Indexed OCR Text
Pages 1-20
فتحُ النَّصَارِى فِي ◌َشْرِجُ صَحِيعُ الْتُجَاءُ للإمام الحافظ الفَقِيُّه زينُ الدّين أبي " الفرج عبد الرّحمن ابنِّ شَهَابُ الدّينِ البغَادي ثم الدّمشقيْ الشِهِيُرْ ياسْ رجب الحنبلي ٧٣٦ - ٧٩٥ هــ تحقيق أبي معاذ طَارق بنْ عَوض اللَّهبن محمّد المَجَلّد الأولى دارابن الجوزي بِشِـ فتح البارى شرح صحيح البخاري للإمام الحافظ ابن رجب الحنبلي جَميع الحقوق محفوظة لِدِاَرَابن الجوزي الطّبعَة الأولى رجب -١٤١٧ هـ - ١٩٩٦م ـارابن هـ بي دارابن الجوزي لِلنشْر وَالتَّوزيْع المملكة العَربيّة السّعُوديَّة الدَمّام- شارع ابن خلدون -ت: ٨٤٢٨١٤٦ صب: ٢٩٨٢ - الرمز البريدي: ٣١٤٦١ - فاكس: ٨٤١٢١٠٠ الإِحَسَاءُ: الهفوف - شارع الجَامِعَة -ت: ٥٨٢٣١٢٢ جَدّة - ت: ٦٨٠٥٤٩٣ - ٦٥١٦٥٤٩٢ الرّيَاضُ - ت: ٤٢٦٦٣٣٩ ٥ مقدمة المحقق المقدمة ◌ِاللهِالرَ الَّ إنَّ الحمدَ لله تعالى نحمده، ونستعينُ به ونستغفرُهُ، ونعوذُ باللَّه تعالى من شُرُورِ أنفُسِنَا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده اللَّه فلا مُضلَّ له ، ومن يُضْلل فلا هادي له، وأشهدُ أن لا إله إلا اللَّه وَحْدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمداً عبدُه ورسولُه . وبعدُ .. فإنَّ اللَّه تعالى وفَّق للسنة حفَّاظًا عارفين ، وجهابذةً عالمين ، وصيارفة ناقدين ، يَنْفون عنها تحريفَ الغالين ، وانتحالَ المبطلين ، وتأويلَ الجاهلين ؛ فتنوَّعوا في تصنيفها ، وتفنَّنوا في تدوينها على أنحاء كثيرةٍ وضروب عديدة ، حرصًا على حفظها ، وخوفًا من إضاعتها . وكان من أحسنها تصنيفًا ، وأجودها تأليفًا ، وأكثرها صوابًا ، وأقلِّها خطأ ، وأعمِّها نفعًا ، وأَعْوَدِها فائدةً، وأعظمها بركةً ، وأيسرِها مؤونةً ، وأحسنها قبولاً عند الموافقِ والمخالفِ ، وأجلّها موقعًا عند الخاصَّة والعامَّةِ - : صحيحُ أبي عبد اللَّه محمد بن إسماعيل البخاريِّ، ثم صحيحُ أبي الحسين مُسلم بن الحجاجِ النيسابوريِّ - رحمهما اللَّه تعالى (١) - ، وإن كان صحيح أبي عبد الله البخاري قد حاز من ذلك كُلِّه النصيب الأوفر . وقد كان غرض الإمام البخاري من («صحيحه)) ذكرُ ما صَحَّ عن رسولِ اللَّهِ وَّ من حديثٍ جليلٍ من العلمِ أو دقيقٍ، ولذلك أدخلَ فيه كلَّ حديثٍ صحّ عنده في تفسير القرآنِ ، وذكر التوحيدِ والصفاتِ ، ودلائلٍ (١) مقتبس من مقدمة الإمام المزي على ((تهذيب الكمال)) (١/ ١٤٧). ٦ مقدمة المحقق المقدمة النبوة، ومبدٍ الوحي، وشأنِ المبعثِ، وأيامٍ رسول اللَّه وَليهِ وحروبه ومغازيهِ ، وأخبارِ القيامَةِ والحشرِ ، والحسابِ ، والشفاعةِ ، وصفة الجنَّة والنَّارِ ، وما وَرَدَ منها في ذكرِ القرونِ الماضيةِ ، وما جاءَ من الأخبارِ في المواعظِ والزَّهدِ والرقاق ، إلى ما أودعه بعدُ من الأحاديثِ في الفقهِ والأحكامِ والسننِ ، والآدابِ ، ومحاسنِ الأخلاقِ ، وسائرِ ما يدخل في معناها من أمورِ الدينِ . فأصبحَ هذا الكتابُ كنزًاً للدين ، ورِكازًا للعلومِ ، وصارَ بجودة نَقْدِه وشدَّةً سَبْكه حكَمًا بين الأُمَّة فيما يُراد أن يعلمَ من صحيح الحديث وسقيمه، وفيما يجب أن يُعتمدَ ويُعوَّل عليه منه (١). ولأهميَّةِ هذا ((الجامع الصحيح))، ولكثرةٍ ما اشتمل عليه من المزايا ، جَذَب عنايةَ أعيان الأمَّة وأفذاذها إلى الاعتناء به ؛ لاستخراجِ دُرَرِهِ المكنونةِ، وجواهره المدفونة ، فانتهضَ أعيانُ الأمة وأعلامُ العلم في كل عصرٍ لخدمته في شتَّى أنحاءِ العلومِ . فَبَيْنَ شارحٍ له ، ومعلَّقٍ عليه ، وملَخُصٍ ومختصِرٍ ، ومهذِّبٍ ومرتِّبٍ ، ومؤلِّفِ لطرقهِ وأطرافِهِ ، وشارحٍ لمناسباتِ تراجمِهِ ، ومؤرِّخ لرجاله ، ومترجمٍ لشيوخه ، ومبيِّنٍ لغريبه ، وواصلٍ لمراسيلهِ ومعلقاتِهِ ، ومعيّنٍ لمبهمِهِ ، ومُلْزمٍ له ومستدركِ عليه، ومتبِّعٍ لعلله الواردة على بعضِ رواياته. وأول شارحٍ لـ ((صحيح البخاري)) - فيما بلغَنا - هو الإمامُ أبو سليمانَ الخطابيُّ في (أعلامِ الحديث))، وهو مطبوعٌ متداولٌ. ثم تتابعَ الشُّراحُ بعدَه ، کابن بطَّال وابن هُبيرة والنووي والکرماني وابن کثیر وابن رجب وابن حجر والقسطلاني وغيرهم . (١) مقتبس من ((شرح البخاري)) للخطابي (١٠٢/١). ٧ مقدمة المحقق المقدمة وكل شرحٍ يمتازٍ على غيره في جانب من جوانب العلم ، ويفوق غيرَه في باب من أبوابه ، فلا يُغني شرحٌ عن شرحٍ ، ولا كتابٌ عن كتابٍ ، بل كلُّهم أخذوا من منابعَ شتَّى ، وصبُّوا في مَعِينٍ واحدٍ . وشرحُ ابن رجب هذا الذي بين يديك مما اجتمعت فيه ميزات كثيرة متعددةٌ ، فهو يكاد يأتي على ما في شروح غيره ويزيد . وكيف لا ؛ ومؤلّفه الإمامُ ابن رجب الحنبليُّ حافظٌ مطّلع ناقدٌ ، ماهرٌ في فنون الحديث أسماءً ورجالاً وعملاً وطُرقًا ، أصوليٌّ فقيهٌ واسعُ الاطلاعِ على معاني الأحاديث وفقهها ، عالمٌ بمذاهب العلماء المتقدمين منهم والمتأخرين ، محققٌ للراجح من أقوالهم ، مفسِّر ، مؤرِّخ ، لغويّ . وقد شرحَ هذا الكتاب في آخر عمره ، بعد أن استوى عوده ، واستحكمتْ خبرته ، وثقُل علْمُهُ، ولانَ له كما لانَ لدوادَ - عليه السلام - الحديدُ . وقد بلغ ابن رجب في شرحه إلى آخر ((كتاب السّهو)) ، وربما شرع في ((كتاب الجنائز)) إلا أنني غير متحقق من ذلك ، بل سبقته المنية المحتومة قبل أن يكمل الكتاب ، فرحمه اللَّه ، وبلَّ بالمغفرة ثَراه . ومع هذا ؛ فالجزءُ الذي شرحه منه لم يصلْ إلينا كاملاً ، بل ضاعَ منه قريبٌ من ثُلثه ، فأسأل اللَّه تعالى أنْ يوفِّق عبدًا صالحًا من عباده الصالحين للوقوف على بقية هذا الشرح ، وإخراجه لينتفعَ به المسلمون . ولو كَمُل هذا الشرحُ ، لكان فيه غناء أي غناء عن كل الشروح التي انتهتْ إلينا، ولكن شاء اللَّه أمرًا كان مفعولاً، والحمد لله على كل حال. وعهدي بهذا الكتاب بعيدٌ ، يرجع إلى أكثر من ثلاث سنوات ، وأوُّل ٨ مقدمة المحقق المقدمة من أَلْفَت نظري واهتمامي لهذا الكتاب العظيم وأهميته ، وحثّني حثًا شديدًا على تحقيقه وإخراجه ، وأرشدني إلى مخطوطاته ، بل وأمدني ببعضها ، هو أخي الفاضل أبو إسحاق الحوينيُّ - حفظه اللَّه تعالى . ومنذ ذلك الحين ، وأنا شديد الاحتفاء بهذا الكتاب العظيم ، حريصٌ على جمع مخطوطاته وتكميلها ، أسأل كلَّ قريب وبعيد ممَّن له اعتناء بكتب التراث ، وأطالع فهارس المكتبات ، حتَّى مَنَّ اللَّه تعالى عليَّ - وله الحمد والمنّة - بجمع مخطوطاته المتوفرة . ولا أنسى أن الفضلَ في ذلك يرجع بعد الله عزَّ وجلَّ إلى إخوة لي أحبَّة ، وقفوا بجانبي وأعانوني ، وأخصّ منهم بالذكر : أخي الكريم علي ابن محمود الجاموس السَّوري ، فقد تعِب كثيرًا من أجل تصوير مخطوطات المكتبة الظاهرية ، لا سيما القطعة التي تفرَّدت بـ ((كتاب الإيمان))، ولولا سعيه لتصويرها من الأستاذ شعيب الأرنؤوط ، وتفضل الأستاذ بالسماح له بذلك ، لكان هناك أمر آخر ، فالحمد لله على توفيقه . ولم تكن هذه المدَّةً لتمرَّ دون أن استفيدَ من الكتاب ، فكنتُ أعدُّ الكتاب للتحقيق بنَسْخه ومقابلته وضبطِ شكلهِ وجمع المادة العلمية لتحقيقه . وكلَّما اقتربتُ من الكتاب كلَّما ازددت به إعجابًا ، وكم من فائدة قيَّدتها منه ، وعلَّقتها في بحوثي المطبوع منها وغير المطبوع ، بما تراه متناثراً في كتابي ((لغة المحدث))(١) وفي تعليقاتي على كتاب ((جامع العلوم والحكم))(٢) للمؤلف ، و((المنتخب من علل الخلال))(٣) لابن قدامة ، وهذا كله مطبوع ، (١) انظر منه: (ص ١١٩). (٢) انظر منه: (١٢/١ - ٢١٨ - ٢٧١) (١٣٥/٢). (٣) انظر منه: الحديث رقم (١٣١) وتعليقي عليه. ٩ مقدمة المحقق المقدمة وكذا تعليقاتي على كتاب ((أطراف الغرائب والأفراد للدارقطنيٌ)) لابن طاهر ، وهو لم يطبع بعدُ ، واللَّه وحده يعلم المقدَّر لهذا الكتاب . وأخيراً .. أسأل الله تعالى أن ينفعَ بهذا العمل أهلَ العلم قاطبةً ، وأن يجعلَه خالصاً لوجهه ، وأن يتقبلَه بفضله ورحمته ، وأن يعينني وإخواني من أهل العلم على إخراج كتب السنة التي ما زالت دفينةَ المكتباتِ لينتفعَ بها المسلمون . والله من وراء القصد . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . أبو معاذ طارق بن عوض الله بن محمد غفر الله له برحمته . ٠٠٠ ١٠ ترجمة ابن رجب الحنبلي المقدمة ترجمة ابن رجب الحنبلي من ((إنباء الغمر)) لابن حجر (١٧٥/٣ - ١٧٦) * نسبه : عبدُ الرحمن بنُ أحمدَ بْنِ رَجب البغداديُّ ، ثم الدمشقيُّ الحنبلي الحافظ ، زين الدين . * مولده : ولد ببغداد سنة ست وثلاثين وسبعمائة . * شيوخه : وسمع بمصرَ من المَيْدوميِّ (١)، وبالقاهرةِ من ابنِ الملوكِ(٣)، وبدمشق من ابن الخَبَّار(٣)، وجمعٍ جَمِ . ورافق شيخَنا زينَ الدينِ العراقيّ في السماعِ كثيرًاً . * علمه : ومَهَرَ في فنون الحديث : أسماءً ، ورجالاً ، وعللاً ، وطُرقًا ، واطّلاعًا على معانيه(٤). (١) هو : صَدَرُ الدين أبو الفتح: محمدُ بن محمد بن إبراهيمَ الميدوميُّ المُتُوفى سنة (٧٥٤ هـ) . (٢) هو : نَاصرُ الدين محمد بن إسماعيل بن عبد العزيز بن عيسى بن أبي بكر بن أيوبَ ، ينتهي نسبُهُ بالعادلِ الأيوبيِّ، ويُلَقَّب بـ ((ابن الملوك))، تُوفي سنة (٧٥٦ هـ). (٣) هو: المُسْنِدُ المُعَمَّرُ : شَمْس الدينِ محمد بن إسماعيلَ بنِ إبراهيمَ بنِ سالم الدمشقيُّ الأنصاري العُبَادي . (٤) ومما يَمْتَارُ بهِ ابنُ رَجِبٍ : سَعَةُ اطّلاعِهِ على أقوالِ المتقدمين، وطولُ نَّفْسِهِ في الكلامِ على الأحاديث ، عللاً ، ورجالاً ، وفقهًا . ١١ ترجمة ابن رجب الحنبلي المقدمة * أشهر مؤلفاته : صَنَّفَ: ((شرح الترمذي))، فأجاد فيه ، في نحو عشرة أسفارٍ (١). وشرح قطعة كبيرةً من البخاري . وشرح الأربعين للنووي ، في مجلد(٢). وعمل وظائف الأيام، سمَّاه: ((اللطائف))(٣). وعمل طبقات الحنابلة ، ذَيْلاً على طبقات أبي يعلى(٤). * عبادته : وكان صاحبَ عبادة وتَهجُّد . * مذهبه : ونُقْمَ عليه إِفتاؤهُ بمقالات ابن تَيميةَ، ثم أظهرَ الرجوعَ عن ذلك ، فنافرَهُ التَّميون، فلم يكن مع هؤلاءِ، ولا مَعَ هؤلاءِ. وكان قد ترك الإفتاء بآخرة(٥). (١) وهَذا الكتابُ، فُقِدَ في جملة ما فُقِدَ من الكتبِ في فتنةِ النََّرِ، سنة (٨٠٣ هـ)، ولم يبقَ سِوى قطعة من كتاب اللَّاس، تقع في عشرِ وَرَقَاتٍ، وشَرح العللَ الذي في آخر ((الجامع)) للترمذي. وقد طُبعِ ((شرح العلل)) عدةَ طَبعاتٍ، ومن نظر فيه عَلِمَ كَم خَسَرَ المسلمون بفُقِدانِ هذا الكتابِ، الذي لو سَلَم مِن الضياع، لكانَ فيه غَنَاءٌ أَيَّ غَنَاءٍ عن كل الشروحِ التي انتهت إلينا. (٢) وقد طبع بتحقيقي ، وهو من منشورات دار ابن الجوزي . (٣) طُبعَ بمصر سنة (١٣٤٣ هـ)، ثم طُبع حديثًا في ((دار ابن كثير)) بدمشق، بتحقيق ياسين محمد السواس . (٤) مطبوع . (٥) لم تَكُن مُوافقَتُهُ لابنِ تيميةَ عن تَعصُبٍ لَهُ، ولا مخالفتُهُ لَه عن بُعْضٍ ومُنافرة لهُ . وإنما هذا شأنُهُ كشأنِ أيِّ عَالمٍ مُطَّلِعِ يَتَغيرُ اجتهادُهُ بحسبِ الدلائلِ والبراهين التي تظهرُ له . فهو يَدورُ مع الدليل حيثُ دَارَ ، ولا بدَّ لِمثلِ هذا أن يُوافِقَ بَعضًا وأن يخالفَ بَعضًا، وربَّما وافقَ في مسألةٍ مَنْ قَد خَالفَهُ في أخرى ، والعكس ؛ إذْ لَيس غَرضُ هَؤُلاءِ العلماء الفضلاءِ مُوافقةَ أَحدٍ من الناسِ ، وإنما غرضُهُم الوقوفُ على الحقِّ حيثُ كان. واللَّه يَجزي المُصيب إحسانًا = ١٢ ترجمة ابن رجب الحنبلي المقدمة ثناء العلماء عليه : قال ابن حجِّي : أتقنَ الفنَّ، وصارَ أعرفَ أَهلِ عصرهِ بالعللِ ، وتَتَبع الطرقِ . * أخلاقه : وكان لا يخالطُ أحدًا ، ولا يترددُ إلى أحدٍ . * وفاته : مات في رَمضان، رحمهُ اللَّه(١). · تلامذته : تخرج به غالبُ أَصحابنا الحنابلة بدمشق . والمخطئَ غُفرانًا وقد ترجم ابنُ رجبٍ لابن تيمية في ((ذيل طبقات الحنابلة)) بترجمة حافلة ، في عشرين صفحة (٢/ ٣٨٧ - ٤٠٨)، وهي ترجمة حافلةٌ بالثناءِ والإِطنابِ والاعترافِ بمنزلةٍ هذا الإمام ، فقال في صَدرهَا : (الإمامُ الفقيهُ، المجتهدُ، المُحَدِّثُ، الحافظُ ، المُفسر، الأُصولي ، الزاهدُ ، شيخ الإسلامِ، وعَلَم الأعلامِ ، وشهرتُهُ تُغني عن الإِطناب في ذكره ، والإسهاب في أمرِهِ» . والله الهادي ، لا ربَّ سِواهُ . (١) وذلك سنة (٧٩٥ هـ) . وقال ابنُ ناصرِ الدين في كتابه: ((الرد الوافر)» (ص ١٠٧). ((حدَّثَني من حضر لَحْدَ ابن رجب: أَنَّ الشيخَ زينَ الدين ابن رجب جاءَهُ قبل أن يموتَ يأيامٍ. قال : فقال لي : احفُر لي هنا لَحدًا ، وأشار إلى البقعة التي دُفن فيها . قال : فحفرت له ، فلما فرغ نزل في القبر ، واضطجع فيه ، فأعجبه ، وقال : هذا جيِّد . ثم خرجَ . قال : فوالله ما شَعرتُ بِهِ بعدَ أيامٍ ، إِلا وقد أُنِيَ به ميتًا محمولاً في نعشِهِ ، فوضعتُهُ في ذلك اللحدِ، ووَارَيتُه فيه)) . ١٣ عملي في الكتاب المقدمة عملي في الكتاب(١) لقد كان عملي في هذا الكتاب على النحو التالي : ١ - نسخ الكتاب ، ثم مقابلته : فما كان منه قد تفردت به نسخة لم أقابله إلا بها ، وما كان قد اشتركت فيه نسختان أو أكثر ، قابلته بها كلها . ثم أثبت فوارق النسخ ، ومواضع الاختلاف فيها ، وقد أهمل ذلك إذا كان الخطأ واضحًا جليًا . ٢ - ضبط الكتاب وتصحيحه ، وذلك بالرجوع في الأعم الأغلب إلى المصادر التي يعزو إليها المؤلف ، أو ينقل عنها ، سواء صرح هو بذلك أو لم يصرح . فما كان من خطإٍ واضح صححته ، وما كان من موضع مشكل محتمل تركته على ما جاء في الأصل ، وبينت وجهه في تعليقي . ٣ - ضبط وتصحيح متن البخاري على ((النسخة السلطانية)) المأخوذة عن ((اليونينية))، فما كان له وجه فيها اعتمدته ، وما لم يكن له وجه صححته ، أو أبقیته - إن كان محتملاً - ، مع البيان في ذلك كله . ٤ - ضبط الكتاب بالشكل ، لا سيما الأنساب والأسماء المشتبهة ، (١) قد شاركني في نسخ هذا الكتاب ومقابلته بأصوله الخطية وبالمصادر التي يعزو إليه المؤلف وفي ضبط شكله ومراجعه بروفات طباعته إخوة لي أفاضل ، قد ساعدوني بكل ما في وسعهم ، ولم يألوا جهداً في ذلك ، ولا يسعني في هذا الموضع إلا أن أعترف لهم بجهدهم شاكراً لهم على مساعدتهم ، داعيًا المولى سبحانه وتعالى أن يتقبل مني ومنهم صالح الأعمال. واللَّه الموفق ١٤ عملي في الكتاب المقدمة وكذلك الألفاظ الغريبة ، والاصطلحات العلمية ذات الاستعمال القليل . وأما متن البخاري فقد أوليته اهتمامًا خاصًا ، وحرصت على ضبط شكله كاملاً ، وكذلك الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الواردة في الشرح. ٥ - ترقيم أحاديث البخاريِّ وأبوابه وكتبه ترقيمًا تسلسليا . واعتمدت ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي لـ ((صحيح البخاري)) ، ولم أخالفه حتى فيما أخذته عليه ولم أوافقه فيه ، وكذا فيما يختلف فيه الترتيب في النسخة التي اعتمد عليها ابن رجب عن نسخته من تقديم وتأخير ، أو زيادة ونقصان . لكني انبه غالبًا على هذا الاختلاف في موضعه ، حتى لا يظن وقوع سقط أو خلل . ٦ - التعليق على الكتاب. حرصت على أن تكون تعليقاتي على الكتاب موجزةً ، لا تتعدى ما تدعو إليه الحاجة والضرورة ، فالكتاب - رغم أنه لم يكمل - كبير ، ومادته غزيرة ، ونصوصه كثيرة ، فلو أخذ المرء يعلق على كل موضع لازداد حجم الكتاب ، ولثقل حيث لا تدعو إليه حاجة . على أن الإمام ابن رجب - رحمه الله - قد أغنى باستيعابه وإسهابه عن كثير من التعليق ، فهو لا يكاد يسكت حيث ينبغي أن يتكلم ، أو يجمل حيث ينبغي أن يفصِّل ، أو يوجز حيث ينبغي أن يسهب ويطنب ، فلم يدع مجالاً لمتكلّم أن يتكلم ، أو معلق أن يعلق ، أو متعقب أن يتعقب ، فهو - رحمه الله - قد كفى المؤنة ، وأتى بكل شاردة وواردة ، وبكل شاذة وفاذة، فكان - رحمه الله - كما قيل في شيخ الإسلام ابن تيمية : كلامه مثل ١٥ عملي في الكتاب المقدمة الذهب ، إذا مسَّه أحدٌ بيده ذهب بريقه . فغالب تعليقاتي على الكتاب تنصب في عزو الأحاديث أو الآثار أو النصوص التي يسوقها المؤلف إلى مصادرها التي عزا إليها المؤلف ، وربما زدت مصادر أخرى على ما ذكره المؤلف . واعتنيت بتفسير بعض الكلمات الغريبة التي أهمل المؤلف شرحها ، وكذلك بعض الاصطلاحات العلمية التي يقل استعمالها . وربما خالفت المؤلف - رحمه الله - في مواضع قليلة ، فأذكر نقدي عليه على سبيل الإيجاز دون الإسهاب . كمخالفتي له في الحكم على حديث معين ، أو في شرحه لمصطلح علميٌّ معين ، فربما فسر المؤلف مصطلحًا حديثيًا على غير المعروف ، ثم يبني عليه أحكامًا لا يتحملها المصطلح ، ولا يكون قائل هذا المصطلح قاصدًا لهذا المعنى ، ولا مريدًا للحكم الذي استخرجه ابن رجب منه . كمثل مصطلح ((جوَّده فلان))؛ فإن الإمام ابن عبد البر استعمل هذا المصطلح في موضع للدلالة على أن هذا الرواي قد أسند الحديث مخالفًا لمن أرسله ، ففهم المؤلف أن ابن عبد البر يصحح الحديث ووصلَه ، ثم تعقبه في ذلك . وقد بينت في تعقبي عليه أن قول المحدثين : ((جوده فلان)) لا يعني أكثر من أنه أسند الحديث أو رفعه إذا كان غيره من الحفاظ يرويه مرسلاً أو موقوفًا ، بصرف النظر عن كونه أصاب فيما زاد أم لم يصب . هذا ، وإنه ليس من عادتي الاكتفاء بالحكم الظاهر على الإسناد ، بل لا بد - كما تقرر في علوم الحديث ، وكما عرف عن سلف الأئمة - من ١٦ عملي في الكتاب المقدمة تتبع علل الحديث ، ومعرفة أقوال الأئمة فيه ، وقد أشرت إلى ذلك المعنى في مقدمتي على ((جامع العلوم والحكم)) للمؤلف، وكذا في كتابي ((لغة المحدث)) وغيرهما من مؤلفاتي وتحقيقاتي ، ما طبع منها وما لم يطبع . ولم يكن تتبع علل كل حديث حديث ليتسنى لي في هذا الكتاب ؛ لكثرتها وكثرة رواياتها ، فاكتفيت بأداء الأمانة - أمانة الكتاب - دون زيادة على ما قاله المؤلف - والعهدة عليه . واللّه الموفق . ٧ - عمل ترجمة موجزة للمؤلف . ٨ - عمل فهارس علمية للكتاب ، وهي متنوعة : أ - فهارس للآيات القرآنية. ب - فهارس للأحاديث النبوية والآثار . جـ ـ فهارس للرواة والأعلام الذين ذكروا بجرح أو تعديل ، أو بما يفيد في تراجمهم من ذكر تاريخ ولادة أو وفاة أو سماعٍ أو لقاء أو رحلةٍ أو نحو ذلك . د - فهارس للموضوعات المختلفة والفوائد العلمية المتناثرة في الكتاب ، سواء كانت فقهية أو حديثية أو لغوية أو عقدية أو تاريخية أو أصولية ، أو غير ذلك . والله الموفق ، لا رب سواه . ح ١٧ وصف النسخ المعتمدة المقدمة وصفُ النُّخِ المُعْتَمدة عدد النسخ الذي توفرت لديَّ لتحقيق هذا الكتاب العظيم ستَّ نسخ خطيّة ، وهذه الستُّ ليس من بينها نسخة واحدة كاملة ، وإن كان بعضها أكبر حجمًا من بعض ، ثم إن بعضها قد تنفرد بما لا يوجد إلا فيها ، وقد تشترك نسختان أو أكثر في بعض أجزاء الكتاب ، ثم إنها أيضًا تتفاوت من حيث التوثيق والصحة ، فبعضها أصح وأتقن وأوثق من بعضها الآخر . ولهذا السبب ، لم أجعل نسخة منها أصلاً للكتاب ، بل لفَّقْتُ الكتاب من هذه النسخ جميعها ، فما كان منه قد تفردت به نسخة واحدة ، فلا سبيل إلا أن أجعلها أصلاً لهذا الجزء الذي تفردت به دون النسخ الأخريات . وقد عانيت في تحقيق هذه الأجزاء - وهي كثيرة بالنسبة للباقية - كثيرًا ، لا سيما فيما انفردت به نسخة ضعيفة من حيث الضبط والتصحيح ، أو كان الموضع الذي وقع فيه التفرد قد أصابه بعض عوامل الزمن، أو سوء التصوير. ويعلم الباحثون في هذا المجال كم في ذلك من صعوبة ، وكم يعاني المحقق والمصحح لضبط نصٌّ ليس بين يديه منه إلا نسخة واحدة . وما كان من الكتاب قد اشتركت فيه نسختان أو أكثر ، فقد كان أمره أيسر وأسهل ، ومع هذا فلم أعتمد في هذه الأجزاء على أصلٍ واحدٍ ، بل أثبت في الأعم الأغلب ما ترجح عندي صحته - حيث يقع اختلاف - ، وأبين الفروق في الهوامش . وحيث يشتبه عليَّ الأمر، أثبت ما كان في النسخة الأكثر صوابًا، ثم أبين. وغالبًا لا أبين حيث يكون الخطأ واضحًا ، وقد جاء على الصواب في نسخة أخرى، حتى لا أثقل الحواشي بالتنبيه على أخطاء واضحة، لاخفاء بها. ١٨ وصف النسخ المعتمدة المقدمة وسوف أبين - إن شاء اللَّه تعالى - مدى صحة كل نسخة من هذه النسخ ، عند وصفها جميعها . واللَّه الموفق . * النسخة الأولى : هي من محفوظات ((ظاهرية دمشق))، وهي تشتمل على ((كتاب الإيمان)) كاملاً ، وقد انفردت به . عدد أوراقها : (٤٣) ورقة . عدد الأسطر : (٣٠) سطرًا. خطها : نسخي جيد . وهذه النسخة كدت أفقد الأمل في الحصول عليها ، نظرًا للقيود المفروضة على مكتبات التراث ، حتَّى أكرمني اللَّه عز وجل بأخٍ لي فاضل علي محمود كريم ، وهو الأخ محمود علي السوريّ ، فقد سعى لتصويرها لي سعيًا حثيثًا ، حتى تمكَّن من ذلك ، وذلك بالتقاط صورة من مصورة الأستاذ شعيب الأرنؤوط ، بعد أن عجز عن تصويرها من ((الظاهرية))، فجزاه الله خير الجزاء . وجزى الله الأستاذ شعيب خيرًا على مبادرته، فسأل الله تعالى أن يجعل ذلك في ميزان حسناتهما . * النسخة الثانية : (ك) : وهي - أيضًا - من محفوظات ظاهرية دمشق. وتبتدئ من أول ((كتاب الغسل))، وتنتهي بانتهاء كتاب الصلاة . فقد اشتملت على الكتب الآتية : الغسل والحيض والتيمم والصلاة . وعدد أوراقها : (٢٠٢) ورقة . ومقاس صحائفها : (١٧ × ٢٤) سم. ١٩ وصف النسخ المعتمدة المقدمة وعدد الأسطر : (٢٥) سطرًا . وخطها : نسخي حسن . والموجود منها هو الجزء الثاني فقط . وقد وقع فيها خرم كبير، ابتدأ من أثناء الباب الرابع من ((كتاب الصلاة))، وامتدَّ حتَّى أثناء الباب الثالث والستين منه ، وقد استدركت هذا الساقط من نسختين أخرتين ، هما ((ق)) و ((هـ)) كما سيأتي بيانه . وهذه النسخة تمتاز عن باقي النسخ بقلة الأخطاء ، فهي لا تكاد تختلف مع غيرها إلا وكان الصواب حليفها . ويحرص كاتبها على الإشارة إلى بعض فوارق نسخ البخاري . وعليها بعض الحواشي المتعلقة بتفسير بعض الغريب ، أو استدراك ونحو ذلك ، وقد أثبت ذلك كله في موضعه في تعليقاتي . وهذه النسخة قد اشتركت مع بعض النسخ الأخرى في أغلبها ، ولم تتفرد إلا بجزء صغير ، يبتدئ من أولها وحتى نهاية الباب الخامس عشر من ((كتاب الحيض)) . وفي آخر هذه النسخة : ما نصُّه : (وفرغ من نسخه في سبع عشر من ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين وثمانمئة . والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ، ورضي اللَّه عن أصحاب رسول اللَّه أجمعين ، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين . آمين) وبجانبه : (فرغ مقابلة عشرين جمادي الآخر سنة إحدى وعشرين وثمانمئة ، ولله ٢٠ وصف النسخ المعتمدة المقدمة الحمد والمنة ، وبه التوفيق والعصمة ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ، ورضي اللَّه عن أصحاب رسول اللَّه أجمعين ، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين . يتلوه في الثالث كتاب المواقيت ) . وفي الصفحة المقابلة : (الرابع من فتح الباري في شرح البخاري ، سقط من أوله ورقة ، ومن آخره . والله أعلم به . وما بينهما متتابع . واللّه المسئول أن يطلعنا على ما سقط منه) . * النسخة الثالثة (م) : هي من محفوظات دار الكتب المصرية . وتبتدئ من أول ((كتاب المواقيت))، وتنتهي في أثناء الباب الأول من ((كتاب الكسوف)) ، إلا أنها يتخللها كثير من الخروم : أوله : من أثناء الباب الثاني من ((كتاب المواقيت)) حتى أثناء الباب الثاني عشر منه . وهذا السقط قد استدركته من النسخة ((هـ)) التي سيأتي وصفها - إن شاء اللّه تعالى . والثاني : من أثناء الباب الخامس والعشرين من ((المواقيت)) أيضًا ، حتى أواخر الباب (١١٥) من («كتاب الأذان)). وهذا أيضًا استدركته من ((هـ)) . والثالث : من أثناء الباب (١٦٠) من ((كتاب الأذان)) أيضًا ، حتى أواخر الباب الأخير من ((الأذان)).