Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
٢٥ - باب الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض
کتاب الحیض
٢٥ - بَابُ
الصُّفْرَةِ وَلَكُدْرَةِ فِي غَيْرٍ أَّامِ الحَّضِ
٣٢٦ - حَدَّثْنَا تُنَةُ: ثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أُوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمّ عَطِيَّةَ: كُنَّ
لاَ نَعُدُّ الكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ شَيْئًا .
كذا رواه ابن عُلِيَّةٍ ومَعْمَرٌ ، عن أَيُّوبَ (١).
ورواه وُهَيْبٌ، [عن أُوبَ)(٢)، عن حَفْصَةً بنتِ سِيرِينَ، عن أُمُّ عَطَّةَ (٣).
وزعم محمدُ بنُ يَحيى الذُّهْلِيُّ (٤) أن قول وُهَيْبِ أصحُّ . وفيه نَظَرٌ .
وقد خرَّج أبو داودَ من طريق (٥) حَمَّد بن سَلَمَةَ، عن قَتَادَةَ ، عن أمِّ الهُدَّيْلِ -
وهي: حَفْصَةُ بنتُ سِيرِينَ -، عن أمِّ عَطِيَّةَ - وكانت بايعتْ رسولَ اللَّهِوَهــ،
قالت: كنا لا نَعُدُّ الصُّفْرَةَ والكُدْرَةَ بعد الطُّهْر شيئًا .
ثم قال(٦): ثنا مُسَدَّدٌ: ثنا إسماعيلُ: أبنا أَيُّوبُ ، عن محمدِ بنِ سِيرِينَ ،
عن أمِّ عَطِيَّةَ - مثلَه(٧).
وظاهر هذا السياقِ: يدل على أن رواية أيوبَ ، عن محمد مثل رواية قتادةَ ،
عن أم الهذيل ، وأن فيها هذه اللَّفظةَ: ((بعد الطهر)).
مع أن شُعْبَةَ كان يقول : ((مثلُه)) ليس بحديث ، يشير إلى أنه قد يقع
(١) أخرجه أبو داود (٣٠٨) والنسائي (١٨٦/١) وابن ماجه (٦٤٧).
(٢) سقط من ((ق)).
(٣) أخرجه ابن ماجه (٦٤٧) .
(٤) حكاه عنه ابن ماجه عقب الحديث .
(٥) (٣٠٧) .
(٦) (٣٠٨) .
(٧) في هامش ((ق)): ((ورواه ابن [مهدي] ، عن حماد بن سلمة ، عن قتادة ، عن أم الهذيل ،
عن عائشة . وإنما هو : عن أم عطية - : قاله الإمام أحمد في رواية عبد الله)) .
قلت : هو في ((العلل)) لعبد الله (١٦٩٧) والزيادة منه .

٥٢٢
حديث : ٣٢٦
كتاب الحيض
التساهلُ في لفظه .
وخالفه سفيانُ ، فقال : هو حديث(١).
وخرَّجِ الدّارَقُطْنِيُّ (٢) من رواية هشامٍ بن حَسَّنَ، عن حَفْصَةَ، عن أم عطيةَ،
قالت : كنا لا نرى التَّرِيَّةَ بعد الطهر شيئًا - وهي الصفرة والكدرة(٣).
وروى وَكِيعٌ ، عن أبي بكرِ الهُذَلِيِّ، عن مُعاذَةَ ، عن عائشةَ ، قالت : ما
كنا نعد الكدرة والصفرة شيئًا .
وأبو بكر الهذلي ، ضعيف .
وخرَّج الإمام أحمدُ وأبو داودَ وابنُ ماجه(٤) من رواية أبي سَلَمَةَ ، أن أمَّ بكرٍ
أخبرتّه، عن عائشةَ، أن النبي وَّ قال في المرأة ترى ما يريبها بعد الطهر:
(إنما هو عرقٌ - أو عُرُوق)) .
وأم بكر - ويقال : أم أبي بكر(٥)- ، لم يُرْوَ عنها غيرُ هذا الحديث ، وليست
بمشهورة .
٠
وقد بوَّب البخاري على حديث أمِّ عطيةَ : ((الصفرة والكدرة في غير أيام
الحيض))، ولم يخرِّج الحديثَ بزيادة: ((بعد الطهر)) كما خرَّجه أبو داودَ .
ولم يَتَفَرَّد به حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ ، عن قتادةَ، بل قد رواه حَرْبٌ في ((مسائله))،
عن الإمام أحمد ، عن غُنْدَرِ ، عن شعبةَ ، عن قتادةَ - بمثله .
وقد رُوي حديثُ أم عطيةَ بلغظ آخرَ ، وهو : ((كنا لا نعتد بالكدرة والصفرة
بعد الغُسل شيئًا)» .
(١) قارن: بما في ((التمهيد)) (١٣/١) وكتابي: ((حسم النزاع في مسألة السماع)) (ص ٤٩).
(٢) (٢١٩/١) .
(٣) انظر: ما تقدم تعليقًا على الباب (١٨).
(٤) أحمد (٦/ ١٦٠ - ٢١٥) وأبو داود (٢٩٣) وابن ماجه (٦٤٦).
(٥) انظر: ((العلل)) لابن أبي حاتم (١١٨).

٥٢٣
٢٥ - باب الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض
کتاب الحيض
خرَّجه الدارِميُّ في ((مسنده)(١).
وقد سبق ذِكْرُ الصفرة والكدرة في ((باب: إقبال المحيض وإدباره))، وأنَّ
الصفرة والكدرةَ لهما ثلاثة أحوال :
حال : تكون في مدة عادة المعتادة ، فتكون حيضًا عند جمهور العلماء ،
سواء سَبَقَها دمٌ أم لا .
وحال: تكون بعد انقضاء العادة، فإن اتصلت بالعادة ولم يَفصل بينهما طُهْرٌ،
وكانت في مدة أيام الحيض - أعني : الأيامَ التي يُحْكَم بأنها حيض ، وهي :
الخمسةَ عشرَ ، أو السبعة عشر ، أو العشرةُ عند قوم - ، فهل تكون حيضًا بمجرد
اتصالها بالعادة ، أم لا تکون حیضًا حتى تتكرّر ثلاثًا أو مرتین ، أم لا تكون حیضًا
وإن تكررت ؟ فيه ثلاثة أقوال للعلماء :
الأول : ظاهر مذهب مالك والشافعي . والثاني : رواية عن أحمد .
والثالث : قول أبي حنيفة والثوري ، وأحمد في رواية .
وإن انقطع الدمُّ عند تمام العادة ، ثم رأت بعدَه صفرةً أو كدرة في مدة
الحيض ، فالصحيح عند أصحابنا : أنه لا يكونُ حيضًا ، وإن تكرر .
وقد قال أكثرُ السَّلَفِ : إنها إذا رأت صفرة أو كدرة بعد الغُسل أو بعد الطهر
فإنها تصلي ، وممن رُوي ذلك عنه : عائشةُ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ ، وعطاءٌ ،
والحَسَنُ ، وإبراهيمُ النَّخَعِيُّ، ومحمدُ ابنُ الحنفيةَ وغيرُهم .
وحديث أمِّ عطيةً يدل على ذلك .
وحال : تری الصفرةَ والكدرة بعد أكثرِ الحیضِ ، فهذا لا إشكال في أنه ليس
بحيض .
(١) (٢١٥/١) .

٥٢٤
حديث : ٣٢٧
كتاب الحيض
٢٦ - بَابُ
عِرْقِ الاسْتِحَاضَةِ
خرَّج فيه :
٣٢٧ - حديث : ابنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ - وَعَنْ عَمْرَةً -،
عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِّ ◌َ﴿، أَنَّ أَمَّ حَبَِّةَ اسْتُحِيِضَتْ سَّعَ سِنِين، فَسَلَتْ رَسُولَ اللَّه
تَ﴿ عَنْ ذَلَكَ، فَأَمَرَها أَنْ تَغْتَسِلَ، فَقَالَ: ((هَذَا عِرْقٌ» ، فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لكُلِّ صلاة .
هذا الحديث اختلف في إسناده على الزُّهْرِيِّ: فرُوي عنه ، عن عروةَ ، عن
عائشةَ. وروي عنه، عن عَمْرةَ، عن عائشةَ. ورُوي عنه ، عن عروة وعمرة ، عن
عائشة كما في هذه الرواية ، ورواية الزهري له عنهما صحيح -: قاله الدَّارَقُطْنِيُّ .
واختُلف - أيضًا - في اسم المستحاضة :
فقال الأكثرون في روايتهم : أم حَبِيبَةَ ، ومنهم من قال : أمُّ حبيبةَ بنتُ
جَحْشٍ .
وقد خرّجه مسلم (١) من طُرق ، عن الزهري كذلك .
وفي رواية له: عن عَمْرو بن الحارث ، عن الزهري ، عن عروة وعمرة، عن
عائشة، أن أمَّ حبيبةَ بنتَ جَحْشٍ خَنَةَ رسولِ اللهِ وَِّ، وتحت عبدِ الرحمنِ
ابنِ عَوْفٍ استُحيضت سبعَ سنين - وذَكَر الحديثَ .
ولمسلمٍ(٢) - أيضًا - من حديث عِراكِ بن مالكٍ ، عن عروةَ ، عن عائشةَ ، أن
أم حبيبة بنتَ جحش التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوفٍ شَكَتْ إلى النبي وَلّ
الدمَ ، فقال لها : ((امْكُثي قدرَ ما كانت تَحْسُك حيضتك ، ثم اغتسلي)) ، فكانت
(١) (١/ ١٨١) .
(٢) (١/ ١٨٢).

٥٢٥
٢٦ - باب عرق الاستحاضة
كتاب الحيض
تَغتسل عند كل صلاة .
ورواه أبو داودَ الطَّالِسِيُّ عن ابن أبي ذِئْبٍ ، عن الزَّهْرِيِّ ، وقال في حديثه:
إن زينبَ بنتَ جحشٍ استُحيضت .
ووهم في قوله: ((زينب)) -: ذكر ذلك الدارقطني في «علله)).
وذكر أبو داود في ((سنته)) (١) أن أبا الوليدِ الطيالسي رواه ، عن سليمانَ بنِ
كَثِيرٍ ، عن الزهري ، عن عروةَ ، عن عائشةَ : استُحيضت زينب بنت جحش -
فذكَرَه .
وكذلك خرَّجه مسلمٌ (٢) من رواية ابنِ عُبَيْنَةَ ، عن الزهري ، عن عمرةَ ،
عن عائشةَ ، أن زينبَ (٣) بنتَ جحشٍ كانت تُستحاض سبعَ سنين - فذكره .
وقد رواه مالك في ((الموطِ))(٤) عن هشام بن عروةَ ، عن أبيه ، عن زينبَ
بنتِ أبِي سَلَمَةَ ، أنها رأت زينبَ بنت جحشِ التي كانت تحت عبدِ الرحمنِ بن
عوفٍ ، وكانت تُستحاض ، وكانت تَغتسل وتُصلي .
ولم يرفع هشامٌ شيئًا من الحديث .
وذكر ابنُ عبدِ البَرِّ: أن مالكًا وَهِم في قوله: ((زينب))، وإنما هي: أمُّ حَبِيبةَ.
وقد رواه الليثُّ بنُ سَعْدٍ ، عن هشامٍ ، فقال فيه : إن أمَّ حبيبةَ بنتَ جحشٍ.
وكذلك رواه يحيى بنُ سعيد ، عن عروةً وعمرةَ ، عن زينبَ بنتِ أبي سَلَمَةَ،
أن أَمَّ حبيبةَ - وذَكَر الحديثَ .
وروى ابنُ عُيَّيْنَةَ ، عن الزُّهري ، عن عمرةَ ، عن عائشةَ ، أن حبيبةً بنتَ
جحشِ استُحيضت - فذكَرَه .
(١) (٢٩٢) .
(٢) (١/ ٢٨١) .
(٣) الذي في ((صحيح مسلم)): ((أن ابنة جحش ... )).
(٤) (ص ٦٢) .

٥٢٦
حديث : ٣٢٧
كتاب الحيض
وقال : كذا حَفِظْتُ أنا في الحديث ، والناس يقولون : أم حبيبة .
خرَّجِه حَرْبُ الكِرْماني في ((مسائله)) عن الحُمَيْدِيِّ ، عنه .
وقد روى عبد الله بن محمد بن عَقِيل ، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة ،
عن عمِّه عمران بن طلحة ، عن أمه حَمْنَة بنت جحش ، قالت : كنت أُسْتحاض
حيضة [كبيرة] شديدة، فأتيت النبي وَ﴿ أَسْتَفْتِيه، فوجدتُه في بيت أخي زينب -
وذكرت حديثًا طويلاً .
خرَّجه الإمام أحمد ، وأبو داود ، وابن ماجه ، والترمذي .
وقال : حسن صحيح(١).
وحكى عن البخاري أنه حسَّنه ، وعن الإمام أحمد أنه قال : هو حسن
صحيح .
وقد اختَلَف قولُ الإمامِ أحمدَ فيه ، فنقَلَ عنه أكثرُ أصحابه أنه ضعَّفْه ،
وقيل : إنه رَجَع إلى تقويته والأخذِ به - : قاله أبو بكرِ الخَلاَّلُ.
وقد رواه جماعةٌ عن ابن عَقِيلٍ كما ذكرناه ، وخالَفَهم ابن جُرَيْجٍ ، فرواه
عنه ، وقال فيه : عن حَبِيبَةَ بنتِ جَحْشٍ .
ذكره الإمام أحمد في رواية ابنه عبد اللَّهِ (٢) وقال: خالَف الناسَ - يُشير إلى
أنها حَمْنَةُ ، ليست حَبِيبَةَ .
وقد خرَّجه ابن ماجه(٣) من طريق ابن جُرَيَجٍ ، عن ابن عَقِيلٍ ، إلا أنَّ في
روايته : ((عن أمِّ حبيبةَ بنتِ جحش)) .
وحاصل الأمر : أنَّ بناتِ جحش ثلاثٌ :
زينب بنت جحش أمُّ المؤمنين ، كانت زوجَ زيدِ بنِ حارِثَةَ ، فطَلَّقَها فتزوجها
(١) أحمد (٤٣٩/٦ - ٤٤٠) وأبو داود (٢٨٧) وابن ماجه (٦٢٢) والترمذي (١٢٨).
(٢) انظر: ((العلل)) لعبد الله بن أحمد (٥٢٧١).
(٣) (٦٢٢) .

٥٢٧
٢٦ - باب عرق الاستحاضة
كتاب الحيض
النبيِّ وَّهِ، وهي التي ذَكَرَها اللَّهُ سبحانه في سورة الأحزاب.
وحَمْنَةُ بنتُ جحش ، هي التي خاضت في الإفك ، وكانت تحتَ طلحةَ بنِ
عُبيد اللَّه .
وأُمُّ حبيبةَ ، وكانت تحتَ عبد الرحمنِ بنِ عوفٍ ، ويُقال فيها - أيضًا - :
أمُّ حَبِيبٍ -: قاله الإمام أحمد في رواية ابنه صالح ، وأكثرُ الناس يسميها :
أمَّ حبيبةَ .
وقال طائفة من المحققين : إنما هي أمُّ حبيبٍ ، واسمها حبيبةُ ، ففي
(تاريخ)) المُفَضَّلِ الغلابي - والظاهر أنه عن يحيى بن مَعِينٍ ؛ لأنه في سياق كلام
حكاه عنه - ، قال : المستحاضة حبيبةُ بنتُ جحش ، وكانت تحتَ عبد الرحمن
ابن عوف ، وهي أخت حَمْنَةَ .
[وكذا ذَكَرِ الزَّبَيْرُ بنُ بَكَّارِ في كتاب [ ... ](١) ((الأنساب))، إلا أنه لم
يُكنَّها، وكذا قال أبو بكرِ بنُ أبي داود](٢).
وحكى الدارقطنيُّ في ((عِلَلَه)) عن إبراهيمَ الحَرْبِيِّ، أنه قال : الصحيح أن
المستحاضة أمُّ حُبِيبٍ ، واسمها حبيبةُ بنت جحش ، وهي أخت حَمْنَةَ ، ومَن قال
فيه : أمُّ حبيبةَ أو زينب فقد وَهِم .
قال الدارقطني : وقول إبراهيمَ صحيحٌ ، وكان مِن أعلم الناس بهذا الشأن .
وقال ابن سَعْدٍ في ((طبقاته))(٣): هي أم حبيبٍ بنتُ جحشٍ ، واسمها :
حبيبةُ . قال : وبعض أهل الحديث يَقْلِب اسمَها ، فيقول : أم حبيبةً .
وحكى عن الواقديِّ، أنه قال: بعضهم يَغْلَط ، فيروي أن المستحاضة
(١) بياض في ((ق)).
(٢) ليس في ((ك)) .
(٣) (١٧٦/٨) .

٥٢٨
حديث : ٣٢٧
کتاب الحيض
حَمْنَةُ بنتُ جحشٍ ، ويَظُنْ أن كنيتها أمُّ حبيبةَ ، والأمر على ما ذَكَرْنا ، هي
أم حبيبٍ حبيبةُ بنت جحشٍ ، وكانت تحتَ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ ، ولم تلد له
شيئًا .
وحكى البَيْهَقِيُّ في ((كتاب المعرفة))، عن ابنِ المَدِينِيِّ، أنه قال: أم حبيبة
هي حَمْنَةُ . وعن يحيى بنِ معينٍ ، أنها غيرُها .
ثم قال البيهقي : حديث ابن عقيلٍ يدل على أنها غيرها ، كما قال يحيى .
قلتُ : رواية ابنِ عقيلٍ ، عن إبراهيمَ بنِ محمدِ بن طلحةً ، عن عمِّه عمرانَ
ابنِ طَلْحَةَ، عن أمِّه حمنةَ (١) صريحٌ في أنها حَمْنَةُ لا تَحتمل غِيرَ ذلك؛ لأن
حمنة هي زوجُ طَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، ووَلَدَتْ له عِمْرانَ ، وهو راوي هذا الحديث
عن أمِّه، [ وأما أختها حبيبةُ فلم يكُن لها ولدٌ بالكلية - : قاله الزُّبَيْرُ بنُ بِكَّارِ
وغيرُه](٢)، وحينئذ فيَحْتمل أن تكون حمنةُ استُحيضت، وأختها حبيبةُ استُحيضت -
أيضًا .
وقد حكى ابنُ عبدِ البَرِّ هذا قولاً ، قال : وقيل : إنهنَّ كلهنَّ استُحِضْنَ -
يعني : زينبَ، وأَمَّ حَبِيبٍ ، وحَمْنَةَ .
وعلى ما ذكره الأولون ، فالمستحاضة هي أم حبيب حبيبةُ خاصةً دون
أُخْتَيْها .
وذكر أبو الوليد بنُ الصَفَّارِ الأَنْدَلُسِيُّ - وكان من أَعيان علماء الأَنْدَلُس - في
شرح ((الموطأ) له: أن كلاً من الأخواتِ الثلاث تُسَمَّى زينبَ، وأن حَمْنَةً
لقبٌ .
قال القرطبي : وإذا صح هذا فقد صح قولُ من سَمَّى المستحاضةَ زينبَ .
(١) في الأصلين: ((أم حمنة)) خطأ .
(٢) من ((ق)).

٥٢٩
٢٦ - باب عرق الاستحاضة
کتاب الحیض
قلتُ : وفي هذا بُعْدٌ ، وهو مخالف لقول الأئمة المعتبرين ، كما سَبَق .
والله أعلم .
ووقع في متن حديث عائشةَ اختلافٌ ثالث ، وهو أهم مما قَبْله ، وذلك أنه
اختُلِف في غُسلها لكل صلاة، فمن الرواة: من ذَكَر أنها كانت تَغتسل لكل صلاة،
وأن النبي وَ﴿ لم يأمرها بذلك. ومنهم: من ذكر أن النبي ◌َّ أَمَرَها بذلك.
فأما الذين لم يرفعوه : فهم الثِّقات الحفاظ :
وقد خرَّجه البخاري هَاهُنا من حديث ابنِ أبي ذِئْبٍ ، من الزُّهْرِيِّ، وفي
حديثه : ((فكانت تَغتسل لكل صلاة» .
وخرَّجه مسلمٌ (١) من طريق اللَّيْثِ ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُرْوَةَ ، عن
عائشةَ، وفي حديثه: قال اللَّيْثُ: لم يَذكر ابنُ شِهابٍ أن رسولَ اللَّهِوَّهِ أَمَر
أمَّ حبيبةَ بنتَ جحشٍ أنْ تَغتسل عند كل صلاة ، ولكنه شيءٌ فعلتْه هي .
وخرَّجه(٢) - أيضاً - من رواية عِراكِ بن مالكِ، عن عروةَ، عن عائشةَ ، وفي
حديثه : ((فكانت تَغتسل عند كل صلاة)) .
وأما الذين رفعوه : فرواه ابن إسحاقَ ، عن الزهري ، عن عروةَ ، عن
عائشة، أن أمَّ حبيبةَ استُحيضت في عهد رسول اللّهُ بِّهِ، فَأَمَرَها بالغُسل لكل
صلاة .
خرَّجه الإمام أحمد وأبو داودَ (٣).
قال(٤): ورواه أبو الوليد الطَّالِسِيُّ، ولم أسمعه منه ، عن سُلَيْمانَ بنِ كَثِيرٍ ،
عن الزهري ، عن عروةَ ، عن عائشة : استُحيضت زينبُ بنتُ جحشٍ، فقال لها
(١) (١/ ١٨١).
(٢) (١/ ١٨٢) .
(٣) أحمد (٨٢/٦) وأبو داود (٢٩٢). وانظر: ((المسند)) (٢٣٧/٦).
(٤) يعني: أبا داود، وهو عقب الحديث في ((كتابه)).

٥٣٠
حديث : ٣٢٧
كتاب الحيض
النبي وَ ل: ((اغتسلي لكل صلاة)).
وابنُ إسحاقَ وسليمانُ بن كثير ، في روايتهما عن الزهري اضطرابٌ كثير ،
فلا يُحْكَم بروايتهما عنه مع مخالفة حُفَّاظِ أصحابِهِ .
وروى يَزِيدُ بنُ عبدِ اللهِ بن الهادِ ، عن أبي بكرٍ - هو : ابن حَزْمٍ - ، عن
عمرةَ ، عن عائشةَ ، أن أمَ حبيبةَ بنتَ جحشٍ كانت تحتَ عبدِ الرحمنِ بن عَوْفٍ،
وأنها استُحيضت فلا تَطْهُر، فَذُكر شأنها لرسول اللَّهِ وَلِّ فقال: ((ليستْ بالحيضة،
ولكنها رَكْضَةٌ من الرَّحِم ، فلْتَنْظُرْ قَدْرَ قُرْئها التي كانت تَحيض له ، فلَشْرُك الصلاةَ،
ثم لَنْظُرْ ما بعد ذلك فلْتَغتسلْ [عند](١) كلِّ صلاة، ولتُصَلِ)).
خرَّجه الإمام أحمد والنسائي(٢).
وهو مخالف لرواية الزهري ، عن عمرة ، كما سَبَق ، ورواية الزهري
أصحّ .
وقال الإمام أحمد : كل من روى عن عائشة : الأقراءُ الحَيَض ، فقد أخطأ.
قال : وعائشة تقول : الأقراء الأطهار .
وكذا قال الشافعي في رواية الرَّبِيعِ ، وأشار إلى أنَّ رواية الزهري أصحّ من
هذه الرواية .
وحكى الحاكمُ عن بعض مشايخه : أن حديث ابن الهاد غيرُ محفوظ .
وقد رَوَى أن النبيِ نَّهِ أَمَرَ أَمَّ حبيبةَ بالغُسل لكل صلاة - : يحيى بنُ
أبي كَثِيرٍ ، عن أبي سَلَمَةَ، عن زينبَ بنت أبي سَلَمَةَ .
خرّجه أبو داودَ (٣).
وقد اختلف في إسناده على يحيى ، والصحيح : عنه ، عن أبي سلمة -
(١) ساقط من الأصلين، واستدركته من مصادره، وفي هامش ((ق)): ((لعله: لكل)).
(٢) ((المسند)) (١٢٨/٦ - ١٢٩) والنسائي (١٢٠/١ - ١٢١).
(٣) (٢٩٣) .

٥٣١
٢٦ - باب عرق الاستحاضة
كتاب الحيض
مرسلاً - : قاله أبو حاتمٍ (١)، مع أن روايةَ زينبَ بنتِ أبي سَلَمَةَ مرسلةٌ - أيضًا - ،
وقيل : عنه ، عن أبي سلمة ، عن أم حبيبةَ ، ولا يَصِحّ .
ورواه الأَوْزاعِيُّ، عن يحيى، عن أبي سَلَمَةَ مرسلاً ، وجَعَل المستحاضةَ
زينبَ بنتَ أبي سَلَمَةَ ، وهو وَهْمٌ فاحش ؛ فإن زينب حينئذٍ كانت صغيرة .
وقد روي عن طائفة من الصحابة والتابعين أن المستحاضة تَغتسل لكل
صلاة ، ومنهم من حَمَل ذلك على الوجوب .
وقد رُوي عن ابن عباسٍ أنه قال: لا أَجِد (٢) لها إلا ذلك.
ومنهم من حَمَلَه على الاستحباب ، وقد حكي الوجوبُ روايةً عن أحمد،
والمشهور عنه الاستحبابُ كقول الأكثرين .
وقد تعلق بعضُهم للوجوب بأن النبي وَّ أَمَرَها أنْ تَغتسل وتصلي ، وهذا
يعم كلَّ صلاة ؛ فإنه كالنهي أنْ تصلي حتى تَغتسل ، وقد فَهِمَت المأمورةُ ذلك ،
فكانت تَغتسل لكل صلاة ، وهي أَفهم لما أُمِرَتْ به .
ويُجاب عن ذلك، بأنه وَّ﴿ إنما أَمَرَها أنْ تَغْتسل إذا ذهبت أيامُ حيضتها ،
فلا يدخل في ذلك غير الغُسل عند فراغ حيضتها ، وأما ما فعلتْه فقد تكون فعلتْه
احتياطاً وتَبَرُّعًا بذلك -: كذلك قاله اللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ وابن عُبَيْنَةَ والشافعي وغيرُهم
من الأئمة .
ويدل على أنَّ أَمْرَها بالغُسل لم يَعُمَّ كلَّ صلاة: أن عائشة رَوَتْ أن النبيِ وَّل
أَمَرَها أنْ تَغتسلَ، وقالت عائشة: ((فكانت تَغتسل لكل صلاة))، فدل على أن عائشة
فهمت مِن أَمْر النبيِّ وَّ غيرَ ما فعلتْه المستحاضة، وعائشة راويةُ الحديث،
وهي أَفْقَه وأَفْهَم من غيرها من النساء .
(١) ((العلل)) لابنه (١١٩).
(٢) في ((ق)): ((حدّ)، والمثبت من ((ك)).

٥٣٢
حديث : ٣٢٧
كتاب الحيض
وقد ذهب مالك والشافعي - في أَشْهَرِ قوليه - في المُتَحَيِّرَة - وهي :
المستحاضة التي نَسِيَتْ وقتَها وعددَها ولا تَمْييز لها - أنها تَغتسل لكل صلاة
وتضلي أبداً .
واختلف أصحاب الشافعي : هل تقضي أم لا ؟ على وجهين لهم ، واختار
ابن سُرَيْجٍ منهم : أنها تصلي كلَّ يوم وليلة عشر صلوات بستِّ اغتسالات وأربعة
وضوآت ، ليسقط الفرضُ عنها بيقين .
وفي هذا حَرَج عظيم ، وعُسْرٌ شديد ، والكتاب ناطق بانتفائه عن هذه الأُمَّةً،
فكيف تُكلَّف به امرأة ضعيفة مُبْتلاة ، مع أن دين اللَّهِ يسرٌ ، ليس بعسر .
وذهبت طائفة : إلى أن المستحاضة تَغتسل كلَّ يوم غُسلاً واحدً ، وروي عن
أحمدَ ما يدل على وجوبه . وعند أحمدَ وإسحاقَ : لها أنْ تَجمع بين الصلاتين
بغُسل واحد، وفي ذلك أحاديثُ مرفوعةٌ عن النبي وَِّ [مخرَّجة] في ((السنن)).
وأما قول النبي وَِّ: ((هذا عرْقٌ)، وتبويبُ البخاري هاهنا على هذه اللفظة،
فقد سَبَقَ الكلامُ على معناه مستوفَّى في ((باب: الاستحاضة)).
وليس في حديث الزهري الذي خرَّجه البخاري في هذا الباب أن النبي ◌َّ
أَمَرَ المستحاضةَ أن تَدَع الصلاةَ أيامَ حيضِها ، كما في حديث هشامٍ بن عُرْوةً
وعِراكِ بن مالكٍ ، عن عروةَ ، لكن في حديث هشامٍ: أن النبي وَّ أمر فاطمة
بنتَ أبي حُّيْشٍ ، وفي حديث عِراكٍ: أَمَر أَمَّ حبيبةَ بنتَ جحشٍ .
وقد ذكر الأوزاعِيّ، عن الزهري في حديثه هذا، أنه وَّر قال لأم حبيبة: ((إذا
أقبلت الحيضةُ فدعي الصلاة ، فإذا أَذْبَرَتْ فاغتسلي وصلي)) ، وتَفَرَّد بذلك.
وكذلك روى ابنُ عُبَيْنَةَ، عن الزهري ، أن النبي ◌ِّرِ أَمَرَها أن تَدَع الصلاةَ
أيامَ أقرائِها، وهو وَهْمَ منه - أيضًا -: قاله الإمام أحمد وأبو داودَ (١) وغيرُهما .
(١) في ((السنن)) (٢٨٥).

٥٣٣
٢٦ - باب عرق الاستحاضة
کتاب الحیض
ورواه محمدُ بنُ عمرو ، عن الزُّهْرِي ، وزاد فيه : ((إذا كان دمُ الحيض ،
فإنه أسودُ يُعْرَف))، وقيل: إنه وَهْمٌ منه - أيضاً -، لكنه جَعَلَه عن عُرْوَةَ، عن
فاطمةَ بنتِ أبِي حُبِيْشٍ .
ورواه سُهَيْلٌ ، عن الزهري ، عن عُرْوَةً ، عن أسماءَ بنتِ عُمَيْسٍ ، وزاد فيه
هذا المعنى - أيضاً .
وقد سَبَق ذِكْرُ ذلك في ((باب: الاستحاضة)).
والمحفوظ عن الزهري في هذا الحديث : ما رواه عنه أصحابه الحفاظُ ،
وليس فيه شيء من ذلك . والله [ سبحانه وتعالى ] أعلم.

٥٣٤
حديث : ٣٢٨ - ٣٣٠
كتاب الحيض
٢٧ - بَابُ
الْمَرْأَةُ تَحِيضُ بَعْدَ الإِفَاضَةِ
خرّج فيه حديثين :
أحدهما :
٣٢٨ - من حديث: عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُول اللَّهِ: إِنَّ صَفيَّةً
قَدْ حَاضَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: (لَعَلَّهَا تَحْبِسُنَا، أَلَمْ تَكُنْ طَاقَتْ مَعَكُنَّ؟)) قَالُوا:
بَلَى. قَالَ: ((فَاخْرُجِي)(١).
والثاني :
٣٢٩ - من حديث: طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: رُخِّصَ لِلْحَائِضِ أَنْ تَنْفِرَ
إِذَا حَاضَتْ .
٣٣٠ - وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ : إِنَّهَا لاَ تَنْفِرُ، ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ:
تَنْفِرُ؛ إنَّ رسولَ اللَّهِ رَخَّصِ لَهُنَّ .
قد سَبَق أن الحائض ممنوعةٌ من الطواف في حال حيضها ، فإن حاضت قبل
طواف الإفاضة فإنها لا تَنْفِر حتى تطوف للإفاضة ، وإن طافت طواف الإفاضة ،
ثم حاضت ، فذهب جمهور أهل العلم إلى أنها تَنْفِر ، كما دلت عليه هذه
الأحاديث الثلاثةُ - أعني : حديثَ عائشةَ ، وابنٍ عُمَرَ ، وابن عباسٍ .
وقد رُوي عن عمرَ ، وابنهِ عبدِ اللَّهِ ، وزيدِ بنِ ثابتٍ ، أنهم قالوا : لا تَنْفِر
حتى تَطْهُرَ ، وتطوف للوداع . ووافق جماعةٌ من الأنصار زيد بن ثابت في قوله
هذا ، وتركوا قولَ ابنِ عباسٍ .
فأما ابن عُمَرَ : فقد صَحَّ عنه برواية طاوس هذه أنه رَجَع عن ذلك .
(١) كذا في ((ق))، وفي ((ك)): ((فاخرجن)). وكلاهما من روايات البخاري .
٠

٥٣٥
٢٧ - باب المرأة تحيض بعد الإفاضة
کتاب الحيض
وأما زَيْدٌ: ففي ((صحيح مسلم)) (١) عن طاوُسٍ - أيضًا - ، أنه قال : كنت مع
ابن عباس إذ قال زيدُ بنُ ثابت : أتُفتي أنْ تَصْدُرَ الحائضُ قبل أن يكون عهدُها
بالبيت ؟ فقال له ابن عباس : إمَّا لا ، فسَلْ فُلانةَ الأنصارية ، هل أَمَرَها بذلك
رسول اللَّهُ وَله؟ قال: فَرَجَع زيدٌ إلى ابن عباسٍ يَضحك، وهو يقول: ما أُراك
إلا قد صَدَقْتَ .
وأما عُمر : فقد روي - أيضًا - أنه رَجَع عما قاله في ذلك ، فروى
عبد الرَّزََّقِ ، أبنا محمدُ بنُ راشدٍ ، عن سليمانَ بنِ موسى ، عن نافعٍ ، قال: ردَّ
عُمَرُ نساءً من ثَنَّةِ هَرْشَي ، وذلك أنهن أَفَضْنَ يومَ النَّحْرِ، ثم حِضْنَ فَتَفَرْنَ ،
فرَدَّهُن حتى يَطْهُرْنَ ويَطُفْنَ بالبيت، قال: ثم بَلَغ عمرَ بعد ذلك حديثٌ [غيرَ)(٢)
ما صَنَعِ ، فَتَرَك عمرُ صنيعَه الأولَ .
قال : وأبنا محمدُ بن راشد : أخبرني عَبْدَةُ بنُ أبي لُبَابَةَ ، عن هشامِ بنِ
يحيى المَخْزُومِيِّ ، أن رَجُلاً من ثَقِيفِ أتى عمرَ بنَ الخطابِ ، فسأله عن امرأة
زارت يومَ النحر ، ثم حاضت ؟ قال : فلا تَنْفِر حتى تَطْهُر ، فيكون آخرُ عهدها
بالبيت، فقال الرجل: فإن رسول اللّه ◌َ ل﴿ أَمَر في مثل هذه المرأة بغير ما أَفْتَيْتَ،
فِضَرَبَهَ عُمر بالدِّرَّة، وقال: ولِمَ تَستفتني في شيءٍ قد أَفتى فيه رسولُ اللَّهِ وَلِّهِ؟!
وخرَّجِ الإِسْماعِلِيُّ في ((مسند عمر)) من طريق هشامٍ بنِ عَمَّارِ : ثنا
صَدَقَةُ : ثنا الشُّعَيْثِيُّ، عن زُفَرَ بنِ وَثِيْمَةَ، أن رَجُلاً من ثَقِيفِ أتى عمرَ ،
فقال : امرأة منَّا حاضت ، وقد أفاضت يوم النحر ؟ فقال : ليكن آخرُ عهدها
بالبيت . فقال: إن النبي ◌َّ﴿ أَفتى امرأةً مِنَّا أن تَصْدُرُ، فحَمَل عمرُ عليه ،
فضَرَبَه، وقال: تَستفتيني في شيْءٌ قد أَفتى فيه رسول اللَّه ◌َِ(٣)؟!
(١) (٤ / ٩٣) .
(٢) في الأصلين: ((عمر)) في هذا الموضع، وفي هامش ((ق)): ((لعله: غير)).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (١٧٤/٣) من حديث أبي عوانة ، عن يعلى بن عطاء ، بمعناه .

٥٣٦
حديث : ٣٢٨ - ٣٣٠
کتاب الحیض
وقد روي على وجه آخر ، خرَّجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي(١) من
رواية الوليدِ بنِ عبدِ الرحمنِ ، عن الحارث بن عبد الله بن أَوْسٍ ، قال : أتيت
عمرَ بنَ الخطاب ، فسألتُه عن المرأة تَطُوف بالبيت يوم النحر ، ثم تَحِيض ؟
فقال: لِيكُنْ آخرُ عهدها بالبيت. قال الحارثُ: كذلك أَفتاني رسولُ اللَّهِ وَهِ ،
فقال عمرُ: أَرِبتَ عن يديك(٢)، سألتني عن شيْء سألتَ عنه رسول اللَّهُ وَه
لكَيْما أُخالف .
والولید هذا ، لیس بالمشهور.
وخرَّجه الإمام أحمد والترمذي(٣) من طريق آخرَ ، عن الحارث بنِ عبدِ اللَّهِ
ابنِ أَوْسٍ ، قال: سمعتُ النبيِ نَّهِ يقول: ((مَنْ حَجَّ هذا البيتَ أو اعْتَمَرَ فليكن
آخر عهده بالبيت)). فقال له عمر: خَرَرْتَ من يديك ، سمعتَ هذا من رسول اللَّه
﴿﴿ ولم تُخْبِرنا به.
وفي إسناده: حَجَّاجُ بنُ أَرْطاة ، وقد اختُلُف عليه في إسناده (1).
وهذه الرواية تدل على أن الحارثَ بنَ أَوْسٍ لم يسمع من النبي ◌َّ في
الحائض بخصوصها إذا كانت قد أفاضت : أنها تَحْتَبس لطواف الوداع ، إنما سمع
لفظًا عامًا ، وقد صح الإذنُ للحائض إذا كانت قد طافت للإفاضة أنْ تَنْفِر ،
فُيُخَصُّ من ذلك العموم ، وعلى هذا عمل العلماء كافَّة من الصحابة فمَن بعدهم.
وقد روى عبدُ الرََّّاقِ ، عن الثَّوْرِيِّ، عن أبي فَرْوَةً ، أنه سمع القاسمَ بنَ
محمدٍ يقول: رحم اللَّهُ عمرَ، كل أصحابِ محمدٍ بَل قد أمروها بالخروج .
(١) أحمد (٤١٦/٣) وأبو داود (٢٠٠٤) والنسائي في ((الكبرى)) كما في ((تحفة الأشراف))
(٦/٣).
(٢) دعاء عليه، كأنه يقول: سقطتْ آرابه، وهي جمع إرْب، وهو العضو . قاله الخطابي.
(٣) أحمد (٤١٦/٣ - ٤١٧) والترمذي (٩٤٦).
(٤) والحديث قد استغربه الترمذي وضعفه من هذا الوجه .
٠

٥٣٧
٢٧ - باب المرأة تحيض بعد الإفاضة
کتاب الحيض
يقول : إذا كانت أفاضت(١).
وروى بإسناده عن سعدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ، أنه ذُكِر له قول عُمَرَ (٢): لا تَنْفِر
حتى تَطْهُر لِيكون آخر عهدها بالبيت ، فقال: ما يجعلها حرامًا بعد إذ حَلَّت ، إذا
كانت قد طافت يوم النحر فقد حَلَّت ، فلْتَنْفِر .
يُشِير سعدٌ إلى أن من طاف طواف الإفاضة فقد حَلَّ الحِلَّ كله ، فلا يكون
مُحْتَبسًا بعد حِلِّه ، وإنما يَبقى عليه بقايا من توابع المناسك، كالرَّمْي والمَبِيت
بِمنّى وطوافِ الوداع ، فما أَمكن الحائضَ فعلُه من ذلك كالرمي والمبيت فعلتْه ،
وما تَعَذَّرَ فِعْلُه عليها كالطواف سَقَط عنها ، ولم يَجُزُ إلزامُها بالاحتباس له .
وكل من خالف في ذلك فإنما تَمَسَّك بعمومٍ قد صَحَّ تخصيصُهُ بنصوص
صحيحة خاصةٍ بالحائض، ولم يَصِحَّ عن النبي وَّ في الحائض بخصوصها نهيّ
أن تَنْفِر .
وحديث الرَّجُلِ الثَّقَفِيِّ الذي حدَّث عمرَ بما سمع من النبي وَّر قد روي على
ثلاثة أوجه كما سَبَق ، وأسانيده ليست بالقوية ، فلا يكون معارضًا لأحاديث
الرخصة للحائض في النَّفْر ؛ فإنها خاصةٌ ، وأسانيدها في غاية الصحة والثّبُوتِ .
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (١٧٣/٣) من حديث جرير ، عن أبي فروة به.
(٢) في ((ك)): ((ابن عمر)).

٥٣٨
٢٨ - باب إذا رأت المستحاضة الطهر
كتاب الحيض
٢٨ - بَابٌ
إِذَا رَأَتِ الْمُسْتَحَاضَةُ الطُّهْرَ
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَغْتَسِلُ وتُصَلِّي، وَلَوْ سَاعَةٌ ، وَيَأْتِيهَا زَوْجُهَا إِذَا صَلَّتْ؛
الصَّلاةُ أَعْظَمُ.
هذا الأثر ، ذَكَرَه أبو داودَ (١) تَعْلِيقًا، فقال: روى أَنَسُ بنُ سِيرِينَ ، عن
ابنِ عباسٍ في المستحاضة ، قال : إذا رأتِ الدمَ البَحْرانيَّ فلا تصلي ، وإذا رأت
الطهر ولو ساعةً فلْتَغْتسلْ وتصلي .
وقد ذكره الإمام أحمد واستحسنه ، واستدل به وذهب إليه .
وقال في رواية الأَثْرَمِ وغيرِه (٢): ثنا إسماعيلُ - هو: ابن عُلَيَّةَ - : ثنا خالدٌ
الحَذَّاءُ ، عن أَنْسِ بنِ سِيرِينَ ، قال : استُحيضت امرأةٌ من آل أَنَسِ ، فَأَمَرُوني ،
فسألتُ ابنَ عباسٍ ، فقال : أما ما رأت الدمَ البحرانيّ فإنها لا تصلي ، وإذا رأت
الطُّهْر ساعةً فلْتَغْتَسلْ ولْتُصَلِّ .
قال أحمد : ما أَحْسَنَهُ .
والدم البحراني : قيل : هو الأحمر الذي يضرب إلى سواد .
وروي عن عائشةَ ، أنها قالت : دم الحيض بحرانيٌّ أسودُ .
خرَّجه البخاري في ((تاريخه)(٣).
وقيل : البحراني هو الغليظ الواسع الذي يَخرج من قَعْر الرحمِ ، ونُسب إلى
البحر لكثرته وسعته .
(١) (٢٨٦). وانظر: ((تغليق التعليق)) (١٨٢/٢).
(٢) أخرجه الدارمي في ((سننه)) (٢٠٣/١ - ٢٠٤) من حديث يزيد بن زريع ، عن خالد ، به .
وابن أبي شيبة (١/ ١٢٠) من حديث ابن عُلِيَّة، عن خالد ، به .
(٣) (١/ ١/ ١١٥) ترجمة محمد بن أبي الشمال العطاردي.

٥٣٩
٢٨ - باب إذا رأت المستحاضة الطهر
كتاب الحيض
وقول ابنِ عباسٍ : ((إذا رأت الطهر ساعة من نهار فلتغتسل ولتصل))،
محمول على غير المستحاضة ؛ فإن المستحاضة تصلي إذا جاوزت أيامَ حيضها ،
سواءٌ انقطع دمُها أو لم ينقطع ، وإذا اغتسلت عند انقضاء حيضها وصلَّت ، ثم
انقطع دمُها بعد ذلك ؛ فلا غُسل عليها عند انقطاعه ، وإنما يَصِحُ حَمْلُ هذا على
الدم الجاري في أيام الحيض ، وأنه إذا انقطع ساعةً فهي طاهر تَغتسل وتصلي ،
وسواءٌ كان بعد تمام عادة الحيض أو قبل تمام العادة .
وقد ذهب الإمام أحمد إلى قول ابن عباس في هذا ، واستَدل به ، وعليه
أكثرُ أصحابِنا . ومنهم من اشتَرَط مع ذلك : أن ترى علامةَ الطهر مع ذلك ،
وهو القَصَّة البيضاء ، كما سَبَقَ ذِكْرُها .
وعن أحمدَ : لا يكون الطهر في خلال دم الحيض أقلَّ من يوم ، وصَحَّح
ذلك بعضُ الأصحاب ؛ فإن دم الحيض لا يستمر جَرَيَانُهُ ، بل يَنقطع تارةً ويَجري
تارة ، فإذا كان مدة انقطاعه يومًا فأكثر فهو طهر صحيح ، وإلا فلا .
وحكى الطحاوي الإجماعَ على أن انقطاع الدم ساعةً ونحوها لا عبرةَ به،
وأنه کالدم المتصل ، وليس كما ادعاه .
ومن العلماء : من ذهب إلى أن مدة النقاء في أثناء خلال الدم وإن طالت،
إذا عاد الدمُ بعد ذلك في مدة الحيض يكون حيضًا ، لا تصلي فيه ولا تصوم ،
وهو قول أبي حنيفةَ وأصحابِه ، والثوري ، وأحدُ قولي الشافعي ، وروى ابنُ
منصورٍ عن أحمد نحوَه .
وتُعرف المسألةُ بمسألة التَّلْفِيقِ ، ولها فروعٌ وتفاصيلُ كثيرةٌ جدًا .
وحينئذ ؛ ففي تبويب البخاري : ((المستحاضة إذا رأت الطهر)) نَظَرٌ، بل
الأَوْلَى أن يُقال: ((الحائض إذا رأت الطهر ساعةً)).
وإنما اعتمد على لفظ الرواية عن ابن عباسٍ ، ولعل ابنَ عباسٍ أراد أن

٥٤٠
٢٨ - باب إذا رأت المستحاضة الطهر
کتاب الحیض
المستحاضة إذا كانت مميِّةً جلست زمنَ دمِها الأسودِ ، فإذا انقطع الأسودُ ولو
ساعةً فإنه زمنُ طهرِها ، فتغتسل وتصلي حينئذ .
وقد حَمَلَه إسحاقُ بنُ راهويه على مثل هذا ، فقال في رواية حَرَّبٍ - في
استدلاله على اعتبار التمييز للمستحاضة بحديث : ((إذا كان دم الحيض ، فإنه أسود
يُعرف))، الحديث -، قال: وكذلك روي عن ابن عباس، أنه قال لامرأة مستحاضة:
أما ما دامت ترى الدم البحراني فلْتَدَعِ الصلاةَ، فإذا جاوزت ذلك اغتسلتْ وصلَّت.
وكذلك وقع في كلام الإمامِ أحمدَ في رواية الشالنجي حمل كلام ابن عباس
على مثل هذا ، وهو يرجع إلى أن المستحاضة تعمل بالتمييز ، فتجلس زمن الدم
الأسود ، فإذا انقطع عنها ورأت حُمْرَةً أو صُفْرَةً أو كُدْرَةً فإن ذلك طهرها ،
فتغتسل حينئذٍ وتصلي . والله أعلم .
وأما ما ذكر البخاري ، أنه يأتيها زوجُها إذا صلَّت ؛ الصلاة أعظم ، فظاهرُ
سياقٍ حكايته يقتضي أن ذلك من تمام كلام ابن عباسٍ ، ولم نقف على إسناد
ذلك عن ابن عباس ، وليس هو من تمام رواية أَنَسِ بنِ سِيرِينَ في سؤاله لابن
عباسٍ عن المستحاضة من آل أَنَسٍ .
وقد روي عن ابن عباس من وجه آخرَ الرخصةُ في وَطءِ المستحاضةِ من
رواية ابن المُبارَكِ، عن أَجْلِح(١)، عن عِكْرِمَةَ ، عن ابن عباس ، قال في
المستحاضة : لا بأس أنْ يجامعَها زوجُها(٢).
ويُحتمل أن يكون البخاري ذَكَر هذا الكلامَ من عند نفسه بعد حكايته لما قبله
عن ابن عباسٍ .
وهذا الكلام إنما يُعرف عن سَعِيدٍ بِنِ جَبَيْرٍ :
روى وَكِيعٌ، عن سُفيانَ ، عن سالمِ الأَفْطَسِ ، قال : سألتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ
(١) في ((ق)): ((عن أبي صالح)) خطأ.
(٢) أخرجه الدارمي في «سننه)) (٢٠٦/١ - ٢٠٧). وعبد الرزاق في ((مصنفه)) (١/ ٣١٠).