Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
كتاب الحيض ١١ - باب هل تصلي المرأة في ثوب حاضت فيه ؟
وخرجه وكيع عنه في ((كتابه)) .
وروى وكيع ـ أيضًا(١)- عن سفيانَ ، عن أبي هاشمٍ ، عن سعيد بن جُبير ،
قال : إن كان بعض أمهات المؤمنين لتقرصُ الدمَ من ثوبها بريقها .
وعن أبي العَّوام الباهلي ، عن عطاءَ ، قال : لقد كانت المرأةُ وما لها إلا
الثوب الواحد ، فيه تحيض ، وفيه تصلي .
وعن الفَضْلِ بن دَلْهَم ، قال : سألتُ الحسنَ عن المرأة تحيضُ في الثوب
فَتَعْرِقُ فيه ؟ قال : لا بأسَ ، إلا أن ترى دمًا تغسلُهُ(٢).
فأما ما خرَّجه الإمام أحمد وأبو داود(٣) من حديث ابن لهيعةَ ، عن يزيد بن
أبي حبيب ، عن عيسى بن طلحة ، عن أبي هريرة ، أن خولة بنت يَسَار أتتِ
النبي وَلّ، فقالت: يارسول اللَّه، ليس لي إلا ثوب واحد، وأنا أحيض فيه ،
فكيف أصنعُ ؟ قال: ((إذا طهرت فاغسليه ، ثم صلي فيه)) . فقالت : فإن لم
يخرج الدمُ ؟ قال : ((يكفيك الماءُ، ولا يضرك أثرُه)).
فابن لهيعة ، لا يحتج برواياته في مخالفة روايات الثقات .
وقد اضطرب في إسناده : فرواه : تارةً كذلك . وتارة رواه : عن عُبيد اللَّه
ابن أبي جعفر ، عن موسى بن طلحة(٤)، عن أبي هريرة .
وخرَّجه الإمام أحمد(٥) من هذا الوجه - أيضًا .
وهذا يدل على أنه لم يحفظه .
(١) ورواه عن وكيع ابن أبي شيبة (١/ ١٨٠ - الثقافية).
(٢) ((المصنف)) لابن أبي شيبة (١/ ١٨٠).
(٣) أحمد (٢/ ٣٨٠) وأبو داود (٣٦٥).
٣٠٠٠
(٤) هو في ((المسند)) من رواية: عيسى بن طلحة، عن أبي هريرة، وذكره ابن حجر في ((أطرافه))
في ترجمة عيسى عن أبي هريرة (٤٣٤/٧)، وكذا في ترجمة موسى عن أبي هريرة (٦٣/٨).
وذكر محققه الأستاذ زهير بن ناصر الناصر أن ابن كثير في ((جامع المسانيد)» جعله في ترجمة
موسى . والظاهر أنه من روايتهما عن أبي هريرة ويدل عليه كلام المؤلف . والله أعلم .
(٥) (٣٦٤/٢ - ٣٨٠) .

٤٦٢
حديث : ٣١٢
کتاب الحيض
وقد يحمل على أنه أمرها بغسل دم الحيض منه .
وقد حَكى بعض أصحابنا في كراهةِ الصلاةِ في ثوب الحائضِ والمُرْضِعِ
روايتين عن أحمدَ .
وقد روي عن عائشةَ، قالت: كان النبي وَّوَ لا يصلِّي في [لُحُفٍ](١) نسائه.
وخرجه النسائي والترمذي وصححه(٢).
وخرجه أبو داود(٣)، وعنده: لا يصلى في شعرنا أو لُحُفُنا - بالشكِّ.
وفي رواية للإمام أحمد(٤): لا يصلى في شعرنا - من غير شكٍّ.
و((الشِّعار)): هو الثوب الذي يلبس على الجسد.
وقد أنكره الإمام أحمد إنكارًا شديدًا .
وفي إسناده اختلاف على ابن سيرين .
وقد روي عنه ، أنه قال : سمعته منذ زمان ، ولا أدري ممن سمعته ، ولا
أدري أسمعته من ثبت أو لا ؟ فاسألوا عنه .
ذكره أبو داود في ((سننه))(٥)، والبخاري في ((تاريخه)) (٦).
وقال أبو بكر الأثرم : أحاديثُ الرخصةِ أكثرُ وأشهرُ . قال : ولو فَسَد على
الرجال الصلاة في شعر النساء لفسدت الصلاة فيها على النساء .
وهذا الكلام يدل على أن النساء لا يكره لهنَّ الصلاة في ثياب الحيض بغير
خلافٍ ، إنما الخلاف في الرجال .
(١) في الأصل: ((سجف)) والمثبت من مصادر التخريج . ويدل عليه ما بعده .
(٢) النسائي (٢١٧/٨) والترمذي (٦٠٠) .
(٣) (٣٦٧) (٦٤٥) .
(٤) (٦ / ٠١ ١) .
(٥) عقب (٣٦٨) .
(٦) (٢ / ١ / ٤٨٤) .

٤٦٣
١١ - باب هل تصلي المرأة في ثوب حاضت فيه ؟
کتاب الحیض
والأحاديث التي أشار إليها في الرخصة متعددة :
ففي ((صحيح مسلم))(١)، عن عائشةَ، قالت: كان النبي ◌َّ يصلي من الليل
وأنا إلى جنبه ، وأنا حائض ، علىَّ مِرْطٌ ، وعليه بعضهُ .
وخرَّج النسائي(٢)، عن عائشةَ، قالت: كنت أنا ورسول اللَّه وَلِّ (نَبِيتُ]
في الشِّعار الواحدِ ، وأنا حائضٌ طامثٌ ، فإن أصابه منِّي شيءٌ غسلت ما أصابه ،
لم يَعْده إلى غيره ، ثم صلَّى فيه .
وخرَّج أبو داود وابن ماجه (٣)، عن ميمونةَ، قالتْ: إن النبي ◌َّ صلَّى
وعليه مِرْطٌ ، وعلى بعضِ أزواجه منه، وهي حائض ، وهو يصلِّي ، وهو عليه.
وخرج الإمام أحمد(٤) من حديث حذيفةً، قال: قام النبي ◌َّهِ يصلي،
وعليه طَرف لحافٍ ، وعلى عائشة طرفه ، وهي حائض لا تصلي .
قال أبو عُبيدٍ في ((غريبه)): الناس على هذا - يعني : على عدمٍ كراهته .
واعلم ؛ أن الصلاة في ثوب الحائضِ ليستْ كراهتُه من أجل عرقها ؛
[فإن](٥) عرق الحائض طاهر ، نص عليه أحمد وغيره من الأئمة ، ولا يعرف فيه
[خلاف](٥) - : قاله أبو عبيد وابن المنذر وغيرهما ، حتى قال حماد : إنما يَغْسل
الثوبَ مِن عرق الحائضِ المجوسُ .
وروى محمد بن عبد اللَّه الأنصاري ، عن هشام بن حَسَّان، عن حفصةَ.
بنت سيرين ، قالت : سألت امرأة عائشة ، قالت : يكون عليَّ الثوب أعرق
فيه أيام تحيضي ، أصلي فيه ؟ قالت : نعم . قالت : وربما أصابه من دمٍ
(١) (٢/ ٦١) .
(٢) (٢/ ٧٣) والزيادة منه .
(٣) أبو داود (٣٦٩) وابن ماجه (٦٥٣).
(٤) (٤٠٠/٥) .
(٥) في الأصل غير واضح .

٤٦٤
حديث : ٣١٢
کتاب الحيض
المحيضِ ؟ قالت : فاغسليه . قالت : فإن لم يذهب أثره ؟ قالت : فلطِّخيه
بشيءٍ من زعفران .
وإنما كره(١) من كره ذلك لاحتمال أن يكون أصابه شيءٌ من دم الحيضِ لم
يَطْهُر - : كذا قاله أبو عبيد وغيره .
والصواب : أنه لا تكره الصلاة فيه ، وأنه يغسل ما رُئِيَ فيه من الدم
ويُنضح ، ما لم يُر فيه شيءٌ ، ثم تصلي فيه ، كما دلَّت عليه هذه السنن والآثار.
قال سفيان الثوري : الحائضُ لا تغسلُ ثوبَها الذي حاضت فيه ، إلا أن ترى
دمًا فتغسله .
وأما نَضْح ما لم تَر فيه دمًا ، فهو مبنيًّ على أن النضح تطهير لما شُكَّ في
نجاسته ، وهذا قول مالك وجماعة من أهل العلم ، وفيه خلاف سبق ذكره
مستوفَّى في «أبواب الوضوء)).
(١) في الأصل: ((ذكره))، وما أثبته أشبه.

٤٦٥
١٢ - باب الطيب للمرأة عند غسلها من المحيض
کتاب الحیض
١٢ - بَابُ
الطِّيبِ لِلْمَرْآَةِ عِنْدَ غُسْلِهَا مِنَ المَحِيضِ
٣١٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ عَبدِ الوَهَّبِ: نَا حَمَّدُ بْنُ زَيّدٍ، عَنْ أُوبَ، عَنْ
حَقْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ ، عَنْ أُمِّ عَطِبَّةَ، قَالَتْ: كَنَّ نُنْهَى أَنْ نُحِدَّ عَلَى مَيِّت فَوْقَ ثَلاث،
إِلَّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةً أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلاَ نَكْتَحِلَ ، وَلاَ تَتَطَيِّبَ، وَلَّ نَلَسَ تَوْبًا
مَصْبُوعًا، إلَّ ثَوْبَ عَصْبَ. وَقَدْ رُخِّصَ لَنَا عِنْدَ الطُّهْرِ إِذَا اغْتَسَلَتْ إِحْدَانَا مِنْ
مَحِيضِهَا فِي نُبْذَةٍ مِنْ كُسْتِ أَظْفَارٍ . وَكُنَّ ◌ُنْهَى عَنِ اتَّاعِ الجَنَائِ.
وَرَوَىَ هِشَمُ بْنُ حَسََّنٍ، عَنْ حَقْصَةَ، عَنْ أُمِّ عَطَّةَ، عَنْ النَِّّ ◌َ﴾.
حديث أم عطيّة ، قد أسنده البخاري في هذا الباب وغيره (١) من حديث
أيوبَ ، عن حفصةَ ، عن أمِّ عطية .
ولفظ أيوبَ : ((كنا نُنهى ، ورُخص لنا)) .
والصحابي إذا قال: ((أُمرنا)) أو ((نُهينا))، فإنَّه يكون في حكم المرفوع عند
الأكثرين .
وأما رواية هشام بن حَسَّان ، عن حفصةَ ، عن أمِّ عطيّة ، التي صرَّح فيها
بذكر النبي 18َّ في الحديث، وذكر الحديث بتمامه ، وفيه ذكر الطيب عند
طهرها ، فذكرها البخاري هَاهُنا تعليقًا ، وعلَّقها - أيضًا - في موضع آخر من
((كتابه))(٢)، فقال: ((وقال الأنصاري : ثنا هشام)) - فذكره.
وأسندها مسلم في ((صحيحه))(٣)، ولفظه: ((ولا تمس طيبًا، إلا إذا طهرت
(١) انظر: (٥٣٤١) .
(٢) (٥٣٤٣).
(٣) (٢٠٤/٤ - ٢٠٥) .

٤٦٦
حديث : ٣١٣
کتاب الحيض
نبذةً من قُسط أو أظفار)).
ولكن أسند البخاري حديثَ هشام في ((كتابه)) (١) هذا - أيضًا - ، بدون هذه
الزيادة .
قال الخطابي (٢): النَّبذة، القطعة اليسيرة، والكُسْت: القُسط - والقاف تبدل
بالكاف - يريد : أنها تتطهر بذلك وتتطيب به . انتهى .
والقسط والأظفار : نوعان من الطيب معروفان .
وفي رواية مسلم (٣): ((ظفار)).
وفي رواية البخاري(٤): ((كُسْت أَظْفاره)).
وقيل : إن صوابه : ((كسط ظفارِ)) .
و((ظَفَارِ)) - مبني على الكسرِ على وزنِ: حَذَامٍ - : ساحل من سواحل عدن
باليمن .
(١) (٥٣٤٢) .
(٢) في ((شرح البخاري)) (١/ ٣٢٠).
(٣) لم أجد هذه في مسلم .
(٤) في البخاري هنا و (٥٣٤١): ((كست أظفار)) و (٥٣٤٣): ((قسط وأظفار)).

٤٦٧
كتاب الحيض ١٣ - باب دلك المرأة نفسها ، ١٤ - باب غسل المحيض
١٣ -باب
دَلَكِ المَرْأَةُ نَفْسَهَا إِذَا تَطَهَّرَتْ مِنَ المَحِيضِ
وَكَيَّ تَغْتَِلُ وَتَخُ فِرْصَةٌ مُمَسَّكَةً فَبِعُ بِهَا أَثَرَ الدَّمِ؟
٣١٤ - حَدَّثَنَا يَحْبَى: ثَنَا ابْنُ عُيَنَةَ: عَنْ مَنْصُورِ بْنِ صَفِيَّةَ، عَنْ أُمِّهِ ، عَنْ
عَائِشَةَ، أَنَّ امْرَأَةٌ سَأَلَت النَّبِّ ◌ََّ عَنْ غُسْلِهَا مِنَ المَحِيضِ ، فَأَمَرَهَا كَيّفَ تَغْتَسلُ،
قَالَ : ((خُذِي فِرْصَةً مِنْ مِسْك فَتَطَهَّرِي بِهَا)). قَالَتْ: كَيْفَ أَتَطَهَّرُ بِهَا ؟ قال :
(َطَهَّرِي بِهَا)). قَالَتْ: كَيْفَ ؟ قال: ((سُبْحَانَ اللَّه، تَطَهَّرِي))، فَاجْتَذَبْتُهَا إِلَيَّ،
فَقُلْتُ: تَعِي بِهَا أَثَرَ الدَّمِ .
١٤ - بَابُ
غَسْلِ المَحِيضِ
٣١٥ - حَدَّثْنَا مُسْلِمٌ: ثَنَا وُهَيَبٌ: ثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ أُمِّه، عَنْ عَائشَةَ، أنَّ امْرَأَةً
مِنَ الأَنْصَارِ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ◌َّهُ: كَيْفَ أَغْتَسِلُ مِنَ المَحِيضِ؟ قَالَ: ((خُذِي فِرْصَةً
مُمَسَّكَةً وَتَوَضَّنْي)) - ثلاثًا -، ثُمَّ إِنَّ النَّبِيِّ ◌ََّ اسْتَحْيَا وَأَعْرَضَ بَوَجْهه - أَوْ قَالَ:
(تَوَضَّفِي بِهَا))، فَأَخَذْتُهَا فَجَذَبَتُهَا، فَأَخَْتُهَ بِمَا يُرِيدُ النَِّيُّ ◌َِّ.
بوَّب البخاريُّ في هذين البابين على ثلاثة أشياء :
أحدها : دَلْك المرأة نفسها ، عند غسل المحيض .
والثاني : أخذها الفِرْصة الممسَّكة .
والثالث : صفة غسل المحيض .

٤٦٨
حديث : ٣١٤ - ٣١٥
کتاب الحیض
وخرَّج في الباب(١) حديثَ منصور بن صفية بنت شيبة ، عن أُمِّه، [وليس](٢)
في حديثه سوى ذكر الفرصة الممسكة . ولكنه أشار إلى أن [الحكمين](٢)
الآخرين قد رويا في حديث صفية ، عن عائشة من وجه [آخر](٢)، لكن ليس هو
على شرطه ، فخرج الحديث الأول بالإسناد الذي [على](٢) شرطه ، ونَّبه بذلك
على الباقي .
وهذا الذي لم يخرجه ، قد خرجه مسلم في ((صحيحه)) (٣) من حديث شعبة،
عن إبراهيم بن المُهاجرِ ، قال : سمعتُ صفيةَ تحدثُ عن عائشةَ ، أن أسماءَ
سألتْ النبي وَّر عن غسل المحيض . قال: ((تأخذ إحداكنَّ ماءَها وسدْرَتها
فتطهّر فَتُحسن الطُّهور ، ثم تصبُ على رأسها قتدلُكُه دلگًا شديدًا، حتى تبلغ شئونَ
رأسها، ثم تصب عليه الماءَ، ثم تأخذ فرصةً ممسَّكة فتطهر بها)). قالت أسماءُ :
وكيف أتطهر بها ؟ فقال: ((سبحان اللَّه، تطهري بها)). فقالت عائشة - كأنها
تخفي ذلك - : تتبعينَ بها أَثَر الدمِ . وسألته عن غسل الجنابة . فقال: ((تأخذ
ماءً فتطهر به ، فتحسن الطهور - أو تبلغ الطهور -، ثم تصبٌ على رأسها فتدلكه
حتى تبلغ شئونَ رأسها ، ثم تُفيض عليه الماء)) . فقالت عائشة : نِعْمَ النساء نساء
الأنصار ، لم يكن يمنعهنَّ الحياءُ أن يتفقهنَّ في الدين .
وفي رواية له - أيضًا (٤) -: قال: ((سبحان اللَّه ، تطهري بها))، واستتر .
وخرَّجه مسلم - أيضًا(٥) - من طريق أبي الأحوص ، عن إبراهيم بن مهاجرٍ ،
وفي حديثه: قال: دخلت أسماء بنت شَكَل(٦) على رسول اللَّه وَله - فذكره،
(١) كذا ، والأشبه : ((في البابين)).
(٢) طمس ، أثبته اجتهادًا .
(٣) (١٧٩/١ - ١٨٠) .
(٤) (١ / ١٨٠).
(٥) (١ / ١٨٠).
(٦) تقدم الكلام في اسمها .

٤٦٩
كتاب الحيض ١٣ - باب دلك المرأة نفسها ، ١٤ - باب غسل المحيض
ولم يذكرَ فيه غسل الجنابة .
وخرجه أبو داود (١) من طريق أبي الأحوصِ، ولفظه: «تأخذ ماءَها
وسدْرتها فتوضأ، وتغسل رأسَها وتَدلكه)) - وذكر الحديث، وزادَ فيه: ((الوضوءَ».
ورواه أبو داود الطيالسي ، عن قيسٍ بن الربيعِ ، عن إبراهيم بن المهاجرِ ،
عن صفيةَ ، عن عائشةَ ، قالت : أتت فلانةُ بنت فلان الأنصاريةُ ، فقالتْ:
يا رسول اللَّه، كيف الغسل من الجنابةِ، فقال: «تبدأُ إحداكنَّ فتوضأ، فتبدأ
بشقِّ رأسها الأيمن، ثم الأيسر حتى تنقي شئونَ رأسها)). ثم قال: «أتدرون ما
شئون الرأس ؟)) قالت: البشرة . قال: ((صدقت، ثم تفيضُ على بقية جسدها)).
قالت : يا رسول اللَّه، فكيف الغسل من المحيضِ ؟ قال: ((تأخذ إحداكنَّ
سدْرَتَها وماءَها ، فتطهر فتحسن الطُّهور ، ثم تبدأ بشقِّ رأسها الأيمن ، ثم الأيسر
حتى تنقي شئون رأسها ، ثم تُفيض على سائر جسدها، ثم تأخذ فرْصَةٌ ممسَّكَةً
فتطهر بها)) . قالت : يا رسول اللّه، كيف أتطهر بها ؟ فقلت (٣): سبحان اللَّه،
تتبعي بها آثارَ الدم .
وإبراهيم بن المهاجر ، لم يخرج له البخاري .
و(الفِرْصة)) - بكسر الفاء، وسكون الراء، وبالصاد المهملة - ، وهي
القطعة .
قال أبو عبيد : هي القطعة من الصوف أو القطن أو غيره ، مأخوذ من
فَرَصْتُ الشيء : أي قَطَعْتُهُ .
و((المسْك)): هو الطيب المعروف .
هذا هو الصحيح الذي عليه الجمهور ، والمراد : أن هذه القطعة يكون فيها
(١) (٣١٤) .
(٢) كذا .

٤٧٠
حديث : ٣١٤ - ٣١٥
كتاب الحيض
شيءٌ من مسك ، كما في الرواية الثانية : ((فرصة ممسكة)).
وزعم ابن قتيبة والخطابي(١) أن الرواية: ((مَسْك)) بفتح الميم ، والمراد به :
الجِلْد الذي عليه صوف ، وأنه أمرها أن تدلك به مواضعَ الدمِ .
ولعل البخاريَّ ذهب إلى مثل ذلك ، ولذلك بوَّب عليه : ((دَلْك المرأة نفسها
إذا تطهرت من المحيض))، ويعضد ذلك : أنه في ((كتاب الزينة والترجل)) قال :
(باب: ما يذكر في المسك))(٢)، ولم يذكر فيه إلا حديث: ((لَخلوفٌ فَم الصَّائم
أطيبُ عند الله من ريح المسْك)(٣). ولذلك - والله أعلم - لم يخرج البخاري هذا
الحديث في ((باب: الطيب للمرأة عند غسل الحيض)) (٤).
والصحيح الذي عليه جمهور الأئمة العلماء بالحديث والفقه : أن غسلَ
المحيضِ يُستحبُّ فيه استعمال المسْكِ ، بخلافٍ غسل الجنابة ، والنفاس
كالحيض في ذلك ، وقد نصّ على ذلك الشافعي وأحمد ، وهما أعلم بالسنة
واللغة وبألفاظ الحديث ورواياته من مثل ابن قتيبة والخطابي ومن حذا حَذْوهما
ممن يفسر اللفظ بمحتملات اللغة البعيدة .
ومعلوم أنَّ ذكر المسك في غسل الجنابة لم يُرو في غير هذا الحديث ، فعُلم
أنهم فسروا المسْك فيه بالطيب .
وزعم الخطابي : أن قوله : ((خذي فرْصةً من مسْك)): يدل على أن
الفرصة نفسها هي المسك . قال : وهذا إنما يصح إذا كانت من جلد ، أما لو
كانت قطعة من صوف أو قطن لم تكن من مسك .
وهذا ليس بشيءٍ ؛ فإن المراد : خذي نُبذةً يسيرةً من مسك ، سواء كانت
(١) في ((شرح البخاري)) (٣٢١/١ - ٣٢٢) ونقل قول ابن قتيبة ، وارتضاه .
(٢) باب رقم (٧٨) من كتاب ((اللباس)).
(٣) برقم (٥٩٢٧) .
(٤) هو الباب المتقدم قريبًا برقم (١٢).

٤٧١
كتاب الحيض ١٣ - باب دلك المرأة نفسها ، ١٤ - باب غسل المحيض
منفردةً أو في شيءٍ ، كما في الرواية الثانية: ((خذي فرصةً ممسَّكَةً)).
قال الإمام أحمد في رواية حنبل : يستحب للمرأةِ إذَا هي خرجت من حيضها
أن تمسِّك مع القطنة شيئًا من المسكِ ، ليقطع عنها رائحة الدم وزفرته، تتبع به
مجاري الدمِ .
ونقل عنه - أيضًا - قال : يُستحب للمرأة إذا طهرت من الحيض أن تمسّ
طِيبًا ، وتمسكه مع القطنةِ ، ليقطع عنها رائحة الدم وزفورته ؛ لأن دم الحيض
دم له رائحة .
وقال جعفر بن محمد : سألت أحمدَ عن غسل الحائضِ ، فذهب إلى حديث
إبراهيم بن المهاجرِ ، عن صفيةً بنت شيبة ، وقال : تدلِّكُ شئونَ رأسها .
وقال يعقوب بن بختان : سألت أحمد عن النفساء والحائض ، كم مرة
يغتسلان ؟ قال : كما تغسل الميتةَ . قال : وسألته عن الحائض متى توضأ ؟
قال : إن شاءت توضأت إذا بدأت واغتسلت ، وإن شاءت اغتسلت ثم توضأتْ .
وظاهر هذا : أنها مخيَّرة بين تقديمِ الوضوءِ وتأخيره ؛ فإنه لم يرد في السنة
تقديمُهُ كما في غسل الجنابة ، وإنما ورد في حديث أبي الأحوص ، عن إبراهيم
ابن المهاجر(١): ((توضأُ وتغسلُ رأسَها وتدلكُه)) - بالواو ، وهي لا تقتضي ترتيبًا .
فتحصَّل من هذا : أن غسل الحيض والنفاس يفارق غسل الجنابة من وجوه:
أحدها : أن الوضوءَ في غسل الحيض لا فرق بين تقديمه وتأخيره ، وغسل
الجنابة السنة تقديم الوضوء فيه على الغُسلِ .
والثاني : أن غسل الحيضِ يستحب أن يكون بماء وسدر ، ويتأكد استعمال
السِّدر فيه ، بخلاف غسل الجنابة ؛ لحديث إبراهيم بن المهاجرِ .
قال الميموني : قرأتُ على ابن حنبلِ : أيجزئُ الحائضَ الغسل بالماءِ ؟
(١) عند أبي داود (٣١٤).

٤٧٢
حديث : ٣١٤ - ٣١٥
کتاب الحیض
فَأَمْلى عليَّ: إذا لم تجد إلا وحده (١) اغتسلت به، قال النبي ◌َّ -: ((مَاءَك
وسدْرتك)»، وهو أكثر من غسل الجنابة . قلت : فإن كانت قد اغتسلت بالماء ،
ثم وجدته ؟ قال : أحبُّ إلي أن تعودَ ؛ لما قالَ .
الثالث : أن غسل الحيض يستحب تكراره كغسل الميتة ، بخلاف غسل
الجنابة ، هذا ظاهر كلام أحمدَ ، ولا فرقَ في غسل الجنابة بين المرأة والرجل ،
نص عليه أحمد في رواية مُهنَّاً .
والرابع : أن غسل الحيض يستحب أن يستعمل فيه شيءٌ من الطِّيب ، في
خرقة أو قطنة أو نحوهما ، يتبع به مجاري الدم .
وقد علَّل أحمد ذلكَ بأنه يقطع زفورة الدم ، وهذا هو المأخذ الصحيح عند
أصحاب الشافعي - أيضًا .
وشذَّ الماوردي ، فحكى في ذلك وجهين :
أحدهما : أن المقصود بالطِّيب تطييب المحلِّ ، ليكمل استمتاع الزوج بإثارة
الشهوة ، وكمال اللَّذة .
والثاني : لكونه أسرع إلى علوق الولد .
قال : فإنْ فَقَدت المسكَ - وقلنا بالأول - أَتَتْ بما يقوم مقامه في دفعِ
الرائحة ، وإن قلنا بالثاني فما يسرع إلى العلوق كالقسط والأظفار ونحوهما .
قال : واختلف الأصحابُ في وقت استعماله ، فمَنْ قال بالأول ، قال : بعد
الغسل ، ومن قال بالثاني ، فَقَبْلَه .
قال صاحب ((شرح المهذب)): وهذا الوجه الثاني ليس بشيءٍ ، وما يفرَّع
عليه - أيضًا - ليس بشيءٍ ، وهو خلاف ما عليه الجمهور ، والصواب : أن
المقصود به تَطْييبُ المحل ، وأنها تستعمله بعد الغسل .
(١) كذا .

٤٧٣
كتاب الحيض ١٣ - باب دلك المرأة نفسها ، ١٤ - باب غسل المحيض
ثم ذكر حديث عائشةَ، أن أسماءَ بنت شَكَلٍ سألت النبي وَ طِّ عن غسل
المحيض ، فقال: ((تأخذ إحداكنَّ ماءَها وسدْرتها ، فتطهر فتحسن الطَّهور ، ثم
تَصُبُّ على رأسها فتدلكه، ثم تصب عليها الماءَ، ثم تأخذ فرصة ممسَّكة فتطهر
بها».
خرَّجه مسلم(١).
قال : وقد نصوا على استحبابه للزوجة وغيرها ، والبكرِ والثيبِ . والله
أعلم .
قال : واستعمال الطيب سُنَّة متأكدة ، يُكره تركه بلا عذرٍ . انتهى .
وقول النبي وََّ: ((خُذِي فِرْصَةً ممسَّكةً فتطهري بها)) ، وفي رواية:
((توضئي بها)) يدل على أن المراد به التنظيف والتطبيب والتطهير ، وكذلك سماه:
تطهيراً، وتوضُّؤًا ، والمراد : الوضوء اللغوي ، الذي هو النظافة .
وقول عائشة : ((تتبعي بها مجاري الدم)) إشارةٌ إلى إدخاله الفرجَ .
واستحبَّ بعضُ الشافعيةِ استعمالَ الطِّيب في كلِّ ما أصابه دم الحيض من
[الجسد](٢) - أيضًا -؛ لأن المقصود قطع رائحة الدمٍ حيثَ كانَ.
ونص أحمد على أنه [ لا يجب ](٢) غسل باطن الفرجِ من حيضٍ ، ولا
جنابة ، ولا استنجاء .
قال جعفر بن محمد : قلت لأحمد : إذا اغتسلتْ من المحيضِ تُدخل يدها؟
قال: لا ، إلا ما ظهر، [ولم ] (٢) ير عليها أن تدخل أُصبعها ولا يَدَهَا في فرجها،
في غسلٍ ولا وضوءٍ .
ولأصحابنا وجهٌ : بوجوب ذلك في الغسلِ والاستنجاءِ ، ومنهم من قال: إن
(١) وقد تقدم .
(٢) طمس بالأصل، وأثبته اجتهادًا، وقد ظهر في بعضه من الحروف ما دل عليه.

٤٧٤
حديث : ٣١٤ - ٣١٥
كتاب الحيض
كانت [ ثيِّبًا](١) وخرج البول بِحِدَّةٍ ولم يسترسل لم يجب سوى الاستنجاء في
موضعٍ خروجِ البولِ ، وإن استرسل فدخل منه شيءٌ الفرجَ وَجَب غسله .
ومذهب الشافعي : أن الثيب يجب [ عليها ] (٢) إيصال الماء إلى ما يظهرُ في
حالِ قعودِها لقضاء الحاجة ؛ لأنَّه صار حكم الظاهر ، نصَّ على ذلك الشافعي ،
ءَ
وشبَّهه بما بين الأصابع ، وعليه جمهور أصحابه ، وما وراء ذلك على ذلك فهو
عندهم في حكم الباطن على الصحيح .
ولهم وجهٌ آخرُ : أنه يجب عليها إيصال الماء إلى داخل فرجها ، بناءً على
القول بنجاسته .
ووجه آخر : أنه يجب في غسل الحيضِ والنفاسِ ؛ لإزالة النجاسة ، ولا
يجب في الجنابة .
ومنهم من قال : لا يجب إيصاله إلى شيءٍ من داخل الفرج بالكلية ، كما لا
يجب إيصاله إلى داخل الفم عندهم .
والخامس : أن غسل الحيض تنقض فيه شعرها إذا كان مَضْفُورًا ، بخلاف
غسل الجنابة عند أحمد ، وهو قول طاوس والحسن .
وسيأتي ذكر ذلك مستوفَّى - إن شاء الله تعالى .
(١) طمس بالأصل، وأثبته اجتهادًا، وقد ظهر في بعضه من الحروف ما دل عليه.
(٢) زيادة مني .

٤٧٥
كتاب الحيض ١٥ - باب امتشاط المرأة ، ١٦ - باب نقض المرأة شعرها
١٥ - بَابُ
امْتَشَاطِ المَرَأَةُ عِنْدَ غُسْلِهَا مِنَ المَحِيضِ
خرَّج فيه :
٣١٦ - حديث: الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَهْلَلْتُ مَعَ
رَسُولِ اللَّهِ﴾ [بِعُمْرَةَ](١) فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَكُنْتُ مِمَّنْ تَمَتَّعَ وَلَمْ يَسُؤِ الهَدْيَ .
فَزَعَمَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ وَلَمْ تَطْهُرْ حَتَّى دَخَلَتْ لَيْلَةُ عَرَفَةَ، فَقَالَتْ: يَارَسُولَ اللَّه،
هَذِهِ لَيْلَةُ يَوْمٍ عَرَفَةَ ، وَإِنَّمَا كُنْتُ تَمَتَّعْتُ بِعُمْرَةٍ؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِّ: «انْقُضِي
رَأْسَكِ وَأَمْتَشِطِي وَأَمْسِكِي عَنْ عُمْرَتِكِ». فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا قَضَيْتُ الحَجَّ أَمَرَ
عَبّدَالرَّحْمَنِ لَيْلَةَ الحَصْبَةِ ، فَأَعْمَرَنِي مِنْ التَّعِيمِ مَكَانَ عُمْرَتِي التَّي نَسَكْتُ .
١٦ - بَابُ
نَقْضِ المَرْأَةِ شَعَرَهَا عِنْدَ غُسْلِ المَحِيضِ
خرَّج فيه :
٣١٧ - حديثَ: هِشَامٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: خَرَجْنا مُوَفِينَ لِهِلالِ
ذِي الحِجَّةِ - فَذَكَرَتِ الحَدِيثَ .
وفيه :
وَكُنْتُ أَنَا ممَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ ، فَأَدْرَكَنِي يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَنَا حَائضٌ ، فَشَكَوْتُ إِلَى
النَّبِيِّنَّهُ، فَقَالَ : ((دَعِي عُمْرَتَكِ، وَانْقُضِ رَأْسَكِ، وامْتَشِطِي، وَهِّي بحَجِّ)،
ففَعَلْتُ - وذكَرَتْ بقيَّةَ الحديثِ .
(١) (بعمرة))، ليست في شيء من نسخ البخاري.

٤٧٦
حديث : ٣١٦ - ٣١٧
کتاب الحيض
[هذا الحديث](١) قد استنبط البخاري - رحمه الله - منه حُكْمَين، عَقَدَ لهما
بابين :
أحدهما : امتشاطُ المرأةِ عند غُسْلِها من المَحِيض .
والثاني : نَقْضُها شَعرَها عند غُسْلِها من المحيض .
وهذا الحديث لا دلالةَ فيه على واحد من الأمرين ؛ فإن غُسْل عائشةَ الذي
أمَرَها النبي ◌َُّه به لم يكن من الحيض، بل كانت حائضًا، وحيضها حينئذٍ موجود،
فإنه لو كان قد انقطع حيضُها لطافت للعمرة، ولم تَحْتَجْ إلى هذا السؤال ، ولكن
أَمَرَها أنْ تَغَتسل في حال حيضها وتُهِلَّ بالحج ، فهو غُسْلٌ للإحرام في حال
الحيض ، كما أمر أسماءَ بنتَ عُمَيْسٍ لما نُفِسَتْ بذي الحُلْفَةِ أن تَغتسل وتُهِلَّ .
وقد ذَكَر ابن ماجه في ((كتابه)): ((باب: الحائض كيف تَغتسل))(٢)، ثم قال:
حدثنا أبو بكرِ بنُ أبي شَيْبَةَ وعليّ بنُ محمَّدٍ ، قالا : ثنا وَكِيعٌ ، عن هشامٍ
ابن عُرْوَةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، أن النبيَّ وَّ قال لها - وكانت حائضًا -:
(انْقُضي شَعَركِ، واغْتَسِلِي)).
قال عليٌّ في حديثه: ((انْقُضِي رَأْسَكِ)) .
وهذا - أيضًا - يُوهم أنه قال لها ذلك في غُسْلها من الحيض ، وهذا مختصر
من حديث عائشة الذي خرّجه البخاري .
وقد ذُكر هذا الحديث المختصر للإمام أحمد ، عن وكيع ، فأنْكَره . قيل
له : كأنه اختصره من حديث الحجِّ ؟ قال: ويَحِلُّ له أنْ يَختصرَ ؟ ! - : نقله
عنه المَرُّوذيُّ .
ونقل عنه إسحاقُ بن هانىء(٣)، أنه قال : هذا باطل .
(١) من (ك)).
(٢) هو الباب رقم (١٢٤)، والحديث فيه برقم (٦٤١).
(٣) في ((مسائله)) (٢/ ٢٤٠).

٤٧٧
كتاب الحيض ١٥ - باب امتشاط المرأة ، ١٦ - باب نقض المرأة شعرها
قال أبو بكرِ الخَلاَّلُ : إنما أنكر أحمدُ مثل هذا الاختصار الذي يُخِلَّ
بالمعنى ، لا أصل اختصار الحديث . قال : وابنُ أبي شَيْبَةَ في مصنفاته يختصر
مثلَ هذا الاختصار المُخِلِّ بالمعنى - : هذا معنى ما قاله الخلال .
وقد تَبَيَّنَ برواية ابن ماجه أن الطَّنَافِسِيَّ رواه عن وكِيعٍ ، كما رواه ابنُ
أبي شَيْبَةَ عنه، ورواه - أيضًا - إبراهيمُ بن مُسْلِمِ الخوارِزْمِيُّ في ((كتاب الطُّهور))
له عن وكيع - أيضاً - ، فلعلَّ وكيعًا اختصره . والله أعلم .
وقد يُحمل مرادُ البخاريِّ - رحمه الله - على وجهٍ صحيحٍ ، وهو أن النبي
وَّ﴿ إنما أَمَر عائشةَ بنَقض شَعرِها وامتشاطِها عند الغُسْل للإحرام؛ لأن غُسْل
الإحرامِ لا يتكرر ، فلا يَشُقُّ نَفْضُ الشَّعْرِ فيه، وغُسْل الحيض والنفاس يوجد فيه
هذا المعنى ، بخلاف غُسْل الجنابة ، فإنه يتكرر فيشق النقضُ فيه ، فلذلك لم
يؤمر فيه بنقض الشعر .
وقد تكلم بعضُ العلماء في لَفْظَةٍ (١): ((أمر النبي ◌َّ عائشة بنقض رأسها
وامتشاطها)) ، وقالوا : هي وَهْم من هشام ، وكذلك قالوا في روايته : أن النبي
وَل﴿ قال لها : ((دَعِي العُمْرَةَ».
ولكن ؛ قد : رواهما - أيضًا - الزُّهْرِيُّ، عن عُرْوَةَ .
ولهشام في هذا الحديث وَهْمٌ آخرُ ، وهو أنه قال : ((ولم يكن هَدْيِّ ولا
صيام ولا صدقة))، وقد ثبت عن عائشة أن النبي وَّ لَهَ ذَبَح عن نسائه البقر ، فإنها
إن كانت قد صارت قارنةً فالقارِن عليه هَدْيٌ ، وإن كانت قد رَفَضَتْ عُمْرَتَها لزمها
دمٌ لذلك ، عند من يقول به .
وفي ((صحيح مسلم))(٢) عن جابرٍ، أن النبي ◌َّ أَمَر عائشةَ أنْ تغتسلَ وتُهلَّ
بالحج .
(١) في ((ق)): ((لفظتي)).
(٢) (٣٥/٤) .

٤٧٨
حديث : ٣١٦ - ٣١٧
کتاب الحيض
ولم يَذْكر نَفْضَ الشَّعْرِ ولا تَسْرِيحَه ، فإن عائشة كانت محرمة بعُمرة كما رواه
عُرْوَةُ عنها ، وإن كان القاسمُ قد روى عنها أنها كانت محرمة بحَجة ، إلا أن رواية
عروةَ أصحّ ، كذا قاله الإمام أحمد وغيره .
وقد قيل : إنها أَحرمت من الميقات بحَجة ، ثم فَسَخَتْ ذلك إلى عُمرة لما
أُمِرُوا بالفَسْخِ ، ثم حاضت بعد ذلك قبل دخول مكةً .
وفي هذا نظرٌ ؛ فإنه رُوي ما يدل على أنها كانت أحرمت بعمرة من الميقات،
والحائضُ إذا كانت محرمة بعمرة ، ولم تقدر على طواف العمرة قبل يوم عرفةً ،
وخَشِيَتْ فواتَ إدراكِ الحجِّ فإنها تُحرم بالحج مع العمرة، وتَبْقَى(١) قارِنةً عند أكثر
العلماء ، كمالك والشافعي وأحمد ، ويكفيها عندهم طوافٌ واحد وسعي واحد
لما بعد التعريف للحج والعمرة .
وقد رَوَى ذلك جابرٌ عن النبي وَّارِ، في قصة عائشة صريحًا .
خرَّجه مسلم (٢).
وتأولوا قولَ النبي ◌ََّ لعائشة: ((دَعي عمرتَك)) على أنه أراد: اتركيها
بحالها ، وأدخلي عليها إحرامَ الحج .
وقال أحمد : من رواه ((انقضي عمرتك)) فقد أخطأ ، ورواه بالمعنى الذي
فَهِمَهُ .
وقال أبو حنيفةَ والكوفيون : تَرْفُض العمرةَ ، ثم تُحْرم بالحج ، ثم تَقضي
العمرة بعد الحج ، وتأولوا حديثَ عائشةً على ذلك .
وقالت طائفة : إنما أمرها أنْ تَنْقض رأسَها وتَمْتشط ؛ لأن المعتمر إذا دخل
الحرم حلَّ له كل شيءٍ إلا النساء ، كالحاج إذا رمى الجمرة .
وقد رُوي هذا عن عائشة ، ولعلها أخذته من روايتها هذه ، وهو قولُ عائشةً
(١) في ((ق): ((فتصير).
(٢) (٤/ ٣٥) .

٤٧٩
كتاب الحيض ١٥ - باب امتشاط المرأة ، ١٦ - باب نقض المرأة شعرها
بنتِ طَلْحَةَ ، وعطاءٍ .
وقد أَخَذ الإمام أحمد بذلك في رواية الميمونيِّ عنه ، وهي رواية غريبة عنه.
وَوَهِمَ الخطابي في هذا الحديث حيث قال(١): أَشْبَهُ الأمورِ : ما ذهب إليه
أحمدُ بنُ حَبَلٍ : وهو أنه فسخَ عليها عُمْرَتُها ؛ لأن مذهبه أنْ فسخَ الحِجِّ عامٌ غيرُ
خاصٌّ .
وهذا وَهْمٌ على أحمدَ ؛ فإن أحمد يرى جواز فسخ الحج إلى العمرة قبلَ أن
يقف بعرفةَ ، وأما فسخ العمرة إلى الحج فلا يقول به أحمد ، وإنما يقوله
الكوفيون في الحائض إذا كانت معتمرة وخافت فواتَ الحجِّ ، وتأوَّلوا حديث
عائشة عليه .
والعَجَبُ ممن جوَّز فسخ العمرة إلى الحج بتأويل محتمل ، ومَنَع من فسخ
الحج إلى العمرة ، مع تواتر النصوص الصريحة الصحيحة بذلك التي لا تقبل
التأويل ؛ بمجرد دعوى النسخِ أو الاختصاصِ ، ولم يثبت حديث واحدٌ يدل على
شيء من ذلك، وسيأتي القولُ في هذا مستوفّى في موضعه من ((الحج)» - إن
شاء اللَّه تعالى .
فإن المقصود هنا: هو نقض الشعر وتسريحُه عند الغُسْل من الحيض ، وممن
أَمَرَ به في الحيض دون الجنابة : طاوُسُ والحَسَنُ ، وهو قَوْلُ وكيعٍ وأحمد .
واختلف أصحابنا : هل ذلك واجب ، أو مستحب ؟ على وجهين ، وظاهرٌ
كلامِ الخِرَقِيِّ وجوبُه .
وقد وَرَد حديث صريح بالنَّقْض في غُسْل الحيض دون الجنابة من رواية
سَلَمَةَ بن صُبَيْحٍ ، عن حَمَّادِ بنِ سَلَمَة ، عن ثابتٍ ، عن أَنَسِ ، قال : قال
رسول اللَّهِ وَ ◌ّ: ((إذا اغتسلت المرأةُ من حيضها نَقَضَتْ شَعرها، وغسلَته
(١) في (شرح البخاري) له (٣٢٤/١).

٤٨٠
حديث : ٣١٦ - ٣١٧
کتاب الحيض
بخَطَميِّ وأُشْنان، وإذا اغتسلتْ من جنابة صَبَّتْ على رأسها الماءَ وعصرته)) .
خرَّجْه الطبراني(١)، وأبوعبد اللَّه محمدُ بنُ عبدِ الواحد المَقْدِسِيُّ في
((صحيحه)) المسمى ((بالمختارة)).
وخرَّجه الدارقطني في ((الأفراد)» وعنده: ((مسلم بن صُبيح))، وقال : تفرد
به عن حماد .
وكذا ذكره أبو بكرِ الخَطِيبُ، وقال : هو مسلم بن صُبيح، بَصْرِيٌّ يُكُنَّى
أبا عثمان ، وكذا ذكره ابنُ ماكُولا وغيره ، ومع هذا فليس بالمشهور .
وأما ما نقله مُهَنًا عن أحمد ، أن المرأة لا تَنقض شَعرَها من الجنابة ، بل
تُفيض عليه الماء ؛ لحديث أم سَلَمَةَ، عن النبي ◌َِّ، والحائض تَنقضه.
قال مهنا : قلت له : كيف تَنقضه من الحيضة ولا تَنقضه من الجنابة ؟
فقال: حديث أسماءَ، عن النبيِ وَّهِ، قال: ((تَنقضه)). قلت: مَنْ أسماء؟
قال : أسماءُ بنتُ أبي بكرٍ - رضي الله عنهما .
فهذا لعله وَهْم من مهنا ، أو ممن روى عنه ، ولا يُعرف لأسماء بنت
أبي بكر في هذا الباب حديثٌ بالكلية ، إنما حديثها في غَسل دم الحيض من
الثوب ، وقد تقدم .
ولكن في حديث عائشة أن أسماء سألت النبي رَطيور عن غُسل الحيض ،
وليس فيه أنه أَمَرَها بالنَّقض ، بل أَمَرَها بدلكه دلكًا شديدًا حتى يَبلغ شئونَ
رأسِها ، ولم يأمرها بنقضه(٢).
وفي الحديث : أنها سألته عن غسل الجنابة ، فأَمَرَها بمثل ذلك ، غير أنه
(١) في ((الكبير)) (١/ ٢٦٠).
(٢) في هامش ((ق)): ((روي عن عائشة من وجوه ترك النقض لكنه محمول على غسل الجنابة،
وروي أن أبا هريرة سألها ، خرجه الجوزجاني ، وهو - أيضًا - محمول على الجنابة)).