Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله وَِّ / باب ((ومِن سُورَةِ الشُّعَراءِ)) قَالَ أبُو عِيْسَى: حدِيثُ سفيَانَ، عَن مَنْصُورٍ، والأَعْمَشِ، أصَحُّ مِن حَدِيثٍ وَاصِلٍ؛ لأنَّهُ زَادَ فِي إِسْنَادِهِ رَجُلًا . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَتَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَن شُعْبَةَ، عَن وَاصِلٍ، عَن أبي وَائِلٍ، عَن عَبْدِ الله، عَنِ النَّبِيِّ وَّهُ: نَحْوَهُ. قَالَ: وهَكَذَا رَوَى شُعْبَةُ، عَن وَاصِلٍ، عَن أبي وَائِلٍ، عَن عَبْدِ الله، وَلَمْ يَذْكُر فِیهِ: عَمْرو بْن شُرَخِیل. ٢٧ - باب ((ومِن سُورَةِ الشُّعَراءِ) [ت ٢٧، ١٢] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَيمِ [٣١٨٤] (٣١٨٤) حَدَّثَنَا أَبُو الأَشْعَثِ أحْمَدُ بْنُ المِقدَام العِجْلِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرحْمنِ الظُّفَاوِيُّ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَن أبِيِهِ، عَن عَائِشَةَ، قَالَت؛ لمّا نَزَّلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَأَنَذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِنَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] قَالَ رَسُولُ الله وَله: ((يا صَفِيَّةُ بِنْتَ عَبْدِ المُطَّلِبِ، يا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِّبِ: إِنِّي لا أمْلِكُ لَكُمْ مِنَ الله شَيْئاً، سَلُونِي مِن مَالِي مَا شِئْتُم)). [م: ٢٠٥، حم: ٢٤٥٢٣]. الحافظ: هكذا قال ابن مسعود، والقتل والزنا في الآية مطلقان، وفي الحديث مقيدان: أما القتل - فبالولد؛ خشية الأكل معه، وأما الزنا - فبزوجة الجار، والاستدلال لذلك بالآية سائغٌ لأنها - وإن وردت في مطلق الزنا والقتل - لكن قتل هذا، والزنا بهذه - أكبر وأفحش. قوله: (لأنه زاد) أي: سفيان، وهو أحفظ من شعبة - (رجلًا) وهو: عمرو بن شُرَحبيل، وأما شعبة - فأسقطه، ولكن لم يتفرد شعبة بالإسقاط؛ بل تابعه على ذلك غيره؛ كما يظهر من كلام الحافظ في شرح هذا الحديث في ((تفسير سورة الفرقان)). ٢٧ - باب وَمِنْ سُورَةِ الشُّعَرَاءِ مَكِّيَّةٌ إِلَّا ﴿وَالشُّعَرَآءُ﴾ إِلَى آخِرِهَا فَمَدَنِيٌّ، وَهِيَ مَاتَتَانِ وَسَبْعٌ وَعِشْرُون آيَةً. [٣١٨٤] قوله: (إني لا أملك لكم من الله شيئًا) أي: لا تَتَّكِلُوا على قرابتي، فإني لا أقدر على دفع مكروه يريده الله تعالى بكم، وسبق هذا الحديث في باب إنذار النبيِّ وَّل قومه من «كتاب الزهد)». ٤٢ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ / باب ((ومِن سُورَةِ الشُّعَراءِ)) قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ، وهَكَذَا رَوَى وَكِيعٌ، وَغيرُ واحدٍ هذا الحدِيثِ، عَن هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَن أبيهِ، عَن عَائِشَةَ: نَحْوَ حَدِيث محمدٍ بْنِ عَبْدِ الرحْمنِ الظُّفَاوِي، وَرَوَى بَعْضُهُم، عَنِ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَن أبيهِ، عَن النبيِّي ◌َّلـ مُرْسلًا، ولَمْ يَذْكرْ فِيهِ: عَن عَائِشَةَ. وفي البابِ: عَن عَلِيٍّ، وابنِ عَبَّاسٍ. [ت ٢٧، م٢] [٣١٨٥] (٣١٨٥) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيًّا بْنُ عَدِيٌّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ عَمْرٍو الرَّقِّيُّ، عَن عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَن مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لمّا نَزَلتْ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] جَمَعَ رَسُولُ اللهِوَ لَ قِرَيْشاً، فَخَصَّ، وَعَمَّ، فَقَالَ: ((يَا مَعْشرَ قُرَيْشٍ، أَنْفِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ؛ فَإِنِّي لا أملِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ ضَرًّا وَلا نَفْعًا، يَا مَعْشَرَ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، فَإِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ ضَرًّا ولا نَفْعًا، يَا مَعْشَرَ بَنِي قُصَي، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ؛ فإني لا أملِكُ لَكُمْ ضَرَّا وَلا نَفْعًا، يَا مَعْشَرَ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، أَنْقِذُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ؛ فَإِنِّي لا أمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً، يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ! أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه أحمد ومسلم. قوله: (وفي الباب عن علي وابن عباس) أما حديث علي: فأخرجه أحمد(١)، وأما حديث ابن عباس: فأخرجه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي في تفسير سورة («تَبَّتْ))، والنسائي (٢). [٣١٨٥] (جمع رسول الله وٍَّ قريشًا) أي: قبائله، زاد مسلم: فَاجْتَمَعُوا، (فخص وعم) أي: في النداء، فقال: (يا معشر قريش ... إلخ)، هذا بيانٌ لقوله: ((خَصَّ وَعَمَّ)) (أنقذوا أنفسكم) من الإنقاذ، أي: خلصوها؛ (فإني لا أملك لكم) أي: لجمیعکم خاصِّكم وعامِّكم، (يا فاطمة بنت محمد) يجوز نصبُ ((فاطمة)) وضمها، والنصب أفصحُ وأشهر، وأما ((بنت)) - (١) أحمد، حديث (٨٨٥). (٢) أحمد، حديث (٢٧٩٨)، والبخاري، كتاب تفسير القرآن، حديث (٤٧٧٠)، ومسلم، كتاب الإيمان، حديث (٢٠٨)، والترمذي، كتاب تفسير القرآن، حديث (٣٣٦٣)، والنسائي في ((الكبرى)) (٦٤٧١، ٦٤٧٢). ٤٣ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِهِ / باب ((ومِن سُورَةِ الشُّعَراءِ)) النَّارِ، فَإِنِّي لا أمْلِكُ لَكِ ضَرًّا وَلا نَفْعًا، إنَّ لَكِ رَحِمًا وسَأَبُلَّها بِبَلَالهَا)). [خ: ٢٧٥٣، م: ٢٠٤، ن: ٣٦٤٦، حم: ٨١٩٧، مي: ٢٧٣٢]. قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ، غَرِيبٌ مِن هَذَا الوَجْهِ، يُعرَفُ مِن حَديثٍ مُوسَى بْنِ طَلحَةَ. [ت ٢٧، م٣] حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا شعَيْبُ بْنُ صَفْوانَ، عَن عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَن مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَ نَحوَهُ، بِمَعْنَاهُ. فمنصوب لا غير، وهذا - وإن كان ظاهرًا معروفًا - فلا بأس بالتنبيه عليه لمن لا يحفظه؛ (فإني لا أملك لك ضرَّا ولا نفعًا) أي: من غير إذنه تعالى؛ قال ترهيبًا وإنذارًا؛ وإلا - فقد ثبت فَضلُ بعض هؤلاء المذكورين ودخولُهُم الجنّةَ وشفاعتُهُ مَِّ لأهل بيته وللعرب عمومًا ولأمته عامَّةً، وقبولُ شفاعته فيهم بالأحاديث الصحيحة، ويمكن أن يكونَ ورودُ تلك الأحاديثِ بَعْدَ هذه القضية؛ قاله الطيبي، (إن لك رحمًا) أي: قرابة، و(سأَجُلُّهَا) أي: سَأَصِلُهَا (بِبَلالِهَا) بفتح الموحدة وكسرها، أي: بصلتها وبالإحسان إليها، من بلَّهُ يَبْلُّهُ، والْبَلَالُ: الماء؛ شبهت قطيعة الرحم بالحرارة، ووصلها بإطفاء الحرارة ببرودة؛ ومنه: ((بُلُّوا أَرْحَامَكُمْ)) أي: صِلوها؛ قاله النووي، وقال في ((النهاية)): الْبِلَالُ: جمع الْبَلَل، والعربُ يطلقون النداوة على الصلة، كما يطلق اليبس على القطيعة؛ لأنهم لما رأوا أن بعض الأشياء يتصل ويختلط بالنداوة، ويحصل بينها التجافي والتفرق باليبس - استعاروا البلل لمعنى الوصل، واليبس لمعنى القطيعة؛ والمعنى: أَصِلُكُمْ في الدنيا ولا أُغْنِي عنكم من الله شيئًا. قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب)، وأخرجه أحمد ومسلم، ورواه النسائي من حديث موسى بن طلحة مرسلًا، ولم يذكر فيه أبا هريرة، والموصول هو الصحيح، وأخرجاه في ((الصحيحين)) من حديث الزهري عن سعيد بن المسيِّب وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة؛ قاله الحافظ ابن كثير في ((تفسيره)). قوله: (حدثنا شعيب بن صفوان) بن الربيع الثقفي، أبو يحيى الكوفي الكاتب، مقبول، من السابعة. قوله: (بمعناه) أي: بمعنى الحديث المذكور. ٤٤ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَ / باب ((ومِن سُورةِ النَّمْلِ)) [٣١٨٦] (٣١٨٦) حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ أبي زِيَادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ، عَن عَوْفٍ، عَن قَسَامَةَ بْنِ زُهَيْرٍ، حَدَّثَني الأَشْعَرِيُّ، قَالَ: لَمّا نَزَلَ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيَتَكَ الْأَقْرَينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]؛ وَضَعَ رَسُول الله ◌َّرِ أَصْبُعَيْهِ فِي أَذْنَيْهِ، فَرَفَعَ من صَوْتِهِ، فَقَالَ: ((يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، يا صَبَاحَاهُ)). قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِن هَذَا الوَجْهِ، مِن حَدِيثٍ أبي مُوسى. وقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ، عَن عَوْفٍ، عَن قَسَامَةَ بْنِ زُهَيْرٍ، عَن النبيِّ وََّ مُرْسَلًا، وَلَمْ يَذْكُر فِيهِ: عَن أبي مُوسَى، وهُوَ أصَخُ ذَاكَرْتُ بِهِ: مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ، فَلَمْ يَعْرِفْهُ مِنْ حَدِيثٍ أبِي مُوسَى. ٢٨ - باب ((ومِن سُورةِ النَّمْلِ)) [ت ٢٨، م١] بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَمَةِ [٣١٨٧] (٣١٨٧) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، عَن حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَن عَلِيٍّ بْنِ زَيْدٍ، عَن أوْسِ بْنِ خَالِدٍ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَه قَالَ: ((تَخْرُجُ الدَّابَّةُ مَعَهَا خَاتَمُ سُلَيْمان وعَصَا مُوسَى، فتجلُو وَجْهَ المُؤْمِنِ، وتَخْتِمُ [٣١٨٦] قوله: (حدثنا عبد الله بن أبي زياد) القُطْوَانِيُّ، (أخبرنا أبو زيد) اسمه: سعيد بن أوس بن ثابت الأنصاري النحوي البصري، صدوق، له أوهام، ورمي بالقَدَرِ، من التاسعة، (عن عوف) هو: ابن أبي جَمِيلَةَ الأعرابي، (حدثني الأشعري) هو: أبو موسى. قوله: (يا صباحاه!) كلمة يعتادونها عند وقوع أمر عظيم، فيقولونها؛ ليجتمعوا ويتأهبوا له. قوله: (هذا حديث غريب ... إلخ) وأخرجه ابن جرير الطبري(١) - أيضًا - موصولًا ومرسلًا. ٢٨ - بابٌ وَمِنْ سُورَةِ الثَّمْلِ مَكِّيَّةُ وَهِيَ ثَلاثٌ أَوْ أَرْبَعُ أَوْ خَمْسٌ وَتِسْعُونَ آيةً. [٣١٨٧] قوله: (تخرج الدابة) قيل: من مكة، وقيل: من غيرها، (فتجلو وجه المؤمن) (١) الطبري في تفسيره (١٩/ ١٢٠ - فكر). ٤٥ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وََّ / باب ((ومِن سُورةِ الثَّمْلِ)) أنْفَ الكافِرِ بالخَاتَمِ، حَتَّى إنَّ أهْلَ الخُوَانِ لَيَجْتَمِعُونَ، فَيَقُولُ هذا يَا مُؤْمِنُ، ويُقَالُ: هَذَا يَا كَافِرُ، وَيَقُولُ: هَذَا يَا كَافِرُ، وَهَذَا يَا مُؤْمِنُ)). [ضعيف جه: ٤٠٦٦، حم: ٧٨٧٧]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غريبٌ. وقَد رُوِيَ هَذَا، عَن أبي هُرَيْرَةَ، عَن النبيِّ وَّهِ مِن غَيْرِ هَذَا الوَجْهِ في دَابَّةٍ الأرْضِ. وَفي البابِ عَن أبي أُمَامَةً، وحذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ. أي: تصقله وتبيضه، وفي رواية ابن ماجه ((فَتَجْلُوا وَجْهَ المُؤْمِنِ بِالعَصَا))، (حتى إن أهل الخُوَانِ) بضم الخاء وكسرها، قال الجزري: هو ما يوضع عليه الطعام عند الأكل؛ ومنه حديث الدابة: ((حَتَّى إنَّ أَهْلَ الخُوَانِ لَيَجْتَمِعُونَ فَيَقُولُ هَذَا: يَا مُؤمِنُ، وَهَذَا يَا كافِرُ))، وجاء في رواية ((الإِخْوَان)) بهمزة، وهي لغة فيه. انتهى. (فيقول هذا) أي: بعضهم لآخر: (يا مؤمن) أي: لجلاء وجهه واستنارته، (ويقول هذا: يا كافر) أي: للختم على أنفه. قوله: (هذا حديث حسن) أخرجه أحمد وابن ماجه وأبو داود الطيالسي(١). قوله: (وفي الباب، عن أبي أمامة، وحذيفة بن أسيد) أما حديث أبي أمامة - فأخرجه أحمد وابن مردويه(٢)، عنه، عن النبيِّ وَِّ قال: ((تَخْرُجُ الدَّابَّةُ فَتَسِمُ عَلَى خَرَاطِيمِهِم، ثُمَّ يَغْمُرُونَ فِيكُمْ، حَتَّى يَشْتَريَ الرَّجلُ الدَّابَّةَ، فَيُقَالُ لَهُ: مِمَّنِ اشْتَرَيْتَها؟ فَيَقولُ: مِنَ الرَّجُلِ المُخَطَّمِ))، وأما حديث حذيفة بن أسيد فأخرجه الترمذي(٣) في (باب الخسف)) من كتاب الفتن. اعلم: أن الترمذي أورد هذا الحديث في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَيْهِمْ أَخْرَحْنَا لَهُمْ دَآبَّةٌ﴾ [النمل: ٨٢] إلخ، وهذه الآية مع تفسيرها هكذا: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ يعني: إذا وجب عليهم العذاب، وقيل: إذا غضب الله عليهم، وقيل: إذا وجبت الحجة عليهم؛ وذلك (١) الطيالسي في مسنده (٢٦٨٧). (٢) أحمد، حديث (٢١٨٠٥)، وأبو نعيم في ((تاريخ أصبهان)) (٨٩/٢)، قال الهيثمي (٦/٨): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير عمر بن عبد الرحمن بن عطية وهو ثقة. (٣) الترمذي، كتاب الفتن، حديث (٢١٨٣)، وسيأتي تخريجه. ٤٦ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ / باب ((ومِن سُورةِ الثَّمْلِ)) أنهم لم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر، وقيل: المراد من القول - متعلقه، وهو: ما وُعِدُوا به من قيام الساعة، ووقوعُه: حصوله، والمراد: مشارفة الساعة وظهورُ أشراطها - ﴿أَخْرَحْنَا لَهُمْ دَآبَةً مِّنَ الْأَرْضِ﴾ -، قال الرازيُّ في ((تفسيره)): تكلّم الناس في الدَّابة من وجوه: أحدها: في مقدار جسمها، وفي الحديث: ((أَنَّ طُولَهَا سِتُّونَ ذِرَاعًا))، وروي - أيضًا - أَنَّ رَأْسَهَا تَبْلُغُ السَّحابَ، وعَن أبي هريرة مَا بَيْنَ قَرْنَيْهَا فَرْسَخٌ للرَّاكِبِ. ثانيها: في كيفية خِلْقتها، فروي: ((لَهَا أَرْبَعُ قَوَائِمَ، وزَغَبٌ، وَرِيشٌ، وَجَنَاحَانٍ))، وعن ابن جُرَيْجِ في وصفها: ((رَأْسُ ثَوْرٍ، وَعَيْنُ خِنزِيرٍ، وَأُذُنُ فِيلٍ، وَقَرْنِ أيِّلٍ، وَصَدْرُ أَسَدٍ، وَلَونُ نَمِرٍ، وَخَاصِرَةٌ بَقَرٍ، وَذَنبُ كَبْشٍ، وَخُتُّ بَعِيرٍ)). وثالثها: في كيفية خروجها: فَرُوِيَ: عن علي - عليه السلام - أَنَّها تخرج ثلاثةَ أيامٍ، والناسُ ينظرون؛ فلا يَخْرُجُ إلا ثلُثُها، وعن الحسن: لا يتمُّ خروجها إلا بعد ثلاثة أيام. ورابعها: في موضع خروجها: ((سُئِلَ النَّبِيُّ نَّهِ مِنْ أَيْنَ تَخْرُجُ الدّابَّةُ؟)) فقال: ((مِنْ أعْظَم المَسَاجِدِ حُرْمَةً عَلَى الله تعالى: المَسْجِدِ الْحَرَامِ))، وقيل: تخرج من الصفا فتكلِّمهمَ بالعربية . وخامسها: في عدد خروجها: فَرُوِيَ: إِنَّها تَخْرُجُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ؛ تَخْرُجُ بِأَقْصَى الْيَمَنِ، ثُمَّ تكْمُنُ، ثُمَّ تَخْرُجُ بِالباديَةِ، ثُمَّ تَكْمُنُ دَهْرًا طَوِيلًا فَيْنَا النَّاس فِي أَعْظَم المساجدِ حُرْمَةً وَأَكْرَمِهَا عَلَى الله، فَمَا يَهُولُهُم إلّا خُرُوجِهَا مِنْ بَيْنِ الرُّكْنِ حِذَاءَ دَارِ بَنِي مَخْزُومٍ عَنْ يَمِينِ الْخَارِجِ مِنَ المَسْجِدِ، فَقَوْمٌ يَهْرُبُونَ وَقَوْمٌ يَقِفُونَ. واعلم: أنه لا دلالة في الكتاب علَى شيء من هذه الأمور؛ فإنْ صَحَّ الخبر فيه عن الرسول وَه قُبِلَ، وإلا - لم يلتفت إليه. انتهى. تكلِّمهم أي تكلّم الموجودين ببطلان الأديان سوَى دين الإسلام، وقيل: تكلِّمهم بما يسوءهم، وقيل: تكلِّمهم بالعربية بقوله تعالى الآتي: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُواْ بِشَايَتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ قاله ابن عباس، أي: بخروجها؛ لأن خروجها من الآيات، وقال ابن عباس - أيضًا - تكلِّمهم: تحدِّثهم؛ قرأ الجمهور: ((تُكَلِّمَهُمْ)) من التكليم؛ وتدل عليه قراءة أبيِّ (تُنَبِّئُّهُمْ))، وقرئ بفتح الفوقية وسكون الكاف من ((الكلم)) وهو: الْجرْحِ؛ قال عكرمة، أي: تَسِمُهُمْ وَسْمًا، النَّاسَ كَانُواْ بِشَايَتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ بكسر ((إنَّ) على الاستئناف، وقرئ بفتحها؛ قال الأخفش: ٤٧ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهَ/ باب ((ومِنْ سُورةِ القَصَصِ)) ٢٩ - باب ((ومِنَّ سُورةِ القَصَصِ» [ت ٢٩، م١] بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَيَةِ [٣١٨٨] (٣١٨٨) حَدَّثَنَا بندار وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَن يَزِيدَ بْنِ كَيْسَان، قَالَ أَبُو حَازِمِ الأشجعيُّ - هُوَ كُوفيّ - اسمُهُ سَلمَانُ مَوَلَى عَزَّةَ الأشجعيَّةِ، عَن أبي هُرَيْرَةَ رَُّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ لِعَمِّهِ: ((قُلْ لا إِلَهَ إِلَّا الله، أَشْهَدُ لَكَ بِهَا يَوْمَ القيامةِ»، فَقَالَ: لَوْلا أنْ المعنى على الفَتْح: بأن الناس؛ وبها قرأ ابن مسعود؛ قال أبو عبيدة: أَيْ تخبرهم أن الناس ... إلخ، وعلى هذه: فالذي تكلم الناس به - هو: قوله: ((إنَّ النَّاس ... )) إلخ، وأما على الكسر - فالجملة مستأنفة؛ كما قدمنا، ولا يكون من كلام الدابَّة، وقد صرح بذلك جماعة من المفسرين. وقال الأخفش: إن كسر ((إن)) هو على تقدير القول، أي: تقول لهم: إنَّ الناس، فيرجع معنى القراءة الأولى على هذا إلى معنى الثانية. والمراد بـ ((الناس)) في الآية ــ هم: الناس على العموم؛ فيدخل في ذلك كل مكلّف، وقيل: المراد الكفار خاصّة، وقيل: كفار مكة، والأول أولَى، كما صنع جمهور المفسرين، والمعنى: لا يؤمنون بالقرآن المشتمل على البعث والحساب والعقاب. ٢٩ - باب وَمِنْ سُورَةِ القَصَصِ مَكِّيَّةُ إِلَّا ﴿إِنَّ الَّذِى فَرَضَ﴾ الآيةَ، نَزَلَتْ بِالْجِحْفَةَ، وَإِلَّ ﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ﴾ إلى ﴿لَا نَبْتَغِى الْجَاهِلِينَ﴾، وَهِيَ سَبْعٌ أَوْ ثمانٍ وَثَمَانونَ آيَةً. [٣١٨٨] قوله (حدثنا يحيى بن سعيد) وهو: القطان، قوله (لعمه) هو: أبو طالب، (اشهدْ) بالجزم، على أنه جوابُ ((قُلْ))، وبالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، وفي رواية سعيد بن المسيِّب، عن أبيه عند الشيخين (١)، فقال: ((أَيْ عَمِّ، قُلْ لا إِلَهَ إِلَّ الله كَلِمَة أَحَاجٌ لَكَ بِهَا عنْدَ الله)) من المحاجَّة، وفي رواية مجاهد عند الطبري (٢): ((أَجَادِلُ عَنْكَ بِهَا)) (أن (١) البخاري، كتاب الجنائز، حديث (١٣٦٠)، ومسلم، كتاب الإيمان، حديث (٢٤). (٢) الطبري في ((التفسير)) (٢٠/ ٩٣ - فكر). ٤٨ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِّ / باب ((ومِنْ سُورةِ القَصَصِ)) تعَيِّرَني بِهَا قُرَيش إنَّمَا يَحْمِلُهُ عَلَيْهِ الجَزَعُ، لأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ؛ فَأَنْزَلَ الله عَزَّ وَجَلَّ : ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]. [م: ٢٥، حم: ٩٣٩٤]. تعيرني) من التعبير، أي: ينسبوني إلى العار، (إنما يحمله عليه الجَزَعُ) بفتح الجيم والزاي، هو: نقيض الصبر، وفي رواية مسلم: ((يَقُولُونَ إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْجَزَعُ))، قال النووي: فهكذا هو في جميع الأصول وجميع روايات المحدِّثين في مسلم وغيره الجزع بالجيم والزاي؛ وكذا نقله القاضي عياض وغيره عن جميع روايات المحدِّثين وأصحاب الأخبار، أي: التواريخ والسير، وذهب جماعاتٌ من أهل اللغة إلى أنه ((الخَرَع)) بالخاء المعجمة والراء المفتوحتين أيضًا، وهو: الضعف والخور، وقيل: هو الدهش. انتهى مختصرًا (الأقررت بها عينك) قال النووي: أحسن ما يقال فيه ما قاله أبو العَبَّاس ثعلب قال: مَعْنَى ((أقَرَّ الله عَيْنَهُ)) أي: بلغه الله أمنيته، حتى ترضى نفسه، وتقر عينه، فلا تستشرف لشيء، وقال الأصمعي: معناه أبرد الله دمْعَتَهُ، لأن دمعة الفرح باردة، وقيل: معناه أراه الله ما يسرُّه، (فأنزل الله ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى﴾) أجمع المفسرون عَلَى أنها نَزَلَتْ في أبي طالب، وهي عامّة؛ فإنه لا يهدي ولا يضلُّ إلا الله تعالى (﴿مَنْ أَحْبَيْتَ﴾) أي: هدايته، وقيل: أحببته لقرابته. اعلم: أن حديث أبي هريرة هذا يدلُّ على أن أبا طالب مات على الكفر، وحديث سعيد بن المسيِّب عن أبيه - عند الشيخين - صريحٌ في ذلك؛ ففيه: فَقَالَ ((أَيْ عَمِّ، قُلْ لا إِلَهَ إلَّا الله كَلِمَةٌ أُحَاجُ لَكَ بِهَا عِنْدَ الله))، فَقَالَ أَبُو جَهْل وَعَبْدُ الله بْن أَبِي أُمَيّةَ، أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُظَلِبِ؟! فَلَمْ يزَلْ رَسولُ اللهِنَّهِ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ وَيُعَيِّرَانِهِ بِتِلْكَ المَقالةِ حَتّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُم: ((عَلَى مِلَّة عَبْدِ المُطَلبِ وأبَى أَنْ يَقُولَ لا إِلهَ إلا الله)). فإن قلت في رواية ابن إسحاق(١)، من طريق العباس بن عبد الله بن معبد، عن بعض أهله، عن ابن عباس، قال: فَلَمَّا تَقَارَبَ مِنْ أَبِي طَالبِ الموت، قَالَ: نَظَرَ العَبَّاسُ إِليْهِ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ، قَالَ: فَأَصْغَى إِليهِ بِأُذُنِهِ، قَالَ: فَقَالَ: يَا ابن أخي، والله لَقَدْ قَالَ أخي الْكَلمَةَ الَّتي أمَرْتَهُ أَنْ يَقُولَها، قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((لَمْ أَسْمَعْ)) قلت في رواية ابن إسحاق هذه - مَجْهُولٌ، وهو بعض أهل العباس بن عبد الله بن معبد، فهذه الرواية لا تقاومُ حديث الصحيحين، ثم تَفَرَّد بهذه الرواية ابن إسحاق، وما تفرد به - لا يقاومُ ما في الصحيحين أصلًا. (١) ابن إسحاق في ((السيرة)) (٣٢٨ - محمد حميد الله). ٤٩ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِنَّهِ / باب ((ومِنْ سُورَةِ العَنْكَبوتِ)) قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِن حَدِيثٍ يَزِيدَ بْنِ کَیْسَانَ. ٣٠- باب ((ومِنْ سُورَةِ العَنْكَبوتِ)) [ت ٣٠، ١٢] بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ [٣١٨٩] (٣١٨٩) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَن سِماكِ بْنِ حَرْب، قَالَ: سَمِعْتُ مُصْعَبَ بْنَ سَعْدٍ يُحَدِّثُ، عَن أَبِيهِ سَعْدٍ، قَالَ: أُنْزِلِتْ فِيَّ أرْبَعُ آيَاتٍ، فَذَكَرَ قِصَّةً، فَقَالَت أُمُّ سَعْدٍ : أَلَيْسَ قَدْ أمَرَ الله بالبِرِّ، والله لا أطْعَمُ طَعَاماً، ولا أشْرَبُ شَرَاباً، حَتَّى أمُوتَ أوْ تَكْفُرَ، قَالَ: فَكَانُوا إِذَا أَرَادُوا أنْ يُطْعِمُوهَا شَجَرُوا فَاهَا؛ فَنَزِلتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَوَضَيْنَا اُلْإِسَنَ بِوَلِدَيِّ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨] الآيَةَ. قوله: (هذا حديث حسن غريب)، وأخرجه أحمد ومسلم والطبري(١). ٣٠ - باب ومن سورة العنكبوت مَكِّيَّةٌ، وَهِيَ تِسْعٌ وِتُّونَ آيَةً. [٣١٨٩] قوله: (عن أبيه سعد) هو: ابن أبي وقاص، قوله: (أنزلت فيَّ) بتشديد الياء، (فذكر قصة)، روى مسلم هذا الحديثَ بذكر القصة في ((باب فضل سعد بن أبي وقاص)) من ((كتاب الفضائل))، (فقالت أم سعد: أليس قد أمر الله بالبر، والله، لا أطعم طعامًا ولا أشرب شرابًا حتى أموت أو تكفر)، وفي رواية مسلم: ((حَلَفَتْ أُمُّ سَعْدٍ أَلَّا تُكَلِّمْهُ أَبَدًا حَتَّى يَكْفُرَ بِدِينِهِ، ولا تَأْكُلَ ولَا تشربَ، قَالَتْ: زَعَمْتَ أنَّ الله وَضَّاكَ بوالديْكَ، فَأَنَا أُمُّكَ، وأَنَا آمُرُكَ بِهَذَا، قَالَ: مَكَثَتْ ثَلاثًا، حتَّى غُشِيَ عَلَيْهَا مِنَ الجَهْدِ))، (شجروا فاها) أي: فتحوا فمها، زاد مسلم: (بِعَصًا ثُمَّ أوجروها))، قال النووي: أي: فتحوه ثم صبوا فيها الطعام، وإنما شجروها بالعصا؛ لئلا تطبقه، فيمتنع وصول الطعام جوفها (﴿وَوَصَّيْنَا الْإِسَنَ بِوَلِدَيْهِ حُسْنَاً﴾ [العنكبوت: ٨]) أي: برًا وعطفًا عليهما، ﴿وَإِن جَهَدَاَ لِتُشْرِكَ بِىِ﴾ الآية، ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلّمٌ﴾ أي: إن طلبا منك وألزماك: ﴿أَنْ تُشْرِكَ بِ﴾ إلهًا ليس لك علمٌ بكونه إلهًا - ﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ أي: في الإشراك، وعبر بنفي العلم عن نَفْيٍ الإله؛ لأن ما لم يُعْلَمْ صحته - لا يجوز اتباعه؛ (١) الطبري في ((التفسير» (٢٠ / ٩٢ - فكر). ٥٠ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ / باب ((ومِنْ سُورَةِ العَنْكَبوتِ)) قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. [ت ٣٠، م٢] [٣١٩٠] (٣١٩٠) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، وعَبْدُ الله بْنُ بَكْرِ السَّهِمِيُّ، عَن حَاتِم بْنِ أبي صَغِيرَةَ، عَن سِمَاك بْنِ حَربٍ، عَن أبي صَالحٍ، عَن أَمِّ هَانئ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ فِي قَوْلِه تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِ نَادِيَكُمُ الْمُنكَرْ﴾ [العنكبوت: ٢٩] قَالَ: ((كانُوا يَخْذِفُونَ أهْلَ الأَرْضِ، فكيف بما علم بطلانه، وإذا لم تَجُزْ طاعة الأبوين في هذا المطلب - مع المجاهدة منهما له - فعدم جوازها مع مجرَّد الطلب بدون مجاهدة منهما - أولى، ويلحق بطلب الشرك منهما سائرُ معاصي الله سبحانه؛ فلا طاعة لهما فيما هو معصيةُ الله، ﴿إِلَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَنِيِّئُكُمْ﴾ أي: فأخبركم، ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: بصالح أعمالكم وسيئاتها أي: فأجازيكم عليها. قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي (١). [٣١٩٠] قوله: (عن حاتم بن أبي صغيرة) هو: أبو يونس البصري، وأبو صغيرة، اسمه: مسلم، وهو جده لأمه، وقيل: زوج أمه، ثقة، من السادسة. قوله: (﴿وَتَأْتُونَ فِ نَادِيكُمْ﴾) النادي والنَّدِيُّ والمُنتَدَى: مجلس القوم ومتحدَّثهم، ولا يقال للمجلس ((ناد)) إلا ما دام فيه أهله (﴿الْمُنكَرِ﴾) اختلف في ((المنكر)» الذي كانوا يأتونه فيه - فقيل: كانوا يَخْذِفُونَ الناس بالحصباء، ويستخفون بالغريب، وقيل: كانوا يتضارَطُون في مجالسهم؛ قالته عائشة، وقيل: كانوا يأتون الرجال في مجالسهم وبَعضُهُمْ يرى بعضًا، وقيل: كانوا يلعبون بالحَمَامِ، وقيل: كانوا يناقرون بين الدِّيَكَةِ، ويناطحون بين الكِبَاش، وقيل: يبزق بعضهم على بعض، ويلعبون بالنَّرْدِ والشَّطْرَنْج، ويلبسون المصبغات، وكان من أخلاقهم: مَضْغُ الْعَلَكِ، وتطريفُ الأصابع بالحِنَّاء، وحَلّ الإزار، والصفير، ولا مانع من أنهم كانوا يفعلون جميع هذه المنكرات؛ ذكره صاحب ((فتح البيان)). قلت: يؤيد الاحتمالَ الأولَ حديثُ أم هانئ هذا: (كَانُوا يَخْذِفُونَ) من الخذْف، بالخاء والذال المعجمتين، وهو: رميك بحصاةٍ أو نواةٍ أو نحوهما، تأخذ بين سبَّابتيك، وهذا تفسير (١) أبو داود، كتاب الجهاد، حديث (٢٧٤٠)، والنسائي، كتاب الوصايا، حديث (٣٦٢٦). ٥١ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ / باب ((ومِن سُورَةِ الرُّومِ)) ويَسْخَرُونَ مِنْهُمْ)). [ضعيف، أبو صالح، ضعيف يرسل، وسماك، تغيّر بآخره، فربَّما تلقن حم: ٢٦٣٥١]. قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ؛ إنَّما نَعْرِفُهُ مِن حَدِيث حَاتِمِ بْنِ أبِي صَغِيرَةَ، عَن سِمَاكِ. حَدَّثَنَا أحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنَا سَلِيْمُ بْنُ أَخْضَرَ، عَنْ حَاتِمِ بْنِ أبِي صَغِيرَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ: نَحْوَهُ. ٣١- باب ((ومِن سُورَةِ الرُّومِ)) [ت ٣١، ١٢] بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَمَةِ [٣١٩١] (٣١٩٢) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا المُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمانَ، عَن أبيهِ عَنِ سُلَيْمانَ الأَعْمَشِ، عَن عَطِيَّةَ، عَن أبِي سعِيدٍ، قَالَ: لمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ، ظَهرَتِ الرُّومُ على فَارِسَ، فَأَعْجَبَ ذَلِكَ المُؤْمِنِينَ؛ فَنَزَلتْ: ﴿الَّمَجَ غُلِبَتِ الزُّومُ﴾ بِنَصْرِ اٌللَّهِ﴾ [الروم: ٤- ٥] قَالَ: فَفَرِحَ [الروم: آية ١ و٢] إلى قَوْلِه ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (! المُؤْمِنُونَ بِظُهُورِ الرُّومِ عَلَى فَارِسَ. [انظر ما بعده]. قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِن هَذا الوَجْهِ، كذا قرأ نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ ﴿غَلَبَتِ الإتيانهم المنكر، (ويسخرون منهم) عطف على ((يَخْذِفُونَ))، قال في ((القاموس)): سَخِرَ منه، أي: هَزِئَ. قوله: (هذا حديث حسن) وأخرجه أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم(١). ٣١ - باب وَمِنْ سُورَةِ الرُّومِ مَكِّيَّةٌ، وَهِيَ سِتُّ أَوْ تِسِعٌ وَخَمْسُونَ آيَةً. [٣١٩١] قوله: (لما كان يوم بدر ظهرت الروم ... إلخ) تقدّم هذا الحديث مع شرحه في ((أوائل أبواب القراءات)). (١) ابن أبي حاتم في ((التفسير)) (٣٠٥٤/٩) (١٧٢٧١ - عصرية)، وابن جرير في ((التفسير)) (١٤٥/٢٠). ٥٢ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِوَِّ / باب ((ومِن سُورَةِ الرُّومِ» [ت ٣١، م٢] [٣١٩٢] (٣١٩٣) حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بْنُ حُرَيثٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، عَن أبي إسْحَاقَ الفَزَارِيِّ، عَن سُفْيَانَ الثَّورِيِّ، عَن حَبِيبٍ بْنِ أبي عَمْرةَ، عَن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، في قَوْلِ الله تَعَالى: ﴿الَّ غُلِبَتِ الرُّوُ فِىِّ أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ [الروم: ١-٣] قَالَ: غَلَبَتْ وَغُلبتْ، كَانَ المُشْرِكُونَ يُحِبُّونَ أن يَظْهَر أهْلُ فَارِسَ عَلَى الرُّومِ؛ لأَنَّهِمْ وَإِيَّاهُمْ أهْلُ أوْثَانٍ، وَكَانَ المُسْلِمُونَ يُحِبونَ أنْ يَظْهَرَ الرُّومِ عَلَى فَارِسَ؛ لأَنّهم أهْلُ كِتَابٍ، فَذَكَرُوهُ لأَبِي بَكْرٍ، فَذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ لِرَسُولِ اللهِ وَلِ قَالَ: ((أمَا إِنَّهُمْ سَيَغْلِبُونَ)) فَذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ لَهمْ، فَقَالُوا اجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ أَجَلًا. فإنْ ظَهرِنَا كَانَ لَنَا كَذَا وَكَذَا، وَإِنْ ظَهِرْتُم، كَانَ لَكُمْ كَذَا وَذَا، فَجَعَلَ أجَلَ خَمْسٍ سِنِينَ، فَلَمْ يَظْهَروا؛ فَذَكَرِ ذَلِكَ لِلنَّبِيِ وَهِ فَقَالَ: ((ألا جَعَلْتَه إلى دُونَ))، قَالَ: أُرَاهُ العَشْرِ، قَالَ سَعِيدٍ: وَالبِضْعُ مَا دُونَ العَشْرِ، قَالَ: ثُمَّ ظَهَرتِ الرُّومُ بَعْدُ، قَالَ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ تعالى: ﴿الَّمَجَ غُلِيَتِ الْرُّوُ﴾ [الروم: ١ و٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿يَفْرَعُ الْمُؤْمِنُونَ ( بِنَصْرِ اللّهِ﴾ [الروم: ٤-٥]، قَالَ سفيانُ: سَمِعْتُ أنّهُمْ ظَهَرُوا عَلَيْهِم يَوْمَ بَدْرٍ . قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غَرِيبٌ؛ إنَّمَا نَعْرِفُهُ مِن حَدِيثٍ سُفيانَ الثَّوْرِيِّ، عَن حَبِيبٍ بْنِ أبِي عَمْرَةَ. [٣١٩٢] قوله: (عن حبيب بن أبي عمرة) القَصّاب، أبي عبد الله الحِمَّاني الكوفي، ثقة، من السادسة. قوله: (قال) أي: ابن عباس: (غُلِبَت) بصيغة المجهول أي: الروم أولًا، (وَغَلَبَتْ) بصيغة المعلوم، أي: ثم غلبت، وفي رواية ابن جرير: ((فَغُلِبَ الرُّومُ، ثُمَّ غَلَبَتْ))، (أن يظهر) أي: يغلب (لأنهم) أي: المشركين، (فإن ظهرنا، كان لنا كذا وكذا)، أي: من قلائِصَ، وفي أثر عبد الله بن مسعود، عند ابن جرير: ((قَالُوا: هَلْ لَكَ أَنْ نُقَامِرَكَ، فَبَايَعُوهُ عَلَى أَرْبَعِ قَلَائِصَ)). (ألا جعلته إلى دُونٍ)، (قَالَ: أُرَاهُ الْعَشْرِ)، وفي رواية ابن جرير ((أَفَلَا جَعَلْتَهُ إِلَى دُوَنِ الْعَشْرِ)). قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه أحمد والنسائي وابن جرير(١). (١) النسائي في ((الكبرى)) (١١٣٨٩)، وابن جرير في تفسيره (٢٠/٢١). ٥٣ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ / باب ((ومِن سُورَةِ الرُّومِ)) [ت ٣١، م٣] [٣١٩٣] (٣١٩١) حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَثْمَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ الجُمَحِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابِ الزُّهْرِيُّ، عَن عُبَيْدِ الله بْنِ عَبْد الله بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أنَّ رَسُوْلَ اللهِوَّهِ قَالَ لأَبِي بَكْرٍ في مُنَاحَبَةٍ: ﴿قُلِبَتِ اُلرُّوُ ج فِيَّ أَدْنَ اُلْأَرْضِ﴾ [الروم: ١، ٢] ((ألا احْتَطتَّ يا أبا بَكْرٍ؛ فَإِنَّ البِضْعَ مَا بَيْنَ الثَّلاث إلى التِّسع)). [ضعيف، عبد الله، لا يعرف]. قَالَ أبُو عِيْسَى: هذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ حَسَنٌ من هذا الوجه مِن حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ عُبَيْدِ الله، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. [ت ٣١، م٤] [٣١٩٤] (٣١٩٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيل، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أَوَيْسٍ، حَدَّثَنِي ابنُ أبِي الزِّنَادِ، عَن أبِي الزِّنَادِ، عَن عُروةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَن نِيَارِ بْنِ مُكَرَّم [٣١٩٣] قوله: (حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الجمحي) أبو سعيد المدني، قال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: كيف هو؟ فقال: لا أعرفه، وذكره ابن حِبَّان في ((الثقات))، وقال ابن عدي: مجهول؛ كذا في ((تهذيب التهذيب)). قوله: (قال لأبي بكر في مناحبة: ﴿الََّّ غُلِبَتِ اُلْزُّوُ﴾) المناحبة: المراهنة، ((أَلَّا))، بفتح الهمزة وشدة اللام: حرف التحضيض، (احتظْتَ) من الاحتياط، وفي رواية ابن جرير: فِيّ أَدْنَ اٌلْأَرْضِ﴾ الآية نَاحَبَ أَبُو بَكْرٍ قُريشًا، ثُمَّ أَتَى النَّبِيُّ لمَّا نزلَت ﴿الَّ ◌َ غُلِيَتِ الرُّومُ وَهِ فَقَالَ لَهُ: إِّي قَدْ نَاحَبْتُهُم، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((هَلَّ احْتَطْت)). قوله: (هذا حديث غريب حسن)، وأخرجه ابن جرير(١). [٣١٩٤] قوله: (حدثنا محمد بن إسماعيل) لم يتعيَّن لي أنه هو الإمام البخاري، أو هو محمد بن إسماعيل السُّلَمِيُّ أبو إسماعيل الترمذيُّ؛ فإنهما من شيوخ أبي عيسى الترمذيِّ، ومن أصحاب إسماعيل بن أبي أوَيْسٍ، (عن نِيَارٍ) بكسر النون وتخفيف التحتانية (بْن مُكْرَم) (١) ابن جرير في تفسيره (١٧/٢١). ٥٤ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِهِ / باب ((ومِن سُورَةِ الرُّومِ)» فِيّ أَدْنَ اُلْأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدِ الأَسْلَميِّ، قَالَ: لمّا نَزَلت: ﴿الَّمَّ أَ غُلِبَتِ الرُّومُ فِي بِضْعِ سِنِينٌ﴾ [الروم: ١-٤] فَكَانَتْ فَارِسُ يَوْمَ نَزَلتْ هَذِهِ الآيَةُ، غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ® قَاهِرِينَ الرُّومِ، وكانَ المُسْلِمُونَ يُحبُّونَ ظُهُورَ الرُّوم عَلَيْهِم؛ لأَنّهُمْ وإِيَّاهُمْ أهْلُ كِتَابٍ، وفيَ ذَلِكَ قَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَيِذٍ يَفْرَعُ الْمُؤْمِنُونَ ﴿ يِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الروم: ٤، ٥] فكَانتْ قُرَيْشٌ تُحِبُّ ظُهورَ فَارِسَ؛ لأَنَّهُمْ وإِيَّاهُمْ لَيْسُوا بِأَهْلِ كِتَابٍ، وَلا إِيمَانٍ بِبَعْثٍ، فَلَمَّا أَنْزَلَ الله تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ، خَرَجَ أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ رَُّهُ يَصِيحُ فِي نَوَاحِي مَكَّةَ: ﴿الَّمَجَ غُلِبَتِ الرُّوُ جَ فِّ أَدْنَ في يِضْعِ سِنِينَ﴾﴾ [الروم: ١-٤] قالَ نَاسٌ مِن الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدٍ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ( قُرَيْشٍ لأَبِي بَكْرٍ: فَذَلِكَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ، زَعَمَ صَاحِبُكم أنَّ الرُّومَ سَتَغْلِبُ فَارِسَاً فِي بِضْعٍ سِنِينَ، أفَلا نُرَاهِنُكَ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: بَلَى؛ وَذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الرِّهَانِ، فَارْتَهَنَ أَبُو بَكْرٍ، والمُشْرِكُونَ، وَتَواضَعُوا الرِّهَانَ، وقَالُوا لأَبِي بَكْرٍ: كَمْ تَجْعَلُ؟ البِضْعُ ثَلاثُ سِنينَ، إلى تِسْعِ سِنينَ، فَسَمِّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ وَسَطاً تَنْتَهِي إِليهِ، قَالَ: فَسَمُّوا بَيْنَهُمْ سِتَّ سِنِينَ، قَالَ: فَمَضَت السِّتُّ سِنِينَ قبْلَ أنْ يَظْهَرُوا، فَأَخَذَ المُشْرِكُونَ رَهْنَ أبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا دَخَلتِ السَّنَةُ السَّابِعَةُ، ظَهَرتِ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ، فعَابَ المُسْلِمُونَ عَلَى أبِي بَكْرٍ تَسْمِيَةَ سِتِّ سِنِينَ؛ لأَنَّ الله تعالى قَالَ: ﴿فِي بِضْعٍ سِنِينَ﴾، قَالَ: وَأَسْلَمَ عِنْدَ ذَلِكَ نَاسٌ كَثِيرٌ. قَالَ: هَذا حَدِيثٌ صحيحٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، من حديث نيار بْنِ مُكَرَّم، لا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِن حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحمنِ بْنِ أبي الزِّنَادِ. بضم أوله وسكون ثانيه وفتح ثالثه، صحابي، عاش إلى أول خلافة معاوية، وأنكر ابن سعد: أن يكون سمع من النَّبيِّ وَّةِ، فذكره في الطبقة الأولى من أهل المدينة، وقال: سمع مِنْ أَبي بكر، وكان ثقة، قليل الحديث. قوله: (يصيح في نواحي مكة) أي: ينادي فيها؛ من الصياح، وهو الصوت بأقصَى الطاقة، (زعم صاحبك) يعنون: رسول الله وَ لغيره، (وتواضعوا الرهان) أي: تواطئوا عليه. قوله: (هذا حديث صحيح حسن غريب) قال الحافظ ابن كَثِيرٍ بعد ذكر هذا الحديث: ٥٥ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ / باب ((ومن سُورَةٍ لُقْمَانٍ)) ٣٢- باب ((ومن سُورَةٍ لُقْمَانٍ)) [ت ٣٢، ١٢] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَمَةِ [٣١٩٥] (٣١٩٥) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مُضَرٍ، عَن عُبَيْدِ الله بْنِ زَحْرٍ، عَن عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَن القَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرّحمن - وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مَولَى عَبدِ الرَّحمنِ - عَن أبِي أَمَامَةَ، عَن رَسُولِ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((لا تَبِيعُوا القَيْنَاتِ ولا تَشْتَرُوهُنَّ، ولا تُعَلِّمُوهُنَّ، ولا خَيْرَ في تِجارَةٍ فِيهِنَّ، وثمنُهُنَّ حَرَامٌ)) في مِثْلِ ذلك أَنْزِلتْ علیه هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٦] إلى آخِر الآيَةِ. [جه: ٢١٦٨ بنحوه]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، إنَّمَا يُرْوَى مِن حدِيث القَاسِم، عَن أبي أُمَامَةَ، - والقاسِمُ ثِقَةٌ - وعَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ: يُضَعَّفُ في الحَدِيثِ، قَالَ: سَمِعتُ مُحمَّد بن إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ: القَاسِمُ ثِقَةٌ، وَعَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ يُضَعَّفُ. وقد رُويَ نَحْو هذا مرسلًا عن جماعة من التابعين؛ مثل: عكرمة، والشعبي، ومجاهد، وقتادة، والسدي، والزهري، وغيرهم. انتهى. قلت: أخرج ابن جرير في («تفسيره)) رواية: عكرمة، والشعبي، ومجاهد، وقتادة - رحمهم الله تعالى -. ٣٢ - باب وَمِن سُورةٍ لُقمانَ مَكِيَّةٌ إلَّا: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِ اَلْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَهٌ﴾ الآيتين؛ فَمَدَنِيَّتَانٍ، وَهِيَ أَرْبَعٌ وَثَلاثُونَ آیةٍ. [٣١٩٥] قوله: (عن أبي أمامة عن رسول الله ( *) قال: لا تبيعوا القينات ... إلخ) تقدَّم هذا الحديث بإسناده ومتنه في ((باب كراهية بيع المغنيات)) من أبواب البيوع، وتقدَّم هناك شرحه . ٥٦ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ / باب ((ومن سُورَةِ السَّجْدَةِ)» ٣٣- باب ((ومن سُورَةِ السَّجْدَةِ)) [ت ٣٣، ١٢] بِسْمِ اللهِ الرََّنِ الرَّحَيَةِ [٣١٩٦] (٣١٩٦) حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ أبِي زِيَادٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزيزِ بْنُ عَبْدِ الله الأُوَيسِيُّ، عَن سُلَيْمانَ بْنِ بِلَالٍ، عَن يَحْيَى بْنِ سَعيدٍ، عَن أنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿نَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦]؛ نَزَلتْ في انْتِظَارِ هذه الصَّلَاةِ الَّتِي تُدْعَى العَتَمَةَ. [د بنحوه: ١٣٢١]. ٣٣ - باب وَمِنْ سُورَةِ السجدَةِ مَكِّيَّةٌ وَهِيَ ثَلاثُونَ آيَةً. [٣١٩٦] قوله: (حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأُوَيْسِيُّ) بضم الهمزة وفتح الواو وسكون التحتية مصغّرًا، أبو القاسم المدني، ثقة، من كبار العاشرة، (عن سليمان بن بلال) هو: التيمي، عن (يحيى بن سعيد) هو: الأنصاري. ٠٠ قوله: ﴿نَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾ أي: ترتفع وتتنحى، ﴿عَنِ الْمَضَاجِع﴾ أي: مواضع الاضطجاع لصلاتهم، (نزلت في انتظار هذه الصلاة التي تدعى العتمة) أي: صلاة العشاء، وروى أبو داود(١) هذا الحديث من وجه آخر، عن أنس بن مالك في هذه الآية: ﴿نَتَجَاقَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦] قال: كانوا يتيقَّظُونَ ما بين المغرب والعشاء، يصلون، قال: وكان الحسن يقول: ((قيام الليل)) والحديث سكت عنه أبو داود والمنذري، وأخرجه ابن مردويه، عن رواية سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس في هذه الآية قال: يُصَلُّونَ مَا بَيْنَ المغْربِ والعِشَاءِ (٢)، قال العراقي: وإسناده جيدٌ، وروى الترمذي(٣) في ((مناقب الحسن والحسين)) في حديث طويل عن حذيفة: ((أَتَّيْتُ النَّبِيَّ رَبِّهِ فَصَلَّيْتُ مَعَهُ المغْرِبَ، فَصَلَّى حَتَّى صَلَاةِ الْعِشاءِ، ثُمَّ انفَتَلَ))، قال الحافظ ابن كثير في ((تفسيره)): قال أنس وعكرمة ومحمد بن المنكدر وأبو حازم وقتادة: هو الصلاة بين (١) أبو داود، كتاب الصلاة، (١٣٢١). (٢) كذا أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، (١٣٢٢). (٣) الترمذي، كتاب المناقب، حديث (٣٧٨١). ٥٧ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ / باب ((ومن سُورَةِ السَّجْدَةِ)) قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غَرِيبٌ؛ لا نَعْرِفهُ إلَّا مِن هَذَا الوَجْهِ. [ت ٣٣، م٢] [٣١٩٧] (٣١٩٧) حَدَّثَنَا ابنُ أبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن أبِي الزِّنَادِ، عَن الأَعْرَجِ، عَن أبِي هُرَيْرَةَ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ وَِّ قَالَ: ((قَالَ الله تعالى: أعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ: مَا لا عَيْنٌ رأتْ، وَلا أُذُنٌ سَمِعتْ، وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبٍ بَشَرٍ))؛ وتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَلَ تَعْلَمُ نَفْسُ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]. [خ: ٣٢٤٤، م: ٢٨٢٤، جه: ٤٣٢٨، حم: ٨٦٠٩، مي: ٢٨٢٨]. قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. العشاءين، وعن أنس - أيضًا - هو: انتظار صلاة العتمة، رواه ابن جرير بإسناد جيد (١). انتھی. قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب)، وأخرجه أبو داود(٢). [٣١٩٧] قوله: (قال الله تعالى: أعددت) من الإعداد، أي: هيأت، (ما لا عين رأت) كلمة ((ما)) إما موصولة أو موصوفة، و((عين)) وقَعَتْ في سياق النفي؛ فأفاد الاستغراق، (ولا خطر) أي: وقع، (على قلب بشر)، زاد ابن مسعود في حديثه: ((وَلا يَعْلَمُهُ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلا نَبِيِّ مُرْسَلٌ))، أخرجه ابن أبي حاتم، وهو يدفع قولَ مَنْ قال: إنما قيل: ((البشر))؛ لأنه يخطر بقلوب الملائكة، قال الحافظ: الأولَى حمل النفي فيه عَلَى عمومه؛ فإنه أعظَمُ في النفس (﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسُ مَّ أُخْفِىَ﴾) بصيغة المجهول؛ من الإخفاء، أي: خُبِّئ؛ قرأ الجمهور: ((أُخْفِيَ)) بالتحريك، على البناء للمفعول، وقرأ حمزة بالإسكان فعلًا مضاعفًا مسندًا للمتكلِّم؛ يؤيده قراءة ابن مسعود: (نُخَفِّي))، بنون العظمة، وقرأها محمد بن كعب: ((أَخْفَى)) بفتح أوله وفتح الفاء؛ على البناء للفاعل، وهو: الله، ونحوها قراءة الأعمش: ((أَخْفَيْتُ)) (﴿مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾) ما تَقَرُّ به أعينه. قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه أحمد والشيخان. (١) ابن جرير في تفسيره (١٠١/٢١). (٢) أبو داود، كتاب الصلاة، حديث (١٣٢١). ٥٨ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَ / باب ((ومن سُورَةِ السَّجْدَةِ)) [ت ٣٣، م٣] [٣١٩٨] (٣١٩٨) حَدَّثَنَا ابْنُ أبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن مُطَرِّفِ بْنِ طَرِيفٍ، وعَبْد المَلكِ - هُوَ ابنُ أبْجَر - سَمِعَا الشَّعْبِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَلَى المِنْبَرِ يَرْفَعُهُ إلى رَسُوْل الله ◌َّهِ يَقُولُ: ((إنَّ مُوسَى عليه السلامُ سَأَلَ رَبَّهُ، فَقَالَ: أي رَبِّ، أيُّ أهْلِ الجَنَّةِ أْنَى مَنْزِلةً؟ قَالَ: رَجُلٌ يَأْتِي بَعْدَ مَا يَدْخُلُ أهْلُ الجَنَّةِ الجنَّةَ، فُيُقَالُ لَهُ: ادْخُلِ الجَنَّةَ، فَيَقولُ: كَيْفَ أَدْخُلُ، وقَدْ نَزَلُوا مَنَازِلَهُمْ، وَأَخَذُوا أخَذَاتِهِمْ، قَالَ: فَيُقَالُ لَهُ: أَتَرْضَى أنْ يَكُونَ لَكَ مَا كَانَ لِمَلِكٍ مِن مُلُوكِ الدُّنْيَا؟ فَيَقُولُ: نَعَم، أَيْ رَبِّ، قَدْ رَضِيتُ، فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ هَذَا ومِثْلَهُ ومِثْلَهُ وَمِثْلَهُ، فَيَقُولُ: قد رَضِيتُ أَيْ رَبِّ، فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ هَذَا وَعَشْرَةَ أمْثَالِهِ، فَيَقُولُ: رَضِيتُ أَيْ رَبِّ، فَيُقَالُ لَّهُ: فإنَّ لَكَ مَعَ هَذا مَا اشْتَهَتِ نَفْسُكَ، وَلَذَّتْ عَيْنُكَ)). [م: ١٨٩]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. وَرَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الحَدِيثَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ المُغِيرَةِ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ؛ والمَرْفُوعُ: أصَحُّ. [٣١٩٨] قوله: (حدثنا سفيان) هو: ابن عيينة. قوله: (وأخذوا أَخَذاتِهِمْ) بفتح الهمزة والخاء؛ قال القاضي: هو ما أخذوه من كرامة مَوْلاهم، وحصّلوه، أو يكون معناه: قصدوا منازلهم، قال: وذكره ثعلَبُ بكسر الهمزة (فإن لك هذا ومثله ومثله ومثله)، وفي رواية مسلمٍ: لَكَ مِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ خَمْسَ مرَّاتٍ، (فإن لك مع هذا ما اشتهَت نفسك ولذَّت عينك)، زاد مسلم: قال: ربِّ فَأَعلَاهمْ مَنْزِلَةً، قالَ: أُولئكَ الَّذِينَ أردْتُ، غَرَسْت كَرَامَتَهُمْ بَيَدِي، وَخَتَمْتُ عَلَيْها، فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ وَلَمْ تَسْمَعْ أُذنٌ وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبٍ بَشَرٍ، قال: ومصداقه في كتاب الله عزَّ وجل: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ﴾ الآية: قال النووي: معنى أرَدْتُ: اخترت واصطفيت، وأما (غرست كرامتهم بيدي .. )) إلى آخره - فمعناه: اصطفيتهم وتوليتهم، فلا يتطرّق إلى كرامتهم تغيير، وفي آخر الكلام: حَذْفٌ؛ للعلم به، تقديره: لم يخطُرْ علَى قلبٍ بشرٍ ما أكرمتهم به وأعددته لهم. قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه مسلم. ٥٩ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ / باب ((ومن سُورةِ الأَحْزَابِ)) ٣٤- باب ((ومن سُورةِ الأَخْزَابِ)) [ت ٣٤، ١٢] بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَمَةِ [٣١٩٩] (٣١٩٩) حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ، أخْبَرَنَا صَاعِدٌ الحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، أَخْبَرَنَا قابُوسُ بْنُ أبي ظَبْيَانَ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ، قَالَ: قُلْنَا لابنِ عَبَّاسٍ، أرأيْتَ قَوْلَ الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مَّا جَعَلَ اَللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِهٍ﴾ [الأحزاب: ٤] مَا عَنَى بِذَلِكَ؟ قَالَ: قَامَ نَبِيُّ الله وَّهِ يَوْماً يُصَلِّي، فَخَطَرَ خَطْرَةً، فَقَالَ المُنَافِقُونَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ مَعَهُ: ألا تَرَى أَنَّ لَهُ قَلْبَيْنِ، قَلْباً مَعَكُمْ، وقَلْباً مَعَهُمْ، فَأَنْزَلَ الله: ﴿مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِئٍ﴾ [الأحزاب: ٤]. [فيه ضعف، قابوس فيه لين حم: ٢٤٠٦]. حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يُونسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ: نحْوَهُ. ٣٤ - بَاب: وَمِن سُورَةِ الأخْزَابِ مَدَنِيَّةٌ، وَهِيَ ثلاثٌ وَسَبْعُونَ آيَةً. [٣١٩٩] قوله: (حدَّثنا عبد الله بن عبد الرحمن) هو: الإمام الدارمي، (أخبرنا صاعد) بن عبيد البَجَلي، أبو محمد، أو أبو سعيد، (الحرَّاني) بفتح الحاء المهملة وشدة الراء وبالنون، مقبول، من كبار العاشرة، (حدثنا زهير) هو: ابن معاوية. قوله: (فخطر خطرة) يريد: الوسوسة التي تحصل للإنسان في صلاته، قال في ((النهاية)) في حديث سجود السهو: ((حَتَّى يَخْطِرَ الشَّيطَانُ بَيْنَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ))(١). يريد: الوسوسة، ومنه حديث ابن عباس: ((قَامَ نَبِيُّ الله ◌َّهُ يَوْمًا يُصَلِّي فَخَطَرَ خَطْرَةً، فقالَ المنافقُونَ: إِنَّ لَهُ قَلْبَيْنِ)). انتهى. وفي رواية: ((صلّى النَّبِيُّ وَّهِ صَلَاةً، فَسَهَا فِيْهَا، فَخَطَرَتْ مِنْهُ كَلِمَةٌ فَسَمِعَهَا المُنَافِقُونَ، فَقَالُوا: إنَّ لَهُ قَلْبَيْنٍ))، فنزلت (ألا ترى)، وفي رواية: ((أَلَا تَرَوْنَ)): (أن له قلبين: قلبًا معكم، وقلبًا معهم) أي: مع أصحابه (فأنزل الله: ﴿مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِ﴾ [الأحزاب: ٤]) قال ابن جرير: اختلف أهل التأويل في المراد من قول الله: ﴿مَّا جَعَلَ اَللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِ﴾ [الأحزاب: ٤]، فقال بعضهم: عَنَى بذلك تكذيبَ قَوْمٍ من أهل النفاق، وصفوا نبي الله وَ * بأنه ذُو قَلبَين، فنفى ذلك عن نبيه، وكذبهم، ثم ذكر أثر ابن (١) لم أجده بهذا اللفظ، لكن أصله في صحيح البخاري، كتاب الجمعة، حديث (١٢٣١). ٦٠ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ / باب ((ومن سُورةِ الأَحْزَابِ)) عباس هذا، ثم قال: وقال آخرون: بل عنَى بذلك رَجُلًا من قريش كان يُدعَى ((ذَا القَلبينِ)) من دهائه، ثم ذكر من قال ذلك، ثم قال: وقال آخرون: بل عنَى بذلك زيد بن حارثة مِنْ أجل أنَّ رسول الله وَّه كان تبنّاه فَضَرَبَ الله بذلك مثلًا. انتهى. وقال ابن كثير في ((تفسيره)) يقول تعالى موِّئًا قبل المقصود المعنويِّ أمرًا معروفًا حسيًّا، وهو كما لا يكون للشخص الواحدِ قلبان في جَوفِهِ، ولا تصير زوجته التي يظاهر منها بقوله: ((أنتِ عَلَيَّ كظَهرٍ أُمِّي)) (١) أُمَّا له، كذلك: لا يصير الدَّعيُّ ولدًا للرجل إذا تبناه فدعاه ابنًا له، فقال: ﴿َّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِهِ، وَمَا جَعَلَ أَزْوَجَكُمُ الَّتِى تُظَِهِرُونَ مِنْهُنَّ أُتَهَتِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤] كقوله عزّ وجلَّ: ﴿مَّا هُنَّ أُمَّهَتِهِمَّ إِنْ أُمَّهَتُهُمْ إِلَّا الَّتِى وَلَدْنَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢] الآية، وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَّكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤] هذا هو المقصود بالنفي؛ فإنها نزلَتْ في شأن زيد بن حارثة - رَظُبه - مولى النّبيِ وَّ كان النبي ◌َّ قد تبنّاه قبل النبوة؛ فكان يقال له: زيد بن محمد، فأراد الله تعالى أن يقطع هذا الإلحاق وهذه النسبة، بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]؛ كما قال تعالى في أثناء السورة: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدُّ أَبَاَ أَحَدٍ مِّن رِجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيْنُّ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٠]، وقال هاهنا: ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَهِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]، يعني: تبنيكم لهم قولٌ لا يقتضي أن يكون ابنًا حقيقيًا؛ فإنه مخلوق من صلب رَجُلٍ آخر، فما يمكن أن يكون له أبوانٍ، كما لا يمكن أن يكون للبشر الواحد قَلْبَانِ، ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِى السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤] قال سعيد بن جبير يقول الحق أي: العدل، وقال قتادة: وهو يهدي السبيل، أي: الصراط المستقيم. وقد ذكر غير واحد أن هذه الآية نزلَتْ في رجل من قريش كان يقال له: ((ذو القلبين))، وأنه كان يزعم أن له قلبَينٍ، كل منهما بعقل وافرٍ، فأنزل الله هذه الآية رَدًّا عليه، هكذا روى العوفي عن ابن عباس، وقال به مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة. ثم ذكر ابن کثیر حدیثَ ابْنِ عباس الذي نحْنُ في شرحه، ثم قال: وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الزهري، في قوله: ﴿مَّا جَعَلَ اَللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِهِ ﴾ [الأحزاب: ٤] قال: بلغنا أن ذلك كان في زيد بن حارثة، ضرب له مثل يقول: ليس ابنُ رَجُلٍ آخر ابنَكَ(٢)؛ وكذا قال مجاهد وقتادة وابن زيد: إنها نزلت في زيد بن حارثة - نظّ ◌ُبه - وهذا يوافق ما قدمناه من التفسير. انتهى. (١) أحمد، حديث (٢٦٧٧١)، وغيره. (٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (١١١/٣).