Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨١ كتاب الحيض ١٥ - باب امتشاط المرأة ، ١٦ - باب نقض المرأة شعرها لم يقل : ((«لكًا شديدًا)). وقد خرَّجه مسلم ، كما تقدم . وأسماء هذه ، وقع في ((صحيح مسلم)(١) أنها: ((بنت شكّل))، وذكر أبو بكر الخطيبُ أنها أسماء بنت يَزِيدَ بنِ السَّكَنِ ، وخرَّج الحديثَ من رواية يوسفَ القاضي، من طريق شُعْبَةَ ، عن إبراهيمَ بنِ المُهاجِرِ بالإسناد الذي خرَّجِه مسلمٌ ، وفيه: أن أَسْماءَ بنتَ يَزِيدَ سألتِ النبيَّ ◌َّهِ عن غُسل الحيض - فذَكَرَهَ(٢). وأكثر العلماء على التسوية بين غسل الجنابة والحيض ، وأنه لا يُنْقَض الشَّعرُ في واحد منهما . وفي ((صحيح مسلم)) (٣) من حديث أم سَلَمَةَ، قالت: قلت : يا رسول اللَّه ، إني امرأة أَشُدُّ ضَفْرَ رأسي، أَفَأَنقضه للحيضة والجنابة؟ قال: ((لا)). وهذه اللَّفظة - أعني: لفظة ((الحيضة)) - تفرد بها عبدُ الرَّزَّاق، عن الثَّوْرِيِّ، وكأنها غيرُ محفوظة ، فقد رواه غيرُ واحد ، عن الثوري ، فلم يذكروها . وقد رُويت - أيضًا - هذه اللَّفظة من حديث سالم الخَيَّاطِ، عن الحَسَن ، عن أم سَلَمَةَ . وسالم ضعيف ، والحسن لم يسمع من أم سلمة . وروى أبو بكر الحَنَفِيَّ ، عن سفيانَ ، عن أبي الزُّبَيْر ، عن جابرٍ - مرفوعًا : ((لا يضر المرأةَ الحائض والجُنُبَ أن لا تَنقض شَعرَها إذا أصاب الماءُ شئون رأسها)» . تفرد به : الحنفي ، ورَفْعُهُ مُنْكَر . وقد رُوي عن أبي الزُّبَيْر ، عن جابرٍ موقوفًا ، وهو أصح . (١) (١ / ٠ ١٨) . (٢) وانظر: ((الإصابة)) (٤٨٥/٧ - ٤٨٦). (٣) (١٧٨/١) . ٤٨٢ حديث : ٣١٦ - ٣١٧ كتاب الحيض وروى عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ عمرَ ، عن نافعٍ ، قال: كنَّ نساءُ ابنِ عُمرَ يَغتسلْنَ من الحيض والجنابة، فما يَنقضن شعورهنَّ، ولكن يَبْلُغْنَ بالماء أصول الشَّعر(١). هذا كله إذا وصل الماء إلى غُضُون الشعر المضفورِ ، فإن لم يصل بدونه وَجَب نقضُه عند الأكثرين ، وهو قول مالك والشافعي ، والمشهور عند أصحابنا، ورواية عن أبي حنيفة، وهو قول أبي خَيْثَمَةَ ، وأبي بكرِ بنِ أبي شَيْبَةَ ، وسُلَيْمانَ ابنِ داودَ الهاشِمِيِّ ، ويحيى بنِ يحيى، والجوزجانيٌّ (٢) وغيرِهم من فقهاء الحديث ، واستدلوا بالأحاديث الواردة في الأَمْر بحَلِّ الشعر ، وقد تُكُلِّم في أسانيدها . وقالت طائفة : لا يجب ذلك ، وحُكي عن مالك ، وهو قول طائفة من أصحابنا ، منهم: صاحب ((المُغْنِي))، وذكر أنه ظاهر كلام الخِرَقِيِّ، وأن الشَّعر حكمه حكمُ المُنْفَصِلِ عن الجسد ، لا حكمُ المتصل به . ولأصحابنا وجهٌ : أنه يُفْرَق بين غُسل الحيض والجنابة ، فيجب غسل الشعر في غُسل الحيض خاصة . والصحيح من مذهب الحنفية : أن الشعر إذا كان مضفوراً لا يلزم المرأةَ نقضُهُ في جنابة ولا حيض ؛ لمشقةٍ نَقْضِه ، بخلاف الرَّجُلِ ؛ فإنه يلزمه نقضُهُ ، وإن كان محلولاً وجب غَسْلُه وإيصالُ الماء إلى بواطنه ، كشعر اللّحية. وخرَّج الطبراني(٣) من رواية عمرَ بنِ هارُونَ ، عن جَعْفَرِ بنِ محمدٍ ، عن أبيه ، عن سالمٍ خادمِ النبي ◌ِِّ، قال: ((إن أزواج رسول اللّه وَلَ كُنَّ يجعلنَ رءوسهن أربعَ قرون ، فإذا اغتَسلن جمعنَهن على أوساط رءوسهنّ). (١) أخرجه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (٧٤/١) وعبد الرزاق (٢٧٢/١). (٢) في ((ك)): ((إسحاق بن هانئ)) بدل (الجوزجاني . (٣) في ((الكبير)) (٦٢/٧) و((الأوسط)) (٧٠٨٢). ٤٨٣ كتاب الحيض ١٥ - باب امتشاط المرأة ، ١٦ - باب نقض المرأة شعرها عمرُ بنُ هارونَ ، ضعيف . وفي أَمْر النبي ◌َّهُ لعائشةَ بالغُسل للإحرام وهي حائض دليلٌ على أن الأَغْسَال(١) المستحبة تُفْعل مع الحيض ؛ كأغسال الحج المستحبة ، ويدخل ذلك في قوله لها: ((اصنعي ما يصنع الحاج)) . ولو كان على الحائض غُسلُ جنابة ، إما قبل الحيض أو في حال الحيض، فهل يُستحب لها الاغتسالُ في حال حيضها للجنابة ؟ فيه روايتان عن أحمد . واختلف السََّف في ذلك : فقال النَّخَعِيُّ وغيره : تغتسل . وقال عطاء : لا تغتسل ؛ الحيض أكبر . قال أحمد : ثم رجع عن ذلك ، وقال : تغتسل . وأما الوضوء فلا يُشرع للحائض في حال حيضها ما لم يَنقطع دمُها ، فَتَصِيرُ كالجنب ، ونصَّ أحمد على أنها لو توضأت وهي حائض لم يَجُزْ لها الجلوسُ في المسجد ؛ بخلاف الجنب ، وفيه وجه : يجوز إذا أَمنت تلويثَه . ونصَّ الشافعي على أنه لا يشرع لها الوضوء عند النوم والأكل ، وهو قول أصحابنا ، واختلف أصحاب مالك في ذلك . وأما وضوؤها عند كل صلاة ، وجلوسها قَدْرَ الصلاة للذِّكْر ، ففيه خلاف ، نذكره في موضع آخر - إن شاء اللَّه تعالى. . (١) في ((الأصلين)): ((الاغتسال)). ٤٨٤ حديث : ٣١٨ کتاب الحيض ١٧ - بَابُ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ(١) ٣١٨ - حَدَّثَنَا مُسَلَّدٌ: ثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، عَنِ النَِّيِّ:﴿ قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلَكًا، يَقُولُ: يَارَبِّنُطْفَةٌ ، يارَبِّ عَلَقَةٌ، يارَبِّ مُضْغَةٌ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْضِي اللَّهُ خَلْقَهُ (٢) قَالَ: أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ أَشَقيَّ أَمْ سَعِيدٌ؟ فَمَا الرِّزْقُ؟ فَمَا الأَجَلُ؟ فِيُكْتَبُ فِي بَطْنِ أُمِّ)) . اختلف السََّفُ في تأويل قولِ اللَّهِ عز وجل: ﴿ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرٍ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: ٥] : فقال مجاهد : هي المضغة التي تسقطها المرأةُ ؛ منها ما هو مُخَلَّقٌ فيه تصوير وتخطيط ، ومنها ما ليس بمخلق ولا تصوير فيه ، أَرَى اللَّهُ تعالى ذلك عبادَه لِيُبَيِّنَ لهم أَصْلَ ما خُلِقُوا منه، والذي يُقِرَّه في الأرحام هو الذي يَتِمُّ خَلْقُه ويُولَدُ . وقالت طائفة : المخلقة هي التي يتم خَلْقُها ، وغيرُ مخلقة هي التي تسقط قبلَ أنْ تكونَ مضغةً . روى الشَّعْبِيُّ، عن عَلْقَمَةَ ، عن ابنِ مَسْعُودٍ ، قال : النطفة إذا استقرت في الرحم حَمَلَها ملَك بكَفِّه ، وقال: أَيْ رَبِّ، مخلقةٌ أم غيرُ مُخلقةٍ ؟ فإن قيل : غير مخلقة لم تَكُنْ نسمةً، وقَذَفَتْها الأرحامُ ، وإن قيل : مخلقة ، قال : أَيْ رَبِّ ، أذكرٌ أم أنثى ؟ أشَقِيٌّ أم سعيد ؟ ما الأَجَلُ ؟ ما الأَثَرُ ؟ وبأي أرضٍ تموتُ ؟ قال : فيقال للنطفة : مَن ربُّك؟ فتقول : اللَّه ، فيقال : مَن رازقُك؟ (١) في هامش ((ق)): ((قال عطاء الخراساني: ﴿مخلقة﴾ مَنْ قد خُلِقَ، ﴿وغير مخلقة﴾ منْ لم يُخلق بعد. وهذا بعيد)) . (٢) كذا في ((ك))، وفي ((ق)): ((أراد الله خلقه)). ٤٨٥ ١٧ - باب مخلقة وغير مخلقة کتاب الحیض فتقول : اللَّه ، فيقول الله عز وجل : اذهب إلى الكتاب ، فإنك ستجد فيه قصة هذه النطفة . قال : فتُخلق ، فتعيش في أَجَلها ، وتأكل رزقَها ، وتطأ في أَثَرِها ، حتى إذا جاء أجلُها ماتت، فدُفنت في ذلك، ثم تلا الشَّعْبِي: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ﴾ إلى قوله: ﴿مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرٍ مَخْلَّقَةٍ﴾ [الحج: ٥]، فإذا بَلَغَتْ مضغةَ نُكِسَتْ في الخَلْقِ الرابع ، فكانت نسمةً ، فإن كانت غيرَ مخلقة قَذَفَتْها الأرحامُ دَمًا ، وإن كانت مخلقة نُكِسَتْ نسمةً . خرَّجه ابن أبي حاتم وغيره ، وآخره هو من قول الشعبي . [وقد يَستأنس بهذا مَن يقول : إن الحامل لا تحيض ولا ترى دمَ الحيضِ في حال حَمْلِها ، وأنها لا تَرَى إلا دمَ النِّفاسِ خاصة ، وفي ذلك نَظَرٌ . وقد قيل : إن هذا هو مراد البخاري بتبويبه هذا(١). وقد رُوي عن الحسن في قول اللَّه عز وجل: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أمشاج﴾ [الإنسان: ٢]، أنّ النطفة مُشجت - أي: خُلِطَتْ بدم الحيض - ، فإذا (١) قال ابن حجر (٤١٩/١) بعد أن ذكر عن ابن بطال أن هذا هو مراد البخاري بتبويبه ، قال : ((وفي الاستدلال بالحديث المذكور على أنها لا تحيض نظر ؛ لأنه لا يلزم من كون ما يخرج من الحامل هو السقط الذي لم يصور أن يكون الدم الذي تراه المرأة التي يستمر حملها ليس بحيض ، وما ادعاه المخالف من أنه رشح من الولد أو من فضلة غذائه أو دم فاسد لعلة فمحتاج إلى دليل . وما ورد في ذلك من خبر أو أثر لا يثبت . لأن هذا دم بصفات دم الحيض ، وفي زمن إمكانه ، فله حكم دم الحيض ، فمن ادعى خلافه فعليه البيان . وأقوى حججهم : أن استبراء الأمة اعتبر بالمحيض لتحقق براءة الرحم من الحمل ، فلو كانت الحامل تحيض لم تتم البراءة بالحيض . واستدل ابن المنير على أنه ليس بدم حيض بأن الملك موكَّل برحم الحامل ، والملائكة لا تدخل بيتًا فيه قذر ولا يلائمها ذلك . وأجيب : بأنه لا يلزم من كون الملك موكلاً به أن يكون حالاً فيه ، ثم هو مشترك الإلزام ؛ لأن الدم كله قذر. والله أعلم) اهـ . / ٤٨٦ حديث : ٣١٨ كتاب الحيض حَمَلَتِ المرأةُ ارتفع حيضُها](١). وحديث أنسٍ الذي خرَّجه البخاري يدل على أنه لا يُخلق إلا بعد أن يكون مضغة ، وليس فيه ذِكْرُ مدة ذلك ، وذكر المدة في حديث ابن مسعود - وقد خرَّجه البخاري في مواضعَ أُخَرَ -، قال: حدثنا رسول اللّهِ وَال ــ وهو الصادق المصدوق - : ((إنّ خَلْق أحدِكم يُجْمَع في بطن أُمِّه أربعين يومًا ، ثم يكون علقةً مثلَ ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يُبعث إليه الملَك، فيُؤمر بأربع كلمات : بگنّب رزقه ، وأجله ، وعمله ، وشقي أو سعيد ، ثم يُنفخ فيه الرُّوح)) - وذَكَر الحديثَ (٢). وقد رُوي هذا المعنى عن ابن مسعود موقوفًا عليه ، وعن ابن عباس ، وغيرهما من الصحابة . وقد أَخَذ كثيرٌ من العلماء بظاهر حديث ابن مسعود ، وقالوا : أقل ما يتَبِّين فيه خَلْق الولد أحدٌ وثمانون يومًا ؛ لأنه لا يكون مضغةً إلا في الأربعين الثالثةِ ، ولا يَتَخَلَّق قبل أن يكون مضغة . قال الإمام أحمد : ثنا هُشَيْمٌ : أبنا داودُ ، عن الشَّعْبِيِّ، قال : إذا نُكِس السَّقْطُ في الخَلْقِ الرابع وكان مخلقًا عُتُقَت به الأَمَةُ ، وانقضَت به العدَّةَ. قال أحمد : إذا تَبَيَّن الخَلْقُ فهو نفاس، وتُعْتَق به إذا تَبَيَّن . قال: ولا يُصَلَّى على السَّقْط إلا بعد أربعة أشهر . قيل له : فإن كان أقل من أربعة ؟ قال : لا ، هو في الأربعة يَتَبين خلقُه . وقال : العلقة : هي دم لا يتبيَّن فيها الخلقُ . (١) من ((ق) وساقط من ((ك)). (٢) هذا الحديث قد شرحه المؤلف باستيفاء تام في كتابه : ((جامع العلوم والحكم)) - الحديث الرابع - ، فارجع إليه (١٣٥/١ - ١٦١) بتحقيقي وتعليقاتي عليه . ٠٠ ٤٨٧ ١٧ - باب مخلقة وغير مخلقة کتاب الحيض وقال أصحابنا وأصحاب الشافعي - بناءً على أن الخلق لا يكون إلا في المضغة - : أقل ما يَتَبين فيه خَلْقُ الولد أحدٌ وثمانون يومًا ، في أول الأربعين الثالثة التي يكون فيها مضغة ، فإن أُسقطت مضغة مخلقة انقضَت بها العدةُ وعُتُقَتْ بها أمُّ الولدِ ، ولو كان التخليق خَفِيًا لا يَشهد به إلا من يعرفه من النساء فكذلك . فإن كانت مضغة لا تَخليقَ فيها ففي انقضاء العدةِ وعِتق الأَمَةِ به روايتان عن أحمد . وهل يعتبر للمضغة المخلقة أن يكون وضعُها بعد تمام أربعة أشهرِ ؟ فيه قولان ، أشهرهما : لا يُعتبر ذلك ، وهو قول جمهور العلماء ، وهو المشهور عن أحمد ، حتى قال : إذا تبين خلقه ليس فيه اختلاف ، أنها تُعْتق بذلك . وروي عنه ما يدل على اعتبار مُضِيِّ الأربعةِ أشهُرِ ، وعنه روايةٌ أخرى في العلقة إذا تَبَيَّنَ أنها ولد أن الأَمَة تُعْتَق بها ، ومن أصحابنا من طَرَّد ذلك في انقضاء العدَّة بها - أيضاً - ، وهذه الرواية قول النَّخَعِي، وحُكي قولاً للشافعي . وهذا يدل على أنه يمكن التخليقُ في العلقة ، وقد روي ما يدل عليه ، والأطباء تَعترف بذلك . فأما الصلاة على السَّقْط : فالمشهور عن أحمد أنه لا يُصلى عليه حتى يُنفخ فيه الرُّوحُ ، ليكونَ مَيْتًا بمفارقة الروح له ، وذلك بعد مُضِيٌّ أربعة أشهر ، وهو قول ابن المُسَيَّبِ ، وأحد أقوال الشافعي ، وإسحاقَ . وإذا أَلْقَتْ ما يتبيّن فيه خَلْقُ الإنسان فهي نُفَساءُ ، ويَلزمها الغُسْلُ ، فإن لم يتبيَّن فيه خلقُ الإنسان وكان مضغة فلا نفاس لها ، ولا غُسل عليها في المشهور عن أحمد ، وعنه رواية : أنها نفساء - : نقلها عنه الحسنُ بن ثوابٍ(١)، ولم (١) ترجمته في ((المنهج الأحمد)) للعُلَيْمي (١ / ١٥٧). ٤٨٨ حديث : ٣١٨ کتاب الحيض يشترط شيئًا؛ لأن المضغة مَظِنَّةُ تَبَيُّنِ التَّخَلُّقِ(١) والتصوير غالبًا . وإنْ أَلْقَتْ علقةً فلا نفاس لها فيه ، ولأصحابنا وجه ضعيف : أنها نفساء، بناءً على القول بانقضاء العدة به . ومذهب الشافعية والحنفية : أنَّ الاعتبارَ في النفاس بما تنقضي به العدةُ ، وتصير به الأَمَة أمَّ ولد ، فحيث وُجد ذلك فالنفاس موجود ، وإلا فلا ، والاعتبار عندهم في ذلك كله بما يَتَبَيَّن فيه خلقُ الإنسان . وقال إسحاق : إذا استتمَّ الخلقُ فهو نفاس - : نَقَلَه عنه حَرْبٍ . (١) في ((ق)): ((الخلق)). ٤٨٩ ١٨ - باب كيف تهل الحائض بالحج والعمرة ؟ كتاب الحيض ١٨ - بَابٌ كَيِّفَ تُهِلُّ الحَائِضُ بِالحِجِّ وَالْعُمْرَةِ؟ خرج فيه : ٣١٩ - حديث: ابْنِ شَهَبٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ الََِّّ﴿ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ . فذكرت الحديث ، إلى أن قالت : فَحِضْتُ، فَلَمْ أَزَلْ حَائضًا حَتَّى كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَلَمْ أُهْلِلْ إِلَّ بِعُمْرَةٍ ، فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ لِ أَنْ أَنْقُضَ رَأْسِي، وَأَمْتَشِطَ، وأُهِلَّ بِحَجِّ، وَأَتْرُكَ العُمْرَةَ، فَفَعَلْتُ ذَلِكَ حَتَّى قَضَيْتُ حَجِّي، فَبَعَثَ مَعِي عَبّدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَّبِي بَكْرٍ ، فَأَمَرَفِي أَنْ أَعْتَمِرَ مَكَانَ عُمْرَتِي مِنَ التَّنْعِيمِ . فيه : دليلٌ على أن الحائضَ إذا أرادت الإحرامَ فإنَّها تغتسلُ له ، ثم تُهلُّ بما تريد أن تحرمَ به من حجٍّ أو عمرةٍ . والإهلالُ : التلبيةُ . وخرج مسلم(١) من حديث جابر، أن النبي ◌َّيِ قال لعائشةً لما حاضتْ: ((اغتسلي، ثم أَهِلِّي بالحجِ) . ومن حديث جابر - أيضًا (٢).، قال: خرجنا مع النبي بَيّ حتى أتينا ذا الحليفة ، فولدت أسماء بنت عُميسٍ محمد بن أبي بكرٍ ، فأرسلت إلى رسول الله وَلّ : كيف أصنعُ ؟ قال: ((اغتسلي واستثفري بثوب، وأحرمي)). ومن حديث عائشة(٣)، قالت : نُفِسَتْ أسماءُ بنت عميس بمحمد بن أبي بكر (١) (٤ / ٣٥) . (٢) (٤/ ٣٩) . (٣) (٤/ ٢٧) . ٤٩٠ حديث : ٣١٩ كتاب الحيض بالشجرة، فأمر رسول اللَّه وَ له أبا بكر [يأمرها] أن تغتسلَ وتهلِّ. وخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي(١) من رواية خُصَيفٍ ، عن عكرمةً ومجاهد وعطاء، عن ابن عباس - يرفع الحديث إلى النبي وَّهِ -: ((إن النفساء والحائض تغتسلُ وتُحرم ، فتقضي المناسكَ كلها ، غيرَ أن لا تطوف بالبيت حتَّى تَطْهُر)» . وقال الترمذي : حديث حسن . وهذا قول جماعة أهل العلم ، لا يُعلم بينهم اختلاف فيه : أن الحائض يجوز أن تحرم بالحجِّ والعمرة ، وتفعل ما يفعله الطاهر ، سوى الطواف بالبيت، كما سبق . ولكن ؛ منهم من كره لها أن تَبْتَدِىَ الإحرامَ من غير حاجة إليه ، فكره الضَّحاكُ وإبراهيمُ النَّخَعِيُّ وسفيانُ الثوريُّ : أن تحرم في حال دمها (٢) قبل الميقات ؛ لأنه لا حاجة لها إلى ذلك ، فإذا وصلت إلى الميقات ، ولم تطهر فإحرامها حينئذٍ ضرورة . وكره عطاء لمن كانت بمكة وهي حائض : أن تخرج إلى الميقات ، فتهلَّ بعمرة ، وقال : لا تخرج حتى تطهر . وهو محمول على المقيمة بمكة ، التي يمكنها تأخير الإحرام إلى حال طُهرها . (١) أحمد (٣٦٣/١ - ٣٦٤) وأبو داود (١٧٤٤) والترمذي (٩٤٥م). (٢) لعل الأشبه: ((حال حيضها)). ٤٩١ ١٩ - باب إقبال المحيض وإدباره كتاب الحيض ١٩ - بَابُ إِقْبَالِ المَحِيضِ وَإِذْبَارِهِ وَكُنَّ نِسَاءٌ يَبْعَثْنَ إِلَى عَائِشَةَ بِالدِّرَجَةِ فِيهَا الكُرْسُفُُ، فِيهِ الصُّفْرَةُ ، فَتَقُولُ : لاَ تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ القَصَّةَ الَّضَاءَ - تُرِيدُ بِذَلَكَ: الطُّهْرَ مِنَ الحَيْضَةِ . وَبَلَغَ ابْنَ زَيّدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّنِسَاءٌ يَدْعُونَ(١) بِالمَصَابِيحِ مِنْ جَوْفِ اللَّيلِ، يَنْظُرْنَ إِلَى الطُّهْرِ ، فَقَالَتْ: مَا كَانَ النِّسَاءُ يَصْنَعْنَ هَذَا، وَعَابَتْ عَلَيْهِنَّ. هذانِ الأثرانِ، خرجهما مالك في (( الموطٍ)»(٢)، فروى [ عن ] علقمة بن أبي علقمة ، عن أمِّه مولاة عائشة ، أنها قالتْ : كان النساءُ يبعثنَ إلى عائشة بالدِّرَجَةِ فيها الكُرسف ، فيه الصُّفْرة من دم الحيضةِ ، يَسْأَلْنَها عن الصلاة ، فتقول: لا تَعْجَلْنَ حتى تَرَيْنَ القَصَّةَ البيضاءَ - تريد بذلك: الطُّهر من الحيضة . وروى - أيضًا - عن عبد الله بن أبي بكر ، عن عمَّته ، عن ابنة زيد بن ثابت ، أنه بَلَغَها أن نساءً كنَّ يَدْعُون بالمصابيحِ من جَوْف الليل ، ينظرن إلى الطُّهر ، فكانت تعيبُ ذلك عليهنَّ ، وتقول : ما كان النساء يصنعنَ هذا . وإنما كان نساءُ الصَّدْرِ الأول يصنعنَ هذا لشدَّةَ اهتمامهن بالصلاة ، وأمور الدين - رضي اللّه عنهنَّ . قال ابن عبد البر : إنما أنكرت بنت زيد بن ثابت على النساء افتقادَ أحوالهن في غير وقت الصلاة وما قارَبَها ؛ لأن جوف الليل ليس بوقت صلاة ، وإنما على النساء افتقادُ أحوالهنَّ للصلاة ، فإن كُنَّ قد طهرن تأهَّبنَ للغسل، لما عليهن من الصلاة . انتهى . (١) في نسخة: ((يدعين). (٢) (ص ٦٠ - ٦١) . ٤٩٢ ١٩ - باب إقبال المحيض وإدباره کتاب الحيض وفيما قاله نظر ؛ فإن جوف الليل وقتٌ لصلاة العشاء ، فإذا طهرت فيه الحائض لزِمَها صلاة العشاء وصلاة المغرب - أيضًا - عند كثير من العلماء . وإنما أنكرت بنتُ زَيْدٍ - والله أعلم - النَّظَرَ في لون الدم، وأن(١) مدة العادة تُحْكَم بأن جميع ما يُرى فيها دمُ حيضٍ ؛ وإن اختلفت ألوانه . وهذا المعنى أقرب إلى إدخال البخاري له في هذا الباب ، وإلى إدخال مالك له في ((الموطٍ)) في ((باب: طهر الحيض))، وسياقهما له بعد قول عائشة الذي صَدَّر به البخاري هذا الباب . و((الدرجة)): قد رويت بضم الدال المشدَّدة وسكون الراء ، فتكون تأنيث (دُرْجٍ))، ورويت بكسر الدال وفتح الراء، فتكون جمع ((دُرْج)) كما تجمع ((خُرْج وتُرْس)) على ((خِرَجَة وتِرَسَة)) . و ((الدُّرج)): المراد به هنا : خِرَق تُلَفُّ وفيها قطن، وهو الكُرْسُف، فَتُدْخِله المرأةُ الحائض فِي فَرْجها ؛ لِتَنْظِرَ ما يَخرج على القُطْن، فإذا خَرَج عليه دمٌّ أحمر أو أسود عَلِمَتِ المرأةُ أن دم حَيْضِها باقٍ ، وإن خرج عليه صفرة فقد أفتت عائشة - رضي اللَّه عنها - بأنه حيض - أيضًا - ، وأن الحائض لا ينقطع حيضها حتى ترى القَصَّةَ البيضاء . و((القَصَّة)) - بفتح القاف ـ: أصلها القطعة من الجصِّ الأَبيض، وأرادت عائشة بذلك أنَّ القُطنة تخرج بيضاءَ ، ليس فيها شيْءٌ من الصَّفْرَةَ ، ولا الكُدْرة ، فيكون ذلك علامةَ نقائها وطُهْرها . وقالت طائفة : بل القَصَّة البيضاء عبارة عن ماء أبيضَ يَخرجِ عَقِبَ الدمٍ من النساء في آخر الحيض ، فلا تطهرنَّ بدونه . وقيل : إنه يشبه الخيط الأبيض ، وهذا قول مالك وغيرِه . (١) كذا، والأشبه: ((لأن)). ٤٩٣ ١٩ - باب إقبال المحيض وإدباره کتاب الحیض وروى الوليدُ بنُ مُسْلِمٍ ، عن عبد الرحمنِ بن مَيْسرَةَ ، [عن عبد الرحمن](١) ابنِ ذُؤَيْبٍ ، عن عائشةَ ، قالت : الطهر أنْ تَرَى المرأةُ بعد الدم ماءً أبيضَ قطعًا. خرَّجْه حَرْبٌ الكِرْمانِيُّ . وحكى الخَطَّبِيُّ (٢) عن ابنٍ وَهْبٍ ، أنه قال في تفسير القَصَّةَ البيضاء : رأيتُ القطنَ الأبيض ، كأنه هو . وعن ابن أبي سَلَمَةَ ، قال : إذا كان ذلك نَظَرت المرأة إلى مثل رِيقها في اللَّون ، فَتَطْهُر بذلك ، فيما بلغنا . وعن مالك ، قال : سألتُ النساءَ عن القَصَّة البيضاء ، فإذا ذاك أمرٌ معروف عند النساء ، يَرَيْنْه عند الطُّهر . وهذا المحكي عن مالك يوافق القولَ الثاني الذي ذكرناه ، وأن القَصَّة البيضاء عبارة عن شيءٍ أبيضَ يَخرج في آخر دم الحيض . وقال ابنُ عبدِ البَرِّ : اختلف أصحاب مالك عنه في علامة الطُّهْر ، ففي ((المُدَوَّنَة)): قال مالك : إذا كانت المرأة ممن ترى القصة البيضاء فلا تطهر حتى تراها ، وإن كانت ممن لا تراها فطهرها الجُفُوف ، وذلك أن تُدْخِل الخرقةَ فتخرجها جافةً ، وبه قال عيسى بنُ دِينارِ ، قال : القصة البيضاء أَبْلَغُ في براءة الرحم من الجُفُوف . وفي ((المجموعة)): قال مالك : إذا رأت الجفوف وهي ممن ترى القصة البيضاء فلا تصلي حتى تراها ، إلا أنْ يطول ذلك بها . وقال ابن حَبِيبٍ : تطهر بالجفوف ، وإن كانت ممن ترى القصة البيضاءَ . قال ابن حبيب : والجفوف أَبْراً للرحم من القصة البيضاء . (١) من ((ك)). (٢) في ((شرح البخاري) له (٣٢٥/١). ٤٩٤ ١٩ - باب إقبال المحيض وإدباره كتاب الحيض قال : فمن كان طهرها القصة البيضاء ورأت الجفوفَ فقد طَهُرَتْ . قال: ولا تطهر التي طُهْرُها الجفوفُ برؤيتها القصةَ البيضاء حتى ترى الجفوف. قال : وذلك أنّ أولَ الحيضِ دم ، ثم صُفْرَةٌ ، ثم تَرِيَّة ، ثم كُدْرَة ، ثم يكون رِيقًا كالفضة ، ثم يَنقطع ، فإذا انقطع قبل هذه المنازلِ فقد برئت الرحمُ من الحيض . قال : والجفوف أَبْراً وأَوْعَبُ ، وليس بعد الجفوف انتظارٌ . انتهى ما ذَكَرَه ابن عبد البر - رحمه الله . وفي ((تهذيب المُدَوّنَة)): تَغتسل إذا رأت القَصَّةَ البيضاء ، فإن كانت ممن لا تراها فحين(١) ترى الجفوفَ . قال ابن القاسم : والجفوف أن تُدْخِل الخِرْقَةَ ، فَتُخرجها جافَّةً . قال أبو عُبَيْدِ : التَّرِيَّة: الشيء الخَفِيُّ اليسير ، وهو أقل من الصفرة والكدرة ، ولا تكون الترية إلا بعد اغتسال ، فأما ما كان في أيام الحيض فهو حيض وليس بترِيَّة . انتهى(٢). واختلف قَوْلُ الإمامِ أحمدَ في تفسير القصة البيضاء : فنقل الأكثرون عنه : أنه شيءٌ أبيضُ يَتَبع الحيضة ، ليس بصُفُرة ولا حُدرة ، فهو علامة الطهر ، وحكاه أحمد عن الشافعي . ونقل حَنْبَلُ ، عن أحمدَ : أن القَصَّةَ البيضاء هو الطهر وانقطاعُ الدمِ ، وكذلك فَسَّرَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ القصة البيضاء بالطهر من الحيض . (١) في ((ك)): ((فحتى)). (٢) قال ابن الأثير (١٨٩/١): ((في حديث أم عطية: ((كنا لا نَعُدُّ الكُدرة والصفرة والتَّرِيَّة شيئًا»، التريَّة - بالتشديد - : ما تراه المرأة بعد الحيض والاغتسال منه من كدرة أو صفرة . وقيل : هي البياض الذي تراه عند الطُّهر . وقيل : هي الخِرْقة التي تعرف بها المرأة حيضها من طهرها . ومعنى الحديث : أن الحائض إذا طهُرت واغتسلت ثم عادت رأت صُفرة أو كدرة لم تَعْتَدَّ بها ، ولم تؤثر في طُهرها». قلت: وحديث أم عطية هذا سيأتي (٣٢٦). ٤٩٥ ١٩ - باب إقبال المحيض وإدباره کتاب الحیض وأرسلت امرأة إلي عَمْرَةَ بنتِ عبدِ الرحمنِ بدُرْجٍ فيه كُرْسُفَةُ قُطْنِ ، فيها كالصُّفْرة ، تسألها : هل ترى إذا لم ترَ المرأة من الحيضة إلا هذا أَنْ قد طَهُرَتْ؟ فقالت : لا ، حتى ترى البيَاضَ خالصًا . وروى الأَثْرَمُ بإسناده ، عن ابن الزَّبَيْرِ ، أنه قال على المنبر : يا مَعْشَرَ النساء ، إذا رأت إحداكن القصة البيضاء فهو الطُّهر . وقال مكْحُولُ: لا تَغتسل المرأةُ من الحيض إذا طهرت حتى ترى طهراً أبيضَ. وقد حكى أبو عُبَيْدِ القولين في تفسير القَصَّةِ البيضاء . ودَلَّ (١) قولُ عائشةَ - رضي الله عنها - هذا على أن الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض ، وأن من لها أيام معتادة تحيض فيها فرأت فيها صُفرة أو كدرة ، فإن ذلك يكون حيضًا معتبراً . وهذا قول جمهور العلماء ، حتى إنَّ منهم من نقله إجماعًا ، منهم : عبد الرحمن بن مهديِّ وإسحاق بن راهويه ، ومرةً خصَّ إسحاق حكاية الإجماع بالصفرة دون الكدرة . ولكن ذهب طائفة قليلة ، منهم : الأوزاعي وأبو ثور وداود وابن المنذر وبعض الشافعية إلى أنه لا يكون ذلك حيضًا حتى يتقدمه في مدة العادة دم . واشترط بعض الشافعية أن يكون الدم المتقدم يبلغ أقل الحيض . ومنهم من اشترط أن يلحقه دم - أيضًا . ومنهم من اشترط أن يلحقه دم يبلغ أقل الحيض . وقال أبو يوسف : الصفرة حيض ، والكدرة ليست حيضًا ، إلا أن يتقدمها دم . وحكي عن داود أن الصفرة والكدرة لا تكون حيضًا بكل حال . (١) في ((ق)): ((وذكر)). ٤٩٦ ١٩ - باب إقبال المحيض وإدباره كتاب الحيض فأما ما زاد على أيام العادة ، واتصل بها ، وكان صفرة أو كدرة ، فهل يكون حيضًا ، أم لا ؟ فيه قولان : أحدهما : أنه حيض ، وهو أشهر الروايتين عن مالك ، والمشهور عن الشافعي - أيضًا - ، وعليه أكثرُ أصحابه ، وقولُ الحَكَمِ وأبي حنيفة وإسحاقَ . والثاني : أنه ليس بحيض ، وهو رواية عن مالك ، وقول الثَّوْرِيِّ والإصْطَخْرِيِّ وغيره من الشافعية . وأما الإمام أحمد ، فإنه يرى أن الزائدَ على العادة لا يُلتفت إليه أولَ مرة حتى يتكرر مرتين أو ثلاثًا على اختلاف عنه ، وقد سبق ذكْرُ ذلك . فإن زاد على العادة بصُفْرة أو كُدْرة وتكرر ثلاثًا ، فهل يكون حيضًا ، أم لا ؟ فيه عنه روايتان . وقد رُوي عن عائشة ، أنها لا تلتفت إلى الزائد على العادة من الصفرة والكدرة . خرَّجِه حَرْبٌ والبيهقي(١) من رواية سليمان بن موسى ، عن عطاء ، عن عائشة ، قالت : إذا رأت المرأة الدم فلْتُمْسِكْ عن الصلاة حتى تراه أبيضَ كالفضَّةَ(٢)؛ فإذا رأت ذلك فلْتَغْتَسلْ ولْتُصَلِّ؛ فإذا رأت بعد ذلك صُفُرة أو كُدرةً فلْتوضأُ ولتصلِّ، فإذا رأت دَمَا أَحمرَ فلْتغتسلْ ولْتُصَلِّ . وروي عن أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ ما يُشعر بخلاف ذلك، فروى البَيْهَقيُّ (٣) وغيره من رواية ابن إسحاقَ ، عن فاطمة بنت المنذر ، عن أسماء ، قالت : كنا في حَجْرها مع بنات أخيها ، فكانت إحدانا تطهر ، ثم تصلي ، ثم تنتكس بالصفرة اليسيرة ، فنسألها ، فتقول : اعْتَزِلْنَ الصلاةَ ما رأيتن ذلك ، حتى ترين البياض خالصًا . (١) (١/ ٣٣٧) . (٢) في ((ق)): ((كالقصة)). (٣) (٣٣٦/١). ٤٩٧ ١٩ - باب إقبال المحيض وإدباره كتاب الحيض وقد حمله بعض أصحابنا على أن الصفرة أو الكدرة إذا رؤيت بعد الطهر وانقطاع الدم فإنها لا تكون حيضًا ولو تكررت ، على الصحيح عندهم ، بخلاف ما إذا رأت ذلك متصلاً بالدم وتكرر . فهذا كله في حق المعتادة . فأما المبتدأة ، فإذا رأت في زمن يصلح للحيض صفرة أو كدرة ، فقالت طائفة من أصحابنا كالقاضي أبي يَعْلَى ومن تابَعَه ، وأكثرِ أصحابِ الشافعي : إنه يكون حيضًا ؛ لأن زمن الدم للمُبْتَدأة كزمن العادة للمعتادة . وقالت طائفة من أصحابنا : لا يكون حيضًا ، وقالوا : إنه ظاهر كلامٍ أحمدَ ، وهو قول طائفة من الشافعية - أيضاً - ، وحكاه الخَطَّبي عن عائشةً وعَطاءٍ وأكثرِ الفقهاء ؛ لأنه اجتمع فيه فقد العادة ولون الدم المعتاد ، فقَوِيَتْ جهةُ فسادِه ، وعلى هذا فينبغي أنه إن تكرر ذلك ثلاثًا أن يكون حيضًا ، إنْ قلنا : إن المتكرر بعد العادة حيض ، وقد يُفْرَّق بينهما بأن المتكرر بعد العادة قد سبقه دم بخلاف هذا . وقد ذهب طائفة من أصحابنا ، منهم : ابن حامد وابن عَقِيلٍ إلى أن المُبْتَدَاةَ إذا رأت أول مرة دمًا أحمرَ فلیس بدمٍ حیضٍ حتی یکون أسود ، وهو قول بعض الشافعية - أيضاً -؛ للحديث المروي عن النبي ◌َّ- أنه قال - في دم الحيض - : (إنه أسودُ يُعْرَفُ)) . وهذا ينتقضُ عليهم بالمعتادة ؛ فإنها إذا كانت عادتها أسودَ ثم رأت في مدة العادة دمًا أحمرَ فإنه حيض بغير خلاف . ثم خرَّج البخاري في هذا الباب : ٣٢٠ - من حديث: سُفْيَانَ - هُوَ: ابْنُ عُبَيْنَةَ -، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبيهِ ، عَنْ ٤٩٨ حديث : ٣٢٠ كتاب الحيض عَائِشَةَ، أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْش كَانَتْ تُسَتَحَاضُ، فَسَأَلَت النَّبِيَّ وَّهِ، فَقَالَ: (ذَلِكَ عِرْقٌ، وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ ، فَإِذَا أَقْبَتِ الخَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلاَةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فاغتسلِي وَصلِّي» . وقد سبق هذا الحديثُ ، وذكرنا اختلافَ العلماء في معناه ، وأنه هل المراد بإقبال الحيضة وإدبارها : إقبال الدم الأسودِ وإدباره ، أم المراد : إقبال وقت عادتها وإدبارها ؟ وأن أكثر الأئمة حملوا الحديثَ على الأول ، وهو اعتبار التمييز في الدم . والمميزة ترجع إلى ما تراه من أغلظ الدماء وأفحشها لونًا ، فتجلس مدة الدم الأسود دون الأحمر ، والأحمر دون الأصفر . ولا يعتبر للتمييز تكرر على أصح الوجهين لأصحابنا ، لكن يشترط عندهم أن لا ينقص عن أقل الحيض ولا يتجاوز (١) أكثره، وأن يكون بين الدَّمَيْن أقلُّ مدة الطهر ، وهو قول الشافعية - أيضًا . وحُكي عن أحمدَ روايةٌ أخرى : أنه لا يعتبر أن لا يجاوز أكثرَ الحيضِ ، فعلى هذه الرواية تجلس منه قدرَ الأكثرِ خاصةً . وأما على تفسير إقبال الحيضة وإدبارها بإقبال العادة وإدبارها ، فتجلس ما تراه من الدم في أيام عادتِها خاصةً ، على أي صِفَةٍ كان ، ولا تَزيد على ذلك، فإذا انقضت مدةُ عادتها فهي طاهر ، تغتسل وتصلي . (١) في ((ك)): ((يجاور)). ٤٩٩ ٢٠ - باب لا تقضي الحائض الصلاة کتاب الحيض ٢٠ - بَابٌ لاَ تَقْضِي الحَائِضُ الصَّلاَةَ وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبُو سَعِيدٍ، عَنِ النَِّّ ◌ِ:(تَدَعُ الصَّلاَةَ). حديث أبي سعيد المشار إليه ، قد خرّجه بتمامه في ((باب: ترك الحائضِ الصَّوْمَ) (١)، وفيه: أن النبي ◌َّرِ قال: ((أَلَيْسَ إذا حاضت لم تصلٌّ ولم تَصُمْ؟)) .](٢) . قُلْنَ : بَلَى . قال : «فذلك من نقصان دینھا)) [ ](٣) . وحديث جابرٍ المشارُ إليه [ . وقد سبق حديثُ عائشةَ، أنَّ النبيِ وَّ قال للمستحاضة: ((إذا أَقبلت الحيضةُ فدعي الصلاةَ» . وقد أجمع العلماء على أن الحائض لا يجوز لها الصلاةُ في حال حيضها، فَرضًا ولا نَفلاً . وقد استَحب لها طائفةٌ من السَّلَفِ أن تتوضأ في وقت كل صلاة مفروضة ، وتَستقبل القِبْلَةَ، وتَذكر اللَّهَ عز وجل بمقدار تلك الصلاة ، منهم : الحَسَنُ وعَطَاءٌ وأبو جَعْفَرِ محمدُ بن عليٍّ ، وهو قول إسحاقَ . ورُوي عن عُقْبَةَ بنِ عامِرٍ ، أنه كان يأمر الحائض بذلك ، وأن تجلس بفناء مسجدها . خرَّجه الجوزجاني. (١) برقم (٣٠٤) وهو بالمعنى . (٢) بياض في ((ق)، والكلام في ((ك)) متصل. (٣) بياض بالأصلين يزيد عن سطر . وحديث جابر هذا خرَّجه البخاري في (كتاب التمني)) (٧٢٣٠) في قصة حيض عائشة في الحج، وفيه: ((غير أنها لا تطوف ولا تصلي حتى تطهر). وهو في ((الحج)) - أيضًا - (١٦٥١) بنحوه . ٥٠٠ ٢٠ - باب لا تقضي الحائض الصلاة کتاب الحيض وقال مكْحُولٌ : كان ذلك من هَدْي نساء المسلمين في أيام حَيْضِهنّ . وأنكر ذلك أكثرُ العلماء : وقال أبو قِلابَةَ : قد سألنا عن هذا فما وجدنا له أصلا . خرَّجِه حَرْبٌ الكِرْمانِيُّ . وقال سعيدُ بنُ عبدِ العزيزِ : ما نعرف هذا ، ولكننا نكرهه . قال ابنُ عبدِ البرِّ: على هذا القول جماعةُ الفقهاء وعامة العلماء في الأمصار. وممن قال: ليس ذلك على الحائض : الأَوْزاعِيُّ ، والثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ ، ومالكٌ ، وكذلك قال أحمدُ ، قال : ليس عليها ذلك، ولا بأس أنْ تُسَبِّح وتُهَلِّلَ وتُكبِّر . وبه قال أبو خَيْثَمَةَ ، وسليمانُ بن داودَ الهاشِمِيُّ ، وأبو ثَوْرِ ، وأصحابُ الشافعي ، وزادوا : أنه يَحرم عليها الوضوءُ إذا قَصَدَتْ به العبادةَ ورَفْعَ الحَدَثِ ، وإنما يجوز لها أنْ تَغتسل أَغْسَالَ (١) الحجِّ ؛ لأنه لا يُراد بها رَفْعُ الحدث ، بل النظافةُ ٠ وقد روى يحيى بن صاعد : ثنا عبدُ الجَبَّار بن العلاء: ثنا أَيُّوبُ بن سُوَيْدِ الرَّمْلِيُّ: ثنا عُبَةُ بنُ أبي حَكِيمٍ ، عن أبي سُفْيَانَ طَلْحَةَ بنِ نَافِعٍ : حدثني عبدُ اللَّهِ بنُ عباسٍ ، أنه باتَ عند النبي ◌ِِّ فِي ليلةِ مَيْمُونَةَ بنتِ الحَارِثِ ، فقام النبي وَّرِ فأسبغ الوضوءَ، [وأقلَّ ] هِراقة الماءِ، وقام فافتتح الصلاةَ، فقمتُ فتوضأتُ، وقمتُ عن يساره ، فأخذ بأُذُني فأقامني عن يمينه ، وكانت ميمونةُ حائضًا ، فقامتْ فتوضأتْ، ثم قعدتْ خلفه تذكر اللَّهَ عز وجلَّ . خرَّجه الطََّرَانِيُّ في (مُسْتَدِ الشامِين) وغيره(٢). (١) في (ق): (اغتسال))، والمثبت من ((ك))، وهو أشبه ؛ لما سيأتي. (٢) ((مسند الشاميين)) (٧٣٤) وفي ((الكبير)) (١٣٥/١١).