجلوس ، وأتى بركن القيام
الأعظم وهو القراءة .
وأما ما حكاه عن يحيى بن سعيدٍ ، أنه لا بأسَ بالتيمم بالسَّخَة والصلاة
عليها :
فالأرض السَّبِخَةُ هي المالحة التي لا تُنْبِت ، وأكثر العلماء على جواز التيمم
بها ، وقد تَيَمَّم النبي ◌ِِّ بالجدار خارجَ المدينة(١)، وأرض المدينة سَبخةٌ، وهو
قول مالكِ والأَوْزَاعِيِّ والثَّوْرِيِّ وأبي حَنِفَةَ والشَّافِعِيِّ وغيرِهم.
(١) ((السنن الكبرى)) للبيهقي (٢٠٥/١).

٦٩
٦ - باب الصعيد الطيب وضوء المسلم يكفيه من الماء
کتاب التيمم
وقال إسحاقُ : لا تَيَمُّمَ بالسِّباخ لأنها لا تُنبت ، وقد فَسَّر ابن عباسِ الصَّعِيدَ
الطَّيِّب بأرض الحَرْثِ ، والسِّباخ ليست كذلك .
واختلف قول الإمام أحمدَ فيه ، فقال - في رواية - : لا يُعجبني التيممُ بها .
وقال - مرةً - : إن لم يَجِد فلا بأسَ . وقال - مرةً - : إن تَيَمَّم منها يُجْزِئُه ،
وأرض الحَرْثِ أَحَبُّ إليَّ . وقال - مرةً - : إن اضطر إليها أجزأه ، وإن لم يَضطر
فلينظر الموضعَ الطيب - يعني : ترابَ الحَرْثِ - وقال - مرةً - : مِن الناس مَن
يَتَوَقَّى ذلك ، وذلك أن السَّبَخَةَ تُشبه المِلْحَ .
واستدل بقول ابن عباسٍ : ((أَطيب الصَّعِيدِ أرضُ الحَرْثِ)). ولكن هذا يَدُلُّ
على أن غير أرض الحرث تُسمى صعيدًا - أيضًا - ، لكن أرض الحرث أطيبُ
منها .
قال أبو بكرِ الخلالُ : السِّباخ ليس هي عند أبي عبد اللّه كأرض الحَرْثِ ، إلا
أنه سَهَّل بها إذا اضطر إليها ، وإنما سهل بها إذا كان لها غُبارٌ ، فأما إن كانت
فَحْلَةٌ كالمِلْحِ فلا يُتَمِّمُ بها أصلاً .
وأما الصلاة في السِّباخ ، فقال أحمد - مرةً - : تجزئه ، وقال - مرةً - : ما
سمعتُ فيها شيئًا .
وقال حَرْبٌ : قلت لأحمدَ : هل بَلَغَك أن أحدًا كَرِه الصلاة في الأرض
السَّبخة ؟ قال : لا .
قال حَرْبٌ : ثنا عبدُ الوَهَّابِ بنُ الضَّحَاكِ : حدثني إسماعيلُ بنُ عَاشٍ ،
قال : سمعتُ أُناسًا من أهل العلم يكرهون الصلاة في السِّباخ، ورَخَّص جماعةٌ
من أهل العلم في الصلاة في السِّباخ .
عبد الوهاب هذا ، لا يُعتمد عليه .
وخرَّج البخاري في هذا الباب حديثَ عِمرانَ بنِ حُصَيْنٍ بطوله ، فقال :

٧٠
حديث : ٣٤٤
كتاب التيمم
٣٤٤ - حدَّنَا مُسَدَّدُ بنُ مُسَرْهَد: ثنا يحيى بن سَعيد: ثنا عَوْفٌ: ثنا أبو رجاء،
عن عِمرانَ بنِ حُصَيْنٍ، قال: كنَّا فِي سَفَرٍ مع النبيَِّ، وإِنَّا أَسْرَيْنًا، حتى كُنَّا في
آخرِ اللَّيْلِ وَقَعْنا وَقْعَةً ، ولا وقعَةً أَحْلَى عند المسافر منها، فما أَيْقَظَنَا إلاَّ حَرُّ
ے
الشمسِ ، فكان أولَ من استَيقِظ فلانٌ ثُم فلانٌ ثُم فلانٌ - يُسَمِيْهِم أبو رَجاءٍ ، فَسِيَ
عَوْفٌ -، ثُم عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ الرابعُ، وكان النبيُّ ◌َ﴿ إذا نام لمْ نُوقِظْه حتى يكونَ
هوَ يَستيقظُ ؛ لأنَّا لا نَدْري ما يَحْدُث له في نَومه، فلما استَيقظ عُمَرُ ورأَى ما
أَصابَ الناسَ - وكان رَجُلاً جَلِيدًا -، فَكَبَّرَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ بالَّكْبِيرِ ، فما زال يُكَبِر
ويَرْفَعُ صَوْتَهُ بالتّكْبِير حتى استيقظ لصَوته النبيِّ ◌َِّ، فلما استيقظ شَكَوْا إليه الَّذي
أَصابهمْ، فقال: ((لا ضَيْرَ - أَوْ: لا يَضِيرُ -، ارْتَحِلُوا))، فارتَحَلُوا(١) فسار غيرَ
بَعِيدٍ، ثم نَزَلَ فدَعَا بالوضوء فتوضًاً، ونُودِي بالصلاة، فصلَّى بالنَّاس ، فلمَّا انْفَتَل
من صلاته إذا هو برَجُلٍ مُعْتَزِلٍ لم يُصَلِّ مع القَوْم ، فقالَ: «مَا مَنَعَكَ يا فُلانُ أنْ
تُصَلِّي مع القوم؟)) قال: أَصابَتْنِي جَنَابَةٌ ، ولا ماءَ ، قال: ((عَلَيْكَ بالصَّعيد ؛ فإنَّه
يَكْفِيكَ))، ثمَّ سار النبيِّ وََّ، فَاشْتَكَى الناسُ إليه من العَطَش، فنزل فدَعا فُلانًا - كان
يُسَمِّيه أُبُو رجاء، نَسَيَه عَوْفٌ -، ودَعا عليًا، فقال: ((اذْهَبَا فابْتَغيا الماءَ))، فانْطَلَقا
فتَلَقَّيَا امْرأَةً بَيْن مَزَادَتَيْنِ - أَوْ سَطِيحَتَيْنِ - منْ ماءِ على بَعِيرٍ لها ، فقالا لها : أَيْنِ
الماءُ ؟ قالت: عَهْدي بالماء أَمْس هذه السَّعةَ، ونَفَرُنَا خُلُوفًا (٢)، فقالا لها:
انْطَلِقِي إذًّا، قالت : إلى أين؟ قالا: إلى رسول اللَّه بَّ. قالت : الذي يُقال له
الصَّابِئُ ؟ قالا: هو الذي تَعْنِينَ ، فانْطَلِقِي، فجاءَاَ بها إلى النبيِ نَّهِ، وحَدَّثَاهُ
الحَديثَ، قال: فاسْتَنْزَلُوها عن بَعيرها، ودعا النبيّ ◌ََِّ بإناء، فَفَرَّغَ فيه من أَفْواه
(١) في نسخة: ((فارتحل)).
(٢) في نسخة: ((خلوفٌ)).

٧١
٦ - باب الصعيد الطيب وضوء المسلم يكفيه من الماء
كتاب التيمم
المَزَادَتَيْن - أو السَّطِيحَتَيْن -، وأَوْكَأ أفواهَهما، وأَطْلَقَ العَزاليَ، ونُودي في النَّاس :
اسْقُوا واسْتَقُوا ، فسَقَى مَن سَقَى ، واستَقَى مَن شاء، وكان آخرُ ذلكَ أنْ أَعْطَى
الذي أصابته الجنابةُ إناءً من ماء ، قال: ((اذْهَبْ فَأَفْرِغْه عليكَ)) . وهي قائمةٌ تَنْظُر
إلى ما يُفْعَل بمائها، وايْمُ اللَّهِ ، لقد أُفْلِع عنها وإنه ليُخَيَّل إلينا أنها أشدُّ ملأَةً منها
حين ابتدأ فيها، فقال النبي ◌َّ: ((اجمعُوا لها))، فجمعُوا لها من بين عَجْوَة ودَقيقَة
وسَويقَة ، حتى جَمَعُوا لها طعامًا فجعلوه في ثوب ، وحَمَلُوها على بعيرها ،
ووضعوا الثوْبَ بَيْن يديها. قال لها: «تَعْلَمِينَ مَا رَزَثْنا منْ مائك شيئًا ، ولكنَّ اللّه
هو الَّذِي أَسْمانَا)) ، فأتتْ أهلَها وقد احتَبَسَتْ عنهمْ، قالوا : ما حَبَسَك يا فُلانةُ ؟
قالت : العَجَبُ! لَقَيَنِي رَجُلان، فذهبا بي إلى هذا الرَّجُل الذي يقال له : الصَّابِئُ،
ففَعَل كذا وكذا، فوالله، إنَّه لأَسْحَرُ النَّاس من بين هذه وهذه - وقالتْ بإصْبَعَيْها
الوُسْطَى والسَّبَّابة فرفعتهُما إلى السَّماء - تَعْني: السماءَ والأرض -، أو إنه
لرسولُ اللّه حَقًا، فكان المسْلمُون بعد ذلك يُغيرون على مَن حولها من
المشركين ولا يُصيبُون الصِّرْمَ الَّذي هي منْه ، فقالت يومًا لقومها: ما أرى أَنَّ هؤُلاء
القومَ يَدَعُونَكُمْ عَمْدًا ، فهلْ لَكُمْ فِي الإِسلام؟ فأطاعُوها فدخلوا في الإِسلام .
قال أبو عبد الله : صباً : خرج من دِین إلى غيره .
وقال أبو العالية: الصَّابْتُونَ (١): فرْقَةٌ من أهل الكتاب يَقْرَءُونَ الزُّبُورَ .
فوائد هذا الحديث كثيرةٌ جدًا، ونحن نُشِير إلى مُهمَّاتها إشارةً لطيفة - إن
شاء اللّه تعالى :
فأما قوله : (كان النبي وَلٍ﴿ إذا نام لم يوقظه أَحَدٌ حتى يكونَ هو يَستيقظ،
لأنا لا نَدري ما يَحدث له في نومه)»، فالمراد: أنه وَلّ كان يُوحى إليه في نومه
(١) في نسخة: ((الصابئين)).

٧٢
حديث : ٣٤٤
کتاب التيمم
كما يُوحى إليه في يقظته ، ورؤيا الأنبياءِ وَحْي ، ولهذا كانت تنام أعينُهم ولا تنام
قلوبُهم ، فكانوا يَخْشَون أن يقطعوا عليه الوحيَ إليه بإيقاظه .
ولا تنافيَ بين نومه حتى طلعت الشمسُ وبين يقظة قلبه ؛ فإن عينيه تنامان،
والشمسُ إنما تدرك بحاسَّةِ البَصَرِ لا بالقلب .
وقد يكون اللّه عز وجل أنامه حتى يَسُنَّ لأُمته قضاءَ الصلاة بعد فوات وقتها
بفعله ، فإن ذلك آكد من تعليمه له بالقول ، وقد وَرَد التصريحُ بهذا من حديث
ابن مسعودٍ ، أن النبي بَ لَّ لما صلى بهم الصبحَ ذلك اليومَ بعد طلوعِ الشمسِ
وانصرف قال : ((إن الله عز وجل لو شاء أن لا تناموا عنها لم تناموا، ولكن أراد أن
يكون لمن بعدكم)). خرَّجه الإمام أحمد(١) وغيره .
وهذا يُشبه ما ذَكَرِه مالكٌ في ((الموطٍ))(٢) أنه بلغه عن النبي وَّ، أنه قال:
((إنما أُنَسَّى لأَسُنَّ) .
وقوله : ((ما أَيْقَظَنَا إلا حَرُّ الشمسِ)) ، يدل على أن الشمس كانت قد ارتفعت
وزال وقتُ النهي عن الصلاة ، لأن حرها لا يكاد يُوجَد إلا بعد ذلك، ففي هذا
دليلٌ على أن ارتحالهم عن ذلك المكان لم يكن للامتناع من القضاء في وقت
النهي عن الصلاة ، بل كان تباعدًا عن المكان الذي حضرهم فيه الشيطانُ ، كما
جاء التصريحُ به في حديث آخرَ .
ولكن في ((صحيح مسلم))(٣) في هذا الحديث - أعني: حديثَ عِمْرانَ بنِ
حُصَّيْنِ، أنهم ناموا حتى بَزَغَتِ الشمسُ وأن النبي ◌َِّ لما رَفَع رأسَه ورأى
الشمسَ قد بزغت قال : ((ارْتَحلُوا)) فسار بنا حتى إذا ابيضت الشمسُ نزل فصلى
بنا الْغَدَاةَ .
(١) في ((المسند)) (١/ ٣٩١).
(٢) (ص ٨٣) .
(٣) (٢ /١٤٠) .

٧٣
٦ - باب الصعيد الطيب وضوء المسلم يكفيه من الماء
کتاب التیمم
كذا خرَّجه من رواية سَلْمٍ بنِ زَرِيرٍ ، عن أبي رجاءٍ ، وفي سياقه بعضُ
مخالفة لرواية عَوْفٍ ، عن أبي رجاء التي خرَّجها البخاري ، وفيه : أنه كان أولَ
من استيقظ أبو بكرٍ - رضي اللّه عنه .
وقوله: ((فدعا رسول اللّه وَ ل بالوضوء فتوضأ)) يدل على أن مَن معه ماءٌ
وكان في مَفَازَة فإنه يَتَوَضَّأ منه، ولا يتيمَّمَ ويَحْبِسُهُ خشيةَ أن يُبتلى هو أو أحد من
رُفْقَتِه بعطش .
ويدل على هذا: أن عمرانَ ذَكَر أن النبي وَّ لما صلى بهم وسار شَكَى
الناسُ إليه العطشَ .
وفي رواية سَلْم المشارِ إليها : قال عمرانُ : ثم عَجَلَنِي فِي رَكْبٍ بين يديه ،
نطلبُ الماءَ وقد عَطِشنا عطشًا شديدًا - وذَكَر الحديث ، وهذا محمول على أنه
وَلَه لم يَخْشَ على نفسه عَطَشًا، فإن من خاف على نفسه العطشَ ومعه ماء يسير
فإنه يَتَيَمَّم ويَدَعُهُ لِشُرْبِهِ .
وقد روى عطاءُ بنُ السائبِ ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ ، عن ابن عباسٍ ، قال: إذا
كنتَ مسافرًا وأنت جُنُبٌ أو أنت على غير وضوءٍ فخِفْتَ إن توضأتَ أن تموت من
العطش فلا تَوَضَّأْ ، واحْسْه لنفسك .
خرَّجْه الأَثْرَمُ(١).
وخرَّج الدارقطني(٢) من طريق عَطاءِ بنِ السَّائِبِ، عن زاذانَ ، عن عليٍّ،
في الرجل يكون في السفر فتُصِيبُهُ الجنابةُ ومعه الماء القليل يَخاف أن يعطَش ،
قال : یتیمم ولا يَغتسل .
(١) والبيهقي في ((سننه)) (٢٣٤/١) من حديث عطاء، عن سعيد، عن ابن عباس به. وابن
المنذر في «أوسطه» (٢٩/٢) .
(٢) في ((السنن)) (٢٠٢/١)، وهذا الأثر أخرجه البيهقي (٢٣٤/١) وابن المنذر في ((أوسطه))
(٢٨/٢) من هذا الطريق .

٧٤
حديث : ٣٤٤
کتاب التيمم
قال الإمام أحمد: عِدَّةٌ من أصحاب النبي ◌َّهَ يَحْبسون الماءَ لشفاههم
ويَتَيَمَّمُون . ونَصَّ على أنه لو رأى قومًا عطاشًا ومعه إداوةٌ من ماء ، أنه يَسقيهم
٠
الماءَ ويَتَيَمِّمُ .
٠٠٠٠
واختلف أصحابنا : هل ذلك على الوجوب أو الاستحباب ؟ على وجهين ،
أصحهما : أنه للوجوب ، وهو قول الشافعية .
فهذا الحديث محمول على أنه بَ له لم يَخَف على نفسه عطشًا، ولم يجد
قومًا عِطاشًا في الحال ، فلذلك توضأ بالماء ولم يتيمم . ويدل على أنه لا يَحبس
الماءَ لخوف عطش يَحدث لرُفقته .
ولم يَنْصَّ أحمدُ على حَبْس الماءِ خَشيةَ عطشٍ يحدث لرفقته ، وإنما قاله
أصحابه متابعة لأصحاب الشافعي ، وقالوا : هل حَبْسُ الماء لعطشِ غيره المتوقعِ
واجبٌ أو مستحب ؟ فيه وجهان ، قالوا : وظاهر كلامٍ أحمدَ أنه مستحب غيرُ
واجب ؟ لأن حاجة الغير هنا متوقعةٌ وحاجته للطهارة حاضرةٌ ، وقد تَرَجَّحَتْ
بكونه مالكًا ، ولهذا قَدَّمْنا نفقةَ الخادِمِ على نفقة الوالدين ، وإن كانت حاجتُهما
إلى النفقة أشدَّ من حاجة نفسه إلى الخدمة ، تقديمًا لنفسه على غيره .
قلتُ : وحديث عمْرانَ يدل على أنه لا يُستحب - أيضًا - ، بل يُقَدَّمُ الوضوءُ
على عطش الرفيق المتوقَّعِ؛ فإنه لو كان ذلك أفضلَ من الوُضوء لَحَبَس النبيَِّل
الماءَ وتَيَمَّم ؛ فإنه كان معه خَلْقٌ من أصحابه ، وكان الماءُ معهم قليلاً جدًا ،
ولهذا شكَوْاْ إليه العطشَ عَقِيبَ ذلك عند اشتداد حَرِّ الشمس وارتفاعِ النهارِ ،
وكان الماء منهم بعيداً .
وقد أشار إلى هذا المعنى الذي ذكرناه أبو المعالي الجُوَيْنِيَّ من الشافعية ،
وخالف أصحابَه فيما ذكروه من حبس الماء لعطش رُفْقَتِهِ المتوقَّع ، وهذا هو الذي
دَلَّتْ عليه هذه السنة الصحيحةُ ، واللّه أعلم .

٧٥
٦ - باب الصعيد الطيب وضوء المسلم يكفيه من الماء
کتاب التيمم
وفي الحديث : دليلٌ على أن الفوائتَ يُؤَذَّن لها وتُصَلَّى جماعةٌ .
وقوله وَّ الذي لم يُصَلِّ مع القوم: ((ما منعك أن تصلي مع القوم؟)) قال:
أصابتني جنابةٌ ولا ماءَ . قال : ((عليك بالصعيد ؛ فإنه يَكفيك)) فيه دليلٌ على
التيمم للجنابة كالتيمم للحدث الأصغر ، ودليل على أن عادمَ الماءِ يكفيه الصعيدُ
من الماء .
ولهذه الكلمة خرَّج البخاري هذا الحديثَ في هذا الباب ، وجَعَلَه دليلاً له
على إقامة التيممٍ مقامَ الطهارةِ بالماء عند عدم الماء ، فيؤخذ من هذا أنه يُصَلَّى به
كما يُصلى بالماء ، كما هو اختيار البخاريِّ ومن قال بقوله من العلماء .
وفيه دليلٌ على أنه لا يجب طَلَبُ الماء إذا غَلَب على الظن عَدَمُه ، أو قُطِع
بذلك؛ فإنه وَّ أَمَرَه بالتيمم، ولم يأمره بالطَّلَب، ولا بسؤال رُفقته.
وقد ذهب ابنُ حامدٍ من أصحابنا إلى أنه لا يَلزمُه سؤالُ رُفقته ، وإن قلنا :
يَلزمه الطلبُ، وأنه إنما يَلزمه طلبُهُ فِي رَحْله وما قَرُب منه إذا احتُمل وجودُ
الماء ، والمنصوص عن أحمدَ : أن عليه أن يَطلبه في رُفقته .
وفي رواية مسلمٍ المشار إليها فيما تقدم: أن النبي وَلَّ قال للرجل: ((يافلانُ
ما منعك أن تصلي معنا ؟)) قال : يا نبي الله، أصابتني جنابة. فأَمَرَه رسول اللّه
مَثِّر، فتيمم بالصعيد، فصَلَّى.
وفي الحديث - أيضًا -: أن النبي وَّ لما جاءه الماءُ أعطاه ماءً وأَمَرَه أن
يَغتسل به ، وهذا مثل قوله في حديث أبي ذَرِّ: «فإذا وجدتَ الماءَ فأَمسَّه
بشرتك))، وفيه رَدٌّ على أبي سَلَمَةَ في قوله : إنه لا غُسل عليه ، كما سَبَق .
وقول تلك المرأة : ((ونفرنا خُلُوفٌ)).
قال الخطابي(١): النفر الرجال، والخلوف الذين خرجوا للاستقاء، وخَلَّفُوا
(١) في ((شرح البخاري)) له (٣٤١/١ - ٣٤٢).

٧٦
حديث : ٣٤٤
کتاب التيمم
النساء والأثقال ، يقال : أَخلف الرجلُ واستخلف إذا استَقَى الماءَ .
قال : ويقال لكل من خَرَج من دِين إلى دِينٍ آخرَ : صابئ - بالهمز ، وأما :
صَبَا يَصْبُو بلا همزٍ فمعناه : مالَ .
قال : والعَزَالي جمع عَزْلاء ، وهي عُروة المَزَادَة ، يَخرج منها الماءُ بسَعَة .
وقال غيره : العزلاء: فم المزادة الأسفلُ، وتُجْمَع على عَزَالَى وعَزَالِي -
بكسر اللام وفتحها - كالصحارِي والعذارِي .
قال(١): والصِّرْم : النفر النازلون على ماء ، وتُجمع على أصرام ، فأما
الصِّرمة - بالهاء - فالقطعة من الإبل نحوَ الثلاثين عددًا.
قال: وقوله: ((ما رَزئناك))، أي: ما نَقَصْنَاكِ، ولا أَخَذْنا منكِ شيئًا .
قلتُ: وفي الحديث معجزة عظيمةٌ، وعَلَمٌ من أعلام نبوة النبي وَّ بتكثير
الماء القليل بيَرَكَته ، وإرواء العطاش منه ، واستعمالهم وأخذهم منه في قِرَبهم ،
من غير أن يَنْقُص الماءُ المأخوذُ منه شيئًا، ولذلك قال للمرأة : ((مارزئناك من
مائك شيئًا، وإنما سقانا اللّه عز وجلَّ)).
وفي رواية مسلم المشار إليها في هذا الحديث : ((فَأَمَر براويتها فأُنِيخَتْ ،
فمَجَّ في العَزَلَاوَين العُلْياوَين ، ثم بَعَث براويتها فشربنا ، ونحن أربعون رجلاً
عِطاشٌ حتى رَوِينا ، وملأنا كلَّ قِرْبة معنا وإداوةٍ ، وغَسَلْنا صاحِبَنا ، غير أنا لم
نَسْقِ بَعِيرًا وهي تكاد تَنْضَرِج من الماء)) - يعني: المزادتين - وذَكَر بقيةَ الحديث .
وإنما لم يَستأذن المرأةَ أولاً في الشُرب من مائها والأَخْذِ منه ؛ لأن انتفاعَهم
إنما كان بالماء الذي أمده اللّه بالبركة ، لم يكن من نفس مائها ، ولذلك قال :
((ما رزئناك من مائك شيئًا، وإنما سقانا اللّه)).
ونظير هذا: أن جابرًا صَنَع للنبيِ وَلَ طعامًا يسيرًا في عام الخَنْدَق، وجاء
(١) في ((شرح البخاري)) له (٣٤١/١ - ٣٤٢).

٧٧
٦ - باب الصعيد الطيب وضوء المسلم يكفيه من الماء
کتاب التيمم
إلى النبيِ رَله فسارَّه بذلك، وقال له: تعال أنت في نَفَرِ معك، فصاح النبي
وَلَهُ : ((يأهْلَ الخندق، إن جابراً قد صَنَع لكم سُورًا، فَحَيّهَلا بكم))، ثم جاء بهم
جميعًا ، فأكلوا حتى شَبِعوا، والطعامُ بِحاله(١) .
فإن أَكْلَ أهلِ الخندق إنما كان مما حصلت فيه البركةُ بسبب النبيِ وَلِّ ،
فكان ◌َّ هو الداعي لأهل الخندق كلِّهم إلى الطعام في الحقيقة ، فلذلك لم
يَحْتَجْ في استئذان جابٍ في ذلك .
وهذا بخلاف ما جَرَى لأبي شُعَيْبِ اللَّحامِ لما دَعَا النبي ◌ِّهِ وجلساءَه، فلما
قاموا تبعهم رجل لم يكن معهم حين دُعُوا ، فقال النبي وَّ لصاحب المنزل :
((إنه اتّبَعَنَا رجل لم يكن معنا حين دَعَوْتَنا، فإن أَذنْتَ له دَخَل)) فأذن له فدَخَل .
وقد خرَّجاه في ((الصحيحين)) (٢) بمعناه من حديث أبي مسعود ؛ فإن ذلك
اليوم لم يَحْصُل فيه ما حَصَل في طعام جابرٍ وماءِ المرأة المشركةِ - واللّه سبحانه
وتعالى أعلم - ، فإن غالب ما كان يَقَع منه وَّ تكثيرُ الطعامِ والشراب في أوقاتٍ
الحاجة العامة إليه .
وفي حديث عمرانَ - أيضًا - : دليلٌ على جواز استعمال ماء المشركين الذي
في قِرَبَهم ونحوِها من أوعية الماء المعدَّةَ له ، وقد سَبَقَ الكلامُ على ذلك في
(«كتاب : الوُضوء)).
(١) انظر: ((صحيح مسلم)) (١١٧/٦)، والقصة مشهورة .
(٢) البخاري (٥٤٣٤) (٥٤٦١) ومسلم (١١٥/٦) .

٧٨
٧۔ باب إذا خاف الجنب على نفسه المرض
کتاب التيمم
٧ - بابٌ
إذا خافَ الْجُنُبُ على نَفْسِهِ الْمَرَضَ أوِ الْمَوْتَ
أَوْ خافَ الْعَطَشَ تَيَمَّمَ
ويُذْكَر : أنَّ عَمْرَو بن العاصِ أَجْنَبَ فِي لَيْلَة باردة فَتَيَمَّم ، وتلا: ﴿ وَلا تَقْتُلُوا
أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، فَذُكِرِ ذلكَ للنبِيِّ فلم يُعَنَّفْ(١).
حديث عمرو بنِ العاصِ خرَّجه أبو داودَ (٢) من رواية يَحيى بنِ أَيُّوبَ ، عن
يزيدَ بنِ أبي حَبِيبٍ ، عن عمرانَ بنِ أبي أَنَسٍ ، عن عبد الرحمنِ بنِ جَبِيرٍ ، عن
عمرو بنِ العاصِ ، قال: احتَلَمْتُ في ليلة باردة في غزوة ذات السَّلَاسِلِ ،
فأشفقتُ إن اغتَسَلْتُ أن أَهْلِكَ، فَتَيَمَّمْتُ ثم صَلَّيْتُ بأصحابي الصِّبْحَ ، فَذَكَرُوا
ذلك للنبي وَ﴿، فقال: ((يا عمرُو، صليتَ بأصحابك وأنت جُنب!)) فأخبرته
بالذي مَنَعَنِي من الاغتسال ، وقلتُ: إني سمعتُ اللَّهَ يقول: ﴿وَلا تَقْتُلُوا
أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، فضحك رسولُ اللّه وَّ، ولم
يَقُل شيئًا .
وخرَّجه - أيضًا(٣) - من طريق عمرِو بنِ الحارثِ وغيرِهِ ، عن يَزِيدَ بنِ
أبي حَبِيبٍ ، عن عِمرانَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ جُبَيْرٍ ، عن أبي قَيْسٍ مولى
عمرو بنِ العاصِ ، أن عمرو بنَ العاصِ كان على سَرِيَّةٌ - فذَكَر الحديثَ بنحوه ،
وقال فيه : فغَسَل مَغابِنَه وتَوَضَّأ وضوءَه للصلاة ، ثم صلَّى بهم - وذَكَر باقيه
بنحوه ، ولم يذكر التيممَ .
وفي هذه الرواية زيادةُ: ((أبي قَيْسٍ)) في إسناده ، وظاهرها الإرسالُ .
(١) في نسخة: ((يُعَنِّفْهُ)).
(٢) (٣٣٤) .
(٣) (٣٣٥) .

٧٩
٧۔ بابٌ إذا خاف الجنب علی نفسه المرض
كتاب التيمم
وخرَّجه الإمام أحمدُ والحاكمُ (١)، وقال : على شرط الشيخين ، وليس كما
قال ، وقال أحمد : ليس إسناده بمتصل .
وروى أبو إسحاقَ الفَزَارِيُّ في ((كتاب السير)) عن الأَوْزاعِيِّ، عن حَسَّان بنِ
عَطِيَّةً، قال: بَعَث النبيِ نَّهِ بَعْثًا وأَمَّر عليهم عمرَوَ بنَ العاصِ ، فلما أَقبلوا
سألهم عنه ، فأثْنَوْا خيرًا ، إلا أنه صلى بنا جُنُبًا ، فسأله ، فقال : أصابتني جنابةٌ
فخشِيت على نفسي من البرد، وقد قال اللّه تعالى: ﴿ وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ
كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، فَتَبَسَّمَ النبيُّ ◌َ .
وهذا مُرْسَل .
وقد ذَكَره أبو داودَ في ((سننه))(٢) تعليقًا مختصرًا، وذَكَر فيه : أنه تَيَمَّم .
وأكثر العلماء : على أن من خاف من استعمال الماء لشدة البرد فإنه يتيمم
ويصلي ، جُنُبًا كان أو مُحْدِثًا .
واختلفوا : هل يُعِيد ، أم لا ؟
فمنهم من قال : لا إعادةَ عليه، وهو قول الثَّوْرِيِّ، والأوزاعيِّ ، وأبي
حنيفةَ ، ومالكِ ، والحَسَنِ بنِ صالحٍ ، وأحمدَ في رواية .
ومنهم من قال : عليه الإعادةُ بكل حال سواءٌ كان مسافرًا أو حاضراً ، وهو
قول الشافعي ، وروايةٌ عن أحمدَ .
ومنهم من قال : إن كان مسافرًا لم يُعِد ، وإن كان حاضرًا أَعاد ، وهو قول
آخرُ للشافعي ، وروايةٌ عن أحمدَ ، وقولُ أبي يوسفَ ومحمدٍ .
وحكى ابنُ عبدِ البَرِّ عن أبي يوسفَ وزُفَرَ : أنه لا يجوز للمريض في الحضر
التيممُ بحالٍ .
(١) أحمد (٢٠٣/٤) والحاكم (١٧٧/١).
(٢) (٢٣٩/١) .

٨٠
٧۔ بابٌ إذا خاف الجنب على نفسه المرض
کتاب التيمم
وذكر أبو بكرِ الخَلاَّلُ من أصحابنا : أنه لا يجوز التيممُ في الحضر لشدة
البرد ، وهو مخالف لنص أحمدَ وسائرِ أصحابه .
وحكى ابنُ المُنْذِرِ وغيرِه عن الحَسَنِ وعَطاء : أنه إذا وَجَد الماءَ اغتسل به
وإن مات ؛ لأنه واجد للماء ، إنما أُمِرَ بالتيمم من لم يجد الماءَ .
ونَقَل أبو إسحاقَ الفَزَارِيُّ في ((كتاب السير)» عن سُفيان نحو ذلك، وأنه لا
يتيمم لمجرد خوفِ البرد ، وإنما يتيمم لمرض مَخُوفٍ ، أو لعدم الماء .
وينبغي أن يُحمل كلامُ هؤلاء على ما إذا لم يَخْشَ الموتَ ، بل أمكنه
استعمالُ الماءِ المُسَخَّن وإن حَصَل له به بعضُ ضرر . وقد روي هذا المعنى
صريحًا عن الحَسَن - أيضاً - ، وكذلك نَقَل أصحابُ سُفْيانَ مذهبهَ في تصانيفهم ،
وحكَوا أن سفيان ذَكَر أن الناس أجمعوا على ذلك .
وقد سَبَقَ الكلامُ في تفسير الآية ، وأن اللّه تعالى أَذِن في التيمم للمريض
وللمسافر ولمن لم يجد الماءَ من أهل الأحداث مُطلقًا ، فمن لم يجد الماء
فالرخصة له محققةٌ .
وأما المرض والسفر فهما مظنتان للرخصة في التيمم ، فإن وُجدت الحقيقةُ
فيهما جاز التيممُ ، فالمرض مَظنَّةٌ لخشية التضرر باستعمال الماء ، والسفر مَظنَّةٌ
لعدم الماء ، فإن وُجِد في المرض خشيةُ الضرر وفي السفر عدمُ الماء جاز
التيممُ ، وإلا فلا .
وأما من قال من الظاهرية ونحوهم : إن مطلق المرض يُبيح التيممَ سواءٌ
تَضَرَّرَ باستعمال الماء أو لم يَتَضَرَّر ، فقوله ساقط يخالف الإجماعَ قَبله ، وكان
يَلزمه أن يُبِيح التيممَ في السفر مطلقًا سواء وَجَد الماءَ أو لم يَجِدْه .
وقول البخاري : ((إذا خاف على نفسه المرضَ أو الموت)) يُشير إلى الرخصة
في التيمم إذا خاف من شدة البرد على نفسه المرضَ ، ولا يُشترط خوفُ الموتِ