Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌َِّ / باب ((ومن سُورةٍ (الممتحنة))) فَعَاتَبته مِرَاراً، فَأَذِنَ لِي في قَضَائِهِنَّ، فَلَمْ أُنُحْ بَعْد على آخائِهِنَّ ولا غَيْرِهِ حَتَّى السَّاعَة، ولَمْ يَبْقَ مِنَ النِّسْوَةِ امْرَأَةٌ، إلَّا وَقَدْ ناحَتْ، غَيْرِي. [جه بنحوه مختصراً: ١٥٧٩]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غريبٌ. قضائهم (فعاتبته) أي: راجعته، وعاودته (فأذن لي في قضائهن) فيه أن النبي بَّ رخص لأم سلمة الأنصارية في إسعادهن، وكذلك رخص أيضًا لأم عطية؛ كما في حديثها عند الشيخين وغيرهما، ولفظ مسلم (١): ((قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآية ﴿يُبَيِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَشْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَدَهُنَّ وَلَا يَأْنِينَ بِبُهْتَنِ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: ١٢] قَالَتْ: كَانَ مِنْهُ النِّيَاحَةُ، قَالَتْ: فَقُلتُ؛ يا رسولَ الله إِلا آلَ فُلَانٍ؛ فَإِنَّهم كَانُوا أَسْعَدونِي فِي الجَاهِلِيَّةِ فَلَا بُدَّلِي أَنْ أُسْعِدَهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: ((إِلَّ آلَ فُلانٍ)) قال النووي: هذا محمول على الترخيص لأم عطية في آل فلان خاصة؛ كما هو ظاهر، ولا تحل النياحة لغيرها، ولا لها في غير آل فلان؛ كما هو صريح في الحديث، وللشارع أن يخص من العموم ما شاء؛ فهذا صواب الحكم في هذا الحديث. واستشكل القاضي عياض وغيره هذا الحديث، وقالوا: فيه أقوالًا عجيبة، ومقصودي التحذير من الاغترار بها؛ حتى إن بعض المالكية قال: النياحة ليست بحرام بهذا الحديث وقصة نساء جعفر. قال: وإنما المحرم ما كان معه شيء من أفعال الجاهلية؛ كشق الجيوب، وخمش الخدود، ودعوى الجاهلية، والصواب ما ذكرناه أولًا، وأن النياحة حرام مطلقًا؛ وهو مذهب العلماء كافة، وليس فيما قاله هذا القائل دليل صحيح؛ لما ذكره. انتهى. ... ﴿ثا - غير صحيحة؛ فقد رخص قلت: دعوى تخصيص الترخيص بأم عطية .. رسول الله وَّر لأم سلمة الأنصارية؛ كما في حديثها هذا. وأخرج ابن مردويه من حديث ابن عباس؛ قال: ((لَمَّا أَخَذَ رَسُولُ اللهِ وَّهَ عَلَى النِّسَاءِ فَبَايَعْهُنَّ ﴿أَنْ لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢] الآية. قَالتْ خَوْلَة بِنْت حَكِيمٍ؛ يَا رَسُولَ الله كَانَ أَبِي وَأَخِي مَاتَا فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَإِنَّ فُلَانَةً أَسْعَدَتْنِي، وَقَدْ مَاتَ أَخُوها)) الحديث. وأخرجه أحمد والطبري (٢)، من طريق مصعب بن نوح؛ قال: ((أدركت عجوزًا لنا كانت فيمن بايع رسول الله وَّه قالت: فأخذ علينا ((وَلَا تَنُحْنَ)) فقالت عجوز: يا نبي الله إن ناسًا كانوا أسعدونا على مصائب أصابتنا، وإنهم قد (١) مسلم: كتاب الجنائز، حديث (٩٣٧). (٢) أحمد، حديث (١٦١٢١)، وابن جرير في ((التفسير)) (٧٩/٢٨). ٢٠٢ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّ ر باب ((ومن سُورةٍ ﴿الممتحنة﴾)) وفِيهِ عَن أُمِّ عَطِيَّةَ رَ﴿ّا. قَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ: أُمُّ سَلَمَةَ الأنْصَارِيَّةُ: هِيَ أسْمَاءُ بِنْتُ يَزِيدَ بْنِ السَّكْنِ . [ت ٦٠، م٤] [٣٣٠٨] (٣٣٠٨) حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الفِرْيَابِيُّ، حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنِ الأَغَرِّ بْنِ الصَّبَّاحِ، عَن خَلِيفَةَ بْنِ حُصِيْنٍ، عَنِ أبي نَصْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، في قَوْلِهِ تَعَالى: ﴿إِذَا جََّكُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُهَجِرَتٍ فَأَمْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] قَالَ: كَانَتِ المَرأةُ إذَا جَاءتِ النَّبِيَّ وََّ لِتُسْلِمِ، حَلَّفَهَا باللهِ مَا خَرَجْتُ مِن بُغْضِ زَوْجِي، مَا خَرَجْتُ إلَّا حُبَّا لله وَلَرَسُولِهِ. [ضعيف منقطع]. قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. أصابتهم مصيبة؛ فأنا أريد أن أسعدهم. قال: فاذهبي فَكَافِئِيهمْ. فانطلقت؛ فكافأتهم، ثم إنها أتت فبايعته)). قال الحافظ: والأقرب إلى الصواب: أن النياحة كانت مباحة، ثم كرهت؛ كراهة تنزيه، ثم تحريم . وقال العيني: والجواب الذي هو أحسن الأجوبة وأقربها: أن يقال: إن النهي ورد أولًا للتنزيه، ثم لما تمت مبايعة النساء - وقع التحريم؛ فيكون الإذن الذي وقع لمن ذكر في الحالة الأولى، ثم وقع التحريم، وورد الوعيد الشديد في أحاديث كثيرة. انتهى. قوله: (وفيه عن أم عطية) أخرج حديثها الشيخان(١). .... [٣٣٠٨] (١) البخاري، كتاب الجنائز، حديث (١٣٠٦)، ومسلم، كتاب الجنائز، حديث (٩٣٧). ٢٠٣ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله وَّةِ / باب ((ومن سورة (الصف﴾)) ٦١ - باب ((ومن سورة ﴿الصف))) [ت ٦١، م١] بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَيَةِ [٣٣٠٩] (٣٣٠٩) حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ، أْبَرَنَا مُحمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَن الأَوْزَاعِيّ، عَن يَحْيَى بْنِ أبِي كثيرٍ، عَن أبي سَلَمَةَ، عَن عَبْدِ الله بْنِ سَلَام، قَالَ: قَعَدْنَا نَفَراً مِن أَصْحَابِ رَسُولِ الله ◌َِّ فَتَذَاكَرْنا، فَقُلْنَا: لَوْ نَعْلَمُ أيَّ الأَعْمَالِ أحَبُّ إلى الله لَعَمِلْنَاهُ؛ فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اٌلْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ١، ٢]، الْحَكِيُ و ٦١ - بَاب وَمِنْ سُورَةِ الصَّفِّ فِيهَا قَوْلانٍ؛ أَحَدُهُمَا: أنَّهَا مَدَنية، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاس والجُمْهُورِ والثَّاني: أَنَّها مَكِيةٌ(١) وَهِيَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ آيَةً. [٣٣٠٩] (حدثنا محمد بن كثير) بن أبي عطاء الثقفي، الصنعاني، أبو يوسف، نزيل المصيصة، صدوق، كثير الغلط، من صغار التاسعة (عن أبي سلمة) هو: ابن عبد الرحمن. قوله: (قعدنا نفرًا) حال من ضمير ((قعدنا)) و((النَّفَر)) بفتحتين: عدَّة رجال من ثلاثة إلى عشرة ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] هذا إنكار على من يعد وعدًا، أو يقول قولًا لا يفي به؛ ولهذا استدل بهذه الآية الكريمة مَنْ ذهب من علماء السلف إلى أنه يجب الوفاء بالوعد مطلقًا سواءً ترتب عليه عزم للموعود أم لا. وذهب الإمام مالك إلى أنه إذا تعلق بالوعد عزم على الموعود، وجب الوفاء به. وذهب الجمهور إلى أنه لا يجب مطلقًا، وحملوا الآية على أنها نزلت حين تمنوا فريضة الجهاد عليهم، فلما فرض نكل عنه بعضهم. عن ابن عباس قال: كان ناس من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد يقولون: لوددنا أن الله - عز وجل - دلنا على أحب الأعمال إليه؛ فنعمل به؛ فأخبر الله نبيه أن أحب الأعمال إيمان به لا شك فيه، وجهاد أهل معصيته؛ الذين خالفوا الإيمان، ولم يقروا به؛ فلما نزل الجهاد - (١) قال الماوردي: هي مدنية في قول الجميع، وأخرج ابن الضريس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة الصف بالمدينة، وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله، وأخرج النحاس عن ابن عباس قال: نزلت سورة الصف، بمكة، ولعل هذا لا يصح عنه، ويؤكد كونها مدنية ما أخرجه أحمد عن عبد الله بن سلام وذكر الحديث. ذكره الشوكاني في ((فتح القدير)) (٢١٨/٥). ٢٠٤ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌َِّ / باب ((ومن سورة (الصف﴾)) قَالَ عَبْدُ الله بْنُ سَلَامٍ: فَقَرَأْها عَلَيْنَا رَسُولُ الله ◌َِّ قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: فَقَرَأها عَلَيْنَا ابْنُ سَلَام، قَالَ يَحْيَى: فَقَرأها عَلَيْنَا أَبُو سَلَمَةَ، قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: فَقَرأها الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَقَرأْهَا عَلَيْنَا ابنُ كَثِيرٍ. [مي: ٢٣٩٠]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: وَقَدْ خُولِفَ مُحمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ في إسْنَادِ هَذَا الحَدِيثِ عَن الأَوْزَاعِيِّ. ورَوَى ابْنُّ المُبَارَكِ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَن يَحْيَى بْنِ أبي كَثِيرٍ، عَنِ هِلالِ بْنِ أبي مَيْمُونَةَ، عَن عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَن عَبْدِ الله بْنِ سَلَامٍ، أَوْ عَن أبِي سَلَمَةَ، عَن عَبْدِ الله بْنِ سَلامٍ. وَرَوَى الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم، هَذَا الحَدِيثَ، عَن الأَوْزَاعِيِّ: نَحْوَ رِوَايَةِ مُحمَّدِ بْنِ کَثِيرٍ . كره ذلك ناس من المؤمنين، وشق عليهم أمره؛ فقال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] وهذا اختيار ابن جرير. هذا تلخيص ما ذكره الحافظ ابن كثير في ((تفسيره)) وهو: الظاهر. وقيل: أنزلت في شأن القتال؛ يقول الرجل: قاتلت ولم يقاتل، وطعنت ولم يطعن، وضربت ولم يضرب، وصبرت ولم يصبر. وقيل غير ذلك. قوله: (قال عبد الله بن سلام: فقرأها علينا رسول الله وَّلو قال أبو سلمة: فقرأها علينا ابن سلام ... إلخ) حديث عبد الله بن سلام هذا: يسمى بالمسلسل؛ بقراءة سورة ((الصف)) قال في ((المنح)): هذا صحيح متصل الإسناد والتسلسل، ورجاله ثقات، وهو أصح مسلسل روي في الدنيا. انتهى. وقال الحافظ في ((الفتح)) في تفسير سورة ((الصف)): وقد وقع لنا سماع هذه السورة مسلسلًا في حديث ذُكِرَ في أوله سبب نزولها، وإسناده صحيح قلَّ إن وقع في المسلسلات مثله، مع مزید علوه. قوله: (وقد خُولف محمد بن كثير في إسناد هذا الحديث عن الأوزاعي؛ وروى ابن المبارك، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير ... إلخ) قال الحافظ ابن كثير: وهكذا رواه الإمام أحمد عن معمر، عن ابن المبارك به (وروى الوليد بن مسلم هذا الحديث، عن الأوزاعي نحو رواية محمد بن كثير) قال الحافظ ابن كثير: وكذا رواه الوليد بن يزيد عن الأوزاعي؛ کما رواه ابن كثير. ٢٠٥ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِلَ / باب ((وَمِن سُورةٍ ﴿اَلْجُمُعَةِ﴾)) ٦٢ - باب ((وَمِن سُورةٍ ﴿اُلْجُمُعَةِ﴾)) [ت ٦٢، ١٢] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَيَةِ [٣٣١٠] (٣٣١٠) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أخْبَرَنَا عَبْدُ الله بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنِي ثَوْرُ بْنُ زَيْدِ الدِّيليُّ، عَن أبِي الغَيْثِ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِوَهِ حِينَ أَنْزِلَتْ سُورَةُ الجُمُعَةِ فَتَلَاها، فَلَمَّا بَلَغَ: ﴿وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾ [الجمعة: ٣]؛ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله، مَن هَؤُلَاءِ الّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِنَا، وحديث عبد الله بن سلام هذا: أخرجه أيضًا أحمد، وابن حبان، والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وأبو يعلى، والطبراني، والبيهقي في ((الشعب)) و(السنن))(١). ٦٢ - باب وَمِنْ سُورَةِ الجمُعَةِ مَدَنِيَّةٌ وَهِيَ إِحْدَى عَشْرَةَ آيَةً [٣٣١٠] قوله: (﴿وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ﴾) مجرور عطفًا على ((الأمِّيِّينَ))؛ أي: بعثه في الأميين الذين على عهده، وبعثه في آخرين منهم، أو منصوب عطفًا على الضمير المنصوب في (يُعَلِّمُهُمْ)) أي: ويعلم آخرين، وكل من يعلم شريعة محمد ◌َّ إلى آخر الزمان؛ فرسول الله وَ لّ معلمه بالقوة؛ لأنه أصل ذلك الخير العظيم، والفضل الجسيم، أو عطفًا على مفعول (يُزَكِّيهِمْ)) أي: يزكيهم، ويزكي آخرين، والمراد ((بالآخرين)): من جاء بعد الصحابة إلى يوم القيامة. وقيل: المراد بهم: من أسلم من غير العرب. وقال عكرمة: هم التابعون. وقال مجاهد: الناس كلهم؛ وكذا قال ابن زيد، والسدي (﴿لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمَّ﴾) أي: ذلك الوقت، وسَيَلحقون بهم من بعد. وقيل: في السبق إلى الإسلام، والشرف، والدرجة، وهذا النفي مستمر دائمًا؛ لأن الصحابة لا يلحقهم، ولا يساويهم في شأنهم أحد من التابعين، ولا ممن بعدهم. فالمنفي هنا - غير متوقع الحصول، ولذلك لما ورد عليه أن ((لمَّا)) تنفي ما هو متوقع الحصول، والمنفي هنا ليس كذلك - فسرها ((المحلى)) بلم التي منفيها أعم من أن يكون متوقع الحصول أولًا؛ ((فلما)) هنا ليست على بابها، والضمير في ((بهم)) و((منهم)) راجع إلى الأميين، وهذا يؤيد أن المراد بالآخرين هم: من يأتي بعد الصحابة من العرب خاصة إلى يوم القيامة، وهو ◌ٍَّ وإن كان مرسلًا إلى جميع الثقلين؛ فتخصيص العرب هنا؛ لقصد الامتنان عليهم، وذلك لا ينافي عموم الرسالة، ويجوز أن يراد بالآخرين: العجم؛ لأنهم وإن لم يكونوا من (١) ابن حبان، حديث (٤٥٩٤)، والحاكم، حديث (٢٣٨٤، ٢٨٩٩) وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وأبو يعلى (٧٤٩٩)، والبيهقي في ((الكبرى)) (١٨٢٨)، وفي (شعب الإيمان)) (٤٢٠٦). ٢٠٦ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَهِ / باب ((وَمِن سُورةٍ ﴿اَلْجُمُعَةِ﴾)) فَلَمْ يُكَلِّمْهُ، قَالَ: وَسَلْمَانُ الفارسيّ فِينَا، قَالَ: فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِوَّهِ يَدَهُ، عَلَى سَلْمَانَ فَقَالَ: ((وَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ كَانَ الإيمانُ بالثُّرَيّا، لَتَناوَلَهُ رِجَالٌ مِن هَؤُلَاءِ)). [خ: ٤٨٩٧، م: ٢٥٤٦، حم: ٧٨٩٠]. قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَعبْدُ الله بْنُ جَعْفَرٍ هُوَ: وَالِدُ عَلِيِّ بْنِ المَدِينِيٌّ، ضَعَّفَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ. وَقَد روي هذَا الحَدِيثِ عَن أَبِي هُرِيرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ مِنْ غَيرِ هذَا الوجَهِ ثَوْرُ بْنُ زَيْدٍ: مَدَنِيٌّ، وَثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ: شَامِيٍّ، وأبُو الغَيْثِ اسْمُهُ: سَالِمٌ مَولَى عَبْدِ الله بْنِ مُطِيعٍ - مَدَنِيٌّ ثِقَةٌ .. العرب، فقد صاروا بالإسلام مثلهم، والمسلمون كلهم أمة واحدة، وإن اختلفت أجناسهم (فلم يكلِّمه) أي: سَكَتَ رسول الله وَلٍّ ولم يجبه . وفي رواية البخاري: ((فَلَمْ يُرَاجِعْهُ حَتَّى سَأَلَ ثَلاثًا)) (وسلمان الفارسي فينا)؛ أي: كان سلمان الفارسي موجودًا فينا (لو كان الإيمان بالقُّريا) بضم المثلثة، وفتح الراء، وشدة التحتية مقصورًا: كوكب معروف (لتناوله رجال من هؤلاء) أي: الفرس بقرينة سلمان. وزاد أبو نعيم في آخره: ((بِقَّةِ قُلُوبِهِمْ)). وأخرجه من حديث سلمان، وزاد فيه: ((يَتَّبِعُونَ سُنَّتِي وَيُكْثِرُونَ الصَّلاةَ عَلَيَّ)). قال القرطبي: أحسن ما قيل فيهم: إنهم أبناء فارس؛ بدليل هذا الحديث (لَناله رجال من هؤلاء)) وقد ظهر ذلك بالعيان؛ فإنهم ظهر فيهم الدين، وكثر فيهم العلماء، وكان وجودهم كذلك دليلًا من أدلة صدقه وَليهِ؛ فاختلف أهل النسب في أصل فارس؛ فقيل: إنهم ينتهي نسبهم إلى جيومرت وهو: آدم، وقيل: أنه من ولد يافث بن نوح، وقيل: من ذرية لا وي بن سام بن نوح، وقيل: هو فارس ابن یاسور بن سام، وقيل غير ذلك. قال الحافظ: والأول أشهر الأقوال عندهم، الذي يليها أرجحها عند غيرهم، وقد أطال هو الكلام في هذا المقام بما يتعلق بأهل فارس. قوله: (هذا حديث غريب) وأخرجه البخاري، ومسلم(١) (وقد روي هذا الحديث عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّ من غير هذا الوجه) أي: من غير السند المذكور. قوله: (ثور بن زيد مدني، وثور بن يزيد: شامي) يعني: هما رجلان: فثور بن زيد؛ بالزاي في أوله: مدني، وثور بن يزيد؛ بالتحتية في أوله؛ شامي. (١) البخاري، كتاب تفسير القرآن، حديث (٤٨٩٨)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، حديث (٢٥٤٦). ٢٠٧ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ / باب ((وَمِن سُورةٍ ﴿اَلْجُمُعَةِ﴾) [ت ٦٢، م٢] [٣٣١١] (٣٣١١) حَدَّثَنَا أحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ، عَن أبي سُفْيَانَ، عَن جَابِرٍ، قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ ◌َهِ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعةِ قائِماً، إذْ قَدِمَتْ عِيرُ المَدِينَةِ، فَابْتَدَرَها أصْحَابُ رَسُولِ اللهِ وَّهِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا فِيهِمْ: أَبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وَنَزَلَت هذهِ الآيةُ: [٣٣١١] قوله: (حدثنا هشيم) بالتصغير؛ هو: ابن بشير بن القاسم بن دينار السلمي. (أخبرنا حصين) هو: ابن عبد الرحمن السلمي، الكوفي (عن أبي سفيان) اسمه: طلحة بن نافع. قوله: (إذا قدمت عير المدينة) بكسر المهملة، وسكون التحتية؛ هي الإبل التي تحمل التجارة طعامًا كانت، أو غيره وهي مؤنثة، لا واحدة لها من لفظها (فابتدرها أصحاب رسول الله وَ﴾﴾ أي: تسارعوا إليها (حتى لم يبق) أي: مع النبي ◌َّ (إلا اثنا عشر رجلًا فيهم أبو بكر، وعمر) قال الحافظ - بعد ذكر عدة روايات - ما محصله: واتفقت هذه الروايات كلها على اثني عَشَرَ رجلًا، إلا ما رواه علي بن عاصم [عن حصين بالإسناد المذكور] فقال: (إلَّا أَرْبَعِينَ رَجلًا)). أخرجه الدار قطني (١)، وقال: تفرد به علي بن عاصم، وهو ضعيف الحفظ، وخالفه أصحاب حصين كلهم. وأما تسميتهم: فوقع في رواية خالد الطحان، عند مسلم؛ أن جابرًا قال: أَنَا فِيهمْ وفي تفسير إسماعيل بن أبي زياد الشامي، أن سالمًا مولى أبي حذيفة منهم. وروى العقيلي عن ابن عباس؛ أن منهم الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وأناسًا من الأنصار. وحكى السهيلي أن أسد بن عمرو روى بسند منقطع ((أنَّ الاثْنَيْ عَشَرَ هُمْ: الْعَشَرَةُ المُبَشَّرَةُ، وَبِلَالٌ، وابْنُ مَسْعُودٍ))، قال: وفي رِوَايَةٍ ((عمار)) بدل ((ابن مسعود)). قال الحافظ: ورواية العقيلي أقوى، وأشبه بالصواب (ونزلت هذه الآية) هذا ظاهر في أنها نزلت بسبب قدوم العير المذكورة. والمراد ((باللهو)) على هذا: ما ينشأ من رؤية القدمين، وما معهم، ووقع عند الشافعي (٢)، من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه مرسلًا: ((كَانَ النَّبيُّ وَّ﴿ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَكَانَتْ لَهُمْ سُوقٌ كَانَتْ بَنُو سُلَيْمٍ يَجْلِبُونَ إِلَيْهَا الْخَيْلَ وَالإِبِلَ (١) الدارقطني (٤/٢) (٥). (٢) الشافعي في ((الأم)) (١٩٩/١) لكن في إسناده إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي وهو متروك الحديث. ٢٠٨ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ / باب ((وَمِن سُورة ﴿اٌلْمُنَفِقُونَ﴾)) ﴿وَإِذَا رَأَوْأْ نِجَرَةً أَوْ لَمْوَّا أَنفَضُوْاْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوْكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١]. [خ: ٩٣٦، م: ٨٦٣]. قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. حَدَّثَنَا أحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا هشيمٌ، أخْبَرَنَا حُصَيْنٌ، عَنِ سَالِمِ بْنِ أبي الجَعْدِ عَن جابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ بِنَحْوِهِ. قَالَ أَبُو عِيْسَی: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ. ٦٣ - باب ((وَمِن سُورة ﴿اُلْمُنَفِقُونَ﴾)) [ت ٦٣، ١٣] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ [٣٣١٢] (٣٣١٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ مُوسى، عَن إِسْرَائِيلَ، عَن أبي إسْحَاقَ، عَن زَيْدِ بْنِ أرقَم، وَالسَّمْنَ؛ فَقَدِمُوا فَخَرَجَ إِلَيْهِم النَّاسُ وَتَرَكُوهُ وَكَانَ لَهُمْ لَهْوٌ يَضْرِبُونَهُ فَنَزَلتْ (﴿وَإِذَا رَأَوْأْ تِجَرَةً أَوْ لَوَا أَنفَضُواْ إِلَيْهَا﴾) أي: تفرقوا وذهبوا إليها. قيل: النكتة في قوله: ((انفضوا إليها)) دون قوله: ((إليهما)) أو ((إليه)) أن اللهو لم يكن مقصودًا لذاته وإنما كان تبعًا للتجارة، وقيل: التقدير: وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها، أو لهوًا انفضوا إليه، فحذف الثاني، لدلالة الأول عليه . قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان. ٦٣ - باب وَمَنْ سُورَةِ المنافقون مَدَنِيَّةٌ وَهِيَ إِحْدَى عَشْرَةَ آيَةٌ(١) [٣٣١٢] قوله: (حدثنا عبيد الله بن موسى) العبسي، الكوفي (عن إسرائيل) هو ابن يونس (عن أبي إسحاق) هو: السَّبيعي. (١) قال القرطبي: وهي مدنية في قول الجميع. وأخرج ابن الضريس، والنحاس، وابن مردويه، والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة المنافقين بالمدينة. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله. وأخرج سعيد بن منصور، والطبراني في الأوسط - قال السيوطي بسندٍ حسن - عن أبي هريرة قال: كان رسول الله وَّ يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة، فيحرّض بها على المؤمنين، وفي الثانية بسورة المنافقين، فيقرّع بها المنافقين. وأخرج البزار، والطبراني عن أبي عنبة الخولاني مرفوعًا نحوه. [تفسير الشوكاني: ٢٢٨/٥]. ٢٠٩ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ / باب ((وَمِن سُورة ﴿الْمُنَفِقُونَ﴾)) قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَمِّي، فَسَمِعْتُ عَبْدَ الله بْنَ أُبَيِّ ابنَ سَلُولٍ يَقُولُ لأَصْحَابِهِ: ﴿لَا تُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّواْ﴾ [المنافقون: ٧] وَ: ﴿لَيِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ اُلْأَعُزُّ مِنْهَا اُلْأَذَلَ﴾ [المنافقون: ٨]؛ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمِّي، فَذَكَرَ ذَلِكَ عَمِّي للنبيِّ وََّ فَدَعَانِ النبيُّ نََّ فَحَدَّثْتُهُ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ الله ◌ِّهَإِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ وَأَصْحَابِهِ، فَحَلَفُوا مَا قَالُوا، فَكَذْبَنِي رَسولُ اللهِ بَّهِ وَصَدَّقَه، فَأَصَابَنِي شَيْءٌ لَمْ يُصِبْنِي قَظُ مِثْلُهُ، فَجَلَسْتُ في البَيْتِ، فَقَالَ عَمِّي: مَا أَرَدْتَ إلَّا أنْ قوله: (قال: كنت مع عمي) قال الحافظ (١): وقع عند الطبراني (٢)، وابن مردويه؛ أن المراد بعمه: سعد بن عبادة، وليس عمه حقيقة، وإنما هو سيد قومه الخزرج، وعم زيد بن أرقم الحقيقي: ثابت بن قَيْس، له صحبة، وعمه زوج أمه: عبد الله بن رواحة خزرجي أيضًا. انتھی (فسمعت عبد الله بن أَبيَّ) بضم الهمزة، وفتح الموحدة، وتشديد التحتية منونًا (ابن سَلُولَ) بفتح المهملة، وضم اللام، وسكون الواو، وبعدها لام، ممنوعًا من الصرف، للعلمية والتأنيث؛ وهو: اسم امرأة، وهي: والدة عبد الله المذكور، وهي خزاعية، وأما هو: فمن الخزرج؛ أحد قبيلتي الأنصار. وابن سلول يقرأ بالنصب؛ لأنه صفة عبد الله، لا صفة أبيه. وعبد الله بن أبي هذا: هو رأس المنافقين (﴿لَا نُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُواْ﴾ [المنافقون: ٧]) أي: يتفرقوا من حوله وَِّ (﴿لَيْن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ﴾) إلخ ... أي: وسمعته يقول: لئن رجعنا ... إلخ. وفي رواية للبخاري: وقال أيضًا: لئن رجعنا (﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعْزُّ﴾) يريد: نفسه (﴿مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾) يريد الرسول - عليه الصلاة والسلام وأصحابه ـ (فذكرت ذلك) أي: الذي قاله عبد الله بن أبي (فحلفوا) أي: سألهم رسول الله وَّه عن ذلك؛ فحلفوا؛ أي عبد الله بن أبي وأصحابه (ما قالوا) ((ما)) نافية؛ أي لم يقولوا ذلك. ووقع في رواية: ((فَبَعَثَ النَّبِيُّ بَّهَ إِلَى عَبْدِ الله بْنِ أُبَيِّ فَسَأَلَهُ فَحَلَفَ بِالله مَا قَالَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا)) (فكذبني) من التكذيب (وصدقه) من التصديق، والضمير المنصوب لعبد الله بن أبي (فأصابني شيء) أي: من الهم (لم يصبني شيء قط مثله) أي: في الزمن الماضي (فجلست في البيت) وفي رواية: ((حَتَّى جَلَسْتُ فِي الْبَيْتِ مَخَافَةَ إِذَا رَآنِي النَّاسُ أَنْ يَقُولُوا كَذَبْتَ)) (ما أردت إلا أن (١) فتح الباري (٨/ ٥١٣). (٢) الطبراني في ((الكبير)) (٥٠٧٣). ٢١٠ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ / باب ((وَمِن سُورة ﴿اٌلْمُنَفِقُونَ﴾)) كَذّبَكَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَمَقَتَكَ؛ فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَكَ اٌلْمُنَفِقُونَ﴾ [المنافقون: ١]، فَبَعَثَ إِلَيَّ رَسُولُ اللهِ وَِّهِ فَقَرأْهَا، ثُمَّ قَالَ: ((إنَّ الله قَد صَدَّقَكَ)). [خ: ٤٩٠٠، م: ٢٧٧٢، حم: ١٨٧٩٩]. قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. [ت ٦٣، م٢] [٣٣١٣] (٣٣١٣) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ مُوسى، عَن إِسْرَائِيلَ، عَن السُّدِّيّ، عَن أبي سَعْدِ الأزْدِي، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ، قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَِّ﴿ وَكَانَ مَعَنَا أُنَاسٌ مِنَ الأَعْرَابِ، فَكُنّا نَبْتَدِرُ المَاءَ، وَكَانَ الأعْرَابُ يَسْبِقُونَا إِلَيْهِ، فَسَبَقَ أعْرَابِيٌّ أصْحَابَهُ، فَيسبِقَ الأعْرَابِيُّ، فَيَمْلأُ الحَوْضَ، ويَجْعَلُ حَوْلَهُ حِجَارَةٌ، وَيَجْعَلُ النِّطْعَ عَلَيْهِ، حَتَّى يَجِيءَ أصْحَابُهُ، قَالَ: فَأَتَى رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ أعْرَائِيّاً، فَأَرْخَى زِمَامَ نَاقَتِهِ لِتَشْرَبَ، كذبك) بتشديد الذال المعجمة. وفي الرواية الآتية: ((مَا أَرَدْتُ إِلَى أَنْ مَقَتَكَ رَسُولُ اللهِوَّ)) قال العيني: أي: ما قصدت منتهيًا إليه؛ أي: ما حملك عليه (ومقتك) من المقت؛ أي: أبغضك (إن الله قد صدقك) أي: يا زيد بن أرقم. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان. [٣٣١٣] قوله: (عن السُّدي) اسمه: إسماعيل بن عبد الرحمن (عن أبي سعيد الأزدي) ويقال له: أبو سعد قال في ((التقريب)): أبو سعد الأزدي، الكوفي، قاري الأزد، ويقال: أبو سعيد، مقبول، من الثالثة. قوله: (فكنا نبتدر الماء) أي: نسارع إليه (يسبقونا) بتشديد النون (فسبق أعرابي) كذا في النسخ الحاضرة بصيغة الماضي، ولا يستقيم المعنى إلا أن يكون بمعنى يسبق (فيسبق الأعرابي، فيملأ الحوض) هذا بيان لما يصنعه الأعرابي السابق بعد سبقه إلى الماء، (ويجعل حوله) أي: حول الحوض (ويجعل النطع عليه) أي: على الحوض. والنطع(١)؛ بالكسر، (١) النِّطْع: فيه أربع لغات: نَظْع، ونَطَع، ونِظْع، ونطَع. والجمع: نطوع، وأنطاع، المتخذ من الأديم. وتنطع الكلام: تعمَّق. انظر مختار الصحاح والمصباح المنير مادة (نطع). ٢١١ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهَِّهِ / باب ((وَمِن سُورةٍ ﴿اٌلْمُنَفِقُونَ﴾)) فَأَبَى أنْ يَدَعَه، فانْتَزَعَ قِبَاضَ المَاءِ، فَرَفَعَ الأَعْرَابِيُّ خَشَبَة فَضَرَبَ بِهَا رَأْسَ الأنْصَارِيِّ فَشَجَّهُ، فَأَتَى عَبْدَ الله بْنَ أُبَيِّ رَأسَ المُنَافِقِينَ، فَأَخْبَرَهُ وَكانَ مِن أصْحَابِهِ، فَغَضِبَ عَبْدُ الله بْنُ أُبَيِّ، ثُمَّ قَالَ: ﴿لَا تُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّواْ﴾ مِن حَوْلِهِ [المنافقون: ٧]، يَعْنِي: الأَعْرَابَ، وَكَانُوا يَحْضُرُونَ رَسُولَ اللهِ وَلِّهِ عِنْدَ الطَّعَامِ، فَقَالَ عَبْدُ الله: إِذَا انْفَضُّوا مِن عِنْدِ مُحمّدٍ، فَائتُوا مُحمّداً بالطَّعَامِ، فَلْيَأْكُلْ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ، ثُمَّ قَالَ لأَصْحَابِهِ: ﴿لَيِن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨]، قَالَ زَيْدٌ: وَأْنَا رِدْفُ رَسُولِ اللهِوَّرِ قَالَ: فَسَمِعْتُ عَبْدَ الله بْنَ أُبَيِّ فأخْبَرْتُ عَمِّي، فانْطَلَقَ فأخْبَرَ رَسولَ اللهِ وَّةِ فَأَرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولُ الله ◌َِّ فَحَلَفَ وجَحَدَ، قَالَ: فَصَدَّقَهُ رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَكَذَّبَنِي، قَالَ: فَجَاءَ عَمِّي إليَّ، فَقَالَ: ما وبالفتح، وبالتحريك، وكعنب: بساط من الأديم (فأبى) أي: الأعرابي (أن يَدَعه) بفتح الدال: أن يترك الأنصاري (فانتزع قباض الماء) بكسر القاف، والمراد به: الماء، ويمسك من الحجارة وغيرها؛ والمعنى: أن الرجل الأنصاري الذي أرخى زمام ناقته؛ لتشرب الماء من الحوض - نزع الحجارة التي جعلها الأعرابي حول الحوض؛ ليمسك بها الماء (فرفع الأعرابي خشبة) أي: فغضب الأعرابي؛ بانتزاع القباض فرفع ... إلخ (بها) أي بالخشبة (فشجه) من الشَّج؛ وهو: ضرب الرأس خاصة، وجرحه وشقه؛ من باب: نَصَرَ وَضَرَبَ(١) (فأتى) أي: الأنصاري المشجوج (رأس المنافقين) أي: رئيسهم؛ بدل من ((عبد الله)) (وكان) أي: الأنصاري (من أصحابه) أي: من أصحاب عبد الله بن أبي (حتى ينفضوا من حوله) يعني: حتى يتفرق الأعراب، ويذهبوا من حول رسول الله وَلي (يعني: الأعراب) هذا بيان من الراوي للضمير في ((ينفضوا)) (وكانوا) أي: الأعراب (ثم قال) أي عبد الله (قال زيد) أي: ابن أرقم (وأنا ردف رسول الله ﴾) الرِّدْف؛ بكسر الراء، وسكون الدال المهملتين هو: الراكبُ خَلْفَ الراكبِ (فسمعت عبد الله) أي: مقالته المذكورة (فأخبرت عمي) أي: بما سمعت من عبد الله (فانطلق فأخبر) أي: عمي (فأرسل إليه) أي: إلى عبد الله (قال: فصدقه رسول الله ﴿ وكذبني) أي: قال زيد بن أرقم: فدعاني رسول الله وَلفي فحدثته؛ فأرسل إلى (١) وهو مشجوج وشجيج ومشجَّج: إذا كثر ذلك فيه. ورجل (أشجّ) إذا كان في جبينه أثر الشجة. كما في مختار الصحاح (شجج). ٢١٢ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِّهِ / باب ((وَمِن سُورة ﴿اَلْمُنَفِقُونَ﴾)) أرَدْتَ إِلَّا أن مَقَتَكَ رَسُولُ اللهِاَلّهِ وَكَذَّبَكَ والمُسْلِمُونَ، قَالَ: فَوَقَعَ عَلَيَّ مِنَ الهَمِّ مَا لَمْ يَقَعْ عَلَى أَحَدٍ، قَالَ: فَبَيْنَمَا أنا أسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللهِوَّهِ فِي سَفَرٍ قَدْ خَفَقْتُ بِرَأْسِي مِنَ الهَمّ، إذْ أتانِي رَسُولُ الله ◌َِّ فَعَرَكَ أُذُنِي وضَحِكَ فِي وَجْهِي، فَمَا كَانَ يَسُرُّنِي أنَّ لِي بِهَا الخُلْدَ في الدُّنْيَا، ثُمَّ إنَّ أبا بَكْرٍ لَحِقَنِي، فَقَالَ: مَا قَالَ لَكَ رَسُولُ الله مَِّ؟ قُلْتُ: مَا قَالَ لِي شَيْئاً، إلَّا أنَّهُ عَرَكَ أُذُنِي وَضَحِكَ في وَجْهِي، فَقَالَ: أَبْشِرْ، ثُمَّ لَحِقَنِي عُمَرُ، فَقُلْتُ لَهُ مِثْلِ قَوْلِي لأبي بَكْرٍ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا قَرأْ رَسولُ اللهِلَّهِ سُورَةَ المُنَافِقِينَ. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. [ت ٦٣، م٣] [٣٣١٤] (٣٣١٤) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ بَشّارٍ، حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بنُ أبي عَدِيٍّ، أنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَم بْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحمَّدَ بْنَ كَعْبِ القُرَظِيَّ مُنْذ أرْبَعِينَ سَنَةً يُحَدِّثُ، عَن زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَظَهَ أنَّ عَبْدَ الله بْنَ أُبَيّ، قَالَ: في غَزْوَة تَبُوكَ: ﴿لَيْن عبد الله بن أُبَيّ؛ فحلف وجحد، فصدقه وكذبني، كما في الرواية المتقدمة. (قد خفقت برأسي من الهم) يقال: خفق الرجل: إذا حرك رأسه، وهو ناعس؛ والمعنى: نكست رأسي من شدة الهم، لا من النعاس (فعرك أذني) أي دلكها (١) (أن لي بها) أي: بضحكة رسول الله ◌َ ل في وجهي (الخلد في الدنيا) وبالنصب على أنه اسم ((إن))، وفي بعض النسخ ((الْخُلْدِ فِي الْجَنَّةِ)). قوله: (هذا حديث حسن صحيح) قال الحافظ ابن كثير في ((تفسيره)) بعد ذكر هذا الحديث: انفرد بإخراجه الترمذي و[قال: هذا حديث حسن صحيح] وهكذا رواه الحافظ البيهقي(٢)، عن الحاكم، عن عبيد الله بن موسى به، وزاد بعد قوله سورة المنافقين: ﴿إِذَا جَآءَكَ الْمُنَفِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله﴾ حتى بلغ ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ ج رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُواْ﴾ - حتى بلغ - ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾. انتهى. [٣٣١٤] قوله: (قال في غزوة تبوك) كذا في هذه الرواية، وكذا وقع في مرسل سعيد بن جبير، عند ابن أبي حاتم. (١) وعَرَك الشيء: دلكه، وبابه (نصر) المختار ((عرك)). (٢) البيهقي في ((دلائل النبوة)) (٥٥/٤). ٢١٣ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌َّةِ / باب ((وَمِن سُورةٍ ﴿اٌلْمُنَفِقُونَ﴾)) ج رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨]، قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ◌َه فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَحَلَفَ مَا قَالَهُ، فَلَامَنِي قَوْمِي، وقالُوا: مَا أَرَدْتَ إلَّا هَذِهِ، فأتَيْتُ البَيْتَ، وَنِمْتُ كَئِيباً حَزِيناً، فَأَتَانِي النَّبِيُّ ◌َ أَوْ أَتَيْتُهُ، فَقَالَ: ((إنَّ الله قَدْ صَدَّقَكَ)) قَالَ: فَنَزَلَتْ هذِهِ الآيةُ: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا نُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّواْ﴾ [المنافقون: ٧]. [خ: ٤٩٠٢] . قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. [ت ٦٣، م٤] [٣٣١٥] (٣٣١٥) حَدَّثَنَا ابنُ أبي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله، يَقُولُ: كُنَّا فِي غَزَاةٍ، قَالَ سُفْيَانُ: يَرَوْنَ أنّهَا غَزْوَةُ بَنِي المُصْطِلِقِ، فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ المُهَاجِرِيُّ: قال الحافظ ابن كثير بعد ذكر هذا المرسل: قوله: ((إن ذلك كان في غزوة تبوك)» فيه نظر؛ بل ليس بجيد؛ فإن عبد الله بن أبي ابن سلول لم يكن ممن خرج في غزوة تبوك، بل رجع بطائفة من الجيش؛ وإنما المشهور عند أصحاب ((المغازي)) و((السير)) أن ذلك كان في غزوة المريسيع؛ وهي: غزوة بني المصطلق. انتهى. وقال الحافظ في ((الفتح)): والذي عليه أهل المغازي: أنها غزوة بني المصطلق (فلامني قومي) وفي رواية البخاري: ((فَلَامَنِي الْأَنْصَارُ)) (ما أردت إلا هذه) يعني: ما حملك على هذه الفعلة (فأتيت البيت) وفي رواية البخاري: ((فَرَجَعْتُ إِلَى المِنْزِلِ)) (ونمت كئيبًا) من الكآبة بالمد؛ وهو: سوء الحال، والانكسار من الحزن، وقد كَئِبَ من باب سَلِمَ؛ فهو: گَئِيبٌ (فأتاني النبي ◌َّالغير أو أتيته) شك من الراوي. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، والبخاري، والنسائي(١). [٣٣١٥] قوله: (فكسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار) قال في ((القاموس)): كَسَعَهُ كَمَنَعَهُ: ضرب دُبُرَهُ بيده، أو بصدر قدمه. والرجل المهاجري هو: جهجاه بن قيس، ويقال: ابن سعيد الغفاري، وكان مع عمر بن الخطاب يقود له فرسه. والرجل الأنصاري (١) النسائي في ((الكبرى)) حديث (١١٥٩٧). ٢١٤ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِ / باب ((وَمِن سُورةٍ ﴿اُلْمُنَفِقُونَ﴾)) يَا لَلِمُهَاجِرِينَ، وقالَ الأَنْصَارِيُّ: يا للأنْصَارِ، فَسَمِعَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ◌َلِ: فَقَالَ: ((مَا بالُ دَعْوَى الجَاهِلِيّةِ؟)) قالُوا: رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ كَسَعَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ رَسُوْلِ الله ◌َِّ: ((دَعُوها فإنّهَا مُنْتِنَةٌ))، فَسَمِعَ ذَلِكَ عَبْدُ الله بْنُ أُبَيِّ ابنِ سَلُولٍ، فَقَالَ: أَوَ قَدْ فَعَلُوهَا؟ وَاللهِ: ﴿لَيْنِ رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ الله! دَعْنِي أضْرِبْ عُنُقَ هَذَا المُنَافِقِ، فَقَالَ النبيُّ ◌َلِّ: ((دَعْهُ، لا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أنَّ مُحمداً يَقْتُلُ أصْحَابَهُ))، وقالَ غَيْرُ عمرو: فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الله: والله، لا تَنْقَلِبُ حَتَّى تُقِرَّ أنَّكَ الذّلِيلُ وَرَسولُ الله ◌َيِِّ العَزِيزُ، فَفَعَلَ. [خ: ٣٥١٨، م: ٢٥٨٤، حم: ١٤٠٥٨]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. هو: سنان بن وبرة الجهني، حليف الأنصار (يا للمهاجرين) بفتح اللام؛ وهي للاستغاثة؛ أي: أغيثوني؛ وكذا قول الآخر يا للأنصار (ما بال دعوى الجاهلية) أي: ما شأنها، وهو في الحقيقة إنكار، ومنع عن قول: يا لفلان ونحوه (دعوها) أي: اتركوا هذه المقالة؛ وهي دعوى الجاهلية (فإنها مُنتنة) بضم الميم، وسكون النون، وكسر الفوقية: من النتن؛ أي: أنها كلمة قبيحة خبيثة؛ وكذا ثبتت في بعض الروايات (أو قد فعلوها) بواو العطف بين همزة الاستفهام والفعل والمعطوف عليه مقدر؛ أي: أوقعت هذه وقد فعلوها؟ وفي رواية البخاري ((قَدْ فَعَلُوهَا)). قال الحافظ: هو استفهام بحذف الأداة؛ أي: أفعلوها؛ أي: الأثرة شركناهم فيما نحن فيه؛ فأرادوا الاستبداد به علينا. وفي مرسل قتادة: ((فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ عَظِيمُ النِّفَاقِ: وَمَا مِثْلُنَا وَمِثْلُهُمْ إِلَّا كَمَا قَالَ الْقَائِلُ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ)) (لا يتحدث) برفع ((يتحدث)) على الاستئناف، ويجوز الكسر على أنه جواب قوله: ((دعه)) (أن محمدًا يقتل أصحابه) أي: أتباعه (وقال غير عمرو) أي: غير عمرو بن دينار (فقال له) أي: لعبد الله بن أبي (لا تنقلب) أي: لا ترجع (حتى تقر) من الإقرار؛ أي: حتى تعترف (ففعل) أي: فأقر عبد الله بن أُبَيّ بأنه الذليل، ورسول الله وَالله العزيز. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان، والنسائي. ٢١٥ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ / باب ((وَمِن سُورة ﴿الْمُنَفِقُونَ﴾)) [ت ٦٣، م٥] [٣٣١٦] (٣٣١٦) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَنَّاب الكَلْبِيُّ، عَن الضَّحَّاكِ بن مزاحم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿َّا قَالَ: مَن كَانَ لَهُ مالٌ يُبَلِّغَهُ حَجَّ بَيْتِ رَبِّهِ أوْ تَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ الزَّكَاةُ، فَلَمْ يَفعلْ، يسَألِ الرَّجْعَةَ عِنْدَ المَوْتِ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا ابْنَ عَبَّاسِ، اتَّقِ الله فإنَّمَا يسَأَلَ الرَّجْعَةَ الكُفَّارُ! قَالَ: سَأَتْلُو عَلَيْكَ بِذَلِكَ قُرْآنَاً: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَلُكُمْ وَلََّ أَوْلَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلّ ذَلِكَ فَأُؤْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩] ﴿وَأَنْفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَكُمْ مِّن قَبْلِ أَنْ يَأْتِى أَحَدَكُمُ اُلْمَوْتُ﴾ إلی قَوْلِهِ: [٣٣١٦] قوله: (حدثنا أبو جناب الكلبي) بفتح الجيم، وخفة النون، وآخره موحدة. قوله: (من كان له مال) كلمة ((من)) شرطية، والجزاء قوله: ((يسأل الرجعة)) (يبلغه حج بيت ربه) صفة ((مال)) (أو: تجب عليه فيه) ضمير (عليه) راجع إلى ((من)) وضمير ((فيه)) راجع إلى ((مال)) (فلم يفعل) عطف على قوله: ((كان له مال)) أي: فلم يحج، أو لم يؤد الزكاة (يسأل) بالجزم (الرجعة) أي: يسأل الله أن يرجعه إلى الدنيا؛ ليحج، أو ليؤدي زكاة ماله (اتق الله) أي: فيما تقول (فإنما يسأل الرجعة الكفار) أي: كما قال الله تعالى: ﴿حَّىَ إِذَا جَآءَ لَعَلّى أَعْمَلُ صَلِحًا فِيمَا تَرَّكْتُ﴾ [المؤمنون ٩٩، ١٠٠] الآية. (قال) أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ﴾ أي: ابن عباس (سأتلو) أي سأقرأ (بذلك) أي: بما قلت (﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُذْهِكُمْ﴾) أي لا تشغلكم (﴿أَقْوَلُكُمْ وَلَآَ أَوْلَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اُللَّهِ﴾) أي عن الصلوات الخمس؛ والمعنى: لا تشغلكم أموالكم، ولا أولادكم؛ كما شغلت المنافقين عن ذكر الله (﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾) أي: ومن شغله ماله وولده عن ذكر الله (﴿فَأَوْلَكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾) أي: في تجارتهم؛ حيث آثروا الفاني على الباقي (﴿وَأَنْفِقُواْ مِن ◌َا رَزَقْلَكُمْ﴾) قال ابن عباس: يريد زكاة الأموال (﴿مِّن قَبّلِ أَنْ يَأْتِى أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾﴾ أي: دلائل الموت، ومقدماته، وعلاماته؛ فيسأله الرجعة (﴿فَيَقُولَ رَبٍّ لَوْلَا أَخْتَنِيَّ﴾﴾ أي: هلا أخرتني. وقيل: لو أخرت أجلي (﴿إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّذَّفَ﴾) أي: فأزكي مالي، وأصْلُ أصَّدَّق: أتصدق؛ فأبدلت التاء بالصاد، وأدغمت الصَّاد في الصاد وتمام الآية ﴿وَأَكُ﴾ بالجزم عطفًا على موضع ((فأصدق)) كأنه قيل: إن أخرتني - أصدق ((وأكن)) وقرئ و((أكون)) بالنصب عطفًا على اللفظ (١) ﴿مِنَ الصَّلِينَ﴾ ﴿وَلَنْ (١). وأكون: بالنصب قراءة أبي عمرو، كما قال النسفي (٤/ ٢٦٠). ٢١٦ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وََّ / باب ((وَمِن سُورةٍ ﴿النَّغَابِ﴾)) ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: ١٠، ١١] قَالَ: فَمَا يُوجِبُ الزَّكاةَ؟ قَالَ: إِذَا بَلَغَ المَالُ مِائَتَي درهم فَصَاعِداً، قَالَ: فَمَا يُوجِبُ الحَجَّ؟ قَالَ: الزَّادُ والبَعِيرُ. [ضعيف الإسناد، أبو جناب، ضعيف]. [ت ٦٣، م٦] حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَن يَحْيَى بْنِ أبِي حَيَّةَ، عَن الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهَ بِنَحْوِهِ، وقال: هَكَذَا رَوَى سفيان بْنُ عُيَيْنَةَ، وغَيْرُ وَاحِدٍ، هَذَا الحَدِيثِ، عَن أبي جَنَّابٍ، عَن الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ، ولَمْ يَرْفَعُوهُ، وَهذَا أصحُ مِن رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وأَبُو جَنَّابِ القصاب اسْمُهُ: يَحْيَى بْنُ أبي حَيَّةَ، وَلَيْسَ هُوَ بِالقَوِيِّ في الحَدِيثِ. ٦٤ - باب ((وَمِن سُورةٍ ﴿النَّغَابُنِ﴾)) [ت ٦٤، ١٣] بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَمَةِ [٣٣١٧] (٣٣١٧) حَدَّثَنَا محمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ ١ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا﴾ عن الموت ﴿إِذَا جَآءَ أَجَلُهَا﴾ المكتوب في اللوح المحفوظ (﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾) يعني: أنه لو رد إلى الدنيا، وأجيب إلى ما سأل - ما حج، وما زكى (قال) أي: الرجل (إذا بلغ المال مائتي) أي: من الدراهم. قوله: (وهذا أصح من رواية عبد الرزاق) أي: هذا الحديث الموقوف: أصح من المرفوع (وليس هو بالقوي) وقال الحافظ ابن كثير: رواية الضحاك، عن ابن عباس فيها انقطاع. ٦٤ - باب ومن سورة التغابن (١) مَدَنِيَّةٌ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ وَقِيلَ: هِيَ مَكِّيَةً إِلَّا ثَلَاث آيَاتٍ مِنْ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِنَّ مِنْ أَزْوَتِكُمْ وَأَوَلَدِكُمْ﴾ إلَى آخِرِ ثَلَاثِ آيَاتٍ، وَهِيَ ثَمَانِيَ عَشَرَةَ آيَةً . [٣٣١٧] قوله: (حدثنا محمد بن يحيى) الظاهر أنه الإمام الذهلي (حدثنا محمد بن (١) هي مدنية في قول الأكثر، وقال الضحاك: هي مكية. وقال الكلبي: مدنية ومكية، كما ذكر الشوكاني (٢٣٤/٥). ٢١٧ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ / باب ((وَمِن سُورةٍ ﴿النَّغَائُ))) يُوسُفَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، حَدَّثَنَا سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، عَن عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ هَذِهِ الآيةِ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنََّ مِنْ أَزْوَجِكُمْ وَأَوْلَدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَأَحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤]، قَالَ: هَؤُلَاءِ رِجَالٌ أسْلَمُوا مِن أهْلِ مَكَّةَ، وَأرَادُوا أَنْ يَأْتُوا النَّبِيَّ ◌َّهِ فَأَبَى أَزْوَاجُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ أنْ يَدَعُوهُمْ أنْ يَأْتُوا رَسُولَ اللهِوَهِ، فَلَمَّا أَتَوْا رَسُولَ الله ◌َِّ رَأوا النَّاسَ قَدْ فَقُهُوا فِي الدِّينِ هَمُّوا أنْ يُعَاقِبُوهُمْ؛ فَأَنْزَلَ الله عزَّ وَجَلَّ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِنَّ مِنْ أَزْوَِكُمْ وَأَوْلَدِكُمْ عَدُوَّ لَّكُمْ فَأَحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤] الآيةَ. قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. يوسف) الضبي، مولاهم الفريابي (حدثنا إسرائيل) هو: ابن يونس. قوله: (وسأله رجل) الواو للحال (عن هذه الآية) أي: عن تفسيرها (﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ مِنْ أَزْوَحِكُمْ وَأَوَلَدِكُمْ عَدُوَّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾) أي: أن تطيعوهم في التخلف عن الخير؛ كالجهاد والهجرة؛ فإن سبب نزول الآية: الإطاعة في ذلك (قال) أي: ابن عباس (أن يأتوا النبي ◌َ ﴾﴾ أي: مهاجرين من مكة إلى المدينة (أن يدعوهم) أي: يتركوهم (رأوا الناس) أي: الذين سبقوهم في الهجرة (همّوا) كذا في النسخ الحاضرة، وفي رواية ابن أبي حاتم ((فَهَمُّوا)) بالفاء، وهو الظاهر؛ أي: فأرادوا (أن يعاقبوهم) أي: يعذبوا أزواجهم وأولادهم الذين منعوهم عن الهجرة (﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ مِنْ أَزْوَجِكُمْ وَأَلَدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ﴾) أي: إن من الأزواج أزواجًا، والأولاد أولادًا يعادونكم ويشغلونكم عن الخير وعن طاعة الله، أو يخاصمونكم في أمر الدين والدنيا، ويدخل في ذلك سبب النزول دخولًا أوليًا (﴿فَأَحْذَرُوهُمْ﴾) أي: أن تطيعوهم في التخلف عن الخير (الآية) بقية الآية ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ قال الخازن: هذا فيمن أقام على الأهل والولد، ولم يهاجر، ثم هاجر؛ فرأى الذين قد سبقوه بالهجرة قد فقهوا في الدين؛ فهم أن يعاقب زوجته وولده الذين ثبطوه ومنعوه عن الهجرة؛ لما ألحقوا به، ولا ينفق عليهم، ولا يصيبهم بخير؛ فأمره الله بالعفو والصفح عنهم. انتهى. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه ابن أبي حاتم، وابن جرير، والطبراني(١). (١) ابن أبي حاتم (٣٣٥٨/١٠) (١٨٩٠٤)، وابن جرير في ((التفسير)) (١٢٤/٢٨)، والطبراني في «الكبير» (١١٧٢٠). ٢١٨ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ / باب ((وَمِن سُورةٍ ﴿التحريم))) ٦٥ - باب ((وَمِن سُورةٍ ﴿التحريم))) [ت ٦٥، ١٢] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ [٣٣١٨] (٣٣١٨) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَن مِعْمَرٍ، عَن الزُّهْرِيِّ، عَن عُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ الله بْنِ أبِي ثَوْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابنَ عَبَّاسِ رِّ يَقُولُ: لَمْ أزَلْ حَرِيصاً أنْ أسْأَلَ عُمَرَ عَنِ المَرْأتَيْنِ مِن أَزْوَاج النبيِّ بَّهِ اللَّتَيْنِ قَالَ الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِن نَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُّكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، حَتَّى حَجَّ عُمَرُ، وَحَجَجْتُ مَعَهُ، فَصَبَيْتُ عَلَيْهِ مِنَ الإِدَاوَةِ فَتَوَضّاً، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، من المَرأْتَانِ مِن أَزْوَاجِ النبيِّ وَّةِ اللّتَانِ قَالَ الله: ﴿إِن نَنُوبَآ إِلَى الَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَئُهُ﴾ [التحريم: ٤] فَقَالَ لِي: وَاعجَبَاً، لَكَ يا ابْنَ عَبَّاسٍ! ٦٥ - بَاب وَمِنْ سُورَةِ التَّحْرِيمِ مدَنِيَّةٌ(١) وَهِيَ اثْنَا عَشْرَةَ آيَة [٣٣١٨] قوله: (لم أزل حريصًا أن أسأل عمر) أي: على أن أسأله، وفي رواية البخاري في ((التفسير)) مَكَثْتُ سَنَّةً أُرِيْدُ أنْ أَسأَلَ عُمَرَ عَنِ آيَةٍ، فَمَا أستطِيعُ أنْ أَسأَلُهُ هَيْبَةً لَهُ ((اللتين قال الله) أي: في حقهما (﴿إِن تَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ﴾ [التحريم: ٤]) خطابًا لحفصة وعائشة على طريقة الالتفات؛ ليكون أبلغ في معاتبتهما، وجواب الشرط محذوف؛ أي: إن تتوبا إلى الله؛ فهو الواجب، ودلَّ على المحذوف قوله: (﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]) أي: مالت عن الواجب في مخالصة رسول الله وَ ل من حب ما يحبه، وكراهة ما يكرهه، ووجد منكما ما يوجب التوبة، وهو أنهما أحبتا ما كرهه رسول الله وَل﴾ (حتى حج عمر) أي: خرج حاجًا، وفي رواية البخاري(٢) في ((التفسير)): ((حتَّى خَرَجَ حَاجًا فَخَرَجْتُ مَعَهُ فَلَمَّا رَجَعْتُ وَكُنَّا بِبَعْضٍ الطَّريقِ عَدَلَ إِلَى الأَرَاكِ لِحَاجَة لَهُ)) (واعجبًا لك) قال الحافظ: يجوز في عجبًا التنوين وعدمه. قال ابن مالك (وا)) في قوله: ((واعجبًا)) إن كان منونًا - فهو: اسم فعل؛ بمعنى: أعجب. ومثله ((واهًا))، و((وى)) وقوله بعده: ((عجبًا)) جيء بها تعجبًا وتوكيدًا، وإن كان بغير تنوين؛ فالأصل فيه وَاعَجَبِي؛ فأبدلت الكسرة فتحة، فصارت الياء ألفًا، كقولهم: يا أسفا، ويا حسرتا وفيه: شاهد لجواز استعمال ((وا)) في منادى غير مندوب، وهو مذهب المبرد؛ (١) قال القرطبي (١٨/ ١٧٧) هي مدنية في قول الجميع، وتسمى سورة ((النبيّ). (٢) البخاري، كتاب تفسير القرآن، حديث (٤٩١٣). ٢١٩ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌َّهِ / باب ((وَمِن سُورةٍ ﴿التحريم))) قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَكَرِهَ والله مَا سَأَلَهُ عَنْهُ وَلَمْ يَكْتُمْهُ، فَقَالَ: هِيَ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ، قَالَ: ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُنِي الحَدِيثَ، فَقَالَ: كُنَّا مِعْشَرَ قُرَيْشِ نَغْلِبُ النِّسَاءَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ، وَجَدْنَا قَوْماً تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ، فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَتَعَلّمْنَ مِن نِسَائِهِمْ، فَتَغَضَّبْتُ عَلَى امْرأْتِي يَوْمَاً، فَإِذَا هِيَ تُرَاجِعُنِي، فَأَنْكَرْتُ أنْ تُرَاجِعِي، فَقَالَت: ما تُنْكِرُ مِن ذَلِكَ؟ فَوَ الله إنَّ أَزْوَاجَ النبيِّ وَّهِ لَيُرَاجِعْنَهُ وَتَهْجُرُهُ إِحْدَاهُنَّ الْيَوْمَ إلى اللّيْلِ، قَالَ: قُلْتُ في نَفْسِي: قَدْ خَابَتْ مَن فَعَلَتْ ذَلِكَ مِنْهُنَّ وَخسِرَتْ، قَالَ: وكَانَ مَنْزِلِي بالعَوَالِي فِي بَنِي أَمَيَّةَ، وَكَانَ لِي جَارٌ مِنَ الأنْصَارِ، كُنَّا نَتَنَاوَبُ النّزُولَ إلى رَسُولِ اللهِ وَّهِ فَيَنْزِلُ يَوْماً فَيَأْتِينِي وهو مذهب صحيح. قال: وتعجب عمر من ابن عباس مع شهرته بعلم التفسير؛ كيف خفي عليه هذا القدر مع شهرته وعظمته في نفس عمر، وتقديمه في العلم على غيره، ومع ما كان ابن عباس مشهورًا به من الحرص على طلب العلم، ومداخلة كبار الصحابة وأمهات المؤمنين فيه؟! وتعجب من حرصه على طلب فنون التفسير حتى معرفة المبهم (قال الزهري: وكره والله ما سأله عنه، ولم يكتمه) قال الحافظ: واستبعد القرطبي ما فهمه الزهري، ولا بعد فيه (هي عائشة وحفصة) وفي رواية البخاري في ((النكاح)) ((همَا عَائِشَةُ وَحَفْصَةٌ)) (ثم أنشأ) أي: شرع عمر (يحدثني الحديث) أي: القصة التي كانت سبب نزول الآية المسؤول عنها (معشر قريش) منصوب على الاختصاص (نغلب النساء) أي: نحكم عليهن، ولا يحكمن علينا؛ بخلاف الأنصار؛ فكانوا بعكس من ذلك (فَطَفِقَ) بكسر الفاء، وقد تفتح؛ أي: جعل وأخذ (يتعلمن من نسائهم) وفي رواية البخاري: ((يَأْخُذْنَ مِنْ أَدَبِ نِسَاءِ الأنْصَارِ)) قال الحافظ: أي: من سيرتهن وطريقتهن. (فإذا هي تراجعني) من المراجعة؛ أي: تراددني في القول، وتناظرني فيه (فقالت: ما تنكر من ذلك) وفي رواية البخاري: ((قَالَتْ: وَلِمَ تُنْكِرُ أَنْ أُراجِعَكَ؟)) (وتهجره إحداهنَّ اليوم إلى الليل) أي: من أول النهار إلى أن يدخل الليل (قد خابت) من الخيبة؛ وهي: الحرمان والخسران (وكان منزلي بالعوالي) جمع عالية؛ وهي قرى بقرب المدينة مما يلي المشرق، وكانت منازل الأوس (في بني أمية) أي: ناحية بني أمية؛ سميت البقعة باسم من نزلها (وكان لي جار من الأنصار) اسمه: أوس بن خولي بن عبد الله بن الحرث الأنصاري، أو: عتبان بن مالك، والأول هو الأرجح؛ لأنه منصوص عليه عند ابن سعد، والثاني استنبطه ابن بشكوال من المواخاة بينهما، وما ثبت بالنص مقدم، قاله القسطلاني (كنا تتناوب النزول) أي: من العوالي؛ أي: كنا نجعله نوبًا (فينزل) أي: جاري الأنصاري (فيأتيني ٢٢٠ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّ/ باب ((وَمِن سُورةٍ ﴿التحريم))) بِخَبَرِ الوَحْرٍ وَغَيْرِهِ، وَأَنْزِلُ يَوْماً فَآتِيهِ بِمِثْلٍ ذَلِكَ، قَالَ: وَكُنَّا نُحَدِّثُ أنَّ غَسَّانَ تَنْعِلُ الخيْلَ لِتَغْزُونَا، قَالَ: فَجَاءِي يَوْماً عِشَاءً، فَضَرَبَ عَلَيَّ البَابِ فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: حَدَثَ أمْرٌ عَظيمٌ، قُلْتُ: أجَاءتْ غَسَّانُ؟ قَالَ: أَعْظَمُ مِن ذَلِكَ، طَلّقَ رَسُولُ اللهِ الَّ نِسَاءهُ؛ قَالَ: فَقُلْتُ في نَفْسِي: قَدْ خَابَتْ حَفْصَةُ وَخَسِرَتْ، قَدْ كُنْتُ أظُنُّ هذَا كَائِناً: قَالَ: فَلَمَّا صَلّيْتُ الصُّبْحَ شَدَدْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي، ثُمَّ انْطَلَقْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، فَإِذَا هِيَ تَبْكِي، فَقُلْتُ أَطَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللهِلَ؟ قَالَت: لا أدْرِي، هُوَ ذَا مُعْتَزِلٌ في هَذِهِ المَشْرُبَةِ، قَالَ: فَانْطَلقْتُ فَأَتَيْتُ غُلَاماً أسْرَدَ، فَقُلْتُ: اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ، قَالَ: فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ إليَّ، قَالَ: قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئاً، قَالَ: فَانْطَلَقْتُ إلى بخبر الوحي وغيره) أي: من الحوادث الكائنة عند النبي بل. وفي رواية ابن سعد: ((لا يَسْمَعُ شَيْئًا إِلَّا حَدَّثَهُ بِهِ، ولَا يَسْمَعُ عُمَرُ شَيْئًا إِلا حَدّثَهُ بِهِ)) (وكنا نحدث) وفي رواية مسلم: ((فكُنَّا نَتَحَدَّثُ)) (أن غسّان) بفتح الغين المعجمة، وتشديد السين المهملة، غير منصرف؛ أي: قبيلة غسّان، وَمَلِكُهُمْ في ذلك الوقت: الحارثُ بْنُ أبي شمر؛ وهم كانوا بالشام (تنعل الخيل) بضم التاء: من الإنعال، يقال: نَعَلْت وانْتَعَلْتَ: إذا لَبِسْتَ النعل، وأنْعَلْتَ الخيل: إذا أَلْبَسْتَها؛ وهو كناية عن استعدادهم للقتال مع أهل المدينة (قال) أي: عمر (فجاءني) أي: جاري (فضرب على الباب) أي: ضربًا شديدًا؛ كما في رواية البخاري (قال: أعظم من ذلك) أي: بالنسبة إلى عمر؛ لكون حفصة بنته (طلق رسول الله وَّر نساءه) إنما وقع الجزم بالطلاق؛ لمخالفة العادة بالاعتزال؛ فظن الطلاق (قد كنت أظن هذا كائنًا) لما كان تقدم له من أن مراجعتهن قد تُفْضي إلى الغضب المُفْضِي إلى الفرقة (شددت عَلَيّ) بتشديد الياء. (ثيابي) فيه: استحباب التجمل بالثوب والعمامة ونحوهما عند لقاء الأئمة والكبار، احترامًا لهم (في هذه المشربة) بفتح الميم، وسكون الشين المعجمة، وضم الراء، وفتحها (١)؛ وهي: الغرفة (قال: فانطلقت) أي: فخرجت من عند حفصة (فأتيت غلامًا أسود) وفي رواية البخاري (٢) في ((التفسير)): ((فَإِذَا رَسُولُ اللهِ بَّهَ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ يَرقَى عَلَيْهَا بِعجلَةٍ وَغَلَامِ لِرَسولِ الله ◌ََّ أَسْوَدَ عَلَى رَأْسِ الدَّرَجَةِ)). قال الحافظ: اسم هذا الغلام: رَبَاح؛ بفتح (١) والمَشْرَبة: بفتح الميم وسكون الشين وفتح الراء: الموضع الذي يشرب منه الناس أيضًا، كما في المصباح المنير (شرب). (٢) البخاري، كتاب تفسير القرآن، حديث (٤٩١٣).