Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
کتاب المناقب عَن رَسُول الله ټ/#/ باب
[٣٦٣٧] (٣٦٢٨) حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا
شَرِيكٌ عَن سِمَاكٍ عَن أبِي ظِبْيَانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ أعْرَابِيٍّ إلى رَسُولِ اللهِ وَّهـ
فَقَالَ: بِمَ أعْرِفُ أنَّكَ نَبِيٍّ؟ قَالَ: ((إنْ دَعَوْت هَذَا العِذْقَ مِن هذِهِ النَّخْلَةِ أَتَشْهَدُ أنِّي
رَسُولُ الله؟)) فدعاه رَسُولُ اللهِوَ لِ فَجَعَلَ يَنْزِلُ مِنَ النَّخْلَةِ حَتَّى سَقَطَ إلى النَّبِيِّ وَلِهِ ثُمَّ
قَالَ: ((ارْجِعْ))، فَعَادَ، فأسْلَمَ الأَعْرَابِيُّ. [صحيح، دون قوله فأسلم الأعرابي، مي بنحوه: ٢٤].
[٣٦٣٧] قوله: (حدثنا محمد بن إسماعيل) هو: الإمام البخاري (حدثنا محمد بن
سعيد) بن سليمان الكوفي، أبو جعفر بن الأصبهاني، يلقب: حمدان، ثقة، ثبت، من
العاشرة (عن سماك) بن حرب (عن أبي ظبيان) اسمه: حصين بن جندب بن الحارث.
قوله: (بم أعرف) أي: من معجزاتك (إن) بكسر الهمزة (دعوت) بصيغة المتكلم (هذا
العذق) بكسر العين المهملة؛ هو: العرجون بما فيه من الشماريخ؛ وهو للنخل كالعنقود
للعنب (أتشهد) بصيغة المخاطب جزاء ((إن)). والمعنى: إن دعوت هذا العذق من هذه
النخلة، وجاءني نازلاً منها؛ فهل أنت تشهد بأني نبي؟ ووقع في ((المشكاة)): ((يشهد)) بصيغة
الغائب. قال القاري في ((المرقاة)): ((إن دعوت)) بكسر الهمزة في أكثر الأصول، وفي بعضها
بفتحها؛ وهو الأظهر؛ أي: بأن دعوت هذا العذق من هذه النخلة يشهد؛ أي: حال كون
العذق يشهد أني رسول الله.
وقال الطيبي: ((إن دعوت))؛ جواب لقوله: ((بم أعرف))، أي: بأني إن دعوته يشهد.
انتهى. ومقتضاه: أن يكون يشهد مجزومًا بصيغة الغائب. والمعنى: تعرف بأني إن دعوته
يشهد، وقال شارح: ((إن)) للشرط، و((يشهد)) جزاؤه أو للمصدرية؛ و((يشهد)) جملة حالية.
انتهى. وظاهره: أن يكون يشهد على الأول مخاطبًا مجزومًا؛ كما في نسخةٍ - يعني: من
(المشكاة)) - ليكون جواب الأعرابي بنعم؛ [مقدرًا](١)، أو النبي /# لم ينتظر جوابه؛ إذ ليس
له جواب صواب غيره. انتهى ما في ((المرقاة)) (فدعاه) أي؛ العذق (حتى سقط إلى النبي {﴿)
أي: وقع على الأرض؛ منتهيًا إليه وَلتر (ثم قال) أي: للعذق (فعاد) أي: رجع إلى ما كان
عليه .
(١) في المطبوع ((مقدرٌ))، والصواب ما أثبتناه.

١٠٢
كتاب المناقب عَن رَسُول الله ﴾/# / باب
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غريبٌ صحيحٌ.
[٣٦٣٨] (٣٦٢٩) حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ بُنْدَارٌ، حَدَّثَنَا أبُو عَاصِم، حَدَّثَنَا
عَزْرَةُ بْنُ ثَابتٍ، حَدَّثَنَا عَلْبَاءُ بْنُ أحْمَرَ الْيَشْكُرِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو زَيْد بْنِ أخْطَبَ قَالَ:
مَسَحَ رَسُولُ اللهِ وَ ﴿ يَدَهُ عَلَى وَجْهِي وَدَعَا لِي، قَالَ عَزْرَةُ: إنَّهُ عَاشَ مِائَةً وعِشْرِينَ
سَنَةً وَلَيْسَ في رَأْسِهِ إلَّا شَعرَاتٌ بِيضٌ. [حم: ٢٠٢٠٩].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَأَبُو زَيْدِ اسْمُهُ: عَمْرُو بْنُ أخْطَبَ.
[ت١١، م٦]
[٣٦٣٩] (٣٦٣٠) حدثنا إسحاقُ بْنُ موسَى الأنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ قَالَ:
عَرَضْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَن إسحَاقَ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ أبي طَلْحَةَ أنَّهُ سَمِعَ أنَسَ بْنَ
مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ أَبُو طَلْحَةَ لأُمِّ سُلَيْمِ: لَقَدْ سَمِعْتُ
قوله: (هذا حديث حسن غريب صحيح) في سنده شريك القاضي؛ وهو صدوق، يخطئ
كثيرًا، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة.
[٣٦٣٨] قوله: (حدثنا أبو عاصم) هو: النبيل (حدثنا عزرة بن ثابت) الأنصاري،
البصري (حدثنا علباء) بكسر المهملة، وسكون اللام بعدها موحدة، ومد (ابن أحمر)
اليشكري؛ بفتح التحتانية، وسكون المعجمة، وضم الكاف، بصري، صدوق، من القراء،
من الرابعة (حدثنا أبو زيد بن أخطب) في ((التقريب)): عمرو بن أخطب، أبو زيد الأنصاري،
صحابي جليل، نزل البصرة، مشهور بكنيته.
قوله: (أنه) أي: أبا زيد عمرو بن أخطب (عاش مئة وعشرين سنة) أي: ببركة دعائه ◌َله
(وليس في رأسه إلا شعيرات بيض) جملة حالية.
قوله: (هذا حديث حسن غريب)، وأخرجه أحمد في ((مسنده)) ولفظه: ((أَنَّ رَسُولَ الله
** مَسَحَ وَجْهَهُ وَدَعَا لَهُ بِالْجَمَالِ))، قال: أخبرني غير واحد أنه بلغ بضعًا ومئة سنة أسود
الرأس، واللحية، إلا نبذ شعر بيض في رأسه.
[٣٦٣٩] قوله: (قال: عرضت على مالك بن أنس) أي: قرأت هذا الحديث عليه؛ وهو
يسمع (قال أبو طلحة) هو زيد بن سهل، الأنصاري، زوج أم سليم، والدة أنس (لقد سمعت

١٠٣
كتاب المناقب عَن رَسُول الله ﴾ / باب
صَوْتَ رَسُولِ اللهِوَلِ﴿ يعني ضَعِيفاً أعْرِفُ فِيهِ الجُوعَ فَهَلْ عِنْدَكِ مِن شَيْءٍ؟ فَقَالَت:
نَعَم، فَأَخْرَجَتْ أقْرَاصاً مِن شَعِيرٍ، ثُمَّ أخْرَجَتْ خِمَاراً لَهَا فَلَفَّت الخُبْزَ بِبَعْضِهِ، ثُمَّ
دَسَّتْهُ فِي يَدِي وَرَدَّتْنِي بِبَعْضِهِ، ثُمَّ أَرْسَلَثْنِي إِلَى رَسُولِ اللهِهِ، قَالَ: فَذَهَبْتُ بِهِ إِلَيْهِ،
فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ جَالِساً فِي المَسْجِدِ وَمَعَهُ النَّاسُ، قَالَ: فَقُمْتُ عَلَيْهِم، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِوَلِ: ((أرْسَلَكَ أَبُو طلحةَ؟)) فَقُلْتُ: نَعَم، قَالَ: ((بطعام؟)) فَقُلْتُ: نَعَم،
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ لِمَنْ مَعَهُ: ((قُومُوا))، قَالَ:
صوت رسول الله﴿ ضعيفًا، أعرف فيه الجوع) فيه: العمل على القرائن.
قال القسطلاني: وكأنه لم يسمع في صوته - لما تكلم إذ ذاك - الفخامة المألوفة منه،
فحمل ذلك على الجوع؛ بالقرينة التي كانوا فيها. وفيه: رد على دعوى ابن حبان(١): أنه لم
يكن يجوع؛ محتجًا بحديث: ((أَبِيْتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِيني))، وهو محمول على تعدد الحال؛
فكان أحيانًا يجوع؛ ليتأسى به أصحابه، ولا سيما من لا يجد مددًا؛ فيصبر؛ فيضاعف
أجره. وفي رواية يعقوب بن عبد الله بن أبي طلحة، عند مسلم(٢)، عن أنس قال: ((جِئْتُ
رَسُولَ اللهِ وَ ﴿ فَوَجَدْتُهُ جَالِسًا مَعَ أَصْحَابِهِ يُحَدِّثُهُمْ وَقَدْ عَصَبَ بَظْنه بِعِصَابَةٍ، فَسَأَلْتُ بَعْضَ
أَصْحَابِهِ فَقَالُوا: مِنَ الْجُوعِ، فَذَهَبْتُ إِلَى أَبِي طَلْحَةَ فَأَخْبَرْتُهُ فَدَخَلَ عَلَى أُمَّ سُلَيْم)) (فأخرجت
أقراصًا) جمع: قرص؛ وهو خبز (خمارًا) بكسر المعجمة؛ أي: نصيفًا (ثم دسته) أي:
أخفته، وأدخلته. تقول: دَسَّ الشيءَ يَدُسُّه دَسًّا؛ إذا أدخله في الشيء بقهر وقوة (في يدي)
أي: تحت إبطي (وردتّني ببعضه) أي: وألبستني ببعض الخمار. يقال: ردي الرجل؛ أي:
ألبسه الرداء (قال) أي: أنس (فذهبت به) أي: بالخبز (إليه) أي: النبي ﴿ (في المسجد)
أي: الموضع الذي هيأه للصلاة في غزوة الأحزاب (أرسلك أبو طلحة؟) استفهام استخباري
(قوموا) قال الحافظ في ((الفتح)): ظاهره أن النبي ﴿ فهم أن أبا طلحة استدعاه إلى منزله،
فلذلك قال لمن عنده: ((قوموا))، وأول الكلام يقتضي: أن أم سليم، وأبا طلحة أرسلا الخبز
مع أنس، فيجمع بأنهما أرادا بإرسال الخبز مع أنس أن يأخذه النبي في فيأكله؛ فلما وصل
أنس، ورأى كثرة الناس حول النبي و ﴿ استحيى، وظهر له أن يدعو النبي و ليزر، ليقوم معه
وحده إلى المنزل؛ فيحصل مقصودهم من إطعامه. ويحتمل أن يكون ذلك عن رأي من
(١) ابن حبان. حديث (٣٥٧٦)، وأصل الحديث عند البخاري برقم (١٩٦٥)، ومسلم (١١٠٣).
(٢) مسلم، كتاب الأشربة، حديث (٢٠٤٠).

١٠٤
كتاب المناقب عَن رَسُول الله ێ/#/ باب
فانْطَلَقُوا، فانْطَلَقْتُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ حَتَّى جِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ:
يَا أُمَّ سُلَيْم! قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللهِوَهِ وَالنَّاسُ مَعَهُ، وَلَيْسَ عِنْدَنَا مَا نُطْعِمُهُمْ، قَالَت
أُمُّ سلَيْم: اللهُ وَرسولُهُ أعْلَمُ، قَالَ: فَانْطَلَقَ أبُو طَلْحَةَ حَتَّى لَقِيَ رَسُولَ اللهِ وَّةِ، فَأَقْبَلَ
رَسُولُ اللهِ﴿ وَأَبُو طَلْحَةَ مَعَهُ حَتَّى دَخَلَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((هَلُّمِّي يَا أُمَّ سُلَيْمٍ
مَا عِنْدَكِ؟)) فَأَتَتْهُ بِذَلِك الْخُبْزِ، فأمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِوَلَ فَفتَّ وَعَصَرَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ عُمَّةً
لَهَا فَآدَمَتْهُ، ثُمَّ قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللهِوَّهِ مَا شَاءَ اللهُ أنْ يَقُولَ،
أرسله، عهد إليه إذا رأى كثرة الناس أن يستدعي النبي و 18 وحده؛ خشية أن لا يكفيهم ذلك
الشيء هو ومن معه؛ وقد عرفوا إيثار النبي ◌َّةٍ، وأنه لا يأكل وحده. وقد وجدت أن أكثر
الروايات تقتضي أن أبا طلحة استدعى النبي ◌َ ﴿ في هذه الواقعة؛ ففي رواية سعد بن سعيد
عن أنس: ((بَعَثَنِي أَبُو طَلْحَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﴿ لَأَدْعُوَهُ وَقَدْ جَعَلَ لَهُ طَعَامًا))، وفي رواية
عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أنس: ((أَمَرَ أَبُو طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيم أَنْ تَصْنَعَ لِلنَّبِّ وَّهِ لِنَفْسِهِ خَاصَّةً
ثُمَّ أَرْسَلَتِنِي إِلَيْهِ»، وفي رواية يعقوب بن عبد الله بن أبي طلّحة عن أنس: ((فَدَخَلَ أَبُو طَلْحَةَ
عَلَى أُمي، فَقَالَ: هَلْ من شَيْءٍ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ؛ عِنْدِي كِسَرٌ من خُبْزِ، فَإِنْ جَاءَنَا رَسُولُ اللهِ وَاهـ
وَحْدَهُ أَشْبَعْنَاهُ، وَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ مَعَهُ قَلَّ عَنْهُمْ))، وجميع ذلك عند مسلم. وذكر الحافظ تلك
الروايات. (فانطلقوا)، وفي رواية محمد بن كعب: ((فَقَالَ لِلْقَوْم: انْطَلِقُوا، فَانْطَلَقُوا وَهُمْ
ثَمَانُونَ رَجُلًا)) (فأخبرته) أي: بمجيئهم (وليس عندنا ما نطعمهم) أي: قدر ما يكفيهم (قالت
أم سليم: الله ورسوله أعلم) أي: بقدر الطعام؛ فهو أعلم بالمصلحة، ولو لم يكن يعلم
بالمصلحة لم يفعل ذلك.
قال الحافظ: كأنها عرفت أنه فعل ذلك عمدًا؛ ليظهر الكرامة في تكثير ذلك الطعام.
ودل ذلك على فطنة أم سليم، ورجحان عقلها. وفي رواية يعقوب: ((فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ:
يَا رَسُولَ الله، إِنَّمَا أَرْسَلْتُ أَنَسَا يَدْعُوكَ وَحْدَكَ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَنَا مَا يُشْبِعُ مَنْ أَرَى. فَقَالَ:
ادْخُلْ، فَإِنَّ الله سَيُبَارِكُ فِيمَا عِنْدَكَ)) (حتى دخلا) أي: النبي ◌َّ﴿ وأبو طلحة على أم سليم
(هلمي يا أم سليم ما عندك) أي: هات ما عندك (ففت) بصيغة المجهول، من الفتّ؛ وهو
الدق، والكسر بالأصابع؛ أي: كسِر الخبز. وفي بعض النسخ: ((فَفَتَّتَ))، فالضمير للأقراص
(وعصرت أم سليم بعكة) بضم المهملة، وتشديد الكاف: إناء من جلد مستدير؛ يجعل فيه
السمن - غالبًا - والعسل (فآدمته) أي: صيرت ما خرج من العكة إدامًا للمفتوت. وفي رواية

١٠٥
كتاب المناقب عَن رَسُول الله ێ / باب
ثُمَّ قَالَ: (ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ»، فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ((ائْذَنْ
لِعَشَرَةٍ»، فأذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، فَأَكَلَ القَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا،
والقَومُ سَبْعُونَ أَوْ ثَمَانُونَ رَجُلًا. [خ: ٣٥٧٨، م: ٢٠٤٠، حم: ١٢٨٧٠، طا: ١٧٢٥، مي: ٤٣].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحیحٌ.
مبارك بن فضالة: ((فَقَالَ: هَلْ من سَمْنٍ؟ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: قَدْ كَانَ فِي الْمُكَّةِ سَمْنٌ فجاء بِهَا،
فَجَعَلَا يَعصرانها حَتَّى خَرَجَ، ثُمَّ مَسَحَ رَسُولُ اللهِ له بِهِ سَبَّابَتَهُ، ثُمَّ مَسَحَ الْقُرْصَ فَانْتَفَخَ
وَقَالَ: بِسْمِ اللهِ، فَلَمْ يَزَلْ يَصْنَعُ ذَلِكَ وَالقُرْصُ يَنْتَفِخُ حَتَّى رَأَيْتُ الْقُرْصَ فِي الْجَفْنَةِ يَتَمَيَّعُ))،
وفي رواية سعد بن سعيد: ((فَمَسَّهَا رَسُولُ اللهِ﴿ وَدَعَا فِيهَا بِالْبَرَكَةِ))، وفي رواية النضر بن
أنس: ((فَجِئْتُ بِهَا فَفَتَحَ رِبَاطَهَا ثُمَّ قَالَ: بِسْمِ الله، اللَّهُمَّ أَعْظِمْ فِيهَا الْبَرَكَةَ)) وعرف بهذا المراد
بقوله: ((وقال فيها ما شاء الله أن يقول)) (ثَم قال: ائذَن) أي: بالدخول (العشرة) أي: من
أصحابه؛ ليكون أوفق بهم؛ فإن الإناء الذي فيه الطعام لا يتحلق عليه أكثر من عشرة إلا
بضرر يلحقهم؛ لبعده عنهم. وفي رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى: ((فَلَمَّا انْتَهَى رَسُولُ اللهَِ﴾
إِلَى الْبَابِ فَقَالَ لَهُمْ: اقْعُدُوا وَدَخَلَ»؛ وفي رواية يعقوب: ((أَدْخِلْ عَلَيَّ ثَمَانِيَةً، فَمَا زَالَ حَتَّى
دَخَلَ عَلَيْهِ ثَمَانُونَ رَجُلًا، ثُمَّ دَعَانِي وَدَعَا أُمِّي وَأَبَا طَلْحَةَ فَأَكَلْنَا حَتَّى شَبِعْنَا)) قال الحافظ:
وهذا يدل على تعدد القصة؛ فإن أكثر الروايات فيها: أنه أدخلهم؛ عشرة عشرة؛ سوى هذه؛
فقال: إنه أدخلهم ثمانية ثمانية. انتهى. (فأذن) أي: أبو طلحة؛ فدخلوا (فأكلوا) أي: من
ذلك الخبز المأدوم بالسمن (ثم قال) أي: النبي ◌َ ل﴿ لأبي طلحة (ائذن لعشرة) أي: ثانية
(والقوم سبعون أو ثمانون رجلاً) وفي رواية مبارك بن فضالة: ((حَتَّى أَكَلَ منه بِضْعَةٌ وَثَمَانُونَ
رَجُلًا))، وفي رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى: ((حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ بِثَمَانِيْنَ رَجُلًا، ثُمَّ أَكَلَ النَّبِيُّ
﴿ِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَهْلُ البَيْتِ، وَتَرَكُوا سُؤْرًا، أَيْ: فَضْلًا)) وزاد مسلم(١) في رواية عبد الله بن
عبد الله بن أبي طلحة: ((وَأَفْضَل مَا بَلَّغُوا جِيرَانَهُمْ)) وفي رواية لمسلم (٢): ((ثُمَّ أَخَذَ مَا بَقِيَ
فَجَمَعَهُ ثُمَّ دَعَا فِيْهِ بِالْبَرَكَةِ فَعَادَ كَمَا كَانَ».
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي.
(١) مسلم، كتاب الأشربة، حديث (٢٠٤٠).
(٢) مسلم، كتاب الأشربة. حديث (٢٠٤٠).

١٠٦
كتاب المناقب عَن رَسُول الله ێد / باب
[ت١٢، م٦]
[٣٦٤٠] (٣٦٣١) حدثنا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا
مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَن إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَن أنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: رَأيْتُ
رَسُولَ اللهِ وَّهُ وَحَانَتْ صَلَاةُ العَصْرِ والتَمَسِ النَّاسُ الوَضُوءَ فَلَمْ يَجِدُوه، فَأَتِيَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِوَضُوءٍ فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يَدَهُ فِي ذَلِكَ الإِنَاءِ وَأمَرَ النَّاسَ أنْ
يَتَوضَّؤُوا مِنْهُ، قَالَ: فَرَأيْتُ المَاءَ يَنْبُعُ مِن تَحْتِ أصَابِعِهِ، فَتَوضَّأَ النَّاسُ حَتَّى تَوَضَّؤُوا
مِن عِنْدِ آخِرِهِمْ)). [خ: ٣٥٧٣، م: ٢٢٧٩، ن: ٧٦، حم: ١١٩٣٩، طا: ٦٤].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وَفي الْبَابِ عَنِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وابن مَسْعُودٍ وَجَابِرٍ وزیاد بْنِ
[٣٦٤٠] قوله: (وحانت) أي: والحال أنه قد قربت (والتمس الناس الوضوء) بفتح
الواو؛ أي: طلبوا الماء للوضوء (فأَتِيَ) بصيغة المجهول (قال) أي: أنس (ينبع) بتثليث
الموحدة؛ أي: يفور، ويخرج (حتى توضأوا من عند آخرهم) قال الكرماني: ((حتى))
للتدريج، و((من)) للبيان، أي: توضأ الناس حتى توضأ الذين عند آخرهم، وهو كناية عن
جميعهم. قال: و((عند))، بمعنى: ((في))؛ لأن ((عند))، وإن كانت للظرفية الخاصة، لكن
المبالغة تقتضي أن تكون لمطلق الظرفية؛ فكأنه قال: الذين هم في آخرهم.
وقال التيمي: المعنى: توضأ القوم حتى وصلت النوبة إلى الآخر.
وقال النووي: ((من)) هنا؛ بمعنى: ((إلى))؛ وهي لغة. وتعقبه الكرماني بأنها شاذة. قال:
ثم إن ((إلى)) لا يجوز أن تدخل على ((عند))، ويلزم عليه، وعلى ما قال التيمي؛ أن لا يدخل
الأخير؛ لكن ما قاله الكرماني من أن ((إلى)) لا تدخل على ((عند))؛ لا يلزم مثله في ((من)) إذا
وقعت بمعنى: ((إلى)). وعلى توجيه النووي يمكن أن يقال: ((عند)) زائدة.
قوله: (وفي الباب عن عمران بن حصين وابن مسعود، وجابر)، أما حديث عمران بن
حصين؛ فأخرجه أحمد، والبخاري، ومسلم(١). وأما حديث ابن مسعود، فأخرجه
الترمذي(٣) بعد الباب الذي يلي هذا الباب. وأما حديث جابر، فأخرجه الشيخان(٣).
(١) أحمد، حديث (١٩٣٩٧)، والبخاري، كتاب المناقب، حديث (٣٥٧١)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع
الصلاة، حدیث (٦٨٢).
(٢) الترمذي، كتاب المناقب، حديث (٣٦٣٣).
(٣) البخاري، كتاب المناقب، حديث (٣٥٧٦)، ومسلم، كتاب الإمارة، حديث (١٨٥٦).

١٠٧
كتاب المناقب عَن رَسُول الله {# / باب
الحارث الصدائي، وحَدِيثُ أنَسٍ حَديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
[ت١٣، م٦]
[٣٦٤١] (٣٦٣٢) حدثنا الأنْصَارِيُّ إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا
يونسُ بْنُ بُكَيْرٍ، أْبَرَنَا مُحَمّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ عَنِ عُرْوَةَ عَن
عَائِشَةَ، أنهَا قَالَت: أوَّلُ مَا ابْتُدِى بِهِ رَسُولُ اللهِوَ ﴿ مِنَ النُّبُوَّةِ حِينَ أرَادَ اللهُ كَرَامَتَهُ
وَرَحْمَةَ العِبَادِ بِهِ أنْ لا يَرَى شَيْئاً إلَّا جَاءتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، فَمَكَثَ عَلَى ذَلِكَ مَا
شَاءَ اللهُ أنْ يَمْكُثَ، وحُبِّبَ إِلَيْهِ الخَلْوَةُ، فَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِن أنْ يَخْلُوَ.
[خ: ٣، م: ١٦٠، حم: ٢٥٤٢٨].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غريبٌ.
قوله: (حديث أنس حديث حسن صحيح)، وأخرجه البخاري في ((الطهارة))، وفي
((علامات النبوة))، ومسلم في ((الفضائل))، والنسائي في ((الطهارة)).
[٣٦٤١] قوله: (أول ما ابتدئ به) بصيغة المجهول؛ من الابتداء (من النبوة)، وفي رواية
البخاري في ((باب بدء الوحي)): ((أَوَّلُ مَا بُدِىَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﴿ مِنَ الْوَحْي: الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ
فِي النَّوْمِ)) (حين أراد الله كرامته) أي: إكرامه. في ((مختار الصحاح)): التكريم والإكرام؛
بمعنّى، والاسم منه: الكرامة. (أن لا يرى شيئًا) أي: من الرؤيا (إلا جاءت) الضمير راجع
إلى قوله: ((شيئًا))، وإنما أنثه؛ لأن المراد به: الرؤيا (كفلق الصبح) بفتح الفاء، واللام؛
أي: جاءت مجيئًا مثل فلق الصبح. والمراد به: ضياؤه ونوره. وعبر به؛ لأن شمس النبوة قد
كانت مبادئ أنوارها الرؤيا؛ إلى أن ظهرت أشعتها، وتم نورها (وحبب إليه الخلوة) لم يسم
فاعله؛ لعدم تحقق الباعث على ذلك، وإن كان كل من عند الله، أو لينبه على أنه لم يكن من
باعث البشر، أو يكون ذلك من وحي الإلهام. والسر فيه: أن الخلوة فراغ القلب لما يتوجه
له.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب)، وأخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي.

١٠٨
كتاب المناقب عَن رَسُول الله﴾ / باب
[ت١٤، م٦]
[٣٦٤٢] (٣٦٣٣) حدثنا مُحَمّدُ بْنُ بَشّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أحْمَدَ الزبَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا
إِسْرَائِيلُ عَن مَنْصُورٍ عَن إِبْرَاهِيمَ عَن عَلْقَمَةَ عَن عَبْدِ الله قَالَ: إِنَّكُمْ تَعُدُّونَ الآياتِ
عَذَاباً، وإِنَّا كُنَّا نَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِهِ بَرَكَةً، لَقَدْ كُنَّا نَأْكُلُ الطَّعَامَ مَعَ النبيِّ
وَّهِ وَنَحْنُ نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ، قَالَ: وَأُتِيَ النبيُّ ◌َهِ بِإِنَاءٍ فَوَضَعَ يَدَهُ فِيهِ فَجَعَل
المَاءُ يَنْبُعُ مِن بَيْنِ أصَابِعِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَلِهِ: ((حَيَّ عَلَى الوُضُوءِ المَبَارَكِ والْبَرَكَةِ مِنَ
السَّمَاءِ))، حَتَّى تَوضَّأنَا كُلّنَا. [خ: ٣٥٧٩، حم: ٣٧٥٣، مي: ٢٩].
[٣٦٤٢] قوله: (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن إبراهيم) النخعي (عن علقمة) بن قيس
(عن عبد الله) بن مسعود.
قوله: (تعدون الآيات) أي: الأمور الخارقة للعادات؛ أي: الآيات كلها (عذابًا) أي:
مطلقًا. وفي رواية البخاري: ((وَأَنْتُمْ تَعُدُّونَهَا تَخْوِيفًا)).
قال الحافظ: الذي يظهر: أنه أنكر عليهم عد جميع الخوارق تخويفًا؛ وإلا فليس جميع
الخوارق بركة؛ فإن التحقيق يقتضي عد بعضها بركة من الله؛ كشبع الخلق الكثير من الطعام
القليل، وبعضها بتخويف من الله؛ ككسوف الشمس، والقمر؛ كما قال ◌َله: ((إن الشمس
والقمر آيَتَانِ من آيَاتِ الله يُخَوِّفُ الله بِهِمَا عِبَادَهُ))، وكأن القوم الذين خاطبهم عبد الله بن مسعود
بذلك تمسكوا بظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِلْأَيَتِ إِلَّا تَخْرِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩]. (وإنا كنا نعدها)
أي: الآيات (بركة) أي: من الله تعالى (ونحن نسمع تسبيح الطعام) أي: في حالة الأكل (قال)
أي: ابن مسعود (وأُتِيَ) بضم الهمزة بالبناء للمفعول (بإناء) أي: فيه ماء قليل (فوضع) أي:
النبي وَ ﴾ (ينبع) بضم الموحدة، وتفتح، وتكسر؛ أي: يخرج مثل ما يخرج من العين (من بين
أصابعه) أي: من نفس لحمه الكائن بين أصابعه، أو من بينهما بالنسبة إلى رؤية الرائي؛ وهو
في نفس الأمر للبركة الحاصلة فيه؛ والأول أوجه. قاله القسطلاني (فقال النبي وقاقير: حي على
الوضوء المبارك) بفتح الواو؛ وهو: الماء الذي يتوضأ به؛ أي: هلموا إلى الماء. مثل: حي
على الصلاة. والمراد: الفعل؛ أي: توضأوا. وفي رواية البخاري: ((كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله ◌َێ فِي
سَفَرٍ فَقَلَّ الْمَاءُ، فَقَالَ: اْلُبُوا فَضْلَةً مِن مَاءٍ، فَجَاءُوا بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ قَلِيلٌ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ ثُمَّ
قَالَ: حَيَّ عَلَى الظَّهُورِ الْمُبَارَكِ)) (والبركة من السماء)، وفي رواية البخاري: ((وَالبَرَكَةُ مِنَ الله))
قال الحافظ: البركة: مبتدأ، والخبر: من الله؛ وهو إشارة إلى أن الإيجاد من الله.

١٠٩
كتاب المناقب عَن رَسُولِ اللهِوَ﴿ / باب مَا جَاءَ كَيْفَ كَانَ يَنْزِلُ الوَحْيُ عَلَى النّبِيِّ ◌َ﴾
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
٧- باب مَا جَاءَ كَيْفَ كَانَ يَنْزِلُ الوَحْيُ عَلَى النّبِيِّ ◌َ﴾ [ت١٥، م٧]
[٣٦٤٣] (٣٦٣٤) حدثنا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ هُوَ ابْنُ
عِيسَى. حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنِ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ عَن أَبِيهِ عَن عَائِشَةَ: أنَّ الحارِثَ بْنَ هِشَام
سَأَلَ رَسُوْلِ اللهِوَّهِ كَيْفَ يَأْتِيكَ الوَحْيُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أحْيَاناً يَأْتِينِي فِي مِثْلَ
صَلْصَلَةِ الجَرَسِ
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه البخاري.
٧ - بَابُ مَا جَاءَ كَيْفَ يَنْزِلُ الْوَحْيُ عَلَى النَّبِيِّ ◌ِ#
الوحي: الإعلام في خفاء. وفي اصطلاح الشرع: إعلام الله - تعالى - أنبياءه الشيء؛ إما
بكتاب، أو برسالة ملك، أو منام، أو إلهام. وقد يجيء بمعنى: الأمر، نحو: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ
إِلَى الْحَوَارِبْكِنَ أَنّ ◌َامِنُواْ بِى وَبِرَسُولِ﴾ [المائدة: ١١١]، وبمعنى: التسخير؛ نحو: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى
النََّلِ﴾ [النحل: ٦٨] أي: سخرها لهذا الفعل؛ وهو اتخاذها من الجبال بيوتًا إلى آخره. وقد
يعبر عن ذلك بالإلهام؛ لكن المراد به: هدايتها لذلك؛ وإلا فالإلهام حقيقة إنما يكون لعاقل.
والإشارة، نحو: ﴿فَأَوْحَ إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُواْ بَكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١]، وقد يطلق على الموحَى؛
كالقرآن، والسنة، من إطلاق المصدر على المفعول. قال الله تعالى: ﴿إِنّ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى﴾
[النجم: ٤]. قال في ((النهاية)): يقع الوحي على: الكتابة، والإشارة، والرسالة، والإلهام،
والكلام الخفي. يقال: وَحَيْتُ إليه الكلامَ، وأَوْحَيْتُ. انتهى.
[٣٦٤٣] قوله: (أن الحارث بن هشام) بن المغيرة، المخزومي، من مسلمة الفتح؛
وهو: أخو أبي جهل شقيقه، وكان من فضلاء الصحابة، استشهد بالشام في خلافة عمر (سأل
النبي#) يحتمل أن تكون عائشة حضرت ذلك؛ فيكون من مسندها، وأن يكون الحارث
أخبرها بذلك؛ فيكون من مرسل الصحابة، وهو محكوم بوصله عند الجمهور (كيف يأتيك
الوحي؟) يحتمل أن يكون المسؤول عنه صفة الوحي نفسه، ويحتمل أن يكون صفة حامله،
أو ما هو أعم من ذلك. وعلى كل تقدير؛ فإسناد الإتيان إلى الوحي مجاز؛ لأن الإتيان -
حقيقة - من وصف حامله (أحيانًا) جمع حين، يطلق على كثير الوقت، وقليله؛ والمراد به
هنا: مجرد الوقت؛ أي؛ أوقاتًا؛ وهو نصب على الظرفية، وعامله: ((يأتيني)) مؤخر عنه
(يأتيني مثل صلصلة الجرس) أي: يأتيني الوحي إتيانًا مثل صوت الجرس، أو مشابهًا صوته

١١٠
كتاب المناقب عَنِ رَسُول الله ﴿ / باب مَا جَاءَ كَيْفَ كَانَ يَنْزِلُ الوَحْيُ عَلَى النّبِيِّ ◌َ﴾
وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، وَأَحْيَاناً يَتَمَثَّلُ لِيَ المَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ)). قَالَت
عَائِشَةُ: فَلَقَد رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ وَلِ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الوَحْيُ في الَيَوْمِ الشَّدِيدِ البَرْدِ فَيَقْصِمُ
عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقاً)). [خ: ٢، م: ٢٣٣٣، ن: ٩٣٣، حم: ٢٤٧٢٤، طا: ٤٧٤].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
لصوت الجرس، والصلصلة : - بمهملتين مفتوحتين، بينهما لام ساكنة، في الأصل -: صوت
وقوع الحديد بعضه على بعض، ثم أطلق على كل صوت له طنين. وقيل: هو صوت متدارك
لا يدرك في أول وهلة. والجَرَس : - بفتح الجيم، والمهملة -: الجُلْجُلُ الذي يعلق في
رؤوس الدواب؛ واشتقاقه من الجرْس؛ بإسكان الراء؛ وهو: الحس. قيل: والصلصلة
المذكورة: صوت الملك بالوحي.
قال الخطابي: يريد أنه صوت متدارك يسمعه ولا يتبينه أول ما يسمعه حتى يفهمه بعد.
وقيل: صوت خفيف لأجنحة الملك. والحكمة في تقدمه: أن يقرع سمعه الوحي؛ فلا يبقى
فيه متسع لغيره (وهو أشده علي) أي: هذا القسم من الوحي أشد أقسامه على فهم المقصود؛
لأن الفهم من كلام مثل الصلصلة أشكل من الفهم من كلام الرجل بالتخاطب المعهود.
وفائدة هذه الشدة ما يترتب على المشقة من زيادة الزلفى، ورفع الدرجات (يتمثل لي الملك
رجلًا) التمثل: مشتق من المثل؛ أي: يتصور. واللام في ((الملك)) للعهد؛ وهو جبرئيل،
و(رجلًا)) منصوب بالمصدرية؛ أي: يتمثل مثل رجل، أو بالتمييز، أو بالحال؛ والتقدير: هيئة
رجل (فأعي ما يقول) من الوعي؛ أي: فأحفظ القول الذي يقوله (فيفصم عنه) بفتح أوله،
وسكون الفاء، وكسر المهملة؛ أي: يقلع، وينجلي ما يغشاه. وأصل الفصم: القطع؛ ومنه
قوله - تعالى -: ﴿لَا أُنْفِصَامَ لَمَا﴾ [البقرة: ٢٥٦] وقيل: الفصم بالفاء: القطع بلا إبانة، وبالقاف:
القطع بإبانة؛ فذكر بالفصم؛ إشارة إلى أن الملك فارقه ليعود؛ والجامع بينهما بقاء العلقة
(وإن جبينه ليتفصد) بالفاء، والصاد المهملة المشددة؛ أي: ليسيل (عرقًا) بفتحتين؛ أي: من
كثرة معاناة التعب، والكرب عند نزول الوحي؛ إذ أنه أمر طارئ زائد على الطباع البشرية.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه الشيخان.

١١١
كتاب المناقب عَنِ رَسُول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي صِفَةِ النبيّ ◌ِ﴾
٨- باب مَا جَاءَ في صِفَةِ النبيِّ ◌ِ ** [ت١٦، ٨٢]
[٣٦٤٤] (٣٦٣٥) حدثنا محمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا وكيعُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَن
أبي إسْحَاقَ عَنِ البَرَاءِ قَالَ: ما رأيْتُ مِن ذِي لِمَّةٍ في حُلَّةٍ حَمْرَاءَ أحْسَنَ مِن
رَسُولِ اللهِ وَّهِ، لَهُ شَعْرٌ يَضْرِبُ مَنْكِبَيْهِ، بَعِيدُ ما بَيْنَ المَنْكِبَيْنِ، لَمْ يَكُنْ بِالقَصِيرِ وَلا
بالطّوِيلِ. [خ: ٣٥٤٩، م: ٢٣٣٧، ن: ٥٠٧٥، د: ٤١٨٣، حم: ١٨٠٨٦].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
[ت١٧، م٨]
[٣٦٤٥] (٣٦٣٦) حدثنا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعِ، حَدَّثَنَا حمَيْدُ بْنُ عِبْدِ الرَّحْمنِ، حَدَّثَنَا
زُهَيْرٌ عَن أبي إسْحَاقَ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلُ البَرَاءَ: أَكَانَ وَجْهُ رَسُولِ اللهَِفيهِ مِثْلَ
السَّيْفِ؟ قَالَ: لا، مِثْلَ القَمَرِ. [خ: ٣٥٥٢، مي: ٦٤، حم: ١٨٠١٠].
٨ - بَابُ مَا جَاءَ في صِفَةِ النَّبِيِّ ◌ِ﴾
أي: خلقه وخلقه.
[٣٦٤٤] قوله: (عن البراء قال: ما رأيت من ذي لمة ... إلخ) تقدم هذا الحديث مع
شرحه في ((باب الرخصة في الثوب الأحمر للرجال)) من ((أبواب اللباس)).
[٣٦٤٥] قوله: (حدثنا حميد بن عبد الرحمن) بن حميد الرؤاسي (حدثنا زهير) بن
معاوية بن حديج (سأل رجل البراء) أي: ابن عازب بن الحارث بن عدي، الأنصاري،
الأوسي، صحابي، ابن صحابي، نزل الكوفة، استصغر يوم بدر، وكان هو وابن عمر
لِدَةً (١)، مات سنة اثنتين وسبعين (أكان وجه رسول الله لي مثل السيف؟ قال: لا، مثل القمر)
كأن السائل أراد: أنه مثل السيف في الطول؛ فرد عليه البراء؛ فقال: بل مثل القمر؛ أي: في
التدوير. ويحتمل أن يكون أراد: مثل السيف في اللمعان والصقال. فقال: بل فوق ذلك،
وعدل إلى القمر؛ لجمعه الصفتين من التدوير، واللمعان.
وقد أخرج مسلم(٢) من حديث جابر بن سمرة «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ: أَكَانَ وَجْهُ رَسُولِ الله
(١) اللِّدَةُ: التِّرْبُ. انظر ((القاموس)) مادة: ((ولد)).
(٢) مسلم، كتاب الفضائل. حديث (٢٣٤٤).

١١٢
كتاب المناقب عَنِ رَسُولِ اللهِ ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي صِفَّةِ النبيِّ ◌َ﴾
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
[ت١٨، م٨]
[٣٦٤٦] (٣٦٣٧) حدثنا مُحَمّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا أبُو نعيم. حَدَّثَنَا المَسْعُودِيُّ
عَنْ عُثمانَ بْنِ مُسْلِمٍ بْنِ هُرْمُز عَن نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: لَمْ يَكُن
رَسُوْل الله ◌َّهِ بِالطَِّيلِ وَلا بالقَصِيرِ، شَثْنَ الكَفَّيْنِ وَالقَدَمَيْنِ،
ونَ﴿ مِثْلَ السَّيْفِ؟ قَالَ: لا. بَلْ مِثْلَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ مُسْتَدِيرًا)) وإنما قال: ((مستديرًا))؛ للتنبيه
على أنه جمع الصفتين؛ لأن قوله: ((مثل السيف)) يحتمل أن يريد به: الطول، أو اللمعان؛
فرده المسؤول ردًّا بليغًا. ولما جرى التعارف في أن التشبيه بالشمس إنما يراد به غالبًا:
الإشراق، والتشبيه بالقمر إنما يراد به: الملاحة، دون غيرهما؛ أتى بقوله: ((وكان مستديرًا))؛
إشارة إلى أنه أراد: التشبيه بالصفتين معًا: الحسن، والاستدارة.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه البخاري.
[٣٦٤٦] قوله: (حدثنا محمد بن إسماعيل) هو البخاري (حدثنا المسعودي) هو
عبد الرحمن بن عبد الله، الكوفي (عن عثمان بن مسلم بن هرمز) ويقال: اسم أبيه: عبد الله،
فيه لين، من السادسة.
قوله: (لم يكن النبي ﴿﴿ بالطويل) أي: المفرط في الطول (ولا بالقصير)، زاد
البيهقي(١): ((وَهُوَ إِلَى الظُولِ أَقْرَبُ))، وعن عائشة: ((لَمْ يَكُنْ بِالطّوِيلِ الْبَائِنِ، وَلَا بِالْقَصِيْرِ
الْمُتَرَدِّدِ، وَكَانَ يُنْسَبُ إِلَى الرَّبْعةِ إِذَا مَشَى وَحْدَهُ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى حَالٍ يُمَاشِيهِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ
يُنْسَبُ إِلَى الُولِ إِلَّا طَالَهُ وَهِ، وَلَرُبَّمَا اكْتَنَفَهُ الرَّجُلانِ الطَّوِيلانِ فَيطولُهُمَا، فَإِذَا فَارَقَاهُ نُسِبَ
رَسُولُ اللهِ﴿ إِلَى الرَّبْعَةِ)). رواه ابن عساكر، والبيهقي (٢) (شئن الكفين والقدمين) بفتح
المعجمة، وسكون المثلثة، وبالنون. قال في ((النهاية)): أي: أنهما يميلان إلى الغلظ،
والقصر. وقيل: هو الذي في أنامله غلظ بلا قصر؛ ويحمد ذلك في الرجال؛ لأنه أشد
القبضهم، ويذم في النساء. انتهى.
قال في ((القاموس)): شَئِنَتْ كفُّه - كفَرِحَ وكَرُمَ - شَثَنَا وشُئُونَةً: خَشُنَتْ، وغَلُظَتْ؛ فهو
(١) البيهقي في ((دلائل النبوة)) (٢٠٦).
(٢) ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٣٥٦/٣)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) (٢٣٨).

١١٣
كتاب المناقب عَن رَسُول الله :﴿ / باب مَا جَاءَ فِي صِفَّةِ النبيِّ ◌َ ﴾
ضَخْمَ الرَّاسِ، ضَخْمَ الكَرَادِيسِ، طَوِيلَ المَسْرُبَةِ، إذَا مشَى تكفأ تَكَفُّؤَا كَأَنَّمَا يَنْحَظُّ
مِن صَبَبٍ، لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلا بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَلِ. [حم: ٧٤٦].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ، حَدَّثَنَا أبِي عَنِ المَسْعُودِيِّ، بهذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.
شَْنُ الأصابع، بالفتح. فإن قلت: هذا يخالف ما رواه البخاري(١) عن أنس. قال: ((مَا
مَسَسْتُ حَرِيرًا وَلا دِيبَاجًا أَلْيَنَ من كَفِّ النَّبِيِّ ◌ِ﴿))، قلت: قيل: اللين: في الجلد، والغلظ:
في العظام؛ فيجتمع له نعومة البدن مع القوة. ويؤيده ما رواه الطبراني والبزار من حديث
معاذ ﴿ُ: ((أَرْدَقَنِي النَّبِيُّ ◌ِ﴿ِ خَلْفَهُ فِي سَفَرٍ فَمَا مَسَسْتُ شَيْئًا قَطْ أَلْيَنَ من جِلْدِهِ ﴿)) (ضخم
الرأس) أي: عظيمه (ضخم الكراديس) هي: رؤوس العظام؛ واحدها: كُرْدُوسٌ، وقيل:
هي: ملتقى كل عظمين ضخمين؛ كالركبتين، والمرفقين، والمنكبين. أراد: أنه ضخم
الأعضاء (طويل المسربة) بفتح الميم، وسكون السين، وضم الراء: الشعر المستدق الذي
يأخذ من الصدر إلى السرة (تَكَفَّا تكفؤاً) قال في ((النهاية)) أي: تمايل إلى قدام. هكذا روي
غير مهموز؛ والأصل: الهمز، وبعضهم يرويه مهموزًا؛ لأن مصدر تَفعَّلَ من الصحيح تَفَقُّلُ
كتقدَّمَ تَقَدُّمًا، وتَكَفَّأَ تَكَفَّا؛ والهمزة حرف صحيح؛ فأما إذا اعتل انكسرت عين المستقبل منه؛
نحو: تَحَفَّى تحفِّيًا، وتَسَمَّى تَسَمِّيًا؛ فإذا خففت الهمزة التحقت بالمعتل، وصار تَكَفِّيًا
بالكسر. انتهى ما في ((النهاية)). (كأنما ينحط) بتشديد الطاء؛ أي: يسقط (من صبب) أي:
موضع منحدر من الأرض.
قال في ((شرح السنة)): الصبب: الحدور، وما ينحدر من الأرض؛ يريد: أنه كان يمشي
مشيًا قويًا؛ يرفع رجليه من الأرض رفعًا بائنًا؛ لا كمن يمشي اختيالًا، ويقارب خطاه تنعمًا.
كذا في ((المرقاة)) (لم أر قبله) أي: قبل موته؛ لأن عليًّا لم يدرك زمانًا قبل وجوده (ولا بعده)
أي: بعد موته.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه النسائي في ((مسند علي)).
(١) البخاري، كتاب المناقب، حديث (٣٥٦١).

١١٤
كتاب المناقب عَنِ رَسُول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي صِفَةِ النبيّ ◌َ ﴾
[ت١٩، م٨]
[٣٦٤٧] (٣٦٣٨) حدثنا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمّدُ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ أبِي حَلِيمَة - مِن قَصْرِ
الأحْنَفِ - وأحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ وعَلِيُّ بْنُ حُجْرِ المَعْنَى وَاحِدٌ قالُوا: حَدَّثَنَا
عِيسَى بْنُ يُونُسَ. حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الله مَوْلَى غَفْرَةَ حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ مِن
وَلَدِ عَلِيٍّ بْنِ أبِي طَالِبٍ قَالَ: كَانَ عَلِيُّ ◌َظُهُ إِذَا وَصَفَ النبيَّ نَّهِ قَالَ: لَمْ يَكن
بالطّوِيلِ المُمَغَّطِ، وَلا بالقصِيرِ المُتَرَدِّدِ، وَكَانَ رَبْعَةً مِنَ القَوْمِ، وَلَمْ يَكُنْ بِالجَعْدِ
القَططِ، وَلا بالسَّبْطِ، كَانَ جَعْداً رَجِلًا، وَلَمْ يَكُنْ بالمُطَهَّم وَلا بالمُكَلَّم،
[٣٦٤٧] قوله: (حدثنا أبو جعفر محمد بن الحسين بن أبي حليمة) القصري، مقبول،
من الحادية عشرة (أخبرنا عمر بن عبد الله مولى غفرة) بضم المعجمة، وسكون الفاء (حدثني
إبراهيم بن محمد: من ولد عليّ بن أبي طالب) قال في ((التقريب)): إبراهيم بن محمد بن
عليّ بن أبي طالب، الهاشمي، صدوق، من الخامسة، وأبوه محمد؛ هو المعروف بـ: ابن
الحنفية .
قوله: (إذا وصف النبي (َ﴿) أي: ذكر صفته من جهة خلقه (قال: ليس بالطويل الممغط)
بصيغة اسم الفاعل من: الانمغاط.
قال في ((النهاية)): هو بتشديد الميم الثانية: المتناهي في الطول؛ من: أمغط النهار؛ إذا
امتد. ومغطت الحبل، وغيره؛ إذا مددته، وأصله: منمغط، والنون للمطاوعة؛ فقلبت ميمًا،
وأدغمت في الميم. ويقال: بالعين المهملة؛ بمعناه (ولا بالقصير المتردد) أي: المتناهي في
القصر؛ كأنه تردد بعض خلقه على بعض، وانضم بعضه على بعض، وتداخلت أجزاؤه (وكان
ربعة) بفتح أوله، وسكون ثانيه، وقد يحرك؛ أي: متوسطًا (من القوم) أي: مما بين
أفرادهم؛ فهو في المعنى: تأكيد لما قبله، ومن وصفه بالربعة؛ أراد: التقريب، لا التحديد؛
فلا ينافي أنه كان يضرب إلى الطول، كما في خبر ابن أبي هالة ((كان أطول من المربوع،
وأقصر من المشذب)) (ولم يكن بالجعد القطط، ولا بالسبط) تقدم شرحه قريبًا (كان جعدًا
رجلًا) بكسر الجيم، ويفتح، ويسكن؛ أي: لم يكن شعره شديد الجعودة، ولا شديد
السبوطة؛ بل بينهما (ولم يكن بالمطهَّم) بتشديد الهاء المفتوحة، أي: المنتفخ الوجه. وقيل:
الفاحش السمن. وقيل: النحيف الجسم؛ وهو من الأضداد. كذا في ((النهاية)) (ولا
بالمكلثم) اسم مفعول من الكلثمة؛ وهو: اجتماع لحم الوجه؛ بلا جهومة. كذا في

١١٥
كتاب المناقب عَنِ رَسُول الله :﴿ / باب مَا جَاءَ في صِفَةِ النبيّ ◌َِ﴾
وَكَانَ في الوَجْهِ تَدْوِيرٌ، أَبْيَضُ مُشْرَبٌ، أدْعَجُ العَيْنَيْنِ، أهْدَبُ الأَشْفَارِ، جَلِيلٌ
المُشَاشِ وَالكَتَدِ، أجْرَدُ ذُو مَسْرُبَةٍ شَتْنُ الكَفَّيْنِ والقَدَمَيْنِ، إِذَا مَشَى تَقَلَّعَ كَأَنَّمَا يَمْشِي
فِي صَبَبٍ، وإذَا التَفَتَ التَّفَتَ مَعاً،
((القاموس)). وقال في ((النهاية)): هو من الوجوه القصير الحنك، الدني الجبهة، المستدير،
مع خفة اللحم؛ أراد: أنه كان أَسِيلَ الوجه، ولم یکن مستدیرًا. انتهى.
وقال الطيبي: أي: لم یکن مستدیرًا كاملًا؛ بل كان فيه تدوير ما (وكان في الوجه تدوير)
أي: نوع تدوير، أو تدوير ما؛ والمعنى: أنه كان بين الإسالة، والاستدارة (أبيض) أي: هو
أبيض اللون (مشرب) اسم مفعول من الإشراب؛ أي: مخلوط بحمرة. قال في ((النهاية))
الإشراب: خلط لون بلون؛ كأن أحد اللونين سقى اللون الآخر. يقال: بياض مشرب حمرة،
بالتخفيف؛ وإذا شدد كان للتكثير، والمبالغة. وهذا لا ينافي ما في بعض الروايات: ((وليس
بالأبيض))؛ لأن البياض المثبت ما خالطه حمرة، والمنفي ما لا يخالطها؛ وهو الذي تكرهه
العرب (أدعج العينين) الدعج، والدعجة: [السَّوادُ](١) في العين، وغيرها، يريد: أن سواد
عينيه كان شديد السواد. وقيل: الدعج شدة سواد العين، في شدة بياضها. كذا في ((النهاية))
(أهدب الأشفار) بفتح الهمز؛ جمع: الشُّفر، بالضم؛ وهو: الجفن؛ أي: طويل شعر
الأجفان؛ ففيه حذف مضاف؛ لأن الأشفار هي: الأجفان التي تنبت عليها الأهداب،
ويحتمل أنه سمي النابت باسم المنبت؛ للملابسة (جليل المشاش) بضم الميم، وخفة الشين،
في ((القاموس)): المُشاشة - بالضم -: رأس العظم الممكن المضغ؛ جمعها: مشاش. انتهى.
وفي ((النهاية)): أي: عظيم رؤوس العظام؛ كالمرفقين، والكتفين، والركبتين (والكتد) بفتح
التاء، وكسرها: مجتمع الكتفين، وهو: الكاهل وهو معطوف على ((المشاش)) (أجرد) هو
الذي ليس على بدنه شعر، ولم يكن كذلك؛ وإنما أراد به: أن الشعر كان في أماكن من
بدنه؛ كالمسربة، والساعدين، والساقين؛ فإن ضد الأجرد: الأشعر: وهو: الذي على جميع
بدنه شعر (إذا مشى تقلع) أراد: قوة مشيه؛ كأنه يرفع رجليه من الأرض رفعًا قويًا؛ وهي مشية
أهل الجلادة، والهمة؛ لا كمن يمشي اختيالاً، ويقارب خطاه، فإن ذلك من مشي النساء،
ويوصفن به (وإذا التفت) أي: أراد الالتفات إلى أحد جانبيه (التفت معًا) أي: بكليته. أراد:
أنه لا يسارق النظر. وقيل: أراد: لا يلوي عنقه يمنة، ولا يسرة إذا نظر إلى الشيء؛ وإنما
يفعل ذلك الطائش، الخفيف؛ ولكن كان يقبل جميعًا، أو يدبر جميعًا. قاله الجزري.
(١) في المطبوع ((السوداء))، والمثبت هو الصواب، وهو ما في ((النهاية))، مادة ((دعج)).

١١٦
كتاب المناقب عَنِ رَسُول اللهلَ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي صِفَةِ النبيّ ◌َ﴾
بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ، وَهُوَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، أْوَدُ النَّاسِ كَفًّا، وَأَشْرَحُهُمْ صَدْراً،
وأصْدَقُ النَّاسِ لَهْجَةً، وَأَلْيَنْهُمْ عَرِيكَةً، وَأكْرَمَهُمْ عِشْرَةً، مَن رَآهُ بَدِيهَةً هَابَهُ، وَمَنْ
خَالَطَهُ مَعْرِفَةً أحَبَّهُ، يَقُولُ نَاعِتُهُ: لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلا بَعْدَهُ مِثْلَهُ بَّهِ. [ضعيف].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حسن غريب، لَيْسَ إسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ.
قَالَ أبو جَعْفَرِ: سَمِعْتُ الأَضْمَعِيَّ
وقال التوربشتي: يريد: أنه كان إذا توجه إلى الشيء، توجه بكليته، ولا يخالف ببعض
جسده بعضًا؛ كيلا يخالف بدنه قلبه، وقصده مقصده، لما في ذلك من التلون، وآثار الخفة
(بين كتفيه خاتم النبوة) سيأتي إيضاح الكلام عليه في ((باب خاتم النبوة)) (أجود الناس صدرًا)
إما: من الجودة؛ بفتح الجيم؛ بمعنى: السعة، والانفساح؛ أي: أوسعهم قلبًا؛ فلا يمل،
ولا ينزجر من أذى الأمة، ومن جفاء الأعراب. وإما من الجود؛ بالضم؛ بمعنى: الإعطاء؛
ضد البخل؛ أي: لا يبخل على أحد شيئًا من زخارف الدنيا، ولا من العلوم، والحقائق،
والمعارف التي في صدره، فالمعنى: أنه أسخى الناس قلبًا (وأصدق الناس لهجة) بفتح
اللام، وسكون الهاء، ويفتح؛ أي: لسانًا، وقولًا (وألينهم عريكة) العريكة: الطبيعة، يقال:
فلان لين العريكة؛ إذا كان سلسًا، مطواعًا، منقادًا، قليل الخلاف، والنفور (وأكرمهم عشرة)
بكسر، فسكون؛ أي: معاشرة، ومصاحبة (من رآه بديهة) أي: أول مرة، أو فجاءة، وبغتة
(هابه) أي: خافه؛ وقارًا، وهيبة؛ من: هاب الشيء؛ إذا خافه، ووقره، وعظمه (ومن خالطه
معرفة أحبه) أي: بحسن خلقه، وشمائله؛ والمعنى: أن من لقيه قبل الاختلاط به، والمعرفة
إليه هابه؛ لوقاره، وسكونه؛ فإذا جالسه، وخالطه؛ بان له حسن خلقه؛ فأحبه حبًّا بليغًا
(يقول ناعته) أي: واصفه عند العجز عن وصفه (مثله) أي: من يساويه صورة، وسيرة،
وخلقًا، وخلقًا .
قوله: (ليس إسناده بمتصل)؛ لأن إبراهيم بن محمد لم يسمع من جده عليّ (سمعت
الأصمعي) هو: عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن علي بن أصمع، أبو سعيد، الباهلي،
البصري، صدوق، سني، من التاسعة.
قال الحربي: كان أهل العربية؛ من أهل البصرة من أصحاب الأهواء، إلا أربعة؛ فإنهم
كانوا أصحاب سنة: أبو عمرو بن العلاء، والخليل بن أحمد، ويونس بن حبيب،
والأصمعي.

١١٧
كتاب المناقب عَنِ رَسُول الله :﴿ / باب مَا جَاءَ في صِفَةِ النبيِّ ◌َ﴾
يَقُولُ في تَفْسِيرِ صِفَةِ النبيِّ وَّهِ: المُمغط: الذَّاهِبُ طُولًا، وَسَمِعْتُ أعْرَابِيَّاً يَقُولُ:
تَمَغَّطَ في نُشَّابَتِهِ: أَيْ مَدَّهَا مَدّاً شَدِيداً. وَأَمَّا المُتَرَدِّدُ: فالدَّاخِلُ بَعْضُهُ في بَعْضٍ
قِصَراً وَأَمَّا القَطط: فالشَّدِيدُ الجُعُودَةِ. وَالرَّجِلُ الَّذِي فِي شَعرِهِ حُجُونَةٌ أي ينحني
قليلًا .
وَأَمَّا المُطَهَّمُ، فالبَادِنُ الكَثِيرُ اللَّحْمِ، وَأَمَّا المُكَلْثَمُ: فالمدَوَّرُ الوَجْهِ، وَأُمَّا
المُشْرَبُ: فَهُو الَّذِي في ناصيته حُمْرَةٌ، وَالأَدْعَجُ الشَّدِيدُ سَوَادِ العَيْنِ، وَالأَهْدَبُ:
الطَّوِيلُ الأَشْفَارِ، وَالكَتِدُ: مُجْتَمَعُ الكَتِفَيْنِ وَهُوَ الكَاهِلُ، وَالمَسْربَةُ: هُوَ الشَّعْرُ
الدَّقِيقُ الَّذِي هُوَ كَأَنَّهُ قَضِيبٌ مِنَ الصَّدْرِ إِلَى السُّرَّةِ، والشَّئْنُ: الغَلِيظُ الأصَابِعِ مِنَ
الكَفَّيْنِ وَالقَدَمَيْنِ، وَالتَّقَلُّعُ: أنْ يَمْشِيَ بِقُوَّةٍ، والصَّبَبُ: الحدُورُ: يَقُولُ: انْحَدَرْنَا مِن
صَبُوبٍ وَصَبَبٍ، وَقَوْلُهُ
وقال المبرد: كان الأصمعي بحرًا في اللغة، وكان دون أبي زيد في النحو. قاله الحافظ
(يقول في تفسير صفة النبي ( 18) أي: في تفسير بعض اللغات الواقعة في الأخبار الواردة في
صفة النبي ﴿، لا في خصوص هذا الخبر؛ أخذًا من قول المصنف: ((في تفسير صفة النبي
(*)) دون أن يقول: في تفسير هذا الحديث (الممغط الذاهب طولًا) أي: الذاهب طوله؛
فطولًا تمييز محول عن الفاعل. وأصل الممغط: من: مَغَظْتُ الحبل؛ فانمغط؛ أي: مددته؛
فامتد (قال) أي: الأصمعي (وسمعت أعرابيًا) هذا استدلال على ما قبله (يقول في كلامه)
أي: في أثنائه (تمغط في نشابته؛ أي: مدها ... إلخ) النُّشَّابة بضم النون، وتشديد الشين
المعجمة، وموحدة، وبتاء التأنيث، ودونها: السهم. وإضافة المد إليها مجاز؛ لأنها لا تمد،
وإنما يمد وتر القوس. واعترض على المصنف بأنه ليس في الحديث لفظ ((التمغط)) حتى
يتعرض له هنا؛ وإنما فيه لفظ ((الانمغاط))، وأجيب بأنه من توضيح الشيء؛ بتوضيح نظيره
(وأما المتردد، فالداخل بعضه في بعض قصرًا) بكسر، ففتح (والرجل الذي في شعره حجونة)
بمهملة، فجيم، في ((القاموس)): حَجَنَ العُودَ يَحْجِنُه: عَطَفَه؛ فالحُجُونة الانعطاف (أي:
ينحني قليلًا) هذا تفسير لكلام الأصمعي، من أبي عيسى، أو أبي جعفر (وهو الكاهل) بكسر
الهاء، وهو: مقدم أعلى الظهر مما يلي العنق، وهو: الثلث الأعلى مما يلي الظهر؛ وفيه ست
فقرات (والصبب: الحدور) بفتح الحاء المهملة، وهو: المكان المنحدر، لا بضمها؛ لأنه
مصدر (انحدرنا من صبوب وصبب) بفتح الصاد فيهما، وكل منهما بمعنى: المكان المنحدر.

١١٨
كتاب المناقب عَنِ رَسُول الله :﴿ / باب في كَلامِ النَّبِيِّ ◌َ﴾
جَلِيلُ المُشَاشِ: يُرِيدُ رُؤوسَ المَنَاكِبِ، وَالْعِشْرَةُ الصُّحْبَةُ، وَالعَشِيرُ: الصَّاحِبُ،
وَالبَدِيهَةُ: المُفَاجَأَةُ، يَقالُ: بَدَهْتُهُ بِأَمْرٍ: أيْ نَجَأته.
٩- باب في كَلامِ النَّبِيِّ ◌ِ﴾ [ت٢٠، م٩]
[٣٦٤٨] (٣٦٣٩) حدثنا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ الأَسْوَدِ عَن أُسَامَةَ بْنِ
زَيْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَن عُرْوَةَ عَنِ عَائِشَةَ، قَالَت: مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلِ يَسْرُدُ سَرْدَكُمْ
هَذَا، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامِ يُبَيِّنْهُ فَصْلٌ، يَحْفَظُهُ مَن جَلَسَ إِلَيْهِ. [خ: ٣٥٦٨، م: ٢٤٩٣،
حم: ٢٤٣٤٤ جملة السَّرد فقط].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِن حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، وَقَدْ
رَوَاهُ يُونُسُ بْنُ يَزِيد عَن الزُّهْرِيِّ.
وأما الصبوب - بضم الصاد - فهو: مصدر، كالحُدور، بضم الحاء المهملة، وقد يستعمل جمع
صبب أيضًا؛ فتصح إرادته هنا؛ لأنه يقال: انحدرنا في صبوب بالضم؛ أي: في أمكنة منحدرة
(جليل المشاش: يريد: رؤوس المناكب) أي: ونحوهما؛ كالمرفقين، والركبتين؛ إذ المشاش
رؤوس العظام، أو العظام اللينة؛ فتفسيرها برؤوس المناکب فيه قصور.
٩ - بَاب في كَلامِ النَّبِيِّ ◌ِ﴾
[٣٦٤٨] قوله: (حدثنا حميد بن الأسود) بن الأشقر، البصري، أبو الأسود،
الكرابيسي، صدوق، يهم قليلًا، من الثامنة (عن أسامة بن زيد) هو: الليثي، المدني.
قوله: (ما كان رسول الله﴿ يَسْرُه) بضم الراء من السرد؛ وهو: الإتيان بالكلام على
الولاء، والاستعجال فيه (سردكم) بالنصب على المصدرية؛ أي: كسردكم. والمعنى: لم
يكن رسول الله ﴿ يتابع الحديث استعجالًا بعضه إثر بعض؛ لئلا يلتبس على المستمع. زاد
الإسماعيلي من رواية ابن المبارك عن يونس: ((إِنَّمَا كَانَ حَدِيثُ رَسُولِ اللهِ﴿ ﴿ فَضْلًا، فَهْمًا
تَفْهَمُهُ القُلوبُ)). كذا في ((الفتح)) (يبينه) صفة لكلام؛ أي: كان يتكلم رسول الله صل﴿ بكلام
يوضحه (فصل) صفة ثانية لكلام؛ أي: بيّن، ظاهر، يكون بين أجزائه فصل.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه أبو داود، والنسائي(١)، وذكره البخاري تعليقًا .
(١) النسائي في ((الكبرى))، حديث (١٠٢٤٦).

١١٩
كتاب المناقب عَنِ رَسُول الله ﴿ / باب في بشاشَةِ النَّبِيِّ ◌َ﴾
[ت٢١، م٩]
[٣٦٤٩] (٣٦٤٠) حدثنا مُحَمّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو قُتَيْبَةَ سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ عَن
عَبْدِ الله بْنِ المُثَنَّى عَنِ ثُمَامَةَ عَن أنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِوَلِ يُعِيدُ
الكَلِمَةَ ثَلَاثاً لِتُعْقَلَ عَنْهُ. [خ: ٩٤].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غَرِيب، إنَّمَا نَعْرِفُهُ مِن حَدِيثٍ
عَبْدِ الله بْنِ المُثَنَّى.
١٠ - باب في بشاشَةِ النَّبِيِّ﴾ [ت٢٢، م١٠]
[٣٦٥٠] (٣٦٤١) حدثنا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيْعَةَ عَن عبيدِ الله بْنِ المُغِيرَةِ
[٣٦٤٩] قوله: (حدثنا محمد بن يحيى) هو: الذهلي (عن ثمامة) بن عبد الله بن أنس بن
مالك، الأنصاري.
قوله: (يعيد الكلمة) المراد بها: ما يشمل الجملة، والجمل، وجزء الجملة. (ثلاثًا)
معمول لمحذوف؛ أي: يتكلم بها ثلاثًا؛ لأن الإعادة كانت ثنتين، والتكلم كان ثلاثًا، ولا
يصح أن يكون معمولًا لـ((يعيد))؛ لأن الإعادة لو كانت ثلاثًا؛ لكان التكلم أربعًا، وليس
كذلك؛ والمراد: أنه كان يكرر الكلام ثلاثًا؛ إذا اقتضى المقام ذلك؛ لصعوبة المعنى، أو
غرابته، أو كثرة السامعين، لا دائمًا؛ فإن تكرير الكلام من غير حاجة لتكريره ليس من
البلاغة. كذا في ((شرح الشمائل)) للبيجوري (لتعقل عنه) بصيغة المجهول؛ أي: لتفهم تلك
الكلمة عنه ﴾﴾ .
قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب)، وأخرجه الحاكم(١).
١٠ - بَابٌ في بَشَاشَةِ النَّبِيِّ ﴾
[٣٦٥٠] قوله: (عن عبيد الله بن المغيرة) بن معيقيب - بالمهملة، والقاف، والموحدة،
مصغرًا - كنيته: أبو المغيرة، السبئي؛ بفتح المهملة، والموحدة، بعدها همزة، مقصورة،
(١) الحاكم، حديث (٧٧١٦)، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال الذهبي: أخرجه
البخاري سوی قوله: ((لتعقل عنه)).
قلت: أخرجه البخاري، كتاب العلم، حدیث (٩٥) ((حتى تفهم عنه)) بدل ((لتعقل عنه)).

١٢٠
كتاب المناقب عَنِ رَسُول الله :﴿ / باب في بشاشَةِ النَّبِيِّ ◌َ﴾
عَن عَبْدِ الله بْنِ الحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ قَالَ: مَا رَأيْتُ أحَدَاً أكْثَرَ تَبَسُّماً مِن رَسُولِ اللهِ وَه ـ
[حم: ١٧٢٥١].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حسن غَرِيبٌ، وَقَدْ رُوِيَ عَن يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيب عَن
عَبْدِ الله بْنِ الحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ مِثْلُ هَذَا .
[٣٦٥١] (٣٦٤٢) حدثنا بِذَلِكَ أحْمَدُ بْنُ خَالِدِ الخَلَّالُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ
السَّيْلَحَانِيُّ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَن يَزِيد بْنِ أبِي حَبِيبٍ عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ
جَزْءٍ قَالَ: مَا كَانَ ضَحِكُ رَسُولِ اللهِ وَِّ إلَّا تَبَسُّماً. [حم: ١٧٢٦١].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ صحيحٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ مِن حَدِيثٍ لَيْثِ بْنِ سَعْدٍ
إلَّا مِن هَذَا الوَجْهِ.
صدوق، من الرابعة (عن عبد الله بن الحارث بن جزء) بفتح الجيم، وسكون الزاي، بعدها
همزة؛ الزُّبيدي، بضم الزاي، صحابي، كنيته: أبو الحارث، سكن مصر، وهو آخر من مات
بها من الصحابة سنة خمس، أو ست، أو سبع، أو ثمان وثمانين. والثاني أصح.
قوله: (ما رأيت أحدًا أكثر تبسمًا من رسول الله:﴿) أي: لأن شأن الكُمَّل إظهارُ
الانبساط والبشر لمن يريدون تألفه واستعطافه.
قوله: (هذا حديث حسن غريب)، وأخرجه أحمد في ((مسنده)).
[٣٦٥١] قوله: (حدثنا بذلك أحمد بن خالد الخلال) بالمعجمة: أبو جعفر، البغدادي،
الفقيه، ثقة، من العاشرة (حدثنا يحيى بن إسحاق) السيلحيني (عن يزيد بن أبي حبيب) هو؛
أبو رجاء، المصري.
قوله: (ما كان ضحك رسول الله ﴿﴿ إلا تبسمًا) أي؛ لا يزيد على التبسم.
قال أهل اللغة: التبسم: مبادي الضحك. والضحك: انبساط الوجه حتى تظهر الأسنان
من السرور؛ فإن كان بصوت، وكان بحيث يسمع من بعد؛ فهو: القهقهة، وإلا فهو:
الضحك، وإن كان بلا صوت؛ فهو: التبسم، وتسمى الأسنان في مقدم الفم: الضواحك؛
وهي: الثنايا، والأنياب، وما يليها، وتسمى: النواجذ. وهذا الحصر إضافي؛ أي: بالنسبة
للغالب؛ لما تقرر أنه ﴿ ضحك أحيانًا حتى بدت نواجذه؛ إلا أن يحمل على المبالغة.