Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ كتاب الحيض ١١ - باب هل تصلي المرأة في ثوب حاضت فيه ؟ وخرجه وكيع عنه في ((كتابه)) . وروى وكيع ـ أيضًا(١)- عن سفيانَ ، عن أبي هاشمٍ ، عن سعيد بن جُبير ، قال : إن كان بعض أمهات المؤمنين لتقرصُ الدمَ من ثوبها بريقها . وعن أبي العَّوام الباهلي ، عن عطاءَ ، قال : لقد كانت المرأةُ وما لها إلا الثوب الواحد ، فيه تحيض ، وفيه تصلي . وعن الفَضْلِ بن دَلْهَم ، قال : سألتُ الحسنَ عن المرأة تحيضُ في الثوب فَتَعْرِقُ فيه ؟ قال : لا بأسَ ، إلا أن ترى دمًا تغسلُهُ(٢). فأما ما خرَّجه الإمام أحمد وأبو داود(٣) من حديث ابن لهيعةَ ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عيسى بن طلحة ، عن أبي هريرة ، أن خولة بنت يَسَار أتتِ النبي وَلّ، فقالت: يارسول اللَّه، ليس لي إلا ثوب واحد، وأنا أحيض فيه ، فكيف أصنعُ ؟ قال: ((إذا طهرت فاغسليه ، ثم صلي فيه)) . فقالت : فإن لم يخرج الدمُ ؟ قال : ((يكفيك الماءُ، ولا يضرك أثرُه)). فابن لهيعة ، لا يحتج برواياته في مخالفة روايات الثقات . وقد اضطرب في إسناده : فرواه : تارةً كذلك . وتارة رواه : عن عُبيد اللَّه ابن أبي جعفر ، عن موسى بن طلحة(٤)، عن أبي هريرة . وخرَّجه الإمام أحمد(٥) من هذا الوجه - أيضًا . وهذا يدل على أنه لم يحفظه . (١) ورواه عن وكيع ابن أبي شيبة (١/ ١٨٠ - الثقافية). (٢) ((المصنف)) لابن أبي شيبة (١/ ١٨٠). (٣) أحمد (٢/ ٣٨٠) وأبو داود (٣٦٥). ٣٠٠٠ (٤) هو في ((المسند)) من رواية: عيسى بن طلحة، عن أبي هريرة، وذكره ابن حجر في ((أطرافه)) في ترجمة عيسى عن أبي هريرة (٤٣٤/٧)، وكذا في ترجمة موسى عن أبي هريرة (٦٣/٨). وذكر محققه الأستاذ زهير بن ناصر الناصر أن ابن كثير في ((جامع المسانيد)» جعله في ترجمة موسى . والظاهر أنه من روايتهما عن أبي هريرة ويدل عليه كلام المؤلف . والله أعلم . (٥) (٣٦٤/٢ - ٣٨٠) . ٤٦٢ حديث : ٣١٢ کتاب الحيض وقد يحمل على أنه أمرها بغسل دم الحيض منه . وقد حَكى بعض أصحابنا في كراهةِ الصلاةِ في ثوب الحائضِ والمُرْضِعِ روايتين عن أحمدَ . وقد روي عن عائشةَ، قالت: كان النبي وَّوَ لا يصلِّي في [لُحُفٍ](١) نسائه. وخرجه النسائي والترمذي وصححه(٢). وخرجه أبو داود(٣)، وعنده: لا يصلى في شعرنا أو لُحُفُنا - بالشكِّ. وفي رواية للإمام أحمد(٤): لا يصلى في شعرنا - من غير شكٍّ. و((الشِّعار)): هو الثوب الذي يلبس على الجسد. وقد أنكره الإمام أحمد إنكارًا شديدًا . وفي إسناده اختلاف على ابن سيرين . وقد روي عنه ، أنه قال : سمعته منذ زمان ، ولا أدري ممن سمعته ، ولا أدري أسمعته من ثبت أو لا ؟ فاسألوا عنه . ذكره أبو داود في ((سننه))(٥)، والبخاري في ((تاريخه)) (٦). وقال أبو بكر الأثرم : أحاديثُ الرخصةِ أكثرُ وأشهرُ . قال : ولو فَسَد على الرجال الصلاة في شعر النساء لفسدت الصلاة فيها على النساء . وهذا الكلام يدل على أن النساء لا يكره لهنَّ الصلاة في ثياب الحيض بغير خلافٍ ، إنما الخلاف في الرجال . (١) في الأصل: ((سجف)) والمثبت من مصادر التخريج . ويدل عليه ما بعده . (٢) النسائي (٢١٧/٨) والترمذي (٦٠٠) . (٣) (٣٦٧) (٦٤٥) . (٤) (٦ / ٠١ ١) . (٥) عقب (٣٦٨) . (٦) (٢ / ١ / ٤٨٤) . ٤٦٣ ١١ - باب هل تصلي المرأة في ثوب حاضت فيه ؟ کتاب الحیض والأحاديث التي أشار إليها في الرخصة متعددة : ففي ((صحيح مسلم))(١)، عن عائشةَ، قالت: كان النبي ◌َّ يصلي من الليل وأنا إلى جنبه ، وأنا حائض ، علىَّ مِرْطٌ ، وعليه بعضهُ . وخرَّج النسائي(٢)، عن عائشةَ، قالت: كنت أنا ورسول اللَّه وَلِّ (نَبِيتُ] في الشِّعار الواحدِ ، وأنا حائضٌ طامثٌ ، فإن أصابه منِّي شيءٌ غسلت ما أصابه ، لم يَعْده إلى غيره ، ثم صلَّى فيه . وخرَّج أبو داود وابن ماجه (٣)، عن ميمونةَ، قالتْ: إن النبي ◌َّ صلَّى وعليه مِرْطٌ ، وعلى بعضِ أزواجه منه، وهي حائض ، وهو يصلِّي ، وهو عليه. وخرج الإمام أحمد(٤) من حديث حذيفةً، قال: قام النبي ◌َّهِ يصلي، وعليه طَرف لحافٍ ، وعلى عائشة طرفه ، وهي حائض لا تصلي . قال أبو عُبيدٍ في ((غريبه)): الناس على هذا - يعني : على عدمٍ كراهته . واعلم ؛ أن الصلاة في ثوب الحائضِ ليستْ كراهتُه من أجل عرقها ؛ [فإن](٥) عرق الحائض طاهر ، نص عليه أحمد وغيره من الأئمة ، ولا يعرف فيه [خلاف](٥) - : قاله أبو عبيد وابن المنذر وغيرهما ، حتى قال حماد : إنما يَغْسل الثوبَ مِن عرق الحائضِ المجوسُ . وروى محمد بن عبد اللَّه الأنصاري ، عن هشام بن حَسَّان، عن حفصةَ. بنت سيرين ، قالت : سألت امرأة عائشة ، قالت : يكون عليَّ الثوب أعرق فيه أيام تحيضي ، أصلي فيه ؟ قالت : نعم . قالت : وربما أصابه من دمٍ (١) (٢/ ٦١) . (٢) (٢/ ٧٣) والزيادة منه . (٣) أبو داود (٣٦٩) وابن ماجه (٦٥٣). (٤) (٤٠٠/٥) . (٥) في الأصل غير واضح . ٤٦٤ حديث : ٣١٢ کتاب الحيض المحيضِ ؟ قالت : فاغسليه . قالت : فإن لم يذهب أثره ؟ قالت : فلطِّخيه بشيءٍ من زعفران . وإنما كره(١) من كره ذلك لاحتمال أن يكون أصابه شيءٌ من دم الحيضِ لم يَطْهُر - : كذا قاله أبو عبيد وغيره . والصواب : أنه لا تكره الصلاة فيه ، وأنه يغسل ما رُئِيَ فيه من الدم ويُنضح ، ما لم يُر فيه شيءٌ ، ثم تصلي فيه ، كما دلَّت عليه هذه السنن والآثار. قال سفيان الثوري : الحائضُ لا تغسلُ ثوبَها الذي حاضت فيه ، إلا أن ترى دمًا فتغسله . وأما نَضْح ما لم تَر فيه دمًا ، فهو مبنيًّ على أن النضح تطهير لما شُكَّ في نجاسته ، وهذا قول مالك وجماعة من أهل العلم ، وفيه خلاف سبق ذكره مستوفَّى في «أبواب الوضوء)). (١) في الأصل: ((ذكره))، وما أثبته أشبه. ٤٦٥ ١٢ - باب الطيب للمرأة عند غسلها من المحيض کتاب الحیض ١٢ - بَابُ الطِّيبِ لِلْمَرْآَةِ عِنْدَ غُسْلِهَا مِنَ المَحِيضِ ٣١٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ عَبدِ الوَهَّبِ: نَا حَمَّدُ بْنُ زَيّدٍ، عَنْ أُوبَ، عَنْ حَقْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ ، عَنْ أُمِّ عَطِبَّةَ، قَالَتْ: كَنَّ نُنْهَى أَنْ نُحِدَّ عَلَى مَيِّت فَوْقَ ثَلاث، إِلَّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةً أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلاَ نَكْتَحِلَ ، وَلاَ تَتَطَيِّبَ، وَلَّ نَلَسَ تَوْبًا مَصْبُوعًا، إلَّ ثَوْبَ عَصْبَ. وَقَدْ رُخِّصَ لَنَا عِنْدَ الطُّهْرِ إِذَا اغْتَسَلَتْ إِحْدَانَا مِنْ مَحِيضِهَا فِي نُبْذَةٍ مِنْ كُسْتِ أَظْفَارٍ . وَكُنَّ ◌ُنْهَى عَنِ اتَّاعِ الجَنَائِ. وَرَوَىَ هِشَمُ بْنُ حَسََّنٍ، عَنْ حَقْصَةَ، عَنْ أُمِّ عَطَّةَ، عَنْ النَِّّ ◌َ﴾. حديث أم عطيّة ، قد أسنده البخاري في هذا الباب وغيره (١) من حديث أيوبَ ، عن حفصةَ ، عن أمِّ عطية . ولفظ أيوبَ : ((كنا نُنهى ، ورُخص لنا)) . والصحابي إذا قال: ((أُمرنا)) أو ((نُهينا))، فإنَّه يكون في حكم المرفوع عند الأكثرين . وأما رواية هشام بن حَسَّان ، عن حفصةَ ، عن أمِّ عطيّة ، التي صرَّح فيها بذكر النبي 18َّ في الحديث، وذكر الحديث بتمامه ، وفيه ذكر الطيب عند طهرها ، فذكرها البخاري هَاهُنا تعليقًا ، وعلَّقها - أيضًا - في موضع آخر من ((كتابه))(٢)، فقال: ((وقال الأنصاري : ثنا هشام)) - فذكره. وأسندها مسلم في ((صحيحه))(٣)، ولفظه: ((ولا تمس طيبًا، إلا إذا طهرت (١) انظر: (٥٣٤١) . (٢) (٥٣٤٣). (٣) (٢٠٤/٤ - ٢٠٥) . ٤٦٦ حديث : ٣١٣ کتاب الحيض نبذةً من قُسط أو أظفار)). ولكن أسند البخاري حديثَ هشام في ((كتابه)) (١) هذا - أيضًا - ، بدون هذه الزيادة . قال الخطابي (٢): النَّبذة، القطعة اليسيرة، والكُسْت: القُسط - والقاف تبدل بالكاف - يريد : أنها تتطهر بذلك وتتطيب به . انتهى . والقسط والأظفار : نوعان من الطيب معروفان . وفي رواية مسلم (٣): ((ظفار)). وفي رواية البخاري(٤): ((كُسْت أَظْفاره)). وقيل : إن صوابه : ((كسط ظفارِ)) . و((ظَفَارِ)) - مبني على الكسرِ على وزنِ: حَذَامٍ - : ساحل من سواحل عدن باليمن . (١) (٥٣٤٢) . (٢) في ((شرح البخاري)) (١/ ٣٢٠). (٣) لم أجد هذه في مسلم . (٤) في البخاري هنا و (٥٣٤١): ((كست أظفار)) و (٥٣٤٣): ((قسط وأظفار)). ٤٦٧ كتاب الحيض ١٣ - باب دلك المرأة نفسها ، ١٤ - باب غسل المحيض ١٣ -باب دَلَكِ المَرْأَةُ نَفْسَهَا إِذَا تَطَهَّرَتْ مِنَ المَحِيضِ وَكَيَّ تَغْتَِلُ وَتَخُ فِرْصَةٌ مُمَسَّكَةً فَبِعُ بِهَا أَثَرَ الدَّمِ؟ ٣١٤ - حَدَّثَنَا يَحْبَى: ثَنَا ابْنُ عُيَنَةَ: عَنْ مَنْصُورِ بْنِ صَفِيَّةَ، عَنْ أُمِّهِ ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ امْرَأَةٌ سَأَلَت النَّبِّ ◌ََّ عَنْ غُسْلِهَا مِنَ المَحِيضِ ، فَأَمَرَهَا كَيّفَ تَغْتَسلُ، قَالَ : ((خُذِي فِرْصَةً مِنْ مِسْك فَتَطَهَّرِي بِهَا)). قَالَتْ: كَيْفَ أَتَطَهَّرُ بِهَا ؟ قال : (َطَهَّرِي بِهَا)). قَالَتْ: كَيْفَ ؟ قال: ((سُبْحَانَ اللَّه، تَطَهَّرِي))، فَاجْتَذَبْتُهَا إِلَيَّ، فَقُلْتُ: تَعِي بِهَا أَثَرَ الدَّمِ . ١٤ - بَابُ غَسْلِ المَحِيضِ ٣١٥ - حَدَّثْنَا مُسْلِمٌ: ثَنَا وُهَيَبٌ: ثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ أُمِّه، عَنْ عَائشَةَ، أنَّ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ◌َّهُ: كَيْفَ أَغْتَسِلُ مِنَ المَحِيضِ؟ قَالَ: ((خُذِي فِرْصَةً مُمَسَّكَةً وَتَوَضَّنْي)) - ثلاثًا -، ثُمَّ إِنَّ النَّبِيِّ ◌ََّ اسْتَحْيَا وَأَعْرَضَ بَوَجْهه - أَوْ قَالَ: (تَوَضَّفِي بِهَا))، فَأَخَذْتُهَا فَجَذَبَتُهَا، فَأَخَْتُهَ بِمَا يُرِيدُ النَِّيُّ ◌َِّ. بوَّب البخاريُّ في هذين البابين على ثلاثة أشياء : أحدها : دَلْك المرأة نفسها ، عند غسل المحيض . والثاني : أخذها الفِرْصة الممسَّكة . والثالث : صفة غسل المحيض . ٤٦٨ حديث : ٣١٤ - ٣١٥ کتاب الحیض وخرَّج في الباب(١) حديثَ منصور بن صفية بنت شيبة ، عن أُمِّه، [وليس](٢) في حديثه سوى ذكر الفرصة الممسكة . ولكنه أشار إلى أن [الحكمين](٢) الآخرين قد رويا في حديث صفية ، عن عائشة من وجه [آخر](٢)، لكن ليس هو على شرطه ، فخرج الحديث الأول بالإسناد الذي [على](٢) شرطه ، ونَّبه بذلك على الباقي . وهذا الذي لم يخرجه ، قد خرجه مسلم في ((صحيحه)) (٣) من حديث شعبة، عن إبراهيم بن المُهاجرِ ، قال : سمعتُ صفيةَ تحدثُ عن عائشةَ ، أن أسماءَ سألتْ النبي وَّر عن غسل المحيض . قال: ((تأخذ إحداكنَّ ماءَها وسدْرَتها فتطهّر فَتُحسن الطُّهور ، ثم تصبُ على رأسها قتدلُكُه دلگًا شديدًا، حتى تبلغ شئونَ رأسها، ثم تصب عليه الماءَ، ثم تأخذ فرصةً ممسَّكة فتطهر بها)). قالت أسماءُ : وكيف أتطهر بها ؟ فقال: ((سبحان اللَّه، تطهري بها)). فقالت عائشة - كأنها تخفي ذلك - : تتبعينَ بها أَثَر الدمِ . وسألته عن غسل الجنابة . فقال: ((تأخذ ماءً فتطهر به ، فتحسن الطهور - أو تبلغ الطهور -، ثم تصبٌ على رأسها فتدلكه حتى تبلغ شئونَ رأسها ، ثم تُفيض عليه الماء)) . فقالت عائشة : نِعْمَ النساء نساء الأنصار ، لم يكن يمنعهنَّ الحياءُ أن يتفقهنَّ في الدين . وفي رواية له - أيضًا (٤) -: قال: ((سبحان اللَّه ، تطهري بها))، واستتر . وخرَّجه مسلم - أيضًا(٥) - من طريق أبي الأحوص ، عن إبراهيم بن مهاجرٍ ، وفي حديثه: قال: دخلت أسماء بنت شَكَل(٦) على رسول اللَّه وَله - فذكره، (١) كذا ، والأشبه : ((في البابين)). (٢) طمس ، أثبته اجتهادًا . (٣) (١٧٩/١ - ١٨٠) . (٤) (١ / ١٨٠). (٥) (١ / ١٨٠). (٦) تقدم الكلام في اسمها . ٤٦٩ كتاب الحيض ١٣ - باب دلك المرأة نفسها ، ١٤ - باب غسل المحيض ولم يذكرَ فيه غسل الجنابة . وخرجه أبو داود (١) من طريق أبي الأحوصِ، ولفظه: «تأخذ ماءَها وسدْرتها فتوضأ، وتغسل رأسَها وتَدلكه)) - وذكر الحديث، وزادَ فيه: ((الوضوءَ». ورواه أبو داود الطيالسي ، عن قيسٍ بن الربيعِ ، عن إبراهيم بن المهاجرِ ، عن صفيةَ ، عن عائشةَ ، قالت : أتت فلانةُ بنت فلان الأنصاريةُ ، فقالتْ: يا رسول اللَّه، كيف الغسل من الجنابةِ، فقال: «تبدأُ إحداكنَّ فتوضأ، فتبدأ بشقِّ رأسها الأيمن، ثم الأيسر حتى تنقي شئونَ رأسها)). ثم قال: «أتدرون ما شئون الرأس ؟)) قالت: البشرة . قال: ((صدقت، ثم تفيضُ على بقية جسدها)). قالت : يا رسول اللَّه، فكيف الغسل من المحيضِ ؟ قال: ((تأخذ إحداكنَّ سدْرَتَها وماءَها ، فتطهر فتحسن الطُّهور ، ثم تبدأ بشقِّ رأسها الأيمن ، ثم الأيسر حتى تنقي شئون رأسها ، ثم تُفيض على سائر جسدها، ثم تأخذ فرْصَةٌ ممسَّكَةً فتطهر بها)) . قالت : يا رسول اللّه، كيف أتطهر بها ؟ فقلت (٣): سبحان اللَّه، تتبعي بها آثارَ الدم . وإبراهيم بن المهاجر ، لم يخرج له البخاري . و(الفِرْصة)) - بكسر الفاء، وسكون الراء، وبالصاد المهملة - ، وهي القطعة . قال أبو عبيد : هي القطعة من الصوف أو القطن أو غيره ، مأخوذ من فَرَصْتُ الشيء : أي قَطَعْتُهُ . و((المسْك)): هو الطيب المعروف . هذا هو الصحيح الذي عليه الجمهور ، والمراد : أن هذه القطعة يكون فيها (١) (٣١٤) . (٢) كذا . ٤٧٠ حديث : ٣١٤ - ٣١٥ كتاب الحيض شيءٌ من مسك ، كما في الرواية الثانية : ((فرصة ممسكة)). وزعم ابن قتيبة والخطابي(١) أن الرواية: ((مَسْك)) بفتح الميم ، والمراد به : الجِلْد الذي عليه صوف ، وأنه أمرها أن تدلك به مواضعَ الدمِ . ولعل البخاريَّ ذهب إلى مثل ذلك ، ولذلك بوَّب عليه : ((دَلْك المرأة نفسها إذا تطهرت من المحيض))، ويعضد ذلك : أنه في ((كتاب الزينة والترجل)) قال : (باب: ما يذكر في المسك))(٢)، ولم يذكر فيه إلا حديث: ((لَخلوفٌ فَم الصَّائم أطيبُ عند الله من ريح المسْك)(٣). ولذلك - والله أعلم - لم يخرج البخاري هذا الحديث في ((باب: الطيب للمرأة عند غسل الحيض)) (٤). والصحيح الذي عليه جمهور الأئمة العلماء بالحديث والفقه : أن غسلَ المحيضِ يُستحبُّ فيه استعمال المسْكِ ، بخلافٍ غسل الجنابة ، والنفاس كالحيض في ذلك ، وقد نصّ على ذلك الشافعي وأحمد ، وهما أعلم بالسنة واللغة وبألفاظ الحديث ورواياته من مثل ابن قتيبة والخطابي ومن حذا حَذْوهما ممن يفسر اللفظ بمحتملات اللغة البعيدة . ومعلوم أنَّ ذكر المسك في غسل الجنابة لم يُرو في غير هذا الحديث ، فعُلم أنهم فسروا المسْك فيه بالطيب . وزعم الخطابي : أن قوله : ((خذي فرْصةً من مسْك)): يدل على أن الفرصة نفسها هي المسك . قال : وهذا إنما يصح إذا كانت من جلد ، أما لو كانت قطعة من صوف أو قطن لم تكن من مسك . وهذا ليس بشيءٍ ؛ فإن المراد : خذي نُبذةً يسيرةً من مسك ، سواء كانت (١) في ((شرح البخاري)) (٣٢١/١ - ٣٢٢) ونقل قول ابن قتيبة ، وارتضاه . (٢) باب رقم (٧٨) من كتاب ((اللباس)). (٣) برقم (٥٩٢٧) . (٤) هو الباب المتقدم قريبًا برقم (١٢). ٤٧١ كتاب الحيض ١٣ - باب دلك المرأة نفسها ، ١٤ - باب غسل المحيض منفردةً أو في شيءٍ ، كما في الرواية الثانية: ((خذي فرصةً ممسَّكَةً)). قال الإمام أحمد في رواية حنبل : يستحب للمرأةِ إذَا هي خرجت من حيضها أن تمسِّك مع القطنة شيئًا من المسكِ ، ليقطع عنها رائحة الدم وزفرته، تتبع به مجاري الدمِ . ونقل عنه - أيضًا - قال : يُستحب للمرأة إذا طهرت من الحيض أن تمسّ طِيبًا ، وتمسكه مع القطنةِ ، ليقطع عنها رائحة الدم وزفورته ؛ لأن دم الحيض دم له رائحة . وقال جعفر بن محمد : سألت أحمدَ عن غسل الحائضِ ، فذهب إلى حديث إبراهيم بن المهاجرِ ، عن صفيةً بنت شيبة ، وقال : تدلِّكُ شئونَ رأسها . وقال يعقوب بن بختان : سألت أحمد عن النفساء والحائض ، كم مرة يغتسلان ؟ قال : كما تغسل الميتةَ . قال : وسألته عن الحائض متى توضأ ؟ قال : إن شاءت توضأت إذا بدأت واغتسلت ، وإن شاءت اغتسلت ثم توضأتْ . وظاهر هذا : أنها مخيَّرة بين تقديمِ الوضوءِ وتأخيره ؛ فإنه لم يرد في السنة تقديمُهُ كما في غسل الجنابة ، وإنما ورد في حديث أبي الأحوص ، عن إبراهيم ابن المهاجر(١): ((توضأُ وتغسلُ رأسَها وتدلكُه)) - بالواو ، وهي لا تقتضي ترتيبًا . فتحصَّل من هذا : أن غسل الحيض والنفاس يفارق غسل الجنابة من وجوه: أحدها : أن الوضوءَ في غسل الحيض لا فرق بين تقديمه وتأخيره ، وغسل الجنابة السنة تقديم الوضوء فيه على الغُسلِ . والثاني : أن غسل الحيضِ يستحب أن يكون بماء وسدر ، ويتأكد استعمال السِّدر فيه ، بخلاف غسل الجنابة ؛ لحديث إبراهيم بن المهاجرِ . قال الميموني : قرأتُ على ابن حنبلِ : أيجزئُ الحائضَ الغسل بالماءِ ؟ (١) عند أبي داود (٣١٤). ٤٧٢ حديث : ٣١٤ - ٣١٥ کتاب الحیض فَأَمْلى عليَّ: إذا لم تجد إلا وحده (١) اغتسلت به، قال النبي ◌َّ -: ((مَاءَك وسدْرتك)»، وهو أكثر من غسل الجنابة . قلت : فإن كانت قد اغتسلت بالماء ، ثم وجدته ؟ قال : أحبُّ إلي أن تعودَ ؛ لما قالَ . الثالث : أن غسل الحيض يستحب تكراره كغسل الميتة ، بخلاف غسل الجنابة ، هذا ظاهر كلام أحمدَ ، ولا فرقَ في غسل الجنابة بين المرأة والرجل ، نص عليه أحمد في رواية مُهنَّاً . والرابع : أن غسل الحيض يستحب أن يستعمل فيه شيءٌ من الطِّيب ، في خرقة أو قطنة أو نحوهما ، يتبع به مجاري الدم . وقد علَّل أحمد ذلكَ بأنه يقطع زفورة الدم ، وهذا هو المأخذ الصحيح عند أصحاب الشافعي - أيضًا . وشذَّ الماوردي ، فحكى في ذلك وجهين : أحدهما : أن المقصود بالطِّيب تطييب المحلِّ ، ليكمل استمتاع الزوج بإثارة الشهوة ، وكمال اللَّذة . والثاني : لكونه أسرع إلى علوق الولد . قال : فإنْ فَقَدت المسكَ - وقلنا بالأول - أَتَتْ بما يقوم مقامه في دفعِ الرائحة ، وإن قلنا بالثاني فما يسرع إلى العلوق كالقسط والأظفار ونحوهما . قال : واختلف الأصحابُ في وقت استعماله ، فمَنْ قال بالأول ، قال : بعد الغسل ، ومن قال بالثاني ، فَقَبْلَه . قال صاحب ((شرح المهذب)): وهذا الوجه الثاني ليس بشيءٍ ، وما يفرَّع عليه - أيضًا - ليس بشيءٍ ، وهو خلاف ما عليه الجمهور ، والصواب : أن المقصود به تَطْييبُ المحل ، وأنها تستعمله بعد الغسل . (١) كذا . ٤٧٣ كتاب الحيض ١٣ - باب دلك المرأة نفسها ، ١٤ - باب غسل المحيض ثم ذكر حديث عائشةَ، أن أسماءَ بنت شَكَلٍ سألت النبي وَ طِّ عن غسل المحيض ، فقال: ((تأخذ إحداكنَّ ماءَها وسدْرتها ، فتطهر فتحسن الطَّهور ، ثم تَصُبُّ على رأسها فتدلكه، ثم تصب عليها الماءَ، ثم تأخذ فرصة ممسَّكة فتطهر بها». خرَّجه مسلم(١). قال : وقد نصوا على استحبابه للزوجة وغيرها ، والبكرِ والثيبِ . والله أعلم . قال : واستعمال الطيب سُنَّة متأكدة ، يُكره تركه بلا عذرٍ . انتهى . وقول النبي وََّ: ((خُذِي فِرْصَةً ممسَّكةً فتطهري بها)) ، وفي رواية: ((توضئي بها)) يدل على أن المراد به التنظيف والتطبيب والتطهير ، وكذلك سماه: تطهيراً، وتوضُّؤًا ، والمراد : الوضوء اللغوي ، الذي هو النظافة . وقول عائشة : ((تتبعي بها مجاري الدم)) إشارةٌ إلى إدخاله الفرجَ . واستحبَّ بعضُ الشافعيةِ استعمالَ الطِّيب في كلِّ ما أصابه دم الحيض من [الجسد](٢) - أيضًا -؛ لأن المقصود قطع رائحة الدمٍ حيثَ كانَ. ونص أحمد على أنه [ لا يجب ](٢) غسل باطن الفرجِ من حيضٍ ، ولا جنابة ، ولا استنجاء . قال جعفر بن محمد : قلت لأحمد : إذا اغتسلتْ من المحيضِ تُدخل يدها؟ قال: لا ، إلا ما ظهر، [ولم ] (٢) ير عليها أن تدخل أُصبعها ولا يَدَهَا في فرجها، في غسلٍ ولا وضوءٍ . ولأصحابنا وجهٌ : بوجوب ذلك في الغسلِ والاستنجاءِ ، ومنهم من قال: إن (١) وقد تقدم . (٢) طمس بالأصل، وأثبته اجتهادًا، وقد ظهر في بعضه من الحروف ما دل عليه. ٤٧٤ حديث : ٣١٤ - ٣١٥ كتاب الحيض كانت [ ثيِّبًا](١) وخرج البول بِحِدَّةٍ ولم يسترسل لم يجب سوى الاستنجاء في موضعٍ خروجِ البولِ ، وإن استرسل فدخل منه شيءٌ الفرجَ وَجَب غسله . ومذهب الشافعي : أن الثيب يجب [ عليها ] (٢) إيصال الماء إلى ما يظهرُ في حالِ قعودِها لقضاء الحاجة ؛ لأنَّه صار حكم الظاهر ، نصَّ على ذلك الشافعي ، ءَ وشبَّهه بما بين الأصابع ، وعليه جمهور أصحابه ، وما وراء ذلك على ذلك فهو عندهم في حكم الباطن على الصحيح . ولهم وجهٌ آخرُ : أنه يجب عليها إيصال الماء إلى داخل فرجها ، بناءً على القول بنجاسته . ووجه آخر : أنه يجب في غسل الحيضِ والنفاسِ ؛ لإزالة النجاسة ، ولا يجب في الجنابة . ومنهم من قال : لا يجب إيصاله إلى شيءٍ من داخل الفرج بالكلية ، كما لا يجب إيصاله إلى داخل الفم عندهم . والخامس : أن غسل الحيض تنقض فيه شعرها إذا كان مَضْفُورًا ، بخلاف غسل الجنابة عند أحمد ، وهو قول طاوس والحسن . وسيأتي ذكر ذلك مستوفَّى - إن شاء الله تعالى . (١) طمس بالأصل، وأثبته اجتهادًا، وقد ظهر في بعضه من الحروف ما دل عليه. (٢) زيادة مني . ٤٧٥ كتاب الحيض ١٥ - باب امتشاط المرأة ، ١٦ - باب نقض المرأة شعرها ١٥ - بَابُ امْتَشَاطِ المَرَأَةُ عِنْدَ غُسْلِهَا مِنَ المَحِيضِ خرَّج فيه : ٣١٦ - حديث: الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَهْلَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [بِعُمْرَةَ](١) فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَكُنْتُ مِمَّنْ تَمَتَّعَ وَلَمْ يَسُؤِ الهَدْيَ . فَزَعَمَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ وَلَمْ تَطْهُرْ حَتَّى دَخَلَتْ لَيْلَةُ عَرَفَةَ، فَقَالَتْ: يَارَسُولَ اللَّه، هَذِهِ لَيْلَةُ يَوْمٍ عَرَفَةَ ، وَإِنَّمَا كُنْتُ تَمَتَّعْتُ بِعُمْرَةٍ؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِّ: «انْقُضِي رَأْسَكِ وَأَمْتَشِطِي وَأَمْسِكِي عَنْ عُمْرَتِكِ». فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا قَضَيْتُ الحَجَّ أَمَرَ عَبّدَالرَّحْمَنِ لَيْلَةَ الحَصْبَةِ ، فَأَعْمَرَنِي مِنْ التَّعِيمِ مَكَانَ عُمْرَتِي التَّي نَسَكْتُ . ١٦ - بَابُ نَقْضِ المَرْأَةِ شَعَرَهَا عِنْدَ غُسْلِ المَحِيضِ خرَّج فيه : ٣١٧ - حديثَ: هِشَامٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: خَرَجْنا مُوَفِينَ لِهِلالِ ذِي الحِجَّةِ - فَذَكَرَتِ الحَدِيثَ . وفيه : وَكُنْتُ أَنَا ممَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ ، فَأَدْرَكَنِي يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَنَا حَائضٌ ، فَشَكَوْتُ إِلَى النَّبِيِّنَّهُ، فَقَالَ : ((دَعِي عُمْرَتَكِ، وَانْقُضِ رَأْسَكِ، وامْتَشِطِي، وَهِّي بحَجِّ)، ففَعَلْتُ - وذكَرَتْ بقيَّةَ الحديثِ . (١) (بعمرة))، ليست في شيء من نسخ البخاري. ٤٧٦ حديث : ٣١٦ - ٣١٧ کتاب الحيض [هذا الحديث](١) قد استنبط البخاري - رحمه الله - منه حُكْمَين، عَقَدَ لهما بابين : أحدهما : امتشاطُ المرأةِ عند غُسْلِها من المَحِيض . والثاني : نَقْضُها شَعرَها عند غُسْلِها من المحيض . وهذا الحديث لا دلالةَ فيه على واحد من الأمرين ؛ فإن غُسْل عائشةَ الذي أمَرَها النبي ◌َُّه به لم يكن من الحيض، بل كانت حائضًا، وحيضها حينئذٍ موجود، فإنه لو كان قد انقطع حيضُها لطافت للعمرة، ولم تَحْتَجْ إلى هذا السؤال ، ولكن أَمَرَها أنْ تَغَتسل في حال حيضها وتُهِلَّ بالحج ، فهو غُسْلٌ للإحرام في حال الحيض ، كما أمر أسماءَ بنتَ عُمَيْسٍ لما نُفِسَتْ بذي الحُلْفَةِ أن تَغتسل وتُهِلَّ . وقد ذَكَر ابن ماجه في ((كتابه)): ((باب: الحائض كيف تَغتسل))(٢)، ثم قال: حدثنا أبو بكرِ بنُ أبي شَيْبَةَ وعليّ بنُ محمَّدٍ ، قالا : ثنا وَكِيعٌ ، عن هشامٍ ابن عُرْوَةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، أن النبيَّ وَّ قال لها - وكانت حائضًا -: (انْقُضي شَعَركِ، واغْتَسِلِي)). قال عليٌّ في حديثه: ((انْقُضِي رَأْسَكِ)) . وهذا - أيضًا - يُوهم أنه قال لها ذلك في غُسْلها من الحيض ، وهذا مختصر من حديث عائشة الذي خرّجه البخاري . وقد ذُكر هذا الحديث المختصر للإمام أحمد ، عن وكيع ، فأنْكَره . قيل له : كأنه اختصره من حديث الحجِّ ؟ قال: ويَحِلُّ له أنْ يَختصرَ ؟ ! - : نقله عنه المَرُّوذيُّ . ونقل عنه إسحاقُ بن هانىء(٣)، أنه قال : هذا باطل . (١) من (ك)). (٢) هو الباب رقم (١٢٤)، والحديث فيه برقم (٦٤١). (٣) في ((مسائله)) (٢/ ٢٤٠). ٤٧٧ كتاب الحيض ١٥ - باب امتشاط المرأة ، ١٦ - باب نقض المرأة شعرها قال أبو بكرِ الخَلاَّلُ : إنما أنكر أحمدُ مثل هذا الاختصار الذي يُخِلَّ بالمعنى ، لا أصل اختصار الحديث . قال : وابنُ أبي شَيْبَةَ في مصنفاته يختصر مثلَ هذا الاختصار المُخِلِّ بالمعنى - : هذا معنى ما قاله الخلال . وقد تَبَيَّنَ برواية ابن ماجه أن الطَّنَافِسِيَّ رواه عن وكِيعٍ ، كما رواه ابنُ أبي شَيْبَةَ عنه، ورواه - أيضًا - إبراهيمُ بن مُسْلِمِ الخوارِزْمِيُّ في ((كتاب الطُّهور)) له عن وكيع - أيضاً - ، فلعلَّ وكيعًا اختصره . والله أعلم . وقد يُحمل مرادُ البخاريِّ - رحمه الله - على وجهٍ صحيحٍ ، وهو أن النبي وَّ﴿ إنما أَمَر عائشةَ بنَقض شَعرِها وامتشاطِها عند الغُسْل للإحرام؛ لأن غُسْل الإحرامِ لا يتكرر ، فلا يَشُقُّ نَفْضُ الشَّعْرِ فيه، وغُسْل الحيض والنفاس يوجد فيه هذا المعنى ، بخلاف غُسْل الجنابة ، فإنه يتكرر فيشق النقضُ فيه ، فلذلك لم يؤمر فيه بنقض الشعر . وقد تكلم بعضُ العلماء في لَفْظَةٍ (١): ((أمر النبي ◌َّ عائشة بنقض رأسها وامتشاطها)) ، وقالوا : هي وَهْم من هشام ، وكذلك قالوا في روايته : أن النبي وَل﴿ قال لها : ((دَعِي العُمْرَةَ». ولكن ؛ قد : رواهما - أيضًا - الزُّهْرِيُّ، عن عُرْوَةَ . ولهشام في هذا الحديث وَهْمٌ آخرُ ، وهو أنه قال : ((ولم يكن هَدْيِّ ولا صيام ولا صدقة))، وقد ثبت عن عائشة أن النبي وَّ لَهَ ذَبَح عن نسائه البقر ، فإنها إن كانت قد صارت قارنةً فالقارِن عليه هَدْيٌ ، وإن كانت قد رَفَضَتْ عُمْرَتَها لزمها دمٌ لذلك ، عند من يقول به . وفي ((صحيح مسلم))(٢) عن جابرٍ، أن النبي ◌َّ أَمَر عائشةَ أنْ تغتسلَ وتُهلَّ بالحج . (١) في ((ق)): ((لفظتي)). (٢) (٣٥/٤) . ٤٧٨ حديث : ٣١٦ - ٣١٧ کتاب الحيض ولم يَذْكر نَفْضَ الشَّعْرِ ولا تَسْرِيحَه ، فإن عائشة كانت محرمة بعُمرة كما رواه عُرْوَةُ عنها ، وإن كان القاسمُ قد روى عنها أنها كانت محرمة بحَجة ، إلا أن رواية عروةَ أصحّ ، كذا قاله الإمام أحمد وغيره . وقد قيل : إنها أَحرمت من الميقات بحَجة ، ثم فَسَخَتْ ذلك إلى عُمرة لما أُمِرُوا بالفَسْخِ ، ثم حاضت بعد ذلك قبل دخول مكةً . وفي هذا نظرٌ ؛ فإنه رُوي ما يدل على أنها كانت أحرمت بعمرة من الميقات، والحائضُ إذا كانت محرمة بعمرة ، ولم تقدر على طواف العمرة قبل يوم عرفةً ، وخَشِيَتْ فواتَ إدراكِ الحجِّ فإنها تُحرم بالحج مع العمرة، وتَبْقَى(١) قارِنةً عند أكثر العلماء ، كمالك والشافعي وأحمد ، ويكفيها عندهم طوافٌ واحد وسعي واحد لما بعد التعريف للحج والعمرة . وقد رَوَى ذلك جابرٌ عن النبي وَّارِ، في قصة عائشة صريحًا . خرَّجه مسلم (٢). وتأولوا قولَ النبي ◌ََّ لعائشة: ((دَعي عمرتَك)) على أنه أراد: اتركيها بحالها ، وأدخلي عليها إحرامَ الحج . وقال أحمد : من رواه ((انقضي عمرتك)) فقد أخطأ ، ورواه بالمعنى الذي فَهِمَهُ . وقال أبو حنيفةَ والكوفيون : تَرْفُض العمرةَ ، ثم تُحْرم بالحج ، ثم تَقضي العمرة بعد الحج ، وتأولوا حديثَ عائشةً على ذلك . وقالت طائفة : إنما أمرها أنْ تَنْقض رأسَها وتَمْتشط ؛ لأن المعتمر إذا دخل الحرم حلَّ له كل شيءٍ إلا النساء ، كالحاج إذا رمى الجمرة . وقد رُوي هذا عن عائشة ، ولعلها أخذته من روايتها هذه ، وهو قولُ عائشةً (١) في ((ق): ((فتصير). (٢) (٤/ ٣٥) . ٤٧٩ كتاب الحيض ١٥ - باب امتشاط المرأة ، ١٦ - باب نقض المرأة شعرها بنتِ طَلْحَةَ ، وعطاءٍ . وقد أَخَذ الإمام أحمد بذلك في رواية الميمونيِّ عنه ، وهي رواية غريبة عنه. وَوَهِمَ الخطابي في هذا الحديث حيث قال(١): أَشْبَهُ الأمورِ : ما ذهب إليه أحمدُ بنُ حَبَلٍ : وهو أنه فسخَ عليها عُمْرَتُها ؛ لأن مذهبه أنْ فسخَ الحِجِّ عامٌ غيرُ خاصٌّ . وهذا وَهْمٌ على أحمدَ ؛ فإن أحمد يرى جواز فسخ الحج إلى العمرة قبلَ أن يقف بعرفةَ ، وأما فسخ العمرة إلى الحج فلا يقول به أحمد ، وإنما يقوله الكوفيون في الحائض إذا كانت معتمرة وخافت فواتَ الحجِّ ، وتأوَّلوا حديث عائشة عليه . والعَجَبُ ممن جوَّز فسخ العمرة إلى الحج بتأويل محتمل ، ومَنَع من فسخ الحج إلى العمرة ، مع تواتر النصوص الصريحة الصحيحة بذلك التي لا تقبل التأويل ؛ بمجرد دعوى النسخِ أو الاختصاصِ ، ولم يثبت حديث واحدٌ يدل على شيء من ذلك، وسيأتي القولُ في هذا مستوفّى في موضعه من ((الحج)» - إن شاء اللَّه تعالى . فإن المقصود هنا: هو نقض الشعر وتسريحُه عند الغُسْل من الحيض ، وممن أَمَرَ به في الحيض دون الجنابة : طاوُسُ والحَسَنُ ، وهو قَوْلُ وكيعٍ وأحمد . واختلف أصحابنا : هل ذلك واجب ، أو مستحب ؟ على وجهين ، وظاهرٌ كلامِ الخِرَقِيِّ وجوبُه . وقد وَرَد حديث صريح بالنَّقْض في غُسْل الحيض دون الجنابة من رواية سَلَمَةَ بن صُبَيْحٍ ، عن حَمَّادِ بنِ سَلَمَة ، عن ثابتٍ ، عن أَنَسِ ، قال : قال رسول اللَّهِ وَ ◌ّ: ((إذا اغتسلت المرأةُ من حيضها نَقَضَتْ شَعرها، وغسلَته (١) في (شرح البخاري) له (٣٢٤/١). ٤٨٠ حديث : ٣١٦ - ٣١٧ کتاب الحيض بخَطَميِّ وأُشْنان، وإذا اغتسلتْ من جنابة صَبَّتْ على رأسها الماءَ وعصرته)) . خرَّجْه الطبراني(١)، وأبوعبد اللَّه محمدُ بنُ عبدِ الواحد المَقْدِسِيُّ في ((صحيحه)) المسمى ((بالمختارة)). وخرَّجه الدارقطني في ((الأفراد)» وعنده: ((مسلم بن صُبيح))، وقال : تفرد به عن حماد . وكذا ذكره أبو بكرِ الخَطِيبُ، وقال : هو مسلم بن صُبيح، بَصْرِيٌّ يُكُنَّى أبا عثمان ، وكذا ذكره ابنُ ماكُولا وغيره ، ومع هذا فليس بالمشهور . وأما ما نقله مُهَنًا عن أحمد ، أن المرأة لا تَنقض شَعرَها من الجنابة ، بل تُفيض عليه الماء ؛ لحديث أم سَلَمَةَ، عن النبي ◌َِّ، والحائض تَنقضه. قال مهنا : قلت له : كيف تَنقضه من الحيضة ولا تَنقضه من الجنابة ؟ فقال: حديث أسماءَ، عن النبيِ وَّهِ، قال: ((تَنقضه)). قلت: مَنْ أسماء؟ قال : أسماءُ بنتُ أبي بكرٍ - رضي الله عنهما . فهذا لعله وَهْم من مهنا ، أو ممن روى عنه ، ولا يُعرف لأسماء بنت أبي بكر في هذا الباب حديثٌ بالكلية ، إنما حديثها في غَسل دم الحيض من الثوب ، وقد تقدم . ولكن في حديث عائشة أن أسماء سألت النبي رَطيور عن غُسل الحيض ، وليس فيه أنه أَمَرَها بالنَّقض ، بل أَمَرَها بدلكه دلكًا شديدًا حتى يَبلغ شئونَ رأسِها ، ولم يأمرها بنقضه(٢). وفي الحديث : أنها سألته عن غسل الجنابة ، فأَمَرَها بمثل ذلك ، غير أنه (١) في ((الكبير)) (١/ ٢٦٠). (٢) في هامش ((ق)): ((روي عن عائشة من وجوه ترك النقض لكنه محمول على غسل الجنابة، وروي أن أبا هريرة سألها ، خرجه الجوزجاني ، وهو - أيضًا - محمول على الجنابة)).