Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١
كتاب الدعوات عَنِ رَسُول الله ﴾َ / باب في دُعاءِ الحِفْظِ
- فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقُمْ فِي وَسَطِهَا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقُمْ فِي أَوَّلِهَا فَصَلِّ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ،
تَقْرَأُ في الرَّكْعَةِ الأولَى بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ وَسُورَةٍ يَس، وَفِي الرَّكْعَةِ الثّانِيَةِ بِفَاتِحَةٍ
الكِتَابِ وحم الدُّخَانَ، وَفِي الرَّكْعَةِ الثّالِثَةِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ والم تَنْزِيلُ السَّجْدَة، وَفي
الرَّكْعَةِ الرَّابِعَةِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ وَتَبَارَكَ المُفَصَّل، فَإِذَا فَرِغْتَ مِن التَّشَهُّدِ فَاحْمَدِ الله،
وأحْسِنِ الثّنَاءَ عَلَى الله، وَصَلِّ عَلَيَّ وَأَحْسِنْ، وَعَلَى سَائِرِ النَِّين، وَاسْتَغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ
والمُؤْمِنَاتِ، ولِإِخْوَانِكَ الَّذِينَ سَبَقُوكَ بِالإِيمَانِ، ثُمَّ قُلْ في آخِرِ ذَلِكَ: اللَّهِمَّ ارْحَمْنِي
بِتَرْكِ المَعَاصِي أَبَداً مَا أَبْقَيْتَنِي، وارْحَمْنِي أنْ أَتَكَلَّفَ مَا لا يَعْنِينِي، وارْزُقْنِي حُسْنَ
النَّظَرِ فِيمَا يُرْضِيكَ عَنِّي، اللَّهِمَّ بَدِيعَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ذَا الجَلالِ وَالإِكْرامِ وَالعِزَّةِ
الَّتِي لا تُرَامُ، أسْأَلُكَ يا الله يا رَحمنُ بِجَلَالِكَ ونورٍ وَجْهِكَ أنْ تُلْزِمَ قَلْبِي حِفْظَ
كِتَابِكَ كَمَا عَلّمْتَنِي، وَارْزُقْنِي أَنْ أَتْلُوَهُ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي يُرْضِيكَ عَنِّي، اللَّهِمَّ بَدِيعَ
وقال ابن جرير(١): حدثني أبو السائب: حدثنا ابن إدريس: سمعت عبد الرحمن بن
إسحاق يذكر عن محارب بن دثار قال: ((كان عمر - ﴿ه - يأتي المسجد؛ فيسمع إنسانًا
"يقول: اللهم دعوتني، فأجبت، وأمرتني فأطعت، وهذا السَّحَر؛ فاغفر لي، قال: فاستمع
الصوت؛ فإذا هو من دار عبد الله بن مسعود؛ فسأل عبد الله عن ذلك؛ فقال: إن يعقوب
أَخَّرَ بنيه إلى السَّحر بقوله: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّ﴾ [يوسف: ٩٨]) وقد ورد في الحديث أن
ذلك كان ليلة الجمعة كما قال ابن جرير أيضًا: حدثني المثنى، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن
أبو أيوب الدمشقي: حدثنا أبو الوليد: أنبأنا ابن جريج عن عطاء وعكرمة، عن ابن عباس،
عن رسول الله وَله: (((سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّ﴾ يقول: حتى تأتي ليلة الجمعة))، وهو قول
أخي يعقوب لبنيه. وهذا غريب من هذا الوجه، وفي رفعه نظر، والله أعلم. انتهى.
(فإن لم تستطع فقم في وسطها) عطف على قوله: ((فإن استطعت)) (وتبارك، المفصل)
أي: سورة: ﴿تَرَّكَ اَلَّذِى بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] التي هي من طوال المفصل، وفي بعض
النسخ: تبارك، الملك (وصلِّ عَلَيَّ) بتشديد الياء (وأحسن) أي: وأحسن الصلاة عليّ
(ولإخوانك) المراد بالأخوة هنا: أخوة الدين (أن أتكلف) أي: أتعرض (ما لا يعنيني) من
قول وفعل، أي: ما لا يهمني، ولا يكون من مقصدي ومطلوبي (يرضيك) من الإرضاء ....
(١) ابن جرير في ((التفسير)) (١٩٨٧٠).
٢٢
كتاب الدعوات عَن رَسُول الله :﴿ / باب في دُعاءِ الحِفْظِ
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ذَا الجَلَال والإْرَامِ والعِزَّةِ الَّتِي لا تُرَامُ، أسْأَلُكَ يا الله يا رَحْمَن
بِجَلَالِكَ وَنُورٍ وَجْهِكَ أن تُنَوِّرَ بِكِتَابِكَ بَصَرِي، وأنْ تُظْلِقَ بِهِ لِسَاني، وَأَنْ تُفَرِّجَ بِهِ
عَن قَلْبِي، وَأنْ تَشْرَحَ بِهِ صَدْرِي، وأنْ تَغْسِلَ بِهِ بَدَنِي، لأنَّهُ لا يُعِينُنِي عَلَى الحقِّ
غَيْرُكَ، وَلا يُؤْتِيهِ إِلَّ أنْتَ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلَّا بالله العَلِيِّ العَظِيمِ، يَا أبا الحَسَنِ
تَفْعَلُ ذَلِكَ ثلاثَ جُمَعِ أوْ خَمْساً أو سَبْعاً يُجَابُ بِإِذْنِ الله. والَّذِي بَعَثَنِي بالحَقِّ مَا
أخْطَأَ مُؤْمِناً قَظُ)).
قَالَ عبد الله بْنُ عَبَّاسٍ: ((فَوَالله مَا لَبِثَ عَلِيٍّ إلَّا خَمْساً أوْ سَبْعاً حَتَّى جَاءَ عَلِيٍّ
رَسُولَ اللهِوَّهِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ المَجْلِسِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! إنِّي كُنْتُ رَجُلاً فِيمَا خَلا
لا آخُذُ إلَّا أرْبَعَ آيَاتٍ أو نَحْوَهُنَّ، وَإِذَا قَرَأْتُهُنَّ عَلَى نَفْسِي تَفَلَّتْنَ، وَأنا أتَعَلَّمُ اليَوْمَ
أَرْبَعِينَ آيَةً أو نَحْوَها، وَإِذَا قَرَأْتُهَا عَلَى نَفْسِي فَكَأَنَّمَا كِتَابُ الله بَيْنَ عَيْنِي، وَلَقَدْ كِنْتُ
أسْمَعُ الحَديثَ فَإِذَا رَدَّدْتُهُ تَفَلَّتَ، وَأنا اليَوْمَ أسْمَعُ الأحَادِيثَ فَإِذَا تَحَدَّثْتُ بِهَا لَمْ
أُخْرِمْ مِنْهَا حَرْفاً، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ◌ِّهِ عِنْدَ ذَلِكَ: ((مُؤْمِنٌ وَرَبِّ الكَعْبَةِ
يا أبَا الحَسَنِ».
(لا ترام) أي: لا تطلب، من الروم، ويجوز كونه من الريم، بمعنى: التجاوز (أن تلزم) بضم
التاء، من الإلزام (أن تطلق) من الإطلاق؛ أي: تجري (وأن تفرج) من باب التفعيل؛ أي:
تكشف وتزيل (وأن تغسل) وفي بعض النسخ ((تُعْمِلَ))، والظاهر: أنه من الإعمال، يقال:
أعمله غيره؛ أي: جعله عاملًا (ولا يؤتيه) أي: لا يعطيه (تجب) بصيغة المجهول من
الإجابة؛ أي: إن تفعل ذلك تجب، وفي بعض النسخ ((تُجَاب)) (ما أخطأ) أي: هذا الدعاء
(مؤمنًا) بل يصيبه، ويستجاب له (إلا خمسًا أو سبعًا) أي: خمس جمع، أو سبع جمع
(رسول الله ﴿) بالنصب (فيما خلا) أي: فيما مضى من الأيام (لم أخرم) من باب ((ضَرَبَ))؛
أي: لم أنقص، ولم أقطع (مؤمن) أي: أنت مؤمن (أبا الحسن) منصوب بحذف حرف
النداء.
٢٣
كتاب الدعوات عَنِ رَسُول الله ﴿ ﴿ / باب في دُعاءِ الحِفْظِ
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، لا نَعْرِفُهُ إلَّا مِن حَدِيثِ الوَلِيدِ بْنِ
مُسْلِم. [موضوع؛ وفيه ثلاث علل: عنعنة ابن جريج، وتدليس الوليد بن مسلم؛ فهو يدلس تدليس تسوية،
والثالثة: سليمان الدمشقي تكلم فيه من جهة حفظه، والله تعالى أعلم].
قوله: (هذا حديث حسن غريب؛ لا نعرفه إلا من حديث الوليد بن مسلم) قال المنذري:
في ((الترغيب)) - بعد ذكر هذا الحديث، ونقل كلام الترمذي هذا ما لفظه ـ: ورواه الحاكم(١)،
وقال: صحيح على شرطهما؛ إلا أنه قال: ((يقرأ في الثانية بالفاتحة وآلم السجدة، وفي الثالثة
بالفاتحة والدخان)) عكس ما في الترمذي، وقال في الدعاء: ((وأن تشغل به بدني)) مكان ((وأن
تَسْتَعْمِلَ)) وهو كذلك في بعض نسخ الترمذي. ومعناهما واحدًا وفي بعضها: ((وأن تغسل))
قال: طرق أسانيد هذا الحديث جيدة؛ ومتنه غريب جدًّا. انتهى.
وقال الشوكاني في ((الفوائد المجموعة)) - بعد ذكر حديث ابن عباس هذا -: رواه
الدارقطني، عن ابن عباس، عن عليٍّ مرفوعًا، وقال: تفرد به هشام بن عمار، عن الوليد بن
مسلم.
قال ابن الجوزي: الوليد يدلس تدليس التسوية، ولا أتهم به إلا النقاش، يعني: محمد بن
الحسن بن محمد المقري، شيخ الدارقطني.
قال ابن حجر: هذا الكلام تهافت، والنقاش بريء من عهدته؛ فإن الترمذي أخرجه في
((جامعه)) من طريق الوليد به. انتهى.
قال في ((اللآلئ)): وأخرجه الحاكم عن أبي النضر الفقيه، وأبي الحسن سليمان بن
عبد الرحمن الدمشقي، عن الوليد بن مسلم، عن ابن جريج، عن عطاء وعكرمة، عن ابن
عباس به، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم تركن النفس إلى مثل هذا من الحاكم؛
فالحديث يقصر عن الحسن؛ فضلاً عن الصحة، وفي ألفاظه نكارة. انتهى.
٢
(١) الحاكم، حديث (١١٩٠) وصححه على شرط الشيخين.
٢٤
كتاب الدعوات عَن رَسُول الله ﴿﴿ / باب في انْتِظَارِ الفَرَجِ وَغَيْرِ ذَلِك
١١٩- باب في انْتِظَارِ الفَرَجِ وَغَيْرٍ ذَلِك [ت١٢٦، ١١٥٢]
[٣٥٧١] (٣٥٧١) حدثنا بِشْرُ بْنُ مُعَاذِ العَقْدِيُّ البَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ وَاقِدٍ
عَن إسْرَائِيلَ عَن أبي إِسْحَاقَ عَن أبي الأَخْوَصِ عَن عَبْدِ الله قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله
وَله: (سَلُوا الله مِن فَضْلِهِ، فَإِنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ أنْ يُسْأَلَ، وَأَفْضَلُ العِبَادَةِ انْتِظَارُ
الفَرَجِ)). [ضعيف، حمَّاد، ضعيف].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَكَذَا رَوَى حَمَّادُ بْنُ وَاقِدٍ هَذَا الحَدِيث، وقد خولف في
روايته، وَحَمَّادُ بْنُ وَاقِدٍ هذا هو الصفار لَيْسَ بالحافِظِ، وهو عندنا شيخ بصري،
وَرَوَى أَبُو نُعَيْمِ هَذَا الحَدِيثَ عَن إِسْرَائِيلَ عَن حكيمِ بْنِ جُبَيْرٍ عَن رَجُلٍ عَن النبي ◌ِّل
مرسلاً، وحَدِيّثُ أبي نُعَيْمِ أشْبَهُ أنْ يَكُونَ أُصَحَّ.
١١٩ - بابٌ في انْتِظَارِ الْفَرَجِ وَغَيْرٍ ذَلِكَ
[٣٥٧١] قوله: (سلوا الله من فضله) أي: بعض فضله؛ فإن فضله واسع، وليس هناك
مانع (فإن الله يحب أن يسأل) أي: من فضله؛ لأن يده - تعالى - ملأى، لا تغيضها نفقة،
سحاء الليل والنهار. (وأفضل العبادة انتظار الفرج) أي: ارتقاب ذهاب البلاء والحزن؛ بترك
الشكاية إلى غيره تعالى. وكونه أفضل العبادة؛ لأن الصبر في البلاء انقياد للقضاء.
والفرج - بفتحتين - بالفارسية: كشايش، يقال: فرج الله الغم عنه؛ أي: كشفه، وأذهبه.
قوله: (هكذا روى حماد بن واقد هذا الحديث)، وأخرجه ابن مردويه أيضًا من طريقه
(وحماد بن واقد) العيشي أبو عمرو الصفار البصري (ليس بالحافظ) قال في ((تهذيب
التهذيب)) - في ترجمته -: وقال ابن معين: ضعيف، وقال البخاري: منكر الحديث. وقال أبو
زرعة: لين الحديث. له عند الترمذي حديث واحد؛ وهو في ((انتظار الفرج))، وأعله. انتهى
مختصرًا (وروى أبو نعيم هذا الحديث عن إسرائيل، عن حكيم بن جبير، عن رجل، عن
النبي (#) قال الحافظ ابن کثیر - بعد نقل کلام الترمذي هذا -: وكذا رواه ابن مردويه من
حدیث وکیع، عن إسرائيل.
(وحديث أبي نعيم أشبه أن يكون أصح)؛ لأن أبا نعيم - وهو: الفضل بن دكين الكوفي -
ثقة، ثبت، وأما حماد بن واقد، فضعيف كما عرفت. وفي طريق أبي نعيم ((عن رجل، عن
٢٥
كتاب الدعوات عَن رَسُول اللهِ وَالأَ / باب في انْتِظارِ الفَرَجِ وَغَيْرٍ ذَلِك
[٣٥٧٢] (٣٥٧٢) حدثنا أحْمَدُ بْنُ مَنِيع، حَدَّثَنَا أبو مُعَاوِيَةً، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ
الأَحْوَلُ عَن أبي عُثمانَ عَنِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَم ◌َظُهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَّهِ يَقُولُ: ((اللَّهِمَّ إِنِّي
أعُوذُ بِكَ مِنَ الكَسَلِ وَالعَجْزِ والبُخْلِ)) وبهذَا الإِسْنَادِ عَنِ النَّبِّ ◌َهِ أَنَّهُ كَانَ يَتَعَوَّذُ مِن
الهَرَمِ وعَذَابِ القَبْر. [م بنحوه: ٢٧٢٢، ن بنحوه: ٥٤٧٣].
قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
[٣٥٧٣] (٣٥٧٣) حدثنا عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الرحْمنِ، أْبَرَنَا محمّدُ بْنُ يُوسُفَ عَن
ابنِ ثَوْبَانَ عَن أبِيهِ عَن مَكْحُولٍ عَن ◌ُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرِ أنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ حَدَّثَهُمْ أنَّ
النبي وَ ل) فهذا الرجل يحتمل أن يكون صحابيًّا، ويحتمل أن يكون تابعيًّا. وعلى الثاني يكون
هذا الطريق مرسلًا.
[٣٥٧٢] قوله: (عن أبي عثمان) هو النهدي، اسمه: عبد الرحمن بن ملّ.
قوله: (اللهم إني أعوذ بك من الكسل، والعجز، والبخل) قد تقدم تفسير هذه الألفاظ.
(وبهذا الإسناد) أي: بالإسناد المتقدم (من الهرم) قال النووي: المراد من الاستعاذة من
الهرم: الاستعاذة من الرد إلى أرذل العمر، وسبب ذلك: ما فيه من الخرف، واختلال العقل
والحواس والضبط والفهم، وتشويه بعض المنظر، والعجز عن كثير من الطاعات، والتساهل
في بعضها .
(وعذاب القبر) من الضيق، والظلمة، والوحشة، وضرب المقمعة، ولدغ العقرب والحية
وأمثالها، أو مما يوجب عذابه؛ من النميمة، وعدم التطهير، ونحوهما.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه مسلم، والنسائي(١) مطولًا.
[٣٥٧٣] قوله: (أخبرنا محمد بن يوسف) هو الضبي، الفريابي (عن ابن ثوبان) هو
عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان (عن أبيه) أي: ثابت بن ثوبان، العنسي، الشامي، ثقة، من
السادسة. (عن عبادة بن الصامت) بن قيس، الأنصاري، الخزرجي، أبي الوليد، المدني،
أحد النقباء، بدري، مشهور، مات بالرملة سنة أربع وثلاثين، وله اثنتان وسبعون سنة،
وقيل: عاش إلى خلافة معاوية.
(١) النسائی، کتاب الاستعاذة، حدیث (٥٤٥٨).
٢٦
كتاب الدعوات عَن رَسُول الله ◌َ﴿ / باب في انْتِظَارِ الفَرَحِ وَغَيْرِ ذَلِك
رَسُوْلَ الله ﴿ قَالَ: ((مَا عَلَى الأرْضِ مُسْلِمٌ يَدْعُو الله بِدَعْوَةٍ إلَّا آتَاهُ الله إِيَّاهَا أوْ
صَرَفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا، مَا لَمْ يَدْعُ بِمَأْتَمٍ أوْ قَطِيعةِ رَحِمٍ)) فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ:
إذاً نُكْثِرُ، قَالَ: ((الله أكْثَرُ)). [حم: ٢٢٢٧٩].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غَرِيبٌ مِن هَذَا الوَجْهِ، وابنُ ثَوْبَانَ هُوَ
عَبْدُ الرحْمنِ بْنُ ثَابِتِ بْنِ ثَوْبَانَ العابِدُ الشَّامِيُّ.
قوله: (إلا آتاه الله إياها) أي: تلك الدعوة. وفي حديث جابر(١) ((مَا من أَحَدٍ يَدْعُو
بِدُعَاءٍ إلَّا آتاه الله مَا سَأَلَ)) (أو صرف) أي: دفع (عنه) أي: عن الداعي (من السوء) أي:
البلاء النازل، أو غيره في أمر دينه، أو دنياه، أو بدنه (مثلها) أي: مثل تلك الدعوة؛ كمية؛
وكيفية، إن لم يقدر له وقوعه في الدنيا (ما لم يدع بمأثم) المأثم: الأمر الذي يأثم به
الإنسان، أو هو الإثم نفسه، ووقع في بعض النسخ ((بإثم)) (أو قطيعة رحم) تخصيص بعد
تعميم؛ والقطيعة: أي: الهجران، والصد؛ أي: ترك البرّ إلى الأهل، والأقارب (إذًا) أي:
إذا كان الدعاء لا يرد منه شيء، ولا يخيب الداعي في شيء منه (نكثر) أي: من الدعاء؛
لعظيم فوائده.
(قال) أي: رسول الله ◌َ﴾ (الله أكثر) قال الطيبي: أي: الله أكثر إجابة من دعائكم.
وقيل: إن معناه. فضل الله أكثر، أي: ما يعطيه من فضله، وسعة كرمه أكثر مما يعطيكم في
مقابلة دعائكم. وقيل: الله أغلب في الكثرة، فلا تعجزونه في الاستكثار؛ فإن خزائنه لا
تنفذ، وعطاياه لا تفنى. وقيل: الله أكثر ثوابًا، وعطاء مما في نفوسكم، فأكثروا ما شئتم،
فإنه - تعالى - يقابل أدعيتكم بما هو أكثر منها وأجل.
قوله: (وهذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه)، وأخرجه الحاكم(٢)، وقال:
صحيح الإسناد، وأخرج أحمد عن أبي سعيد مرفوعًا: ((مَا من مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيْهَا
إِثْمٌ وَلا ◌َطِيعَةُ رَحِمٍ إِلَّا أَعْطَاهُ الله بِهَا إِحْدَى ثَلاث: إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَعْوَتَهُ، وإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا
لَهُ فِي الآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا)) وصححه الحاكم.
(١) تقدم الحديث في كتاب الدعوات، برقم: (٣٣٨١).
(٢) الحاكم، حديث (١٨١٦) من حديث أبي سعيد، وقال: صحيح الإسناد. وأخرجه أحمد في ((مسنده))، حديث
(١٠٧٤٩).
٢٧
کتاب الدعوات عن رَسُول الله ټ## / باب
١٢٠ - باب [ت١٢٧، م١١٦]
[٣٥٧٤] (٣٥٧٤) حدثنا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعِ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَن مَنْصُورٍ عَن سَعْدِ بْنِ
عُبَيْدَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي البَرَاءُ أنَّ رَسُوْل اللهِ وَّهِ قَالَ: ((إِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضّأ
وَضُوءَكَ الصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِع عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ، ثُمَّ قُل: اللَّهِمَّ أسْلَمْتُ وَجْهِي
إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَهْبَةً وَرَغْبَةً إِلَيْكَ، لا مَلْجَأَ وَلا
مَنْجَى مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ،
١٢٠ - باب
[٣٥٧٤] قوله: (حدثنا جرير) بن عبد الحميد (عن منصور) بن المعتمر(عن سعد بن
عبيدة) السلمي.
قوله: (إذا أخذت) أي: أتيت، كما في روايةٍ (مضجعك) بفتح الميم والجيم، من ضجع
يضجع من باب ((مَنَعَ يَمْنَعُ)). والمعنى: إذا أردت النوم في مضجعك (فتوضأ وضوءك للصلاة)
أي: كوضوئك للصلاة، فهو منصوب بنزع الخافض. (ثم اضطجع) أصله: اضتجع، لأنه من
باب الافتعال؛ فقلبت التاء طاء (على شقك) بكسر المعجمة، وتشديد القاف؛ أي: جانبك
(اللهم أسلمت) أي: استسلمت، وانقدت؛ والمعنى: جعلت ذاتي منقادة لك، تابعة لحكمك؛
إذ لا قدرة لي على تدبيرها، ولا على جلب ما ينفعها إليها، ولا دفع ما يضرها عنها (وفوضت
أمري إليك) من التفويض؛ وهو: تسليم الأمر إلى الله تعالى؛ والمعنى: توكلت عليك في أمري
کله، (وألجأت) أي: أسندت (ظهري إليك) أي: اعتمدت عليك في أمري كله؛ لتعينني على ما
ينفعني؛ لأن من استند إلى شيء تقوى به، واستعان به، وخصه بالظهر؛ لأن العادة جرت أن
الإنسان يعتمد بظهره إلى من يستند إليه. (رغبة ورهبة إليك)، وفي رواية عند أحمد والنسائي:
((رَهْبَةً منك وَرَغْبَةً إِلَيْكَ)) أي: طمعًا في رفدك، وثوابك، وخوفًا من عذابك؛ ومن عقابك.
قال الطيبي: منصوبان على العلة بطريق اللف والنشر؛ أي: فوضت أموري؛ طمعًا في
ثوابك، وألجأت ظهري من المكاره إليك؛ مخافة من عذابك. انتهى. وقيل: مفعول لهما
لـ«ألجأت)).
وقال القاري: إن نصبهما على الحالية - أي: راغبًا وراهبًا - أو الظرفية - أي: في حال
الطمع، والخوف - يتنازع فيهما الأفعال المتقدمة كلها (لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك)
أي: لا مهرب ولا ملاذ، ولا مخلص من عقوبتك، إلا إلى رحمتك.
٢٨
کتاب الدعوات عَن رَسُول الله {#/ باب
آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، فَإِنْ مُتَّ فِي لَيْلَتِكَ مُتَّ عَلَى
الفِطْرَةِ)»، قَالَ: فَرَدَدْتُهُنَّ لَأَسْتَذْكِرَهُ، فَقُلْتُ: آمَنْتُ بِرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ فَقَالَ:
((قُلْ: آمَنْتُ بِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ)). [خ: ٢٤٧، م: ٢٧١٠، د: ٥٠٤٦، جه: ٣٨٧٦، حم: ١٨٠٤٤،
مي: ٢٦٨٣].
قال الحافظ: أصل ((ملجأ)): بالهمزة، و((منجا)) بغير همزة، ولكن لما جمعا جاز أن
يهمزا؛ للازدواج، وأن يترك الهمز فيهما، وأن يهمز المهموز، ويترك الآخر؛ فهذه ثلاثة
أوجه، ويجوز التنوين مع القصر، فتصير خمسة.
قال العيني: إعرابهما مثل إعراب عصى، وفي هذا التركيب خمسة أوجه؛ لأنه مثل: لا
حول ولا قوة إلا بالله، والفرق بين [نصبه وفتحه](١) بالتنوين وعدمه، وعند التنوين تسقط
الألف، ثم إنهما إن كانا مصدرين يتنازعان ((منك))، وإن كانا مكانين، فلا؛ إذ اسم المكان
لا يعمل، وتقديره: لا ملجأ منك إلى أحد إلا إليك، ولا منجا منك إلا إليك. انتهى (آمنت
بكتابك) يحتمل أن يريد به القرآن، ويحتمل أن يريد اسم الجنس؛ فيشمل كل كتاب أنزل
(ونبيك الذي أرسلت) وقع في رواية: ((أَرْسَلْتَهُ))، وَ«أَنْزَلْتَهُ))، في الأول، بزيادة الضمير
المنصوب فيهما. (مت على الفطرة) أي: على دين الإسلام.
وقال الطيبي: أي: مت على الدين القويم؛ ملة إبراهيم عليه السلام، فإن إبراهيم - عليه
السلام - أسلم، واستسلم، وقال: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١]، و﴿جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ
سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٤]. (فرددتهن) أي: رددت تلك الكلمات على النبي ◌َّفي (لأستذكره)، وفي
رواية مسلم: ((لأسْتَذْكِرَهُنَّ)) أي: لأحفظ، وأتذكر تلك الكلمات منه وص له وأما تذكير الضمير
في هذا الكتاب؛ فبتأويل الدعاء (فقال) أي: النبي وَ له: (قل: آمنت بنبيك الذي أرسلت)
ذكروا في إنكاره وال ورده اللفظ أوجهًا:
، منها: أمره أن يجمع بين صفتيه - وهما: الرسول، والنبي - صريحًا، وإن كان وصف
الرسالة يستلزم النبوة.
ومنها: أن ذكره احتراز عمن أرسل من غير نبوة كجبريل وغيره من الملائكة عليهم
السلام؛ لأنهم رسل [لا أنبياء] (٢).
(١) في المطبوع ((نصبها وفتحها)).
(٢) في المطبوع ((الأنبياء)) وهو خطأ، والتصويب من ((الفتح)) (٣٥٨/١).
٢٩
كتاب الدعوات عَن رَسُول الله (#/ باب
قَالَ: وهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ، وقَدْ رُوِيَ مِن غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ البَرَاءِ، وَلَا نَعْلَمُ
فِي شَيْءٍ مِن الرِّوايَاتِ ذُكِرَ الوُضُوءِ إلَّا فِي هَذَا الحَدِيثِ.
[٣٥٧٥] (٣٥٧٥) حدثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا محمّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ
أبي فدَيْكٍ، حَدَّثَنَا ابنُ أبي ذِئُبٍ عَن أبي سَعِيدِ البَرَّاد عَن معاذٍ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ خُبَيْبٍ
عَن أبيوٍ قَالَ: خَرَجْنَا
ومنها: أنه يحتمل أن يكون رده دفعًا للتكرار؛ لأنه قال في الأولى: ((ونبيك الذي
أرسلت».
قال الحافظ: وأولى ما قيل في الحكمة، في رده فيعلى من قال: ((الرسول)) بدل
((النبي)): أن ألفاظ الأذكار توقيفية، ولها خصائص، وأسرار لا يدخلها القياس، فتجب
المحافظة على اللفظ الذي وردت به، وهذا اختيار المازري. قال: فيقتصر فيه على اللفظ
الوارد بحروفه، وقد يتعلق الجزاء بتلك الحروف، ولعله أوحي إليه بهذه الكلمات؛ فيتعين
أداؤها بحروفها .
وقال النووي: في هذا الحديث ثلاث سنن، مهمة مستحبة، ليست بواجبة:
إحداها: الوضوء عند إرادة النوم؛ فإن كان متوضأ كفاه ذلك الوضوء؛ لأن المقصود
النوم على طهارة؛ مخافة أن يموت في ليلته، وليكون أصدق لرؤياه، وأبعد من تلعب
الشيطان به في منامه، وترويعه إياه.
الثانية: النوم على الشق الأيمن؛ لأن النبي و8* كان يحب التيامن، ولأنه أسرع إلى
الانتباه.
الثالثة: ذكر الله تعالى؛ لیکون خاتمة عمله. انتهى.
قوله: (وهذا حديث حسن، صحيح، وأخرجه الشيخان، وأبو داود، والنسائي (ولا
نعلم في شيء من الروايات ذكر الوضوء .. . إلخ) أي: عند النوم.
[٣٥٧٥] قوله: (عن أبي سعيد البراد) قال في ((التقريب)): أسيد - بفتح الهمزة - ابن
أبي أسيد البراد، أبو سعيد المديني، صدوق، واسم أبيه يزيد، وهو غير أسيد بن علي، من
الخامسة، مات في خلافة المنصور (عن معاذ بن عبد الله بن خبيب) بضم معجمة وفتح
موحدة أولى، وسكون ياء، الجهني، المدني، صدوق، ربما وهم، من الرابعة (عن أبيه)
أي: عبد الله بن خبيب الجهني، حليف الأنصار، صحابي.
٣٠
كتاب الدعوات عَن رَسُول الله # / باب في دعاء الضيف
فِي لَيْلَةٍ مَطِيرَةٍ وَظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ نَظْلُبُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يُصَلِّي لَنَا، قَالَ: فَأَدْرَكْتُهُ فَقَالَ:
((قُلْ))، فَلَمْ أقُلْ شَيْئاً، ثُمُّ قَالَ: ((قُلْ))، فَلَمْ أَقُلْ شَيْئاً، قَالَ: ((قُلْ))، قُلْتُ: مَا
أقُولُ؟! قَالَ: ((قُلْ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ وَالمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِي وتُصْبِحُ ثَلَاثَ
مَرَّاتٍ تَكْفِيكَ مِن كُلِّ شَيْءٍ)). [٥: ٥٠٨٢].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غَرِيبٌ مِن هَذَا الوَجْهِ، وَأَبُو سَعِيدٍ
البَرَّادُ هُوَ أسِيدُ بْنُ أبي أسِيد مدني.
١٢١ - باب في دعاء الضيف [ت١٢٧، م١١٧]
[٣٥٧٦] (٣٥٧٦) حدثنا أبُو مُوسَى محمدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحمّدُ بْنُ جَعْفَرٍ،
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَن يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرِ الشاميِّ عَنِ عَبْدِ الله بْنِ بُسْرٍ قَالَ: نَزَلَ رَسُولُ اللهِوَهـ
عَلَى أَبِي فَقَرَّبْنَا إِلَيْهِ طَعَاماً فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِتَمْرٍ فَكَانَ يأْكَله وَيُلْقِي النَّوَى بِأَصْبُعَيْهِ
قوله: (في ليلة مطيرة) أي: ذات مطر (وظلمة) أي: وفي ظلمة (يصلي لنا) وفي رواية
أبي داود: ((لِيُصَلِّي لَنَا)) (فقال: قل) أي: اقرأ: (قلت: ما أقول؟) أي: ما أقرأ؟
(والمعوذتين) بكسر الواو وتفتح، أي: ﴿قُلّ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١] و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبٍ
اٌلْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١] (تكفيك) بالتأنيث، أي: السور الثلاث (من كل شيء) قال الطيبي: أي
تدفع عنك كل سوء؛ فـ((من)) زائدة في الإثبات على مذهب جماعة، وعلى مذهب الجمهور
أيضًا؛ لأن ((يكفيك)) متضمنة للنفي، كما يعلم من تفسيرها بـ((تدفع))، ويصح أن تكون لابتداء
الغاية؛ أي: تدفع عنك من أول مراتب السوء إلى آخرها، أو تبعيضية؛ أي: بعض كل نوع
من أنواع السوء، ويحتمل أن يكون المعنى: تغنيك عما سواها.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب)، وأخرجه أبو داود، والنسائي، ونقل المنذري
تصحيح الترمذي وأقره.
١٢١ - بَابَ في دعاء الضيف
[٣٥٧٦] قوله: (عن يزيد بن خمير) بخاء معجمة مصغرًا (نزل رسول الله﴿ على أبي)
أي: والدي (فقال) وفي رواية أحمد: ((قَالَ)) بغير الفاء (فأكل منه) أي: الطعام (ثم أُتِيَ بتمر)
أي: جيء به (ويُلقي) بضم أوله (النوى) جنس النواة (بأصبعيه) بتثليث الهمزة، والموحدة؛
٣١
كتاب الدعوات عَن رَسُول الله ◌َ في / باب في دعاء الضيف
(جَمَعَ السَّبَّابَةَ وَالوُسْطَى) قَالَ شعبة: وَهُوَ ظَنِّي فيهِ إِنْ شَاءَ الله، فَألْقَى النَّوَى بَيْنَ
أصْبُعَيْنِ، ثُمَّ أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ الَّذِي عَن يَمِينِهِ قَالَ: فَقَالَ أبِي وَأَخَذَ
بِلِجَامٍ دَابَتِهِ: ادْعُ لَنَا [فَقَالَ]: ((اللَّهمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِيمَا رَزَقْتَهُمْ، وَاغْفِرْ لَهُمْ وَارْحَمْهُمْ)).
[م: ٢٠٤٢، د: ٣٧٢٩، حم: ١٧٢٢٠، مي: ٢٠٢٢].
ففيه تسع لغات، والأشهر: كسر الهمزة، وفتح الموحدة (جمع السبابة) أي: المسبحة (قال
شعبة: وهو ظني، فيه إن شاء الله، وألقى النوى بين أصبعين) وفي ((صحيح مسلم)) بإسناد
الترمذي: ((فَكَانَ يَأْكُلُهُ وَيُلْقِي النَّوَى بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ، وَيَجْمَعُ السَّبَابَةَ وَالْوُسْطَى - قال شعبة: هو
ظني، وهو فيه - إن شاء الله - إلقاء النوى بين الإصبعين ... )).
وفيه: (وحدثنا محمد بن بشار، قال: أخبرنا ابن أبي عدي، وحدثنیه محمد بن مثنى،
قال: أخبرنا يحيى بن حماد، كلاهما عن شعبة بهذا الإسناد، ولم يشكا في إلقاء النوى بين
الإصبعين)).
قال النووي: قوله: ((ويلقي النوى بين إصبعيه)) أي: يجعله بينهما؛ لقلته، ولم يلقه في
إناء التمر؛ لئلا يختلط بالتمر، وقيل: كان يجمعه على ظهر الإصبعين، ثم يرمي به.
وقوله: ((قال شعبة: وهو ظني، وفيه إن شاء الله إلقاء النوى))؛ معناه: أن شعبة قال:
الذي أظنه إلقاءُ النوى مذكورٌ في الحديث؛ فأشار إلى تردد فيه، وشك. وفي الطريق الثاني
جزم بإثباته، ولم يشك؛ فهو ثابت بهذه الرواية.
وأما رواية الشك؛ فلا تضر، سواء تقدمت على هذه أو تأخرت؛ لأنه تيقن في وقت،
وشك في وقت؛ فاليقين ثابت، ولا يمنعه النسيان في وقت آخر. انتهى.
قلت: وفي رواية لأحمد: ((فَكَانَ يَأْكُلُ الثَّمْرَ وَيَضَعُ النَّوَى عَلَى ظَهْرِ إِصْبَعَيْهِ)) فهذه الرواية
تؤيد ما قيل: كَانَ يَجْمَعُهُ عَلَى ظَهْرِ الإِصْبَعَيْنِ ثُمَّ يَرْمِي بِهِ (ثم أُتي بشراب) أي: ماء، أو ما
يقوم مقامه (ثم ناوله الذي عن يمينه) فيه: أن الشراب، ونحوه يدار على اليمين (وأخذ) أي:
وقد أخذ؛ جملة حالية معترضة بين القول والمقول. وأخذ منه أنه یسن أخذ ركاب الأكابر،
ولجامه، والضيف، تواضعًا واستمالة (ادع لنا) فيه: استحباب طلب الدعاء من الفاضل،
ودعاء الضيف بتوسعة الرزق، والمغفرة، والرحمة. وقد جمع لي في هذا الدعاء خيرات
الدنيا، والآخرة. قاله النووي.
٣٢
كتاب الدعوات عَن رَسُول الله ﴿﴿ / باب في دعاء الضيف
قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيح، وقد رُوي من غير هذا الوجه عَن عبد الله بْنِ
بُسْر.
[٣٥٧٧] (٣٥٧٧) حدثنا مُحَمّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا
حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الشَّنُِّّ، حَدَّثَنِي أبي عُمَرُ بْنُ مُرَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ بِلَالَ بْنَ يَسَارِ بْنِ زَيْدِ
مولى النبيِّ وَِّ، حَدَّثَنِي أَبِي عَن جَدِّي سَمِعَ النبيَّ لَّه يَقُولُ: ((مَن قَالَ: أَسْتَغْفِرُ الله
الَّذِي لا إلَهَ إِلَّ هُوَ الحَيُّ القَيُّومَ وَأَتُوبُ إلَيْهِ غُفِرَ لَهُ وَإِن كَانَ فَرَّ مِنَ الرَّحْفِ)).
[د: ١٥١٧].
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه مسلم، والنسائي، وابن أبي شيبة (١).
[٣٥٧٧] قوله: (حدثنا محمد بن إسماعيل) هو الإمام البخاري (حدثنا حفص بن
عمر) بن مرة (الشَّنّي) بفتح المعجمة، وتشديد النون، البصري، مقبول، من السادسة (حدثني
أبي عمر بن مرة) الشني، البصري، مقبول، من الرابعة (قال: سمعت بلال بن يسار بن زيد)
القرشي، مولاهم، بصري، مقبول (حدثني أبي) أي: يسار بن زيد، مقبول، من الرابعة (عن
جدي) أي: زید.
قال في ((التقريب)): زيد والد يسار، مولى النبي ◌َل*، صحابي، له حديث؛ ذكر أبو
موسى المديني أن اسم أبيه: بولا، بموحدة، وكان عبدًا نوبيًّا.
قوله: (أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم) روي بالنصب؛ على الوصف للفظ
((الله)، وبالرفع؛ لكونهما بدلين، أو بيانين لقوله: ((هو))؛ والأول هو الأكثر والأشهر.
وقال الطيبي: يجوز في ((الحي القيوم)) النصب؛ صفة لله، أو مدحًا، والرفع بدلًا من
الضمير، أو على المدح، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف (وأتوب إليه) ينبغي ألا يتلفظ
بذلك، إلا إذا كان صادقًا، وألا يكون بين يدي الله كاذبًا؛ ولذا روي: أن المستغفر من
الذنب، وهو مقيم عليه، كالمستهزئ بربه (وإن كان فر) أي: هرب (من الزحف).
قال الطيبي: الزحف: الجيش الكثير الذي يرى لكثرته كأنه يزحف. قال في ((النهاية)):
من ((زحف الصبي)) إذا دب على إسته قليلًا قليلًا.
وقال المظهر: هو اجتماع الجيش في وجه العدو، أي: من حرب الكفار، حيث لا
(١) ابن أبي شيبة في ((المصنف))، حديث (٢٩٨٧٧).
٣٣
کتاب الدعوات عَن رَسُول الله {ێ / باب
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لا نَعْرِفُهُ إلَّا مِن هَذَا الوَجْهِ.
١٢٢ - باب [ت١٢٧، م١١٨]
[٣٥٧٨] (٣٥٧٨) حدثنا محمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا عُثمانُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ
عَن أبي جَعْفَرٍ عَن عمَارَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ عَن عُثمانَ بْنِ حُنَيْفٍ: أَنَّ رَجُلًا ضَرِيرَ
البَصَرِ أتَى النَّبِيَّ وَِّ فَقَالَ: ادْعُ الله أنْ يُعَافِيَنِي، قَالَ: ((إنْ شِئْتَ دَعَوْتُ، وَإِنْ شِئْتَ
صَبَرْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ))،
يجوز الفرار، بأن لا يزيد الكفار على المسلمين مثلي عدد المسلمين، ولا نوى التحرف،
والتحيز.
قوله: (هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه) وأخرجه أبو داود.
وقال المنذري في ((الترغيب)» - بعد نقل كلام الترمذي هذا ما لفظه ـ: وإسناده جيد
متصل، فقد ذكر البخاري في ((تاريخه الكبير)): أن بلالًا سمع من أبيه يسار، وأن يسار سمع
من أبيه زيد مولى رسول الله وَّلتر؛ وقد اختلف في يسار والد بلال؛ هل هو بالباء الموحدة،
أو بالياء المثناة تحت؟ وذكر البخاري في ((تاريخه)): أنه بالموحدة. والله أعلم. ورواه
الحاكم(١) من حديث ابن مسعود، وقال: صحيح على شرطهما، إلا أنه قال: يقولها ثلاثًا.
انتھی.
١٢٢ - بَابٌ
[٣٥٧٨] قوله: (عن عُمارة) بضم أوله، وتخفيف الميم (بن خزيمة بن ثابت)
الأنصاري، الأوسي، المدني، ثقة، من الثالثة (عن عثمان بن حنيف) بالمهملة، والنون
مصغرًا، ابن واهب الأنصاري، الأوسي، المدني، صحابي، شهير، استعمله عمر على
مساحة أرض الكوفة، وعليّ على البصرة قبل الجمل، مات في خلافة معاوية.
قوله: (أن رجلًا ضرير البصر) أي: ضعيف النظر، أو أعمى (ادع الله أن يعافيني) أي:
من ضرري في نظري (قال: إن شئت) أي: اخترت الدعاء (دعوت) أي: لك (وإن شئت)
أي: أردت الصبر والرضا (فهو) أي: الصبر (خير لك)؛ فإن الله - تعالى - قال: ((إِذَا ابْتَلَيْتُ
(١) الحاكم، حديث (١٨٨٤) وصححه على شرط الشيخين.
٣٤
کتاب الدعوات عَن رَسُول الله چ / باب
قَالَ: فَادْعُه، قَالَ: فَأَمَرَهُ أنْ يَتَوضَّأَ فَيُحْسِنَ وضُوءُهُ وَيَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ: ((اللَّهَمَّ إِنِّي
أَسْأَلُكَ وَأْتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، إِنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ إلى رَبِّي في حَاجَتِي
هَذِهِ لِتُقْضَى لي، اللَّهِمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ)). [جه: ١٣٨٥].
قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غَرِيبٌ، لا نَعْرِفُهُ إلَّا مِن هَذَا الوَجْهِ
عَبْدِي بِحَبِيْبَتَيْهِ ثُمَّ صَبَرَ عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الْجَنَّةَ)) (قال) أي: الرجل (فادعه) بالضمير، أي:
ادْعُ الله، واسْأَلْهُ العافية، ويحتمل أن تكون الهاء للسکت.
قال الطيبي: أسند النبي ◌َ ﴿ الدعاء إلى نفسه؛ وكذا طلب الرجل أن يدعو هو وَّ، ثم
أمره ي ير أن يدعو هو؛ أي: الرجل، كأنه وَّله لم يرض منه اختياره الدعاء؛ لما قال: الصبر
خير لك؛ لكن في جعله شفيعًا له، ووسيلة في استجابة الدعاء ما يفهم أنه وَّر شريك فيه
(فيحسن وضوءه) أي: يأتي بكمالاته من سننه، وآدابه، وزاد في رواية ابن ماجه: ((وَيُصَلِّي
رَكْعَتَيْنِ)) (اللهم إني أسألك) أي: أطلبك مقصودي؛ فالمفعول مقدر (وأتوجه إليك بنبيك)
الباء للتعدية (محمد نبيّ الرحمة) أي: المبعوث رحمة للعالمين (إني توجهت بك) أي:
استشفعت بك، والخطاب للنبي وَِّ، ففي رواية ابن ماجه: ((يَا مُحَمَّدُ إِنِّي قَدْ تَوَجَّهْتُ بِكَ))
(لتُقضى لي) بصيغة المجهول؛ أي: لتُقضى لي حاجتي بشفاعتك (فشفّعه) بتشديد الفاء؛ أي:
اقبل شفاعته (في) أي: في حقي.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه النسائي(١)، وزاد في آخره: ((فَرَجَعَ
وَقَدْ كَشَفَ الله عَنْ بَصَرِهِ»، وأخرجه أيضًا ابن ماجه، وابن خزيمة في ((صحيحه)) والحاكم،
وقال: صحيح على شرط الشيخين، وزاد فيه: ((فَدَعَا بِهَذَا الدُّعاءِ فَقَامَ وَقَدْ أَبْصَرَ))، وأخرجه
الطبراني (٢)، وذكر في أوله قصة هي: ((أن رجلًا كان يختلف إلى عثمان بن عفان - رَظُبه - في
حاجة له، وكان عثمان لا يلتفت إليه، ولا ينظر إلى حاجته؛ فلقي عثمان بن حنيف؛ فشكا
ذلك إليه؛ فقال له عثمان بن حنيف: ائت الميضأة، فتوضأ، ثم ائت المسجد، فصل فيه
ركعتين، ثم قل: اللَّهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبينا محمد ◌َّ؛ نبي الرحمة، يا محمد
إني أتوجه بك إلى ربي؛ فيقضي حاجتي، وتذكر حاجتك، وَرُحْ إليّ حتى أروح معك؛
(١) النسائي في ((الكبرى))، حديث (١٠٤٩٥)، وابن خزيمة، حديث (١٢١٩)، والحاكم، حديث (١١٨٠)
وصححه على شرط الشيخين.
(٢) الطبراني في ((الصغير))، حديث (٥٠٨)، و((الكبير))، حديث (٨٣١١).
٣٥
کتاب الدعوات عَن رَسُول الله ێ / باب
مِن حَدِيثِ أبِي جَعْفَرٍ، وَهُوَ الخَطْمِي، وعُثْمَان بْنُ حنيف هو أخو سهل بْنُ حنيفٍ.
فانطلق الرجل؛ فصنع ما قال له، ثم أتى باب عثمان؛ فجاء البواب حتى أخذ بيده؛ فأدخله
على عثمان بن عفان؛ فأجلسه معه على الطنفسة، وقال: ما حاجتك؟ فذكر حاجته؛ فقضاها
له، ثم قال: ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة، وقال: ما كانت لك من حاجة فَأَتنا،
ثم إن الرجل خرج من عنده؛ فلقي عثمان بن حنيف؛ فقال له: جزاك الله خيرًا؛ ما كان ينظر
في حاجتي، ولا يلتفت إليّ حتى كلمته فيّ؛ فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلمته، ولكن
شهدت رسول الله وير؛ فأتاه رجل ضرير؛ فشكا إليه ذهاب بصره؛ فقال له النبي وَلفر: ((أو
تصبر؟)) فقال: يا رسول الله؛ إنه ليس لي قائد، وقد شَقَّ عليَّ، فقال له النبي ◌َّ: ((ائتٍ
المِيضَأَةَ فَتَوضَّأُ، ثُمَّ صَلِّ رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ ادْعُ بِهَذِهِ الدَّعَوَاتِ)) فقال عثمان بن حنيف: فو الله ما
تفرقنا - وطال بنا الحديث - حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضر قط.
قال الطبراني بعد ذكر طرقه: والحديث صحيح. كذا في ((الترغيب)).
وقال الإمام ابن تيمية في رسالته ((التوسل والوسيلة)) بعد ذكر حديث عثمان بن حنيف هذا
ما لفظه: وهذا الحديث - حديث الأعمى - قد رواه المصنفون في ((دلائل النبوة)) كالبيهقي
وغيره، ثم أطال الكلام في بيان طرقه، وألفاظها (من حديث أبي جعفر؛ وهو غير الخطمي)
قال الإمام ابن تيمية: هكذا وقع في الترمذي، وسائر العلماء قالوا: هو أبو جعفر، وهو
الصواب. انتهى.
قلت: أبو جعفر، عن عمارة بن خزيمة؛ رجلان: أحدهما: أبو جعفر الخَطْمِي، بفتح
المعجمة، وسكون المهملة، اسمه: عمير بن يزيد بن عمير بن حبيب، الأنصاري، المدني،
نزيل البصرة، صدوق، من السادسة. والثاني: غير الخطمي.
قال في ((التقريب)): أبو جعفر عن عمارة بن خزيمة. قال الترمذي: ليس هو الخطمي؛
فلعله الذي بعده.
قلت: والذي بعده هو: أبو جعفر الرازي، التميمي، مولاهم، واسمه: عيسى بن
أبي عيسى عبد الله بن ماهان، وأصله من مرو، وكان يتجر إلى الري، صدوق، سيء الحفظ،
خصوصًا عن مغيرة، من كبار السابعة.
تنبيه: قال الشيخ عبد الغني في ((إنجاح الحاجة)): ذكر شيخنا عابد السندي في ((رسالته)):
والحديث يدل على جواز التوسل، والاستددع بذاته المكرم في حياته، وأما بعد مماته؛ فقد
روى الطبراني في «الكبير» عن عثمان بن حنيف: أن رجلًا كان يختلف إلى عثمان بن عفان
٣٦
کتاب الدعوات عَن رَسُول الله ێۇ / باب
.
في حاجة له ... فذكر الحديث. قال: وقد كتب شيخنا المذكور رسالة مستقلة فيها التفصيل،
من أراد فليرجع إليها. انتهى.
وقال الشوكاني في ((تحفة الذاكرين)): وفي الحديث دليل على جواز التوسل برسول الله
وَّه إلى الله عز وجل، مع اعتقاد أن الفاعل هو الله - سبحانه وتعالى - وأنه المعطي المانع،
ما شاء کان، وما لم يشأ لم یکن. انتھی.
وقال فيها - في ((شرح قول صاحب العمدة)): ((ويتوسل إلى الله بأنبيائه، والصالحين)) ما
لفظه ـ: ومن التوسل بالأنبياء؛ ما أخرجه الترمذي من حديث عثمان بن حنيف - ظه - أن
أعمى أتى النبي ◌َّطهر ... فذكر الحديث، ثم قال: وأما التوسل بالصالحين؛ فمنه: ما ثبت في
((الصحيح))(١): أن الصحابة استسقوا بالعباس - ربه - عم رسول الله يقر، وقال عمر څبه:
((اللهم إنا نتوسل إليك بعم نبينا ... إلخ)) انتهى.
وقال في رسالته ((الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد)): وأما التوسل إلى الله - سبحانه
- بأحد من خلقه في مطلب يطلبه العبد من ربه؛ فقد قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: إنه
لا يجوز التوسل إلى الله - تعالى - إلا بالنبي ◌َّطاهر، إن صح الحديث فيه. ولعله يشير إلى
الحديث الذي أخرجه النسائي في ((سننه)) والترمذي، وصححه ابن ماجه، وغيرهم: ((أن
أعمَّى أتى النبي ◌َّر ... )) فذكر الحديث. قال: وللناس في معنى هذا قولان:
أحدهما: أن التوسل هو الذي ذكره عمر بن الخطاب؛ لما قال: ((كنا إذا أجدبنا
نتوسل بنبينا إليك، فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا))، وهو في ((صحيح البخاري)) وغيره.
فقد ذكر عمر - نظراته - أنهم كانوا يتوسلون بالنبي ◌َّل في حياته في الاستسقاء، ثم توسل بعمه
العباس بعد موته؛ وتوسلهم هو: استسقاؤهم؛ بحيث يدعو ويدعون معه؛ فيكون هو وسيلتهم
إلى الله تعالى، والنبي ◌َّر كان في مثل هذا شافعًا، وداعيًا لهم.
والقول الثاني: أن التوسل به ◌َّهو يكون في حياته، وبعد موته، وفي حضرته، ومغيبه،
ولا يخفاك أنه قد ثبت التوسل به ◌َّله في حياته، وثبت التوسل بغيره بعد موته، بإجماع
الصحابة إجماعًا سکوتیًّا؛ لعدم إنکار أحد منھم علی عمر - رضته - في توسله بالعباس
وعندي: أنه لا وجه لتخصيص جواز التوسل بالنبي ◌ّر كما زعمه الشيخ عز الدين بن
عبد السلام؛ لأمرين:
(١) في (صحيح البخاري))، كتاب الاستسقاء، حديث (١٠١٠)، وكتاب فضائل الصحابة، حديث (٣٧١٠).
٣٧
کتاب الدعوات عَن رَسُول الله ێ / باب
٠٤
الأول: ما عرفناك به من إجماع الصحابة
والثاني: أن التوسل إلى الله بأهل الفضل والعلم هو في التحقيق: توسلٌ بأعمالهم
الصالحة، ومزاياهم الفاضلة؛ إذ لا يكون الفاضل فاضلاً إلا بأعماله. فإذا قال القائل:
((اللَّهم إني أتوسل إليك بالعالم الفلاني))، فهو باعتبار ما قام به من العلم. وقد ثبت في
(الصحيحين))(١)، وغيرهما: أن النبي ◌َّيُ حكى عن الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة؛ أن
كل واحد منهم توسل إلى الله بأعظم عمل عمله؛ فارتفعت الصخرة. فلو كان التوسل
بالأعمال الفاضلة غير جائز، أو کان شرگًا؛ کما یزعمه المتشددون في هذا الباب، کابن
عبد السلام، ومن قال بقوله من أتباعه؛ لم تحصل الإجابة لهم، ولا سكت النبي ◌َّقر عن
إنكار ما فعلوه بعد حكايته عنهم.
وبهذا تعلم أن ما يورده المانعون من التوسل بالأنبياء، والصلحاء، من نحو قوله -
تعالى -: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، ونحو قوله - تعالى -: ﴿فَلَا تَدْعُواْ مَعَ
اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨]، ونحو قوله - تعالى -: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الِّْ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ، لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم
بِشَىْءٍ﴾ [الرعد: ١٤] ليس بوارد، بل هو من الاستدلال على محل النزاع بما هو أجنبي عنه؛ فإن
قولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَ﴾ مصرح بأنهم عبدوهم لذلك. والمتوسل بالعالم
مثلًا لم يعبده، بل علم أن له مزية عند الله بحمله العلم؛ فتوسل به لذلك. وكذلك قوله:
﴿فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾، فإنه نهى عن أَنْ يدعى مع الله غيره؛ كأن يقول: ((بالله ويفلان)).
والمتوسل بالعالم - مثلاً - لم يدع إلا الله؛ فإنما وقع منه التوسل عليه بعمل صالح عمله بعض
عباده؛ كما توسل الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة بصالح أعمالهم، وكذلك قوله:
﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ﴾ الآية: فإن هؤلاء دعوا من لا يستجيب لهم، ولم يدعوا ربهم الذي
يستجيب لهم. والمتوسل بالعالم - مثلًا - لم يدع إلا الله، ولم يدع غيره دونه، ولا دعا غيره
معه .
وَإذا عرفت هذا؛ لم يخف عليك دفع ما يورده المانعون للتوسل من الأدلة الخارجة عن
محل النزاع خروجًا زائدًا على ما ذكرناه؛ كاستدلالهم بقوله - تعالى -: ﴿وَمَآ أَدْرَكَ مَا يَوْمُ
(١) أخرجه البخاري، كتاب الإجارة، حديث (٢° ٢، وكتاب الأنبياء، حديث (٣٤٦٥)، ومسلم، كتاب الذكر
والدعاء، حدیث (٢٧٤٣).
٣٨
کتاب الدعوات عَن رَسُول الله ێ / باب
يَوَّمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسُ لِنَفْسِ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَيِذٍ لِلَِّ﴾ [الانفطار:
١٨
ثُمَّ مَآ أَدْرَئِكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ
الدینِ
١٧، ١٨، ١٩]، فإن هذه الآية الشريفة ليس فيها إلا أنه - تعالى - المنفرد بالأمر في يوم الدين،
وأنه ليس لغيره من الأمر شيء. والمتوسل بنبي من الأنبياء، أو عالم من العلماء، هو لا
يعتقد أن لمن توسل به مشاركة لله - جل جلاله - في أمر يوم الدين، ومن اعتقد هذا الاعتقاد
من العباد - سواء كان نبيًّا أو غير نبي ـ فهو في ضلال مبين.
وهكذا الاستدلال على منع التوسل بقوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ﴾ [آل عمران: ١٢٨]،
﴿قُل لَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلَا ضَرَّا﴾ [الأعراف: ١١٨]، فإن هاتين الآيتين مصرحتان بأنه ليس
لرسول الله وَّة من أمر الله شيء، وأنه لا يملك لنفسه نفعًا، ولا ضرًّا؛ فكيف يملك لغيره؟
وليس فيهما منع التوسل به، أو بغيره من الأنبياء، أو الأولياء، أو العلماء، وقد جعل الله
لرسوله و38 المقام المحمود؛ لمقام الشفاعة العظمى، وأرشد الخلق إلى أن يسألوه ذلك،
ويطلبوه منه؛ وقال له: ((سَلْ تعْطَه وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ))(١) وقيل ذلك في كتابه العزيز، بأن الشفاعة
لا تكون إلا بإذنه، ولا تكون إلا لمن ارتضى.
وهكذا الاستدلال على منع التوسل بقوله وَّه ـ لما نزل قوله - تعالى -: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ
اْأَقْرِينَ ﴾ [الشعراء: ٢١٤] -: ((يَا فُلانُ بْنُ فُلانٍ، لا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ الله شَيْئًا، يَا فُلَانَةُ بِنْتِ فُلانٍ،
لا أَمْلِكُ لَكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا))، فإنَّ هذا ليس فيها إلا التصريح بأنه ◌َّ لا يستطيع نفع من أراد الله
ضره، ولا ضر من أراد الله - تعالى - نفعه، وأنه لا يملك لأحد من قرابته - فضلًا عن غيرهم
- شيئًا من الله. وهذا معلوم لكل مسلم، وليس فيه أنه لا يتوسل به إلى الله؛ فإن ذلك هو
طلب الأمر ممن له الأمر والنهي، وإنما أراد الطالب أن يقدم بين يدي طلبه ما يكون سببًا
للإجابة ممن هو المنفرد بالعطاء والمنع، وهو مالك يوم الدين. انتهى كلام الشوكاني.
قلت: الحق عندي أن التوسل بالنبي ◌َّر في حياته - بمعنى: التوسل بدعائه، وشفاعته -
جائز، وكذا التوسل بغيره من أهل الخير، والصلاح في حياتهم - بمعنى: التوسل بدعائهم،
وشفاعتهم أيضًا - جائز. وأما التوسل به وَّر بعد مماته، وكذا التوسل بغيره من أهل الخير
والصلاح بعد مماتهم؛ فلا يجوز، واختاره الإمام ابن تيمية في رسالته ((التوسل والوسيلة))،
وقد أشبع الكلام في تحقيقه، وأجاد فيه؛ فعليك أن تراجعها. ومن جملة كلامه فيها: وإذا
(١) البخاري، كتاب حديث الأنبياء، حديث (٣٣٤٠)، مسلم، كتاب الإيمان، حديث (١٩٣).
٣٩
کتاب الدعوات عَن رَسُول الله (ێ / باب
كان كذلك؛ فمعلوم أنه إذا ثبت عن عثمان بن حنيف، أو غيره أنه جعل من المشروع
المستحب أن يتوسل بالنبي وَّه بعد موته من غير أن يكون النبي وَّل﴾ داعيًا له، ولا شافعًا فيه؛
فقد علمنا أن عمر، وأكابر الصحابة لم يروا هذا مشروعًا بعد مماته؛ كما كان يشرع في
حياته، بل كانوا في الاستسقاء في حياته يتوسلون به؛ فلما مات لم يتوسلوا به؛ بل قال عمر
في دعائه الصحيح، المشهور، الثابت باتفاق أهل العلم، بمحضر من المهاجرين والأنصار
في عام الرمادة المشهور؛ لما اشتد بهم الجدب، حتی حلف عمر لا یأکل سمنًا حتی یخصب
الناس، ثم لما استسقى بالناس قال: ((اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا؛ فتسقينا،
وإنا نتوسل إليك بعم نبينا؛ فاسقنا؛ فيسقون))(١) وهذا دعاء أقره عليه جميع الصحابة، لم
ينكره أحد مع شهرته، وهو من أظهر الإجماعات الإقرارية، ودعا بمثله معاوية بن أبي سفيان
في خلافته؛ لما استسقى بالناس.
فلو كان توسلهم بالنبي ◌َّالفر بعد مماته، كتوسلهم في حياته؛ لقالوا: كيف نتوسل بمثل
العباس، ويزيد بن الأسود، ونحوهما، ونعدل عن التوسل بالنبي ◌ّ﴾ الذي هو أفضل
الخلائق، وهو أفضل الوسائل وأعظمها عند الله. فلما لم يقل ذلك أحد منهم، وقد علم أنهم
في حياته إنما توسلوا بدعائه، وشفاعته، وبعد مماته توسلوا بدعاء غيره، وشفاعة غيره؛ علم
أن المشروع عندهم: التوسل بدعاء المتوسل به لا بذاته.
وحديث الأعمى حجة لعمر، وعامة الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - فإنه إنما أمر
الأعمى أن يتوسل إلى الله بشفاعة النبي ◌َ ﴿ ودعائه، لا بذاته، وقال له في الدعاء: ((قل:
اللهم فشفعه فيّ))، وإذا قدر أن بعض الصحابة أمر غيره أن يتوسل بذاته لا بشفاعته، ولم يأمر
بالدعاء المشروع بل ببعضه، وترك سائره المتضمن للتوسل بشفاعته؛ كان ما فعله عمر بن
الخطاب هو الموافق لسنة رسول الله
وكان المخالف لعمر محجوجًا بسنة رسول الله وَّ ر، وكان الحديث الذي رواه عن النبي
وَالر حجة عليه لا له.
وقال فيها: فأما التوسل بذاته في حضوره، أو مغيبه، أو بعد موته مثل: الإقسام بذاته،
أو بغيره من الأنبياء، أو السؤال بنفس ذواتهم، لابدعائهم - فليس هذا مشروعًا عند
(١) سبق تخريجه قريبًا .
٤٠
کتاب الدعوات عَن رَسُول الله ێ / باب
[٣٥٧٩] (٣٥٧٩) حدثنا عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الرحمنِ، أُخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيْسَى،
قَالَ: حَدَّثَنِي مَعْنٌ. حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحِ عَن ضمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ قَالَ: سَمِعْتُ
أبَا أُمَامَةَ رَبُهُ يَقُولُ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَبِسَةً أَنَّهُ سَمِعَ النبيَّ ◌َّهِ يَقُولُ: («أقْرَبُ مَا
يَكُونُ الرَّبُّ مِنَ العَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ
الصحابة، والتابعين، بل عمر بن الخطاب، ومعاوية بن أبي سفيان، ومن بحضرتهما من
أصحاب رسول الله وَّله والتابعين لهم بإحسان؛ لما أجدبوا استسقوا، وتوسلوا، أو استشفعوا
بمن كان حيًّا كالعباس ويزيد بن الأسود، ولم يتوسلوا، ولم يستشفعوا، ولم يستسقوا في هذه
الحال بالنبي ◌َّ، لا عند قبره، ولا غير قبره؛ بل عدلوا إلى البدل كالعباس وكيزيد، بل
كانوا يصلون عليه في دعائهم. وقد قال عمر: ((اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا؛ فتسقينا، وإنا
نتوسل إليك بعم نبينا، فاسقنا)) فجعلوا هذا بدلًا عن ذاك؛ لما تعذر أن يتوسلوا به على الوجه
المشروع الذي كانوا يفعلونه. وقد كان من الممكن أن يأتوا إلى قبره ويتوسلوا هناك، ويقولوا
في دعائهم بالجاه، ونحو ذلك من الألفاظ التي تتضمن القسم بمخلوق على الله عز وجل، أو
السؤال به؛ فيقولون: نسألك، أو: نقسم عليك بنبيك، أو: بجاه نبيك، ونحو ذلك مما يفعله
بعض الناس. انتهى.
[٣٥٧٩] قوله: (سمعت أبا أمامة) الباهلي، اسمه: صدي بن عجلان.
قوله: (في جوف الليل) خبر ((أقرب))؛ أي: أقربيته - تعالى - من عباده كائنةٌ في الليل.
قال الطيبي: إما حال من ((الرب))؛ أي: قائلًا في جوف الليل: ((مَنْ يَدْعُونِي؛ فَأَسْتَجِيبَ
له ... الحديث)) سدت مسد الخبر، [أو](١) من ((العبد)»؛ أي: قائمًا في جوف الليل، داعيًا،
مستغفرًا، ويحتمل أن يكون خبرًا لـ((أقرب)).
فإن قلت: المذكور في هذا الحديث: ((أقرب ما يكون الرب من العبد)»، وفي حديث
أبي هريرة [عند](٢) مسلم، وغيره: ((أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ من رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ)).
أجيب: بأنه قد علم من حديث أبي هريرة: ((يَنْزِلُ رَبِّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَة إِلَى السَّمَاءِ
الدُّنْيَا)) ... إلخ، أن رحمته سابقة؛ فقُرْبُ رحمة الله من المحسنين سابقٌ على إحسانهم؛ فإذا
(١) الذي في المطبوع [و]، والمثبت هو الصواب.
(٢) الذي في المطبوع [عن]، والمثبت هو الصواب.