Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَبَِّةَ / باب ((وَمِن سُورةِ ﴿التحريم))) المَسْجِدِ، فَإِذَا حَوْلَ المِنْبَرِ نَفَرٌ يَبْكُونَ، فَجَلَسْتُ إلَيْهِمْ، ثُمَّ غَلَبَنِي ما أجِدُ فأتَيْتُ الغُلَامَ، فَقُلْتُ: اسْتَأذِنْ لِعُمرَ، فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ إليَّ، فَقَالَ: قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ، فَلَمْ يَقُلْ شَيْئاً، قَالَ: فَانْطَلَفْتُ إلى المَسْجِدِ أيْضاً فَجَلَسْتُ، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أجِدُ، فأتَيْتُ الغُلَامَ، فَقُلْتُ: اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ، فَدَخَلَ، ثُمَّ خَرَجَ إليَّ، فَقَالَ: قد ذَكَرْتُكَ لَهُ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئاً، قَالَ: فَوَلَّيْتُ مُنْطَلِقاً، فَإِذَا الغُلامُ يَدْعُونِي، فَقَالَ: ادْخُلْ، فَقَدْ أذِنَ لَكَ، قَالَ: فَدَخِلتُ، فَإِذَا النبيُّ بَّهُ مُتَّكِئٌ عَلَى رمْلٍ حَصِيرٍ قد رأيْتُ أَثَرَهُ في جَنْبِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ قَالَ: ((لَا))، قُلْتُ: الله أكْبَرُ، لَقد رأيْتُنَا يَا رَسُولَ الله، وكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَغْلِبُ النِّسَاء، فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ وَجدْنَا قَوْماً تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ، فَطَفِقَ نِسَاؤْنَا يَتَعَلَّمْنَ مِن نِسَائِهِمْ، فَتَغَضَّبْتُ يَوْماً عَلَى امْرَأْتِي، فَإِذَا هِيَ تُرَاجِعُنِي، فأَنْكَرْتُ ذَلِكَ، فَقَالَت: ما تُنْكِرُ؟ فَوَالله إنَّ أَزْوَاجَ النبيّ وََّ لَيُرَاجِعْنَهُ وَتَهْجُرُهُ إِحْدَاهُنَّ اليَوْمَ إلى اللَّيْلِ، قَالَ: فَقُلْتُ لِحَفْصَةَ: أَتْرَاجِعِينَ رَسُولَ اللهِ بَّنَ؟ قَالَت: نَعَم، الراء، وتخفيف الموحدة، سماه سماك في روايته (ثم غلبني ما أجد) أي: من شغل قلبه؛ بما بلغه من اعتزال النبي ◌َّ نساءه، وأن ذلك لا يكون إلا عن غضب منه، ولاحتمال صحّة ما أشيع من تطليق نسائه، ومن جملتهن حفصة بنت عمر؛ فتنقطع الوصلة بينهما، وفي ذلك من المشقة عليه ما لا يخفى (متكئ على رمل حصير) وفي رواية البخاري: ((مُصْطَجِعٌ عَلَى رِمَالِ حَصِيرٍ)). قال الحافظ: بكسر الراء، وقد تضم وفي رواية معمر: ((عَلَى رِمْلِ حَصِير)» بسكون الميم، والمراد به: النسج. نقول: رَمَلْت الحصير وأَرْمَلْتُه: إذا نسجته. وحصير مرمول، أي: منسوج. والمراد هنا: أن سريره كان مرمولًا بما يرمل به الحصير. ووقع في رواية أخرى: عَلَى رِمَالِ سَرِيْرٍ)) ووقع في رواية سماك: ((عَلَى حَصيرٍ وَقَدْ أَثرَ الْحَصيرُ فِي جَنْبِهِ» وكأنه أطلق عليه حصيرًا؛ تغليبًا (قلت: الله أكبر) قال الكرماني: لما ظن الأنصاري أن الاعتزال طلاق، أو ناشئ عن طلاق؛ فأخبر عمر بوقوع الطلاق جازمًا به؛ فلما استفسر عمر عن ذلك؛ فلم يجد له حقيقة كبّر؛ تعجبًا من ذلك. انتهى. قال الحافظ: ويحتمل أن يكون كبّرَ الله؛ حامدًا له على ما أنعم به عليه من عدم وقوع الطلاق (وجدنا قومًا) أي: الأنصار (فقلت لحفصة) بدأ بها؛ لمكانتها منه (قالت) أي: حفصة (نعم) أي: تراجعه ٢٢٢ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌َّهـ / باب ((وَمِن سُورةٍ ﴿التحريم﴾)» وَتَهْجُرُهُ إِحْدَانَا اليَوْمَ إلى اللَّيْلِ، قَالَ: فَقُلْتُ: قَدْ خَابَتْ مَن فَعَلَتْ ذَلِكَ مِنْكُنَّ وَخَسِرَتْ، أتَأْمَنُ إحْدَاكُنَّ أَنْ يَغْضَبَ الله عَلَيْهَا لِغَضَبِ رَسُولِهِ، فَإِذَا هِيَ قَدْ هَلَكَتْ؟ فَتَبَسَّمَ النبيُّ وََّ، قَالَ: فَقُلْتُ لِحَفْصَةَ: لا تُرَاجِعِي رَسُولَ اللهِ وَّهِ وَلا تَسْألِيهِ شَيْئاً، وَسَلِينِي مَا بَدا لَكِ، وَلا يُغَرَّنَّكِ إِنْ كَانَتِ صَاحِبَتُكِ أوْسَمَ مِنْكِ، وَأحَبَّ إلى رَسُولِ اللهِ وَّهُ، قَالَ: فَتَبَسَّمَ أُخْرَى، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أسْتَأْنِسُ؟ قَالَ: ((نَعَم))، قَالَ: فَرَفَعتُ رَأْسِي، فَمَا رأبْتُ فِي الْبَيْتِ إلَّا أَهَبَةً ثَلَاثَةً، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أُدْعُ الله أنْ يُوَسِّعَ عَلَى أُمَّتِكَ، فَقَدْ وَسَّعَ عَلَى فَارِسَ والرُّومِ وَهُمْ لا يَعْبُدُونَهُ، فَاسْتَوَى جَالِساً، فَقَالَ: ((أو فِي شَكِّ أنْتَ يا ابْنَ الخَطَّابِ؟ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيَِّاتُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدّنْيَا))، قَالَ: وَكَانَ أَقْسَمَ (لا تراجعي رسول الله (َّ﴾﴾ أي: لا ترادديه في الكلام، ولا تردي عليه. قوله: (وسليني ما بدا لك) أي: ما ظهر لك (ولا يَغُرَّنَّك) بتشديد الراء والنون (أن كانت) بفتح الهمزة (صاحبتك) أي: ضرتك (أوسم) من الوسامة؛ وهي: الحسن والجمال، أي: أحسن وأجمل. وفي رواية البخاري: ((أَوْضأ)) من الوضاء؛ وهو: الحسن (وأحب إلى رسول الله ◌َّة) المعنى: لا تغتري بكون عائشة تفعل ما نهيتك عنه؛ فلا يؤاخذها بذلك؛ فإنّها تُدلُّ بجمالها(١)، ومحبة النبي ◌َّر فيها؛ فلا تغتري أنت بذلك؛ لاحتمال ألا تكوني عنده في تلك المنزلة؛ فلا يكون لك من الإدلال مثل الذي لها (فتبسم) أي: النبي ◌َّ (أخرى) أي: تبسمة أخرى (فقلت: يا رسول الله أستأنس؟) بحذف همزة الاستفهام؛ أي: انبسط في الحديث، واستأذن عمر في ذلك، لقرينة الحال التي كان فيها لعلمه بأن بنته كانت السبب في ذلك، فخشي أن يلحقه شيء من المعتبة، فبقي كالمتقبض عن الابتداء بالحديث حتى استأذن فيه (إلا أُهبة ثلاثة) بضم الهمزة والهاء، وبفتحهما: جمع إهاب؛ وهو الجلد وقيل: إنما يقال للجلد: إهاب قبل الدبغ، فأما بعده - فلا (فقال: أَوَ في شك أنت يا ابن الخطاب) يعني: أنت في شك في أن التوسع في الآخرة خير من التوسع في الدنيا. (أولئك) أي: فارس، والروم (عجلت) بصيغة المجهول: من التعجيل (قال) أي: عمر - رَُّبه - (وكان أقسم عَلى (١) دَّت المرأة دلَلًا ودَلًّا، من باب وقب وضرب، وتدللت تدللًا. والاسم الدَّلال، بالفتح: وهو جرأتها في تكسر وتغنج، كأنها مخالفة وليس بها خلاف، كما في المصباح المنير (دلل). ٢٢٣ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَلِ / باب ((وَمِن سُورةٍ ﴿التحريم﴾)) على ألا يَدْخُلَ عَلَى نِسَائِهِ شَهْراً، فعَاتَبَهُ الله في ذلِكَ، وَجَعَل لَّهُ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ. ألا يدخل على نسائه شهرًا؛ فعاتبه الله في ذلك فجعل له كفارة اليمين) وفي رواية البخاري في ((النكاح)) ((فَاعْتَزَلَ النَّبِيُّ ◌َِّ نِسَاءَهُ مَنْ أَجْلِ ذَلِكَ الْحَديْثِ حِينَ أَفْشَتْهُ حَفْصَةُ إلى عائِشَةَ تِسْعًا وعشْرِينَ لَيْلةً، وَكَانَ قَالَ: مَا أَنَا بِدَاخِلٍ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا مِنْ شِدَّةِ مَوْجِدَتِهِ عَلَيْهِنَّ حِيْنَ عَاتَبَهُ الله))، فقوله: ((فاعتزل النبي (وَ﴿)) ابتداء كلام من عمر - رضي الله - بعد فراغه من كلامه الأول؛ فلذلك عطفه بالفاء. وقوله: ((من أجل ذلك الحديث)) أي: اعتزالُهُ إنما كان من أجل إفشاء ذلك الحديث، وهو ما روي ((أنّهُ وَهِ خَلا بِمَاريَةَ القِبْطِيَّةِ فِي بيتٍ حَفْصَةَ؛ فَجَاءتْ، فَوَجَدَتْهَا مَعَهُ؛ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله تَفْعَلُ هذا مَعِي دونَ نِسَائِك؟ فَقَالَ: لَا تُخْبِرِي أَحَدًا هِيَ عَلَيَّ حَرَامٌ، فأخْبَرَتْ عَائِشةَ)). والذي في ((الصحيحين)): أَنَّهُ بِهِ كَانَ يَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ ابْنَةَ جَحْشٍ وَيَمْكُثُ عِنْدَهَا؛ فَتَوَاطَأتْ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ عَلَى أنْ أَيَّتَهُمَا دَخَلَ عَلَيْهَا؛ فَلْتَقُلْ لَهُ: أَأَكَلْتَ مَغَافِيرَ إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيْحَ مَغَافِيْرَ، فَقَالَ: لَا وَلَكِنِّي كُنْتُ أَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ ابْنَةِ جَحش، وَلَنْ أَعودَ لَهُ وَقَد حَلَفْتُ لَا تُخْبِرِي بِذَلِكَ أَحَدًا))(١). فقد اختلف في الذي حرمه على نفسه، وعوتب على تحريمه؛ كما اختلف في سبب حلفه. قال الخازن في ((تفسيره)): قال العلماء: الصحيح في سبب نزول الآية: أنها في قصة العسل، لا في قصة مارية المرْوِيةِ في غير ((الصحيحين)) ولم تأت قصة مارية من طريق صحيح. قال النسائي: إسناد حديث عائشة في العسل جيد صحيح غاية. انتهى. وقد ذكر الحافظ في سبب اعتزاله ◌َليل روايات أخرى؛ منها: ما أخرجه ابن مردويه من طريق الضحاك، عن ابن عباس؛ قال: ((دَخَلتْ حَفْصَةُ عَلَى النَّبِّ ◌َِّ بَيْتَهَا فَوَجَدتْ مَعَهُ مَارِيةً فَقَالَ: لا تخبِرِي عَائِشَةَ حَتَّى أُبشِّرَكَ بِشارةٍ؛ إِنَّ أَبَاكِ يَلِي هَذا الْأَمْرَ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ إِذَا أَنَا مِتُّ؛ فَذَهَبَتْ إِلَى عَائِشَةَ فَأَخْبَرَتْهَا فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ ذَلِكَ وَالْتَمَسَتْ مِنْهُ أَنْ يُحَرِّمَ مَاريةَ؛ فَحَرَّمَهَا، ثُمَّ جَاءَ إِلَى حَفْصَةَ؛ فَقَالَ أَمرتُكِ ألَّ تُخْبري عَائِشَةَ فَأَخْبَرْتِهَا فَعَاتَبَهَا، وَلَمْ يُعَاتِبْهَا عَلَى أمرٍ الْخَلَافَةِ؛ فَلِهَذا قَالَ الله تعالى: ﴿عَّفَ بَعْضَهُ، وَأَغْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾(٢) [التحريم: ٣] وأخرج الطبراني في ((الأوسط))(٣) وفي ((عشرة النساء)) عن أبي هريرة نحوه بتمامه، وفي كل منهما ضعف، ثم (١) البخاري، كتاب تفسير القرآن، حديث (٤٩١٢)، ومسلم، كتاب الطلاق، حديث (١٤٧٤). (٢) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (١٢٦٤٠)، قال الهيثمي (١٧٨/٥): فيه إسماعيل بن عمرو البجلي وهو ضعيف وقد وثقه ابن حبان، والضحاك بن مزاحم لم يسمع من ابن عباس وبقية رجاله ثقات. (٣) الطبراني في ((الأوسط)) (٢٣١٦)، قال الهيثمي (١٢٦/٧): رواه الطبراني في ((الأوسط)) من طريق موسى بن جعفر بن أبي كثير، عن عمه، قال الذهبي: مجهول وخبره ساقط. ٢٢٤ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَلِ / باب ((وَمِن سُورةٍ ﴿التحريم))) قَالَ الزُّهْرِيُّ: فأخْبَرَني عُرْوَةُ، عَن عَائِشَةَ، قَالَت: فَلَمَّا مَضَتْ تِسْعُ وعِشْرُونَ دَخَلَ عَلَيَّ النبيُّ نَّهِ بَدَأْ بِي فَقَالَ: ((يَا عَائِشَةُ، إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ شَيْئاً فلا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أبَوَيْكِ))، قَالَت: ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيةَ: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ قُل لِّأَزْوَجِكَ﴾ [الأحزاب: ٥٩] الآيةَ، قَالَت: عَلِمَ والله أنَّ أبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ، قَالَت: فَقُلْتُ: أفِي هَذَا أَسْتَأمِرُ أبَويَّ؟ فإنِّي أُرِيدُ الله وَرَسُولَهُ والدَّارَ الآخِرَةَ. [خ: ٤٩١٣، م: ١٤٧٩، ن: ٢١٣١، حم: ٢٢٢] . قَالَ مَعْمَرٌ: فأخْبَرَنِي أَيُّوبُ أنَّ عَائِشَةَ قَالَت لَهُ: يَا رَسُولَ الله، لا تُخْبِرْ أَزْوَاجَكَ أَنِّي اخْتَرْتُكَ، فَقَالَ النبيُّ وَّةِ: ((إنَّمَا بَعَثَنِي اللهُ مُبَلِّغاً وَلَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنَِّا)). [م: ١٤٧٥]. قال: ويحتمل أن يكون مجموع هذه الأشياء كان سببًا لاعتزالهن، وهذا هو اللائق بمكارم أخلاقه ◌َّلت وسعة صدره، وكثرة صفحه، وأن ذلك لم يقع منه حتى تكرر موجبه منهن. قال: والراجح من الأقوال كلها - قصة مارية؛ لاختصاص عائشة وحفصة بها؛ بخلاف العسل؛ فإنه اجتمع فيه جماعة منهن، ويحتمل أن تكون الأسباب جميعها اجتمعت؛ فأشير إلى أهمها، ويؤيده شمول الحلف للجميع، ولو كان مثلًا في قصة مارية فقط؛ لاختص بحفصة وعائشة. انتھی . وقوله: ((حين عاتبه الله)) قال العيني: ويروي ((حتَى عَاتَبَهُ)) إنه وهذه هي الأظهر، وعاتبه الله تعالى بقوله: ﴿وَأَيُّهَا النَِّىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَا أَحَلَّ اَللَّهُ لَكِّ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَِكَ﴾ [التحريم: ١] فلما مضت تسع وعشرون؛ أي: ليلة (دخل علي النبي ◌َّ) فيه: أن من غاب عن أزواجه، ثم حضر - يبدأ بمن شاء منهن، ولا يلزمه أن يبدأ من حيث بلغ ولا أن يقرع؛ كذا قيل: ويحتمل أن تكون البداءة بعائشة؛ لكونه اتفق أنه كان يومها. قاله الحافظ (قال: يا عائشة إني ذاكر لك شيئًا؛ فلا تعجلي حتى تستأمري أبويك ... إلخ) سبق شرحه في تفسير سورة ((الأحزاب)) (ولم يبعثني معنًا) يقال: تعنَّته؛ أي: أدخل عليه الأذى، وطلب زلَّته ومشقته. قال الحافظ: هذا منقطع بين أيوب وعائشة، ويشهد لصحته: حديث جابر. انتهى. قلت: حديث جابر هذا: رواه مسلم، وفي آخره: ((وَأَسْأَلُكَ أَلَّا تُخْبِرَ امرأةً مِنْ نِسَائِكَ بِالَّذي قُلْتُ؛ قَالَ: لَا تَسْأَلُنِي امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ إِلَّا أَخْبَرْتُهَا أَنَّ الله تَعَالَى لَمْ يَبْعَثَنِي مُعْنتًا ولا مُتَعَنَّتَا وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا)). ٢٢٥ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَ﴿ / باب ((وَمِن سُورَةٍ ﴿ن﴾)) قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غريبٌ؛ قَدْ رُوِيَ مِن غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. ٦٦ - باب ((وَمِن سُورَة ﴿ن))) [ت ٦٦، ٢٣] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمِ الرَّحَمَةِ [٣٣١٩] (٣٣١٩) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ سُلَيْمِ، قَالَ: قَدِمْتُ مَكَّةَ فَلَقِيتُ عَطَاءَ بْنَ أبي ربَاحِ، فَقُلْتُ له: يَا أبا مُحمَّدٍ، إِنَّ أنَاساً عِنْدَنَا يَقُولُونَ في القَدَرِ، فَقَالَ عَطَاءٌ: لَقِيتُ الوَلِيَدَ بْنَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَهِ يَقُولُ: ((إِنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ الله القَلَمَ، فَقَالَ لَّهُ: اكْتُبْ، فَجَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ إلى الأبَدِ)). [حم: ٢٢١٩٧]. وفي الحَدِيثِ قِصَّةٌ. قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٍ غَرِيبٌ؛ قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب). وأخرجه أحمد، والشيخان، والنسائي(١). ٦٦ - باب ومنْ سُورة نون مَكِيَّةٍ(٢) وَهِيَ اثْنَتَانِ وَخَمْسُونَ آيَةً [٣٣١٩] قوله: (وفي الحديث قصة) روى الترمذي هذا الحديث مع القصة في أواخر ((أبواب القدر)) وتقدم هناك شرحه. قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب) في سنده عبد الواحد بن سليم؛ وهو ضعيف؛ لكن أخرجه أبو داود(٣) من وجه آخر، وسكت عنه هو، والمنذري، وأخرجه أيضًا أحمد(٤ من طرق، عن الوليد بن عبادة، عن أبيه. (١) أحمد، حديث (٢٢٢)، والبخاري، كتاب المظالم، حديث (٢٤٦٨)، ومسلم، كتاب الطلاق، حديث (١٤٧٩)، والنسائي، كتاب الصيام، حديث (٢١٣٢). (٢) قال الشوكاني في ((فتح القدير)) (٢٦٦/٥): وهي مكية في قول الحسن وعكرمة وعظاء وجابر. وروي عن ابن عباس وقتادة أن من أولها إلى قوله: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الُْطُومِ﴾ مكيٍّ، ومن بعد ذلك إلى قوله: ﴿مِنَ الصَّذِينَ﴾ مدنيّ، وباقيها مكيّ. (٣) أبو داود، كتاب السنة، حديث (٤٧٠٠). (٤) أحمد، حديث (٢٢١٩٧)، والبزار (٢٦٨٧). ٢٢٦ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ / باب ((وَمِن سُورةٍ ﴿الحَاقَّة))) وَفِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. ٦٧ - بابُ ((وَمِن سُورةٍ ﴿الحَاقَّة))) [ت ٦٧، ١٢] بِسْمِ اللهِ الرََّنِ الرَّحَمَةِ [٣٣٢٠] (٢٣٢٠) حَدَّثَنَا عبدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ سَعْدٍ، عَن عَمْرِو بْنِ أبي قَيْسٍ عَن سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَن عَبْدِ الله بْنِ عُمَيْرَةَ عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ عَن العَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، قَالَ: زَعَمَ أنَّهُ كَانَ جَالِساً في البَطْحَاءِ فِي عِصَابَة، وَرَسُولُ الله ◌ِِّ جَالِسٌ فِيهِمْ، إذْ مَرَّتْ عَلَيْهِم سَحَابَةٌ فَنَظَرُوا إِلَيْهَا، فَقَالَ رَسُولُ الله وَلَّه: (هَلْ تَدْرُونَ ما اسْمُ هَذِهِ؟)) قالُوا: نَعَم، هَذَا السَّحَابُ، قوله: (وفيه عن ابن عباس) أخرج حديثه الطبراني(١)؛ كما في ((تفسير ابن كثير)). ٦٧ - بَابُ وَمِنْ سُورةِ الحاقّةِ مَكِّيَّةٌ(٢) وَهِيَ إِحدى أَو اثْنَتَانِ وخمْسُونَ آيَةً [٣٣٢٠] قوله: (عن عمرو بن أبي قيس) الرازي (عن عبد الله بن عميرة) بفتح العين المهملة، وكسر الميم، وبالراء، قال في ((التقريب)): كوفي، مقبول، من الثانية. وقال في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمته: روى عن الأحنف بن قيس، عن العباس حديث ((الأوعال)) وعنه سماك بن حرب (عن الأحنف بن قيس) بن معاوية بن حصين التميمي، السعدي، أبي بحر، اسمه: الضحاك وقيل: صخر، مخضرم، ثقة (عن العباس بن عبد المطلب) ابن هاشم: عم النبي وَلّ مشهور، مات سنة اثنتين وثلاثين أو بعدها؛ وهو ابن ثمان وثمانين. قوله: (زعم) أي: قال (أنه) أي: العباس (كان جالسًا في البطحاء) أي: في المخصب؛ وهو موضع معروف بـ ((مكة)) فوق مقبرة المعلا، وقد تطلق على مكة - وأصل البطحاء - على ما في ((القاموس)): مسيل واسع فيه دقاق الحصي (في عِصَابة) بكسر أوله؛ أي: مع جماعة من كفار مكة. قال الطيبي: استعمال ((زعم)) ونسبته إلى عباس، رمز إلى أنه لم يكن حينئذ مسلمًا، ولا كانوا تلك العصابة مسلمين، يدل عليه البطحاء (هل تدرون ما اسم هذه؟) إشارة (١) الطبراني في ((الكبير)) (١٢٥٠٠)، قال الهيثمي (١٩٠/٧): ورجاله ثقات. (٢) قال القرطبي: هي مكية في قول الجميع. ٢٢٧ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ/ باب ((وَمِن سُورةٍ ﴿الحَاقَّة))) فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((والمُزْنُ؟)) قالُوا: وَالمُزْنُ. قَالَ رَسُولُ اللهِهِ: ((وَالعَنَانُ؟)) قالوا: وَالعَنَانُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ بَّهِ: ((هَلْ تَدْرُونَ كَمْ بُعْدُ ما بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ؟)) فَقَالُوا: لا، وَاللهِ مَا نَدْرِي، قَالَ: ((فإنّ بُعْدَ مَا بَيْنَهِمَا إِمَّا وَاحِدَةٌ وَإِمَّا اثْنَتَانِ أَوْ ثَلَاثٌ وسَبْعُونَ سَنَةً، والسَّمَاءُ الّتِي فَوْقَهَا كَذَلِكَ)) حَتَّى عَدَّهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ كَذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: ((فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ بَحْرٌ بَيْنَ أعْلَاهُ وَأسْفَلهِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ إلى السَّمَاءِ، وفَوْقَ ذَلِكَ ثمَانِيَةُ أوْعَالٍ بَيْن أظْلَافِهِنَّ وَرُكَبِهِنَّ مثل مَا بَيْنَ سَمَاءٍ إلى سَمَاءٍ، ثُمَّ فَوْقَ ظُهُورِهِنَّ العَرْشُ، بَيْنَ إلى السحابة (فقال رسول الله (وَلفي: والمزن)(١) أي: واسم هذه: المزن أيضًا. قال في ((النهاية)): المزن هو: الغيم، والسحاب، واحدته: مزنة، وقيل: هي: السحابة البيضاء (قالوا: والمزن) أي: اسمها أيضًا المزن (قال رسول الله وَّه: والعنان) كسحاب زِنَةً ومَعْنَى. من: عَنَّ؛ أي ظهر، وفي النهاية: العَنان، بالفتح: السحاب، والواحدة: عَنانة، وقيل: ما عَنَّ لك منها؛ أي: اعترض، وبدا لك؛ إذا رفعت رأسك (فإن بعد ما بينهما) أي: مقدار بعد مسافة ما بين السماء والأرض (إما واحدة، وإما: اثنتان، أو ثلاث وسبعون سنة) قيل: و((إما)) و((أو)) للشك من الراوي، وقيل: للتنويع. قال الأردبيلي: الرواية في خمس مائة أكثر وأشهر؛ فإن ثبت هذا - فيحتمل أن يقال: إن ذلك باختلاف قوة الملك، وضعفه، وخفته، وثقله؛ فيكون بسير القوي أقل، وبسير الضعيف أكثر، وإليه الإشارة بقوله وثيقة: ((إما: واحدة، وإما: اثنتان، وإما: ثلاث وسبعون سنة)) انتھی. قال الطيبي المراد بـ((السبعون)) في الحديث: التكثير؛ لا التحديد؛ لما ورد من أن ما بين السماء والأرض، وبين سماء وسماء - مسيرة خمسمئة عام (والسماء التي فوقها) أي: فوق سماء الدنيا ((كذلك))؛ أي: في البعد (وفوق ذلك) أي: البحر (ثمانية أوعال) جمع وعل، وهو العنز الوحشي، ويقال له: تيس شاة الجبل، والمراد: ملائكة على صورة الأوعال (بين أظلافهن) جمع: ظِلْف؛ بكسر الظاء المعجمة: للبقر والشاة والظبي؛ بمنزلة الحافر للدابة، والخف للبعير (وركبهن) جمع ركبة (ثم فوق ظهورهن العرش) أي: هو محمول عليها (بين (١) المزن: قال أبو زيد: (المزنة) السحابة البيضاء، والجمع (مُزْن)، والمُزْنة أيضًا: المسطرة. كما في مختار الصحاح (مزن). ٢٢٨ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ / باب ((وَمِن سُورةٍ ﴿الحَاقَّة))) أسْفَلِهِ وَأَعْلَاهُ مَا بَيْنَ سَمَاءٍ إلى سَمَاءٍ، وَالله فَوْقَ ذَلِكَ)). [فيه ضعف، عبد الله بن عميرة، ضعّفه العقيلي وابن عدي، ولم يعرفه الذهبي والحربي، وذكره ابن حبان في الثقات: د: ٤٧٢٣، جه: ١٩٣، حم: ١٧٧٣]. قَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ: سَمِعْتُ يَحْيِى بْنَ مَعِينٍ يَقُولُ: أَلَا يُرِيدُ عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ سَعْدٍ أَنْ يَحُجَّ؛ حَتّى يُسْمَعَ مِنْه هذا الحديث. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَرَوى الولِيدُ بْنُ ثَوْرٍ عَن سِمَاكٍ نَحْوَهُ وَرَفَعه. وَرَوَى شَرِيكٌ عَنِ سِمَاكٍ بَعْضَ هَذَا الحَدِيثِ، أوْقَفَهُ، وَلَمْ يَرْفَعُهُ، وعَبْدُ الرَّحْمنِ هُوَ: ابنُ عَبْدِ الله بْنِ سَعْدِ الرَّازِيُّ. أسفله) أي: العرش (مثل: ما بين سماء إلى سماء) أي: من كثرة البعد، مع قطع النظر عن الحد، وإلا فجميع المخلوقات بجنب العرش؛ كحلقة في فلاة؛ على ما ورد به في حديث (والله فوق ذلك) أي: فوق العرش، وفيه: دليل على أن الله - تعالى - فوق العرش، وهذا هو الحق، وعليه تدل الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وهو مذهب السلف الصالحين من الصحابة، والتابعين، وغيرهم من أهل العلم - رضوان الله عليهم أجمعين - قالوا: إن الله - تعالى - استوى على عرشه؛ بلا كيف، ولا تشبيه، ولا تأويل، والاستواء معلوم، والكيف مجهول. والجهمية قد أنكروا العرش، وأن يكون الله فوقه، وقالوا: إنه في كل مكان، ولهم مقالات قبيحة باطلة، وإن شئت الوقوف على دلائل مذهب السلف، والاطلاع على رد مقالات الجهمية الباطلة؛ فعليك أن تطالع كتاب ((الأسماء والصفات)) للبيهقي، وكتاب ((أفعال العباد)) للبخاري، وكتاب ((العلو)) للذهبي، وأورد الترمذي هذا الحديث في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَحِلُ عَرّشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَيِذٍ ثَمَنِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧]. قوله: (ألا) حرف التحضيض (حتى يسمع) بصيغة المجهول (هذا الحديث) أي: لِمَ لا يحج عبد الرحمن بن سعد حتى يسمع منه في موسم الحج هذا الحديث الراد على الجهمية. قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أبو داود من ثلاث طرق؛ اثنتان منها قويتان (وروى الوليد بن أبي ثور، عن سماك نحوه، ورفعه) أخرجه أبو داود، وابن ماجه من هذا الطريق. ٢٢٩ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ / باب ((وَمِن سُورةٍ ﴿الحَاقَّة))) [ت ٦٧، م٢] [٣٣٢١] (٣٣٢١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدِ الرَّازِي، عَنْ عَبْدِ الرَّحمَنِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ سَعْدِ الرَّازِي، وَعَنْ وَالِدِهِ: عَبْدِ الله بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُؤْسَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ سَعْدِ الرَّازيُّ وَهُوَ الدَّشْتَكِيُّ أنَّ أباهُ أخْبَرَهُ أنَّ أَبَاهُ رَحِمَهُ الله أخبَرَهُ كَذَا قَالَ أخبَرَهُ قَالَ: رأيْتُ رَجُلًا بِبُخَارَى عَلَى بَغْلَةٍ قال الحافظ ابن القيم في ((تعليقات سنن أبي داود)): أما ردُّ الحديث بالوليد بن أبي ثور - ففاسد؛ فإن الوليد لم ينفرد به، بل تابعه عليه إبراهيم بن طهمان، كلاهما عن سماك، ومن طريقه رواه أبو داود، ورواه أيضًا عمرو بن أبي قيس، عن سماك، ومن حديثه رواه الترمذي، عن عبد بن حميد، حدثنا عبد الرحمن بن سعد، عن عمرو بن أبي قيس. انتهى. ورواه ابن ماجه، من طريق الوليد بن أبي ثور، عن سماك. وأيُّ ذنب للوليد في هذا، وأيُّ تعلق عليه؛ إنما ذنبه روايته ما يخالف قول الجهمية. انتهى كلامه مختصرًا. [٣٣٢١] قوله: (حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد الرازي؛ أن أباه أخبره) كذا في النسخ الحاضرة، والصواب: أن يكون هكذا: أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد الرازي، عن أبيه؛ أن: أباه أخبره بزيادة لفظ: ((عن أبيه)) بين ((الرازي)) و((إن أباه))، فإن عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد يروي هذا الحديث، عن أبيه عبد الله بن سعد، وهو يرويه عن أبيه سعد؛ أنه قال: رأيت رجلاً بـ ((بخارى)) والدليل على ذلك: أن أبا داود روى هذا الحديث هكذا: قال: حدثنا عثمان بن محمد الأنماطي البصري، أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله الرازي، وأخبرنا أحمد بن عبد الرحمن الرازي، أخبرنا أبي؛ قال: أخبرني أبي عبد الله بن سعد، عن أبيه سعد؛ قال: رأيت رجلًا بـ ((بخارى)) ... إلخ. كذا رواه النسائي، والحاكم، وقال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمة عبد الله بن خازم: روى أبو داود، والترمذي، والنسائي حديث عبد الله بن سعد بن عثمان الدشتكي، عن أبيه؛ قال؛ رأيت رجلاً بـ ((بخارى)) ... إلخ. وعبد الله بن سعد بن عثمان الدشتكي هذا: صدوق، من العاشرة، وأبوه: سعد بن عثمان، مقبول، من الخامسة (رأيت رجلا) اسمه: عبد الله بن خازم. روى الحاكم من طريق عبد الله بن سعد، عن أبيه؛ قال: رأيت رجلاً من أصحاب النبي وَ ﴿ بـ ((بخارى)) عليه عمامة خزِّ سوداء؛ وهو يقول: كسانيها رسول الله بَّه وهو عبد الله بن خازم. انتهى. ٢٣٠ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ ل باب ((ومن سُورةٍ ﴿سَأَلَ سَآِلٌ﴾) وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ ويَقُولُ: كَسَانِيهَا رَسُولُ اللهِ وَهِ. [د: ٤٠٣٨]. ٦٨ - باب ((ومن سُورةٍ ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ﴾)) [ت ٦٨، ١٢] بِسْمِ اللَّهِ الرَّمَنِ الرَّحِيَةِ [٣٣٢٢] (٣٣٢٢) حَدَّثَنَا أبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ عَن عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ عَن دَرَّاجِ أبي السَّمْحِ عَن أبي الهَيثَم عَن أبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ بََّ في وقال في ((الأطراف)): قيل: إن هذا الرجل: عبد الله بن خازم السلمي، أمير خراسان، وقال الحافظ في ((التقريب)): عبد الله بن خازم؛ بمعجمتين: السلمي، أبو صالح، نزل البصرة، وولي إمرة خراسان، وقتل بها بعد قتل مصعب بن الزبير سنة إحدى وسبعين، يقال: إنه الذي روى عنه الدشتكي؛ قال: رأيت رجلاً بـ ((خراسان)) عليه عمامة سوداء يقول: كسانيها رسول الله له. أخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي. انتهى (وعليه) أي: على الرجل (عمامة سوداء) وفي أبي داود ((عِمَامَةُ خَزِّ سَوْداءَ)) (يقول: كسانيها رسول الله وَّه) ((قيل)) استدل بهذا على جواز لبس الخفّ، وأنت خبير بأن غاية ما في الحديث أنه أخبر بأن رسول الله صل كساه عمامة الخز؛ وذلك لا يستلزم جواز اللبس، وقد ثبت من حديث عليّ، عند البخاري (١)؛ قال: ((كساني النبي ◌ّلرحلة سيراء؛ فخرجت فيها؛ فرأيت الغضب في وجهه؛ فشققتها بين نسائي))؛ فلم يلزم من قول علي جواز اللبس، وهكذا قال عمر لما بعث إليه النبي ◌َلّ بحلة سيراء: يا رسول الله كسوتنيها، وقد قلت في حلة عطارد ما قلت؛ فقال رسول الله ◌ٍَّ: ((إِنِّي لَمْ أَكْسِكَها لِتَلْبَسَهَا)). هذا لفظ أبي داود. وبهذا يتبين لك أنه لا يلزم من قوله: ((كساني)) جواز اللبس - والله أعلم. فإن قيل: لِمَ أورد الترمذي هذا الحديث في تفسير هذه السورة لا تعلق بها؟ قلت: لعله أورده هاهنا؛ لبيان أن عبد الرحمن بن سعد المذكور في سند الحديث المتقدم؛ هو: عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد الرازي، وأنه من أتباع التابعين - والله تعالى أعلم. ٦٨ - باب وَمِنْ سُورَةِ ﴿سَأَلَ سَابِلٌ﴾ وَتُسَمَّى المعَارِجَ مَكِيَّةٍ(٢) وَهِيَ أَرْبَعٌ وَأَرْبَعُوْنَ آيَةً [٣٣٢٢] قوله: (عن أبي سعيد، عن النبي ◌َّ في (١) البخاري، كتاب اللباس، حديث (٥٨٤٠). (٢) قال القرطبي: هي مكية باتفاق، وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه عن ابن عباس، قال: نزلت سورة سأل بمكة. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله، نقله الشوكاني (٢٨٧/٥). ٢٣١ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهَِّ / باب ((ومن سُورَة ﴿اَلْجِنِّ﴾)» قَوْلِهِ: ﴿كَأَلْهُلِ﴾ [المعارج: ٨] قَالَ: ((كَعَكر الزَّيْتِ، فَإِذَا قُرِّبَ إلى وَجْهِهِ سَقَطَتْ فَرْوَةُ وَجْهِهِ فِهِ)). [ضعيف] . قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لا نَعْرِفُهُ إلَّا مِن حَدِيثِ رِشْدِينَ. ٦٩ - باب ((ومن سُورَة ﴿اَلْجِنّ﴾)) [ت ٦٩، م١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّغَنِ الرَّحَمَةِ [٣٣٢٣] (٣٣٢٣) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنِي أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةً عَنِ أبي بِشْرٍ عَن سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿َّا قَالَ: مَا قَرَأْ رَسُولُ اللهِوَلَهُ عَلَى الجِنِّ وَلا رَآهُمْ، انْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ فِي طائِفَةٍ مِن أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ قوله: ﴿كَالْهُلِ﴾) تقدم هذا الحديث بشرحه في باب: ((صفة شراب أهل النار)). ٦٩ - باب وَمِنَّ سُؤْرَةِ الْجِنِّ مَكِيَّةُ(١) وَهِيَ ثَمَان وَعِشْرُونَ آية [٣٣٢٣] قوله: (حدثني أبو الوليد) هو: الطيالسي (حدثنا أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله اليشكري (عن أبي بشر) بكسر الموحدة، وسكون المعجمة، واسمه: جعفر بن أبي وحشية. قوله: (ما قرأ رسول الله وَ ﴿﴿ على الجن، ولا رآهم) أخرج البخاري في ((صحيحه)) حديث ابن عباس هذا؛ لكن لم يذكر فيه هذه اللفظة. قال الحافظ: كأن البخاري حذف هذه اللفظة عمدًا، لأن ابن مسعود أثبت أن النبي ﴾. قرأ على الجن، فكان ذلك مقدمًا على نفي ابن عباس، وقد أشار إلى ذلك مسلم؛ فأخرجه عقب حديث ابن عباس هذا حديث ابن مسعود، عن النبي وَّ قال: ((أَتاني داعي الْجِنِّ فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ)) ويمكن الجمع بالتعدد. انتهى. وقال النووي: قال العلماء: هما قضيتان؛ فحديث ابن عباس في أول الأمر، وأول النبوة حين أتوا؛ فسمعوا قراءة ﴿قُلْ أُوحِىَ﴾ واختلف المفسرون؛ هل علم النبي ◌َّ- استماعهم حال استماعهم بوحي إليه؛ أم: لم يعلم بهم إلا بعد ذلك؟ وأما حديث ابن مسعود فقضية أخرى جرت بعد ذلك بزمان، الله أَعْلَمُ بقدره، وكان بعد اشتهار الإسلام (عامدين) أي: (١) قال القرطبي: هي مكية في قول الجميع. وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة الجن بمكة. وأخرج ابن مردويه عن عائشة وابن الزبير مثله. ٢٣٢ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَهِ / باب ((ومن سُورَةٍ ﴿اَلْنِّ﴾)) إلى سُوقِ عُكَاظِ، وقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وبَيْنَ خَبَرِ السماءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِم الشُّهُبُ، فَرَجَعَتِ الشَّيَاطِينُ إلى قَوْمِهِمْ فَقَالُوا: ما لَكُمْ؟ قالُوا: حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السماء، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ، فقالُوا: ما حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السماءِ إِلَّ أمرٌ حَدَثَ، فاضْرِبُوا مَشَارِقَ الأَرْضِ ومَغَارِبِهَا، فانْظُرُوا ما هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْن خَبَرِ السَّمَاءِ؟ قَالَ: فَانْطَلَقُوا يَضْرِبُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا يَبْتَغُونَ مَا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فانْصَرَفَ أُولَئِكَ النَّفَرُ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا إلى نَحْو تِهَامَةَ إلى قاصدين (إلى سوق عكاظ) بضم المهملة، وتخفيف الكاف، وآخره ظاء معجمة بالصرف وعدمه: موسم معروف للعرب من أعظم مواسمهم، وهو نخل في وادٍ بين مكة والطائف يقيمون به شوال كله يتبايعون ويتفاخرون، وكان ذلك لما خرج عليه الصلاة والسلام إلى الطائف، ورجع منها سنة عشر من المبعث، لكن استشكل قوله: ((في طائفة من أصحابه))، لأنه لما خرج إلى الطائف - لم يكن معه من أصحابه إلا: زيد بن حارثة. وأجيب بالتعدد، أو: أنه لما رجع لاقاه بعض أصحابه في أثناء الطريق؛ فرافقوه (وقد حيل) بكسر الحاء المهملة، وسكون التحتانية، بعدها لام؛ أي: حجز، ومنع على البناء للمجهول (وأرسلت علينا الشهب) بضمتين جمع: شهاب. قال الحافظ: ظاهر هذا أن الحيلولة، وإرسال الشهب وقعا [هذا] في الزمان المقدم ذكره، والذي تضافرت به الأخبار: أن ذلك وقع لهم من أول البعثة النبوية، وهذا مما يؤيد تغاير زمن القصتين، وأن مجيء الجن؛ لاستماع القرآن كان قبل خروجه وّ لت إلى الطائف بسنتين، ولا يعكر على ذلك إلا قوله في هذا الخبر: أنهم رأوه يصلي بأصحابه صلاة الفجر؛ لأنه يحتمل أن يكون ذلك قبل فرض الصلوات؛ ليلة الإسراء فإنه ولو كان قبل الإسراء يصلي قطعًا، وكذلك أصحابه، ولكن اختلف؛ هل افترض قبل الخمس شيء من الصلاة، أم لا؟ فيصبح على هذا قول من قال: إن الفرض أولًا كان صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروبها، والحجة في قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعُ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوِهَا﴾ [طه: ١٣٠] ونحوها من الآيات؛ فيكون إطلاق صلاة الفجر في حديث الباب باعتبار الزمان؛ لا لكونها إحدى الخمس المفترضة ليلة الإسراء؛ فتكون قصة الجن متقدمة من أول المبعث. انتهى (فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها) بالنصب على الظرفية؛ أي: سيروا في الأرض كلها (نحو تهامة) بكسر المثناة: اسم لكل غير عال من بلاد الحجاز، سميت بذلك، لشدّة حرّها، ٢٣٣ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ / باب ((ومن سُورَة ﴿اَلْجِنِّ﴾)) رَسُولِ اللهِ وَّهِ وَهُوَ بِنَخْلَةَ عَامِداً إلى سُوقِ عُكَاظِ، وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الفَجْرِ، فَلَمَّا سَمِعُوا القُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ، فقالُوا: هذَا والله الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ. قَالَ: فَهُنَالِكَ رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ، فقالُوا: يَا قَوْمَنَا ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا يَهْدِىّ إِلَى الرُّشْدِ فَامَنَا بِهُ وَلَن نُشْرِكَ بِنَآَ أَحَدًا﴾ فأنْزَلَ الله تَبَارَكَ وتَعَالَى عَلَى عَجَبًا و نَبِيِّهِ: ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ أُسْتَمَعَ﴾ [الجن: ١] وإنّمَا أُوحِيَ إلَيْهِ قَوْلُ الجِنِّ. [خ: ٧٧٣، م: ٤٤٩، حم: ٢٢٧١]. اشتقاقًا من الثَّهم؛ بفتحتين؛ وهو: شدة الحر، وسكون الريح. وقيل: من تهم الشيء؛ إذا تغير. قيل لها ذلك؛ لتغير هوائها. قال البكري: حدُّها من جهة الشرق: ذات عرق، ومن قبل الحجاز: السَّرج، بفتح المهملة، وسكون الراء، بعدها جيم: قرية من عمل الفرع بينها وبين المدينة اثنان وسبعون ميلاً (وهو بنخلة) بفتح النون، وسكون المعجمة موضع بين مكة والطائف. قال البكري: على ليلة من مكة، وهو غير منصرف للعلمية والتأنيث (استمعوا له) أي: أصغوا إليه (هذا والله الذي) أي: الحدث الذي (فهنالك) ظرف مكان، والعمل فيه رجعوا مقدارًا يفسره المذكور ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ أَسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرَُّنَا عَجَبً﴾. أي: يتعجب منه في فصاحة لفظه، وكثرة معانيه قائمة فيه دلائل الإعجاز، و((عجبًا)): مصدر، ووصف به للمبالغة، أو على حذف المضاف؛ أي: ذا عجب (﴿يَهْدِىّ إِلَى الرُّشْدِ﴾) أي: يدعو إلى الصواب، وقيل يهدي إلى التوحيد والإيمان ﴿فَامَنَا بِهُ﴾ أي: بالقرآن، قال الماوردي: ظاهر هذا: أنهم آمنوا عند سماع القرآن. قال: والإيمان يقع بأحد أمرين، إما: بأن يعلم حقيقة الإعجاز، وشروط المعجزة؛ فيقع له العلم بصدق الرسول، أو يكون عنده علم من الكتب الأولى فيها دلائل على أنه النبي المبشر به، وكلا الأمرين في الجن محتمل (﴿وَلَن تُشْرِكَ﴾) أي: بعد اليوم (﴿قل﴾) يا محمد للناس (﴿أُوْجِىَ إِلَّ﴾) أمر الله نبيه وَّ أن يخبر قومه بواقعة الجن، ويظهرها لهم؛ ليعرفوا بذلك، وأنك مبعوث إلى الجن كالإنس، ولتعلم قريش أن الجن ـ مع تمردهم - لما سمعوا القرآن، وعرفوا إعجازه ـ آمنوا به، والمعنى: أخبرت بالوحي من الله (﴿إِنَّهُ﴾) الضمير للشأن (﴿أَسْتَمَعَ﴾) أي: لقراءتي (وإنما أوحي إليه قول الجن) أي: لقولهم: ((إنا سمعنا ... )) إلخ. وهذا كلام ابن عباس؛ كأنه تقرر فيه ما ذهب إليه أولًا أنه نَّه لم يجتمع بهم، وإنما أوحى الله إليه بأنهم استمعوا، ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَّكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ فَلَمَا حَضَرُوهُ قَالُواْ أَنْصِتُواْ﴾ [الأحقاف: ٢٩] الآية. ٢٣٤ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّ/ باب ((ومن سُورَة ﴿اَلْجِنِّ﴾)) قَالَ: وبهذَا الإِسْنَادِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَوْلُ الجِنِّ لِقَوْمِهِمْ ﴿لَ قَامَ عَبْدُ اللَِّ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُنُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩] قَالَ: لمَّا رأوْهُ يُصَلِّي وأصْحَابُهُ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ فَيَسْجُدُونَ بِسُجُودِهِ، قَالَ: فَعَجُبُوا مِن طَوَاعِيَةِ أصْحَابِهِ لَهُ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ: ﴿لَ قَامَ عَبْدُ اُللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُنُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩]. قَالَ أبو عيسى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. [ت ٦٩، م٢] [٣٣٢٤] (٣٣٢٤) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَن سَعيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الجِنُّ ولكن لا يلزم من عدم ذكر اجتماعه بهم حين استمعوا ألا يكون اجتمع بهم بعد ذلك، وحديث ابن عباس هذا أخرجه الشيخان، والنسائي أيضًا ﴿لَ قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ بكسر اللام، وفتح الباء: جمع لِبْدَة؛ بكسر، ثم سكون نحو قِرْبة وقَرِبَ. واللبدة واللبد: الشيء الملبد، أي: المتراكم بعضه على بعض، وبه سمي اللبد الذي يفرش؛ لتراكم صوفه(١) (قال) أي: ابن عباس (لما رأوه يصلي) أي: بسبب أن رأى الجن النبي وَلّ حال كونه يصلي (تعجبوا من طواعية أصحابه له) أي: من انقيادهم له، والطواعية: الطاعة (﴿لَّ فَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾) أي: النبيِ وَّه (﴿يَدْعُوهُ﴾) أي: يصلي، ويتلو القرآن (﴿كَادُواْ يَكُونُونَ﴾) أي: أصحابه وَّهِ (﴿عَلَيْهِ لِبَدًا﴾) أي: مجتمعين عليه. وحديث ابن عباس هذا: أخرجه أيضًا عبد بن حميد، والحاكم، وابن جرير في («تفسيره)) (٢). وروي عن ابن عباس قول آخر، وهو: ما روى العوفي عنه؛ يقول: ((لما سمعوا النبي ◌َّه يتلو القرآن كادوا يركبونه من الحرص؛ لما سمعوه يتلو القرآن، ودنوا منه، فلم يعلم بهم حتى أتاه الرسول يقرئه ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَّ أَنَّهُ أَسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنّ﴾. أخرجه ابن جرير، وابن مردويه. [٣٣٢٤] قوله: (حدثنا محمد بن يحيى) الظاهر أنه الإمام الذهلي (حدثنا محمد بن يوسف) الضبي، الفريابي (حدثنا أبو إسحاق) السبيعي. (١) اللِّبد: وزان حِمْل: ما يتلبَّد من شعر أو صوف، واللبدة: أخص منه، ولَبِد من باب تعب: بمعنى لصق ويتعدى بالتضعيف. كما في المصباح المنير (لبد). (٢) الحاكم، حديث (٣٨٥٧) وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وابن جرير في ((التفسير)) (١٠٢/٢٩). ٢٣٥ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَ / باب ((ومن سُورَةٍ ﴿اَلِّْ﴾)) يَصْعَدُونَ إلى السَّمَاءِ يَسْتمِعُونَ الوَحْيِ، فَإِذَا سَمِعُوا الكَلِمَةَ زَادُوا فِيهَا تِسْعاً، فأمّا الكَلِمَةُ فَتَكُونُ حَقًّا، وَأمّا ما زَادَ فَيَكُونُ بَاطِلًا، فَلَمَّا بُعِثَ رَسُولُ اللهِوَِّ مُنِعُوا مَقَاعِدَهُمْ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لإبْلِيسَ وَلَمْ تَكُنِ النُّجُومُ يُرْمَى بِهَا قَبْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُمْ إِبْلِيسُ: مَا هَذَا إلَّا مِن أمْرٍ قَدْ حَدَثَ في الأرْضِ، فَبَعَثَ جُنُودَهُ فَوَجَدُوا رَسُولَ الله وَِّ قائِماً يُصَلِّي بَيْنَ جَبَلَيْنِ أُرَاهُ قَالَ بِمَثَّةَ، فلقوه فأخْبَرُوهُ، فَقَالَ: هَذَا الَّذِي حَدَثَ فِي الأَرْضِ. قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. قوله: (زادوا فيها) أي: في الكلمة المسموعة (تسعًا) أي: تسع كلمات، والمراد: التكثير، لا التحديد؛ ففي رواية: ((عَشْرًا)) وفي رواية: ((أَضْعافًا)) (فأما الكلمة) أي: المسموعة (منعوا) بصيغة المجهول، والضمير للجن (مقاعدهم) جمع: مقعد اسم مكان؛ أي: من الصعود إليها، والقعود فيها، وفي رواية أحمد: ((كَانَ أَحَدهُم لَا يَأْتِي مَفْعَدَهُ إِلَّا يُرْمَى بِشِهَابٍ يَحْرِقُ مَا أَصَابَ)) (ولم تكن النجوم يرمى بها قبل ذلك) أي: بهذه الكثرة، والشدة. قال ابن قتيبة: إن الرجم كان قبل مبعث النبي ◌َّه ولكن لم يكن مثل ما كان بعد مبعثه في شدة الحراسة، وكانوا يسترقون في بعض الأحوال؛ فلما بعث ـ منعوا من ذلك أصلًا. فعلى هذا القول يكون حمل الجن على الضرب في الأرض، وطلب السبب إنما كان؛ لكثرة الرجم، ومنعهم عن الاستراق بالكلية. وقيل: كانت الشهب قبل مرئيّة ومعلومة؛ لكن رَجْم الشياطين، وإحراقهم لم يكن إلا بعد نبوة نبينا وَلـ (فبعث) أي: إبليس (أراه) بضم الهمزة؛ أي: أظنه، والظاهر أن هذا قول الترمذي، والضمير المنصوب راجع إلى محمد بن يحيى. وفي رواية أحمد: ((يُصَلِّ بَيْنَ جَبَلَيْ نَخْلَةٍ)) (فلقوه) أي: لقيت الجنود إبليس (فقال) أي: إبليس لجنوده (هذا الحدث الذي حدث في الأرض) أي: هذا هو الأمر الذي حال بينكم وبين خبر السماء. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، والنسائي(١). ٢٣٦ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَ / باب ((ومن سُورَةٍ ﴿الْمُدَّثّر))) ٧٠- باب ((ومن سُورَةٍ ﴿الْمُدَّثّر))) [ت ٧٠، ١٢] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ [٣٣٢٥] (٣٣٢٥) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَن الزُّهْرِيِّ عَن أبي سَلَمَةَ عَنِ جَابِرِ بْنِ عبدِ الله ◌ُِّهَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَّةِ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنِ فَتْرَةِ الوَحْي، فَقَالَ في حَدِيثِهِ: ((بَيْنَمَا أنَا أَمْشِي سَمِعْتُ صَوْتاً مِنَ السّمَاءِ فَرَفِعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا الَمَلَكُ الَّذِي جَاءِي بِحراء، جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَجُثْتُ مِنْهُ رُعْباً، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فَدَثَّرُونِي))، فَأَنْزَلَ الله عَّ وَجلَّ: ﴿وَأَيُّهَا الْمُدَِّرُ ﴿ قُرْ فَذِرْ﴾ [المدثر: ١، ٢] إلى قَوْلِهِ: ٧٠ - باب وَمِنْ سُوْرَةِ المدَّثِّر مَكِّيَّةٌ وَهِيَ خَمْسٌ وَخَمْسُونَ آيَةٌ(١) [٣٣٢٥] قوله: (عن أبي سلمة) هو: ابن عبد الرحمن بن عوف. قوله: (وهو يحدث عن فترة الوحي) أي: في حال التحديث عن احتباس الوحي، عن النزول (فإذا الملك الذي جاءني بحراء) هو جبرئيل حين أتاه بقوله: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ﴾ [العلق: ١] ثم إنه حصل بعد هذا فترة، ثم نزل الملك بعد هذا (جالس على كرسي) خبر عن الملك الذي هو مبتدأ. وقوله: ((الذي جاءني بحراء)) صفته (فَجُثْتُ منه) بضم الجيم، وكسر المثلثة، بعدها مثلثة أخرى ساكنة، وفي رواية البخاري: ((فَجُئِثْتُ)) بضم الجيم، وكسر الهمزة، وبعدها مثلثة، ومعناهما: فزعت ورعبت. قال أهل اللغة: جُئِثَ الرجل: إذا فزع، فهو مَجْثُوثٌ. قال الخليل والكسائي: جثت وجثث؛ فهو مجثوث ومجثوث؛ أي: مذعور فَزِع (فقلت: زملوني زملوني) أي: لفوني، يقال: زمله في ثوبه؛ إذا لفه فيه، وفي رواية للبخاري: ((دَثِّرُونِي وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءًا بَارِدًا)». قال الحافظ: وكأن الحكمة في الصب بعد التدثر طلب حصول السكون لما وقع في الباطن من الانزعاج، أو أن العادة أن الرعدة تعقبها الحمى، وقد عرف من الطب النبوي معالجتها بالماء البارد (﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِرُ﴾) أي: النبي، وأصله: المتدثر، أدغمت التاء في الدال؛ أي: المتلفف بثيابه عند نزول الوحي عليه، وإنما سماه مدثّرًا لقوله مَِّ: ((دثروني)) (﴿ فَأَنْذِرُ﴾) أي: خوِّف الناس وحذرهم من عذاب ربك إن لم يؤمنوا؛ والمعنى: قُمْ من مضجعك (١) قال الشوكاني (٣٢٣/٥): هي ست وخمسون آية وهي مكية بلا خلاف. وكذا قال النسفي رحمه الله (٤/ ٣٠٧). ٢٣٧ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَّهِ / باب ((ومن سُورَةٍ ﴿الْمُدَّثّر﴾)) ﴿وَالرُّجْزَ فَأَهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥] قَبْلَ أنْ تُفْرَضَ الصَّلاةُ. [خ: ٤٩٢٦، م: ١٦١، حم: ١٤٦١٥]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ؟ وَقَدْ رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أبي كَثِيرٍ عَن أبي سَلَمَةَ بْنِ عبدِ الرَّحْمن عن جابر، أبو سلمة اسْمُهُ: عَبدَ الله. [ت ٧٠، م٢] [٣٣٢٦] (٣٣٢٦) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ مُوسَى، عَن ابن لَهِيعَةً عَن دَرَّاجِ عَن أبِي الهَيثَم عَن أبي سَعِيدٍ، عَن رَسُولِ اللهِوَّهِ قَالَ: ((الصَّعُودُ جَبَلٌ مِن نَارٍ، يَتَصَغَّدُ فِيهِ الكافرِ سَبْعِينَ خَرِيفاً، ثُمَّ يهوي بِهِ كَذَلِكَ فِيْهِ أَبَداً)). [ضعيف، دراج في حديثه عن أبي الهيثم، وفي الإسناد ابن لهيعة]. قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، إنَّمَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعاً مِن حَدِيثِ ابنِ لَهِيعَةً. وقدْ رُوِيَ شَيْءٌ مِن هَذَا عَنْ عَطِيَّةَ عَن أبِي سَعِيدٍ قَوْلُهُ مَوْقُوفٌ. ودثارك، وقيل: قم قيام عزم، واشتغل بالإنذار الذي تحملته، وبعده (﴿وَرَبَّكَ فَكَتِرْ﴾﴾ أي: عظّم ربَّك عمَّا يقوله عبَدَةُ الأوثان (﴿وَثَابَكَ فَطَهِّرْ﴾) أي: من النجاسات والمستقذرات؛ وذلك أن المشركين لم يكونوا يحترزون عنها؛ فأمر ◌َّله بصون ثيابه من النجاسات وغيرها؛ خلافًا للمشركين، وذكر في معناه وجوه أخرى (﴿وَالُّجْزَ فَأَهْجُزُ﴾﴾ أي: اترك الأوثان، ولا تقربها. وقال ابن عباس: اترك المآثم. وقيل: الشرك؛ والمعنى: اترك كلَّ ما أوجب لك العذاب من الأعمال والأقوال، وعلى كلِّ تقدير؛ فلا يلزم تلبُّسه بشيء من ذلك؛ كقوله تعالى: ﴿بَأَيُّهَا النَّبِىُّ أَتَقِ اٌللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَفِرِينَ وَالْمُنَفِقِينٌ﴾ [الأحزاب: ١] (قبل أن تفرض الصلاة) كأنه أشار بهذا إلى أن تطهير الثياب كان مأمورًا به قبل أن تفرض الصلاة. قاله الحافظ . قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، والشيخان. [٣٣٢٦] قوله: (الصعود جبل من نار ... إلخ) سبق هذا الحديث مع شرحه في باب: ((صفة قعر جهنم)). ٢٣٨ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهَِِ / باب ((ومن سُورَةٍ ﴿الْمُدَّثّر﴾)) [ت ٧٠، م٣] [٣٣٢٧] (٣٣٢٧) حَدَّثَنَا ابنُ أبي عُمَر، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَن مُجَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَن جَابِرِ بْنِ عبد الله قَالَ: قَالَ نَاسٌ مِنَ الْيَهُودِ لأَنَاسِ مِن أَصْحَابِ النبيِّ وَِّ: هَلْ يَعْلَمُ نَبِيُّكُمْ كم عَدَدَ خَزَنَةٍ جَهَنَّمَ؟ قَالُوا: لا نَدْرِي حَتَّى نَسْألَ نَبِّنَا، فَجَاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ وَ﴿ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ غُلِبَ أصْحَابُكَ اليَوْمَ. قَالَ: ((وَبِمَ غُلِبُوا؟)) قَالَ: سَأَلَهُمْ يَهُودُ، هَلْ يَعْلَمُ نَبِيُّكُمْ كم عَدَدَ خَزَنَةٍ جَهَنَّمَ؟ قَالَ: ((فَمَا قَالُوا؟)) قَالَ: قالُوا: لا نَدْرِي حَتَّى نَسْألَ نَبِيَّنَا، قَالَ: ((أَيُغْلَبُ قَوْمٌ سُئِلُوا عَمَّا لا يَعْلَمُونَ؟ فقالُوا: لا نَعلمُ حَتَّى نَسْألَ نَبِيِّنَا؟ لَكِنَّهُمْ قَدْ سألُوا نَبِيَّهُمْ، فقالُوا: أرِنَا الله جَهْرَةً، عَلَيَّ بِأَعْدَاءِ الله، إنِّي سائِلُهُمْ عَنْ تُرْبَةِ الجَنَّةِ وَهِيَ الدَّرْمَكُ))، فَلَمَّا جاؤُوا قالُوا: يَا أبَا القاسِم! كَمْ عَدَدُ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ؟ قَالَ: ((هَكَذَا، وَهكَذَا)) في مَرَّةٍ عَشرَةٌ، وَفي مَرّةٍ تِسْعٌ، قالُوا: نَعَم. قَالَ لَّهُم النَّبِيُّ وَلِهِ: (مَا تَرْبَةُ الجَنَّةِ؟)) قَالَ: فَسَكَتُوا هُنَيْهَةً))، ثُمَّ قالُوا: أخْبِزَةٌ يا أبا القاسِمِ؟ فَقَالَ رسول الله وَّةِ: ((الخُبْزُ مِنَ الدَّرْمَكِ)). [ضعيف حم: ١٤٤٦٩]. قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غريب، إِنَّمَا نَعْرِفُه مِن هَذَا الوَجْهِ مِن حَديثٍ مُجَالِدٍ. [٣٣٢٧] قوله: (عن مجالد) بن سعيد الهمداني. قوله: (غلب أصحابك) بصيغة المجهول؛ أي: صاروا مغلوبين (وبما غلبوا) أي: بأي شيء غلبوا (قال: فما قالوا؟) أي: قال النبي ◌َّ- ((فما قال أصحابي في جوابهم)) (أيغلب ... إلخ) الاستفهام للإنكار (لكنهم قد سألوا نبيهم) أي: لم يقتصر اليهود بأمثال من هذا السؤال على أصحابي؛ لكنهم سألوا نبيهم (جهرة) أي: عَيَانًا (عليّ) بتشديد الياء (بأعداء الله) أي: إيتني بهم وادعهم (وهي الدَّرمك) كجعفر(١) : دقيق الحواري، والتراب الناعم (فلما جاؤوا) أي: اليهود (فسكتوا هنيهة) بضم هاء، وفتح نون، وسكون تحتية، وفتح هاء أخرى؛ أي: زمانًا قليلًا (أخبزه) أي: هي خبزة. وأورد الترمذي هذا الحديث في تفسير قوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: ٣٠]. قوله: (هذا حديث غريب إنما نعرفه من هذا الوجه، من حديث مجالد) وكذلك قال البزَّار بعد إخراجه: ومجالد هذا ليس بالقوي، وقد تغير في آخر عمره. (١) الدرمك: كَجَعْفَرْ: دقيق الحوَّاري، كما في القاموس. وفي نسخة مطبوعة محرف إلى (كجعرة). ٢٣٩ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وََّر باب ((وَمِن سُورَة ﴿اُلْقِيَمَةِ﴾)) [ت ٧٠، م٤] [٣٣٢٨] (٣٣٢٨) حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ البَزَّارُ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابِ أُخْبَرَنَا سُهَيْلُ بْنُ عَبْدِ الله القُطَعِيُّ - وهُو أخُو حَزْمٍ بْنِ أبي حَزْمِ القُطَعِيُّ - عَن ثَابِتٍ، عَن أنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَن رَسُولِ اللهِ وَ ﴿ أَنَّهُ قَالَ في هَذِهِ الآيةِ: ﴿هُوَ أَهْلُ النَّقْوَى وَأَهْلُ الْغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦] قَالَ: ((قال الله عَزَّ وَجَلَّ: أنَا أهْلُ أنْ أَتَّقَى، فَمَنِ اتَّقَانِي فَلَمْ يَجْعَلْ مَعِيَ إلهاً، فَأَنَا أهْلٌ أنْ أغْفِرَ لَهُ)). [ضعيف: جه مي: ٢٧٢٤]. حم: ٣٤ قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَسُهَيْلٌ لَيْسَ بِالقَويِّ في الحَدِيثِ، قَدْ تَفَرَّدَ بِهَذَا الحَدِيثِ عَنِ ثَابِتٍ. ٧١- باب ((وَمِن سُورَة ﴿اَلْقِيَمَةِ﴾)) [ت ٧١، ١٢] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ [٣٣٢٩] (٣٣٢٩) حَدَّثَنَا ابنُ أبي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَن مُوسَى بْنِ أبي عَائِشَةَ عَن سَعيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلّهِ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ [٣٣٢٨] قوله: (حدثنا زيد بن حباب) أبو الحسن العكلي. قوله: (﴿هُوَ أَهْلُ النَّقْوَى﴾) أي: هو الحقيق بأن يتقيه المتقون؛ بترك معاصيه، والعمل بطاعته (﴿وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾) أي: هو الحقيق بأن يغفر للمؤمنين ما فرط منهم من الذنوب، والحقيق بأن يقبل توبة التائبين من العصاة؛ فيغفر ذنوبهم (فمن اتقاني) أي: خافني (فأنا أهل أن أغفر له) أي: لمن اتقاني. قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أحمد، والنسائي، وابن ماجه، والبزار، وأبو يعلى، وابن أبي حاتم، وابن مردويه وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة، وابن عمر، وابن عباس مرفوعًا نحوه. ٧١ - باب وَمِنْ سُؤْرَةِ الْقِيامَةِ مَكِّيَّةٍ وهيَ أَرْبَعُونَ آيةٌ (١) [٣٣٢٩] قوله: (حدثنا سفيان) هو: ابن عيينة (عن موسى بن أبي عائشة) الهمداني، مولاهم، أبي الحسن، الكوفي، ثقة، عابد، من الخامسة. (١) قال الإمام الشوكاني (٣٣٤/٥): هي تسع وثلاثون آية، وهي مكية بلا خلاف. ٢٤٠ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله وََّ / باب ((وَمِن سُورَةٍ ﴿اٌلْقِيَمَةِ﴾﴾)) القُرْآنُ يُحَرِّكُ بِهِ لِسَانَهُ يُرِيدُ أنْ يَحْفَظَهُ، فَأَنْزَلَ الله ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ:﴾ [القيامة: ١٦] قَالَ: فَكَان يُحَرِّكُ بِهِ شَفَتَيْهِ، وَحَرَّكَ سُفْيَانُ شَفَتَيْهِ. [خ: ٥، م: ٤٤٨، ن: ٩٣٤، حم: ٣١٨١]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. قَالَ عَلِيّ بن المديني: قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: كان سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ يُحسِنُ الثَّنَاءَ عَلَى مُوسى بْنِ أبِي عَائِشَةَ خَيْراً. قوله: (يحرك به لسانه) وفي رواية للبخاري: ((وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ بِهِ لِسَانَهُ وَشَفَتَيْهِ)) (يريد) أي: النبي ◌َّ بهذا التحريك (أن يحفظه) أي: القرآن (﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦]) أي: لا تحرك بالقرآن لسانك عند إلقاء الوحي، لتأخذه على عجل؛ مخافة أن يتفلَّت منك، ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىَ إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤] الآية. وبعده: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾ أي: في صدرك حتى لا يذهب عليك منه شيء ﴿وَقَُّنَهُ﴾ أي: إثبات قراءته في لسانك، وهو تعليل للنهي. قال الفراء: القراءة، القرآن مصدران؛ ((فَإِذَا قَرَأْنَاهُ)) أي: أتممنا قراءته عليك بلسان جبرائيل - عليه السلام - وبيناه ((فَاتَّبعْ قُرْآنَهُ)) فاستمع قراءته، وكررها حتى يرسخ في ذهنك؛ والمعنى: لا تكن قراءتك؛ مقارنة لقراءة جبرئيل عليك، بل اسكت حتى يتم جبرئيل ما يوحي إليك؛ فإذا فرغ جبرئيل من القراءة - فخذ أنت فيها، وجعل قراءة جبريل قراءته؛ لأنه بأمره نزل الوحي ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ أي: تفسير ما فيه من الحلال والحرام، وبيان ما أشكل من معانيه(١) (قال فكان يحرك به شفتيه، وحرك سفيان شفتيه) وفي رواية للبخاري: ((فَقالَ ابْنُ عَبَّاسٍٍ - رَ﴿هَا - فَأَنَا أُحَرِّكُهُمَا لَكَ كَمَا كَانَ رَسولُ الله يُحَرِّكُهُمَا، وَقَالَ سَعِيْدٌ: أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسِ - ﴿ّ - يُحَرِّكُهُمَا فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ)) قال العيني: ومثل هذا الحديث يُسمَّى بالمسلسل؛ بتحريك الشفة، لكن لم يتصل بسلسلة، وقل في المسلسل الصحيح. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، والشيخان. (١) وقال الزجاج: المعنى: علينا أن ننزله عليك قرآنًا عربيًا فيه بيان للناس، وقيل: المعنى: إن علينا أن نبينه بلسانك. كما ذكر الشوكاني (٣٣٨/٥).