Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ ٧ - باب : من الإيمان أن يحبَّ لأخيه ما يجبُّ لنفسه كتاب الإيمان فَصْلٌ خرَّج البخاريُّ ومسلمٌ : ١٣ - من حديث: قَتَادَةَ، عَن أَنَسٍ، عَنِ النَِّّبَّهِ، قَالَ: ((لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حتّى يُحِبَّ لأَخِهِ مَا يُحِبُ لِنَفْسِهِ» . لمَّا نفى النبيُّ ◌َ ﴿ الإيمانَ عمَّن لم يحبَّ لأخيه ما يحب لنفسه، دلَّ على أن ذلك من خصال الإيمان ، بل من واجباته ، فإنَّ الإيمانَ لا يُنفى إلا بانتفاءِ بعض واجباته ، كما قال: ((لاَ يزْنِى الزََّنِي حينَ يزني وَهُو مُؤْمِنٌ)) - الحديث. وإنما يحب الرجل لأخيه ما يحبُّ لنفسه إذا سَلِمَ من الحسد والغلِّ والغشِّ والحقد، وذلك واجب، كما قال النبي ◌َّهِ: ((لاَ تدْخُلُوا الجنَّةَ حتَّى تُؤْمنُوا، وَلاَ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا)) (١). فالمؤمن أخو المؤمن ، يُحب له ما يُحب لنفسه ، ويُحزنه ما يُحزنه ، كما قال ◌َّهِ: ((مَثَلُ المؤمنين في توادِّهِمْ وَتَعاطُفِهِمْ كمَثَلِ الجَسَدِ الواحِدِ، إِذَا اشْتكى مِنْهُ عِضْوٌ تَدَعِى سَائِرُ الجَسَدِ بالحُمَّى والسَّهَرِ))(٢) . فإذا أحبَّ المؤمن لنفسه فضيلةً من دينٍ أو غيره ، أحبَّ أن يكونَ لأخيه نظيرُها ، من غير أن تزولَ عنْه . كما قالَ ابن عباس : إني لأمرٌ بالآية من القرآنِ فأفهمها ، فأودُّ أنَّ الناسَ كلَّهم فهموا منها ما أفهمُ . وقال الشافعي : ودِدْتُ أنَّ الناس كلَّهم تعلَّموا هذا العلمَ ، ولم ينسبْ إليَّ (١) أخرجه مسلم (٥٣/١) من حديث أبي هريرة. (٢) البخاري (٦٠١١) ومسلم (٨/ ٢٠) من حديث النعمان بن بشير . ٤٢ حديث : ١٣ كتاب الإيمان منه شيء . فأما حب التفردِ عن الناسِ بفعلٍ دينيٌّ أو دنيويٌّ فهو مذموم . قال الله تعالى: ﴿تلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيَدُونَ عَلَوَّا فِي الأَرْضِ وَلَا فَسَادَا﴾ [القصص: ٨٣]. وقد قال عليٌّ : وغيره : هو أن لا يحبّ أن يكون نعلُه خيرًا من نعلٍ غيره ، ولا ٹوبُه خيراً من ثوبه. وفي الحديث المشهور فى ((السنن)) (١): (( مَنْ تعلَّمَ العلَم ليباهي به العلمَاءَ ، أو يمارِي به السُّفَهَاءَ، أو يصْرِفَ به وجوهَ النَّاسِ إليه؛ فليتبوأْ مَقْعَدَه من النارِ)) . وأمَّا الحديث الذي فيه : أنَّ رجلاً سأل النبى بَّهِ، فقالَ: إِنِّي أحبُّ الجمَالَ ، وما أحبُّ أن يفوقَني أحد بشراكِ - أو بشسع - نعلي ، فقال له النبيُّ وَبِّهِ: ((لَيْسَ ذَلكَ منَ الكِبْر)»(٢)، فإنَّما فيه أنه أحبَّ أن لا يعلوَ عليه أحد ، وليس فيه محبة أن يعلوَ هو على الناسِ ، بل يصدقُ هذا أن يكون مساويًا لأعلاهم ، فما حصل بذلك محبّة العلو عليهم ، والانفراد عنه. فإنْ حصل لأحد فضيلةٌ خصصه الله بها عن غيره ، فأخبر بها على وجه الشكر، لا على وجه الفخر، كان حسنًا، كما كان النبى وَ له يقول: ((أَنَا سَيِّدُ وَلَدَ آدَمَ وَلاَ فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَلاَ فَخْرَ ))(٣). وقال ابن مسعود : لو أعلمُ أحدًا أَعْلمُ بكتابِ الله منِّي ، تبلغه الإبلُ ، لأتيتُه . (١) ابن ماجه (٢٥٣). (٢) أحمد (٣٨٥/١ - ٤٢٧) وأبو داود (٤٠٩٢). (٣) مسلم (٥٩/٧). ٤٣ ٨ - باب: حُبُّ الرسول ◌َ﴾ من الإيمان کتاب الإيمان فَصْلٌ خرَّج البخاريُّ ومسلم (١): ١٤ - من حديث: أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النِّّ: ﴿، قَالَ: (( وَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلِدِهِ وَوَلَدِهِ » . وخرج البخاري ومسلم (١) - أيضًا : ١٥ - من حديث: أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ: ((لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمِعِينَ)) . محبةُ النبيِ وَِّ من أصول الإيمان ، وهى مقارنة لمحبةِ اللهِ عز وجلَّ. وقد قرنها الله بها وتوعَّد من قدَّم عليهما محبةَ شيء من الأمورِ المحبوبة طبعًا ، من الأقارب والأموال والأوطان وغير ذلك . فقال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤]. ولما قال عمر للنبي وَّ : أنتَ أحبُّ إليَّ من كلِّ شيءٍ ، إلا من نفسي. فقال: ((لاَ يَا عُمَرُ، حَتَّى أكونَ أحبَّ إليكَ منْ نفسكَ)). فقال عمر : والله، أنتَ الآنَ أحبُّ إليَّ من نفسي. قال: ((الآنَ يَا عُمَرُ ))(٢). فيجبُ تقديمُ محبةِ الرَّسُولِ وََّ على النفوسِ والأولادِ والأقاربِ والأهلينَ والأموالِ والمساكنِ ، وغير ذلك مما يحبه الناس غاية المحبة. (١) (١/ ٤٩). (٢) البخاري (٦٦٣٢) وأحمد (٢٣٣/٤ - ٢٣٦). ٤٤ حديث : ١٤ - ١٥ کتاب الإيمان وإنما تتمُّ المحبة بالطَّاعة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. وسئل بعضهم عن المحبة ، فقال : الموافقة في جميعِ الأحوالِ . فعلامةُ تقديمٍ محبةِ الرسولِ على محبةٍ كلِّ مخلوقٍ ، أَنَّه إذا تعارضَ طاعةُ الرسولِ وَ﴿ في أوامرِه، وداعٍ آخر يدعو إِلى غَيْرِهَا من هذه الأشياءِ المحبوبَةِ، فإنْ قدَّم المرءُ طاعَة الرسولِ ، وامتثالَ أوامرهِ على ذلك الداعي ، كان دليلاً على صحَّةٌ محبته للرسولِ ، وتقديمِها على كل شيءٍ ، وإن قدَّم على طاعته وامتثال أوامرِه شيئًا من هذه الأشياء المحبوبة طبعًا ، دلَّ ذلك على عدم إتيانِهِ بالإيمان التامِّ الواجبِ عليه. وكذلك القولُ في تعارضِ محبة الله ومحبة داعي الهوى والنفس ، فإن محبةً الرسولِ تبعٌ لمحبة مرسلهِ عز وجل . هذا كله فى امتثالِ الواجباتِ ، وتركِ المحرماتِ ، فإن تعارض داعي النفس ومندوبات الشريعة ، فإنْ بلغتِ المحبةُ إلى تقديمِ المندوباتِ على دواعي النفسِ ، كان ذلك علامة كمال الإيمان ، وبلوغه إلى درجةِ المقربينَ المحبوبينَ ، المتقربينَ بالنوافلِ بعد الفرائضِ . وإنْ لم تبلغْ هذه المحبةُ إلى هذِهِ الدرجةِ ، فهي درجةُ المقتصدينَ ، أصحابِ اليمين ، الذين كملتْ محبتهُم الواجبةُ ، ولم يزيدوا عليها . ٤٥ ٩ - باب : حلاوة الإيمان کتاب الإيمان فَصْلٌ خرج البخاريُّ ومسلمٌ : ١٦ - من حديث: أَبِي قلابَةَ، عَنْ أَنَسِ، عَنِ النَّبِّ ◌َّهِ، قَالَ: (( ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَهُمَا، وَأَنْ يُحِبّ المَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلَّلِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَةَ أَنْ يَعُوَدَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ)). وقد خرجه مسلم(١)، وعنده - في رواية -: ((فقَدْ وجَدَ طَعْمَ الإِيمانِ)) . وجاء في رواية: ((وجدَ طعمَ الإِيمانِ وحَلاوَتَه )) . فهذه الثلاث خصالٍ من أعلى خصالِ الإيمانِ ، فمن كمَّلها فقد وجدَ حلاوةَ الإيمانِ وطَعِمَ طَعْمَه . فالإيمان له حلاوة وطعم تذاق بالقلوب ، كما تذاق حلاوة الطعام والشراب بالفَمِ ؛ فإن الإيمان هو غذاء القلوب وقُوتها ، كما أن الطعام والشراب غذاء الأبدان وقوتها. وكما أن الجسدَ لا يجدُ حلاوةَ الطعام والشراب إلا عند صحّته ، فإذا سقمَ لم يجدْ حلاوةَ ما ينفعه من ذلك ، بل قد يستحلي ما يضرّه ، وما ليس فيه حلاوة ؛ لغلبة السَّقْم عليه. فكذلك القلب إنما يجد حلاوةَ الإيمان إذا سلم من أسقامه وآفاته ، فإذا سلمَ من مرض الأهواء المضلَّة والشهواتِ المحرمةِ وجدَ حلاوةَ الإيمانِ حينئذٍ ، ومتى مرضَ وسقم لم يجدْ حلاوةَ الإيمانِ ، بل يستحلي ما فيه هلاكُه من الأهواءِ والمعاصي . (١) (١/ ٤٨). ٤٦ حديث : ١٦ کتاب الإيمان ومن هنا؛ قال رَّ: ((لاَ يَزْنِي الزَّنِي حينَ يزْنِي وهو مُؤْمنٌ)) (١)؛ لأنَّه لو كمُل إيمانُه لوجَدَ حلاوة الإيمان ، فاستغنى بها عن استحلاءِ المعاصي . سئل وُهَيْب بن الوَرْد : هل يجد طعم الإيمان من يعصي الله ؟ قال : لا ، ولا من هَمَّ بالمعصيةِ . وقال ذو النون : كما لا يجد الجسدُ لذة الطعام عندَ سقمه ، كذلك لا يجد القلبُ حلاوةَ العبادةِ مع الذنوبِ . فمن جمع هذه الخصال الثلاثة ، المذكورة في هذا الحديث ، فقد وجد حلاوة الإيمان ، وطَعِمَ طعمه : أحدها : أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما . ومحبة الله ، تنشأ تارةً من معرفته ، وكمالُ معرفته تحصلُ من معرفة أسمائه وصفاته وأفعاله الباهرة ، والتفكُّر في مصنوعاته ، وما فيها من الإتقان والحِكَمِ والعجائب ؛ فإن ذلك كلَّه يدلُّ على كماله وقدرته وحكمته وعلمه ورحمته . وتارة تنشأ من مطالعةِ النِّعَم . وفي حديث ابن عباسِ المرفوع: ((أَحبَّوا اللهَ لمَا يَغْذُوكم من نِعَمةِ، ٠٠ وأحبُّونی لحبِّ الله)) . خرجه الترمذي(٣) في بعض نسخ ((كتابه)). وقال بعض السلف : من عرفَ الله أحبَّه ، ومن أحبَّه أطاعَه . (١) البخاري (٢٤٧٥) ومسلم (٥٤/١ -٥٥). (٢) (٣٧٨٩). ٤٧ ٩ - باب : حلاوة الإيمان کتاب الإيمان فإن المحبة تقتضي الطاعة ، كما قال بعض العارفين(١): المحبةُ الموافقةُ في جميع الأحوال ، ثم أنشد : وَلَوْ قُلْتَ لِي مُتْ مِتُّ سَمْعَا وَطَاعَةٌ وَقُلْتُ لِدَاعِ المَوْتِ أَهْلاً وَمَرْحَبا ومحبَّةَ الله عَلى درجتينِ : إحداهما : فرض ، وهى المحبة المقتضية لفعل أوامره الواجبة ، والانتهاء عن زواجره المحرمة ، والصبر على مقدوراته المؤلمة . فهذا القدر لابدَّ منه في محبة الله ، ومن لم تكن محبته على هذا الوجه ، فهو كاذب في دعوى محبة الله . كما قال بعض العارفين : من ادَّعى محبةَ الله ، ولم يحفظ حدودَه ، فهو كاذب. فمن وقع في ارتكاب شيءٍ من المحرمات ، أو أخلَّ بشيءٍ من فعل الواجبات، فلتقصيره في محبة الله، حيث قدم محبة نفسه وهواه على محبة الله؛ فإن محبةَ الله لو كملت لمنعت من الوقوع فيما يكرهه. وإنما يحصل الوقوع فيما يكرهُه الله ؛ لنقص محبته الواجبة في القلوب ، وتقديمٍ هوى النفس على محبته، وبذلك ينقصُ الإيمانُ، كما قالَ وَ ارِ: ((لا يزِنِي الزََّنِ حينَ يَزْنِي وهو مؤمنٌ )) - الحديث . والدرجة الثانية من المحبة : وهي فضلٌ مستحبٌّ : أن ترتقي المحبةُ من ذلكَ إلى التقربِ بنوافلِ الطاعات، والانكفافِ عن دقائقِ الشبهاتِ والمكروهاتِ، والرضا بالأقضيةِ المؤلمات . (١) وهو: رويم كما في ((جامع العلوم)) (٤٣٦/٢) بتحقيقي . ٤٨ حديث : ١٦ کتاب الإيمان كما قال عامر بن عبد قيسٍ : أحببتُ الله حبًا هوَّن علىَّ كلَّ مصيبة ، ورضَّانى بكل بليَّة، فما أبالى - مع حِبِى ◌ِيَّاه - على ما أصبحتُ ، ولا على ما أمسيتُ . وقال عمر بن عبد العزيز : أصبحتُ ومالي سرورٌ إلا في مواقعِ القضاءِ والقدرِ . ولما مات ولده الصالح ، قال : إنَّ الله أحبَّ قبضه ، وأعوذ بالله أن تكونَ لي محبةٌ تخالفُ محبّة الله . وقال بعض التابعين فى مرضه: أحبُّه إليَّ أحبُّه إليه . وأما محبةُ الرسولِ ، فتنشأُ عن معرِفتِهِ ومعرفةِ كمالِهِ وأوصافِهِ وعظم ما جاء به ، وينشأ ذلك من معرفة مرسله وعظمته ، كما سبق ؛ فإنَّ محبة الله لا تتمُّ إلا بطَاعَتِهِ، ولا سبِيلَ إلَى طاعته إلا بمتابعة رسولِه، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] . ومحبة الرسول على درجتين - أيضًا : إحداهما : فرض ، وهي ما اقتضى طاعتَه في امتثال ما أمر به من الواجبات، والانتهاء عمَّا نهى عنه من المحرمات ، وتصديقه فيما أخبر به من المخبرات ، والرضا بذلك، وأن لا يجد في نفسه حرجًا مما جاء به، ويسلّم له تسليمًا ، وأن لا يتَلقَّى الهدى من غير مشكاته ، ولا يطلب شيئًا من الخير إلا ما جاء به . الدرجة الثانية : فضلٌ مندوبٌ إليه ، وهي ما ارتقى بعد ذلك إلى اتّباعِ سنته وآدابِه وأخلاقِهِ ، والاقتداءِ به في هديه وسمته ، وحسن معاشرته لأهله وإخوانه، وفي التخلقِ بأخلاقه الظاهرة فى الزهد في الدنيا ، والرغبة في الآخرة ، وفي جُوده وإيثاره وصَفْحه وحِلْمه واحتمالِه وتواضعهِ . وفي أخلاقه الباطنة ، من كمال خشيته لله ، ومحبته له ، وشوقه إلى لقائه، ٤٩ ٩ - باب : حلاوة الإيمان کتاب الإيمان ورضاه بقضائه ، وتعلقِ قلبه به دائمًا ، وصدق الالتجاءِ إليه ، والتوكلِ والاعتمادِ عليه ، وقطع تعلُّق القلب بالأسباب كلها ، ودوامٍ لَهَجِ القلب واللسان بذكره ، والأنس به ، والتنعم بالخَلْوَة بمُنَاجاته ودعائه ، وتلاوة كتابه بالتدبر والتفكر . وفي الجملة ؛ فكان خلقه وَّيهِ القرآنَ، يرضى لرضاه ، ويسخط لسخطه ، فأكمل الخلق من حقق متابعتَه وتصديقه قولاً وعملاً وحالاً ، وهم الصدِّيقون من أمته ، الذين رأسهم أبو بكر خليفته من بعده . وهم أعلى أهل الجنة درجةً بعد النبيين، كما قال ◌َ له: ((إنَّ أهلَ الجنة ليتراءَوْن أهلَ الغرفِ من فوقهم، كما تتراءَوْن الكوكبَ الدُّرِّيِّ الغابر من الأُفُق من المشرقِ إلى المغربِ ، لتفاضل ما بينهم )) . قالوا : يا رسول الله ، تلك منازل الأنبياء ، ما يبلغها غيرهم . قال : (( إي والذي نفسي بيده ، رجالُ آمنوا بالله وصدَّقوا المرسلين )) . خرجاه في (( الصحیحین ))(١) من حديث أبي سعيد . الخصلةُ الثانيةُ :. أن يحبَّ المرءَ لا يحبه إلا لله . والحبُّ في الله من أصول الإيمان ، وأعلى درجاته . وفي ((المسند))(٢) عن معاذ بن أنس الجُهَني، أنَّ النبيَّ ◌َّ سئل عن أفضل الإيمان . فقال : ((أنْ تحبَّ لله، وتُبغضَ لله، وتُعملَ لسانَك في ذكر الله)). وفيه - أيضًا (٣) - عن عمرو بن الجَمُوح، عن النبيّ ◌َهر، قال: ((لا يحقُّ (١) البخاري (٦٥٥٥) ومسلم (٨/ ١٤٤ - ١٤٥). (٢) (٢٤٧/٥) . (٣) (٣/ ٤٣٠) . ٥٠ حديث : ١٦ كتاب الإيمان العبد حقَّ صريح الإيمان حتى يحب لله، ويبغض لله ، فإذا أحبَّ لله وأبغضَ لله فقد استحقَّ الولايةَ من الله)) . وفيه (١) عن البراء، عن النبي وَّر، قال: ((أوثقُ عُرى الإيمان أن تحبّ في الله، وتبغض في الله » . وخرَّج الإمام أحمد وأبو داودَ (٢)، عن أبي ذرٍّ، عن النبيِّ وَِّ، قال: « أفضلُ الأعمال الحبُّ في الله ، والبغض في الله )) . ومن حديث أبي أمامة، عن النبي وَ الر قال: ((من أحبَّ لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله ؛ فقد استكملَ الإيمانَ ))(٣). وخرجه أحمد والترمذي(٤) من حديث معاذ بن أنسٍ، عن النبي وَارِ. وزاد أحمد - في رواية -: (( وأنكحَ للهِ )). وإنَّما كانت هذه الخصلةُ تاليةً لما قبلها ؛ لأن من كان الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما ، فقد صار حبُّه كله لله ، ويلزم من ذلك أن يكون بغضُه لله ، وموالاته له ، ومعاداته له ، وأن لا تبقى له بقيةٌ من نفسهِ وهواه . (١) (٢٨٦/٤) . وراجع: ((جامع العلوم)) (١/ ١٠١). (٢) أحمد (١٤٦/٥) وأبو داود (٤٥٩٩) . وراجع: ((جامع العلوم)) (١/ ١٠١). (٣) أبو داود (٤٦٨١). وراجع: ((جامع العلوم )) (١ / ١٠٠ - ١٠١) - تعليقي عليه . (٤) أحمد (٤٣٨/٣ - ٤٤٠) والترمذي (٢٥٢١) والحاكم (١٦٤/٢). وروي من قول كعب الأحبار ، وهو أشبه . راجع: ((جامع العلوم)) (١ / ١٠٠). ٥١ ٩ - باب : حلاوة الإيمان کتاب الإيمان وذلك يستلزم محبَّةَ ما يحبُّه الله من الأقوال والأعمال ، وكراهةَ ما يكرهه من ذلك ، وكذلك من الأشخاص ، ويلزم من ذلك معاملتهم بمقتضى الحبِّ والبغضِ ، فمن أحبه الله أكرمه وعامله بالعدل والفضل ، ومن أبغضَه اللَّه أهانه بالعدل . ولهذا ؛ وصف الله المحبينَ له بأنهم ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤] . وكان من دعاء النبيِّ ◌َّهِ: ((أسألكَ حَبَّكَ، وحبَّ من يحبُّكَ، وحبَّ عملٍ يبلِّغني إلى حبِّك))(١). فلا تتم محبةُ الله ورسوله إلا بمحبة أوليائه وموالاتهم ، وبغضِ أعدائه ومعاداتهم . وسُئل بعض العارفين : بِمَ تُنال المحبةُ ؟ قال : بموالاة أولياءِ اللهِ ، ومعاداة أعدائه ، وأصلُه الموافقةُ . الخصلةُ الثالثةُ : أن يكرهَ الرجوعَ إلى الكفرِ ، كما يكره الرجوعَ إلى النارِ . فإن علامةَ محبَّةِ الله ورسوله محبةُ ما يحبُّهُ الله ورسولُه، وكراهةُ ما يكرهُه الله ورسوله - كما سبق - ، فإذا رسخ الإيمان في القلب وتحقق به ، ووجد حلاوته وطعمَه ، أحبَّه وأحب ثباتَه ودوامَه، والزيادة منه ، وكره مفارقَتَه، وكان كراهتُه لمفارقته أعظمَ عندَه من كراهِةِ الإلقاءِ في النارِ . قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَيَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: ٧]. (١) أحمد (٤٢٣/٥). وانظر: ((جامع العلوم)» (٣٦٧/٢) بتحقيقي. ٥٢ حديث : ١٦ كتاب الإيمان والمؤمن يحبُّ الإيمانَ أشدَّ من حب الماءِ الباردِ فى شدَّةِ الحر للظمآنِ ، ويكره الخروج منه أشدّ من كراهة التحريقِ بالنيرانِ . كما في («المسند » (١) عن أبي رزينِ العقيلي، أنه سألَ النبيِّ بَِّ عن الإِيمانِ، فقال: ((أنْ تشْهَدَ أنْ لاَ إله إلا اللهُ، وحدَه لا شريكَ لَهُ، وأَنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُه ، وأنْ يكونَ اللهُ ورسولُه أحبَّ إليكَ مما سواهما ، وأن تحرَّق في النَّارِ أحبُّ إليكَ من أنْ تشرك بالله، وأن تحبَّ غير ذي نسب لا تحبه إلا لله ، فإذا كنتَ كذلكَ فقد دخلَ حبَّ الإيمان في قلبك ، كما دخلَ حبِّ الماء للظمآن في ٤ اليوم القائظ» . وفي ((المسند))(٢) - أيضًا -: أن النبيِ رَ ﴿ وصَّى معاذ بن جبل، فقال له - فيما وصاه به - : ((لا تشرك بالله شيئًا، وإن قُطُّعْتَ وحُرِّقْت)). وفي ((سنن ابن ماجه))(٣): أنَّ النبيَّ ◌َّهِ وصَّى أبا الدرداء وغيره - أيضاً. وقد أخبر الله عن أصحابِ الأخدودِ بما أخبرَ به ، وقد كانوا فتنوا المؤمنين والمؤمنات ، وحرَّقوهم بالنارِ ، ليرتدوا عن الإيمانِ ، فاختاروا الإيمانَ على النَّار . وفي ((الصحيح))(٤) عن النبي وَّر، أن امرأة منهم أُتّي بها، ومعها صبىٌّ لها يرضعُ ، فكأنَّها تَقَاعستْ أن تلقي نفسها في النار ؛ من أجل الصبى ، فقال لها الصبي : يا أمَّه ، اصبري ؛ فإنَّك على الحقِّ . وأُلقي أبو مسلم الخولاني في النار ، على امتناعه أن يشهدَ للأسودِ بالنبوةِ ، (١) (٤ / ١١) . (٢) (٢٣٨/٥) . (٣) (٣٣٧١) (٤٠٣٤) . (٤) مسلم . (٢٢٩/٨) مطولاً من حديث صهيب رضى الله عنه . ٥٣ ٩ - باب : حلاوة الإيمان کتاب الإيمان فصارت عليه بردًا وسلامًا (١). وعُرض على عبد الله بن حذافةَ أن يتنصَّرَ، فأبى، فأَمَر ملكُ الرومِ بإلقائِهِ في قِدْرٍ عظيمةٍ ، مملوءة ماءً ، تغلي عليه ، فبكى ، وقال : لم أبكِ جزءًا من الموت ، ولكن أبكي أنه ليس لي إلا نفسٌ واحدة ، يُفْعل بها هذا في الله ، لوددتُ أنه كان لي مكان كل شعرة منِّ نفسًا ، يفعل بها ذلك في الله عز وجل (٢). هذا مع أنَّ التَّقِيَّة في ذلك باللسان جائزة مع طمأنينة القلب بالإيمان ، كما قال تعالى: ﴿إِلَّ مَنْ أَكْرِهَ وَقَلْبَهُ مُطْمَئِنَّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]، ولكنّ الأفضل الصبرُ وعدمُ النَّقِيَّة في ذلك . فإذا وجد القلبُ حلاوةَ الإيمانِ أحسَّ بمرارة الكفر والفسوق والعصيان ؛ ولهذا قال يوسف عليه السلام : ﴿رَبِ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّ يَدَّعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣] . سئلَ ذو النونِ: متى أُحبُّ ربي؟ قال: إذا كان ما يكرهه أمرَّ عندك من الصبرِ. وقال بِشْر بن السَّرَيِّ (٣): ليس من أعلامِ المحبة أن تحب ما يبغضه حبيبك . واعلم ؛ أنَّ القَدْرَ الواجبَ من كراهةِ الكفرِ والفسوقِ والعصيانِ هو أنْ ينفرَ من ذلك ، ويتباعدَ منه جَهْدَه ، ويعزمَ على أن لا يلابس شيئًا منه جَهْدَه ، لعلمه بسخطِ الله له وغضبِهِ على أهلِهِ ، فأما ميلُ الطّبْع إلى ما يميلُ من ذلك ، خصوصًا لمن اعتادَه ، ثم تاب منه ، فلا يؤاخذ به ، إذا لم يقدر على إزالته . ولهذا مَدَح الله من نَهَى النفسَ عن الهوى ، وذلك يدلُّ على أن الهَوى يميلُ (١) أخرجه أبو نعيم في «الحلية)) (١٢٨/٢ - ١٢٩) بسياق أطول من هذا. (٢) انظر: ((تهذيب الكمال)) (٤١٢/١٤). (٣) ((الحلية)) (٨/ ٣٠٠). ٥٤ حديث : ١٦ كتاب الإيمان إلى ما هو ممنوعٌ منه، وأنَّ من عَصَى هواهُ كان محمودًا عندَ الله عز وجل . وسئلَ عمر ، عن قوم يشتهونَ المعاصي ، ولا يعملونَ بها ، فقال : أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الحجرات: ٣]. وقد ترتاضُ النفسُ بعد ذلك ، وتألفُ التقوى ، حتى تتبدلَ طبيعتها ، وتكره ما كانت مائلةً إليه ، ويصير التقوى لها طبيعةً ثابتةٌ . وهل هذا أفضل من الأول ، أم الأول أفضل ؟ . هذا قد يخرَّج على اختلاف العلماء ، فيمن عمل طاعةً ونفسُهُ تأباهَا ، وهو يجاهدُها ، وآخر عَملها ونفسه طائعةٌ مختارةٌ لها - : أيهما أفضل ؟ وفيه قولان مشهوران للعلماء والصوفية . والأظهر : أن الثاني أفضل . وفي كلام الإمام أحمد ما يدل على خلافه . وفي « مسند الإمام أحمد )»(١) : حدثنا يحيى بن سعيد ، عن حميد ، عن أنس، أنَّ النبيَّ ◌َ﴿ قال لرجل: (([أَسْلِمْ])) قال: أجدني كارهًا. قال: ((وَإِنْ کنْتَ كارهًا )) . وهذا يدل على صحة الإسلامِ ، مع نفورِ القلبِ عنه، وكراهته لهُ ، لكن إذا دخلَ في الإسلام واعتادَه وأَلِفه دخل حبُّه قلبَه ، ووجد حلاوتَه . وخرج مسلم(٢) حديث أنسِ المتقدمَ، ولفظه: ((ومنْ كانَ أن يُلْقَى في النَّار أحبَّ إليه من أن يرجعَ في الكفر بعد إذْ أنقذَه الله منه )) . ويُسْتشكل من هذا اللفظ : أنَّه يقتضي وجود محبة الأمرين - أعني : الإلقاء (١) (١٠٩/٣ - ١٨١) . (٢) (٤٨/١) . ٥٥ ٩ - باب : حلاوة الإيمان کتاب الإيمان فى النار والرجوع إلى الكفر - ، وترجح محبة الأول على الثاني . ووقع مثله في القرآن ، في قوله تعالى - حاكيًا عن يوسف عليه السلام -: ﴿ قَالَ رَبِ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣]. ومثله: قول عليٌّ - رضي الله عنه -: إذَا حدثتكمْ عنْ رسولِ الله وَله فلأن أخرَّ من السَّماءِ إِلى الأرضِ أحبُّ إليَّ من أنْ أكذبَ عليه . ويجاب عن ذلك : بأنَّ من خيِّرَ بين أمرين مكروهين ، فاختارَ أحدَهما على الآخرِ ؛ لشدةٍ كراهتهِ لما رغب عنه ، فإنه يقال : إنه محبٌّ لما اختاره ، مريدٌ له ، وإن كان لا يحبه ، ولا يختاره لنفسهِ ، بل لدفع ما هو عنده أشدُّ كراهةً ، وأعظمُ ضررًا . ومن هنا ؛ وردَ ما وردَ من حبِّ الموتِ في الفتنةِ والتخلص منها . وقيل لعَطَاء السَّلِيمي(١): لو أُجُجَت نار ، وقيل: من دَخَلها نُجِّيَ من جهنمَ ، هل كنتَ تدخلَها ؟ فقال : بل كنتُ أخشَى أن تخرجَ نفسي فرحًا بها قبل وصولي إليها . ويشبه هذا : حال المُكْرَه علي فعلٍ بضربٍ أو سجنٍ أو تهديدٍ أو بقتلٍ ونحو ذلك ، إذا فعله افتداءً لنفسه ممَّا أُكره به عليه ، هل هو مختار له ، أم لا ؟ وفيه اختلاف مشهور بين الأصوليين . والتحقيق : أنه مختار له ، لا لنفسه ، بل للافتداء به من المكروه الأعظم ، فهو مختار له من وجه دون وجه . وهذا بخلافِ فعلِ المؤمنِ الطاعاتِ ، خوفًا من الله ، فإنَّه ليسَ فعله كفعل المكره ؛ لأن المؤمنَ يجبُ عليه أن يأتي بالطاعة ؛ خوفًا من عقاب الله ، ورجاءً لثوابه ، وحبًا له ، فبذلك يفارق حال المكره . (١) ((الحلية)) (٢١٥/٦ - ٢١٦). ٥٦ حديث : ١٦ کتاب الإيمان ومن هنا تظهر المسألة التي يفرُّ منها الفقهاءُ ، وهي : إذَا قالَ رجلٌ لامرأتِهِ : إنْ كنتِ تحبيني أنْ يعذَّبك(١) الله بالنار، فأنت طالق . فقالت : أنا أحبه . فقال كثير منهم - من أصحابنا وغيرهم - : إِنَّها تطلَّق ؛ لأنها قد تختار ذلك وتحبه افتداءً به من معاشرة زوجها لشدة بغضها له ، وجهلاً منها بتصور عذاب جهنم ، فتكون صادقةً فيما أخبرت به . ومن هذا : الحديثُ الذي فيه : أن الكافر يقول - من شدة ما يجد في الموقف يوم القيامة - : ربِّ أرحني ، ولو إِلى النارِ . فظهر بهذا : أن من خُيِّر بين مكروهينٍ ، فاختار أخفَّهما ، دفعًا لأعظمهما ، أنه يكون محبًا لما اختاره ، مختارًا له من وجه دون وجه . وأما ما يقتضيه لفظُ الحديثِ ، من كونه محبًا للآخر ، فهذا - أوَّلاً - غير لازم على قولِ الكوفيين ، الذين لا يرون أنَّ ((أفعل)) التفضيل يلزم منه المشاركة مطلقًا ، فيجوز - عندهم - أن يقال : الثلجُ أبردُ من النارِ . وأمَّا على قولِ البصريين ، فإنَّه قد وردَ في كثير من نصوص الكتاب والسنة ما تمتنع فيه المشاركة، وتأولوا فيه ((أفعل)) بـ ((فاعل))، فكذلك تتأول هاهنا . ومما بقي، مما يتعلقُ بلفظ هذا الحديث: أنَّ قوله وَّهِ: ((أنْ يكونَ اللهُ ورسولُه أحبَّ إليه ممَّا سواهما)) ، يدل على أنه يجوز الجمع بين اسم الله واسم غيره من المخلوقين في كلمة واحدة . وفي ((سنن أبي داود))(٢)، عن ابن مسعود، أنَّ النبي ◌َّي كان يقول في خطبته : ((مَنْ يطع اللهَ ورسولَه فقد رشدَ، ومن يعصهما فإنَّه لا يضرُّ إلا نفسه، ولا يَضُرُّ اللَّهَ شيئًا )). (١) كذا . (٢) (١٠٩٧). ٥٧ ٩ - باب : حلاوة الإيمان کتاب الإيمان وقال ابن مسعود - لما قضى في بَرْوع - : إن يكنْ صوابًا فمنَ الله ، وإن يكنْ خطأ فمني ومنَ الشيطانِ ، واللهُ ورسولُهُ بريئان من الخطإٍ . وقد اختلف الناس في جواز مثل هذا التركيب في الكلام ، على أقوال : أحدها : أنه يجوز . والثاني : أنَّه لا يجوز ، إلا في كلام الله عز وجل دون غيره . والثالث : أنه ممتنع مطلقًا . واحتجوا بحديث عديِّ بن حاتمٍ، أن رجلاً خطبَ عند النبي ◌َّهِ، فقال: ومن يعصِهما فقد غَوَى، فقال النبي وَّ: ((بئْسَ الخطيبُ أنتَ، قُلْ: ومنْ بعصِ اللهَ ورسولَه ». خرَّجه مسلمٌ (١). وقد قيل : إن قوله: ((قُلْ: ومَنْ يعص الله ورسوله)) مدرجة في الحديث، وإنَّما أَنْكَر عليه وقْفَه على قولِه: ((ومن يعصِهما)). وقد ذكر هذا الاختلافَ ابنُ عطيةَ في (( تفسيره )) وغيرُه . وفيه قول آخر: أنه يمتنع في ((واوٍ)) الجمع أَوْ ((ألف)) التثنية المتصلين بالأفعال نحو: ((يفعلون))، و((تفعلان))، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]. وهذا هو الذي ذكره القاضي أبو يعلى في كتابه ((أحكام القرآن)». ومنْ منع ذلك أجابَ ، بأنَّ في الكلام حذفًا ، تقديره : إن اللَّه يصلّي، وملائكته يصلُّون . والله تعالى أعلم . (١) (٣/ ١٢) . ٥٨ حديث : ١٧ کتاب الإيمان فصلٌ خرَّج البخاريُّ ومسلم ١٧ - من حديث: أَنَسٍ، عَنِ النَِّّ ◌َ﴿، قَالَ: «آيَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الْأَنْصَارِ، وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الأَنْصَارِ )) . هذا المعنى يرجع إلى ما تقدم، مِنْ أنَّ حبَّ المرء لا يحبه إلا للَّه من علامات وجود حلاوة الإيمانِ ، وأنَّ الحبَّ في الله من أوثق عُرى الإيمان، وأنَّه أفضل الإيمانِ ، فالأنصارُ نصروا الله ورسولَه ، فمحبتهم من تمامٍ حبِّ الله ورسوله . وخرج الإمام أحمد (١) من حديث سعيد بن زيد، عن النبيِّ وَّ، قال : (( لا يُؤْمنُ بِاللَّهِ مَنْ لا يُؤْمنُ بِي ، ولا يُؤْمن بي مِنْ لا يحبُّ الأنصارَ)). وخرج الطبراني(٣) وغيره، من حديث أبي هريرة، عن النبيِّ وَّ، قال: (( مَنْ أحبَّ الأنصارَ فيحبي أحبَّهم، ومن أبغضَ الأنْصارَ فيبغضي أبغضَهُم )). وفي ((صحيح مسلم))(٣)، عن أبي سعيد وأبي هريرة، عن النبيِّ وَطِّ، قال: (( لا يبغضُ الأنصارَ رجلٌ يؤمن بالله واليومِ الآخرِ )) . وفي ((المسند))(٤) عن أبي سعيد، عن النبي ◌َّر، قال: (( حُبَّ الأنصار إيمانٌ، وبغضهم نفاقٌ )) . وكذلك حب المهاجرين - الذين هم أفضلُ من الأنصارِ - من الإيمان. وفي ((صحيح مسلم))(٥) عن عليٍّ، قال: إنَّه لَعَهْدُ النبيِّ وَّ إليَّ، لا يحبّني (١) أحمد (٤/ ٧٠) (٣٨١/٥). (٢) ((الأوسط)) (٩٩٩). (٣) (١/ ٦٠). (٤) (٣ / ٠ ٧) . (٥) (٦١/١). ١ ٠ ٥٩ ١٠ - باب : علامة الإيمان حُبُّ الأنصار كتاب الإيمان إلا مؤمنٌ ، ولا يبغضني إلا منافقٌ . وفي ((المسند)) و ((الترمذي)) (١) عن عبد الله بن مُغَفَّل، عن النبي ◌َِّ، قال : ((اللهَ اللهَ في أصحابي، لا تتخذوهمْ غرضًا بعدي، فمنْ أحبَّهم فبحبِّي أحبَّهم، ومنْ أبغضَهم فيبغضِي أبغضَهم » . وفي بعض نسخ (( كتاب الترمذي)»(٢) عن ابن عباسٍ، عن النبي ◌ِ 10 ، قال : ((أحبَّوا اللهَ لما يَغْذُوكمْ به من نِعَمِه، وأحبوني لحبِّ الله، وأحبّوا أهلَ بيتي لحُمِّي )) . وفي ((المسند)) و((كتاب)) النسائي وابن ماجه(٣)، عن أبي هريرة ، عن النبيِّ وَّه، أنه قال في الحسن والحسين: ((من أحبّهما فقد أحبّني، ومن أبغضهما فقد أبغضني )) . فمحبة أولياءِ الله وأحبابهِ عمومًا مِن الإيمانِ ، وهي من أَعْلى مراتبهِ ، وبغضُهم محرمٌ ، فهو من خصالِ النفاقِ ؛ لأنه ممَّا لا يتظاهرُ به غالبًا ، ومن تَظَاهر به فقد تظاهر بنفاقه ، فهو شرٌّ ممَّن كتمهُ وأخفاهُ . ومن كان له مزية في الدين لصُحْبةِ النبيِّ وَّهِ، أو لقرابته ، أو نصرتِه فله مزيدُ خصوصيَّةٍ في محبتِه وبغضِهِ ، ومن كانَ من أهلِ السوابقِ في الإسلام ، كالمهاجرين الأوَّلين، فهوَ أعظمُ حقًّا ، مثل عليٍّ - رضي الله عنه . وقد روي أن المنافقينَ إنَّما كانوا يُعرفون ببغضٍ عليٌّ - رضي الله عنه - ومن هو أفضلُ مَن عليٌّ ، كأبي بكرٍ وعمرَ ، فهو أولى بذلك . (١) ((المسند)) (٨٧/٤) (٥٤/٥ - ٥٧) والترمذي (٣٨٦٢). وراجع تعليقي على ((المنتخب من العلل للخلال)) . (٢) (٣٧٨٩). وتقدم قريبًا . (٣) ((المسند)) (٢٨٨/٢ - ٥٣١) والنسائي في ((فضائل الصحابة)) (٦٥) وابن ماجه (١٤٣). ٦٠ حديث : ١٧ كتاب الإيمان ولذلك قيلَ : إن حبَّهما من فرائضِ الدينِ . وقيلَ : إِنَّه يُرْجَى عَلَى حُبِّهمَا ما يُرْجَى عَلَى التَّوحيدِ مَن الأَجْرِ . ١