Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ◌ِّ / باب ((وَمِن سُورةٍ ﴿وَالنَّجْرِ﴾))
﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَ﴾ [النجم: ٩] فَقَالَ: أَخْبَرَني ابنُ مَسْعُودٍ؛ أنَّ النَّبِيَّ ◌َلِّ رأى
جِبْرِيلَ، وَلَهُ سِتُّمائَةِ جَنَاحِ. [خ: ٣٢٣٢، م: ١٧٤، حم: ٣٧٤٠].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صحيحٌ.
قوله: (﴿فَكَانَ﴾ [النجم: ٩]) أي: جبرائيل من النبيِّ وَّ (﴿قَابَ﴾ [النجم: ٩]) أي: قَدْر
﴿﴿قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْفَ﴾ [النجم: ٩]) أي: أقرب من ذلك، زاد البخاري في رواية: ((فأوحى إلى عبده
ما أوحى)) (فقال) أي: زِرُّ بن حُبَيْشٍ (رأى جبريل) أي: في صورته مرتين: مرَّةً بالأرض في
الأفق الأعلى، ومرة في السماء عند سدرة المنتهى، قال الحافظ: الحاصل أن ابن مسعود
كان يذهب في ذلك إلى أن الذي رآه النبيُّ ◌َله هو جبريل؛ كما ذهبت إلى ذلك عائشة،
والتقدير ــ عَلَى رأيه - فأوحى، أي: جبريل إلى عبده، أي: عبد الله محمد؛ لأنه يرى أن
الذي دنا فتدلَّى، هو: جبرائيل، وأنه هو الذي أوحَى إلى محمد، وكلام أكثر المفسرين من
السلف يَدُلُّ عَلَى أن الذي أوحى هو الله، أوحى إلى عبده محمد، ومنهم من قال: إلى
جبريل. انتهى. وقال ابن القَيِّم في ((زاد المعاد)): أما قوله تعالى في سورة النجم: ﴿ثُمَّ دَنَا
فَتَدَلَّ﴾ [النجم: ٨] فهو غير الدُّنُّو والتدلِّي في قِصةِ الإسراء، فإن الذي في سورة النجم هو دُنُوُّ
جبريل وتدليه؛ كما قالت عائشة وابن مسعود، والسياق يدلُّ عليه؛ فإنه قال: ﴿مَّهُ شَدِيدُ
ثُمَّ دَنَا فَنَدَلَّ﴾ [النجم: ٦
وَهُوَ بِلْأُمُشِّ الْأَعَْ (®
اُلْقُوَى﴾ [النجم: ٥] وهو: جبريل، ﴿ذُو مِرَّةٍ فَأَسْتَوَى (®
- ٨] فالضمائر كلها راجعة إلى هذا المعلِّم الشديدِ القُوَى، وهو: ذو المرَّة، أي: القوة، وهو
الذي استوَى بالأفق الأعلَى، وهو الذي دنا فتدلَّى، فكان من محمد بَّهِ: ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ
أَدْفَ﴾ [النجم: ٩]، فأما الدنو والتدلِّي الذي في حديثِ الإسراءِ - فذلك صريحٌ في أنه دنو الرب
تبارك وتعالى وتدليه، ولا تعرُّض في سورة النجم لذلك، بل فيها أنه: ﴿رَءَهُ نَزْلَةٌ أُخْرَى
١٣
عِنْدَ سِدْرَةِ الُْنَفَى﴾ [النجم: ١٣ -١٤] وهذا هو: جبريل رآه محمد ◌َّهِ على صورته مرتين: مرَّةً في
الأرض، ومرة عند سدرة المُنْتَھَى. انتهى.
قوله: (هذا حديث حسن غريب صحيح)، وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي(١).
(١) النسائي في ((الكبرى)) حديث (١١٥٣٤).

١٦٢
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَه / باب ((وَمِن سُورةٍ ﴿وَالنَّجْرِ﴾))
[ت ٥٣، م٢]
[٣٢٧٨] (٣٢٧٨) حَدَّثَنَا ابنُ أبي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن مُجَالِدٍ، عَن
الشَّعْبِيِّ، قَالَ: لَقِيَ ابنُ عَبَّاسٍ كَعْباً بِعَرَفَةَ، فسَأَلَهُ عَن شَيْءٍ، فَكَبَّرَ حَتَّى جَاوَبَتْهُ
الجِبَالُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: إِنَّا بَنُو هَاشِم، فَقَالَ كَعْبٌ: إنَّ الله قَسَمَ رُؤْيَتَهُ وَكَلَامَهُ بَيْنَ
مُحمَّدٍ وَمُوسى، فَكَلَّمَ مُوسى مَرَّتَيْنِ، وَرَاهُ مُحَمَّدٌ مَرَّتَيْنٍ.
قَالَ مَسْرُوقُ: فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، فَقُلْتُ: هلْ رَأَى مُحمَّدٌ رَبَّهُ؟ فَقَالَت: لَقَدْ
تَكَلَّمْتَ بِشَيْءٍ قَفَّ لَهُ شَعْرِي، قُلْتُ: رُوَيْداً، ثُمَّ قَرأْتُ: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ
اُلْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨] قَالَت: أيْنَ يُذْهَبُ بِكَ؟ إنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ، مَن أَخْبَرَكَ أنَّ مُحمداً
[٣٢٧٨] (حدثنا سفيان) هو: ابن عيينة، (عن مجالد) هو ابن سعيد، (لقي ابن عباس
كعبًا) هو: كعب بن ماتع الحميري، أبو إسحاق المعروف بكعب الأحبار، ثقة، من الثانية،
مخضرم، كان من أهل اليمن، فسكن الشام، مات في خلافة عثمان، وقد زاد على المائة،
(فسأله) أي: كعبًا (فكبر) أي: كعبٌ، (حتى جاوبته الجبال) أي: كَبَّر تكبيرةً مرتفعًا بها
صوته، حتى جاوبته الجبال بالصدى؛ كأنه استعظم ما سأل عنه، فكبّر لذلك، ولعل ذلك
السؤال رؤية الله تعالَى؛ كما سئلت عائشة - رضّا - فَقفَّ لذلك شعرها، قاله الطيبي - رحمه الله
- (إنا بنو هاشم) قال الطيبيُّ: هذا بعث له على التسكين من ذلك الغيظ، والتفكّرٍ في
الجواب، يعني: نحن أهلُ علم ومعرفة؛ فلا نسأل عما يستبعد هذا الاستبعاد، ولذلك فكّر،
فأجاب بقوله: ((إن الله قسم)) إلى آخره، (فكلم) أي: الله سبحانه وتعالى (مرتين) أي: في
الميقاتين، (ورآه محمد) أي: في المعراج (مرتين)؛ كما يدلُّ عليه قوله سبحانه وتعالى:
﴿ وَلَقَدْ رَءَهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣]؛ فهذا يدل على أن مذهب كعب: أن الضمير في ((رآه))
إلى الله لا إلى جبريل؛ بخلاف قول عائشة، (فدخلْتُ على عائشة) ظاهره: أنه كان حاضرًا
في مجلس كعب وابن عباس - رضي﴿ًّا - وسمع ما جرَى بينهما، (قَفَّ له شعري) أي: قام من
الفزع؛ لما حصل عندها من عظمة الله وهيبته، واعتقدته من تنزيهه واستحالة وقوع ذلك، قال
النضر بن شُمَيْل القَفُّ - بفتح القاف وتشديد الفاء - كالقُشْعَرِيرَةِ، وأصله التقبُّض والاجتماع؛
لأن الجلد ينقبض عند الفزع فيقوم الشعر كذلك، (قلت: رويدًا) أي: امهلي ولا تعجلي،
(ثم قرأت: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُرَةِ﴾) قال الطيبي: أي: قرأت الآيات التي خاتمتها هذه
الآية، كما تشهد له الرواية الأخرى، أعني: قوله: ((قُلْتُ لعائشة)) فَأَيْنَ قوله: ثم دنا. انتهى.

١٦٣
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله وَِّ / باب ((وَمِن سُورةٍ ﴿وَالنَّجْرِ)))
رأى رَبَّهُ أوْ كَتَمَ شَيْئاً مِمَّا أُمِرَ بِهِ أوْ يَعْلَمُ الخَمسَ الَّتِي قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ.
عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُغَزِّكُ اٌلْغَيْثَ﴾ [لقمان: ٣٤]، فَقَدْ أعْظَمَ الفِرْيَةَ، وَلكِنَّهُ رأى جِبْرِيلَ، لَمْ
يَرَهُ في صُورَتِهِ إِلَّا مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى، ومَرَّةً في جِيَادٍ لَهُ سِتُّمِائَةٍ جَنَاحِ قَدْ
سَدَّ الأُفُقَ. [ضعيف، مجالد، ضعيف: ورواه مختصراً دون قصة ابن عباس مع كعب].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وَقَدْ رَوى دَاوُدُ بْنُ أبي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبيِّ، عَن مَسْرُوقٍ عَن
عَائِشَةَ عَن النبيِّ بِّهِ نَحْوَ هَذَا الحَدِيثِ، وحَديثُ دَاوُدَ، أقْصَرُ مِن حَدِيثِ مُجَالِدٍ.
[ت ٥٣، م٣]
[٣٢٧٩] (٣٢٧٩) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نَبْهَانَ بْنِ صَفْوَانَ البَصْرِيُّ الثّقَفِيُّ،
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ كَثِيرِ العَنْبَرِيُّ أبو غَسَّانَ، حَدَّثَنَا سَلْمُ بْنُ جَعْفَرٍ،
قلت: في الرواية التي أخرجها الترمذيُ(١) في تفسير سورة الأنعام: ((فَقُلْتُ))
يا أم المؤمنين، أنظريني ولا تعجليني؛ أليس الله تعالَى يقول: ﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم:
١٣] و﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ بِلْأَفْئِ آلْمُبِينِ﴾ [التكوير: ٢٣]، فالأمر كما قال الطيبي، (أين يذهب بك) بالبناء
للمفعول أو بالبناء للفاعل، أي: أين يذهب بك قولُهُ تعالى الذي قرأت؟!، وفي ((المشكاة))،
((أَيْنَ تَذْهَبُ بِكَ))، قال الطيبي: أي: أخطأت فيما فهمْتَ من معنى الآية وذهبت إليه، فإسناد
الإذهاب إلى الآية مجاز، (إنما هو) أي: الآية الكبرى، وذكر الضمير باعتبار الخبر، (فقد
أعظم الفرية) بكسر الفاء، أي: الكذب، (في جياد) موضع بأسفل مكة؛ قاله في ((المجمع»،
ووقع في ((المشكاة)) في أَجْيَادٍ بفتح الهمزة وسكون الجيم، قال في ((النهاية)): أَجْيَاد؛ موضع
بأسفل مكة معروف من شعابها، (قد سد الأفق) أي: ملأ أطراف السماء.
وحديث عائشة هذا أخرجه الشيخان، مع زيادة واختلاف، وفي روايتهما قال: قلت لعائشة:
فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَ﴾ [النجم: ٨، ٩] قالت: ذاك جبريل - عليه السلام
فأين قوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَدَلَ
- كان يأتيه في صورة الرجل، وأنه أتاه بهذه المرة في صورته التي هي صورته، فَسَدَّ الأفق، (وقد
روى داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق عن عائشة إلخ) أخرج هذه الرواية الترمذيُّ في
تفسير سورة الأنعام، وتقدَّم الكلام هناك مبسوطًا في أنه وّ رأى ربه ليلة الإسراء أم لا؟.
[٣٢٧٩] قوله: (حدثنا سلم بن جعفر) بفتح السين وسكون اللام، البكراوي؛ أبو جعفر
(١) الترمذي، كتاب تفسير القرآن، حديث (٣٠٦٨).

١٦٤
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ / باب ((وَمِن سُورةٍ ﴿وَالنَّجْرِ﴾))
عَن الحَكَمِ بْنِ أَبَانٍ عَن عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: رأى مُحمَّدٌ رَبَّهُ، قُلْتُ:
ألَيْسَ الله يَقُولُ: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ اٌلْأَبْصَرَّ﴾ [الأنعام: ١٠٣] قَالَ: وَيْحَكَ
ذَاكَ. إِذَا تَجَلَّى بِنُورِهِ الَّذِي هُوَ نورُهُ، وَقَالَ: أُرِيَهُ مَرَّتَيْنِ.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِن هذَا الوَجْهِ .
[ت ٥٣، م٤]
[٣٢٨٠] (٣٢٨٠) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأمَوِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا
مُحمَّدُ بْنُ عمرٍو، عَن أبي سلَمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ في قَوْلِ الله: ﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةٌ
أُغْرَى ®
عِندَ سِدْرَةِ الْمُنَفَى﴾ [النجم: ١٣، ١٤] ﴿فَأَوْحَ إِلَى عَبْدِهِ، مَآ أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠]
﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَ﴾ [النجم: ٩]، قَالَ ابنُ عَبّاسٍ: قَدْ رَاهُ النبيُّ ◌َه. [ م: ١٧٦].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
الأعمى، قال ابن المديني: من أهل اليمن، صدوق تكلّم فيه الأزدي بغير حجة، من الثامنة،
(عن الحكم بن أبان) العدني أبي عيسى، صدوق، عابد، له أوهام، من السادسة.
قوله: (رأى محمد ربه) كذا أطلق الرؤية في هذه الرواية، وفي الرواية الآتية ((رآهُ بِقَلْبِهِ))
(ويحك) قال في ((النهاية)): وَيْحٌ: كلمة ترجم وتوجع، تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها،
وقد يقال بمعنى المدح والتعجب، وهي منصوبةٌ على المصدر، وقد ترفَعُ، وتضافُ ولا
تضاف؛ يقال وَيْحَ زَيْدٍ، وَيْحًا لَهُ، ووَيْحٌ لَهُ، (ذاك) أي: عدم إدراك الأبصار إياه سبحانه
وتعالَى ليس مطلقًا؛ بل (إذا تجلى) أي: ظهر (بنوره الذي هو نوره)؛ فحينئذٍ، لا تدركه
الأبصار؛ وحاصله: أن المراد بالآية: نفي الإحاطة عند رؤياه لا نفي أصل رؤياه، والظاهر:
أن ابن عباس أخذ هذا من قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَئًا وَخَرَّ مُوسَى
صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣].
[٣٢٨٠] قوله: (حدثنا محمد بن عمرو) هو: ابن علقمة، (عن أبي سلمة) بن
عبد الرحمن بن عوف.
قوله: (عن ابن عباس، في قول الله: ﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ إلى قوله: قال ابن عباس:
قد رآه النبي (18)، كذا روى الترمذي هذا الحديث بهذا اللفظ، ورواه ابن جرير في تفسيره
بِعَيْنِ سند الترمذي هكذا، عن ابن عباس في قول الله: ﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى (٣) عِنْدَ سِدْرَةِ

١٦٥
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّةِ / باب ((وَمِن سُورةٍ ﴿وَالنَّجْرِ﴾))
[٣٢٨١] (٣٢٨١) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عِبْدُ الرزّاقِ، وَابنُ أبي رِزْمَةَ،
وَأَبُو نُعَيم، عَن إِسْرَائِيلَ، عَن سِمَاكِ، عَن عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا
رَأَى﴾ [النجم: ١١]، قَالَ: رَآهُ بِقَلْبِهِ. [م: ١٧٦].
قَالَ: هَذَا حَديثٌ حَسَنٌّ.
[ت ٥٣، م ٥]
[٣٢٨٢] (٣٢٨٢) حَدَّثَنَا مَحمُودُ بْنُ غَيْلانَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَيَزِيدُ بْنُ هارُونَ،
عَن يزِيدَ بْنِ إِبْراهِيمَ، التُّسْتَرِيِّ، عَن قَتَادَة، عَن عبدِ الله بْنِ شَقيقٍ، قَالَ: قُلْتُ لأبي
ذَرٍّ: لَوْ أدْرَكْتُ النبيَّ وَّهِ فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: عَمّا كُنْتَ تَسْأَلُه؟ قَالَ: كُنْتُ أسْأَلُهُ: هَلْ
رَأى مُحمَّدٌ رَبّهُ؟ فَقَالَ: قَدْ سَألْتُهُ؟ فَقَالَ: ((نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ)). [م: ١٧٨، حم: ٢٠٨٠٦].
المَُهَى﴾ [النجم: ١٣، ١٤]، قال: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَ ﴿﴿ فَأَوْحَىَ إِلَى عَبْدِهِ مَآ أَوْحَى﴾، قال:
قال ابن عباس: قد رآه النبي وَلـ
[٣٢٨١] قوله: (قال: رآه بقلبه) أي: قال ابن عباس: رأى النبيُّ وَّهِ رَبَّهُ بقلبه، قال
الواحدي: وكذا قال أبو ذَرِّ وإبراهيم التيمي: رآه بقلبه، قال: وعَلَى هذا: رأى ربه بقلبه رؤيةً
صحيحة، وهو أن الله تعالَى جعل بصره في فُؤَادِهِ أو خَلَقَ لفؤاده بَصَرًا؛ حتى رأى ربه رؤية
صحيحةً؛ كما يرى بالعين. انتهى. وقال الحافظ: جَاءَتْ عن ابن عباس أخبارٌ مطلقةٌ،
وأخرى مقيدة، أي: بالفؤاد؛ فيجبُ حمْلُ مطلقها على مقيدها .
قوله: (هذا حديث حسن)، وأخرجه ابن جرير في ((تفسيره))، وأخرجه مسلم(١) من طريق
أبي العالية، عن ابن عباس قال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَ﴾ [النجم: ١١]، ﴿وَقَدْ رَوَاهُ نَزْلَةٌ أُخْرَى﴾
[النجم: ١٣]، قال: رآه بفؤاده مرتين.
[٣٢٨٢] قوله: (فقال: نور أَنَّى أراه)، وفي رواية لمسلم: فقال: ((رَأَيْتُ نُورًا))، قال
النووي: قوله {وَّ﴾: ((نُورٌ أَنَّى أرَاهُ)) هو بتنوين ((نُور))، وبفتح الهمزة في ((أَنَّى)) وتشديد النون
المفتوحة، وَأَرَاهُ بفتح الهمزة، هكذا رواه جميع الرواة في جميع الأصول والروايات،
ومعناه: حجابُهُ نورٌ، فكيف أَرَاهُ، قال الإمام أبو عبد الله المازريّ [رحمه الله] الضميرُ في
(١) مسلم، كتاب الإيمان، حديث (١٧٦).

١٦٦
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله وََّ / باب ((وَمِن سُورةٍ ﴿وَالنَّجْرِ﴾))
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
[ت ٥٣، م٦]
[٣٢٨٣] (٣٢٨٣) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ مُوسَى، وابنُ
أبي رِزْمَةَ، عَن إِسْرَائِيلَ، عَن أبي إسْحَاقَ، عَن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ يَزِيدَ، عَن عَبْدِ الله:
﴿مَا كَذَبَ اُلْفُؤَادُ مَا رَأَ﴾ [النجم: ١١] قَالَ: رأى رسُولُ اللهِ وَّهَ جِبْرِيلَ في حُلَّةٍ مِن
رَفْرَفٍ، قَدْ مَلَأَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ. [حم: ٣٨٥٢].
((أَرَاهُ)) عائد على الله سبحانه وتعالى، ومعناه: أن النور منعني من الرؤية؛ كما جَرَتِ العادةُ
بإغشاء الأنوار الأبصارَ، وَمَنْعِهَا من إدراك ما حَالَتْ بين الرائي وبينه، وقوله ◌َّهُ: ((رَأَيْتُ
نُورًا)) معناه: رأيْتُ النورَ، فَحَسبُ، ولم أرى غيره، قال: وروى نورانيٌّ أراه يعني: بفتح
الراء وكسر النون وتشديد الياء، ويحتمل أن يكون معناه راجعًا إلى ما قلناه، أي: خالق النور
المانع من رؤيته، فيكون من صفات الأفعال، قال القاضي عياض: هذه الرواية لم تقع إلينا
ولا رأيتها في شيء من الأصول.
قوله: (هذا حديث حسن)، وأخرجه مسلم.
[٣٢٨٣] قوله: (أخبرنا عبيد الله بن أبي رزمة) كذا في ((النسخة الأحمدية))، قال في
هامشها: كذا في نسخ، وفي نسخة ((وابن أبي رزمة))، ولا يوجد في ((التقريب)): عبيد الله بن
أبي رِزْمَةَ. انتهى. قلت: النسخة التي فيها: ((وابن أبي رِزْمَة)) بزيادة الواو هي ((الصحيحة))،
وأما النسخ التي فيها: ((عبيد الله بن أبي رزمة)) بحذف الواو - فهي غلط؛ لأنه ليس في الكتب
الستة رَاوٍ اسمه: عبيد الله بن أبي رزمة، وعبيد الله هذا - هو: عبيد الله بن موسى العبسي،
وابن أبي رزمة - هو: عبد العزيز بن أبي رزمة، وهما من شيوخ عبد بن حُمَيْد وأصحاب
إسرائيل بن يونس، (عن أبي إسحاق) السبيعي، (عن عبد الرحمن بن يزيد) بن قيس النخعي،
(عن عبد الله) بن مسعود.
قوله: (رأى رسولُ الله ◌َّهِ جبريل في حُلَّة من رفرف) أي: ديباج رقيق حسنت صنعته
جمعه: رفارف، أو: هو جمع رفرفة، وهذه هي الرؤية الأولَى، وكانت في أوائل البعثة بعد
ما جاءه جبريل - عليه السلام - أول مرة، فأوحى الله إليه صدر سورة ﴿اقْرأْ﴾ [العلق: ١]، ثم
فتر الوحي فترة، ذهب النبي ◌َّ فيها مرارًا؛ ليتردى من رؤوس الجبال؛ فكلما هَمَّ بذلك
اداه جبريل من الهواء: ((يَا محمد، أنت رسولُ الله، وأنا جبريل))، فيسكن لذلك جأشه،

١٦٧
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ / باب ((وَمِن سُورةٍ ﴿وَالنَّجْرِ﴾))
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
[٣٢٨٤] (٣٢٨٤) حَدَّثَنَا أحْمَدُ بْنُ عُثمانَ بن أبي عُثمانَ البَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا
أبُو عَاصِم، عَن زَكَرِيًّا بْنِ إِسْحَاقَ، عَن عَمرِو بْنِ دِينَارٍ، عَن عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:
﴿الَّذِينَ يَجْتَغِبُونَ كَرَ أْإِثْمِ وَالْفَوَحِشَ إِلَّ الََّمْ﴾ [النجم: ٣٢] قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ:
وأيُّ عَبْدٍ لَكَ لا ألَمَّا
إِنْ تَغْفِرِ اللَّهِمَّ تَغْفِرْ جَمَّاً
وتقر عينه، وكلما طال عليه الأمر، عاد لمثلها حتى تَبَدَّى له جبريلُ ورسول الله وَلَّةِ بالأبطَح
في صورته التي خلقه الله عليها، له ستمائة جناح، قد سَدَّ عِظَمُ خلقه الأفق، فاقترب منه
وأوحَى إليه عن الله ما أمره به، فعرف عند ذلك عظمة المَلَكِ الذي جاءه بالرسالة وجلالَةَ
قدره وعُلُوَّ مكانته عند خالقه الذي بعثه إليه.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه ابن جرير(١) في تفسيره.
[٣٢٨٤] قوله: (حدثنا أحمد بن عثمان بن أبي عثمان البصري) يلقَّب: أبا الجوزاء،
بالجيم والزاي، ثقة، من الحادية عشرة(٢)، (حدثنا أبو عاصم) اسمه: الضحاك النبيل.
قوله: (﴿الَّذِينَ يَحْتَنِبُونَ كَرَ آلْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾)، الكبائر: كل ذنب توعّد الله عليه بالنار،
أو: ما عَيَّن له حدًّا، أو ذم فاعله ذمَّا شديدًا، والفواحش: جمع فاحشة، وهي: كُلُّ ذنب فيه
وعيدٌ، أو مختصّ بالزنا ﴿إِلَّا الََّ﴾) بفتحتين، أي: الصغائر؛ فإنهم لا يقدرون أن يجتنبوها،
قال الطيبي: الاستثناء منقطعٌ؛ فإن اللمم: ما قَلَّ وما صَغُرَ من الذنوب، ومنه قوله: ((أَلَمَّ
بالمكانِ))؛ إذا قَلَّ لَبْتُهُ فيه، ويجوز أن يكون قوله ((اللمم)) صفة، و((إلا)) بمعنى ((غير))، فقيل
هو النظرة والغمزة والقُبْلَة، وقيل: الخطرة من الذنب، وقيل: كل ذنب لم يذكر الله فيه حدًّا
ولا عذابًا (٣)، (إِنْ تَغْفِرْ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمًّا) بفتح الجيم وتشديد الميم، أي: كثيرًا كثيرًا، (وَأَ.
عَبْدٍ لَكَ لا أَلَمّا) فعل ماض مفرد، والألف للإطلاق، أي: لم يلم بمعصية؛ يقال: لمَّ، أي:
(١) ابن جرير ((التفسير)) (٤٩/٢٧).
(٢) في نسخة مطبوعة: الحادية عشر، والصواب: الحادية عشرة.
(٣) قال المبرد: أصل اللمم؛ أن يُلِمَّ بالشيء من غير أن يركبه، يقال: ألمَّ بكذا إذا قاربه ولم يخالطه.
وقال الأزهري: العرب تستعمل الإلمام في معنى الدنو والقرب.
وقيل: هو الرجل يلم بذنب ثم يتوب، وبه قال مجاهد والحسن والزهري وغيرهم.
وقيل: هو ذنوب الجاهلية، فإن الله لا يؤاخذ بها في الإسلام.

١٦٨
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهَِِّ / باب ((ومن سُورةٍ ﴿الْقَمَرِ﴾)
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غَريبٌ، لا نَعْرِفُهُ إلَّا مِن حَدِيثٍ
زَكَّرِیَّا بْنِ إِسْحَاقَ.
٥٤- باب ((ومن سُورةٍ ﴿الْقَمَر))) [ت ٥٤، ١٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ
[٣٢٨٥] (٣٢٨٥) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الأعْمَشِ،
عَن إبْرَاهِيمَ، عَن أبي مَعْمَرٍ، عَن ابنِ مَسْعُودٍ رَبِهِ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَه
بِمِنِّى، فَانْشَقَّ القَمَرُ فَلْقَتَيْنِ:
نزل، وأَلَمَّ: إذا فعل اللمم، والبيت لأمية بن الصَّلْتِ، أنشده النبيُّ ◌َّهِ أي: من شأنِكَ غفرانُ
كثير من ذنوب عظام، وأما الجرائمُ الصغيرةُ فلا تنسب إليك، لأن أحدًا لا يخلو عنها، وأنها
مكفرة باجتناب الكبائر، و((إن تغفر)) - ليس للشكّ؛ بل للتعليل؛ نحو: إن كنت سلطانًا، فاعط
الجزيل، أي: لأجل أنك غَفَّار. اغفر جمًّا.
واختلف أقوال أهل العلم في تفسير ((اللمم))، فالجمهور علَى أنه صغائر الذنوب، وقيل:
هو ما كان دون الزنا من القُبْلة والغمزة والنظرة، وكالكذب الذي لا حَدَّ فيه ولا ضَرَرَ، وقيل
غير ذلك، والظاهر الراجح - هو قول الجمهور، والله تعالى أعلم.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب)، وأخرجه ابن جرير.
٥٤ - باب وَمِنْ سُورَةِ الْقَمَرِ
مَكِّيَّةٌ إِلا ﴿سَيُهْزَمُ اْجَمْعُ﴾ الآية، وهي خَمْسٌ وَخَمْسُونَ آيَةً.
[٣٢٨٥] قوله: (عن إبراهيم) هو: النخعي، (عن أبي معمر) اسمه: عبد الله بن سَخْبَرَةَ
الأزدي.
قوله: (بينما نحن مع رسول الله وَل بمنّى فانشق القمر فِلْقتين) بكسر الفاء وسكون اللام،
أي: قطعتين، وفي حديث أنس الآتي: ((فانشق القمر بمكة))، وهذا لا ينافي قول ابن
= وقال نفطويه: هو أن يأتي بذنب لم يكن له بعادة، قال: والعرب تقول: ما تأتينا إلا لماما؛ أي: في الحين بعد
الحین.
قال: ولا يكون أن يلم ولا يفعل؛ لأن العرب لا تقول ((ألمّ بنا)) إلّا إذا فعل، لا إذا همَّ ولم يفعل. كذا في فتح
القدير (١١٣/٥) للإمام الشوكاني بتصرف.

١٦٩
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهَ / باب ((ومن سُورةٍ ﴿الْقَمَرِ)))
فلْقَةٌ مِن وَرَاءِ الجَبَلِ، وفِلْقَةٌ دُونَهُ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ وَهُ: ((اشْهَدُوا))، يَعْنِي:
﴿أَقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١]. [خ: ٣٦٣٦، م: ٢٨٠٠، حم: ٣٥٧٣].
قَالَ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحیحٌ.
[ت ٥٤، م٢]
[٣٢٨٦] (٣٢٨٦) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَن مَعْمَرٍ، عَن
قَتَادَةَ، عَن أَنَسٍ، قَالَ: سَأَلَ أهْلُ مَكَّةَ النَّبِيَّ وَّهَ آيَةً، فانشَقَّ القَمَرُ بِمَكَّةَ مَرَّتَيْنٍ؛
فَتَزَلَت: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنشَقَ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] إلى قَوْلِهِ: ﴿سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌ﴾ [القمر: ٢]
مسعود: ((بينما نحن مع رسول الله (﴿ بمنّى، فانشق القمر)). لأن أنسًا لم يصرِّح بأن النبي
** كان ليلتئذ بمكة، وعلى تقدير تصريحه - فمنی من جملة مكة، وقد وقع عند ابن مردويه:
بيانُ المراد؛ فأخرج من وجه آخر عن ابن مسعود، قال: ((انشق القمر عَلَى عهد رسول الله
وَله، ونحن بمَّة قبل أن نصير إلى المدينة))؛ فوضح أن مراده بذكر ((مَكَّة)) الإشارة إلى أن
ذلك وقع قبل الهجرة، (فلقة من وراء الجبل) أي: جبل حراء، وفي رواية: ((فرقة فوق الجبل
وفرقة دونه))، والمراد أنهما تباينتا، فإحداهما: إلى جهة العلو، والأخرى: إلى السفل،
(اشهدوا) أي: على نبوتي أو معجزتي؛ من الشهادة، وقيل: معناه احضروا وانظروا؛ من
الشهود، (يعني: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنْشَقَّ الْقَمَرُ﴾﴾ أي: قربت القيامة وانفلق القمر فِلْقَتَيْن،
والمعنى: أن هذا الانشقاق الذي هو معجزة من النبي ◌َل*هو المراد في هذه الآية، لا أنه
يقع يوم القيامة، وقد تقدَّم الكلام في انشقاق القمر مبسوطًا في ((باب انشقاق القمر)) من
أبواب الفتن.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه الشيخان.
[٣٢٨٦] قوله: (سأل أهل مكة النبي ◌ّ) هذا من مراسيل الصحابة، لأن أنسًا لم يدرك
هذه القصة، وقد جاءت القصة من حديث ابن عباس، وهو - أيضًا - ممن لم يشاهدها، ومن
حديث ابن مسعود وجُبَيْر بن مُطْعِم وحذيفة، وهؤلاء شاهدوها (آية) أي: علامة دالَّة على
نبوته ورسالته، (فانشق القمر بمكة مرتين)، ووقع في رواية البخاري: ((فَأَرَاهُم الْقَمَرَ
شَقَّتَيْنِ)) (١)، قال الحافظ: ما ملخّصه: وفي رواية لمسلم: ((مرتين)، وفي مصنَّف عبد الرزّاق
(١) في مقابلة تلفزيونية مع عالم الجيولوجيا المسلم، الأستاذ الدكتور زغلول النَّجار، سأله مقدم البرنامج عن هذه =

١٧٠
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وََّ / باب ((ومن سُورةٍ ﴿الْقَمَرِ)))
من معمر بلفظ: ((مرتين)) أيضًا، وكذلك: أخرجه الإمامان أحمد وإسحاق في مسنديهما عن
عبد الرزاق، وقد اتفق الشيخان عليه، من رواية شعبة، عن قتادة بلفظ ((فرقتين))، قال
= الآية: ﴿أَقْتَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنشَقَ الْقَمَرُ﴾: هل فيها إعجازٌ قرآنِيٍّ علمي؟
فأجاب الدكتور زغلول قائلًا: هذه الآية لها معي قصّة. فمنذ فترة كنتُ أحاضِرُ في جامعة (كارديف) في غرب
بريطانيا، وكان الحضور خليطًا من المسلمين وغير المسلمين، وكان هناك حوار حيٌّ للغاية عن الإعجاز العلمي
في القرآن الكريم وفي أثناء هذا الحوار، وقف شابٌّ من المسلمين وقال: يا سيدي هل ترى في قول الحق
تبارك وتعالى: ﴿أَقْتَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنشَقَّ الْقَمَرُ﴾ لمحة من لمحات الإعجاز العلمي في القرآن الكريم؟ فأجابه
الدكتور زغلول قائلًا: لا. لأنَّ الإعجاز العلميَّ يفسِّره العلمُ، أمَّا المعجزاتُ فلا يستطيعُ العلمُ أن يفسِّرَها،
فالمعجزة أمر خارقٌ للعادَةِ فلا تستطيعُ السنن أن تفسرها. وانشقاق القمر معجزةٌ حدثت لرسول الله وِّ تشهدُ له
بالتُّبُوَّةِ والرِّسَالَةِ، والمعجزات الحسِّيَّة شهادة صدق على من رآها، ولولا ورودها في كتاب الله تعالى وفي سنَّة
رسوله وَّ مَا كان علينا نحن مسلمي هذا العصر أن نُؤْمِنَ بها ولكنَّنا نؤمنُ بها لورودها في كتاب الله تعالى وفي
سنة رسوله وَّهِ ولأن الله تعالى قادرٌ على كل شيء.
معجزة نبوية: ثم ساق الدكتور زغلول قصَّة انشقاق القمر كما وردت في كتب السُّنَّةِ.
يقول الدكتور زغلول: وبعد أن أتممتُ حديثي وقفَ شابٌّ مسلم بريطاني عرف بنفسه وقال: أنا ((داوود موسى
بيتكوك)» رئيس الحزب الإسلامي البريطاني، ثم قال: يا سيدي، هل تسمح لي بإضافة؟ قلت له: تفضل. قال:
وأنا أبحث عن الأديان (قبل أن يُسْلِمَ) أهداني أحدُ الطلاب المسلمين ترجمة لمعاني القرآن الكريم، فشكرته
عليها وأخذتها إلى البيت، وحين فتحت هذه الترجمة، كانت أوَّل سورة أطلع عليها سورة القمر، وقرأت:
﴿أَقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنشَقَ الْقَمَرُ﴾ فقلت: هل يُعْقَلُ هذا الكلام؟ هل يمكن للقَمَر أن يَنْشَقَّ ثمَّ يلتحم، وأيُّ قوَّة
تستطيع عمل ذلك؟ يقول الرَّجُلُ: فَصَدَّتني هذه الآية عن مواصلة القراءة، وانشغلت بأمور الحياة، لكنَّ الله
تعالى يعلم مدى إخلاصي في البحث عن الحقيقة، فأجلسني رَبِّي أمام التِّلفازِ البريطاني وكان هناك حوار يدور
بين معلِّقٍ بريطاني وثلاثة من علماء الفضاء الأمريكيين .. وكان هذا المذيع يعاتبُ هؤلاء العلماء على الإنفاق
الشديد على رحلات الفضاء، في الوقت الذي تمتلئُ فيه الأرض بمشكلات الجوع والفَقْرِ والمرضِ والتخلُّف،
وكان يقول: لو أنَّ هذا المال أنفق على عمران الأرض لكان أجدى وأنفع.
وجلس هؤلاء العلماء الثلاثة يدافعون عن وجهة نظرهم ويقولون: إنّ هذه التُّقنية تطبق في نواحي كثيرة في
الحياة، حيث إنَّها تطبق في الطبِّ والصناعة والزراعة، فهذا المال ليس مالًا مهدرًا؛ لكنه أعاننا على تطوير
تقنيات متقدمة للغاية .. في خلال هذا الحوار جاء ذكر رِحْلَةِ إنزال رجلٍ على سطح القمر باعتبار أنَّها أكثر
رحلات الفضاء كلفةً فقد تكلفت أكثر من مئة ألف مليون دولار، فصرخ فيهم المذيع البريطاني وقال: أيُّ سَفَهٍ
هذا؟ مئة ألف مليون دولار لكي تضعوا العلم الأمريكي على سطح القمر؟
فقالوا: لا، لم يكن الهدف وضع العلم الأمريكي فوق سطح القمرِ كَّا ندرُسُ التركيب الداخلي للقمر، فوجدنا
حقيقةً لو أنفقنا أضعافَ هذا المال لإقناع النَّاس بها ما صدقنا أحد.

١٧١
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَهِ / باب ((ومن سُورةٍ ﴿الْقَمَرِ)))
يَقُولُ: ذَاهِبٌ. [خ بنحوه: ٣٦٣٧، م بنحوه: ٢٨٠٢، حم: ٣٥٧٣].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
البيهقي: قد حفظ ثلاثة من أصحاب قتادة عنه: ((مرتين))، قال الحافظ: لكن اختلف عن كلِّ
منهم في هذه اللفظة، ولم يختلف على شعبة، هو أحفظهم، ولم يقع في شيء من طرق
حديث ابن مسعود بلفظ ((مرتين))، إنما فيه ((فرقتين)) أو ((فلقتين)) بالراء أو اللام، وكذا في
حديث ابن عمر ((فلقتين)) [بالراء أو اللام]، وفي حديث جبير بن مطعم ((فرقتين))، ثم ذكر
الحافظ رواياتٍ عديدةً وقع في بعضها: ((انشق باثنتين))، وفي بعضها: ((شقتين))، وفي
بعضها: ((قمرين))، ثم قال: ولا أعرف من جزم من علماء الحديث بتعدُّد الانشقاق في زمنه
وَلّه، ولم يتعرَّض لذلك أحدٌ من شراح ((الصحيحين))، وتكلَّم الحافظ ابن القيم علَى هذه
الرواية، فقال: المراتُ يرادُ بها: الأفعالُ تارة، والأعيانُ تارة، والأول أكثر، ومن الثاني:
((انشق القمر مرتين))، وقد خفي على بعض الناس، فادعى أن انشقاق القمر وقع مرَّتَيْنِ، وهذا
مما يعلم أهل الحديث والسير أنه غلط؛ فإنه لم يقع إلا مرة واحدة، وقد قال العماد بن
كثير: في الرواية التي فيها: ((مرتين)) - نظر؛ ولعل قائلها أراد: ((فرقتين))، قال الحافظ: وهذا
الذي لا يتجه غيره؛ جمعًا بين الروايات. انتهى.
(يقول: ذاهب) يعني: أن المراد بقوله: ((مستمر)): ذاهب مَارٌ لا يبقى.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه الشيخان.
فقال لهم: ما هذه الحقيقة؟
=
قالوا: هذا القمر انشَقَّ في يوم من الأيام ثمَّ التحم.
قال لهم: کیف عرفتم ذلك؟
قالوا: وجدنا حزامًا من الصُّخور المتحولة يقطع القمر من سطحه إلى جوفه إلى سطحه. فاستشرنا علماءً
الأرض وعلماء الجيولوجيا، فقالوا: لا يمكن أن يكون هذا قد حدَثَ إلَّا إذا كان هذا القمر قد انشَقَّ ثُمَّ
التحمَ ..
يقول الرَّجُلُ المسلمُ (رئيس الحزب الإسلامي البريطاني) فَقَفَزْتُ من الكرسيِّ الذي أجلسُ عليه وقلت: معجزة
تحدث لمحمَّدٍ وَّلِ قبل ألف وأربعمئة سنة، يسخِّرُ الله تعالى الأمريكان لإنفاق أكثر من مئة ألف مليون دولار
لإثباتها للمسلمين؟ لا بدَّ أن يكونَ هذا الدِّينُ حقًّا.
يقول: فعدت إلى المصحف، وتلوت سورة القمر، وكانت مدخلي لقبول الإسلام دينًا ..

١٧٢
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَه / باب ((ومن سُورةٍ ﴿الْقَمَر)))
[ت ٥٤، م٣]
[٣٢٨٧] (٣٢٨٧) حَدَّثَنَا ابنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عَن
مجَاهِدٍ، عَن أبي مَعْمَرٍ، عَن ابنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: انْشَقَّ القَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وَه
فَقَالَ لَنَا النبيُّ ◌َةِ: ((اشْهَدُوا)). [ر: ٣٢٨٥].
قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
[ت ٥٤، م٤]
[٣٢٨٨] (٣٢٨٨) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، عَن شُعْبَةَ، عَن
الأَعْمَشِ، عَن مُجَاهِدٍ، عَن ابنِ عُمَرَ، قَالَ: انفَلَقَ القَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله وَه
فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَةِ: (اشْهَدُوا)). [م: ٢٨٠١].
قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
[ت ٥٤، م٥]
[٣٢٨٩] (٣٢٨٩) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ
كَثِيرٍ، عَن حُصَيْنٍ، عَن مُحمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعمٍ، عَن أبِيهِ، قَالَ: انْشَقَّ القَمَرُ عَلَى
عَهْدِ النَّبِيِّ بَِّ حَتَّى صَارَ فِرْقَتَيْنٍ: عَلَى هَذَا الَجَبَلِ، وعَلَى هذا الجَبلِ، فَقَالوا:
[٣٢٨٧] قوله: (انشق القمر على عهد رسول الله وَّطير) أي: انشق فلقتين؛ كما في الرواية
المتقدمة .
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه الشيخان.
[٣٢٨٨] قوله: (عن ابن عمر قال: انفلق القمر على عهد رسول الله (وَلَّ) تقدَّم هذا
الحديث في ((باب انشقاق القمر)).
[٣٢٨٩] قوله: (حدثنا محمد بن كثير) هو: العبدي البصري، (حدثنا سليمان بن كثير)
العبدي البصري، (عن حصين) هو: ابن عبد الرحمن السلمي الكوفي.
قوله: (حتى صار فرقتين على هذا الجبل، وعلى هذا الجبل)، وفي حديث عبد الله بن
مسعود، عند عبد الرزاق في ((مصنفه)) قال: رأيت القمر منشقًّا شقتين: شِقَّةً على أبي قُبَيْسٍ،
وشقة على السُّوَيْدَاء، قال الحافظ: السويداء، بالمهملة والتصغير: ناحية خارج مكة عندها

١٧٣
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَّ / باب ((ومن سُورةٍ ﴿الْقَمَرِ﴾))
سَحَرَنَا مُحَمَّدٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَئِنْ كَانَ سَحَرَنَا، فَمَا يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْحَرَ النَّاسَ كلَّهُمْ.
[حم: ١٦٣٠٨].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وَقَدْ رَوَى بَعْضُهُم هَذَا الحَدِيثَ، عَن حُصَيْنٍ، عَن جُبَيْرِ بْنِ
مُحمَّدٍ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعمٍ، عَن أبِيهِ، عَن جَدِّهِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعمٍ: نَحْوَهُ.
[ت ٥٤، م٦]
[٣٢٩٠] (٣٢٩٠) حَدَّثَنَا أبُو كُرَيْبٍ، وَأَبُو بَكْرِ بُنْدَارٌ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَن
سُفْيَانَ، عَنِ زِيَادِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَن مُحمدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرِ المَخْزُومِيِّ، عَن
أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءتْ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ يُخَاصِمُونَ النبي ◌ِِّ فِي القَدَرِ؛ فَنَزَلَتْ:
يوم
يُسْحَبُونَ فِى النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ (٨) إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٨، ٤٩].
[م: ٢٦٥٦، جه: ٨٣، حم: ٩٤٤٣].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
جبل، (سحرنا محمد) أي: جعلنا مسحورين، (فقال بعضهم: لئن كان سحرنا، فما يستطيع
أن يسحر الناس كلهم)، وفي حديث عبد الله بن مسعود، عند البيهقي: فَقَالَ كُفَارُ قُرَيْشٍ أَهْلُ
مكة: هذا سحر سحركم به ابن أبي كبشة، انظروا السفار، فإن كانوا رأوا ما رأيتم، فقد
صدق، وإن كانوا لم يروا مثل ما رأيتم، فهو سِحْرٌ سحركم به، قال: فسئل السفار، قال:
وقدموا من كل وجهة، فقالوا: رأينا .
وحديث جبير بن مطعم هذا - أخرجه أحمد أيضًا في ((مسنده)) والبيهقي في الدلائل وابن
جرير في ((تفسيره))(١) .
قوله: (عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم) مقبولٌ، من السادسة، (عن أبيه عن جده
جبير بن مطعم نحوه)، رواه البيهقي بهذا الوجه في ((الدلائل))، كما في تفسير ابن كثير.
[٣٢٩٠] قوله: (وأبو بكر بندار) أبو بكر هذا: اسمه محمد بن بشار، وبندار: لقبه،
(عن سفيان) هو: الثوري.
قوله: (عن أبي هريرة، قال: جاء مشركوا قريش إلخ) تقدَّم هذا الحديث مع شرحه في
أواخر أبواب القدر.
(١) ابن جرير في ((التفسير)) (٨٥/٢٧)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) (٢٦٨/٢).

١٧٤
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ / باب ((وَمِن سُورةٍ ﴿الرَّحْمَن)))
٥٥- باب ((وَمِن سُورةٍ ﴿الرَّحْمَن﴾)) [ت ٥٥، م١]
بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحِيَةِ
[٣٢٩١] (٣٢٩١) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ وَاقِدٍ أبُو مُسْلِم السَّعْدِي، حَدَّثَنَا
الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَن زُهَيْرِ بْنِ مُحمَّدٍ، عَن مُحمَّدِ بْنِ المُنْكَدرِ، عَن جَابٍ ﴿ُ قَالَ:
خَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَقَرأْ عَلَيْهِم سُورَةَ الرَّحْمنِ مِن أوّلِهَا إلى آخِرِهَا
فَسَكَتُوا، فَقَالَ: ((لَقَدْ قَرَأْتُهَا عَلَى الجِنِّ لَيْلَةَ الجِنِّ، فكَانُوا أحْسَنَ مَرْدُوداً مِنْكُمْ،
كُنْتُ كُلَّمَا أتَيْتُ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿فَأَتِّ ءَالَآءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانٍ﴾ [الرحمن: ١٣] قَالُوا: لا بِشَيءٍ
٥٥ - باب وَمِنْ سُورَةِ الرَّحْمَنِ
مَكَِّةٌ إِلا ﴿يَسْتَلُهُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ الآية فَمَدَنِيَّةٌ؛ وَهِيَ سِتُّ أَوْ ثَمَانٍ وَسَبْعُونَ آيَةً (١).
[٣٢٩١] قوله: (حدثنا عبد الرحمن بن واقد أبو مسلم) البغدادي (حدثنا الوليد بن
مسلم) القرشي الدمشقي (عن زهير بن محمد) التميميُّ
قوله: (فسكتوا) أي: الصحابة مستمعين (ليلة الجن) أي: ليلة اجتماعهم به، (فكانوا)
أي: الجن، (أحسن مردودًا) أي: أحسن ردًا وجوابًا لما تضمنه الاستفهام التقريريُّ المتكرِّر
فيها بـ ((أيِّ)) (منكم) أيها الصحابة؛ قال الطيبي: المردود بمعنى الرَّدِّ، كالمخلوق والمعقول؛
نزَّل سكوتهم وإنصاتهم للاستماع منزلة حسن الرد، فجاء بأفعل التفضيل؛ ويوضِّحه كلام ابن
الملك حيث قال: نزّل سكوتهم من حيث اعترافهم بأن في الجن والإنس من هو مكذب
بآلاء الله، وكذلك في الجن من يعترف بذلك - أيضًا - لكن نفيهم التكذيب عن أنفسهم باللفظ
- أيضا - أَدَلُّ على الإجابة وقبول ما جاء به الرسول من سكوت الصحابة أجمعين، ذكره
القاري، (كنت) أي: تلك الليلة، (كلما أتيت على قوله) أي: على قراءة قوله تعالى: ﴿فَأَِّ
ءَالَآءِ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَانٍ﴾ الخطاب للإنس والجن، أي: بأي نعمة مما أنعم الله به عليكم - تكذبون
وتجحدون نعمه؛ بترك شكره وتكذيب رسله وعصيان أمره، (لا بشيء) متعلق بـ ((نُكَذِّبُ))
(١) قال القرطبي: هي مكية كلها في قول الحسن وعروة بن الزبير وعكرمة وعطاء وجابر. قال ابن عباس: إلا آية
منها وهي قوله: ﴿يَسْثَلُهُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ الآية.
وقال ابن مسعود ومقاتل: هي مدنية كلها، والقول الأول أصح.
ويمكن الجمع بين القولين؛ بأنه نزل بعضها بمكة وبعضها بالمدينة. كما ذكره الشوكاني في فتح القدير (٥/ ١٣٠).

١٧٥
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله وَّهِ/ باب ((وَمِن سُورةٍ ﴿الرَّحْمَن﴾))
مِن نِعَمِكَ رَبِّنَا نُكَذِّبُ فَلَكَ الحَمْدُ)).
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُه إلَّا مِن حَدِيثِ الوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ،
عَن زُهَيْرِ بْنِ مُحمدٍ .
قَالَ أحمد بنُ حَنْبَلٍ: كَأَنَّ زُهَيْرَ بْنَ مُحمَّدٍ الَّذِي وَقَعَ بالشَّامِ، لَيْسَ هُوَ الَّذِي
يُرْوَى عَنْهُ بالعِرَاقِ، كَأَنَّهُ رَجُلٌ آخَرُ قَلَبُوا اسْمَهُ - يَعْنِي لِمَا يَرْؤُونَ عَنْهُ مِن المَنَاكِيرِ ..
وَسَمِعْتُ مُحمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ البُخَارِيّ، يَقُولُ: أَهْلُ الشَّامِ يَرْوِونَ عَن زُهَيْرِ بْنِ
مُحمَّدٍ مَنَاكِيرَ، وَأَهْلُ العِرَاقِ يَرْؤُونَ عَنْهُ أَحَادِيثَ مُقَارِبَةٌ.
الآتي، (ربنا) بالنصب على حذف حرف النداء (نكذب) أي: لا نكذب بشيء منها، (فلك
الحمد) أي: على نعمك الظاهرة، والباطنة، ومِنْ أتمها نعمةُ الإيمان والقرآن.
قوله: (هذا حديث غريب)، وأخرجه ابن المنذر والحاكم وصحَّحه والبيهقي والبزار(١).
(قلبوا اسمه) أي: فجعلوا اسمه زهير بن محمد، فالتبس بزهير بن محمد الذي يروي عنه
أهل العراق، (يعني: لما يروون عنه من المناكير) أي: إنما جعله أحمد رجلًا آخر؛ لأن أهل
الشام يروون عنه أحاديث مناكير، قال في ((التقريب)): زهير بن محمد التميمي، أبو المنذر
الخراساني، سكن الشام ثم الحجاز، روايةُ أهل الشام عنه غيرُ مستقيمة، فضعف بسببها،
قال البخاري، عن أحمد: كان زهيرٌ الذي يروي عنه الشاميُّونَ. آخر وقال أبو حاتم: حدث
بالشام من حفظه، فكثر غلطه، من السابعة، (وسمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول:
أهل الشام يروون عن زهير بن محمد مناكير، وأهل العراق يروون عنه أحاديث مقاربة) أي:
أحاديث صحيحة، قال في ((تهذيب التهذيب)): قال البخاري ما روى عنه أهل الشام، فإنه
مناكير، وما روي عن أهل البصرة فصحيح.
قلت حديث جابر هذا - رواه الوليد بن مسلم، عن زهير بن محمد، وهو من أهل الشام،
ففي الحديث ضعف؛ لكنَّ له شاهدًا من حديث ابن عمر، أخرجه ابن جرير (٢) والبزار
والدارقطني في ((الأفراد)) وغيرهم، وصحح السيوطي إسناده؛ كما في ((فتح البيان)).
(١) أخرجه البزار - كما في تفسير ابن كثير (٢٧٠/٤) -، وابن أبي الدنيا في كتاب ((الشكر))، والحاكم، حديث
(٣٧٦٦) وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وعنه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٤٤١٧).
(٢) ابن جرير في ((التفسير)) (١٢٣/٢٧).

١٧٦
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّه / باب ((وَمِن سُورة ﴿الْوَاقِعَةِ﴾)
٥٦- باب ((وَمِن سُورة ﴿الْوَاقِعَة))) [ت ٥٦، ١٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَيَةِ
[٣٢٩٢] (٣٢٩٢) حَدَّثَنَا أبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وعَبْد الرَّحِيمِ بْنُ
سُلَيْمَانَ، عَن مُحمَّدٍ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، عَن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَهُ: ((يَقُولُ الله: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لا عَيْنٌ رأتْ، وَلا أُذُنْ
سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبٍ بَشَر، وَاقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّ أُخْفِىَ لَهُم مِّن
قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءُ بِمَا كَانُوْ يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] وَفي الجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ في ظِلِّهَا مِائَةً
عَام لا يَقْطَعُهَا، وَاقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلِ تَمَّدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] وَمَوْضِعُ سَوْطٍ في الجَنَّةِ
خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا؛ وَاقْرَؤوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿فَمَنْ زُحْرِجَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ
فَازُ وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥])). [خ: ٣٢٤٤، م: ٢٨٢٤، جه: ٤٣٢٨،
حم: ٨٦٠٩، مي: ٢٨٢٨].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
٥٦ - باب وَمِنْ سُورَةِ الْوَاقِعَةِ
مَكِّيَّةٌ إِلَا: ﴿أَفَهِذَا الْحَدِيثِ﴾ الآية، ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَِّينَ﴾(١) هِيَ سِتُّ أَوْ سَبْعٌ أَوْ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ آيَةً.
[٣٢٩٢] قوله: (حدثنا عبدة بن سليمان) الكلابي الكوفي، (وعبد الرحيم بن سليمان)
أبو علي الأَشَلُّ، (عن محمد بن عمرو) بن علقمة الليثي.
قوله: (يقول الله: أعددت) إلى قوله: ((جَزَاءُ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]) تقدَّم شرحه
في ((تفسير سورة السجدة))، (وفي الجنة شجرة يسير الراكب إلخ) تقدم شرحه في ((باب صفة
شجرة الجنة))، (وموضع سوط في الجنة إلخ) تقدَّم شرحه في ((تفسير سورة آل عمران)).
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرج أحمد والشيخان بعضه.
· (١) قال الشوكاني: وهي مكية في قول الحسن وعكرمة وجابر وعطاء. وقال ابن عباس وقتادة: مكية إلا آية منها
نزلت بالمدينة وهي قوله تعالى: ﴿وَّْعَلُونَ رِزْقَّكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ وقال الكلبي: إنها مكية إلا أربع آيات منها،
وهي: ﴿أَفَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُم ◌ُدْهِنُونَ ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَّكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ وقوله: ﴿ثُلٌَّ مِّنَ الْأَوَّلِينَ ﴿ وَقَلِلٌ مِّنَ الْآَخِرِينَ﴾.
وأخرج البيهقي في ((الدلائل)) عن ابن عباس: نزلت سورة الواقعة بمكة.

١٧٧
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ / باب ((وَمِن سُورة ﴿الْوَاقِعَةِ﴾))
[ت ٥٦، م٢]
[٣٢٩٣] (٣٢٩٣) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَن مَعْمَرٍ، عَن
قَتَادَةَ، عَن أَنَسٍ؛ أنَّ النَّبِيِّ بَّهِ قَالَ: ((إنَّ في الجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ
وَمَآءِ مَّسْكُوْبٍ﴾ [الواقعة: ٣٠، ٣١]).
٣٠
عَامٍ لا يَقْطَعُهَا؛ وإنْ شِئْتُمْ فَاقْرَؤُوْا: ﴿وَظِلٍ تَُّودٍ
[خ: ٣٢٥٢، م: ٢٨٢٦].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
وَفِي الْبَابِ: عَن أبي سَعِيدٍ.
[ت ٥٦، م٣]
[٣٢٩٤] (٣٢٩٤) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ، عَن عَمْرِو بْنِ
الحارِثِ، عَن دَرَّاجِ، عَن أبي الهَيثَم، عَن أبي سَعِيدٍ الخدريِّ ◌َظُهُ عَنِ النَّبِيِّ وَِّ فِي
قَوْلِهِ: ﴿وَفُرْشِ مَّرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] قَالَ: ((ارْتِفَاعُهَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ، وَمَسِيرَةٌ
مَا بَيْنَهُمَا خَمْسُمِائَةِ عَام)). [ضعيف، رشدين، ضعيف حم: ٢٧٥١٥].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِن حَدِيثِ رِشْدِينَ.
وَقَالَ بَعضُ أَهلِ العِلمِ مَعنَى هذَا الحَدِيثِ وَارِفَاعَها كما بين السماء
[٣٢٩٣] قوله: (﴿وَمَآءِ مَّسْكُوبٍ﴾) أي: جَارٍ دائمًا وقيل: يسكب لهم أين شاء، وكيف
شاء بلا تعب.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه البخاري(١).
قوله: (وفي الباب: عن أبي سعيد)، أخرجه الترمذي (٢) في ((باب صفة شجر الجنة)).
[٣٢٩٤] قوله: (عن أبي سعيد الخدري عن النبي ◌َّ في قوله: وفرش مرفوعة إلخ) تقدم
هذا الحديث مع شرحه في ((باب صفة ثياب أهل الجنة)).
قوله: (وقال بعض أهل العلم: معنى هذا الحديث: وارتفاعها كما بين السماء
(١) أحمد، حديث (٩٨٠٨)، ومسلم، كتاب القدر، حديث (٢٦٥٦).
. (٢) الترمذي، كتاب صفة الجنة، حديث (٢٥٢٣).

١٧٨
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله وَّ/ باب ((وَمِن سُورة ﴿الْوَاقِعَة)))
والأرض، قال: ارتفاع الفرش المرفوعة في الدرجات، والدرجات ما بين كل
درجتين كما بين السماء والأرض.
[ت ٥٦، م٤]
[٣٢٩٥] (٣٢٩٥) حَدَّثَنَا أحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بْنُ مُحمَّدٍ، حَدَّثَنَا
إِسْرَائِيلُ، عَن عَبْدِ الأعْلَى، عَن أبي عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَن عَلِيٍّ ◌َظُهُ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَهُ: ((﴿وَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] قَالَ: شُكْرِكُمْ، تَقُولُونَ:
مُطِرْنَا
والأرض)، كذا في النسخ الحاضرة، ((وارتفاعها كما بين السماء والأرض)) بالواو،
والظاهر: أن يكون بغير الواو، وهو بدل من هذا الحديث، (قال) أي: بعض أهل العلم،
(ارتفاع الفرش المرفوعة في الدرجات، والدرجات ما بين كل درجتين كما بين السماء
والأرض) حاصله: أن ارتفاع الفرش المفروشة في الدرجات وبُعْد ما بين كل درجتين منها
كما بين السماء والأرض، وقد نقل الحافظ ابن كثير: في ((تفسير سورة الواقعة)) حديث
أبي سعيد المذكور عن ((جامع الترمذي))، ثم نقل كلامه هذا بلفظ: فقال بعضُ أهل [العلم]:
معنَى هذا الحديث: ((ارتفاع الفرش في الدرجات وبُعْد ما بَيْنَ الدرجتين - كما بين السماء
والأرض)). انتهى.
[٣٢٩٥] قوله: (حدثنا الحسين بن محمد) بن بَهْرَام التميمي البغدادي، (عن
عبد الأعلى) بن عامر الثعلبي الكوفي، (عن أبي عبد الرحمن) اسمه: عبد الله بن حبيب
السلمي.
قوله: (﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾) أي: تجعلون شكر رزقكم - التكذيب موضِعَ
الشكر، أي: وضعتم التكذيب موضع الشكر، وفي قراءة علي - رضيالله - وهي قراءة رسول الله
وَلَه : (((وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ)) أي: تجعلون شكركم لنعمة القرآن: أنَّكم تكذبون به،
وقيل: نزلت في الأنواء ونسبتهم السقيا إليها، والرِّزْقُ: المطر، أي: وتجعلون شكر ما
يرزقكم الله من الغَيْث: أنكم تكذبون بكونه من الله؛ حَيْثُ تنسبونه إلى النجوم، كذا في
((المدارك)).
(قال: شكركم) أي: شكر ما رزقكم من المطر، (تقولون: مطرنا) بصيغة المجهول،

١٧٩
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلِ / باب ((وَمِن سُورة ﴿الْوَاقِعَةِ﴾))
بنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، وبِنَجْم كَذَا وَكَذَا)). [ضعيف الإسناد، عبد الأعلى، ضعيف حم: ٦٧٩].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صحيحٌ، لا نعرفه مرفوعاً إِلَّ مِن
حَديثِ إِسرَائیلٍ .
ورَوَاه سُفْيَانُ الثَّورِيُّ، عَن عَبْدِ الأعْلَى، عَن أَبِي عَبدِ الرَّحمنِ السُّلمِيِّ، عَن
عَلَيٍّ : نَحوَهُ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ.
[ت ٥٦، م٥]
[٣٢٩٦] (٣٢٩٦) حَدَّثَنَا أَبُو عَمَّارِ الحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثِ الخزَاعِيُّ المَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا
وَكِيعُ، عَن مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ، عَن
(بنوء كذا وكذا) بفتح النون وسكون الواو، (وبنجم كذا وكذا)؛ وذلك أنهم كانوا إذا مطروا
يقولون: مِطِرْنا بنوء كذا، ولا يرون ذلك المَطَرَ مِنْ فضل الله عليهم، فقيل لهم: أتجعلون
رزقكم، أي: شکرکم بما رزقكم - التكذيب، فمن نسب الإنزال إلى النجم - فقد كذب
برزق الله تعالى ونعمه، وكذب بما جاء به القرآن، والمعنى: أتجعلون بدل الشكر التكذيبَ،
قال النووي في ((شرح مسلم)): قال ابن الصلاح: النَّوْءُ في أصله: ليس هو نَفْسَ الكوكب؛
فإنه مصدر: نَاءَ النَّجْمُ يُنُوءُ نَوْءًا، أي: سقط وغاب، وقيل: [أي] نهض وطلع، وبيان ذلك:
أن ثمانية وعشرين نجمًا معروفةُ المطالع في أزمنة السنة كلِّها، وهي المعروفة بمنازل القمر
الثمانية والعشرين، يسقط في كلِّ ثلاث عشرة ليلةً منها نجمٌ في المغرب مع طلوع الفجر،
ويطلع آخر يقابله في المشرق من ساعته، فكان أهل الجاهلية إذا كان عند ذلك مَطَرٌّ ينسبونه
إلى الساقط الغَارِبِ منهما، وقال الأصمعي: إلى الطالع منهما، قال أبو عبيد: ولم أسمع
[أحدًا ينسب] النَّوءَ للسقوطُ إلا في هذا الموضع، ثم إن النجم نفسه قد يسمَّى ((نَوْءًا))؛ تسمية
للفاعل بالمصدر، قال أبو إسحاق الزجاج في بعض أماليه: الساقطةُ في المغرب هي:
الأنواء، والطالعة في المشرق هي: البوارح. انتهى.
قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أحمد وابن أبي حاتم وابن جرير(١).
[٣٢٩٦] قوله: (حدثنا وكيع) هو: ابن الجراح، (عن موسى بن عُبَيْدة) الرَّبَذِيِّ، (عن
(١) ابن أبي حاتم (٣٣٣٤/١) (١٨٨٠٦)، وابن جرير في ((التفسير)) (٢٠٨/٢٧).

١٨٠
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَّهِ / باب ((وَمِن سُورة ﴿الْوَاقِعَةِ﴾))
يَزِيدَ بْنِ أَبَانٍ، عَن أَنَسِ رَُّنْهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ أَنشَأْتَهُنَّ إِنشَآءَ﴾.
[الواقعة: ٣٥] قَالَ: ((إِنَّ مِنَ المُنْشَآَتِ التِي كُنَّ فِي الدُّنْيَا: عَجَائِزَ عُمْشاً رُمصاً)). [ضعيف
الإسناد، موسى ويزيد، ضعيفان] .
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعاً إلَّا مِن حَدِيثٍ مُوسى بْنِ
عُبَيْدَةَ، ومُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، ويَزِيدُ بْنُ أَبَانِ الرّقَاشِيُّ، يُضَعّفَانِ فِي الحَدِيثِ.
[ت ٥٦، م٦]
[٣٢٩٧] (٣٢٩٧) حَدَّثَنَا أبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا مُعاوِيَةُ بْنُ هِشَام، عَن شَيْبَانَ عَن
أبي إسْحَاقَ عَن عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْر ◌َبِهِ : يَا رَسُولَ الله،
...
يزيد بن أبان) هو: الرُّقاشي.
قوله: (﴿إِنَّ أَنْشَأْتَهُنَّ إِنشَاءُ﴾) قيل: هن الحور العين، أنشأهن الله، لم تقع عليهن الولادةُ، ولم
يُسْبَقْنَ بخلق، وأنهن لسن مِنْ نسل آدم - عليه السلام - بل مخترعات، وهو ما جرى عليه أبو
عُبَيْدة وغيره، وقيل: المراد نساء بني آدم، والمعنى أن الله سبحانه أعادهن بعد الموت إلَى حال
الشباب والنساء، وإن لم يتقدَّم لهن ذِكْرٌ، لكنهن قد دخلْنَ في أصحاب اليمين، فتلخّص أن نساء
الدنيا يَخْلقهن الله في القيامة خلقًا جديدًا من غير توسُّط ولادة خلقًا يناسب البقاء والدوام،
وذلك يستلزم كمالَ الخلق وتوقُّر القُوَى الجسمية وانتفاءَ صفات النقص؛ كما أنه خلق الحور
العين على ذلك الوجه، وأما علَى قول من قال: إن الفُرْشَ المرفوعة كنايةٌ عن النساء - فمرجع
الضمير ظاهرٌ، (إن من المنشآت) جمع ((مُنْشَأة)) اسم مفعول من ((الإنشاء)) (التي) أي: نساء
الدنيا اللائي (كن في الدنيا عجائز) جمع عجوز، وهي: المرأة الكبيرة، (عُمْشًا) بضم فسكون
جمع ((عَمْشَاء)) من العَمَشِ في العين مُحَركة، وهو: ضعف الرؤية مع سيلان دمعها في أكثر
أوقاتها من باب ((طرب)) فهو أعمش، والمرأة عمشاء، (رُمْصًا) جمع رِمْصاء من الرَّمص محركة،
وهو: وسخ أبيض يجتمع في الموق، رَمِصَتْ عينيه، كفرح، والنعت: أَرْمَصُ، ورَمْضَاء.
قوله: (هذا حديث غريب)، وأخرجه ابن جرير(١) وابن المنذر والبيهقي وعَبْدُ بن حُمَيد.
[٣٢٩٧] قوله: (عن شيبان) هو: ابن عبد الرحمن النحوي، (عن أبي إسحاق) هو:
السبيعي؛ كما صرح به البَيْجُورِيُّ في ((شرح الشمائل)) ص ٣٨.
(١) ابن جرير في ((التفسير)) (١٨٦/٢٧)، وابن أبي حاتم (٣٣٣١/١٠) (١٨٣٨٥).