Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
٣٣ - باب زيادة الإيمان ونقصانه
کتاب الإيمان
بالصلاة له والنحرِ ، كما شرع ذلكَ لإبراهيمَ خليلِه - عليه السلام - عند أمرِه
بذبحٍ ولدِه وافتدائه بذِبْحٍ عظيمٍ .
وأما عيدُ الأسبوعِ ، فهو يومُ الجمعةِ ، وهو متعلقٌ بإكمالِ فريضةِ الصلاةِ ؛
فإن اللهَ فرضَ على عبادِهِ المسلمينَ الصلاةَ كلَّ يومٍ وليلةٍ خمسَ مراتٍ ، فإذا
كمُلَتْ أيامُ الأسبوعِ التي تدور الدنيا عليها ، وأكملُوا صلاتهم فيها ، شرعَ لهم يومَ
إكمالها - وهُو اليومُ الذي انتهى فيه الخلقُ، وفيه خُلِقَ آدمُ، وأُدخلَ الجنةَ (١) -
عيدًا ، يجتمعونَ فيه على صلاةِ الجُمعةِ .
وشرعَ لهم الخطبةَ تذكيرًا بنعمِ اللهِ عليهم ، وحثّا لهم على شكرِها، وجعلَ
شهودَ الجمعةِ بأدائها كفارةً لذنوبِ الجُمعةِ كلِّها وزيادةٍ ثلاثةِ أيامٍ(٢) .
وقد روي أن يومَ الجمعةِ أفضلُ من يومِ الفطِرِ ويومِ النحرِ .
خرَّجه الإمامُ أحمدُ في (( مسندِهِ))(٣) .
وقالَه مجاهدٌ وغيرُه .
ورُوي ، أنه حِجُّ المساكينِ(٤) .
ورُوي عن عليٌّ ، أنه يومُ نسكِ المسلمينَ .
2
(١) أخرجه أحمد (٤٠١/٢ - ٤١٨ - ٥١٢ - ٥٤٠) ومسلم (٦/٣) وغيرهما من حديث
أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: (( خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة ، فيه خلق آدم وفيه
أدخل الجنة وفيه أخرج منها)) .
(٢) أخرجه مسلم (٨/٣) من حديث أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا وفيه: ((وفضل ثلاثة
أيام )) .
وأخرجه ابن خزيمة (١٨٠٣) من حديث أبي سعيد المقبري ، عن أبي هريرة مرفوعًا وفيه :
.
(( وزيادة ثلاثة أيام)) .
(٣) ((المسند)) (٤٣٠/٣) من حديث أبي لبابة بن عبد المنذر مرفوعًا: ((إن يوم الجمعة سيد
الأيام ... وهو أعظم عند الله من يوم الأضحى ويوم الفطر )) .
(٤) انظر: ((السلسلة الضعيفة)) للألباني (رقم ١٩١) (١٩٢).

١٦٢
حديث : ٤٥
کتاب الإيمان
وقال ابنُ المسيبِ : الجمعةُ أحبُّ إليَّ من حجِّ التطوعِ .
وجعلَ اللهُ التبكيرَ إلى الجمعةِ كالهدىِ ، فالمبكِّرُ في أولِ ساعةٍ كالمهدي
بدنةً ، ثم كالمهدي بقرةً ، ثم كالمهدِي كبشًا ، ثم كالمهدِي دجاجةً ، ثم
كالمهدي بيضةً (١).
ويومُ الجمعةِ يومُ المزيدِ في الجنةِ ، الذي يزورُ أهلُ الجنةِ فيه ربَّهم ،
ويتجلَّى لهم في قدرِ صلاةِ الجمعةِ .
وكذلك رُوي في يومِ العيدينِ أن أهلَ الجنةِ يزورونَ ربّهم فيها ، وأنه يتجلَّى
فيها لأهلِ الجنَّةِ عمومًا ، يشاركُ الرجالَ فيها النساءُ .
فهذه الأيامُ أعيادُ للمؤمنينَ في الدنيا ، وفي الآخرةِ عمومًا .
وأما خواصُّ المؤمنينَ ، فكلُّ يومٍ لهم عيدٌ ، كما قالَ بعضُ العارفينَ .
ورُوي عن الحرم(٢) كلُّ يومٍ لا يُعْصَى اللهُ فيه فهو عيدٌ .
ولهذا رُوي أن خواصَّ أهلِ الجنةِ يزورونَ ربّهم ، وينظرونَ إليه كلَّ يومٍ
مرتينٍ بُكرةً وعشيًا .
وقد خرَّجه الترمذيُّ (٣) من حديث ابنِ عمرَ - مرفوعًا، وموقوفًا .
ولهذا المعنى - واللهُ أعلمُ - لما ذكرَ النبيُّ نَّ الرؤيةَ في حديث جريرِ بنِ
عبدِ اللهِ البجليّ (٤)، أمرَ عقبَ ذلك بالمحافظةِ علَى الصلاةِ قبلَ طلوعِ الشمسِ
وقبلَ غروِها ؛ فإنَّ هذينِ الوقتينِ وقتٌ لرؤيةِ خواصٌّ أهلِ الجنةِ ربّهم ، فمَن
(١) أخرجه مالك (ص ٨٤) وأحمد (٢/ ٤٦٠) والبخاري (٨٨١) ومسلم (٨/٣) وغيرهم من
حديث أبي صالح السمان ، عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: (( من اغتسل يوم الجمعة غسل
الجنابة ثم راح فكأنما قرَّب ..... )) .
(٢) كذا بالأصل .
(٣) ((جامع الترمذي)) (٣٣٣٠).
(٤) أخرجه البخاري (٥٥٤) ومسلم (١١٣/٢، ١١٤).
١
:

١٦٣
٣٣ - باب زيادة الإيمان ونقصانه
كتاب الإيمان
حافظَ على هاتينِ الصلاتينِ على مواقيتِهما ، وأدائهما ، وخشوعِهما ، وحضورِ
القلب فيهما ، رُجي له أن يكونَ ممن ينظرُ إلى اللهِ في الجنةِ في وقتِهما .
فتبينَ بهذا : أن الأعيادَ تتعلقُ بإكمالِ أركانِ الإسلامِ ، فالأعيادُ الثلاثةُ
المجتمَعُ عليها تتعلقُ بإكمالِ الصلاةِ والصيامِ والحجِّ .
فأما الزكاةُ ، فليسَ لها زمانٌ معينٌ تكمُلُ فيه . وأما الشهادتانِ ، فإكمالُهما
هو الاجتهادُ في الصدقِ فيهما ، وتحقيقهما والقيام بحقوقهما .
وخواصُّ المؤمنين يجتهدونَ على ذلك كلَّ يومٍ ووقتٍ ؛ فلهذا كانت أيامُهم
كلُّها أعيادًا ، ولذلك كانتْ أعيادُهم في الجنةِ مستمرةً . واللهُ أعلمُ .

١٦٤
حديث : ٤٠
كتاب الإيمان
فَصْلٌ
خرج البخاريُّ ومسلمُ :
٤٠ - من حديث: أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، أَنَّ النَّبِّ : ﴿ كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ
الْمَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ - أَوْ قَالَ: أَخْوَاله - منَ الأَنْصَارِ، وَأَنَّهُ صَلَّى قِبَل بَيْت
الْمَقْدِسِ سِنَّةَ عَشَرَ شَهْرًا - أَوْ سَبْعَةَ عَشْرَ شَهْرًا -، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْتُهُ قِبَلَ
الْبَيْتِ، وَأَنَّهُ [صلى](١) أَوَّلَ صَلاَةَ صَلاَّهَا صَلاَةَ الْعَصْرِ، وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ
رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهَ، فَمَرَّ عَلَى أَهْلٍ مَسْجِدٍ وَهُمْ رَاكِعُونَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ،
لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللّهِوَ قِبَلَ مَكَّةَ، قَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ. وَكَانَتِ الْيَهُودُ
[ قد ](١) أَعْجَبَهُمْ إِذْ كَانَ يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ، فَلَمَّا وَلَّى
وَجْهَ قِبَلَ الْبَيْتِ ، أَنْكَرُوا ذَلِكَ .
قَالَ زُهَيْرٌ : ثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ - فِي حَديثِه هَذَا - ، أَنَّهِ مَاتَ عَلَى
الْقَبْلَة قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ رِجَالٌ وَقُتْلُوا، فَلَمْ نَدْرِ مَا نَقَوُّلُ فِيهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ وَمَا
كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣].
قال البخاريّ: يَعْنِي صَلاَتَكُمْ .
وبوَّب على هذا الحديث : ((بابُ: الصَّلاة منَ الإِيمَان)).
والأنصارُ للنبيِّ وََّ فيهم نسبٌ ؛ فإنهم أجدادُه وأخوالُه من جهةٍ جدِّ أبيه
هاشمِ بنِ عبدِ منافٍ ؛ فإنه تزوَّج بالمدينةِ امرأةً من بني عديِّ بنِ النجارِ ، يقال
لها : سلمَى، فولدت له ابنَه عبدَ المطلبِ ، وفي رأسه شيبةٌ ، فسمِّي شيبةً .
وذكر ابنُ قتيبةً : أن اسمَه عامرٌ ، والصحيحُ : أن اسمَه شيبةٌ .
(١) سقط من الأصل، استدركته من ((اليونينية)).

١٦٥
٣٠ - باب : الصلاة من الإيمان
كتاب الإيمان
وإنما قيل له : عبدُ المطلب ؛ لأنَّ عمَّه المطلبَ بَن عبد منافِ قدِمَ به من
المدينةِ إلى مكةَ ، فقالت قريشُ : هذا عبدُ المطلبِ ، فقال : ويحكم ، إنما هو
ابنُ أخِي شيبةُ بنُ عمرٍو ، وهاشمٌ اسمُهُ عَمْرٌو .
ففي حديثِ البراءِ هذَا: أنَّ النبيَّ وَّ لمَّا قدمَ المدينةَ نزلَ على أجداده -
أو قال : أخوالِه - منَ الأنصارِ .
وظاهرُهُ : يدلُّ على أنه نزلَ على بني النجارِ ؛ لأنهم هُمْ أخوالُه وأجدادهُ ،
وإنما أرادَ البراءُ جنسَ الأنصارِ دونَ خصوصِ بني النجارِ .
وقد خرَّج البخاريُّ في (( كتابِ الصلاةِ))(١) و ((أبوابِ الهجرةِ))(٢) من حديث
أنسٍ ، أنَّ النبيَّ ◌َّ لما قدم المدينةَ نزلَ في علوِ المدينةِ ، في حِيِّ يقالَ لهمْ :
بنُو عَمْرِو بنِ عوفٍ ، فأقامَ فيهم أربعَ عشرةَ ليلةً، ثم أرسلَ إلى ملاٍ بني
النجارِ، فجاءُوا متقلِّديَن سيوفَهم. قال: وكأني أنظرُ إلى رسولِ اللهِ وَّ على
راحلته وأبو بكرِ ردفَه وملأُ بني النجارِ حولَه ، حتى ألقى بفناءِ أبي أيوبَ - وذكرَ
الحديثَ .
وخرَّج - أيضًا (٣)- معنى ذلك ، من حديثِ الزهريِّ ، عن عروةَ بنِ الزبيرِ .
وأما ما ذكرَه البراءُ في حديثه: أنَّ النبيَّ ◌َّهِ صلَّى بالمدينةِ قِبَلَ بيتَ المقدسِ
ستةَ عشرَ - أو سبعةَ عشرَ - شهراً ، فهذا شكَّ منه في مقدارِ المدةِ .
ورُوي عن ابنِ عباسٍ ، أن مدةَ صلاتِه بالمدينةِ إلى بيتِ المقدسِ كانت ستةَ
عشرَ شهراً .
خرجه أبو داودَ (٤) .
(١) (٤٢٨) .
(٢) (٣٩٣٢).
(٣) البخاري (٣٩٠٦) معلقًا.
(٤) لم أقف عليه في ((سنن أبي داود)) والحديث أخرجه أحمد (٣٢٥/١) من حديث ابن عباس.

١٦٦
حديث : ٤٠
كتاب الإيمان
وخرج - أيضًا (١) - من حديث معاذ ، أن مدّةَ ذلكَ كان ثلاثةَ عشرَ شهراً .
وروَى كثيرُ بنُ عبدِ اللهِ المزنيُّ - وهو ضعيفٌ - ، عن أبيه ، عن جدِّه عمرٍو
ابنِ عوفٍ، قال: كنَّا معَ رسولِ اللهِ لَّهِ حينَ قدِمَ المدينةَ، فصلَّى نحوَ بيت
المقدسِ سبعةَ عشرَ شهراً (٢).
وقال سعيدُ بنُ المسيبِ: صلَّى رسولُ اللهِوَ ◌ّه نحوَ بيتِ المقدسِ تسعةَ عشرَ
شهراً، ثم حُوِّلْت القبلةُ بعدَ ذلكَ قِبَلَ المسجدِ الحرامِ ، قَبْلَ بدرٍ بشهرينٍ (١).
ورواه بعضُهم ، عن سعيدٍ ، عن سعدِ بنِ أبي وقاصٍ (٤) .
والحفاظُ يرون ، أنه لا يصحُّ ذكرُ: ((سعدِ بنِ أبي وقاصٍ )) فيه .
وقيل : عن سعيدِ بنِ المسيبِ - في هذا الحديثِ - : ستةَ عشرَ شهراً .
وكذا قالَ محمدُ بنُ كعبِ القرظيُّ وقتادةُ (٥) وابنُ رِيدٍ (٦) وغيرُهم : إن مدةً
صلاتِه إلى بيتِ المقدسِ كانت ستةَ عشرَ شهراً .
وقال الواقدي : الثبتُ عندنا أن القبلةَ حوّلت إلى الكعبة يوم الاثنين ،
للنصفِ من رجبٍ ، على رأسٍ سبعةَ عشرَ شهراً.
(١) ((السنن)) (٥٠٧).
(٢) أخرجه البزار (٤١٧/ كشف) وعزاه الهيثمي في ((المجمع)) للطبراني في ((الكبير)) ولم تطبع
أحاديث عمرو بن عوف .
(٣) أخرجه مالك في ((الموطأ)) (ص: ١٣٨) والطبري في ((التفسير)) (٢١٥٤) وابن سعد
(١/ ٤/٢) .
(٤) البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٣/٢) من حديث محمد بن الفضيل، عن يحيى بن سعيد ،
عن ابن المسيب ، عن سعد به .
وقال : ورواه مالك والثوري وحماد ، عن يحيى بن سعيد ، عن ابن المسيب مرسلاً ، وهو
أشبه بالصواب .
(٥) أخرجه الطبري في ((تفسيره)) (٢١٦٣) (١٨٣٧).
(٦) الطبري (٢٢٣٥) (١٨٣٨).

١٦٧
٣٠ - باب : الصلاة من الإيمان
کتاب الإيمان
وعن السُّدِّيِّ (١)، أن ذلكَ كان على رأسِ ثمانيةَ عشرَ شهراً.
وقيل : كان بعدَ خمسةَ عشرَ شهرًا ونصف .
ولا خلافَ أن ذلك كانَ في السنة الثانيةِ منَ الهجرةِ ، لكن اختلفوا في أيِّ
شهرٍ كانَ ؟
فقيل : في رجبٍ ، كما تقدمَ ، وحُكَي ذلك عن الجمهورِ ، منهم :
ابنُ إسحاقَ .
وقيل : في يومِ الثلاثاءِ نصفَ شعبانَ ، وحُكي عن قتادةَ ، واختارَه محمدُ
ابن حبيبِ الهاشميُّ وغيرُه.
وقيل : بل كانَ في جُمَادى الأولِ ، وحُكي عن إبراهيم الحربيِّ ، ورواه
الزهريُّ عن عبدِ الرحمنِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ كعبِ بنِ مالكٍ .
وقولُهُ : ((وكان يعجبُهُ - يعني: النبيَّ وَّ - أن تكونَ قبلتُه قبلَ البيت )) -
يعني : الكعبةَ .
هذا؛ يشهدُ له قولُ الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ
فَلَنُوَلَيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤].
وروى معاويةُ بنُ صالحٍ ، عن عليٌّ بنِ أبي طلحةً ، عن ابنِ عباسٍ ، قال :
لما هاجرَ النبيُّ وَّهِ إلى المدينةِ، وكان أكثرَ أهلِها اليهودُ، أمرَهَ اللهُ أن يستقبلَ
بيتَ المقدسِ، ففرحتِ اليهودُ، فاستقبلَها رسولُ اللهِ وَّهِ بضعةَ عشرَ شهراً ،
فكانَ رسولُ اللهِ وَّهِ يحبُّ قبلةَ إبراهيمَ، فكان يدعو وينظرُ إلى السماءِ ،
فأنزلَ اللهُ : ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾(٢) [البقرة: ١٤٤] الآية .
وقال مجاهدٌ : إنما كانَ يحبُّ أن يُحوَّل إلى الكعبة ؛ لأن يهودَ قالوا :
(١) الطبري في ((تفسيره)) (٢٢٣٣) .
(٢) أخرجه الطبري في ((تفسيره)) (١٨٣٣) (٢١٦٠) (٢٢٣٦) .
:

١٦٨
حديث : ٤٠
كتاب الإيمان
يخالفُنا محمدٌ ویتبعُ قبلتَنَا(١)
وقال ابنُ زيد: لما نزلَ : ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] قال
رسولُ اللهِ وَِّ: ((هؤلاء قومُ يهود يستقبلونَ بيتًا من بيوت الله - لبيتِ المقدسِ -
لو أنَّا استقبلناه))، فاستقبلَه النبيُّ ◌ِ لْ ستةَ عشرَ شهراً، فبلغَه أن اليهودَ تقولُ:
والله، ما درى محمدٌ وأصحابُه أين قبلتُهُمْ حَتَّى هديناهم، فكرِهَ ذلك النبيُّ وَلَهـ
ورفعَ وجهَه إلي السماءِ ، فنزلتْ هذه الآيةُ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي
السَّمَاءِ﴾ (٢) [البقرة: ١٤٤] .
ويشهدُ لهذا : ما في حديثِ البراءِ : ((وكانتِ اليهودُ قد أعجبَهم إذْ كانَ
يصلِّي قِبَل بيتِ المقدسِ وأهلُ الكتابِ - يعني : من غيرِ اليهودِ ، وهُم
النصارَى - فلمَّا وَلَّى وجهَهُ قبلَ البيتِ أنكرُوا ذلك )) .
وقد اختلفَ الناسُ: هل كانَ النبيُّ نَّهِ بمكةَ قبلَ هجرتِه يصلّي إلى بيتِ
المقدسِ ، أو إلى الكعبةِ ؟
فِرُوي عنِ ابنِ عباسٍ ، أنه كانَ يصلِّي بمكةَ نحوَ بيتِ المقدسِ ، والكعبةُ
بین یدیه .
خرَّجه الإمامُ أحمدُ (٣) .
وقال ابنُ جُرَيَجٍ(٤): صلَّى أولَ ما صلَّى إلى الكعبةِ ، ثم صُرِفَ إلى بيتِ
المقدسِ، وهو بمكةً، فصلَّتِ الأنصارُ قَبْلَ قدومِهِوَِّ إلى بيتِ المقدسِ ثلاثَ
حججٍ ، وصلَّى بعد قدومِه ستةَ عشرَ شهراً، ثم وجهَهُ اللهُ إلى البيتِ الحرامِ .
(١) أخرجه الطبري. (٢٢٣٤).
(٢) أخرجه الطبري (١٨٣٨).
(٣) («المسند » (٣٢٥/١)
(٤) أخرجه الطبري (٢١٦١) .

١٦٩
٣٠ - باب : الصلاة من الإيمان
کتاب الإيمان
وقال قتادةُ (١): صلت الأنصارُ قبلَ قدومِهِ وَّهِ المدينةَ نحوَ بيتِ المقدسِ
حولینِ .
واستدلَّ من قالَ: إنما صلَّى النبيِّ وَّهِ إلى بيتِ المقدسِ ستةَ عشرَ شهراً(٢)،
أو سبعةَ عشرَ شهراً ، فدلَّ على أنه لم يصلِّ إليه غيرَ هذه المدة .
ولكن قد يقال : إنه إنما أرادَ بعدَ الهجرةِ .
ويدلُّ عليه - أيضًا -: أن جبريلَ صلَّى بالنبيِّ نَّ أولَ ما فُرضتِ الصلاةُ
عند بابِ البيتِ، والمصلِّي عند بابِ البيتِ لا يستقبلُ بيتَ المقدسِ، إلا أن ينحرفَ
عن الكعبةِ بالكليَّةِ ، ويجعلُها عن شمالِه، ولم ينقلْ هذا أحدٌ [ ...... ] (٣).
وهؤلاءِ ؛ منهم مَن قال : ذلك كان باجتهادٍ منه لا بوحيٍ ، كما تقدمَ عن
ابنِ زیدٍ .
وكذا قالَ أبو العاليةَ : إنه صلَّى إلى بيتِ المقدسِ يتألفُ أهلَ الكتابِ (٤).
وفي ((صحيحِ الحاكمِ ))(٥) عن ابن جريجٍ ، عن عطاءٍ ، عن ابنِ عباسٍ :
﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، فاستقبلَ
رسولُ اللهِ وَلِّ، فصلَّى نحوَ بيتِ المقدسِ، وتركَ البيتَ العتيقَ، فقال اللهُ
تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّأَهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾
(١) أخرجه الطبري (٢١٦٣) و (٢٢٠٣).
(٢) الظاهر أن سقطًا وقع هاهنا .
وتقدير الكلام: ((واستدل من قال: إنما صلى النبي و 98 [ قبل الهجرة إلى الكعبة، ولم
يصل إلى بيت المقدس بقول البراء: صلَّى النبي ◌َ﴿ قِبَل بيت المقدس ] ستة عشر
شهراً ... )). ويكون الساقط ما بين المعقوفين . واللَّه أعلم .
(٣) بياض بالأصل.
(٤) أخرجه الطبري (٢١٥٩).
(٥) ((المستدرك)) (٢٦٧/٢ - ٢٦٨).

١٧٠
حديث : ٤٠
كتاب الإيمان
[البقرة: ١٤٢]، يعنونَ: بيت المقدسِ، فنسخَها اللهُ وصرفَه إلى البيتِ العتيقِ.
وقال : صحيحٌ على شرطِهما .
وليس كما قال ؛ فإنّ عطاءً هذا هو الخُراسانيُّ ، ولم يلقَ ابنَ عباسٍ .
كذا وقعَ مصرَّحًا بنسبته في (( كتاب الناسخِ والمنسوخِ )) لأبي عبيدٍ ، ولابنِ
أبي داودَ ، وغيرِهما .
وقولُ البراءِ : ((وكانَ أولَّ صلاة صلاها العصرَ)).
يعني : إلى الكعبةِ ، بعدَ الهجرةِ .
وقد رُوى عن عمارةَ بنِ أوسٍ - وكانَ قد صلَّى القبلتينِ - ، قال : كنَّا في
إحدى صلاِي العشيِّ ونحنُ نصلّي إلى بيتِ المقدسِ ، وقد قضيْنَا بعضَ
الصلاة ، إذْ نادَى منادٍ بالبابِ : إن القبلةَ قد حُوّلَتْ ، فأشهدُ على إمامنا أنَّه
تحرَّف .
خرجه الأثرمُ وغيرُهُ(١).
وخرج الأثرمُ وابنُ أبي حاتمٍ (٢) من حديثٍ تُوَيْلة بنت أسلمَ ، قالت : صليتُ
الظهرَ - أو العصرَ - في مسجدٍ بني حارثةَ ، فاستقبلْنَا مسجدَ إيلياءَ ، فصليْنَا
سجدتينِ، ثمَّ جاءنَا مَن يخبرُنًا أنَّ رسولَ اللهِ وَِّ قِدِ استقبلَ البيتَ الحرامَ ،
فتحولَ النساءُ مكان الرجال ، والرجالُ مكانَ النساءِ ، فصَلَينا السجدتينِ الباقيتينِ ،
ونحنُ مستقبلو البيتِ الحرامِ .
وقد رُوي أن هذه الصلاةَ كانت صلاةَ الفجرِ :
(١) أورده الحافظ في ((الإصابة)) (٤/ ٥٧٧) وعزاه لابن أبي خيثمة والبغوي من طريق قيس بن
الربيع ، عن زياد بن علاقة ؛ عن عمارة بن أوس .
(٢) أخرجه الطبراني في «الكبير» (٢٤ / ٢٠٧) مختصراً بمعناه .
وراجع (الإصابة)) للحافظ (٥٤٦/٧).
٢٪

١٧١
٣٠ - باب : الصلاة من الإيمان
کتاب الإيمان
ففي ((الصحيحين))(١)، عن ابن عمَر ، قال: بينا الناسُ بقباء في صلاةٍ
الصبحِ، إذ جاءَهم آتٍ، فقال: إنَّ رسولَ اللهِ ﴿ قد أنزلَ عليه الليلةَ قرآنٌ،
وقد أُمِر أن يستقبلَ الكعبةَ ، فاسْتَقْبِلُوها ، وكانت وجوهُهم إلى الشامِ ،
فاستدارُوا إلى الكعبةِ .
وخرجَ مسلمٌ (٢) - معناه - من حديث أنسٍ - أيضًا .
وقد قيلَ - في الجمع بينَ الأحاديثِ - : إن التحويلَ كان في صلاةِ العصرِ ،
ولم يبلغْ أهلَ قباءَ إلا في صلاةِ الصبحِ .
وفيه نظرٌ .
وقيل : إن تلكَ الصلاةَ كانتِ الظهرَ .
وقد خرَّجه النسائيُّ في (( تفسيرِه »(٣) من حديث أبي سعيدِ بنِ المعلَّى، عن
النبي وَله .
ورُوي عن مجاهدٍ .
وحديثُ البراءِ: يدلُّ على أنَّ النبيِ نَّهِ صلَّى صلاةَ العصرِ كلَّها إلى
الكعبةِ ، وأن الذينَ صلَّوْا إلى بيتِ المقدسِ ثمَّ استدارُوا إلى الكعبةِ هُم قومٌ
كانوا في مسجدٍ لهم ، وراءَ إمامٍ لهم ، وفي حديثِ ابنِ عمرَ : أنهم أهلُ مسجدٍ
قباء ، وفي حديثٍ تويلة : مسجد بني حارثةَ .
وقد رُوي أنَّ النبيَّ وَلِّ ومَن صلَّى معه هم الذينَ استدارُوا في صلاتِهِم ،
وأن الكعبةَ حُوَّتْ في أثناءِ صلاتِهِم(٤) .
(١) البخاري (٣٩٩) ومسلم (٦٦/٢) .
٠٠
(٢) مسلم (٦٦/٢) .
(٣) ((السنن الصغرى)) (٥٥/٢) مختصرًا .
(٤) أخرجه الطبري في ((تفسيره)) (٢١٥٥) من حديث أنس بن مالك.
وأيضًا (٢١٥٣) من حديث البراء بن عازب.

١٧٢
حديث : ٤٠
کتاب الإیمان
وقد رُوي نحوُهُ عن مجاهدٍ وغیرِه (١).
وقد ذكرَ ابنُ سعدٍ في (( كتابه))(٢)، قال: يقال: إن رسولَ اللهِ وَلقوله صلَّى
ركعتينِ منَ الظهرِ في المسجد بالمسلمينَ ، ثم أُمرَ أن يتوجَّه إلى المسجد
الحرامِ، واستدارَ إليه ودارَ معه المسلمونَ، ويقال: بل زارَ رسولُ اللهِ وَفيه
أمَّ بشرِ بنِ البراءِ بنِ معرورٍ في بني سلمةَ ، فصنعتْ لهم طعامًا ، وكانت الظهرُ ،
فصلَّى رسولُ اللهِ وَّهِ بأصحابِه ركعتينٍ ، ثم أُمرَ أن يوجُّه إلى الكعبة ، فاستدار
إلى الكعبةِ ، واستقبلَ الميزابَ ، فسُمِّيَ المسجدُ مسجدَ القبلتينِ .
وحَكَى عن الواقديِّ ، أنه قال : هذا الثبتُ عندنا.
وروى أبو مالكِ النخَعِيُّ عبدُ الملكِ بنُ حسينٍ ، عن زيادِ بنِ عِلاقةَ ، عن
عمارةَ بنِ رُويبةَ ، قال: كنَّا معَ رسولِ الله وَّ في إحدى صلاتِي العشيُّ، حين
صُرُفتِ القبلةُ، فدارَ النبيُّ وَِّ ودُرْنا معه في ركعتينٍ .
خرجه ابنُ أبي داودَ (٣).
وأبو مالك ، ضعيفٌ جدّاً.
والصوابُ : روايةُ قيسِ بنِ الربيعِ ، عن زيادِ بنِ علاقةَ ، عن عمارةَ بنِ
أوسٍ ، وقد سبق لفظُه .
وروى عثمانُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنا أنسُ بنُ مالك ، قال : انصرفَ رسولُ الله
وَلٌ نحوَ بيت المقدسِ وهو يصلّي الظهَر ، وانصرفَ بوجهِه إلى القبلةِ .
خرجه البزارُ (٤) وغيرُهُ .
(١) الطبري (٢٢٠٤) من حديث السدي .
-
(٢) ((الطبقات)) (٢/١/ ٣- ٤).
(٣) أورده الحافظ في ((الإصابة)) (٤/ ٥٧٧). وعزاه للطبراني من حديث عبد الملك بن حسين ،
عن زياد بن علاقة ، عن عمارة بن رويبة .
(٤) ((كشف الأستار)) (٤٢٠).
1

١٧٣
٣٠ - باب : الصلاة من الإيمان
كتاب الإيمان
وعثمانُ هذا ، تُكِلِّم فيه .
وخرجَ الطبرانيُّ (١) من روايةٍ عمارةَ بنِ زاذانَ ، عن ثابتٍ ، عن أنسٍ ،
قال: صُرُفَ النبيُّ وَّوَ عن القبلةِ وهم في الصلاةِ ، فانحرَفُوا في ركوعِهم.
وعمارةُ ، ليسَ بالقويِّ .
وخالفَه حماد بُنُ سلمةَ، فروى عن ثلبتِ، عن أنسٍ، أنَّ رسولَ اللهِ وَهـ
كانَ يصلّي نحوَ بيتِ المقدسِ ، فنزلت: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَّاءِ﴾
[البقرة: ١٤٤] الآيةَ، فمرَّ رجلٌ من بني سلمةَ وهم ركوعٌ في صلاةِ الفجرِ ،
فنادَى: ألا إنَّ القبلةَ قد حُوَّلِت ، فمالُوا كما هُمْ نحوَ القبلةِ .
خرجه مسلمٌ (٢).
وهذا هوالصحيحُ .
فإن كانَ التحويلُ قد وقعَ في أثناءِ الصلاةِ، وقد بنى النبيِّ رَِّ على ما مضى
من صلاتِه إلى بيتِ المقدسِ ؛ استدلَّ بذلك على أن الحكمَ إذا تحولَ المصلِّي
في أثناءِ صلاتِه انتقلَ ما تحولَ إليه ، وبنى على ما مضَى من صلاتِه .
فيدخلُ في ذلك الأمَةُ إذا أُعتِقتْ في صلاتِها وهي مكشوفةُ الرأسِ ، والسترة
قريبةٌ ، والمتيممُ إذا وجدَ الماءَ في صلاتِه قريبًا ، وقدرَ على الطهارةِ به ،
والمريضُ إذا صلَّى بعضَ صلاتِه قاعدًا ، ثم قدرَ على القيامِ .
وإن كانَ التحويلُ وقِعَ قبلَ صلاةِ النبيِّ بَّرِ بأصحابِهِ ، ولكن لم يبلغْ غيرهم
إلا في أثناءِ صلاتِهِم فبنَوْا ؛ استدلَّ به على أن من دخلَ في صلاتِه باجتهادٍ سائغِ
إلى جهةٍ ، ثمَّ تبين له الخطأ في أثناءِ الصلاةِ ، أنه ينتقلُ ويبني .
ويستدلُّ به على أن حكمَ الخطابِ لا يتعلقُ بالمكلَّفِ قبلَ بلوغِه إياهُ .
(١) الطبراني في ((الصغير)) (١٤٥/١).
(٢) ((الصحيح)) (٦٦/٢) .

١٧٤
حديث : ٤٠
كتاب الإيمان
ويستدلُّ به - على التَّقْدِيرَينِ - على قبولِ خبرِ الواحدِ الثقةِ في أمور
الدياناتِ ، مع إمكانِ السماعِ منَ الرسولِ وَ له بغيرِ واسطةٍ، فمع تعذرِ ذلكَ أولَى
وأحرى .
وما يقالُ من أنَّ هذا يلزمُ منه نسخُ المتواتِرِ - وهو الصلاةُ إلى بيتِ
المقدسِ - بخبرِ الواحدِ ، فالتحقيقُ في جوابه : أن خبرَ الواحدِ يفيدُ العلمَ إذا
احتفتْ به القرائنُ ، فنداءُ صحابيٌّ في الطرقِ والأسواقِ بحيثُ يسمعُهُ المسلمونَ
كلُّهم بالمدينة، ورسولُ اللهِ وَ لِّ بها موجودٌ لا يتداخلُ مَن سمِعَهَ شكُّ فيه أنه
صادقٌ فيما يقولُه وينادِي به . واللهُ أعلمُ .
وقولُ البراءِ : (( إنه ماتَ على القبلةِ قبلَ أن تُحوَّل رجالٌ وقتلُوا ، فلم ندرِ ما
نقولُ فيهم، فأنزلَ الله: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]).
فهذا خرَّجه مسلمٌ (١) من طريقِ إسرائيلَ ، عن أبي إسحاقَ ، عنِ البراءِ -
أيضًا .
ورواه شريكٌ ، عن أبي إسحاقَ ، عن البراءِ(٣) - موقوفًا - في قوله تعالى :
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] قَالَ: صلاتكم إلى بيتِ المقدسِ .
وخرجَ الإمامُ أحمدُ وأبو داود والترمذيُّ (٣) - وصحَّحه - من حديثٍ
سماكِ، عن عكرمةَ ، عنِ ابنِ عباسٍ ، قال: لما وُجُّه النبيُّ ◌ََّ إلى الكعبة،
قالوا : يا رسولَ اللهِ، كيفَ بإخواننا الذين ماتُوا وهُم يصلونَ إلى بيتِ
(١) هذه الرواية ليست في ((الصحيح)) من هذا الطريق، وأخرجه أحمد (٣٠٤/٤) والبخاري
(٣٩٩) والترمذي (٣٤٠) (٢٩٦٢) من طرق ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق به . وانظر :
((تحفة الأشراف)» (٣٩/٢).
(٢) أخرجه الطبري في ((تفسيره)) (٢٢٢٠) و (٢٢٢١).
(٣) أحمد (٣٤٧/١، ٢٩٥، ٣٠٤، ٣٢٢) وأبو داود (٤٦٨٠) والترمذي (٢٩٦٤) من طرق عن
سماك ، عن عكرمة ، به .

١٧٥
٣٠ - باب : الصلاة من الإيمان
کتاب الإيمان
المقدس ؟ فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ الآيةَ
[البقرة: ١٤٣] .
قال عبيدُ اللهِ بنُ موسى : هذا الحديثُ يخبركَ أن الصلاةَ من الإيمانِ .
وهذا هو الذي بوَّبَ عليه البخاريُّ في هذا الموضعِ ؛ ولأجلهِ ساقَ حديثَ
البراء فيه .
وكذلك استدلَّ به ابنُ عيينةَ وغيرُهُ من العلماءِ على أن الصلاةَ من الإيمانِ .
وممَّن رُوي عنه أنه فسَّر هذه الآيةَ بالصلاةِ إلى بيتِ المقدسِ : ابنُ عباسٍ (١) -
من روايةِ العوفيِّ، عنه - وسعيدُ بنُ المسيبِ(٢) وابنُ زيد (٣) والسُّديّ
وغيرُهم (٥) .
وقال قتادةُ والربيعُ بنُ أنسٍ (٦): نزلت هذه الآيةُ لمَّا قال قومُ منَ المسلمينَ :
كيف بأعمالنا التي كنا نعملُ في قبلتنا الأولى ؟
وهذا يدلُّ على أن المرادَ بها الصلاةُ - أيضاً - ؛ لأنها هي التي تختص
بالقبلةِ من بينِ الأعمالِ ، ولم يذكرْ أكثرُ المفسرينَ في هذا خلافًا ، وأن المرادَ
بالإيمانِ هاهنا الصلاةُ ؛ فإنها عَلمُ الإيمانِ وأعظمُ خصالِه البدنيةِ .
وروى ابنُ إسحاقَ : حدثني محمدُ بنُ أبي محمدٍ ، عن عكرمةَ - أو سعيد
ابنِ جبيرٍ - ، عن ابنِ عباسٍ ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾، قال: أيْ بالقبلة
الأولَى، وتصديقِكم نبيِّم ، واتِّباعه إلى الآخرةِ ، أي : ليعطينَّكم أجرَهما
(١) أخرجه الطبري (٢٢٢٧).
(٢) الطبري (٢٢٢٩) .
(٣) الطبري (٢٢٢٨) .
(٤) الطبري (٢٢٢٤) .
(٥) الطبري (٢٢٢٦) من حديث ابن جريج ، عن داود بن أبي عاصم به .
(٦) الطبري (٢٢٢٣) من حديث قتادة ، (٢٢٢٥) من حديث الربيع .

١٧٦
حديث : ٤٠
کتاب الإيمان
جميعًا (١)، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣].
وعن الحسنِ في هذه الآيةِ، قال: ما كانَ اللهُ ليضيعَ محمدًاً وَلهو
وانصرافَكم معه حيثُ انصرفَ، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾(٢) [البقرة: ١٤٣].
وهذا القولُ : يدلُّ على أن المرادَ بالإيمانِ التصديقُ مع الانقيادِ ، الاتباعُ
المتعلقُ بالقبلتينِ معًا ، فيدخلُ في ذلك الصلاةُ - أيضًا .
(١) أورده الحافظ ابن كثير في ((تفسيره)) (٢٧٨/١) تعليقًا عن ابن إسحاق به.
(٢) ((التفسير)) لابن كثير (٢٧٨/١) تعليقًا عن الحسن البصري به.

١٧٧
٣٦ - باب خوف المؤمن أن يحبط عمله
كتاب الإيمان
فَصْلٌ
قال البخاري
:
٣٦ - بَابُ
خَوْفِ الْمُؤْمِنِ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لاَ يَشْعُرُ
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ الَّيْمِيُّ: مَا عَرَضْتُ قَوْلَي عَلَى عَمَلِي إِلَّ خَشِتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذِّبًا.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَكَةَ : أَدْرَكْتُ ثَلاَئِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَِّّ ◌ِ﴿، كُلُّهُمْ يَخَافُ
النُّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ، مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ : إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ .
وَيُذْكَرُ عَنِ الْحَسَنِ: مَا خَافَهُ إِلَّ مُؤْمِنٌ، وَلاَ أَمِنَهُ إِلَّ مُنَفِقٌ.
وَمَا يُحْذَرُ مِنَ الإِصْرَارِ عَلَى النُّفَاقِ وَالْعِصْيَانِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى :
﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىْ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥].
مرادُ البخاريِّ بهذا البابِ : الردُّ على المرجئة ، القائلينَ بأن المؤمنَ يقطعُ
لنفسِهِ بكمالِ الإيمانِ ، وأن إيمانَه كإيمان جبريل وميكائيلَ ، وأنه لا يخافُ على
نفسِهِ النفاقَ العمليَّ ما دام مؤمنًا .
فذكر عن إبراهيم التيميِّ ، أنه قال : ما عرضتُ قولي على عملي إلا خشيتُ
أن أكونَ مكذِّبًا(١).
وهذا معروفٌ عنه .
وخرَّجه جعفرُ الفريابيُّ، بإسنادٍ صحيحٍ عنه ، ولفظُه : ما عرضت قولي
على عملي إلا خشيتُ أن أكونَ كذابًا .
(١) أخرجه البخاري في ((تاريخه)) (١/١/ ٣٣٥).
ووصله الحافظ في « تغليق التعليق» (٥١/٢).

١٧٨
٣٦ - باب خوف المؤمن أن يحبط عمله
كتاب الإيمان
ومعناه : أن المؤمنَ يصفُ الإيمانَ بقوله ، وعمَلُه يقصرُ عن وصفه ،
فيخشَى على نفسِهِ أن يكونَ عملُهُ مكذّبًا لقولِه .
كما رُوي عن حذيفةَ ، أنه قالَ: المنافقُ الذي يصفُ الإسلامَ، ولا يعملُ به.
وعن عمرَ ، قالَ : إن أخوف ما أخافُ عليكمُ المنافقُ العليمُ . قالوا :
وكيفَ يكونُ المنافقُ عليمًا ؟ قال : يتكلمُ بالحكمةِ ، ويعملُ بالجورِ - أو قال :
بالمنكرِ .
وقال الجعدُ أبو عثمانَ : قلتُ لأبي رجاء العطارديِّ: هل أدركتَ مَنْ أدركتَ
مِن أصحابِ رسولِ اللهِ وَلِّ يخشَونَ النفاقَ؟ قال: نعم، إنِّي أدركتُ بحمدِ اللهِ
منهم صدرًا حسنًا ، نعم شديدًا ، نعم شديدًا - وكان قد أدركَ عمرَ .
وممَّن كان يتعوذُ من النفاقِ ويتخوَّفه من الصحابةِ : حذيفةُ وأبو الدرداء وأبو
أيوبَ الأنصاريُّ .
وأما التابعونَ ، فكثيرٌ :
قال ابنُ سيريَن : ما علىَّ شيءٍ أخوفُ من هذه الآيةِ : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن
يَقُولُ آمنًّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨] .
وقال أيوبُ : كلَّ آيَةٍ في القرآنِ فيها ذكرُ النفاقِ ، فإني أخافُها على نفسي .
وقال معاويةُ بنُ قرةً : كان عُمَرَ يَخْشَاهُ ، وآمنه أنا ؟ !
وكلامُ الحسنِ في هذا المعنى كثيرٌ جدًا، وكذلك كلامُ أئمةِ الإسلامِ بعدَهم.
قال زيدُ بنُ أبي الزرقاءِ ، عن سفيانَ الثوريِّ : خلافُ ما بينَنَا وبينَ المرجئة
ثلاثٌ : نقولُ: الإيمانُ قولٌ وعملٌ ، وهم يقولونَ : الإيمانُ قولٌ ولا عملٌ .
ونقولُ : الإيمانُ يزيدُ وينقصُ ، وهم يقولون : لا يزيدُ ولا ينقصُ . ونحنُ
نقولُ: النفاقُ، وهُمْ يقولونَ : لا نفاقَ .
وقال أبو إسحاقَ الفزاريُّ، عن الأوزاعيِّ : قد خاف عمرُ على نفسِه

١٧٩
٣٦ - باب خوف المؤمن أن يحبط عمله
كتاب الإيمان
النفاقَ ، قال : فقلتُ للأوزاعيِّ: إنهم يقولون: إن عمرَ لم يخَفْ أن يكونَ
يومئذٍ منافقًا حينَ سألَ حذيفةَ (١)، لكن خافَ أن يُبْتَلَى بذلك قبلَ أن يموتَ ؟
قال: هذا قولُ أهلِ البدعِ .
وقال الإمامُ أحمدُ - في روايةِ ابنِ هانىءٍ (٢) - وسئلَ : ما تقولُ فيمن لا
يخافُ النفاقَ على نفسِهِ ؟ فقال : ومن يأمنُ على نفسِهِ النفاقَ ؟
وأصل هذا : يرجعُ إلى ما سبقَ ذكرُهُ من أن النفاقَ أصغرُ وأكبرُ ، فالنفاقُ
الأصغرُ هو نفاقُ العملِ ، وهو الذي خافَه هؤلاءِ على أنفسِهِم ، وهو بابُ النفاقِ
الأكبرِ ، فُيُخْشى على من غلبَ عليه خصالُ النفاقِ الأصغرِ في حياتِه أن يخرِجَه
ذلك إلى النفاقِ الأكبرِ ، حتى ينسلخَ من الإيمانِ بالكليةِ ، كما قال اللهُ تعالى
رو
فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، وقال: ﴿وَنَقَّبَ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ
كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠].
والأثرُ الذي ذكرَه البخاريُّ عن ابن أبي مليكة ، هو معروفٌ عنه ، من رواية
الصلتِ بنِ دینارٍ ، عنه .
وفي الصلتِ ضعفٌ.
وفي بعضِ الرواياتِ عنه ، عنِ ابنِ أبي مليكةً ، قال : أدركتُ زيادةً على
خمسمائةٍ من أصحابِ رسولِ اللهِ وَّارِ، ما ماتَ أحدٌ منهم إلا وهو يخافُ النفاقَ
(١) هذه القصة أخرجها الفسوي في ((تاريخه)) (٧٦٩/٢)، وأنكرها إنكارًا شديدًا على زيد بن
وهب، وتعقبه الذهبى في ((الميزان)) (١٠٧/٢) وابن حجر في ((الإصابة (٦٤٩/٢ - ٦٥٠)
و (( مقدمة الفتح)) (ص ٤٠٤) .
وقد توبع زيد بن وهب عليه عند البزار (٨٣١ - كشف) ، لكنها متابعة غير محفوظة ،
وصنيع هؤلاء الأئمة يدل على ذلك ؛ إذ لو كانت محفوظة كما أنكرها الفسوي على زيد بن
وهب ، أو لاستدل بها الذهبي وابن حجر على الفسوي .
(٢) ((المسائل)) (١٧٦/٢).

١٨٠
٣٦ - باب خوف المؤمن أن يحبط عمله
کتاب الإیمان
(١)
على نفسِهِ (١) .
وأما الأثرُ الذي ذكرَه عن الحسنِ، فقالَ: ((ويُذْكَر عنِ الحسنِ ، قال : ما
خافَه إلا مؤمنٌ، ولا أمنَه إلا منافقٌ ))(٢).
فهذا مشهورٌ عن الحسنِ ، صحيحٌ عنه .
والعجبُ من قولِه في هذا: ((ويُذْكر)). وفي قوله في الذي قبله: ((وقال
ابنُ أبي مليكةَ)) جزمًا .
قال الإمامُ أحمدُ في (( كتاب الإيمانِ )) له: حدثنا مؤملٌ ، قال: سمعتُ حمادَ
ابنَ زيدٍ ، قال : ثنا أيوبُ ، قال : سمعتُ الحسنَ يقول : واللهِ ، ما أصبحَ على
وجهِ الأرضِ مؤمنٌ ، ولا أمسَى على وجهها مؤمنٌ ، إلا وهو يخافُ النفاقَ على
نفسِهِ، وما أمِنَ النفاقَ إلا منافقٌ(٣).
حدثنا روحُ بنُ عبادةَ ، قال : ثنا هشامٌ ، قال : سمعتُ الحسنَ يقولُ :
والله ، ما مضى مؤمنٌ ولا بقي إلا يخافُ النفاقَ، ولا أمنَه إلا منافقٌ (٤).
وروى جعفرُ الفريابيُّ في ((كتاب صِفَةِ المنافقِ))(٥) من حديثِ جعفرَ
ابنِ سليمانَ ، عن معلَّى بنِ زيادٍ ، قال : سمعتُ الحسنَ يحلفُ في هذا المسجد
باللهِ الذي لا إله إلا هو، ما مضَى مؤمنٌ قطُّ ولا بقي إلا وهو من النفاقِ مشفقٌ،
ولا مضَى منافقٌ قطُّ ولا بقيَ إلا وهوَ منَ النفاقِ آمنٌ .
(١) أخرجه البخاري في ((تاريخه)) (١٣٧/٣/١)
ووصله الحافظ في «التغليق)) (٢/ ٥٢ - ٥٣) وعزاه لابن أبي خيثمة في ((تاريخه)) ومحمد
ابن نصر المروزي في كتاب (( الإيمان )) له .
(٢) راجع ((تغليق التعليق» (٥٣/٢ - ٥٤).
(٣) أخرجه الحافظ في ((تغليق التعليق)) (٥٤/٢).
(٤) انظر: ((التغليق)) (٥٤/٢).
(٥) رقم (٨٧).