Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١
٢٩ - باب غسل ما يصيب من فرج المرأة
کتاب الغسل
ورجح آخرون : سماع الزهري له من سهل ، منهم : ابن حبان .
ووقع في بعض نُسخ ((سنن أبي داود)) ما يدل عليه ؛ فإنَّه لم يذكر أحد من
أصحاب الزهري بين الزهري وسهل رجلاً [ غير ] عمرو بن الحارث ، فلا يقضى
له على سائر أصحاب الزهري(١).
وقد خرَّجه ابن شاهين من طريق ابن المبارك ، عن يُونس ، عن الزهري ،
قال : حدثني سهل بن سعد ، عن أبي بن كعب - فذكره ، به .
وبتقدير أن يكون ذلك محفوظًا ؛ فقد أخبر الزهري أن هذا الذي حدثه
يرضاه ، وتوثيق الزهري كافٍ في قبول خبره (٢).
(١) قلت : وإن كانت رواية عمرو بن الحارث محفوظةً ، فهي لا تعارض رواية أصحاب الزهري؛
لأن الزهري جرب عليه التدليس ، وقد صرح كبار العلماء بأنه لم يسمع هذا من سهل ،
فرواية عمرو على هذا مبينة لرواية أصحابه ، وليس بمخالفة لروايتهم .
وقد قيل : إن الواسطة بين الزهري وسهل هو : أبو حازم ، قال ذلك ابن خزيمة في
((صحيحه))، وذكره مسلم احتمالاً - كما في ((المعرفة)) للحاكم - بناءً على ما رواه محمد بن
هارون الرازي : ثنا مبشر الحلبي ، عن محمد بن مطرف أبي غسان ، عن أبي حازم ، عن
سهل ، به .
أخرجه أبو داود (٢١٥) .
قلت: والاستدلال بتلك الرواية على أن الزهري سمعه من أبي حازم عن سهل فيه نظر من وجوه:
الأول : أن هذه الرواية غير محفوظة عن أبي حازم .
وانظر: ((العلل)) لابن أبي حاتم (٨٦).
الثاني : أن الزهري لا تُعرف له رواية عن أبي حازم أصلاً .
وقال أبو حاتم في حديث يُروى عن معمر عن الزهري ، عن أبي حازم ، كما في ((العلل))
لابنه (١٩٦٨) :
((هذا حديث باطل ، ليس له أصل، الزهري عن أبي حازم لا يجيء)).
وانظر: ((الكامل)) (١١٦٢/٣) - ترجمة: سلامة بن روح .
الثالث : أنه لو كانت رواية أبي حازم عن سهل محفوظة في هذا الحديث ، فإن هذا لا يلزم
منه أن يكون الزهري أخذه عنه ، ولم يأت ذلك في رواية صحيحة ولا ضعيفة . والله أعلم .
(٢) قلت : هذا متفرع على مسألة التوثيق مع الإبهام ، وفي قبوله خلاف معروف ، ينظر في
كتب ((علوم الحديث)) .
٣٨٢
حدیث : ٢٩٢ - ٢٩٣
کتاب الغسل
وقد قيل : إنه أبو حازم الزاهد ، وهو ثقة جليل ، فقد خرج أبو داود وابن
خزيمة (١) من رواية أبي غسَّان محمد بن مُطرف ، عن أبي حازمٍ ، عن سهل بن
سعد ، قال : حدثني أبي بن كعب - فذكره .
قال البيهقي : هذا إسناد صحيح موصول .
وقد ذكر ابن أبي حاتم ، عن أبيه ، أن بعضهم ذكر أنه لا يَعْرف له أصلاً .
وفي ذلك نظرٌ .
وقد روي عن أبي بن كعب من وجوه أُخر :
رَوَى شعبة ، عن سيف بن وهب ، عن أبي حَرَّبِ بن أبي الأسود ، عن
عَمِيرة بن يَثْربي ، عن أبي بن كعب ، قال: إذا التقى ملتقاهما فقد وجب الغسل.
خرجه ابن أبي شيبة والبخاري في ((تاريخه))(٢).
وروى مالك(٣)، عن يحيى بن سعيد، عن عبد اللَّه بن كعب مولى عثمان،
أن محمود بن لَبِيد سأل زيد بن ثابت عن الرجل يصيب أهله ثم يُكسل ولا ينزل ؟
فقال زيد : يَغتسل ، فقال له محمود بن لبيد : إن أَبَيَّ بن كَعْبٍ كان لا يرى
الغسل ؟ فقال له زيد : إن أُبّا نزع عن ذلك قبل أن يموت .
وقال الشافعي : أنا إبراهيم بن محمد ، عن خارجة بن زيد ، عن أبيه ، عن
أبي بن كعب ، أنه كان يقول : ليس على من لم ينزل غُسل ، ثم نزع عن ذلك
أُبَيٌّ قبل أن يموت .
وقد رُوي ، عن عائشة ما يدل على النسخ : من رواية الحسين بن عمران :
حدثني الزهري ، قال : سألت عروة عن الذي يجامع ولا ينزل ؟ قال : نَوْل(٤)
(١) أبو داود (٢١٥) وابن خزيمة (١١٤/١). وراجع: التعليق السابق.
(٢) ((المصنف)) (٨٦/١) و(التاريخ الكبير)) (٤/ ٦٩/١).
(٣) الموطأ (ص ٥٤) .
(٤) في هامش الأصل : ((نول الناس - بالنون - أي: ينبغي للناس)).
قلت: وانظر ((النهاية)) (١٢٩/٥).
٣٨٣
٢٩ - باب غسل ما يصيب من فرج المرأة
کتاب الغسل
الناس أن يأخذوا بالآخر من أمر رسول اللّه وَ له، حدثتني عائشة ، أن
رسول اللَّه و ﴿ كان يفعل ذلك ولا يغتسل، وذلك قبل فتح مكة، ثُمَّ اغتسل بعد
ذلك ، وأمر الناس بالغسل .
خرجه ابن حبان في ((صحيحه)) والدار قطني(١).
والحسين بن عمران، ذكره ابن حبان في ((ثقاته)) (٢)، وقال الدارقطني : لا
بأس به ، وقال البخاري(٣): لا يتابع على حديثه .
وقال العقيلي(٤) بعد تخريجه لهذا الحديث: الحديث ثابت عن النبي وَ ◌ّ في
الغسل لالتقاء الختانين ، ولا يحفظ هذا اللَّفظ إلا في هذا الحديث .
والقول بأن ((الماء من الماء)) نسخ بالأمر بالغسل من التقاء الختانين هو
المشهور عند العلماء من الفقهاء والمحدثين ، وقد قرَّره الشافعي ، وأحمد ،
ومسلم بن الحجاج(٥)، والترمذي، وأبو حاتم الرازي(٢) وغيرهم من الأئمة .
وقد رُوي معنى ذلك عن سعيد بن المسيب وغيره من السلف .
وقد قيل : إن ((الماء من الماء)» إنما كان في الاحتلام .
وقد روي عن ابن عباس هذا التأويل .
خرجه الترمذي(٧) من وجه فيه مقال .
(١) ابن حبان في (صحيحه)) (١١٨٠) والدارقطني في ((سننه)) (١٢٧/١) ووقع فيه: ((قول الناس"
تصحيف .
(٢) (٢٠٧/٦) .
(٣) ((التاريخ الكبير)) (١/ ٢/ ٣٨٧).
(٤) ((الضعفاء)) له (١/ ٢٥٤) .
(٥) وانظر: ((المعرفة)) للحاكم (ص ٧٩) .
(٦) انظر: ((العلل)) لابنه (١١٤).
(٧) (١١٢) .
٣٨٤
حدیث : ٢٩٢ - ٢٩٣
کتاب الغسل
وروي - أيضًا - عن عكرمة ، وذهب إليه طائفة .
وهذا التأويل إن احتمل في قوله : ((الماء من الماء)) فلا يحتمل في قوله :
(إذا أُعْجِلْتَ - أو أُقْحطْتَ - فلا غُسْلَ عليك))(١)، وفي قوله : ((يغسل ما مَسٌ
المرأةَ منه، ويتوضَّاً، ويُصلي)).
وقال طائفة من العلماء : لما اختلفت الأحاديث في هذا وجب الأخذ
بأحاديث الغسل من التقاء الختانين ، لما فيها من الزيادة التي لم يَثْبت لها
مُعَارِض ، ولم تبرأ الذِّمة بدون الاغتسال ؛ لأنَّه قد تحقق أنَّ التقاء الختانين
موجب لطهارة ، ووقع التردَّد : هل يكفي الوضوء أو لا يكفي دون غسل البدن
كله ؟ فوجب الأخذ بالغسل ؛ لأنَّه لا يتيقن براءة الذمة بدونه .
وهذا معنى قول البخاري : الغسلُ أحوطُ .
ولذلك قال أحمد - في رواية ابن القاسم - : الأمر عندي في الجماع أَنْ آخُذَ
بالاحتياط فيه ، ولا أقول : الماء من الماء .
وسلك بعضهم مسلكًا أخر ، وهو : أن المُجَامع وإن لم ينزل يُسَمَّى جُنْبًا
ومُجَامعًا وواطئًا، ويترتب جميع أحكام الوَطْء عليه ، والغسل من جملة الأحكام.
وهذا معنى قول من قال من السلف : أنُوجب المهر والحدَّ ولا نُوجب
الغُسْلَ ؟!
وهذا القول هو الذي استقر عليه عمل المسلمين .
وقد خالف فيه شِرْذِمةٌ من المتقدمين ، منهم : أبو سلمة ، وعروة ، وهشام
ابن عروة ، والأعمش ، وابن عيينة ، وحُكي عن الزهري وداود .
وقال ابن عبد البر : اختلف أصحاب داود في هذه المسألة .
وقال ابن المنذر : لا أعلم اليومَ بين أهلِ العلمِ في ذلك اختلافًا .
(١) تقدم .
٣٨٥
٢٩ - باب غسل ما يصيب من فرج المرأة
کتاب الغسل
وذهب إليه طائفة من أهل الحديث ، منهم : بقيّ بن مخلد الأندلسي ، وقد
نسبه بعضهم إلى البخاري وليس في كلامه ما يصرِّح به ، وحكاه الشافعي عن
بعض أهل الحديث من أهل ناحيتهم وغيرهم ، وذكر مناظرته لهم .
وقد كان بعض الناس في زمن الإمام أحمد ينسب ذلك إليه ، فكان أحمد
ينكر ذلك ، ويقول : ما أحفظ أني قلت به قَطُّ ، وقيل له : بلغنا أنك تقوله ؟
فقال: اللَّه المستعان ، وقال - أيضًا - : من يكذب عليَّ في هذا أكثر من ذاك.
وأحمد من أَبْعَدِ الناسِ عن هذه المقالة ، فظاهر كلامه يدل على أنَّ الخلافَ
فيها غير سائغ ، فإنَّه نصَّ على أنه لو فعل ذلك مرةً أنه يعيد الصلاة التي صلاها
بغير غسل من التقاء الختانين، ونصَّ على أنه لا يُصلَّى خلف من يقول: ((الماء
من الماء)» ، مع قوله : إنَّه يُصلَّى خلف من يحتجم ولا يتوضأ ، ومن يمسُّ ذكره
ولا يتوضأ متأوّلاً ، فدلَّ على أن القول بأن «الماء من الماء)» لا مَسَاغَ للخلافِ
فيهِ .
وكذلك ذكر ابن أبي موسى وغيره من الأصحاب .
وحمل أبو بكر عبد العزيز كلامَ أحمدَ على أنَّه لم يكن متأوِّلاً ، وهذا لا
يصح ؛ لأن القول بأن «الماء من الماء)» لا يكون بغير تأويلٍ . والله أعلم.
وقد سبق عن عمر ، أنه قال : لا أُوتى بأحدٍ فعله إلا أنهكته عقوبةً .
وقد روي عنه من وجه آخر ، رواه ابن أبي شيبة(١)، عن ابن إدريس ، عن
الشيباني ، عن بُكير بن الأَخْنس ، عن سَعيد بن المسيب ، قال : قال عمر: لا
أُوتى برجل فعله - يعني: جامع ولم يغتسل ؛ يعني : وهو لم ينزل - إلا أنهكته
عقوبةً .
وخرجه إبراهيم بن مسلم الخوارزمي في ((كتاب الطُّهور)) عن أَسْباط بن
محمد ، عن الشيباني ، به .
(١) (١/ ٨٥ - الثقافية) .
٣٨٦
حدیث : ٢٩٢ - ٢٩٣
كتاب الغسل
وفي روايةٍ ، أن سعيد بن المسيب قال : سمعت عمر بن الخطاب على المنبر
يقول : لا أجد أحداً جامع امرأته ولم يغتسل ، أنزل أو لم ينزل ، إلا عاقبته .
وقد قال عمر هذا بمحضرٍ من المهاجرين والأنصار ، ولم يخالف فيه أحد .
والظاهر : أن جميع من كان يخالف فيه من الأنصار رجعَ عنه ، ورأسُهم :
أبي بن كعب ، وزيد بن ثابت ، ومن المهاجرين عثمان بن عفان .
وفي رجوع أبي بن كعب وعثمان بن عفان مع سماعهما من النبي بَّ خِلاف
ذلك : دليل على أنه ظهر لهما أنَّ ما سمعاهُ زَالَ حُكمه ، واستقرّ العمل على
غيره .
وعامة من روي عنه : ((إن الماء من الماء)» روي عنه خلاف ذلك ، والغسل
من التقاء الختانين ، منهم : عثمان ، وعلي ، وسعد بن أبي وقَّاص ، وابن
مسعود ، وابن عباس ، وزيد بن ثابت ، وأبي بن كعب ، ورافع بن خديج.
وهذا يدل على رجوعهم عما قالوه في ذلك ؛ فإن القولَ بنسخ ((الماء من
الماء)» مشهور بين العلماء ، ولم يَقُلْ أحد منهم بالعكس .
وقد رَوَتْ عائشة وأبو هريرة عن النبي وَّر الغسل بالتقاء الختانين.
وقد روى ذلك - أيضًا - من رواية عبد الله بن عمرو ، ورافع بن خديج (١)،
ومعاذ بن جبل ، وابن عمر ، وأبي أمامة وغيرهم ، إلا أنَّ في أسانيدها ضَعْفًا .
وفي حديث رافع التصريح بنسخ الرخصة - أيضًا (٢).
اعلم ؛ أن هذا الضعف إنما هو في الطرق التي وصلت إلينا منها هذه
الأخبار ، فأما المَجْمَع الذي جمع عمر فيه المهاجرين والأنصار ، ورجع فيه
أعيان من كان سمع من النبي وَّهو الرخصة، فإنَّهم لم يرجعوا إلا لأمرٍ ظهر لهم
(١) كذا تكرر ذكر ("رافع)) هنا، مع أنه ذكره قبلُ.
(٢) كأن هذه العبارة ، الأشبه أن يكون موضعها قبل قوله: ((وقد روي ذلك أيضًا)) واللَّه أعلم.
٣٨٧
٢٩ - باب غسل ما يصيب من فرج المرأة
کتاب الغسل
في ذلك الجمع وبعده ، وعَلموه وتَيَّقْنوه ، وإن كانت تَفاصيلُه لم تُنْقل إلينا ،
واستقرَّ مِنْ حينئذ العمل على الغسل من التقاء الختانين ، ولم يصح عن أحد من
الصحابة بعد ذلك إظهار الفُتيا بخلافه ، فوجب اتباع سبيل المؤمنين ، والأخذ
بما جمع عليه الأمةَ أميرُ المؤمنين ، والرجوع إلى من رجعت إليه الصحابة في
العلم بهذه المسألة ، وهي أم المؤمنين .
والمخالف يُشَغِّب بذكر الأحاديث التي رَجَع عنها رواتها ، ويقول : هي
صحيحة الأسانيد ، وربما يقول : هي أصح إسنادًا من الأحاديث المخالفة لها.
ومن هنا : كَرِهَ طوائف من العلماء ذكر مثل هذه الأحاديث والتحديث بها؛
لأنَّها تورث الشَّبهةَ في نفوس كثير من الناس .
وخرج الإسماعيلي في ((صحيحه)) من حديث زيد بن أَخْزَم ، قال : سمعت
يحيى - يعني : القطان - وسئل عن حديث هشام بن عروة : حديث أبي أيوب :
((الماء من الماء)»؟ - فقال : نهاني عنه عبد الرحمن - يعني : ابن مهدي .
ولهذا المعنى - والله أعلم - لم يخرِّج مالك في ((الموطإِ)) شيئًا من هذه
الأحاديث ، وهي أسانيد حجازية على شرطه .
والمقصود بهذا : أن هذه المسائل التي اجتمعت كلمة المسلمين عليها من
زمن الصحابة ، وقلَّ المخالف فيها ونَدَر ، ولم يَجْسُر على إظهارها لإنكار
المسلمين عليه ، [ كلها ](١) يجب على المؤمن الأخذ بما اتفق المسلمون على
العمل به ظاهراً ؛ فإن هذه الأمة لا يظهر أهل باطلها على أهل حقِّها ، كما أنها لا
تجتمع على ضلالة ، كما روي ذلك عن النبي وَ ه .
خرجه أبو داود وغيره(٢).
(١) كذا . وهي مشتبهة .
(٢) أبو داود (٤٢٥٣) من حديث أبي مالك الأشعري مرفوعًا بلفظ: ((إن اللَّه أجاركم من
ثلاث : ... وأن لا تجتمعوا على ضلالة)).
=
٣٨٨
حدیث : ٢٩٢ - ٢٩٣
کتاب الغسل
فهذه المسائل قد كُفى المسلم أمرها ، ولم يَبْق فيها إلا اتباع ما جَمَعَ عليه
الخلفاءُ الراشدون أولي العلمِ والعدلِ والكمالِ ، دون الاشتغال فيها بالبحث
والجدال وكثرة القيل والقال ؛ فإنَّ هذا كله لم يكن يخفى عَمَّن سلف، ولا يَظُنُّ
ذلك بهم سِوى أهل الجهلِ والضلالِ . واللَّه المسئولُ العصمةَ والتوفيقَ .
وأخرجه ابن ماجه (٣٩٥٠) من حديث أنس مرفوعًا بلفظ: ((إن أمتي لا تجتمع على
=
ضلالة ... )).
وأخرجه الحاكم (١١٥/١ - ١١٦) وابن أبي عاصم (٣٩/١) من حديث ابن عمر مرفوعًا
بلفظ: ((لا يجمع اللَّه أمتي على الضلالة)) وألفاظ قريبة من ذلك.
وأخرجه أبو نعيم في ((تاريخ أصبهان)) (٢٠٨/٢) من حديث سمرة بن جندب مرفوعًا بلفظ:
((إن أمتي لا تجتمع على ضلالة ... )).
وطرقه كلها ضعيفة .
قال العراقي في ((تخريج أحاديث البيضاوي)): ((وقد جاء الحديث بطرق في كلها نظر)).
وروي موقوفًا من حديث أبي مسعود ، خرجه ابن أبي عاصم (٤١/١ - ٤٢) وإسناده
صحيح .
٦
كِتَابُ الْحَيْضِ
٣٩١
وقول اللَّه عز وجل : ﴿ويسألونك عن المحيض﴾
کتاب الحيض
بِشِاللهِالرَّحِ الرّحمُّ
٦
كِتَابُ الْحَيْضِ
وقَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَى فَاعْتَزِلُوا النّسَاءَ
فِي الْمَحِيضِ﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِين﴾ [البقرة: ٢٢٢].
خرَّج مسلم في ((صحيحه)(١) من حديث حَمَّدِ بن سَلَمَةَ: نا ثابتٌ ، عن
أَنَسٍ ، أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يُؤاكِلُوها ولم يُجامِعُوهُنَّ في
البيوت، فسأل أصحاب النبيِّ نَّ النبيَّ وَِّ، فأنزل اللَّه عز وجل: ﴿يَسْأَلُونَكَ
عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ إلى آخر الآية ، فقال
رسول اللَّهِ وَلِّ: ((اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إلا النِّكاحَ) - وذَكَرَ بَقِيَّةَ الحديثِ.
فقوله عز وجل : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾، أي: عن حُكمه والمباشرة
فيه .
و ((المحيضُ))، قيل: إنه مَصْدَرٌ كالحَيْض ، وقيل : بل هو اسمٌ للحيض،
فیکون اسم مصدرٍ .
وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذَى﴾، فُسِّرِ الأذى بالدَّ النَّجِسِ وبما فيه من القَذَر
والنَّتَن وخروجه من مَخْرج البَوْل ، وكل ذلك يُؤْذي .
قال الخَطَّبيُّ (٢): الأذى هو المكروه الذي ليس بشديد جداً؛ كقوله: ﴿لَنْ
يَضُرُّوكُمْ إِلَّ أَذَى﴾ [آل عمران: ١١١]، وقوله: ﴿إِن كَانَ بِكُمْ أَذَى مِّن مَّطَرٍ﴾
(١) (١/ ١٦٩) .
(٢) في ((شرح البخاري)) له (٣١٢/١).
٣٩٢
وقول اللَّه عز وجل: ﴿ويسألونك عن المحيض﴾ كتاب الحيض
[النساء: ١٠٢]، قال: والمراد: أذِّى يَعْتَزِل منها مَوْضِعَه لا غيره، ولا يَتَعَلَّى
ذلك إلى سائر بَدَنِها ، فلا يُجْتَنَبْنَ ولا يُخْرَجْنَ من البيوت كفعل المَجُوسِ وبعض
أهل الكتاب ، فالمراد (١): أن الأذى بهنَّ لا يَبلغ الحدَّ الذي يُجَاوِرُونه إليه ، وإنما
يُجْتَنَب منهنَّ موضعُ الأَذَى ، فإذا تطهََّنَ حلَّ غِشْيانُهنَّ .
وقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾، قد فسَّرَه النبي ◌َّ باعتزال
النكاحِ ، وسيأتي فيما بعدُ - إنْ شاء اللَّه تعالى - ذكْرُ ما يَحْرُم من مباشرة الحائضِ
وما يَحِلُّ منه في الباب الذي يَخْتَصُّ المباشرةَ من الكتاب .
وقد قيل: بأن المراد بالمحيض هَاهُنَا : مكان الحيض ، وهو الفَرْج ، ونصَّ
على ذلك الإمام أحمد، وحكاه الماوَرْدِيُّ عن أزواج النبي ◌َّهر وجمهورِ المفسرين،
وحكى الإجماعَ على أن المراد بالمحيض المذكور في أول الآية : الدَّمُ .
وقد خالف في ذلك ابن أبي موسى من أصحابنا في ((شرح الخِرَفي)) ، فزعم
أن مذهب أحمد أنه الفرج - أيضاً - ، وفيه بُعدُ .
وجمهور أصحابِ الشافعيِّ على أن المراد بالمحيض في الآية الدَّمُ ، في
الموضعين .
وقوله : ﴿وَلا تَقْرَبُوهَنَّ﴾، نهيٌ بعد الأمرِ باعتزالهن في المحيض عن
قربانهن فيه، والمراد به: الجِماع - أيضًا -، وفيه تأكيدٌ لتحريم الوَطْءِ في الحيض.
وقوله: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ فيه قراءتان: ﴿يَطْهُرْنَ﴾ - بسُكُون الطاءِ وضَمِّ
الهاءِ - ، و ﴿يَطَّهِّرْنَ﴾ - بفتح الطاء وتشديدها وتشديد الهاء.
وقد قيل : إن القراءة الأولى أُرِيدَ بها انقطاعُ الدَّمِ ، والقراءة الثانية أُرِيد بها
التَّطَهُّر بالماء .
وممن فسر الأُولى بانقطاع الدمٍ ابنُ عباسٍ ومُجاهِدٌ وغيرهما.
(١) في ((شرح البخاري)) للخطابي: ((فعلَّمهنَّ) بدل ((فالمراد)).
٣٩٣
وقول الله عز وجل : ﴿ويسألونك عن المحیض﴾
کتاب الحيض
وابنُ جَرِيرٍ وغيره : يشيرون إلى حكاية الإجماع على ذلك .
ومَنَع غيرُه الإجماعَ ، وقال : كلٌّ من القراءتين تَحتمل أن يُراد بها الاغتسالُ
بالماء ، وأن يُراد بها انقطاعُ الدمِ، وزَوَالُ أَذَاهُ .
وفي ذلك نظر ، فإنَّ قراءة التشديدِ تدل على نسبة فِعْلِ التطهرِ إليها ، فكيف
يُراد بذلك مجردُ انقطاع الدمٍ ولا صُنْحَ لها فيه .
وقوله: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ غايةُ النَّهي عن قربانهن، فيدل بمفهومه على أن ما
بعد التطهيرِ يَزول النهي .
فعلى قراءة التشديد المُفَسَّرَةَ بالاغتسال إنما يزول النَّهْيُ بالتطهر بالماء ، وعلى
قراءة التخفيف يدل على زوال النهي بمجرد انقطاع الدم .
واستدل بذلك فرقة قليلة على إباحة الوَطْءِ بمجرد انقطاع الدم ، وهو قول
أبي حَنِيفَةَ، وأصحابِه ، إذا انقطع الدمُ لأكثر الحيضِ ، أو لدونه ، ومضى عليها
وقتُ صلاةٍ ، أو كانت غيرَ مخاطَبةٍ بالصلاة كالذِّمَّة .
وحكي عن طائفة إطلاقُ الإباحة ، منهم : ابن بُكَّيْرِ وابن عبد الحَكَم ، وفي
نقله عنهما نظر .
والجمهور على أنه لا يباح بدون الاغتسال ، وقالوا : الآية ، وإن دلت
بمفهومها على الإباحة بالانقطاع إلا أن الإتيان مشروط له شَرْطٌ آخرُ وهو التَّطَهُّر،
والمراد به : التطهر بالماء؛ بقوله(٢): ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأَتُوهُنَّ﴾، فدَلَّ على أنه لا
يكفي مجردُ التطهرِ (١)، وأن الإتيان متوقفٌ على التطهر، أو على الطُّهْرِ والنَّطَهُّرِ
بَعْدَه، وفسَّر الجمهور التَّطَهُّرَ بالاغتسال ، كما في قوله: ﴿وَإِن كَنْتُمْ جَنْبًا
٠ ٥٠
فَاطْهَّرُوا﴾ .
(١) الأشبه: ((الطهر))، وهو المذكور في الآية . والمراد به : انقطاع الدم.
(٢) الأشبه: ((لقوله)).
٣٩٤
وقول الله عز وجل : ﴿ويسألونك عن المحيض﴾ كتاب الحيض
وحُكي عن طائفة من السَّلَف : أن الوضوء كافٍ بعد انقطاع الدم ، منهم:
مُجاهدٌ ، وعِكْرَمَةُ ، وطاوُسُ ، على اختلافِ عنهم في ذلك .
قال ابن المُنْذِر : رُوِّينا بإسنادِ فيه مقالُ عن عَطاءِ وطاوسٍ ومجاهدٍ ، أنهم
قالوا : إذا أَدرك الزوجَ الشَّبَقُ (١) أَمَرَها أنْ تتوضأ ، ثم أَصاب منها إن شاء .
وأَصَحُّ من ذلك عن عطاءِ ومجاهدٍ موافقة القولِ الأول - يعني : المنعَ منه
وكراهتَه بدون الغُسلِ - ، قال: ولا يَثبت عن طاوسٍ خلافُ ذلك. قال : وإذا
بَطَل أن يَثبت عن هؤلاء قولٌ ثانٍ كان القول الأولُ كالإجماع . انتهى .
ولذلك ضَعََّ القاضي إسماعيلُ المالكي الروايةَ بذلك عن طاوُسِ وعَطَاءِ ؛
لأنها من رواية لَيْثِ بن أبي سُلَيْمٍ عنهما ، وهو ضعيف .
وحُكي عن بعض السلف أن التطهر غَسْلُ الفَرْجِ خاصَّةٌ ، رواه ابن جُرَيْجِ
ولَيْثُ عن عَطَاءِ ، ورواه مَعْمَرٌ عن قَتَادَةَ ، وحكاه بعض أصحابنا عن الأَوْزاعِيِّ ،
ولا أظنه يَصِحُّ عنه ، وقاله قوم من أهل الظاهرِ .
والصحيح الذي عليه جمهورُ العلماءِ : أن تَطَهُّر الحائضِ كتطهر الجُب ،
وهو الاغتسال .
ولو عَدِمَتِ الماءَ ، فهل يُباح وطؤها بالتيمم ؟ فيه قولان :
أحدهما: يباح بالتيمم، وهو مذهبنا ، ومذهب الشافعي وإسحاقَ والجمهورِ،
وقول يحيى بن بُكَيْرٍ من المالكية ، والقاضي إسماعيلَ منهم - أيضًا .
وقال مَكْحُولُ ومالكٌ : لا يُباحِ وَطْؤُها بدون الاغتسال بالماء .
وقوله: ﴿فَأَتُوهُنَّ﴾ إباحةٌ (٢)، وقوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ أي :
(١) في هامش الأصل: ((الشبق: شِدَّةَ الغُلْمة - بالضَّمِّ - ، وهي شدة الشَّهوة)).
(٢) قال ابن جرير الطبري (٣٨٥/٤ - شاكر): ((فإن قال قائل: أَفَفَرْض جماعهنَّ حينئذٍ ؟ قيل:
لا. فإن قال : فما معنى قوله إذًا: ﴿فَأَتُوهُنَّ﴾؟ قيل: ذلك إباحة ما كان منعَ قبل ذلك =
٣٩٥
الحيض وقول اللَّه عز وجل : ﴿ويسألونك عن المحيض﴾
باعتزالهن ، وهو الفَرْج ، أو ما بين السُّرَّةِ والرُّكْبَةِ ، على ما فيه من الاختلاف
كما سيأتي ، روي هذا عن ابن عباسٍ ، ومُجاهِدٍ ، وعِكْرِمَةَ .
وقيل : المراد : من الفَرْج دون الدُّبُرِ ، رواه عليّ بن أبي طَلْحَةَ عن ابن
عباس .
وروى أبانُ بن صالحٍ ، عن مجاهدٍ ، عن ابن عباسٍ ، قال: ﴿مِنْ حَيْثُ
أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ أن تَعتزلوهنَّ. ورواه عِكْرِمَةُ، عن ابن عباس - أيضًا .
وقيل : المراد من قِبَل التطهرِ لا من قِبَل الحيض، ورُوي عن ابن عباس -
أيضًا - ، وغيره .
و((التوابون)): الرَّجَّاعون إلى طاعة اللَّه من مخالفته.
و((المتطهرون)): فسَّرِه عطاءٌ وغيره : بالتطهر بالماء ، ومجاهدٌ وغيره :
بالتطهر من الذنوب .
وعن مجاهد ، أنه فسَّره : بالتَّطهر من أَدبار النساء .
ويشهد له قولُ قوم لُوطِ: ﴿إِنَّهُمْ أَنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٨٢].
من جماعهنَّ، وإطلاقٌ لما كان حظرَ في حال الحيض، وذلك كقوله: ﴿وَإِذَا حَلْتُمْ
فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] اهـ.
=
٣٩٦
١ - باب کیف کان بدء الحیض
کتاب الحیض
١ - بَابٌ
كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الْحَيْض ؟
وقَوْلِ النَِّّ ◌َ: ((هَذَاَ شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ)) .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ أَوَّلُ مَا أُرْسِلَ الْحَيْضُ عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ .
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَحَدِيثُ النَِّّ ◌َّ أَكْثَرُ.
أما من قال : أَوَّلُ ما أُرسل الحيضُ علي بني إسرائيل: فقد رُوي ذلك عن
حَمَّاد بن سَلَمَةَ ، عن هشامٍ بن عُرْوَةَ، عن فاطِمَةَ بنتِ المُنْذِرِ ، عن أَسْمَاءَ بِنْتِ
أبي بكْرِ ، قالت : إنما سُلُّطت الحيضةُ على نِساءِ بني إسرائيلَ ؛ لأنهنَّ كُنَّ
اتَّخَذْنَ أَرْجُلاً من خَشَبٍ يَتَطاوَلْنَ بها في المساجد .
وأما ما رَجَّحَهُ البخاريُّ من أن الحيض لم يزل في النساء منذ خلقهن اللَّه ،
فهو المروي عن جمهور السلف :
قال عَمْرُو بن محمد العَنْقَزِيُّ : نا عَبَّدُ بن العَوَّامِ ، عن سُفْيانَ بن حُسين،
عن يعْلَى بن مُسْلِمٍ ، عن سَعِيدِ بنِ جُبِيْرٍ ، عن ابن عباسٍ ، قال : لما أَكَل آدمُ
من الشجرة التي نُهي عنها ، قال اللَّه له : ((ما حَمَلَكَ على أنْ عَصَيْتَتَي ؟)) قال:
ربِّ، زيَّتْهُ لِي حَوََّاءُ ، قال: «فإني أُعْقِبُها أن لا تَحْمِلَ إلا كُرْهًا، ولا تَضَع إلا
كُرْهَا ، ودَمَّيْتُها في الشَّهر مرتين))، فلما سمعتْ حواءُ ذلك رَنَّتْ ، فقال لها :
عليكِ الرَّنَّةُ وعلى بناتك(١) .
وروى ابن جَرِيرٍ في «تفسيره))(٢): نا يُونُسُ : نا ابنُ وَهْب ، عن عبد الرحمن
(١) قارن بـ ((تفسير الطبري)) (٥٢٩/١ - شاكر) .
والرنة : الصيحة الشديدة والصوت الحزين عند الغناء أو البكاء .
(٢) (٣٩٦/١) .
٣٩٧
١ - باب كيف كان بدء الحيض
کتاب الحیض
ابن زَيْدِ بن أَسْلَمَ، في قوله: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجَ مَّطَهَرَةَ﴾ [البقرة: ٢٥]، قال :
المطهرة: التي لا تحيض، قال: وكذلك خُلقتْ حواءُ عليها السلام حتى عَصَتْ ،
فلما عَصَت قال اللَّه تعالى : (إني خَلَقتك مطهَّرةً، وسأُدْميك كما أَدْميت هذه
الشجرةَ» .
وقد استَدَل البخاريُّ لذلك بعموم قولِ النبي ◌َّهِ: ((إن هذا شيءٌ كتبه اللَّهُ
على بنات آدمَ))، وهو استدلال ظاهرٌ حَسَنٌ ، ونظيره : استدلال الحَسَنِ على
إبطال قول من قال : أول من رأى الشَّيْبَ إبراهيمُ عليه السلامُ ، بعموم قول اللَّه
عز وجل: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَفَكُمْ مِّنَ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ
بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةٌ﴾ [الروم: ٥٤].
٢٩٤ - حَدَّثَنَا(١) عَلِيُّ بِنُ عَبْدِ اللَّهِ المَدِينِيُّ: نَا سُفْيَانُ، قَالَ: سَمِعْتُ
عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ القَاسِمِ ، قَالَ : سَمِعْتُ القَاسِمَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ:
خَرَجْنَا لاَ نَرَى إِلَّ الحَجَّ، فَلَمَّا كُنْتُ بَسَرِفَ حِضْتُ، فدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِيه
وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: ((مَكِ ! أَنْفِسْتِ؟)) قلتُ: نَعَمْ. قال: ((إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللهُ
عَلَى بَنَاتِ آدَمَ ، فَاقْضِي مَا يَقْضِي الحَاجُّ، غَيْرَ أنْ لاَ تَطُوفِي بِالْبَيْتِ)) . قَالَتْ:
وَضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ بِ﴿َ عنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ .
هذا إسنادٌ شريفٌ جدًا ؛ لجلالة رُواته ، وتَصْرِيحِهم كلِّهم بسماع بعضِهم من
بعض ، فلهذا صَدَّر به البخاري ((كتاب: الحيض)) .
وفيه اللَّفظة التي استَدَل بها البخاري على أن الحيض لازمٌ للنساء منذ
خلَقهن اللَّه ، وأنه لم يَحْدُثْ في بني إسرائيل ، كما تقدم .
وقد رُويتْ هذه اللَّفظةُ - أيضًا - عن جابرٍ، أن النبي ◌َّ قال ذلك لعائشةَ في
(١) قبل هذا الحديث عند أبي ذر وأبي الوَقْتِ ترجمةٌ سقطت من أكثر الروايات ، وهي :
(باب : الأمر بالنُّفَسَاءِ إذا نُفِنَ»
٣٩٨
حديث : ٢٩٤
كتاب الحيض
الحج - بمعنى حديث عائشة .
خرَّجه مسلم في ((صحيحه))(١).
ورُويت - أيضًا - عن أم سَلَمَةَ، من رواية محمدِ بنِ عمرٍو: نا أبو سَلَمَةً ،
عن أم سَلَمَةَ، قالت: كنتُ مع رسول اللّهِ لّهِ فِي لِحَافِه، فوجدتُ ما تَجد
النساءُ من الحَيضة، فانْسَلَلْتُ من اللُّحاف، فقال رسول اللَّهِوَلِّ: ((أَنْفُسْت؟))
قلت : وجدتُ ما تجد النساءُ من الحيضة، قال: ((ذاك ما كتب اللَّه(٢) على بنات
آدمَ)). قالت: فانْسَلَلْتُ فَأَصْلَحْتُ من شَانِي، ثم رجعتُ ، فقال لي رسول اللَّه
وَلِ : (تَعالَيْ فادْخُلِي معي في اللُّحافِ». قالت : فدَخَلْتُ معه .
خرَّجه [ ...... ](٣) ابن ماجه(٤).
ومعنى : ((كَتب اللَّهُ على بنات آدمَ)): أنه قَضَى به عليهن وألزمهُنَّ إِيَّاه ،
فَهُنَّ مُتُعَبَّدات بالصبر عليه .
وجاء في رواية للإمام أحمد(٥) من رواية الأوزاعي ، عن أبي عُبَيْدٍ(٦)، عن
(١) (٤ / ٣٠) .
(٢) لفظ الجلالة ليس من الأصل ، وهو في ابن ماجه وسيأتي في كلام المؤلف .
(٣) بياض بالأصل .
(٤) (٦٣٧) .
(٥) في ((المسند)) (٨٦/٦).
(٦) قال ابن حجر في ((تعجيل المنفعة)) (ص ٥٠٠ - ٥٠١):
((( لم يفرد له الحسيني ترجمة ، ولا من تبعه ، ولا من شيوخ الأوزاعي ((أبو عبيد)» إلا حاجب
سليمان بن عبد الملك ، ولم يدرك عائشة ، ولا ذكرها المزيُّ في شيوخه ، ولا في شيوخ
أبي عبيد سعيد بن عبيد مولى ابن أزهر ، ولا في كنى ((التهذيب)): ((أبو عبيد)) غيرهما،
والأوزاعي لم يدرك مولى ابن أزهر .
ولم أر في (الكنى)) للحاكم أبي أحمد من يمكن أن يكون شيخًا للأوزاعي ، وهو يكنى :
(أبا عبيد))، إلاَّ يُونس بن مَيْسرة بن حَلْبس؛ فإنَّه قيلَ: إِنَّه يُكنى: أبا عبيدٍ ، ويقال :
أبا حلبس ، لكنه لم يدرك عائشة .
=
٣٩٩
١ - باب كيف كان بدء الحيض
کتاب الحيض
عائشةَ، عن النبي وَّر، في هذا الحديث: أن عائشةَ قالت للنبي وَفيه: لا
أَحْسِبَ النساءَ خُلِقْنَ إلا للشَّرِّ، قال: ((لا، ولَكنَّهُ شَيْءٌ ابْتُلِيَ به نساءُ بَنِي آدمَ)) .
ولفظ: ((الكتابة)) يدل على اللزوم والثبوت، إما شَرعًا كقوله تعالى:
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامَ﴾ [البقرة: ١٨٣]، أو قَدَرًا كقوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لِأَغْلِبَنَّ أَنَا
وَرَسُلِي﴾ [المجادلة:
وهذا الحديث من هذا القَبِيل .
= والذي يظهر: أن أبا عبيد هذا هو حاجب سليمان بن عبد الملك ، وروايته هذه عنها مرسلة ،
ولذلك لم يذكر الإخبار ولا التحديث ولا العنعنة ، وإنما قال: ((قالت عائشة))، وقد نبهت
عليه ؛ لئلا يستدرك . والله المستعان)) اهـ .
٤٠٠
حديث : ٢٩٥ - ٢٩٦
کتاب الحیض
٢ - بَابُ
غَسْلِ الحائِضِ رَأسَ زَوْجِها وتَرْجيله
٢٩٥ - نَاعَبْدُاللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: نَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهَ، عَنْ
عَائِشَةَ، قَالَتْ: كُنْتُ أُرَجِّلُ رَاسَ رَسُولِ اللّهِ وَأَنَا حَائِضٌ .
٢٩٦ - حَدَّثْنَا ◌ِبْرَهِمُ بْنُ مُوسَى: نَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أنَّابْنَ جُرَيِّجٍ أَخْبَرَهُمْ:
أَنَا هِشَامٌ ، عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّهُ سُئِلَ: أَتَخْدُمُنِي الحَائِضُ أَوْ تَدْنُو مِنِّي المَرْأَةُ وَهِيَ
جُنُبٌ؟ فَقَالَ عُرْوَةُ : كُلُّ ذَلِكَ عَلَيَّ مَيِّنٌ، وَكُلُّ ذَلِكَ تَخْدُمُنِي، وَلَيْسَ عَلَى أَحَدِ
فِي ذَلِكَ بَاسٌ؛ أَخْبَرَتِي عَائِشَةُ أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ رَاسَ رَسُولِ اللَّهِعَهُ وَهِيَ خَائِضٌ،
وَرَسُولُ الَّهِ ﴾ حِينَئِذٍ مُجَاوِرٌ فِي المَسْجِدِ، يُدْنِي لَهَا رَأْسَهُ وَهِيَ فِي حُجْرِتَهَا،
قُتُرَجُلُهُ وَهِيَ حَتِضٌ .
هذا الحديث يدل على طَهارة بَدنِ الحائض ، وعلى جواز مباشرتها بيدها
الرأس الرُّجل بالدَّهْن والتسريح ، وهو معنى تَرجيلِ الرأسِ المذكورِ في هذا
الحديث .
وقد روى تَمِيمُ بن سَلَمَةَ، عن عُرْوَةَ هذا الحديثَ ، ولفظه : ((فأَغْسِلُه وأنا
حائض)(١).
وكذلك رَوَى لَفظةَ: ((الغسل)) إبراهيمُ، عن الأَسْوَدِ، عن عائشةَ (٢).
ولو كانت يدها نَجسةً لُمِنِعَتْ من دَهْن رأسِ الرَّجُلِ وَغَسله .
وقد أَلحق عروةُ الجنبَ بالحائض ، وهو كما قال ، بل الجنب أولى
(١) أخرجه النسائي (١٩٣/١).
(٢) أخرجه النسائي في (الكبرى)) (تحفة ٣٥٤/١١).