Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
كتاب المناقب عَنْ رَسُول الله :﴿﴿َ / باب فِي فَضْلِ الأَنْصَارِ وَقُرَيْش
وبِهِذَا الإِسْنادِ عَنِ النَّبِيِّ بَهِ قَالَ: لَوْ سَلَكَ الأَنْصَارِ وَادِياً أو شَعْباً لكنت مَعَ
الأَنْصَارِ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌّ.
[٣٩٠٩] (٣٩٠٠) حدثنا بُنْدَارٌ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَار. حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ جعْفَرٍ، حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ عَن عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ: أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ◌َهِ أَوْ قَالَ: قَالَ النَّبيُّ
﴿﴿ فِي الأَنْصَارِ: ((لا يُحِبُّهُمْ إِلَّ مُؤْمِنٌ، وَلا يَبْغِضُهُمْ إِلَّا مُنَافِقٌ، مَن أَحَبَّهُمْ فَأَحَبَّهُ اللهُ
وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَأَبْغَضَهُ اللهُ))، فَقُلْتُ لَهُ: أأنْتَ سَمِعْتَهُ مِنَ الْبَرَاءِ؟ فَقَالَ: إِيَّايَ حَدَّثَ.
[خ: ٣٧٨٣، م: ٧٥، جه بنحوه: ١٦٣، حم: ١٨٠٣٠].
يرد به الانتقال عن نسب آبائه؛ إذ ذاك ممتنع قطعًا. وكيف وأنه أفضل منهم نسبًا، وأكرمهم
أصلًا؟! وأما الاعتقادي؛ فلا موضع فيه للانتقال؛ إذ كان دينه ودينهم واحدًا؛ فلم يبق إلا
القسمان الأخيران الجائز فيهما الانتقال. وكانت المدينة دار الأنصار، والهجرة إليها أمرًا
واجبًا؛ أي: لولا أن النسبة الهجرية - ولا يسعني تركها - لانتقلت عن هذا الاسم إليكم،
ولانتسبت إلى داركم.
قال الخطابي: وفيه وجه آخر؛ وهو: أن العرب كانت تعظم شأن الخؤولة، وتكاد
تلحقها بالعمومة. وكانت أم عبد المطلب امرأة من بني النجار؛ فقد يكون# ذهب هذا
المذهب إن كان أراد به نسبة الولادة (لو سلك الأنصار واديًا) أي: طريقًا. والوادي: المكان
المنخفض. وقيل: الذي فيه ماء. والمراد هنا: الطريق حسيًا كان، أو معنويًا (أو شعبًا)
بكسر الشين المعجمة، وسكون العين المهملة؛ وهو: اسم لما انفرج بين جبلين، وقيل:
الطريق في الجبل.
قال الخطابي: لما كانت العادة أن المرء یکون في نزوله وارتحاله مع قومه؛ وأرض
الحجاز كثيرة الأودية والشعاب؛ فإذا تفرقت في السفر الطرق سلك كل قوم منهم واديًا
وشعبًا، فأراد أنه مع الأنصار. قال: ويحتمل أن يريد بالوادي: المذهب؛ كما يقال: فلان
في واد، وأنا في واد. قيل: أراد ◌َ في بذلك: حسن موافقته إياهم، وترجيحهم في ذلك على
غيرهم؛ لما شاهد منهم حسن الوفاء بالعهد، وحسن الجوار؛ وما أراد بذلك وجوب متابعته
إياهم؛ فإن متابعته حق على كل مؤمن ومؤمنة؛ لأنه و 18 هو المتبوع المطاع لا التابع المطيع.
قوله: (هذا حديث حسن)، وأخرجه أحمد في ((مسنده)).
[٣٩٠٩] قوله: (لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق) قال ابن التين: المراد:

٣٦٢
كتاب المناقب عَنِ رَسُول الله ﴿﴿ / باب فِي فَضْلِ الأَنْصَارِ وَقُرَيْش
قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صحيحٌ.
قَالَ: وبهذا الإسناد عَن النبيِ وَ ل﴿ قَالَ: ((لو سَلَكَ النَّاسُ وَادِيَاً أوْ شِعْبَاً لكنتُ
مَعَ الأنْصَارِ)).
قَالَ: هذا حديث حسن.
[٣٩١٠] (٣٩٠١) حدثنا مُحمَّدُ بْنُ بَشّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ عَن أَنَسِ رَبِهِ قَالَ: جَمَعَ رَسُولُ اللهِوَِّهِ نَاساً مِنَ الأَنْصَارِ،
حب جميعهم، وبغض جميعهم؛ لأن ذلك إنما يكون للدين، ومن أبغض بعضهم؛ لمعنّی
يسوغ البغض له؛ فليس داخلًا في ذلك؛ وهو تقرير حسن. وخصوا بهذه المنقبة العظمى؛
لما فازوا به دون غيرهم من القبائل من إيواء النبي ◌َّالله ومن معه والقيام بأمرهم، ومواساتهم
بأنفسهم وأموالهم، وإيثارهم إياهم في كثير من الأمور على أنفسهم، فكان صنيعهم لذلك
موجبًا لمعاداتهم جميع الفرق الموجودين من عرب وعجم؛ والعداوة تجر البغض. ثم كان ما
اختصوا به مما ذكر موجبًا للحسد؛ والحسد يجر البغض؛ فلهذا جاء التحذير من بغضهم،
والترغيب في حبهم حتى جعل ذلك آية الإيمان والنفاق؛ تنويهًا بعظيم فضلهم، وتنبيهًا على
كريم فعلهم. وإن كان من شاركهم في معنى ذلك مشاركًا لهم في الفضل المذكور كل
بقسطه. وقد ثبت في (صحيح مسلم))(١) عن عليٍّ: أن النبي وَ ل﴿ قال له: ((لا يُحِبُّكَ إِلَّا
مُؤْمِنٌ، وَلا يَبْغَضُكَ إِلَّا مُنَافِقٌ)). وهذا جار باطراد في أعيان الصحابة؛ لتحقق مشترك
الإكرام؛ لما لهم من حسن العناء في الدين. قال صاحب ((المفهم)): وأما الحروب الواقعة
بينهم؛ فإن وقع من بعضهم بغض لبعض؛ فذاك من غير هذه الجهة؛ بل للأمر الطارئ الذي
اقتضى المخالفة؛ ولذلك لم يحكم بعضهم على بعض بالنفاق، وإنما كان حالهم في ذلك
حال المجتهدين في الأحكام؛ للمصيب أجران، وللمخطئ أجر واحد؛ كذا في ((الفتح)).
قوله: (هذا حديث صحيح)، وأخرجه البخاري في ((المناقب))، ومسلم في ((الإيمان))،
والنسائي في ((المناقب))، وابن ماجه في ((السنة)).
[٣٩١٠] قوله: (جمع ناسًا من الأنصار) وعند البخاري؛ من رواية الزهري، عن أنس
قال: قال ناس من الأنصار حين أفاء الله على رسوله ما أفاء من أموال هوازن؛ فطفق
(١) مسلم، كتاب الإيمان، حديث (٧٨).

٣٦٣
كتاب المناقب عَن رَسُول الله :﴿ / باب فِي فَضْلِ الأَنْصَارِ وَقُرَيْش
فَقَالَ: ((هلم هَلْ فِيكُمْ أحَدٌ مِن غَيْرِكُمْ))، قَالُوا: لَا، إلَّا ابنَ أُخْتٍ لَنَا فَقَالَ وَإِ: ((إن
ابنَ أُخْتِ القَوْمِ مِنْهُمْ))، ثُمَّ قَالَ: ((إنَّ قُرَيْشاً حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِجَاهِلِيَّةٍ وَمُصِيبَةٍ، وَإِنِّي
أرَدْتُ أنْ أجْبُرَهُمْ وَأَتَأَلَّفَهُمْ، أمَا تَرْضونَ أنْ يَرْجِعَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ الله
وَ﴿ إِلَى بُيُوتِكُمْ))، قالُوا: بَلَى، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِياً أوْ شِعْباً
وَسَلَكَتِ الأَنْصَارُ وَادِياً أوْ شِعْباً لَسَلَكْتُ وَادِي الأَنْصَارِ أو شِعْبَهِمْ)). [خ: ٣٧٧٨،
م: ١٠٥٩].
النبي * يعطي رجالًا المئة من الإبل؛ فقالوا: يغفر الله لرسول الله؛ يعطي قريشًا، ويتركنا؛
وسيوفنا تقطر من دمائهم. قال أنس: فحدث رسول الله ﴿ بمقالتهم؛ فأرسل إلى الأنصار؛
فجمعهم في قبة من أدم، ولم يدع معهم غيرهم؛ فلما اجتمعوا قال النبي وَآت: ((مَا حَدِيثٌ
بَلَغَنِي عَنْكُمْ؟)) فقال فقهاء الأنصار: أما رؤساؤنا يا رسول الله؛ فلم يقولوا شيئًا؛ وأما ناس
منا حديثة أسنانهم فقالوا: يغفر الله لرسول الله وليه يعطي قريشًا ويتركنا؛ وسيوفنا تقطر من
دمائهم. فقال النبي وَله: (فَإِنِّي أُعْطِي رِجَالا حَدِيثِي عَهْدٍ بِكُفْرٍ أَتَأَلَّفُهُمْ ... الحديث))
(فقال: هلم) أي: تعالوا؛ وفيه لغتان: فأهل الحجاز يطلقونه على الواحد، والجمع،
والاثنين، والمؤنث بلفظ واحد مبني على الفتح. وبنو تميم تثنِّي، وتجمع، وتؤنث؛ فتقول:
هَلُمَّ وَهَلُمِّي وَهَلُمَّا وَهَلُّمُّوا (فقال: ابن أخت القوم منهم) أي: هو متصل بأقربائه في جميع ما
يحب أن يتصل به، كنصرة ومشورة ومودة وسر؛ لا في الإرث؛ فلا يدل على توريث ذوي
الأرحام. قاله المناوي. وقال النووي في ((شرح مسلم)): استدل به من يورث ذوي الأرحام،
وهو مذهب أبي حنيفة، وأحمد، وآخرين. ومذهب مالك، والشافعي، وآخرين أنهم لا
يرثون. وأجابوا بأنه: ليس في هذا اللفظ ما يقتضي توريثه، وإنما معناه: أن بينه وبينهم
ارتباطًا وقرابة، ولم يتعرض للإرث. وسياق الحديث يقتضي أن المراد: كالواحد منهم في
إفشاء سرهم بحضرته، ونحو ذلك. انتهى. (حديث) بالتنوين (عهدهم) بالرفع (بجاهلية) أي:
قريب زمانهم بجاهلية. (ومصيبة) من نحو قتل أقاربهم، وفتح بلادهم (أن أجبرهم) بفتح
الهمزة، وسكون الجيم، وضم الموحدة، وبالراء، من: جَبَرْتُ الوهن، والكسر؛ إذا أصلحته،
وجَبَرْت المصيبة؛ إذا فعلت مع صاحبها ما ينساها به (وأتألفهم) أي: أطلب ألفتهم بالإسلام؛
بإعطاء المال؛ لا لكونهم من قريش، أو لغرض آخر (أما ترضون أن يرجع الناس) أي: غيركم
من المؤلفة قلوبهم (بالدنيا)، وفي رواية: ((بِأَمْوَالٍ))، وفي رواية: ((بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ)).

٣٦٤
كتاب المناقب عَنِ رَسُول الله :﴿ / باب فِي فَضْلِ الأَنْصَارِ وَقُرَيْش
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
[٣٩١١] (٣٩٠٢) حدثنا أحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أخْبَرَنَا عليُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ
جَدْعَانَ. حَدَّثَنَا النَّصْرُ بْنُ أَنَسِ عَن زَيْدِ بْنِ أَرْقَمِ: أنَّهُ كَتَبَ إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكِ يُعَزِّيهِ
فِيمَنْ أُصِيبَ مِن أهْلِهِ وَبَنِي عَمِّهِ يَوْمَ الحَرَّةِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنِّي أَبَشِّرُكَ بِبُشْرَى مِنَ الله،
إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلِهِ يَقُولُ: ((اللَّهِمَّ اغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَلِذَرَارِيّ الأَنْصَارِ وَلِذَرَارِيّ
ذَرَارِيهِمْ)). [خ بنحوه: ٤٩٠٦، م بنحوه: ٢٥٠٦].
قوله: (هذا حديث صحيح)، وأخرجه الشيخان، والنسائي.
[٣٩١١] قوله: (حدثنا هشيم) بن بشير بن القاسم السلمي.
قوله: (يعزيه) من التعزية؛ أي: يحمله على العزاء بالمد؛ وهو: الصبر (يوم الحرة) قال
الجزري في ((النهاية)): الحرة: يوم مشهور في الإسلام أيام يزيد بن معاوية؛ لما انتهب
المدينة عسكره من أهل الشام الذين ندبهم لقتال أهل المدينة من الصحابة والتابعين، وأمّر
عليهم مسلم بن عقبة المري في ذي الحجة في سنة ثلاث وستين، وعقيبها هلك يزيد.
((والحرة)) هذه: أرض بظاهر المدينة بها حجارة سود كثيرة، وكانت الوقعة بها. انتهى.
وقال الحافظ في ((الفتح)): وكان سبب وقعة الحرة: أن أهل المدينة خلعوا بيعة يزيد بن
معاوية؛ لما بلغهم ما يتعمده من الفساد؛ فأمّر الأنصار عليهم عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر،
وأمّر المهاجرون عليهم عبد الله بن مطيع العدوي، وأرسل إليهم يزيد بن معاوية مسلم بن
عقبة المري في جيش كثير؛ فهزمهم، واستباحوا المدينة، وقتلوا ابن حنظلة، وقتل من
الأنصار شيء كثير جدًّا، وكان أنس يومئذ بالبصرة فبلغه ذلك؛ فحزن على من أصيب من
الأنصار؛ فكتب إليه زيد بن أرقم - وكان يومئذٍ بالكوفة - يسليه. ومحصل ذلك: إن الذي
يصير إلى مغفرة الله؛ لا يشتد الحزن عليه؛ فكان ذلك تعزية لأنس فيهم (فكتب إليه) أي:
كتب زيد بن أرقم إلى أنس (أنا أبشرك ببشرى من الله) البشرى؛ بضم الموحدة، وسكون
المعجمة: اسم من البشارة؛ وهي: الإخبار بما يسر (إني سمعت رسول الله﴾(18) هذا بيان
للبشرى، وقد تقدم محصل التعزية في كلام الحافظ (ولذراري الأنصار) بتشديد الياء،
وتخفيفها جمع: ذرية. قال في ((القاموس)): الذرية، بالضم، ويكسر: ولد الرجل. والجمع:
الذريات والذراري. وروى البخاري(١) عن أنس بن مالك يقول: حَزِنْتُ عَلَى مَنْ أُصِيبَ
(١) البخاري، كتاب تفسير القرآن، حديث (٤٩٠٦).

٣٦٥
كتاب المناقب عَن رَسُول اللهِوَ﴿ / باب فِي فَضْلِ الأَنْصَارِ وَقُرَيْش
قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ، حَدَّثَنَا أحمد بْنُ منيع، حَدَّثَنَا هشيم، أُخْبَرَنَا
علي بْنُ زيد بْنِ جدعان، حَدَّثَنَا النضر بْنُ أنس وَقَدْ رَوَاهُ قَتَادَةُ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ،
عَن زيْدِ بْنِ أُرْقَمَ.
[٣٩١٢] (٣٩٠٣) حدثنا عَبْدَةُ بْنُ عبْدِ الله الخُزَاعِيُّ البَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا أبُو دَاودَ،
وَعَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ ثَابِتِ البُنَانِيُّ عَن أَبِيهِ عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَن
أبي طَلْحَةَ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((أَقْرِئُ قَوْمَكَ السَّلَامُ فَإِنَّهُمْ مَا عَلِمْتُ أَعِفَّةٌ
صُبُرٌ)). [ضعيف، محمد بن ثابت، ضعيف: لكن صح منه الشطر الثاني].
بِالْحَرَّةِ، فَكَتَبَ إِليَّ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ - وَبَلَغَهُ شِدَةٌ حُزْنِيٍ - يَذْكُرُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِوَهِ يَقُولُ:
((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالأَبْنَاءِ الأَنْصَارِ)).
قوله: (وقد رواه قتادة، عن النضر بن أنس، عن زيد بن أرقم) وصله مسلم(١) في
((صحيحه)) ولفظه: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالأَبْنَاءِ الأَنْصَارِ وَأَبْنَاءِ أَبْنَاءِ الأَنْصَارِ)).
[٣٩١٢] قوله: (حدثنا أبو داود) الطيالسي (وعبد الصمد) بن عبد الوارث (عن
أبي طلحة) هو: زوج أم أنس بن مالك، واسمه: زيد بن سهل بن الأسود بن حرام؛
الأنصاري، البخاري، مشهور بكنيته، من كبار الصحابة، شهد بدرًا وما بعدها، مات سنة
أربع وثلاثين. وقال أبو زرعة الدمشقي: عاش بعد النبي * أربعين سنة (أقرئ قومك
السلام) أمر من الإقراء، أو من: قَرَأَ يَقْرَأُ؛ أي: أبلغهم السلام (فإنهم) أي: قومك (ما
علمت) ((ما)) موصولة؛ أي: بناء على ما علمته فيهم من الصفات (أعفة) بفتح، فكسر،
فتشديد، جمع: عفيف؛ وهي: خبر إن ((وما علمت)) معترضة (صبر) بضمتين جمع: صابر.
کبزل وبازل.
قال الطيبي: ((ما)) موصولة، والخبر محذوف؛ أي: الذي علمت منهم أنهم كذلك
يتعففون عن السؤال، ويتحملون الصبر عند القتال، وهو مثل ما في الحديث: ((يَقِلُّونَ عِنْدَ
الطَّمَعِ وَيَكْتُرُون عِنْدَ الْفَزَعِ))، وقيل: ((ما)) مصدرية؛ يعني: أنهم يتعففون، ويتحملون مدة
علمي بحالهم، أو في علمي بحالهم. أو موصولة؛ أي: فيما علمت منهم.
(١) مسلم، كتاب فضائل الصحابة، حديث (٢٥٠٦).

٣٦٦
كتاب المناقب عَنِ رَسُول الله ﴿ / باب فِي فَضْلِ الأَنْصَارِ وَقُرَيْش
قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
[٣٩١٣] (٣٩٠٤) حدثنا الحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، حَدَّثَنِي الفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَن
زَكَرِيًّا بْنِ أبِي زَائِدَةَ، عَن عَطِيَّةَ، عَن أبي سَعِيدٍ الخدريِّ، عَنِ النَّبِيِّنَلِ قَالَ: ((ألا
إِنَّ عَيْبَتِي الَّتِي آوِي إلَيْها أهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّ كَرِشِي الأَنْصَارُ، فَاعْفُوا عَن مُسِيئِهِمْ وَاقْبَلُوا
مِن مُحْسِنِهِمْ)). [منكر بذكر أهل البيت].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
قَالَ: وفي البابِ عَن أنَسٍ.
[٣٩١٤] (٣٩٠٥) حدثنا أحْمَدُ بْنُ الحَسَنِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاودَ الهَاشِمِيُّ،
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَن مُحمَّدِ بْنِ أبي سُفْيَانَ
عَن يُوسُفَ بْنِ الحَكَمِ عَن مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ عَن أبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيِّ: ((مَن يُرِدْ
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه البزار؛ وفيه أيضًا محمد بن ثابت البناني؛
وهو ضعيف.
[٣٩١٣] قوله: (حدثني الفضل بن موسى) السيناني المروزي (عن عطية) العوفي.
قوله: (ألا) بالتخفيف للتنبيه (إن عيبتي) أي: خاصتي (التي آوي) أي: أميل، وأرجع
(وإن کرشي) أي: بطانتي (فاعفوا عن مسيئهم، واقبلوا من محسنهم) الضمير راجع إلى
الصنفين من أهل البيت والأنصار، على حد قوله - تعالى -: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ﴾ [الحج:
١٩]، ويحتمل أن يرجع إلى الأخير، والأول يفهم بالطريق الأولى.
قوله: (وفي الباب عن أنس)، أخرجه الترمذي(١) بعد هذا.
[٣٩١٤] قوله: (حدثنا أحمد بن الحسن) بن جنيدب الترمذي (أخبرنا إبراهيم بن
سعد) بن إبراهيم بن إبراهيم الزهري (عن محمد بن أبي سفيان) بن العلاء بن جارية؛ الثقفي،
أبي بكر، الدمشقي، مقبول، من السادسة (عن يوسف بن الحكم) بن أبي عقيل؛ عمرو بن
مسعود بن عامر، الثقفي، والد الحجاج الأمير، وقد ينسب لجده، مقبول، من الثالثة.
قوله: (من يرد) من الإرادة
(١) الترمذي، كتاب المناقب، حديث (٣٩٠٧).

٣٦٧
كتاب المناقب عَنِ رَسُول الله ◌َ﴿ / باب فِي فَضْلِ الأَنْصَارِ وَقُرَيْش
هَوَانَ قُرَيْشٍ أَهَانَهُ اللهُ).
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ من هذا الوجه. حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ:
أُخْبَرَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: حدثني أبي عَن صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَن ابنِ
شِهَابٍ، بهذا الإسْنَادِ نَحْوَهُ.
[٣٩١٥] (٣٩٠٦) حدثنا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ وَالمُؤَمِّلُ
قالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ حَبِيبٍ بْنِ أبي ثَابِتٍ عَن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أنَّ
النَّبِيَّ وَِّ قَالَ لِي: ((لا يُبْغِضُ الأَنْصَارَ رجلٌ يُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)). [حم: ٢٨١٤].
قال: هذا حديث حسن صحيح
(هوان قريش) بفتح الهاء؛ أي: ذلهم وإهانتهم (أهانه الله) أي: أذله وأخزاه.
قال المناوي: خرج مخرج الزجر والتهويل؛ ليكون الانتهاء عن أذاهم أسرع امتثالًا،
وإلا فحكم الله المطرد في عدله أنه لا يعاقب على الإرادة. انتهى.
قلت: وفي رواية لأحمد (١): (مَنْ أَهَانَ قُرَيْشًا أَهَانَهُ الله عَزَّ وجَلَّ)).
قوله: (هذا حديث غريب)، وأخرجه أحمد، والحاكم(٢). قال المناوي: وإسناده جيد.
[٣٩١٥] قوله: (والمؤمل) بن إسماعيل؛ البصري.
قوله: (لا يبغض الأنصار) أي: جميعهم، أو جنسهم.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه الطبراني(٣)، وزاد: ((وَلا يُحِبُّ ثَقِيفًا رَجُلٌ
يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ».
قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح؛ غير شيخ الطبراني: يحيى بن عثمان بن صالح
السهمي، وهو صدوق، وفيه خلاف لا يضر. انتهى. وأخرجه مسلم في ((صحيحه)) عن
أبي هريرة، وأبي سعيد.
(١) أحمد، حديث (١٥٩٠).
(٢) الحاكم، حديث (٦٩٥٦) قال الذهبي: صحيح.
(٣) الطبراني في ((الكبير))، حديث (١٢٣٣٩)، وابن عدي في ((الكامل)) (٥/ ٣٧٠).

٣٦٨
كتاب المناقب عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ﴿ / باب فِي فَضْلِ الأَنْصَارِ وَقُرَيْش
[٣٩١٦] (٣٩٠٧) حدثنا مُحمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ
قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَن أنسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((الأَنْصَارُ
كَرِشِي وَعَيْبَتِي، وَإِنَّ النَّاسَ سَيَكْثُرونَ وَيَقِلُّونَ، فَاقْبَلُوا مِن مُحْسِنِهِمْ وَتَجَاوَزُوا عَن
مُسِيئِهِمْ)). [خ مطولاً: ٣٧٩٩، م: ٢٥١٠، حم: ١٢١٨٤].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
[٣٩١٦] قوله: (الأنصار كرشي، وعيبتي) في ((القاموس)): الكرش - بالكسر، وككتف -
لكل مجتر بمنزلة المعدة للإنسان، مؤنثة. وعيال الرجل، وصغار ولده، والجماعة، والعيبة:
بفتح المهملة، وسكون المثناة التحتية بعدها موحدة: زنبيل من أدم ونحوه، وما يجعل فيه
الثياب، ومن الرجل موضع سره. قال في ((النهاية)): أراد أنهم بطانته، وموضع سره،
وأمانته، والذين يعتمد عليهم في أموره. واستعار الكرش والعيبة لذلك؛ لأن المجتر يجمع
علفه في كرشه، والرجل يضع ثيابه في عيبته. وقيل: أراد بالكرش: الجماعة؛ أي: جماعتي
وصحابتي. يقال: عليه كرش من الناس؛ أي: جماعة. انتهى.
وقال التوربشتي: الكرش لكل مجتر بمنزلة المعدة للإنسان، والعرب تستعمل الكرش في
كلامهم موضع البطن، والبطن مستودع مكتوم السر، والعيبة مستودع مكنون المتاع. والأول
أمر باطن، والثاني أمر ظاهر. ويحتمل أنه ضرب المثل بهما؛ إرادة اختصاصهم به في أموره
الظاهرة والباطنة (وإن الناس سيكثرون) بضم المثلثة (ويقلون) بفتح الياء، وكسر القاف،
وتشديد اللام؛ أي: ويقل الأنصار. قال الحافظ: فيه إشارة إلى دخول قبائل العرب والعجم
في الإسلام؛ وهم أضعاف أضعاف قبيلة الأنصار. فمهما فرض في الأنصار من الكثرة -
كالتناسل - فرض في كل طائفة من أولئك؛ فهم أبدًا بالنسبة إلى غيرهم قليل. ويحتمل أن
يكون ﴿ اطلع على أنهم يقلون مطلقًا؛ فأخبر بذلك؛ فكان كما أخبر؛ لأن الموجودين الآن
من ذرية علي بن أبي طالب ممن يتحقق نسبه إليه أضعاف من يوجد من قبيلتي الأوس
والخزرج ممن يتحقق نسبه؛ وقس على ذلك، ولا التفات إلى كثرة من يدعي أنه منهم بغير
برهان (فاقبلوا من محسنهم) أي: إن أتوا بعذر فيما صدر عنهم (وتجاوزوا عن مسيئهم) أي:
إن عجزوا عن عذر. والتجاوز عن المسيء مخصوص بغير الحدود، وحقوق الناس.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه الشيخان، والنسائي.

٣٦٩
كتاب المناقب عَنِ رَسُول اللهِوَ﴿ / باب فِي فَضْلِ الأَنْصَارِ وَقُرَيْش
[٣٩١٧] (٣٩٠٨) حدثنا أبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الحِمَّانِيُّ عَنِ الأَعْمَشِ عَن
طَارِقٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَن سَعِيدٍ بْنِ مُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّى:
((اللَّهِمَّ أَذَقْتَ أوَّلَ قُرَيْشٍ نَكَالًا، فَأَذِقْ آخِرَهُمْ نَوَالًا)). [حم: ٢١٧١].
قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غَرِيبٌ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ الوَرَّاقُ، حَدَّثَنَا
يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ الأَمَوِيُّ عَنِ الأَعْمَشِ، نحْوَهُ.
[٣٩١٨] (٣٩٠٩) حدثنا القَاسِمُ بْنُ دِينَارِ الكُوفِيُّ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ عَن
جَعْفَرِ الأَحْمَرِ عَن عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَن أَنَسٍ أنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴾ قَالَ: ((اللَّهمَّ اغْفِرْ
لِلأَنْصَارِ، وَلَأَبْنَاءِ الأَنْصَارِ، وَلَأَبْنَاءِ أبْنَاءِ الأَنْصَارِ، وَلِنِسَاءِ الأَنْصَارِ)). [م بنحوه: ٢٥٠٧،
حم: ١٢٠٠٦].
[٣٩١٧] قوله: (حدثنا أبو يحيى الحماني) بكسر-المهملة، وتشديد الميم؛ اسمه:
عبد الحميد بن عبد الرحمن (عن طارق بن عبد الرحمن) البجلي، الأحمسي، الكوفي،
صدوق، له أوهام، من الخامسة.
قوله: (اللهم أذقت أول قريش) أي: يوم بدر والأحزاب (نكالًا) بفتح النون؛ أي: عذابًا
بالقتل والقهر. وقيل: بالقحط والغلاء (فأذق آخرهم نوالًا) أي: إنعامًا وعطاءً وفتحًا من
عندك. وقال في ((اللمعات)) لعل المراد بالنكال: ما أصاب أوائلهم بكفرهم، وإنكارهم على
رسول الله * من الخزي والعذاب والقتل. وبالنوال: ما حصل لأواخرهم من العزة والملك
والخلافة، والإمارة ما لا يحيط بوصفه البيان. انتهى.
قوله: (حدثنا عبد الوهاب الوراق) هو: عبد الوهاب بن عبد الحكم.
[٣٩١٨] قوله: (أخبرنا إسحاق بن منصور) السلولي (عن جعفر الأحمر) هو: جعفر بن
زياد الأحمر، الكوفي، صدوق، يتشيع، من السابعة.
قوله: (ولأبناء الأنصار، ولأبناء أبناء الأنصار) ظاهره تخصيص طلب المغفرة إلى
مرتبتين: الأبناء، وأبناء الأبناء؛ ولو حمل على آخر مراتب الأبناء بالغًا ما بلغ إلى مدة بقائهم
لم يبعد؛ بل لو حمل الأبناء على معنى الأولاد كان له وجه. كذا في ((اللمعات)).
قلت: ويؤيد هذا الأخير رواية أنس المتقدمة بلفظ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَلِذَرَارِي
الأَنْصَارِ وَلِذَرَارِي ذَرَارِيهِمْ)).

٣٧٠
كتاب المناقب عَنِ رَسُول الله :﴿ / باب في أيِّ دُورِ الأَنْصَارِ خَيْرٌ
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِن هَذَا الوَجْهِ.
٦٧ - باب في أيِّ دُورِ الأَنْصَارِ خَيْرٌ [ت١٤٠، م٦٦]
[٣٩١٩] (٣٩١٠) حدثنا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللّيْثُ عَن يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ الأنْصَارِيِّ، أنَّهُ
سَمِعَ أنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((ألا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ دُورِ الأنْصَارِ، أَوْ
بِخَيْرِ الأنْصَارِ؟)) قَالُوا: بَلى، يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((بَنُو النَّجَّارِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ بَنُو
عَبْدِ الأشْهَلِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ بَنُو الحَارِثِ بْنِ
قوله: (هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه)، ورواه مسلم(١) من طريق عكرمة بن
عمار، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة: أنَّ أَنَسَا حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَلِ اسْتَغْفَرَ
لِلِأَنْصَارِ قَالَ وَأَحْسَبُهُ قَالَ: ((وَلِذَرَارِي الأَنْصَارِ، وَلِمَوَالِي الأنْصَارِ)) لا أشك فيه.
٦٧ - بَابٌ في أَيِّ دُورِ الأَنْصَارِ خَيْرٌ
الدور بالضم: جمع دار. وهي: المنازل المسكونة، والمحال، وتجمع أيضًا على:
ديار، وأراد بها هنا: القبائل، وكل قبيلة اجتمعت في محلةٍ، سميت تلك المحلة: دارًا.
وسمي ساكنوها بها مجازًا على حذف المضاف؛ أي: أهل الدور. كذا في ((النهاية)).
[٣٩١٩] قوله: (ألا أخبركم بخير دور الأنصار) أي: أفضل قبائلهم.
قال النووي: وكانت كل قبيلة منها تسكن محلة؛ فتسمى تلك المحلة: دار بني فلان؛
ولهذا جاء في كثير من الروايات: بنو فلان، من غير ذكر الدار.
قال العلماء: وتفضيلهم على قدر سبقهم إلى الإسلام، ومآثرهم فيه. وفي هذا دليل
لجواز تفضيل القبائل والأشخاص بغير مجازفة، ولا هوى، ولا يكون هذا غيبة. انتهى. (أو
بخير الأنصار) ((أو)) للشك من الراوي (بنو النجار) بفتح النون، وتشديد الجيم: هم من
الخزرج. والنجار؛ هو: تيم الله. وسمي بذلك؛ لأنه ضرب رجلًا فنجره، فقيل له: النجار،
وهو: ابن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج؛ أخو الأوس ابنا حارثة بن ثعلبة العنقاء (ثم الذين
يلونهم بنو عبد الأشهل) هم: من الأوس؛ وهو: عبد الأشهل بن جشيم بن الحرث بن
الخزرج الأصغر بن عمرو بن مالك بن الأوس بن حارثة (ثم الذين يلونهم بنو الحارث بن
(١) مسلم، كتاب فضائل الصحابة، حديث (٢٥٠٧).

٣٧١
كتاب المناقب عَن رَسُول الله :﴿ / باب في أيِّ دُورِ الأَنْصَارِ خَيْرٌ
الخَزْرَجِ، ثُمَّ الّذِينَ يَلُونُمْ بَنُو سَاعِدَةَ))، ثُمَّ قَالَ بِيديهِ فَقَبَضَ أصَابِعَهُ، ثُمَّ بَسَطَهُنَّ
كَالرَّامِي بِيَدَيْهِ، قَالَ: ((وَفِي دُورِ الأنْصَارِ كُلُّهَا خَيْرٌ)). [خ: ٣٧٨٩، م: ٢٥١١، حم: ١١٦١٤].
قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا أيضاً عَن أَنَسٍ عَن أبي أسِيْدٍ
عَنِ النَّبِيِّ وَهِ.
[٣٩٢٠] (٣٩١١) حدثنا مُحمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ
قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَة يُحَدِّثُ عَن أنسِ بْنِ مَالِكِ عَن أبي أُسِيْدِ السَّاعِدِيِّ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِوَِّ: ((خَيْرُ دُورِ الأنْصَارِ دُورُ بَنِي النَّبَّارِ، ثُمَّ دُورُ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ، ثُمَّ
بَنِي الحَارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ، ثُمَّ بَنِي سَاعِدَةَ، وَفِي كُلِّ دُورِ الأنْصَارِ خَيْرٌ))، فَقَالَ سَعْدٌ:
مَا أَرَى رَسُولَ اللهِوَ﴿ إِلَّا قَدْ فَضَّلَ عَلَيْنَا،
الخزرج) أي: الأكبر، أي: ابن عمرو بن مالك بن الأوس - المذكور - ابن حارثة (ثم الذين
يلونهم بنو ساعدة) هم: من الخزرج المذكور أيضًا. وساعدة هو: ابن كعب بن الخزرج
الأكبر (ثم قال بيديه) أي: أشار رسول الله وَليه بهما (كالرامي بيديه) أي: كالذي يرمي الشيء
بيديه؛ فإنه يقبض أصابعه على الشيء، ثم يبسطهن (وفي دور الأنصار كلها خير) أي: فضل
بالنسبة إلى غيرهم من أهل المدينة؛ وهو تعميم بعد تخصيص.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه مسلم ..
[٣٩٢٠] قوله: (وفي كل دور الأنصار خير) المذكور في هذا الحديث لفظ ((خير)) في
الموضعين: الأول: قوله: ((خير دور الأنصار)) ولفظ ((خير)) فيه بمعنى: أفعل التفضيل؛ أي:
أفضل دور الأنصار، والثاني: قوله هذا، ولفظ ((خير)) فيه على أصله؛ أي: في كل دور
الأنصار خير؛ وإن تفاوتت مراتبهم (فقال سعد) أي: ابن عبادة، وهو: من بني ساعدة،
وكان كبيرهم يومئذ (ما أرى) بفتح الهمزة من الرؤية، وهي: من إطلاقها على المسموع،
ويحتمل أن يكون من الاعتقاد، ويجوز ضمها بمعنى: الظن (إلا قد فضل علينا) أي: قد
فضل النبي ◌َ﴿ علينا بعض القبائل. وإنما قال ذلك؛ لأنه من بني ساعدة. ولم يذكر النبي
* بني ساعدة إلا بكلمة ((ثم)) بعد ذكره القبائل الثلاثة. وفي رواية لمسلم: ((وبلغ ذلك
سعد بن عبادة؛ فوجد في نفسه، وقال: خلفنا فكنا آخر الأربع. اسرجوا لي حماري؛ آتي
رسول الله ﴿، فكلمه ابن أخيه سهل، فقال: أتذهب لِتَرُدَّ على رسول اللهِ وَّه ورسول الله

٣٧٢
كتاب المناقب عَنِ رَسُول اللهِ ﴿ / باب في أيِّ دُورِ الأَنْصَارِ خَيْرٌ
فَقِيلَ: قَدْ فَضَّلَكُمْ عَلَى كَثِيرٍ. [ر: ٣٩١٩].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ، وَأَبُو أسِيْدِ السَّاعِدِيُّ اسْمُهُ: مَالِكُ بْنُ
رَبِيعَةَ، وقد رُوي نحو هذا عَن أبي هريرة عن النبي بَِّ، ورواه معمر عَن الزهري
عَن أبي سلمة وعبيد الله بْنِ عبد الله بْنِ عتبة عَن أبي هريرة عَن النبي ◌َِّ.
[٣٩٢١] (٣٩١٢) حدثنا أبو السَّائِبِ سَلْمُ بْنُ جُنادَةَ، حَدَّثَنَا أحْمَدُ بْنُ بَشِيرٍ عَن
مُجَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((خَيْرُ دِیَارِ
الأنْصَارِ بَنُو النَّجَّارِ)).
قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، مِن هَذَا الوَجْهِ.
[٣٩٢٢] (٣٩١٣) حدثنا أبو السَّائِبِ سَلْمُ بْنُ جنادة، حَدَّثَنَا أحْمَدُ بْنُ بَشِيرٍ عَن
مُجَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((خَيْرُ الأنْصَارِ بَنُو
عَبْدِ الأَشْهَلِ)).
قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِن هَذَا الوَجْهِ.
وَ أعلم، أَوَ ليس حسبك أن تكون رابع أربع؟ فرجع وقال: الله ورسوله أعلم. وأمر
بحماره، فحُلَّ عنه)) (فقيل) قال الحافظ: لم أقف على اسم الذي قال له ذلك، ويحتمل أن
يكون هو ابن أخيه سهل (قد فضلكم على كثير) أي: على كثير من القبائل الغير المذكورين
من الأنصار.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه الشيخان، والنسائي (وأبو أُسيد) بضم
الهمزة، وفتح السين المهملة مصغرًا (اسمه: مالك بن ربيعة) بن البدن، بفتح الموحدة والدال
المهملة بعدها نون، مشهور بكنيته، شهد بدرًا وغيرها، ومات سنة ثلاثين. وقيل: بعد ذلك؛
حتى قال المدائني: مات سنة ستين. قال: هو آخر من مات من البدريين.
[٣٩٢١] قوله: (عن مجالد) هو: ابن سعيد الهمداني (خير ديار الأنصار: بنو النجار)
أي: أفضل قبائلهم قبيلة بني النجار.
فإن قلت: رواية جابر هذه مخالفة لروايته التي بعدها بلفظ: ((خَيْرُ الأنْصَارِ بَنُو
عَبْدِ الأشْهَلِ))، فكيف التوفيق بينهما؟ .

٣٧٣
كتاب المناقب عَنِ رَسُول الله { ◌َ﴿ / باب في فَضْلِ المَدِينَةِ
٦٨- باب في فَضْلِ المَدِينَةِ [ت١٤١، ٦٧٢]
[٣٩٢٣] (٣٩١٤) حدثنا قُتَيْبَةُ بن سعيد حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَن سَعِيدٍ بْنِ أبي سَعِيدٍ
المَقْبِرِيِّ، عَن عَمْرِو بْنِ سُلَيْمِ الزُّرَقِيِّ، عَن عَاصِمٍ بْنِ عَمْرٍو، عَن عَليٍّ بْنِ أبِي طَالِبٍ
قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ حَتَّى إِذَا كُنْا بِحَرَّةِ السُّقْيَا الَّتِي كَانَتْ لِسَعْدِ بْنِ أبِي وَقَّاصٍ،
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلّهِ: ((اقْتُونِي بِوَضُوءٍ»، فَتَوَضَّأ ثمَّ قَامَ فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، ثُمَّ قَالَ: ((اللَّهِمَّ إِنَّ
إبْرَاهِيمَ كَانَ عَبْدَكَ وَخَلِيلَك وَدَعَا لِأَهْلٍ مََّةَ بِالبَرَكَةِ، وَأَنَا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ أذْعُوكَ لأَهْلٍ
المَدِينَةِ أنْ تُبَارِكَ لَهُمْ فِي مُدِّهِمْ وَصَاعِهِمْ مِثْلَ مَا بَارَكْتَ لأَهْلِ مَكَّةَ مَعَ الْبَرَكَةِ بَرَكَتينٍ)).
قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. قَالَ:
قلت: في الرواية الثانية ((من)) مقدرة؛ أي: من أفضل قبائل الأنصار قبيلة بني
عبد الأشهل.
٦٨ - بَابٌ في فَضْلِ الْمَدِينَةِ
[٣٩٢٣] قوله: (أخبرنا الليث) هو: ابن سعد (عن عمرو بن سليم) الزرقي (عن عاصم بن
عمرو) بالواو. ويقال: عاصم بن عمر، بغير الواو؛ حجازي، مدني، ثقة، من الثالثة.
قوله: (حتى إذا كان بحرة السقيا) بضم السين المهملة، وسكون القاف: موضع بين
المدينة ووادي الصفراء، والحَرة، بفتح المهملة: أرض ذات حجارة سود (ائتوني بوَضوء)
بفتح الواو؛ أي: بماء الوضوء (إن إبراهيم كان عبدك وخليلك) من الخلة، وهي: الصداقة،
والمحبة التي تخللت القلب، فملأته (ودعا لأهل مكة بالبركة) بقوله: ﴿وَرْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَتِ﴾
[إبراهيم: ٣٧] الآية (وأنا عبدك ورسولك) لم يذكر الخلة لنفسه مع أنه خليل أيضًا، تواضعًا
ورعاية للأدب مع أبيه (أدعوك لأهل المدينة أن تبارك لهم في مدهم وصاعهم) أي: فيما
يكال بهما بركة (مثل ما باركت لأهل مكة مع البركة بركتين) أي: أدعوك أن تضاعف لهم
البركة ضعفي ما باركته لأهل مكة بدعاء إبراهيم.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه الطبراني(١) في ((الأوسط)) بإسناد جيد قوي.
كذا في ((الترغيب))، وأخرجه أيضًا أحمد.
(١) الطبراني في «الأوسط))، حديث (٦٨١٨).

٣٧٤
كتاب المناقب عَنِ رَسُول الله ◌َ﴿ / باب في فَضْلِ المَدِينَةِ
وفي البابِ عَن عَائِشَةَ وَعَبْدِ الله بْنِ زَيْدٍ وَأبي هُرَيْرَةَ.
[٣٩٢٤] (٣٩١٥) حدثنا عَبْدُ الله بْنُ أبي زِيَادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو نُبَاتَةَ يُونُسُ بْنُ يَحْيَى بْنِ
نُبَاتَةَ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ وَرْدَانَ، عَن أبي سَعِيدِ بْنِ أبي المُعَلَّى، عَن عِلِيِّ بْنِ أبي طَالِبٍ
وَأَبِي هُرَيْرَةَ
ا قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّهِ: ((مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةً مِن رِیَاضٍ
الجَنَّةِ)). [خ: ١١٩٦، م: ١٣٩١، ن: ٦٩٤، حم: ٧١٨٢، طا: ٤٦١].
قوله: (وفي الباب عن عائشة، وعبد الله بن زيد، وأبي هريرة) أما حديث عائشة؛
فأخرجه الشيخان(١). وأما حديث عبد الله بن زيد؛ وهو: ابن عاصم؛ فأخرجه مسلم(٢).
وأما حديث أبي هريرة؛ فأخرجه الترمذي(٣) في ((باب ما يقول إذا رأى الباكورة من الثمر)) من
((أبواب الدعوات)).
[٣٩٢٤] قوله: (أخبرنا أبو نباتة) بنون مضمومة، فموحدة، ومثناة (يونس بن يحيى بن
نباتة) الأموي، المدني، صدوق، من التاسعة. (أخبرنا سلمة بن وردان) الليثي (عن
أبي سعيد بن أبي المعلى) بضم الميم وفتح اللام المشددة. ويقال: ابن المعلى، المدني،
مقبول، من الثالثة.
قوله: (ما بین بيتي ومنبري) وقع في حديث سعد بن أبي وقاص عند البزار (٤) بسند رجاله
ثقات، وعند الطبراني(٥) من حديث ابن عمر بلفظ ((القبر))، فعلى هذا: المراد بالبيت في
قوله: ((بيتي)) أحد بيوته لا كلها، وهو بيت عائشة الذي صار فيه قبره. وقد ورد الحديث
بلفظ: (مَا بَيْنَ الْمِنْبَرِ وَبَيْتِ عَائِشَة رَوْضَةٌ من رِيَاضِ الْجَنَّةِ»، أخرجه الطبراني(٦) (روضة من
رياض الجنة) أي: كروضة من رياض الجنة؛ في نزول الرحمة، وحصول السعادة؛ بما
يحصل من ملازمة حلق الذكر؛ لا سيما في عهده وَّه، فيكون تشبيهًا بغير أداة. أو المعنى:
أن العبادة فيها تؤدي إلى الجنة؛ فيكون مجازًا، أو هو على ظاهره؛ وأن المراد: أنه روضة
(١) البخاري، كتاب الحج، حديث (١٨٨٩)، ومسلم، كتاب الحج، حديث (١٣٧٦).
(٢) مسلم، كتاب الحج، حديث (١٣٦٠).
(٣) الترمذي، كتاب الدعوات، حديث (٣٤٥٤).
(٤) البزار، حديث (١٠٧٦ - زخار).
(٥) الطبراني في ((الأوسط))، حديث (٦١٠)، و((الكبير))، حديث (١٣١٥٦).
(٦) الطبراني في ((الأوسط))، حديث (٣١١٢).

٣٧٥
كتاب المناقب عَن رَسُول الله ◌َإنَ / باب في فَضْلِ المَدِينَةِ
قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غريبٌ حَسَنٌ مِن هَذَا الوَجْهِ من حديث علي، وقد روي من
غير وجه عَن أبي هريرة عن النبي ◌َِّ.
[٣٩٢٥] (٣٩١٦) حدثنا مُحمَّدُ بْنُ كَامِلِ المَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ
أبي حَازِمِ الزَّاهِدُ، عَن كَثِيرِ بْنِ زَيْدٍ عَن الوَلِيدِ بْنِ رِيَاحٍ، عَن أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َه
قَالَ: ((مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِن رِيَاضِ الجَنَّةِ)). [خ: ١٨٨٨، م: ١٣٩١].
وَبِهَذَا الإِسْنَادِ عَنِ النَّبِّ ◌ِ قَالَ: ((صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِن أَلْفِ صَلَاةٍ
فِيمَا سِوَاهُ مِنَ المَسَاجِدِ إلَّا المَسْجِدَ الحَرَامِ)). [خ: ١١٩٠، م: ١٣٩٤، جه: ١٤٠٤].
قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ، وَقَدْ رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَةَ الله عَن النبيِّ وَه
مِن غَيْرِ وَجْهٍ.
حقيقة، بأن ينتقل ذلك الموضع بعينه في الآخرة إلى الجنة. هذا محصل ما أوله العلماء في
هذا الحديث؛ وهي على ترتيبها هذا في القوة.
[٣٩٢٥] قوله: (عن كثير بن زيد) هو: الأسلمي، المدني (عن الوليد بن رباح)
الدوسي، المدني، مولى ابن أبي ذباب، صدوق، من الثالثة.
قوله: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة) زاد الشيخان(١) من طريق حبيب بن
عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة: ((وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي)).
قال الحافظ: أي: ينقل يوم القيامة، فينصب على الحوض. قال الأكثر: المراد: منبره
بعينه، الذي قال هذه المقالة وهو فوقه. وقيل: المراد، المنبر الذي يوضع له يوم القيامة،
والأول أظهر. وقيل: معناه إن قصد منبره، والحضور عنده لملازمة الأعمال الصالحة يورد
صاحبه إلى الحوض، ويقتضي شربه منه.
قوله: (صلاة في مسجدي هذا .. . إلخ) تقدم شرح هذا الحديث في «باب أي
المساجد أفضل)) من ((أبواب الصلاة)).
قوله: (هذا حديث صحيح)، وأخرجه الشيخان.
(١) البخاري، كتاب الجمعة، حديث (١١٩٦)، ومسلم، كتاب الحج، حديث (١٣٩١).

٣٧٦
كتاب المناقب عَن رَسُول اللهِ وََّ / باب في فَضْلِ المَدِينَِّ
[٣٩٢٦] (٣٩١٧) حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَام، حَدَّثَنِي أبي،
عَن أيُّوبَ، عَن نَافِع عَن ابنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُوْل اللهِوَّهِ: ((مَن اسْتَطَاعَ أنْ
يَمُوتَ بِالمَدِينَةِ فَلْيَمُتْ بِهَا، فَإِنِي أَشْفَعُ لِمَنْ يَمُوتُ بِهَا)). [جه: ٣١١٢، حم: ٥٤١٤].
قَالَ: وفي البابِ عَن سُبَيْعَةَ بِنْتِ الحَارِثِ الأسْلَمِيّة. قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ
صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هذَا الْوَجْهِ مِن حَدِيثٍ أيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ.
[٣٩٢٧] (٣٩١٨) حدثنا مُحمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأعْلَى، حَدَّثَنَا المُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ
[٣٩٢٦] قوله: (عن أيوب) هو: السختياني.
قوله: (من استطاع) أي: قدر (أن يموت بالمدينة) أي: يقيم بها حتى يدركه الموت
ثمت. (فليمت بها) أي: فليقم بها حتى يموت، فهو حث على لزوم الإقامة بها (فإني أشفع
لمن يموت بها) أي: أخصه بشفاعتي غير العامة، زيادة في إكرامه.
قال الطيبي: أمر له بالموت بها، وليس ذلك من استطاعته؛ بل هو إلى الله - تعالى - لكنه
أمر بلزومها، والإقامة بها؛ بحيث لا يفارقها، فيكون ذلك سببًا لأن يموت فيها، فأطلق
المسبب وأراد السبب؛ كقوله - تعالى -: ﴿وَلَا تَمُتُّنَّ إِلَّا وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
قوله: (وفي الباب عن سبيعة بنت الحارث الأسلمية) أخرجه الطبراني(١) في ((الكبير)) بنحو
حديث ابن عمر. قال المنذري: ورواته محتج بهم في ((الصحيح))، إلا عبد الله بن عكرمة روی
عنه جماعة، ولم يجرحه أحد.
وقال البيهقي: هو خطأ، وإنما هو: ((عن صميتة))؛ كما تقدم. انتهى.
قلت: أشار بقوله: ((ما تقدم)) إلى حديث صميتة؛ امرأة من بني ليث أنها سمعت
رسول الله وَ﴿ يقول: ((مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ لا يَمُوتَ إِلَّ بِالْمَدِينَةِ فَلْيَمُتْ بِهَا)) الحديث.
أخرجه ابن حبان في «صحيحه)) والبيهقي(٢).
قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب)، وأخرجه أحمد، وابن ماجه، وابن حبان في
(«صحيحه))، والبيهقي.
[٣٩٢٧] قوله: (حدثنا محمد بن عبد الأعلى) هو: الصنعاني
(١) الطبراني في ((الكبير)) (٢٩٤/٢٤)، حديث (٧٤٧).
(٢) ابن حبان، حديث (٣٧٤٢)، والبيهقي في ((الكبرى)) من حديث عمر.

٣٧٧
كتاب المناقب عَنِ رَسُول الله وَ ﴿ / باب في فَضْلِ المَدِينَةِ
قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ الله بْنَ عُمَرَ عَن نَافِع عَن ابنِ عُمَرَ ﴿يَا: أنَّ مَوْلَاةً لَهُ أَتَتْهُ،
فَقَالَت: اشْتَدَّ عَلَيَّ الزَّمَانُ، وَإِنِّي أُرِيدُ أنْ أَخْرُجَ إِلَى العِرَاقِ، قَالَ: فَهَلّا إِلَى الشَّام
أرْضِ المَنْشَرِ؟ اصْبِرِي لَكَاعٍ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَلِهِ يَقُولُ: ((مَن صَبَرَ عَلَى
شِدَّتِهَا وَلأُوَائِهَا كُنْتُ لَهُ شَهِيداً أوْ شَفِيعاً يَوْمَ القِيامَةِ)). [م: ١٣٧٧، حم: ٥٨٩٩،
طا: ١٦٣٨].
(سمعت عبيد الله بن عمر) العمري.
قوله: (اشتد عليّ) بتشديد الياء (الزمان) بالرفع؛ والمعنى: أصابتني شدة وجهد (وإني
أريد أن أخرج إلى العراق) بكسر العين؛ ككتاب: اسم بلاد تمتد من عبادان إلى الموصل
طولًا، ومن القادسية إلى حلوان عرضًا (فهلا) كلمة تحضيض مركبة من: ((هل)) و((لا))، فإن
دخلت على الماضي كانت للوم على ترك الفعل، نحو: هلا آمنت، وإن دخلت على
المضارع كانت للحث على الفعل، نحو: هلا تؤمن (إلى الشام أرض المنشر) أي: موضع
النشور، وهي الأرض المقدسة من الشام يحشر الله الموتى إليها يوم القيامة؛ وهي أرض
المحشر (واصبري لكاع) بفتح اللام، وأما العين؛ فمبنية على الكسر. قال أهل اللغة: يقال:
امرأة لَكَاعٍ، ورجل لُكَعُ؛ بضم اللام، وفتح الكاف؛ ويطلق ذلك على اللئيم، وعلى العبد،
وعلى الغبي الذي لا يهتدي لكلام غيره، وعلى الصغير. وخاطبها ابن عمر بهذا إنكارًا
عليها، لا دلالة عليها، لكونها ممن ينتمي إليه، ويتعلق به، وحثها على سكنى المدينة لما فيه
من الفضل (من صبر على شدتها، ولأوائها) مهموزًا وممدودًا: قال في ((النهاية)): اللأواء:
الشدة، وضيق المعيشة (كنت له شهيدًا، أو شفيعًا يوم القيامة) قال القاضي عياض: قال
بعض شيوخنا: ((أو)) هنا للشك، والأظهر عندنا أنها ليست للشك؛ لأن هذا الحديث رواه
جابر بن عبد الله، وسعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وأبو سعيد، وأبو هريرة، وأسماء بنت
عميس، وصفية بنت أبي عبيد، عن النبي وَي بهذا اللفظ، ويبعد اتفاق جميعهم، أو رواتهم
على الشك، وتطابقهم فيه على صيغة واحدة؛ بل الأظهر: أنه قاله ◌َفي هكذا، فإما أن يكون
أعلم بهذه الجملة هكذا، وإما أن يكون ((أو)) للتقسيم يكون شهيدًا لبعض أهل المدينة،
وشفيعًا لباقيهم، إما شفيعًا للعاصين وشهيدًا للمطيعين، وإما شهيدًا لمن مات في حياته
وشفیعًا لمن مات بعده، أو غير ذلك.
قال القاضي: وهذه خصوصية زائدة على الشفاعة للمذنبين، أو للعالمين في القيامة،
وعلى شهادته على جميع الأمة. وقد قال وَ﴿ في شهداء أحد: ((أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤلاءِ)»،

٣٧٨
كتاب المناقب عَنِ رَسُول الله ◌َ﴿ / باب في فَضْلِ المَدِينَةِ
قَالَ: وفي البابِ عَن أبي سَعِيدٍ وَسُفْيَانَ بْنِ أبي زُهَيْرٍ وَسُبَيْعَةَ الأسْلَمِيَّةِ. قَالَ:
وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ من حديث عبيد الله.
[٣٩٢٨] (٣٩١٩) حدثنا أبو السَّائِبِ سَلْمُ بْنُ جُنَادَةَ، أُخْبَرَنَا أبي: جُنَادَةُ بْنُ
سَلْمٍ عَنِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَن أبِيهِ عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَفِ: ((آخِرُ
قَرْيَةٍ مِن قُرَى الإِسْلَامِ خَرَاباً المَدِينَةُ)). [ضعيف، أبو جنادة، ضعيف].
قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، لا نَعْرِفُهُ إلَّا من حديثٍ جَنَادَةَ عَنِ هِشَامِ بْنِ
عروة قَالَ: تَعَجَّبَ مُحَمَّدُ بْنُ إسماعيل من حديث أبي هريرة هذا.
فيكون لتخصيصهم بهذا كله مزية، وزيادة منزلة وحظوة. قال: وقد يكون بمعنى الواو؛
فيكون لأهل المدينة شفيعًا وشهيدًا. ذكره النووي في ((شرح مسلم)).
قوله: (وفي الباب عن أبي سعيد) أخرجه مسلم(١) (وسفيان بن أبي زهير) أخرجه
الشيخان(٢)؛ والنسائي (وسبيعة الأسلمية) تقدم تخريجه(٣) .
قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب)، وأخرجه مسلم.
[٣٩٢٨] قوله: (حدثنا أبي جنادة) بضم الجيم، وبالنون، وبإهمال الدال (بن سلم) بفتح
السين المهملة، وسكون اللام: ابن خالد بن جابر بن سمرة، السوائي، أبو الحكم،
الكوفي، صدوق، له أغلاط، من التاسعة.
قوله: (آخر قرية من قرى الإسلام خرابًا) مبتدأ، وخبره قوله: (المدينة)، ويجوز عكسه.
المراد بالمدينة: المدينة النبوية؛ وهي علم لها بالغلبة؛ فلا يستعمل معرفًا إلا فيها. وفي
الحديث إشارة إلى أن عمارة الإسلام منوطة بعمارتها، وهذا ببركة وجوده فيها ومتط هير .
قوله: (هذا حديث حسن غريب)، وأخرجه ابن حبان(٤) (لا نعرفه إلّا من حديث جنادة
عن هشام) وقع في بعض النسخ بعد هذا قال: ((تعجب محمد بن إسماعيل من حديث
(١) مسلم، كتاب الحج، حديث (١٣٧٤).
(٢) البخاري، كتاب فضائل المدينة، حديث (١٨٧٥)، مسلم، كتاب الحج، حديث (١٣٨٨)، والنسائي في
((الکبری))، حدیث (٤٢٦٣، ٤٢٦٤).
(٣) الطبراني في «الكبير» (٢٩٤/٢٤)، حديث (٧٤٧).
(٤) ابن حبان، حدیث (٦٧٧٦).

٣٧٩
كتاب المناقب عَنِ رَسُول الله ◌َ﴿ / باب في فَضْلِ المَدِينَةِ
[٣٩٢٩] (٣٩٢٠) حدثنا الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ،
وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ عَن مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَن مُحمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ عَن جَابِرٍ: أنَّ أعْرَابِيَّاً بَايَعَ
رَسُولَ اللهِوَّهِ عَلَى الإِسْلَامِ، فَأَصَابَهُ وَعَكٌّ بِالمَدِينَةِ، فَجَاءَ الأَعْرَابِيُّ إِلَى رَسُولِ الله
وَلِهِ، فَقَالَ: أُقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبَى رَسُولُ اللهِ وَّهِ، فَخَرَج الأَعرَابِي ثُمَّ جَاءَهُ، فَقَالَ:
أُقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبَى، فَخَرَجَ الأَعْرَابِيُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: ((إنَّمَا المَدِينَةُ كَالكِيرِ
تَنْفِي خَبَثَهَا وَتُنْصّعُ طَيِّبَهَا)). [خ: ١٨٨٣، م: ١٣٨٣، حم: ١٣٨٧٢، طا: ١٦٣٩].
أبي هريرة هذا). قال المناوي في ((شرح الجامع الصغير)): وذكر - أي الترمذي : في .
((العلل)»: أنه سأل عنه البخاري فلم يعرفه، وتعجب منه.
[٣٩٢٩] قوله: (أن أعرابيًا بايع رسول الله ير على الإسلام) من المبايعة، وهي: عبارة
عن المعاقدة على الإسلام والمعاهدة؛ كأن كل واحد منهما باع ما عنده من صاحبه، وأعطاه
خلاصة نفسه وطاعته ودخيلة أمره (فأصابه وعك) بفتح الواو، وسكون العين المهملة، وقد
تفتح، بعدها كاف: الحمى، وقيل: ألمها. وقيل: إرعادها (أقلني بيعتي) استعارة من إقالة
البيع؛ وهو إبطاله (فأبى رسول الله (8$) قال النووي في ((شرح مسلم)): قال العلماء: إنما لم
يقله النبي * بيعته؛ لأنه لا يجوز لمن أسلم أن يترك الإسلام، ولا لمن هاجر إلى النبي مؤلف-
للمقام عنده أن يترك الهجرة، ويذهب إلى وطنه، أو غيره.
قالوا: وهذا الأعرابي كان ممن هاجر، وبايع النبي 18 على المقام معه. قال القاضي:
ويحتمل أن بيعة هذا الأعرابي كانت بعد فتح مكة وسقوط الهجرة عليه وَعليه، وإنما بايع على
الإسلام، وطلب الإقالة منه؛ فلم يقله. والصحيح الأول. انتهى. (فخرج الأعرابي) أي: من
عند النبي ◌َّ﴾ (ثم جاءه) أي: ثانيًا (فخرج الأعرابي) أي: من المدينة راجعًا إلى البدو (إنما
المدينة كالكير) قال في ((النهاية)): الكير بالكسر: كير الحداد؛ وهو: المبني من الطين.
وقيل: الزق الذي ينفخ به النار، والمبني الكور. انتهى.
(تنفي خبثها) بفتح المعجمة، والموحدة؛ هو: ما تلقيه من وسخ الفضة والنحاس
وغيرهما إذا أذيبا. والمعنى: تطرد المدينة من لا خير فيه، وتخرجه (وتنصع) من باب التفعيل
والإفعال، أي: تخلص (طيبها) بالنصب على المفعولية، وهو بفتح الطاء، وتشديد التحتية.
جعل مثل المدينة وما يصيب ساكنيها من الجهد والبلاء، كمثل الكير وما يوقد عليه في النار؛
فيميز به الخبيث من الطيب؛ فيذهب الخبيث، ويبقى الطيب فيه أذكى ما كان وأخلص. قال

٣٨٠
كتاب المناقب عَنِ رَسُول الله ◌َ﴿ / باب في فَضْلِ المَدِينَةِ
قَالَ: وفي البابِ عَن أبي هُرَيْرَةَ. قَالَ: وهَذَا حَدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ.
[٣٩٣٠] (٣٩٢١) حدثنا الأنْصارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ،
عَن مَالِكِ، عَن ابنِ شِهَابٍ، عَن سَعِيدٍ بْنِ المُسَيِّبِ، عَن أبي هُرَيْرَةَ أنَّهُ كَانَ يَقُولُ:
لَوْ رَأيْتُ الطِّبَاءَ تَرْتَعُ بِالمَدِينَةِ مَا ذَعَرْتُهَا، إنَّ رَسُولَ اللهِوَهِ قَالَ:
النووي في ((شرح مسلم)): قال القاضي: الأظهر: أن هذا مختص بزمن النبي ◌َّ؛ لأنه لم
يكن يصبر على الهجرة والمقام معه إلا من ثبت إيمانًا، وأما المنافقون، وجهلة الأعراب؛
فلا يصبرون على شدة المدينة، ولا يحتسبون الأجر في ذلك، كما قال ذلك الأعرابي الذي
أصابه الوعك: أقلني بيعتي. هذا كلام القاضي، وهذا الذي ادعى أنه الأظهر ليس بالأظهر،
لأن في هذا الحديث الأول في ((صحيح مسلم))(١) أنه وَّمِ قال: ((لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَنْفِي
الْمَدِينَةُ شِرَارَهَا، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ)) وهذا - والله أعلم - في زمن الدجال كما
جاء في الحديث الصحيح الذي ذكره مسلم في أواخر الكتاب في أحاديث الدجال: ((أنه
يقصد المدينة، فترجف المدينة ثلاث رجفات يخرج الله منها كل كافر منافق))؛ فيحتمل أنه
مختص بزمن الدجال، ويحتمل أنه في أزمان متفرقة. انتهى.
وقال ابن المنير: ظاهر هذا الحديث: ذم من خرج من المدينة؛ وهو مشكل؛ فقد خرج
منها جمع كثير من الصحابة، وسكنوا غيرها من البلاد؛ وكذا من بعدهم من الفضلاء.
والجواب: أن المذموم من خرج عنها كراهة فيها، ورغبة عنها؛ كما فعل الأعرابي
المذكور. وأما المشار إليهم؛ فإنما خرجوا لمقاصد صحيحة، كنشر العلم، وفتح بلاد
الشرك، والمرابطة في الثغور، وجهاد الأعداء؛ وهم مع ذلك على اعتقاد فضل المدينة،
وفضل سكناها.
قوله: (وفي الباب عن أبي هريرة) أخرجه الشيخان، والنسائي(٢).
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه الشيخان، والنسائي.
[٣٩٣٠] قوله: (لو رأيت الظباء) جمع ظبي (ترتع) أي: ترعى. وقيل: معناه: تسعى،
وتنبسط (ما ذعرتها) أي: ما أخفتها، وما نفرتها؛ وهو بالذال المعجمة، والعين المهملة.
(١) مسلم، كتاب الحج، حديث (١٣٨١).
(٢) البخاري، كتاب الحج، حديث (١٨٧١)، ومسلم، كتاب الحج، حديث (١٣٨٢)، والنسائي في ((الكبرى))،
حدیث (٤٢٦١).