Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١
١٩ - باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة
كتاب الإيمان
وَغَيْرُهُ أَعْجَبُ إِلَيَّ مِنْهُ، خَشْيَةَ أَنْ يَكْبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ)) .
خرجه من طريقِ : شعيبٍ ، عنِ الزهريِّ .
ثم قال :
رَوَهُ يُونُسُ وَصَالِحٌ وَمَعْمَرٌ وَابْنُ أَخِيِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ .
وقد رواه ابنُ أبي ذئبٍ - أيضًا - ، عن الزهريِّ(١) - كذلك .
ورواه العباسُ الخلالُ ، عن الوليدِ بنِ مُسلمٍ ، عن ابنِ وهب ورِشْدِينَ بنِ
سعدٍ ، عن يونُسَ ، عن الزهريِّ ، عن إبراهيمَ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ ، عن
أبيه، عن النبيِّ ◌َهِ.
وأخْطَئا في ذلك - : نقلَه ابنُ أبي حاتمِ الرازيُّ، عن أبيهٍ(٢).
فهذا الحديثُ محمولٌ عند البخاريِّ على أن هذا الرجلَ كان منافقًا ، وأن
الرسولَ ﴿ نفَى عنه الإيمانَ، وأثبتَ له الاستسلامَ دونَ الإسلامِ الحقيقيِّ ،
وهو - أيضًا - قولُ محمدِ بنِ نصرٍ المروزيٌّ .
وهذا في غايةِ البعدِ ، وآخرُ الحديثِ يرةُّ على ذلك، وهو قولُ النبيِّ وَلِِّ:
(إني لأعطي الرجلَ وغيرُهُ أحبَّ إليَّ منه))؛ فإن هذا يدلُّ على أن النبيَّ ◌َّهِ وَكَلَه
إلى إيمانه ، كما كان يعطي المؤلفةَ قلوبُهم ، ويمنعُ المهاجرين والأنصارَ .
وزعمَ عليُّ ابنُ المدينيِّ في ((كتاب العللِ)) له : أن هذا من بابِ المزاحِ منَ
النبيِّ وَّ؛ فإنه كانَ يمزحُ ولا يقولُ إلا حقًا ، فأوهم سعدًا أنه ليس بمؤمنٍ بل
مسلمٌ ، وهما بمعنّى واحدٍ ، كما يقول لرجلٍ يمازحُهُ - وهو يدَّعي أنه أخٌ
الرجلٍ - ، فيقول : إنما أنتَ ابنُ أبيه ، أو ابنُ أمِّه ، وما أشبه ذلكَ ، مما يوهمُ
الفرقَ ، والمعنَى واحدٌ .
(١) أخرجه أحمد (١٨٢/١) من حديث يزيد، أبنا ابن أبي ذئب، عن الزهري به.
(٢) (( العلل)) لابن أبي حاتم (١٩٤٦).
١٢٢
حديث : ٢٧
كتاب الإيمان
وهذا تعسفٌ شديدٌ .
والظاهرُ - واللهُ أعلمُ -: أن النبيَّ وَِّ زجرَ سعدًا عن الشهادة بالإيمان ؛
لأن الإيمانَ باطنٌ في القلبِ لا اطلاعَ للعبدِ عليه ، فالشهادةُ به شهادةٌ على ظنٍّ ،
فلا ينبغي الجزمُ بذلك، كما قال: ((إن كنتَ مادحًا لا محالةَ ، فقل: أحسبُ
فلانًا كذَا، ولا أزكِّي علَى اللهِ أحدًا)) (١).
وأمرَه أن يشهدَ بالإسلامِ ؛ لأنه أمرٌ مطَّلَع عليه .
كما في (( المسندِ ))(٢) عن أنسٍ - مرفوعًا -: ((الإسلامُ علانيةٌ، والإيمانُ في
القلب )) .
ولهذا كرِه أكثرُ السلفِ أن يطلِقَ الإنسانُ على نفسِهِ أنه مؤمنٌ ، وقالوا : هو
صِفَةُ مدحٍ ، وتزكيةٌ للنفسِ بما غابَ من أعمالِها ، وإنما يشهدُ لنفسِهِ بالإسلامِ ؛
لظهوره .
فأما حديثُ: ((إذا رأيتمُ الرجلَ يعتادُ المسجدَ، فاشهدُوا له بالإيمان )) .
فقد خرجهُ أحمدُ والترمذيُ وابنُ ماجه(٣) من حديثِ درََّجٍ ، عن أبي
الهيثمِ ، عن أبي سعيدٍ - مرفوعًا .
وقال أحمد : هو حديثٌ منكرٌ .
ودراجٌ له مناكيرُ . واللهُ أعلمُ .
وهذا الذي ذكره البخاريَّ في هذا البابِ ، من الآية والحديثِ ، إنما يطابقَ
(١) البخاري (٢٦٦٢) ومسلم (٢٢٧/٨) من حديث أبي بكرة .
(٢) (١٣٤/٣ -١٣٥) من حديث بهز ثنا على بن مسعدة، ثنا قتادة ، عن أنس مرفوعًا به
وفيه : على بن مسعدة ، قال البخاري : فيه نظر
وضعفه أبو داود والنسائي وقال ابن عدي : أحاديثه غير محفوظة .
(٣) أحمد (٦٨/٣، ٧٦) والترمذي (٢٦١٧) (٣٠٩٣) وابن ماجه (٨٠٢) جميعهم من حديث
عمرو بن الحارث وابن لهيعة ، عن دراج به .
١٢٣
١٩ - باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة
كتاب الإيمان
التبويبَ ، على اعتقاده : أنه لا فرقَ بين الإسلامِ والإيمانِ .
وأما على قولِ الأكثرينَ بالتفريقِ بينهما ، فإنما ينبغي أن يُذكرَ في هذا
البابِ قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾
[آل عمران: ٨٣] .
فإنَّ الجمهورَ على أنه أرادَ استسلامَ الخُلقِ كلِّهم له وخضوعَهم ، فأما
المؤمنُ فيستسلمُ ويخضعُ طوعًا ، وأما الكافرُ فإنه يضطرُ إلى الاستسلام عند
الشدائدِ ونزولِ البلاءِ به كرهًا ، ثم يعودُ إلى شركِه عندَ زوال ذلك كلّه ، كما
أخبرَ اللهُ عنهم بذلكَ في مواضعَ كثيرةٍ من القرآنِ .
والحديثُ الذي يطابقُ البابَ - على اختيارِ المفرقينَ بينَ الإسلامِ
والإيمانِ -: قولُ النبيِّ نَّهِ - في ذكر قرينِه من الجنِّ -: ((ولكنَّ اللهَ أعانني
عليه ، فأسلَمُ )) .
وقد رُوي بضمِّ الميمٍ وفتحِها :
فمن رواهُ بضمِّها ، قال : المرادُ : أي : أنا أسلمُ من شرِّه .
ومَن رواه بفتحها ، فمنهم من فسَّرَه بأنه أسلمَ من كفرِهِ ، فصار مسلمًا .
وقد وردَ التصريحُ بذلكَ في روايةٍ خرَّجها البزارُ في ((مسندِه))(١)، بإسناد فيه
ضعفٌ .
ومنهم من فسَّرِه بأنه استسلمَ وخضعَ وانقادَ كرهًا ، وهو تفسير ابن عيينةَ
وغيرِه .
فيطابقُ على هذا ترجمةَ البابِ . واللهُ أعلمُ .
٠
(١) (٢٥٤/٥) .
١٢٤
حديث : ٢٨
کتاب الإيمان
فَصْلٌ
قال البخاريُّ :
قالَ عَمَّارٌ: ثَلاَثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ جَمَعَ الإِيمَانَ : الإِنْصَافُ منْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ
السَّلاَمِ لِلِعَالَمِ ، وَالإِنْفَاقُ مِنَ الإِفْتَارِ .
هذا الأثرُ معروفٌ من روايةِ أبي إسحاقَ ، عن صِلةِ بنِ زُفَر ، عن عمارٍ ،
رواه عنه الثوريُّ وشعبةُ وإسرائيلُ وغيرُهم .
ورُوي عن عبد الرزاقِ ، عن معمرٍ ، عن أبي إسحاقَ - مرفوعًا.
خرجه البزارُ(١) وغيرُهُ .
ورفعُهُ وهمٌ - : قاله أبو زرعةَ وأبو حاتم الرازيَّانِ(٧).
وتردَّدَ أبو حاتم : هل الخطأُ منسوبٌ فيه إلى عبد الرزاقِ ، أو معمرٍ ؟
ومعمرٌ ، ليس بالحافظِ لحديثِ العراقينَ ، كما ذكر ابنُ معينٍ وغيرُهُ .
وقد رُوي - مرفوعًا - من وجهينِ آخرينَ ، ولا يثبتُ واحدٌ منهما (٣).
وإنما ذكرَ البخاريُّ قولَ عمارٍ في (( باب: إفشاءِ السلامِ منَ الإسلامِ )) ؛
لأَنَّه لا يفرقُ بين الإسلامِ والإيمانِ ، كما تقدمَ .
ثم خرَّج البخاريُّ :
٢٨ - حديث: عَبْدِ اللَّهِ بْن عَمْروٍ، قالَ: سُئِلَ النَِّيَُّلِ: أَيُّ الإِسْلاَمِ خَيْرٌ؟
قالَ: ((أَنْ تُطْعِمَ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأَ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ)) .
(١) البزار (٢٣٢/٤). والموقوف، عند عبد الرزاق (٣٨٦/١٠) وابن أبي شيبة في الإيمان
(١٣١) .
(٢) ((العلل)) لابن أبي حاتم (١٩٣١).
(٣) راجع: ((تغليق التعليق)) (٣٦/٢ - ٤٠).
١٢٥
٢٠ - باب: إفشاء السلام من الإسلام
کتاب الإیمان
وقد خرَّجه فيما مضَى(١)، وبوَّب عليه: ((بابُ: إطعامِ الطعامِ منَ
الإسلام ».
وقولُ عمارِ : فيه زيادةٌ على هذا الحديث ، بذكر الإنصافِ منَ النفسِ ، وهو
من أعزِّ الخصالِ ، ومعناه : أن يعرفَ الإنسانُ الحقَّ على نفسِهِ ، ويوفيه من غيرِ
طلبٍ .
وفيه - أيضًا - : زيادةُ الإنفاقِ من الإقتارِ .
ويشهد لفضله: قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىْ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾
[الحشر: ٩]، وقوله: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [آل عمران: ١٣٤].
وفي «المسندِ ))(٢) من حديثِ عليٍّ بنِ أبي طالبٍ ، أن ثلاثةٌ تصدَّقُوا: رجلٌ
كان له ألفُ درهمٍ ، فتصدق بمائةٍ ، وآخرُ كان له مائةٌ ، فتصدق بعشرة ، وآخرُ
كان له عشرةٌ، فتصدقَ بدرهم، فقال النبيِّ وَِّ: ((أنتم في الأجر سواءٌ)).
يعني : أن كلّ منهم تصدَّق بعُشْرِ مالِه ، فاعتبر الباقي بعدَ الصدقةِ ، فمَن
تصدقَ بدرهمٍ وبقي له بعدَه مالٌ كثيرٌ ، ليس كمن تصدقَ بدرهمٍ وبقَي له بعدَه
درهمٌ آخرُ أو درهمانِ .
وروى مسدَّدٌ : حدثنا أبو قدامةَ : ثنا صفوانُ بنُ عيسَى : ثنا محمدُ بنُ
عجلانَ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وٍَّ،
قال: (( سبقَ درهمٌ مائةَ ألف درهم)) . قالوا : يا رسول الله ، وكيف يسبقُ درهمٌ
مائةَ ألفِ درهمٍ ؟ قال: ((رجلٌّ لَه درهمان، فأخذَ أجودَهما فتصدَّق به ، ورجلٌ
له مالٌ كثيرٌ، فأخرجَ مِنْ عرضهِ مائةَ ألف درهم ، فتصدَّق بها » .
(١) (١٢).
(٢) (١ / ٩٦ - ١١٤ - ١١٥).
١٢٦
حديث : ٢٩
كتاب الإيمان
فَصْلٌ
خرَّج البخاري ومسلم :
٢٩ - من حديث: مالك، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارِ ،
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَِّّ ◌َ، قَالَ: (( أُرِيتُ النَّارَ، فَرَآَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ،
بِكُفْرِهِنَّ)) . قيلَ: أَيَكْفُرْنَ (١)؟ قالَ: (( يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ ،
لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ رَأَتْ منكَ شَيْئًا، قالَتْ: مَا رَأَيْتُ منكَ خَيْرًا
قَطُ ».
وقال البخاريُّ :
كُفْرِّدُونَ كُفْرٍ .
والكفرُ ، قد يطلَق ويرادُ به الكفر الذي لا ينقلُ عن الملةِ ، مثلُ كفرانِ
العشيرِ ونحوِه .
وهذا عند إطلاق الكفرِ ، فأمَّا إن وردَ الكفرُ مقيدًا بشيءٍ ، فلا إشكالَ في
ذلك، كقوله تعالى: ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١١٢].
وإنما المرادُ هاهنا : أنه قد يَرِدُ إطلاقُ الكفرِ ، ثم يفسّر بكفرٍ غيرِ ناقلٍ عن
الملة .
وهذا كما قال ابنُ عباسٍ ، في قولِه تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ
فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، قال: ليسَ بالكفرِ الذي يذهبونَ إليه،
إنه ليس بكفرٍ ينقلُ عن الملةِ، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ
الْكَافِرُونَ﴾، كفرٌ دونَ كفرٍ .
(١) في الأصل: ((أيكفرون)) خطأ.
١٢٧
٢١ - باب : كفران العشير ، وكفر دون كفر
کتاب الإيمان
خرجه الحاكمُ (١).
وقال : صحيحُ الإسنادِ .
وعنه في هذه الآيةِ ، قال : هو به كَفَرَ ، وليس كمن كَفَرَ بالله وملائكته
وكتبه ورسله واليوم الآخر.
وكذا قال عطاءً وغيرُه : كفرٌ دونَ كفرٍ .
وقال النخَعيُّ : الكفرُ كفرانِ: كفرٌ باللهِ، وكفرٌ بالمُنْعِمِ(٣).
واستدل البخاريُّ لذلك بحديثِ ابنِ عباسٍ الذي خرجه هاهنا ، وهو قطعةٌ
من حديثٍ طويلٍ، خرجه في ((أبوابِ الكسوفِ))(٣)؛ فإن النبيَّ وَّرِ أطلقَ على
النساءِ الكفرَ ، فسئلَ عنه ، ففسَّرَه بكفرِ العشيرِ .
وحديثُ أبي سعيدٍ في هذا المعنى يشِهِ حديثَ ابنِ عباسٍ .
وقد خرجَ هذا المعنى من حديثِ ابنِ عمرَ ، وأبي هريرةَ - أيضًا .
وفي المعنى - أيضاً -: حديثُ ابن مسعودٍ، عن النبيِّ وَ ارِ، قال:
(( سِبابُ المسلم فسوقٌ، وقتالُهُ كفرٌ )).
وقد خرجه البخاريُّ في موضعٍ آخرَ (٤) .
وكذلك قولُه ◌َله: ((لا ترجعُوا بعدي كفاراً يضربُ بعضكم رقابَ
بعض)»(٥) .
وقولُه: (( من قال لأخيه: يا كافرُ، فقد باءَ بها أحدُهما))(٦).
(١) (٣١٣/٢).
(٢) أي: كفر بالمُنْعم في نِعَمِه. وانظر: شرح الحديث رقم (١٠٣٨).
(٣) (١٠٥٢).
(٤) سيأتي برقم (٤٨).
(٥) البخاري (١٢١) .
(٦) حديث مشهور ، روي عن أبي هريرة وابن عمر .
وهو في البخاري (٦١٠٣) (٦١٠٤) من حديثهما .
١٢٨
حدیث : ٢٩
کتاب الإيمان
وللعلماءِ في هذه الأحاديثِ - وما أشبهَها - مسالكُ متعددةٌ :
منهم : من حملَها على مَن فعل ذلك مستحلاً لذلكَ .
وقد حمل مالكٌ حديثَ : ((من قالَ لأخيه: يا كافرُ )) على الحَرُوريَّةِ ،
المعتقدينِ لكفرِ المسلمينَ بالذنوبِ - : نقله عنه أشهبُ .
وكذلك حملَ إسحاقُ بن راهويهِ حديثَ: (( من أتى حائضًا - أو امرأةً - في
دُبُرُها فقد كفرَ))(١) على المستحلِّ لذلك - : نقلَه عنه حربٌ وإسحاقُ الكوسجُ .
ومنهم : من يحملُها على التغليظِ والكفرِ الذي لا ينقلُ عن الملةِ ، كما تقدم
عن ابنِ عباسٍ وعطاءٍ .
ونقَل إسماعيلُ الشالنجيُ (٢) عن أحمدَ ، وذُكرَ له قولُ ابنِ عباسِ المتقدمُ ،
وسأله : ما هذا الكفرُ ؟ قال أحمدُ : هو كفرٌ لا ينقلُ عن الملَّةِ ، مثلُ الإيمانِ
بعضُهُ دونَ بعضِ ، فكذلكَ الكفرُ ، حتى يجيء من ذلك أمرٌ لا يختلفُ فيه .
قال محمدُ بنُ نصرِ المروزيُّ : واختلفَ من قال من أهلِ الحديثِ : إن
مرتكبَ الكبائرِ مسلمٌ وليسَ بمؤمنٍ : هل يسمَّى كافرًا كفرًا لا ينقلُ عن الملة -
كما قال عطاءٌ : كفرٌ دونَ كفرٍ ، وقالَ ابنُ عباسٍ وطاوسُ : كفرٌ لا ينقلُ عن
الملةِ - ؟ على قولينٍ لهم .
قالَ : وهما مذهبانٍ في الجملة محكيانِ عن أحمدَ بنِ حنبلٍ ، في موافقيه
من أهلِ الحديثِ .
قلتُ : قد أنكرَ أحمدُ - في روايةِ المرُّوذيِّ - ما رُوي عن عبدِ اللهِ بنِ
عَمرو ، أنَّ شاربَ الخمرِ يسمَّى كافرًا ، ولم يُثِتْه عنه ، مع أنه قد رُوي عنه من
وجوهٍ كثيرةٍ ، وبعضُها إسنادُه حسنٌ .
(١) أخرجه أبو داود (٣٩٠٤) وأحمد (٤٠٨/٢ - ٤٧٦).
(٢) نقله عنه محمد بن نصر فى ((تعظيم قدر الصلاة)) (٥٢٧/٢ - ٥٢٨).
١٢٩
٢١ - باب : كفران العشير ، و کفر دون کفر
کتاب الإيمان
ورُويَ عنه مرفوعًا .
وكذلك أنكرَ القاضي أبو يعلَى جوازَ إطلاقِ كفرِ النعمةِ على أهلِ الكبائرِ ،
ونصبَ الخلاف في ذلك معَ الزيديةِ من الشيعةِ والإباضيةِ من الخوارج .
وروايةُ إسماعيلَ الشالنجيِّ عن أحمدَ قد توافقُ ذلكَ ، فمن هنا حكى محمدُ
ابنُ نصرٍ عن أحمدَ في ذلك مذهبينٍ .
والذي ذكرَه القاضي أبو عبدِ اللهِ ابنُ حامدٍ شيخُ القاضي أبي يعلَى ، عن
أحمدَ : جوازُ إطلاقِ الكفرِ والشركِ على بعضِ الذنوبِ التي لا تخرِجُ عن الملةِ ،
وقد حکاهُ عن أحمد .
وقد رُوي عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ، أنه سئلَ : هل كنتُم تسمونَ شيئًا منَ
الذنوبِ الكفرَ أو الشركَ ؟ قال : معاذَ الله ، ولكنَّا نقولُ : مؤمنينَ مذنبينَ.
خرجه محمدُ بنُ نصرٍ وغيرُه .
وكان عمارٌ ينهى أن يقالَ لأهلِ الشامِ الذينَ قاتلوهم بصفِّين : كفروا .
وقال : قولوا فسقوا ، قولوا : ظلموا (١).
وهذا قولُ ابنِ المباركِ وغيرِه من الأئمةِ .
وقد ذكر بعضُ الناسِ أن الإيمانَ قسمان :
أحدُهما : إيمانٌ بالله ، وهو الإقرارُ والتصديقُ به .
والثاني : إيمانٌ للهِ ، وهو الطاعةُ والانقيادُ لأوامرِه .
فنقيضُ الإيمانِ الأولِ الكفرُ ، ونقيضُ الإيمانِ الثاني الفسقُ ، وقد يسمَّى
كفرًا ، ولكن لا ينقلُ عن الملةِ .
وقد وردت نصوصٌ ، اختلفَ العلماءُ في حملها على الكفرِ الناقلِ عنِ
(١) ((تعظيم قدر الصلاة)) (٥٤٦/٢).
١٣٠
حديث : ٢٩
کتاب الإيمان
الملة ، أو على غيرِهِ ، مثلُ الأحاديثِ الواردةِ في كفرِ تاركِ الصلاةِ .
وتردَّد إسحاقُ بنُ راهويهِ فيما وردَ في إتيانِ المرأةِ في دبرِها ، أنه كفرٌ : هلْ
هو مُخرِجٌ عن الدينِ بالكليةِ ، أم لا ؟
ومن العلماءِ : من يتوقَّى الكلامَ في هذه النصوصِ تورعًا ، ويُمُّرها كما
جاءت من غيرِ تفسيرٍ ، مع اعتقادهم أن المعاصي لا تخرِجُ عن الملةِ .
وحكاه ابنُ حامدٍ روايةً عن أحمَد .
ذكرَ صالحُ بنُ أحمَد وأبو الحارثِ : أن أحمَد سئلَ عن حديثِ أبي بكرٍ
الصديقِ : كفرٌ بالله تبرِّي من نسبٍ وإنْ دقَّ، وكفرٌ بالله ادعاءٌ إلى نسبٍ
لا يُعلَمُ .
قال أحدُهما : قالَ أحمدُ : قد رُوي هذا عن أبي بكرٍ ، واللهُ أعلمُ ، وقال
الآخرُ : قال : ما أعلمُ ، قد كتبنَاها هكذاً .
قال أبو الحارث : قيل لأحمَد : حديثُ أبي هريرةَ: ((من أتى النساءَ في
أعجازهِنَّ فقد كفر » ؟ فقال : قد رُوي هذا ، ولم يزدْ على هذا الكلامِ .
وكذا قال الزهريُّ، لمَّا سُئِلَ عن قولِ النبيِّ نَّهِ: ((ليس منَّا من لطمَ
الخدودَ )) (١) - وما أشبهَه من الحديثِ - ، فقال: من الله العلمُ ، وعلى
الرسولِ البلاغُ ، وعلينا التسليمُ .
ونقلَ عبدوسُ بنُ مالك العطارُ ، عن أحمَد ، أنه ذكرَ هذه الأحاديثَ ، التي
وردَ فيها لفظُ الكفرِ ، فقال : نسلِّمُها ، وإن لم نعرفْ تفسيرَها ، ولا نتكلّمُ فيه ،
ولا نفسرُها إلا بما جاءتْ .
ومنهم : مَن فرقَ بين إطلاقِ لفظِ الكفرِ ، فجوَّزه في جميع أنواعِ الكفرِ ،
(١) أخرجه النسائي في ((العشرة)) (١٣١ - ١٣٥) والطبراني في «الأوسط)) (٩١٧٩) من
حديث أبي هريرة .
١٣١
٢١ - باب : كفران العشير ، و کفر دون كفر
کتاب الإيمان
سواءٌ كانَ ناقلاً عن الملةِ أو لم يكنْ ، وبين إطلاقِ اسم الكافرِ ، فمنعَه ، إلا في
الكفرِ الناقلِ عن الملةِ ؛ لأن اسمَ الفاعلِ لا يُشتقَّ إلا منَ الفعلِ الكاملِ .
ولذلك قال في اسمِ المؤمنِ : لا يقالُ إلا للكاملِ الإيمانِ ، فلا يستحقُّه من
كان مرتكبًا للكبائرِ حالَ ارتكابِه ، وإن كانَ يقالُ : قد آمنَ ، ومعه إيمانٌ .
وهذا اختيارُ ابنٍ قتيبةَ .
وقريبٌ منه : قولُ من قالَ : إنَّ أهل الكتابِ ، يقالُ : إنهم أشركُوا ، وفيهم
شِرْكٌ، كما قال تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]، ولا يدخلونَ
في اسمِ المشركينَ عندَ الإطلاقِ ، بل يفرَّقَ بينهم وبينَ المشركينَ ، كما في
قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ١]،
فلا تدخلُ الكتابيةُ في قوله تعالى : ﴿وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَ﴾
[البقرة: ٢٢١] .
وقد نصَّ على ذلك الإمامُ أحمدُ وغيرُه .
وكذلك كرِه أكثرُ السلفِ ، أن يقول الإنسانُ : أنا مؤمنٌ ، حتى يقولَ : إن
شاءَ اللهُ ، وأباحوا أن يقولَ : آمنتُ بالله .
وهذا القولُ حسنٌ ، لولا ما تأوَّلَه ابنُ عباسٍ وغيرُهُ في قولِه تعالَى: ﴿وَمَنْ
لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]. والله أعلم.
١٣٢
حديث : ٣٢
کتاب الإيمان
فَصْلٌ
خرَّج البخاريُّ ومسلمٌ :
٣٢ - من حديث: ابْن مَسْعُود، قالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا
إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]، قالَ أَصْحَبُ رَسُولِ اللَّهِ بِهِ: أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسِهُ؟
فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظَلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].
معنى هذا : أن الظلمَ يختلفُ :
فيه ظلمٌ ينقل عن الملةِ ، كقولِه تعالَى : ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظَلْمٌ عَظِيمٌ﴾
[لقمان: ١٣]، وقوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]؛ فإنَّ
الظلمَ وضعُ الشيءِ في غيرِ موضعِهِ ، وأعظمُ ذلك أن يوضعَ المخلوقُ في مقام
الخالقِ ، ويُجعلَ شريكًا له في الربوبيةِ وفي الإلهيةِ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا
يُشْرِكُونَ .
وأكثرُ ما يردُ في القرآنِ وعيدُ الظالمينَ ، يرادُ به الكفارُ ، كقوله تعالى :
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ - الآيات [إبراهيم: ٤٢]. وقولِه :
﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَىْ مَرَدٍ مِّن سَبِيلٍ﴾ - الآيات
[الشورى: ٤٤]. ومثلُ هذا كثير.
ويراد بالظلمِ ما لا ينقلُ عن الملةِ، كقولِه تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لَنَفْسِهِ وَمِنْهُم
مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢] ، وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّه
فَأُوْلَكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
وحديثُ ابنِ مسعودٍ هذا: صريحٌ في أنَّ المرادَ بقولِه تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا
وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]: أن الظلمَ هو الشركُ.
وجاء في بعضِ رواياتهِ: زيادةٌ: قال: ((إنما هو الشركُ».
١٣٣
٢٣ - باب : ظلم دون ظلم
کتاب الإيمان
وروى حمادُ بنُ سلمةَ ، عن عليٍّ بنِ زيدٍ ، عن يوسُفَ بنِ مهرانَ ، عن ابنٍ
عباسٍ ، أن عمرَ بنَ الخطابِ كانَ إذا دخلَ بيتَه نشرَ المصحفَ فقراً ، فدخل
ذاتَ يومٍ فقرأَ، فأتى على هذه الآيةِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾
[الأنعام: ٨٢] إلى آخر الآية، فانتعلَ وأخذَ رداءَه، ثم أتى أبيَّ بنَ كعبٍ ، فقال :
يا أبا المنذر ، أتيتُ قبلُ على هذِهِ الآية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم
بِظُلْمٍ﴾، وقد ترى أنَّا نظلِمُ ونفعلُ ؟ فقال: يا أميرَ المؤمنينَ ، إن هذا ليسَ
بذلكَ ، يقولُ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] إنَّما ذلك
الشركُ .
خرجه محمدُ بنُ نصرِ المروزيّ
٠
وخرَّجه - أيضًا - من طريقِ حمادِ بنِ زيدٍ ، عن عليّ بنِ زيدٍ ، عن سعيد
ابنِ المسيبِ ، أن عمرَ أتى على هذهِ الآيةِ - فذكره .
وحمادُ بنُ سلمةَ ، مقدَّمٌ على حمادِ بنِ زيدٍ في عليِّ بنِ زيدٍ خاصةً .
وروى - أيضًا(٢) - بإسنادِه ، عن سفيانَ ، عن ابنِ جريجٍ ، عن عطاءٍ ،
قال : كفرٌ دونَ كفرٍ ، وظلمٌ دونَ ظلمٍ ، وفسقٌ دون فسقٍ .
يعني : أن الفسقَ قد يكونُ ناقلاً عن الملة، كما قالَ في حقِّ إبليسَ :
﴿ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ﴾ [الكهف: ٥٠]، وقال: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ
كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ
تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ١٠
وقَدْ لا يكونُ الفسقُ ناقلاً عن الملةِ ، كقولِه تعالى: ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا
شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقولُه في الذينَ يرمونَ
(١) (٥٢٥/٢) .
(٢) (٢/ ٥٢٢).
١٣٤
حديث : ٣٢
کتاب الإيمان
المحصنات : ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًّا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤]،
وقوله : ﴿فَلَا رَفَتَ وَلَا فُسُوْقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجّ﴾ [البقرة: ١٩٧].
وفسَّرَتِ الصحابةُ الفسوقَ في الحجِّ بالمعاصِي كلِّها ، ومنهم من خصَّها بما
يُنهى عنه في الإحرامِ خاصةً .
وكذلك الشركُ ، منه ما ينقلُ عن الملةِ ، واستعمالُه في ذلك كثيرٌ في الكتابِ
والسنة، ومنه ما لا ينقلُ، كما جاءَ في الحديثِ : ((من حلفَ بغيرِ الله فقدْ
أشركَ))(١)، وفي الحديث: ((الشركُ في هذه الأمة أخفَى من دبيب النمل))(٢)،
وسمَّى الرِّيَاءَ شركًا (٣).
وتأوَّلَ ابنُ عباسٍ على ذلك قولَه تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُم
مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]، قال: إن أحدَهم يشركُ حتَّى يشركَ بكلبِه : لولا
الكلبُ لسُرِقنا الليلةَ .
قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَة
رَبِّهِ أَحَدَا﴾ [الكهف: ١١٠] . .
وقد رُوي أنها نزلت في الرياءِ في العمل .
وقيل للحسنِ : يشركُ بالله ؟ قال : لا ، ولكن أشركَ بذلكَ العملِ عملاً
يريدُ به اللهَ والناسَ ، فذلك يُردُّ عليهِ .
(١) الترمذي (١٥٣٥) وأحمد (٨٦/٢ - ٨٧ - ١٢٥) وأصله في مسلم.
(٢) ((المسند)) (٤٠٣/٤) من حديث أبي موسى والبزار (٤١٧/٤ - كشف) من حديث عائشة .
(٣) ((المستدرك)) (٤/١).
١٣٥
٢٩ - باب : الدین یسر
کتاب الإيمان
فَصْلٌ
خرجَ الإمامُ أحمدُ (١) من طريقِ ابنِ إسحاقَ ، عن داودَ بنِ الحصينِ ، عن
عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قيلَ لرسولِ اللهِ وَّهِ: أيُّ الأديانِ أحبُّ إلى الله؟
قال: ((الحنيفيةُ السمحةُ ».
وخرجه الطبرانيُ (٢)، ولفظُه : أيُّ الإسلامِ أفضلُ ؟
وخرَّجه البزارُ في (( مسندِهِ)) (٣)، ولفظُه : أيُّ الإسلامِ - أو أي الإيمانِ -
أفضلُ ؟
وهذا الإسنادُ ، ليس على شرطِ البخاريِّ؛ لأنه لا يَحْتَجُ بابنِ إسحاقَ ،
ولا برواياتِ داودَ بنِ الحصينِ عن عكرمة ، فإنها مناكيرُ عندَ ابنِ المدينيِّ ،
والبخاريُّ لا يخالفُ في ذلك ، وإن كانَ قد خرَّج لهما(٤) منفردّيْنِ .
وخرج البزارُ (٥) هذا الحديثَ من وجهٍ آخرَ ، لكنَّ إسنادَهُ لا يصحُ .
وخرجه الطبرانيُ (٦) من وجهِ ثالثٍ ، ولا يصحُّ إسنادُه - أيضًا .
وخرجَ الإمامُ أحمدُ (٧) من حديثِ ابنِ أبي الزنادِ ، عن أبيه ، عن عروةَ ،
عن عائشةَ، عن النبيِّ وَِّ، قال لها يوم زَفَنَ (٨) الحبشة في المسجدِ: ((لتعلمَ
يهودُ أن في ديننا فسحةً ؛ إني أُرسلتُ بحنيفية سمحة )) .
(١) (٢٣٦/١) .
(٢) ((الأوسط)) (١٠٠٦).
(٣) (٥٨/١ - ٥٩ - كشف).
(٤) أي : عكرمة وداود ، أما ابن إسحاق ، فلم يخرج له شيئًا
(٥) (٥٨/١).
(٦) ((الأوسط)) (٧٣٥١).
(٧) (١١٦/٦ - ٢٣٣) .
(٨) في هامش الأصل: ((أي: لعبوا ورقصوا)).
١٣٦
حديث : ٣٩
کتاب الإيمان
وخرَّج - أيضًا (١) - من روايةٍ مَعَانِ بنِ رفاعةَ، عن عليٌّ بن يزيدَ ، عن
القاسمِ، عن أبي أمامةَ، عن النبيِّ وَّر، أنه قال: ((إنِّي لم أُبعثْ باليهودية ولا
بالنصرانية ، ولكني بعثتُ بالحنيفية السمحةِ ».
إسنادٌ ضعيفٌ .
وخرج البخاريُّ :
٣٩ - من حديث: مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدِ الْغِفَاريِّ، عَنْ سَعِيدِ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ ◌َِّ، قالَ: ((إِنَّالدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَا غَلَهُ،
فَسَدِّدُوا، وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِنُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلِجَةِ)».
وهذا الحديثُ ، تفردَ به البخاريُّ ، وتفرد بالتخريجِ لمعنِ الغفاريِّ .
ومعنى الحديثِ : النهي عن التشديدِ في الدينِ ، بأن يحمِّلَ الإنسانُ نفسه من
العبادة ما لا يحتملُه ، إلا بكلفة شديدة .
وهذا هو المرادُ بقوله {وَله: ((لن يشادَّ الدينَ أحدٌ إلا غَلَبه))، يعني: أن
الدينَ لا يُؤْخذُ بالمغالبةِ ، فمن شادَّ الدينَ غلبَه وقطعَه .
وفي «مسند الإمامِ أحمَد )»(٢)، عن محجنِ بنِ الأدرعِ، قال: أقبلتُ
مع النبيِّ وَ ﴿، حتى إذا كنَّا ببابِ المسجدِ، إذارجلٌ يصلِّي، قال: ((أنقوله
صادقًا؟ )) قلت: يا نبيَّ اللهِ، هذا فلانٌ، وهذا مِن أحسنِ أهلِ المدينةِ -
أو من أكثرِ أهلِ المدينة - صلاةً؟ قال: ((لا تُسمعُه، فتهلكُه )) - مرتینِ
أو ثلاثًا - ؛ ((إِنكم أمةٌ أريدَ بكمُ اليُسر )).
وفي رواية له (٣): قال: ((إن خيرَ دينكم أيسرُهُ، إن خيرَ دينِكم أيسرُهُ )).
(١) (٢٦٦/٥).
(٢) (٣٢/٥).
(٣) (٣٣٨/٤) (٣٢/٥).
١٣٧
٢٩ - باب : الدين يسر
کتاب الإيمان
وفي رواية له - أيضًا (١) -: قال: ((إنكم لن تنالُوا هذا الأمرَ بالمغالبة)).
وخرجه حميدُ بنُ زنجويهِ ، وزاد : ((الكلفُوا منَ العملِ ما تطيقونَ ؛ فإن اللهَ
لا يمَلُّ حتَّى تملُّوا، الغدوة والروحة وشيء منَ الدُّلْجَة ».
وخرجه ابنُ مَرْدُويِهِ ، وعنده : قال : ((إن اللهَ إنما أرادَ بهذه الأمة اليسرَ ،
ولم يرد بها العسرَ )).
وفي ((المسندِ )) - أيضًا(٢) - ، عن بريدَةَ، قال: خرجتُ ، فإذا رسولُ الله
وَّ﴿ يمشي، فلحقتُه، فإذا نَحْن بينَ أيدينا برجلٍ يصلِّي، يكثرُ الركوعَ
والسجودَ، فقال لي: ((أتُراه يُرائي؟ )) قلتُ: اللهُ ورسولُه أعلمُ . قال فتركَ
يده من يدي، ثم جمعَ بين يديهِ ، فجعلَ يصوِّبُهما ويرفعُهما ، ويقولُ: ((عليكم
هديًا قاصدًا، عليكم هديًا قاصدًا، عليكم هديًا قاصدًا؛ فإنه من يشادَّ هذا الدينَ
يغلبُه ».
وفي ((المسند )) - أيضًا (٣) - ، عن عاصمٍ بنِ هلالٍ، عن غَاضِرة بنِ عروةَ
الفقيميِّ، عن أبيه، قال: كنَّا ننتظرُ النبيَّ نَّهِ، فخرجَ فصلَّى، فلما قضَى
الصلاةَ، جعل الناسُ يسألونَه: علينا حرج في كذا؟ فقالَ رسولُ اللهِ وَلِهِ:
((إن دينَ اللهِ في يسرٍ)) - قالَها ثلاثًا .
وفي المعنى : أحاديثُ أخرُ .
وقولُهُ وَّهِ: ((سدِّدُوا، وقاربُوا، وأبشرُوا)):
التسديدُ ، هو : إصابةُ الغرضِ المقصودِ ، وأصلُه من تسديدِ السهمِ ، إذا
أصابَ الغرضَ المرمِيَّ إليه ولمْ يُخْطِئْهِ .
٠
(١) (٤/ ٣٣٧).
(٢) (٤/ ٤٢٢) (٥/ ٣٥٠).
(٣) (٦٩/٥).
١٣٨
حديث : ٣٩
كتاب الإيمان
والمقاربةُ : أن يقاربَ الغرضَ ، وإن لم يُصِبْه ، لكن يكون مجتهدًا على
الإصابةِ ، فيصيبُ تارةً ويقاربُ أخرى .
أو تكونُ المقاربةُ لمن عجزَ عن الإصابةِ ، كما قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا
0 80- 10
استطعتم﴾ [التغابن: ١٦]، وقال النبيّ وَ لّ: ((إذا أمرتكم بأمر فأتُوا منه ما
استطعتُم ))(١).
وفي ((المسندِ)) و((سنن أبي داودَ))(٢) عن الحكمِ بنِ حزنِ الكُلَفيِّ ، أنه
سمعَ النبيَّ ◌َّهِ يقولُ على المنبرِ يومَ الجمعةِ: ((أيها الناسُ، إنكم لن تطيقُوا -
أو : لن تفعلُوا - كلَّ ما أمرتُكم، ولكنْ سدِّدُوا وأبشرُوا)) .
وقيل : أرادَ بالتسديدِ : العملَ بالسدادِ ، وهو القصدُ والتوسطُ في العبادةِ ،
فلا يقصّرُ فيما أُمَرَ به ، ولا يتحمَّل منها ما لا يطيقُه .
قال النضرُ بنُ شُمَيَلٍ : السدادُ القصدُ في الدينِ والسبيلِ .
وكذلك المقاربةُ ، المرادُ بهما التوسطُ بينَ التفريطِ والإفراط ، فهما كلمتان
بمعنی واحدٍ .
وقيل : بل المرادُ بالتسديدِ : التوسطُ في الطاعاتِ بالنسبةِ إلى الواجباتِ
والمندوباتِ ، وبالمقاربةِ : الاقتصارُ على الواجباتِ .
وقيل فيهما غيرُ ذلك .
وقوله: ((أبشروا)) ، يعني : أن من قصدَ المرادَ فليبشر .
وخرج البخاريُّ في موضع آخرَ من ((صحيحِهِ))(٣) ، من حديث عائشةَ ، أنَّ
النبيِّ وَ﴿ قال: ((سددُوا، وقاربُوا، وأبشرُوا)).
(١) مسلم (١٠٢/٤).
(٢) ((المسند)) (٢١٢/٤) وأبو داود (١٠٩٦).
(٣) (٦٤٦٧).
١٣٩
٢٩ - باب : الدين يسر
کتاب الإيمان
وقوله : ((واستعينُوا بالغَدْوة والرَّوْحة وشيء من الدُّلْجَة))، يعني:
أن هذه الأوقات الثلاثةَ أوقاتُ العملِ والسيرِ إلى اللهِ ، وهى أولُ النهارِ
وآخرُهُ وآخرُ الليلِ، فالغَدْوةُ أولُ النهارِ ، والرَّوحةُ آخرُهُ ، والدُّلْجةُ سيرُ
آخرِ الليلِ .
وفي ((سنن أبي داودَ))(١) عن النبيِّ وَِّ، قال: ((إذا سافرتمْ فعليكم
بالدُّلْجَة ؛ فإنَّ الأرضَ تُطوى بالليلِ)) .
فسيرُ آخرِ الليلِ محمودٌ في سيرِ الدنيا بالأبدانِ ، وفي سيرِ القلوبِ إلى اللهِ
بالأعمالِ .
وخرج البخاريُّ هذا الحديثَ في أواخرِ ((كتابه))(٢)، وزاد فيه: ((والقصدَ
القصدَ تبلُغُوا )).
يعني : أن من دامَ على سيرِهِ إلى اللهِ في هذه الأوقاتِ الثلاثةِ ، مع الاقتصادِ
بلغَ ، ومن لم يقتصدْ ، بل بالغَ واجتهدَ ، فربما انقطعَ في الطريقِ ولم يبلغْ .
وقد جاءَ من روايةِ عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ - مرفوعًا - ((إنَّ هذا الدينَ
متينٌ ، فأوغلْ فيه برفق ، ولا تُبَغِّضْ إلى نفسك عبادةَ الله ؛ فإن المنبتَّ لا سفرًا
قطعَ، ولا ظهراً أبقى ))(٣).
والمنبتُّ ، هو : المنقطِعُ في سفرِهِ قبلَ وصولِه ، فلا سفرَه قطعَ ،
ولا ظهَرَه الذي يسيرُ عليه أبقى ، حتى يمكنَه السيرُ عليه بعدَ ذلكَ ، بل هو
كالمنقطعِ في المفاوزِ ، فهو إلى الهلاكِ أقربُ، ولو أنه رفقَ براحلتِه واقتصَد في "
سيرِه عليها لقطعتْ به سفَرَه ، وبلغ إلى المنزلِ .
(١) (٢٥٧١) .
(٢) (٦٤٦٣).
(٣) البيهقي (١٩/٣).
١٤٠
حديث : ٣٩
كتاب الإيمان
کما قال الحسنُ : نفوسكم مطایاگُمْ ، فأصلِحُوا مطایاکم تبلغکم إلى ربكم
عزَّ وجلَّ . واللهُ أعلمُ .