Indexed OCR Text
Pages 581-600
٥٨١ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَّل المُشْرِكُونَ، وَمَنْ أَنْزَلَهُ، وَمَنْ جَاءَ بِهِ، فَأَنْزَلَ الله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ﴾ فَيَسُبُّوا القُرْآنَ، وَمَنْ أَنْزَلَهُ، وَمَنْ جاءَ بِهِ: ﴿وَلَا تُخَفِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] ◌َعَن أَصْحَابِكَ، بِأَنْ تُسْمِعَهُمْ حَتَّى يَأْخُذُوا عَنْكَ القُرْآنَ. [خ: ٤٧٢٢، م: ٤٤٦، ن: ١٠١١، حم: ١٥٦]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌّ. [ت ١٨، م ١٦] ٣١] (٣١٤٦) حَدَّثَنَا أحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، حَدَّثَنَا أبو بِشْرٍ، عَن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَفِتْ بِهَا وَأَبْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠] قَالَ: نَزَلَتْ وَرَسُولُ اللهِِّ مُخْتَفٍ بِمَكَّةَ، فَكَانَ إِذَا صَلَّى بِأَصْحَابِهِ، رَفَعَ صوته بِالقُرْآنِ، فَكَانَ المُشْرِكُونَ إِذَا سَمِعُوه شَتَمُوا القُرْآنَ، وَمَنْ أَنْزَلَهُ، وَمَنْ جَاءَ بِهِ، فَقَالَ الله تَعَالَى لِنَبِّهِ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ﴾ [الإسراء: ١١٠] أيْ: بِقِرَاءَتِكَ، فَيَسْمَعُ المُشْرِكُونَ، فَيَسُبُّوا القُرْآنَ: ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] عَن أصْحَابِكَ: ﴿وَأَبْتَخِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠]. [خ: ٤٧٢٢، م: ٤٤٦]. المشركون) الضمير المنصوب للقرآن (ومن أنزله) عطف على الضمير المنصوب؛ وكذلك قوله: (ومن جاءه به) أي: سبوا القرآن، والله - سبحانه - وجبريل (﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ﴾) أي: لا تعلن بقراءة القرآن، إعلانًا شديدًا، فيسمعك المشركون ([فيسبوا](١)) بصيغة المجهول، وهو منصوب بتقدير ((أن)): بعد الفاء (القرآن) نائب الفاعل ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]) أي: لا تخفض صوتك بالقراءة (بأن تسمعهم حتى يأخذوا عنك القرآن): يعني: اقرأ القرآن؛ بحيث يسمعه أصحابك، ويأخذونه عنك، ولا يسمعه المشركون؛ فيسبونه. قوله: (هذا حديث حسن) وأخرجه أحمد، والشيخان، من طريق هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس موصولًا . [٣١٤٦] قوله: (ورسول الله وَ﴿ مختف بمكة) يعني: في أول الإسلام. (﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ﴾) أي: بقراءتك؛ وهو: من باب إطلاق الكل، وإرادة الجزء. (﴿وَبْتَغِ﴾) أي: اطلب. (﴿بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠]) أي: طريقًا وسطًا بين الجهر والإخفاء. (١) في نسخة: ((فيسب)). ٥٨٢ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَفيه قَالَ أبو عيسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. [ت ١٨، م ١٧] [٣١٤٧] (٣١٤٧) حَدَّثَنَا ابنُ أبي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن مِسْعَرٍ، عَن عاصِمِ بْنِ أبي النُّجُودِ، عَن زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، قَالَ: قُلْتُ لِحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمانِ: أصَلَّى رَسولُ اللهِ وَله في بَيْتِ المَقْدِسِ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: أَنْتَ تَقُولُ ذَاكَ يَا أصْلَعُ بِمَا تَقُولُ ذَلِكَ؟ قُلْتُ: بِالقُرْآنِ، بَيْنِي وَبَيْنَكَ القُرْآنُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: مَن احْتَجَّ بالقُرْآنِ، فَقَدْ قَالَ سُفْيَانُ: يَقُولُ: فَقَد احْتَجَّ - وَرُبَّمَا قَالَ: أفَلَحَ - فَقَالَ: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَبْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ اٌلْأَقْصَا﴾ [الإسراء: ١] قَالَ: أَفَتَرَاهُ صَلَّى فِيهِ؟ قُلْتُ: لَا ، قَالَ: لَوْ [٣١٤٧] قوله: (عن مسعر) هو: ابن كدام (قال: لا) أي: قال حذيفة: لم يصل رسول الله وَّ في بيت المقدس. وقوله هذا مبني على أنه لم يبلغه أحاديث صلاته وَلايتم فيه (قلت: بلى) أي: قد صلى فيه (يا أصلع) هو: الذي انحسر الشعر عن رأسه؛ قاله الجزري. وقال في ((القاموس)): الصَّلَع محركة: انحسار شعر مقدم الرأس؛ لنقصان مادة الشعر في تلك البقعة، وقصورها عنها، واستيلاء الجفاف عليها . (بِمَ تقول ذلك؟) أي: بأي دليل تقول إنه وَ له صلى فيه (قلت: بالقرآن) أي: أقول بالقرآن؟ (بيني وبينك القرآن) أي: يحكم بيني وبينك القرآن، ويفصل (من احتج بالقرآن، فقد أفلح) أي: فاز بمرامه (قال سفيان) أي: في بيان مراد حذيفة بقوله: (أفلح) (يقول) أي: حذيفة؛ يعني: يريد (قد احتج) أي: أتى بالحجة الصحيحة (وربما قال) أي: سفيان ((فلج)): من الفلج؛ بفتح الفاء، وسكون اللام، وبالجيم، وهو: الظفر، والفوز. وفلج على خصمه من باب نصر؛ كذا في ((مختار الصحاح)). وفي بعض النسخ: ((أفلح)): من باب الأفعال، وهو بمعنى: الفلج. قال في ((القاموس)): الفلج، والظفر، والفوز؛ كالإفلاج (فقال) أي: زر ابن حبيش: (﴿سُبْحَانَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا﴾ [الإسراء: ١]) يعني: إذ أسرى به ◌َّله إلى المسجد الأقصى، ودخله. فالظاهر أنه قد صلى فيه (قال) أي: حذيفة (أفتراه صلى فيه) يعني: في هذه الآية تصريح لصلاته وَّيقول (قلت: لا) يعني: ليس فيها تصريح؛ لكن الظاهر من الآية أنه صلى فيه (قال: لو ٥٨٣ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهَِيه صَلَّى فِيهِ، لَكُتِبَ عَلَيْكُمْ فِيْهِ الصَّلَاةُ، كَمَا كُتِبَتِ الصَّلَاةُ في المَسْجِدِ الحَرامِ، قَالَ حُذَيْفَةُ: أُتِيَ رَسولُ اللهِ وَّهِ بِدَابَّةٍ طَوِيلِ الَّهْرِ، مَمْدُودٍ هَكَذَا، خَطْوَهُ مَدُّ بَصَرِهِ، فمَا زَايَلَا ظَهْرَ البُرَاقِ حَتَّى رأيًا الجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَوَعْد الآخِرَةِ أجْمَعَ، صلى فيه لكتبت الصلاة عليكم فيه؛ كما كتبت الصلاة في المسجد الحرام) قد أجاب الحافظ في ((الفتح)): عن قول حذيفة هذا؛ فقال: والجواب عنه منع التلازم في الصلاة إن كان أراد بقوله: ((كتب عليكم الفرض))، وإن أراد التشريع؛ فنلتزمه، وقد شرع النبي ◌َّر الصلاة في بيت المقدس؛ فقرنه بالمسجد الحرام، ومسجده في شد الرحال، وذكر فضيلة الصلاة فيه في غير ما حديث، وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي(١): ((حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ المَقْدِسِ، فَأَوْثَقْتُ دَابَّتِي بِالْحَلَقَةِ الَّتِي كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ تَرْبِطُ بِهَا)): وفيه: ((فَدَخَلْتُ أَنَا وَجِبْرِيلُ بَيْتَ المَقْدِسِ، فَصَلَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا رَكْعَتَيْنٍ)): وفي رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه نحوه، وزاد: (ثُمَّ دَخَلْت المَسْجِدَ فَعَرَفْتُ النَّبِيِّينَ مِنْ بَيْنِ قَائِمِ وَرَاكِعٍ وَسَاجِدٍ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاءُ، فَأَمَمْتُهُمْ)). وفي حديث ابن مسعود عند مسلم(٢): ((وَحَانَتِ الصَّلَاة، فأممتهم)). انتهى كلام الحافظ مختصرًا. (بداية) هي: البراق (طويلة الظهر، ممدودةٍ هكذا) أي: أشار حذيفة لطول ظهرها، ومد بيده (خطوه) في ((القاموس)): خَطَا خَطْوًا: مشى والخطوة، ويفتح: ما بين القدمين (مد بصره) أي: منتهى بصره (فما زايلا ظهر البراق) أي: ما فارق النبي بَّه وجبريل ظهره. في ((القاموس)): زَايَلَهُ مُزَايَلَةً وَزِيَالًا: فَارَقَهُ. انتهى. وفيه دليل على أن جبريل - عليه السلام - كان راكبًا مع النبي ◌َِّ على البراق. وفي ((صحيح ابن حبان))(٣) من حديث ابن مسعود: أن جبريل حمله على البراق رديفًا له. وفي رواية الحارث في ((مسنده))(٤): أتي بالبراق؛ فركب خلف جبريل؛ فسار بهما، فهذا صریح في رکوبه معه. فهذه الروايات حجة على من أنكر ركوب جبريل مع النبي وَّر على البراق. (١) البيهقي في ((دلائل النبوة)) (٣٩١/٢). (٢) مسلم، كتاب الإيمان، حديث (١٧٢) لكن من حديث أبي هريرة. (٣) ابن حبان، حديث (٤٥). (٤) ((بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث)) للهيثمي، حديث (٢٢). ٥٨٤ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّ ثُمَّ رَجَعَا عَوْدَهُما عَلَى بَدْئِهِمَا، قَالَ: وَيَتَحَدَّثُونَ أَنَّهُ رَبَطَهُ لِمَ؟ أيَفِرُّ مِنْهُ، وَإِنَّمَا سَخَّرَهُ لَهُ عالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ. [حم: ٢٢٧٧٤]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. [ت ١٨، م ١٨] [٣١٤٨] (٣١٤٨) حَدَّثَنَا ابنُ أبي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جَدْعَانَ، عَن أبي نَضْرَةَ، عَن أبي سَعِيدٍ الخدري، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَالَ: ((أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلا فَخْرَ، وَبِيَدِي (ثم رجعا عودهما على بدئهما) قال في ((القاموس)): رجع عودًا على بدء، وعوده على بدئه؛ أي: لم يقطع ذهابه؛ حتى وصله برجوعه (ويتحدثون أنه ربطه لِمَ؟ أيفر منه ... إلخ) قد أجاب البيهقي عن قول حذيفة هذا، وقوله المتقدم؛ فقال: المثبت مقدم على النافي. قال الحافظ: بعد ذكر كلام البيهقي هذا: يعني: من أثبت ربط البراق، والصلاة في بيت المقدس معه زيادة علم على من نفى ذلك؛ فهو أولى بالقبول، ووقع في رواية بريدة عند البزار (١): ((لَمَّا كَانَ لَيْلَةً أُسْرِيَ بِهِ، فَأَتَى جِبْرِيلُ الصَّخْرَةَ الَّتِي بِبَيْتِ المَقْدِسِ، فَوَضَعَ إِصْبَعَهُ فِيهَا، فَخَرَقَهَا، فَشَدَّ بِهَا الْبُرَاقَ)): ونحوه للترمذي انتهى. وقوله: (([لم](٢)): يعني: لأي شيء ربط البراق، ثم قال على وجه الإنكار: ليفر منه: أي: هل ربطه لخوف فراره منه؟ ثم قال: إنما سخره .. . إلخ. يعني: لا يمكن منه الفرار؛ لأنه مسخر من الله - تعالى - فلا حاجة إلى ربطه. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، والنسائي(٣). [٣١٤٨] قوله: (عن أبي نضرة) اسمه: المنذر بن مالك بن قطنة العبدي. قوله: (أنا سيد ولد آدم) قاله إخبارًا عما أكرمه الله - تعالى - من الفضل، والسؤدد، وتحدثًا بنعمة الله - تعالى - عنده، وإعلامًا منه لأمته؛ ليكون إيمانهم به على حسبه وموجبه؛ ولهذا أتبعه بقوله: (ولا فخر) أي: أن هذه الفضيلة التي نلتها كرامة من الله، لم أنلها من قبل نفسي، ولا بلغتها بقوتي؛ فليس لي أن أفتخر بها؛ قاله الجزري. (١) وأخرجه أيضًا ابن حبان في ((صحيحه)) (٤٧). (٢) في نسخة: ((لما)). (٣) النسائي في ((الكبرى)) (١١٢٨٠). ٥٨٥ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌َِّهـ لِوَاءُ الحَمْدِ وَلا فَخْرَ، وَمَا مِن نَبِيِّ يَوْمَئِذٍ، آدَم فَمَنْ سِوَاهُ إلَّا تَحْتَ لِوَائِي، وَأَنَا أَوَّلُ مَن تَنْشَقُّ عَنْهُ الأرْضُ وَلا فَخْرَ)). قَالَ: ((فَيَفْزَعُ النَّاسُ ثَلَاثَ فَزَعاتٍ، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ أَبُونَا آدَمُ، فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، فَيقولُ: إِنِّي أَذْنَبْتُ ذَنْبًا أُهْبِظْتُ مِنْهُ إلى الأرْضِ، وَلَكِنِ اثْتُوا نُوحًا فَيَأْتُونَ نُوحًا، وقال النووي: فيه وجهان: أحدهما: قاله؛ امتثالا لأمر الله تعالى: ﴿وَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] وثانيهما: أنه من البيان الذي يجب عليه تبليغه إلى أمته؛ ليعرفوه، ويعتقدوه، ويعملوا بمقتضاه في توقيره وي كما أمرهم الله - تعالى - به. انتهى. (لواء الحمد) اللواء بالكسر، وبالمد: الراية، ولا يمسكها إلا صاحب الجيش؛ قاله الجزري في ((النهاية)). قال الطيبيّ: لواء الحمد: عبارة عن الشهرة وانفراده بالحمد على رؤوس الخلائق. ويحتمل أن يكون لحمده لواء يوم القيامة حقيقة. يسمّى: لواء الحمد. وقال التوربشتي: لا مقام من مقامات عباد الله الصالحين، أرفع وأعلى من مقام الحمد، ودونه تنتهي سائر المقامات، ولما كان نبينا سيد المرسلين، أحمد الخلائق في الدنيا والآخرة أعطي لواء الحمد، ليأوي إلى لوائه الأولون، والآخرون، وإليه الإشارة بقوله وَّر: ((آدَمُ وَمَنْ دُونَهُ تَحْتَ لِوَائِي)). انتهى. قلت: حمل لواء الحمد على معناه الحقيقي هو: الظاهر، بل هو المتعين؛ لأنه لا يصار إلى المجاز، مع إمكان الحقيقة. (وما من نبي يومئذ آدم، فمن سواه إلا تحت لوائي) قال الطيبيّ: نبي نكرة وقعت في سياق النفي، وأدخل عليه ((من)) الاستغراقية فيفيد استغراق الجنس، وقوله ((آدم فمن)): إما: بيان، أو بدل من محله، و((من)) فيه موصولة («وسواه)) صلته، وصح؛ لأنه ظرف، وأوثر الفاء التفصيلية في ((فمن سواه)) على الواو للترتيب، على منوال قوله: ((الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثِلُ)) (وأنا أول من تَنْشَقُّ عنه الأرض ) أي: للبعث؛ فلا يتقدم أحد عليه بعثًا، فهو من خصائصه (فيفزع الناس ثلاث فزعات). قال القرطبي: كأن ذلك يقع إذا جيء بجهنم؛ فإذا زفرت؛ فزع الناس حينئذ، وجئوا على ركبهم. (إني أذنبت ذنبًا) يعني: أكله من الشجرة، وقد نهي عنها (أهبطت منه) بسببه، والجملة ٥٨٦ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهِ فَيَقُولُ: إِنِّ دَعَوْتُ عَلَى أهْلِ الأرْضِ دَعْوَةً فَأُهْلِكُوا، وَلَكِنِ اذْهَبُوا إلى إِبراهِيمَ، فَيَأْتُونَ إبراهِيمَ، فيقولُ: إِنِّي كَذَبْتُ ثَلَاثَ كَذِباتٍ))، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَالَ: «مَا مِنْهَا كَذْبَةٌ إلَّا مَا حَلَّ بها عَن دِينِ الله، وَلَكِنِ اثْتُوا مُوسَى، فَيَأْتُونَ مُوسَى، فيقولُ: إِنِّي قَدْ قَتَلْتُ نَفْسًا، وَلَكِنِ اثْتُوا عِيسَى، فيأتون عِيسَى، فيقولُ: إِنِّي عُبِدْتُ مِن دُونِ الله، وَلَكِنِ اثْتُوا مُحمَّدًا، قَالَ: فَيَأْتُونَنِي، فَأَنْطَلِقُ مَعَهُمْ))، صفة لقوله: ذنبًا (فيقول: إني دعوت على أهل الأرض دعوة؛ فأهلكوا) وفي رواية: (إِنِّي دَعَوْت بِدَعْوَةٍ أَغْرَقَتْ أَهْلَ الْأَرْضِ)»: والمراد بهذه الدعوة قوله: ﴿رَّبِّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِنَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] وفي رواية قال: ((إِنَّهُ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ دَعَوْتُ بِهَا عَلَى قَوْمِي)): وفي رواية: ((وَيَذْكُرُ سُؤَالَ رَبِّهِ مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ)). قال الحافظ: ويجمع بينه وبين الأول بأنه اعتذر بأمرين: أحدهما: نهي الله - تعالى - له أن يسأل ما ليس له به علم؛ فخشي أن تكون شفاعته لأهل الموقف من ذلك. ثانيهما: أن له دعوة واحدة محققة الإجابة، وقد استوفاها بدعائه على أهل الأرض، فخشي أن يطلب؛ فلا يجاب. (فيقول: إني كذبت ثلاث كذبات) يأتي بيان هذه الكذبات في تفسير ((سورة الأنبياء)). قال البيضاوي: الحق أن الكلمات الثلاث إنما هي من معاريض الكلام؛ لكن لما كانت صورتها صورة الكذب؛ أشفق منها؛ استصغارًا لنفسه عن الشفاعة مع وقوعها؛ لأن من كان أعرف بالله، وأقرب إليه منزلة كان أعظم خوفًا . (إلا ما حل بها) بالحاء المهملة. قال في ((النهاية)): أي: دفع وجادل من المحال؛ بالكسر، وهو: الكيد، وقيل: المكر، وقيل: القوة، والشدة، وميمه أصلية، ورجل محل؛ أي: ذو كيد (فيقول: إني قد قتلت نفسًا) وفي رواية عند سعيد بن منصور (١): ((إِنِّي قَتَلْتُ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ، وَإِنْ يُغْفَرْ لِي الْيَوْمَ حَسْبِي)) (فيقول: إني عُبدت من دون الله)، وفي رواية أحمد، والنسائي(٢) من حديث ابن عباس: ((إِنِّي اتُخِذْت إِلَهَا مِنْ دُونِ الله)): وفي رواية عند سعيد بن منصور ونحوه، وزاد: ((وَإِنْ يُغْفَرْ لِيَ الْيَوْمَ حَسْبِي)). (١) انظر ((فتح الباري)) (٤٣٥/١١). (٢) أحمد (٢٥٤٢) مطولًا، وأبو يعلى (٢٣٢٨). قال الهيثمي في ((المجمع)): (٦٧٥/١٠) رواه أبو يعلى وأحمد، وفيه علي بن زيد وقد وثق على ضعفه، وبقية رجالهما رجال الصحيح. ٥٨٧ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِّهِ / باب ((ومن سورَة الكَهْف» قَالَ ابنُ جَدْعانَ: قَالَ أَنَسٌ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلى رَسُولِ اللهِوَِّ، قَالَ: ((فَآَخُذُ بِحَلْقَةٍ بَابِ الجَنَّةِ فَأُقَعقِعُهَا، فَيُقَالُ: مَن هَذَا؟ فَيُقَالُ: مُحمَّدٌ فَيَفْتَحُونَ لِي، وَيَرَّخِّبُونَ، فَيَقُولُونَ: مَرْحَبًا، فَأَخِرُّ سَاجِدًا، فَيُلْهِمُني الله مِنَ الثَّنَاءِ وَالحَمْدِ، فَيُقَالُ لِي: ارْفَعْ رَأْسَكَ وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَقُلْ يُسْمَعْ لِقَوْلِكَ، وَهُوَ المَقَامُ المَحمُودُ الَّذِي قَالَ الله: ﴿عَسَقَّ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا تَّحْمُودًا﴾)) [الإسراء: ٧٩] قَالَ سُفْيَانُ: لَيْسَ عَن أَنَسٍ، إلَّا هَذِهِ الكَلِمَةُ، ((فَآَخُذُ بِحَلقَةٍ بَابِ الجَنَّةِ فَأَقَعْقِعُهَا)). [جه مختصرًا: ٤٣٠٨]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وقد رَوَى بَعْضُهُمْ هذا الحدیثَ، عَن أبي نَضْرَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، الحديثَ بِطُولِهِ. ١٩- باب ((ومن سورَة الكَهْف)) [ت ١٩، م ١] (قال ابن جدعان: قال أنس: فكأني أنظر إلى رسول الله قال: فآخذ بحلقة باب الجنة، فأقعقعها) أخذ ابن جدعان هذا القدر من حديث أنس، لا من حديث أبي سعيد؛ ولذا صرح به. وأما قوله: ((فَيُقَالُ: مَنْ هَذَا؟ فَيُقَالُ: مُحَمَّدٌ .. )). إلى آخر الحديث؛ فهو من حديث أبي سعيد، لا من حديث أنس؛ كما صرح به سفيان بقوله: ليس عن أنس إلا: هذه الكلمة: ((فآخذ بحلقة باب الجنة؛ فأقعقعها)) (فأقعقعها) أي: احركها لتصوت. والقعقعة: حكاية حركة الشيء، يسمع له صوت (فيقولون: مرحبًا) هذا بيان لقوله: يرحبون بي (واشفع تشفع) بصيغة المجهول من التفعيل؛ أي: تقبل شفاعتك. قوله: (هذا حديث حسن) وأخرجه أحمد، وابن ماجه مختصرًا، وأخرجه أيضًا الترمذي في ((أوائل المناقب)) مختصرًا. قوله: (وقد روى بعضهم هذا الحديث، عن أبي نضرة عن ابن عباس الحديث بطوله) أخرجه أحمد. ١٩ - باب وَمِنْ سُورَةٍ ﴿اَلْكَهْفِ﴾ مكية؛ وهي: مئة وإحدى عشرة آية. ٥٨٨ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌َِ﴿ / باب ((ومن سورَة الكَهْف» بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَةِ [٣١٤٩] (٣١٤٩) حَدَّثَنَا ابنُ أبي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لابنِ عَبَّاسٍ: إنَّ نَوْفًا البَكَالِيَّ يَزْعُمُ أنَّ مُوسَى صَاحِبَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، لَيْسَ بِمُوسَى صَاحِبِ الخَضِرِ، قَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ الله، سَمِعْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ◌ِّهِ يَقُولُ: ((قَامَ مُوسَى خَطِيبًا في بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أعْلَمُ؟ فَقَالَ: أنَا أعْلَمُ، فَعَتَبَ الله عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إِلَيْهِ، فَأَوْحَى الله إلَيْهِ: أنَّ عَبْدًا مِن عِبَادِي بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ هُوَ أعْلَمُ مِنكَ، قَالَ: [٣١٤٩] (إن نونًا) بفتح النون، وسكون الواو، بعدها فاء هو: ابن فضالة (البكالي) بكسر الموحدة، وبالكاف، مخففًا، وبعد الألف لام، وهو: منسوب إلى بني بكال بن دعمي بن سعد بن عوف: بطن من حمير. ويقال: إنه ابن امرأة كعب الأحبار، وقيل: ابن أخيه، وهو تابعي، صدوق (يزعم أن موسى صاحب بني إسرائيل، ليس بموسى صاحب الخضر) وفي رواية [أبي] (١) إسحاق، عن سعيد بن جبير، عند النسائي(٢) قال: ((كُنْت عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعِنْدَهُ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! إِنَّ نَوْفًا يَزْعُمُ عَنْ كَعْبِ الْأَخْبَارِ أَنَّ مُوسَى الَّذِي طَلَبَ الْعِلمَ إِنَّمَا هُوَ مُوسَى بْنُ مِيشَا، أَيْ: ابْنُ إفراثيم بْنُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَسَمِعْتَ ذَلِكَ مِنْهُ يَا سَعِيدُ؟ قُلْت: نَعَمْ، قَالَ: كَذَبَ نَوْفٌ)). قال ابن إسحاق في ((المبتدأ)): كان موسى بن ميشا قَبْل موسى بن عمران نبيًا في بني إسرائيل، ويزعم أهل الكتاب أنه الذي صحب الخضر؛ كذا في ((الفتح)). (قال: كذب عدو الله) هذان اللفظان محمولان على إرادة المبالغة في الزجر، والتنفير عن تصديق تلك المقالة، قال ابن التين: لم يرد ابن عباس إخراج نوف عن ولاية الله؛ ولكن قلوب العلماء تتنفر؛ إذا سمعت غير الحق؛ فيطلقون أمثال هذا الكلام، لقصد الزجر، وحقيقته غير مرادة (فعتب الله عليه) العتب من الله - تعالى - محمول على ما يليق به، لا على معناه العرفي في الآدميين؛ كنظائره (إن عبدًا من عبادي بمجمع البحرين) اختلف في (١) في نسخة: ابن، وهو غلط؛ والصواب ما أثبت، كما في ((كبرى)) النسائي. (٢) النسائي في ((الكبرى)) (١١٣٠٧). ٥٨٩ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَي أي رَبِّ، فَكَيْفَ لِي بِهِ؟ فَقَالَ لهُ: احْمِلْ حُوتًا في مِكْتَلِ فَحَيْثُ تَفْقِدُ الحُوتَ، فَهُوَ ثَمَّ، فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقَ مَعَهُ فَتَاهُ، وَهُوَ يُوشَعُ بْنُ نُون - وَيُقَالُ: يوسع - فَجَعَلَ مُوسَى حُوتًا في مِكْتَلٍ، فَانْطَلَقَ هُوَ وَفَتَاهُ يَمْشِيَانِ حَتَّى أَتَيَا الصَّخْرَةَ، فَرَقَدَ مُوسَى وَفَتَاهُ، فَاضْطَرَبَ الحُوتُ في المِكْتَلِ حَتَّى خَرَجَ مِنَ المِكْتَلِ، فَسَقَطَ في البَحْرِ، قَالَ: وَأَمْسَكَ الله عَنْهُ جَرْيَةَ المَاءِ، حَتَّى كَانَ مِثْلَ الظَّاقِ، وكَانَ لِلْحُوتِ سَرَبًّا، وكَانَ لِمُوسَى ولِفَتَاهُ عَجَبًا، فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا وَلَيْلَتِهِمَا، وَنُسِّيَ صَاحِبُ مُوسَى أنْ يُخْبِرَهُ، مكان مجمع البحرين؛ فروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة قال: بحر فارس والروم، وقيل: غير ذلك، وذكر الحافظ في ((الفتح)): أقوال مختلفة فيه. ثم قال: هذا اختلاف شديد (أي رب) أصله: ربي حذفت ياء المتكلم؛ للتخفيف؛ اكتفاء بالكسر (فكيف لي به) أي: كيف الالتقاء لي بذلك العبد؟ (أحمل حوتًا في مكتل) بكسر الميم، وفتح المثناة من فوق. قال في ((القاموس)): هو: زنبيل يسع خمسة عشر صاعًا، وفي رواية أبي إسحاق، عند مسلم (١): ((فَقِيلَ لَهُ تَزَوَّدْ حُوتًا مَالِحًا)). قال الحافظ: يستفاد من هذه الرواية: أن الحوت كان ميتًا؛ لأنه لا يملح وهو حي. (فهو ثم) بفتح الثاء المثلثة: ظرف؛ بمعنى: هناك، وقالت النحاة: هو اسم يشار به إلى المكان البعيد، أي: فذلك العبد في ذلك المكان (فتاه) أي: صاحبه (وهو: يوشع) بضم التحتية، وسكون الواو، وفتح الشين المعجمة (بن نون) مصروف؛ كنوح، ويوشع بن نون هذا: من أولاد يوسف - عليه السلام -. وإنما قال: فتاه؛ لأنه كان يخدمه، ويتبعه، وقيل: كان يأخذ العلم عنه، وهو الذي قام في بني إسرائيل بعد موت موسى (حتى أتيا الصخرة) أي: التي عند مجمع البحرين، والصخرة في اللغة: الحجر الكبير (وأمسك الله عنه جرية الماء) أي: جريانه (حتى كان مثل الطاق) الطاق: ما عطف من الأبنية؛ أي: جعل كالقوس؛ من قنطرة ونافذة، وما أشبه ذلك. وفي رواية لمسلم(٢): ((فَاضْطَرَبَ الحُوتِ فِي المَاءِ، فَجَعَلَ لَا يَلْتَئِمُ عَلَيْهِ حَتَّى صَارَ مِثْلَ الْكُوَّةِ)) (وكان للحوت سربًا) أي: مسلكًا، ومذهبًا، يسرب ويذهب فيه (وكان لموسى، ولفتاه عجبًا) أي: شيئًا يتعجب منه (١) مسلم، كتاب الفضائل، حديث (٢٣٨٠). (٢) المصدر السابق. ٥٩٠ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهَِهِ فَلَمَّا أَصْبَحَ مُوسَى: ﴿قَالَ لِفَتَنْهُ ءَائِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَفِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢] قَالَ: ((وَلَمْ يَنْصَبْ حَتَّى جَاوَزَ المَكَانَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ))، ﴿قَالَ أَرَبَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِ نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَآ أَنسَئِنِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ، وَأَتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِ الْبَحْرِ عَمَا﴾ [الكهف: ٦٣] قَالَ مُوسَى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغَ فَارْتَدًا عَلَىَ ءَاثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤] قَالَ: ((فكانا يَقُصَّانِ آثَارَهُمَا))، قَالَ سُفْيَانُ: يَزْعُمُ نَاسٌ أنَّ تِلْكَ الصَّخْرَةَ عِنْدَهَا عَيْنُ الحَيَاةِ، ولا يُصِيبُ مَاؤُهَا مَيِّنَا إلَّا عَاشَ، قَالَ: وكَانَ الحُوتُ قَدْ أُكِلَ مِنْهُ، (﴿وَائِنَا غَدَآءَنَا﴾) أي: طعامنا، وزادنا. (﴿نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢]) أي: شدة وتعبًا (لم ينصب) أي: لم يَتْعَبْ من باب: سَمِعَ یَسْمَعُ. وفي رواية البخاري: ((وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى النَّصَبَ)): (﴿أَرَءَيْتَ﴾) أي: أخبرني. (﴿إِذ﴾ [الكهف: ٦٣]) ظرف؛ بمعنى: حين، وفيه حذف تقديره: أرأيت ما دهاني إذ أوينا ... إلخ. (﴿ذَلِكَ﴾﴾ أي: فقدان الحوت. (﴿مَا كُنَّا نَبْغَ﴾) أي: هو الذي كنا نطلبه؛ لأنه علامة وجدان المقصود. (﴿فَأَرْتَدًا﴾) أي: رجعا. (﴿عَلَىَّ ءَاثَارِهِمَا﴾) أي: آثار سيرهما. (﴿قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤]) أي: يقصان قصصًا (يقصان آثارهما). قال في ((القاموس)): قَصَّ أثره قصًا، وقصصًا: تتبعه. وقال فيه: ﴿فَأَرْتَذَا عَلَى ءَاثَارِهِمَا قَصَصًا﴾: أي: رجعا من الطريق الذي سلكاه يقتصان الأثر. قال سفيان: يزعم ناس إلى قوله: (فلما قطر عليه الماء عاش) وعند البخاري في ((التفسير))(١): قال سفيان: وفي حديث غير عمرو. قال: وفي أصل الصخرة: عين. يقال لها: الحياة، لا يصيب من مائها شيء إلا حيى؛ فأصاب الحوت من ماء تلك العين، قال: فتحرك وانسل من المكتل؛ فدخل البحر. قال الحافظ: هذه الزيادة التي ذكر سفيان أنها: في حديث غير عمرو. قد أخرجها ابن مردويه، من رواية إبراهيم بن يسار، عن سفيان، مدرجة في حديث عمرو. وأظن أن ابن عيينة أخذ ذلك، عن قتادة؛ فقد أخرج ابن أبي حاتم(٢) من طريقه قال: ((فَأَتَى عَلَى عَيْنٍ فِي الْبَحْرِ يُقَالُ لَهَا: عَيْنُ الحَيَاةِ، فَلَمَّا أَصَابَ تِلْكَ الْعَيْنَ رَدَّ الله رُوحَ الحُوتِ إِلَيْهِ)). (١) البخاري، كتاب التفسير، حديث (٤٧٢٧). (٢) انظر ((الدر المنثور)) (٤٢٤/٥). ٥٩١ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَيه فَلَمَّا قَطَرَ عَلَيْهِ المَاءُ عَاشَ، قَالَ: فَقَصَّا آثَارَهُما حَتَّى أتَيَا الصَّخْرَةَ، فَرأى رَجُلًا مُسَجَّى عَلَيْهِ بِثَوْبٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى، فَقَالَ: أنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ؟ فَقَالَ: أَنَا مُوسَى، قَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَم، قَالَ: يَا مُوسَى إِنَّكَ عَلَى علْم مِن عِلْم الله، عَلَّمَكَهُ الله لا أعْلَمُهُ، وَأنَا عَلَى عِلْم مِن عِلْم الله عَلَّمَنِهِ لا تَعْلَمُهُ، فَقَالَ مُوسَى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشِدًا (٣) قَالَّ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرَالَّ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ، خبرٌ (٨) قَالَ سَتَجِدُنِىِّ إِن شَآءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَاَ أَعْضِى لَكَ وقد أنكر الداودي فيما حكاه ابن التين هذه الزيادة؛ فقال: لا أرى هذا يثبت؛ فإن كان محفوظًا؛ فهو من خلق الله، وقدرته. انتهى. وقوله: (قطر عليه الماء) من القطر، وهو بالفارسية: جكيدن وجكانيدان. لازم ومتعد (مسجى) اسم مفعول من التسجية؛ أي: مغطى (فسلم عليه موسى) وفي رواية لمسلم(١): (فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَكَشَفَ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ وَقَالَ: وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ)) (فقال: أنى بأرضك السلام) قال الحافظ: هي بمعنى: أين، أو كيف، وهو استفهام استبعاد، يدل على أن أهل تلك الأرض لم يكونوا إذ ذاك مسلمين (فقال: أنا موسى) في رواية البخاري(٢): ((مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا مُؤْسَى)) (إنك على علم من الله علمكه الله لا أعلمه) أي: لا أعلم جميعه (وأنا على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه) أي: لا تعلم جميعه. وتقدير ذلك متعين؛ لأن الخضر كان يعرف من الحكم الظاهر ما لا غنى بالمكلف عنه، وموسى كان يعرف من الحكم الباطن ما يأتيه بطريق الوحي. (﴿رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦]) صفة لمحذوف؛ أي: علمًا رشدًا، أي: ذا رشد، وهو من قبيل: رجل عدل. (﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٦٧]) كذا أطلق بالصيغة الدالة على استمرار النفي؛ لما أطلعه الله عليه من أن موسى لا يصبر على ترك الإنكار؛ إذا رأى ما يخالف الشرع؛ لأن ذلك شأن عصمته؛ ولذلك لم يسأله موسى عن شيء من أمور الديانة؛ بل مشى معه، ليشاهد منه ما اطلع به على منزلته في العلم الذي اختص به. (﴿وَلَيْفَ تَصْبِرُ﴾) استفهام عن سؤال تقديره ((لم)). قلت: إني لا أصبر، وأنا سأصبر. قال: كيف تصبر (﴿عَ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ، خُبْرًا﴾ [الكهف: ٦٨]) (١) مسلم، كتاب الفضائل، حديث (٢٣٨٠). (٢) البخاري، كتاب التفسير، حديث (٤٧٢٦). ٥٩٢ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌َِفي أَمْرًا﴾ [الكهف: ٦٦-٦٩] قَالَ لهُ الخَضِرُ: ﴿فَإِنِ أَتَّبَعْتَنِ فَلَا تَسْتَلْنِ عَن شَىْءٍ حَتَّىَ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٧٠] قَالَ: نَعَم، فَانْطَلَقَ الخَضِرُ وَمُوسَى يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ البَحْرِ، فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ، فَكَلَّمَاهُ أنْ يَحْمِلُوهُما، فَعَرَفُوا الخَضِرَ، فَحَمَلُوهُما بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَعَمِدَ الخَضِرُ إِلَى لَوْحِ مِن أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ، فَنَزَعَهُ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إلَى سَفِينَتِهِمْ، فخَرَقْتَهَا: ﴿لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا ﴿ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا (®َ قَالَ لَا نُؤَاخِذْنِ بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِى مِنْ أَمْرِى عُدْرًا﴾ [الكهف: ٧١-٧٣] ثُمَّ خَرَجَا مِنَ السَّفِينَةِ، فَبَيْنَمَا هُمَا يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِلِ، وَإِذَا غُلَامٌ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الخَضِرُ بِرأسِهِ فَاقْتَلَعَهُ بِيَدِهِ، فَقَتَلَهُ، قَالَ لَهُ مُوسَى: ﴿أَقَلْتَ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ ٧٤ نَفْسًا زَكِيَّةٌ بِغَيْرِ نَفْسِ لَّقَدْ جِثْتَ شَيْئًا نُّرًا صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٤، ٧٥] قَالَ: وَهَذِهِ أَشَدُّ مِنَ الأولَى: ﴿قَالَ إِن سَأَلْئُكَ عَن شَىْءٍ بَعْدَهَا ◌َ فَأَنْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَنَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ أَسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْأ فَلاَ تُصَحِبْنِى قَدْ بَغْتَ مِن لَُّنِ عُذْرًا ◌َـ أي: علمًا (فانطلق الخضر، وموسى يمشيان) لم يذكر فتى موسى، وهو: يوشع؛ لأنه تابع غير مقصود بالأصالة (فكلماهم) أي: أهل السفينة (بغير نول) بفتح النون، وسكون الواو؛ وهو الأجرة (فنزعه) أي: قلعه. (﴿أَمْرًا﴾) أي: منكرًا؛ قاله مجاهد، أو عظيمًا؛ قاله قتادة. نُؤَاخِذْنِىِ بِمَا نَسِيتُ﴾ [الكهف: ٧٣]) كلمة ((ما)): يجوز أن تكون موصولة؛ أي: بالذي نسيت، والعائد محذوف؛ أي: نسيته، ويجوز أن تكون مصدرية؛ أي: بنسياني، ويجوز أن تكون نكرة؛ بمعنى: شيء؛ أي: بشيء نسيته. (﴿وَلَا تُرْحِقْنِى﴾) أي: لا تكلفني. (﴿عُشْرًا﴾) أي: مشقة في صحبتي إياك، أي: عاملني فيها بالعفو، واليسر (فأخذ الخضر برأسه؛ فاقتلعه) وفي رواية للبخاري(١): ((فَأَخَذَ غُلَامًا كَافِرًا ظَرِيفًا، فَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ ذَبَحَهُ بِالسِّكِّينِ)) وَيجمع بينهما بأنه ذبحه، ثم اقتلع رأسه. (﴿أَقْتَ نَفْسًا زَّكِيَّةٌ﴾ [الكهف: ٧٤]) أي: طاهرة من الذنوب. (﴿يِغَيّرِ نَفْسٍ﴾) أي: بغير قصاص لك عليها. (﴿نُكْرًا﴾) أي: منكرًا، وعن قتادة، وابن كيسان: النكر أشد، وأعظم من الإمر (وهذه أشد من الأولى) أي: أوكد من الأولى؛ حيث زاد كلمة لك. (﴿فَلاَ تُصَحِبْنِىٌ﴾) أي: فارقني. (﴿قَدْ بَغْتَ مِن لَّدُنِ عُذْرًا﴾ [الكهف: ٧٦]) أي: بلغت إلى الغاية التي تعذر بسببها في فراقي. (﴿حَتَّىَ إِذَا أَنَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾) قيل: الأيلة. وقيل: أنطاكية. وقيل: أذربيجان. وقيل: غير (١) البخاري، كتاب التفسير، حديث (٤٧٢٦). ٥٩٣ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَه أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٦، ٧٧] يَقُولُ: مَائِلٌ، فَقَالَ الخَضِرُ بِيَدِهِ هَكَذَا فَأَقَامَهُ فَقَال لَهُ مُوسَى: قَوْمٌ أتَيْنَاهُمْ فَلَمْ يُضَيِّفُونَا وَلَمْ يُطْعِمُونَا ﴿لَوْ ! قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِ وَيَّنِكَ سَأُنْبِتُكَ بِنَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعِ غَلَيْهِ شِئْتَ لَنَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٧، ٧٨]. قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَهُ: (يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى، لَوَدِدْنَا أَنَّهُ كَانَ صَبَرَ حَتَّى يَقُصَّ عَلَيْنَا مِن أخْبَارِهِما))، قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((الأولَى كَانَتْ مِن مُوسَى نِسْيَانٌ، قَالَ: وَجَاء عصْفُورٌ حَتَّى وَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ، ثُمَّ نَقَرَ في الْبَحْرِ، فَقَالَ لهُ الخَضِرُ: ما نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِن عِلْمِ الله إلَّا مِثْلَ ما نَقَصَ هَذَا العُصْفُورُ ذلك، وذكر الحافظ في ((الفتح)) أقوالًا عديدة ثم قال: هذا الاختلاف قريب من الاختلاف في المراد بمجمع البحرين، وشدة المباينة في ذلك تقتضي ألا يوثق بشيء من ذلك. (﴿أَن يُضَيِّفُوهُمَا﴾) أي: ينزلوهما بمنزلة الأضياف. (﴿فِيهَآ﴾) أي: في القرية. (﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧]) هذا عن المجاز؛ لأن الجدار لا يكون له حقيقة إرادة، أي: قرب، ودنى من الانقضاض؛ وهو: السقوط. واستدل الأصوليون بهذا على وجود المجاز في القرآن، وله نظائر معروفة (يقول: مائل) هذا تفسير لقوله: ﴿يُرِيدُ أَن يَنْقَضَّ﴾: من بعض الرواة. (فقال الخضر بيده: هكذا) أي: أشار إليه بيده؛ وهو من إطلاق القول على الفعل، وهذا في كلام العرب كثير (قوم) أي: هؤلاء قوم، أو هم قوم. (﴿لَنَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧]) أي: أجرة وجعلا. (﴿قَالَ﴾﴾ أي: الخضر لموسى. (﴿هَذَا فِرَاقُ﴾) أي: وقت فراق. (﴿بینی وَيَبْنِكَ﴾) فيه إضافة بين إلى غير متعدد سوغها تكريره بالعطف بالواو. (﴿سَأَنَبِتُكَ﴾ [الكهف: ٧٨]) قبل فراقي (يرحم الله موسى) إخبار؛ ولكن المراد منه الإنشاء؛ لأنه دعاء له بالرحمة (الأولى) صفة موصوفها محذوف، أي: المسألة الأولى (نسيانًا) خبر كانت، وعند البخاري في ((التفسير))(١): كَانَتِ الْأُولَى نِسْيَانًا، وَالْوُسْطَى شَرْطًا، وَالثَّالِئَةُ عَمْدًا. قال العيني: قوله: ((نسيانًا)): حيث قال: ((لا تؤاخذني بما نسيت؟)): و((شرطًا)): حيث قال: ((إن سألتك عن شيء بعدها))، و((عمدًا)): حيث قال: ((لو شئت لاتخذت عليه أجرًا)). (وجاء عصفور) بضم أوله: طير مشهور. وقيل: هو الصرد (على حرف السفينة) أي: على طرفها (ما نقص علمي، وعلمك من علم الله) لفظ النقص ليس على ظاهره؛ لأن علم الله (١) البخاري، كتاب التفسير، حديث (٤٧٢٥). ٥٩٤ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّ مِن البَحْرِ))، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ - وكَانَ يَعْني ابنَ عَبَّاسِ - يَقْرَأ: ﴿وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصباً﴾، وكَانَ يَقْرَأُ: ﴿وأمَّا الغلامُ فكانَ كافراً﴾. (خ: ١٢٢، م: ٢٣٨٠، د مختصرًا: ٣٩٨٤، حم: ٢٠٦٠٦]. قَالَ أَبُو عِيْسَی: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَرَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنِ عُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ بَه، وقد رَوَاهُ أبو إِسْحَاقَ الهَمْدَانِيُّ، عَن سَعِيدِ بْنِ مُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َلـ لا يدخله النقص، فقيل: معناه: لم يأخذ. وهذا توجيه حسن، ويكون التشبيه واقعًا على الأخذ، لا على المأخوذ منه، وأحسن منه: أن المراد بالعلم: المعلوم؛ بدليل دخول حرف التبعيض؛ لأن العلم القائم بذات الله - تعالى - صفة قائمة، لا تتبعض، والمعلوم هو الذي يتبعض. وقال الإسماعيلي: المراد: أن نقص العصفور لا ينقص البحر بهذا المعنى، وهو كما قيل: [من الطويل] وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُونَهُمْ بِهِنَّ قُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ أي: ليس فيهم عيب. وحاصله: أن نفي النقص أطلق على سبيل المبالغة، وقيل: ((إلا)) بمعنى و((لا))؛ أي: ولا كنقرة هذا العصفور. وقد وقع في رواية ابن جريج بلفظ أحسن سياقًا من هذا، وأبعد إشكالاً ((فَقَالَ: مَا عِلْمِي، وَعِلْمُكَ فِي جَنْبٍ عِلْمِ الله إِلَّا كَمَا أَخَذَ هَذَا الْعُصْفُورُ بِمِنْقَارِهِ مِنَ الْبَحْرِ)): وهو تفسير للفظ الذي وقع هنا؛ كذا في ((الفتح)). (يقرأ: وكان أمامهم) والقراءة المشهورة: وكان وراءهم (ملك يأخذ كل سفينة صالحة) كذا كان يقرأ ابن عباس بزيادة صالحة بعد كل سفينة، وكذا كان يقرأ أبيّ؛ ففي رواية النسائيّ(١): وكان أُبيّ يقرأ: ((يأخذ كل سفينة صالحة غصبًا))، وفي رواية إبراهيم بن يسار، عن سفيان ((وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقْرَأُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَحِيحَةٍ غَصْبًا)) (وكان يقرأ) أي: ابن عباس (وأما الغلام، فكان كافرًا) والقراءة المشهورة: وأما الغلام؛ فكان أبواه مؤمنين. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري في مواضع فوق العشرة، ومسلم في (١) النسائي في ((الكبرى)) (١١٣٠٦). ٥٩٥ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَه قَالَ أَبُو عِيْسَى: سمعت أبا مُزَاحِمِ السَّمَرْقَنْدِيَّ يقول: سمعت عَلِيّ بْنَ المَدِينِيِّ، يقول: حَجَجْتُ حَجَّةً وَلَيْسَ لِي هِمَّةٌ إلَّا أنْ أسْمَعَ مِن سُفْيَانَ يَذْكُرُ في هذا الحديثِ الخَبَرَ حَتَّى سَمِعْتُهُ، يَقُولُ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وقد كُنْتُ سَمِعْتُ هَذَا مِن سُفْيَانَ مِن قَبْل ذَلِكَ، ولم يَذْكُرْ فيه الخَبَرَ. [ت ١٩، م ٢] [٣١٥٠] (٣١٥٠) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أبو قُتَيْبَةُ سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الجَبَّارِ بْنُ العَبَّاسِ الهَمْدَانِيُّ، عَن أبي إِسْحَاقَ، عَن سَعِيدٍ بْنِ مُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنِ النَّبِّ ◌َِّ قَالَ: ((الغُلَامُ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ، طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كَافِرًا)). [م: ٢٣٨٠، د: ٤٧٠٥، حم: ٢٠٦١١]. ((أحاديث الأنبياء))، والنسائي (قال أبو مزاحم السمرقندي) اسمه سباع؛ بكسر السين المهملة، بعدها موحدة: ابن النضر، مقبول، من الثانية عشرة (وليس لي همة) بالكسر، ويفتح: ما هم به من أمر ليفعل، وأول العزم، والعزم القوي (إلا أن أسمع من سفيان يذكر في هذا الحدیث الخبر) أي: لفظ حدثنا، أو أخبرنا (حتى سمعته) أي: سفیان (يقول: حدثنا عمرو بن دينار، وقد كنت سمعت هذا) أي: هذا الحديث (من سفيان قبل ذلك، ولم يذكر الخبر) أي: لم يذكر سفيان لفظ: ((حدثنا، أو أخبرنا)): بل ذكر لفظ ((عن)): أو قال أو نحوهما. وإنما لم يقنع ابن المديني، على ما سمع هذا الحديث من سفيان بغير لفظ الخبر؛ لأنه كان يدلس، وإن كان تدليسه من الثقات؛ كما صرح به الحافظ في ((طبقات المدلسين)»(١) . [٣١٥٠] قوله: (حدثنا عبد الجبار بن العباس) الشبامي بكسر المعجمة، ثم موحدة خفيفة، نزل الكوفة، صدوق، يتشيع، من السابعة. قوله: (طبع يوم طبع كافرًا) أي: خلق يوم خلق كافرًا؛ يعني: خلق على أنه يختار الكفر، فلا ينافي خبر: ((كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِظْرَةِ))؛ إذ المراد بالفطرة: استعداد قبول الإسلام؛ وهو لا ينافي كونه شقيًا في جبلته. (١) ابن حجر في ((طبقات المدلسين)) (٣٢/٥٢). ٥٩٦ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَه قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ. [ت ١٩، م ٣] [٣١٥١] (٣١٥١) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهِ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((إنَّمَا سُمِّيَ الخَضِرَ؛ لأَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ، فَاهْتَزَّتْ تَحْتَهُ خَضْرَاءَ)). [خ: ٣٤٠٢، حم: ٨٠٥١]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. [ت ١٩، م ٤] [٣١٥٢] (٣١٥٢) حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحمَّدِ بْنِ فُضَيْلِ الجَزَرِيُّ، وغیرُ وَاحِدٍ، قالُوا: حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه مسلم، وأبو داود، وابن جرير(١) في «تفسيره» . [٣١٥١] قوله: (حدثنا يحيى بن موسى) هو: البلخي (إنما سمي الخضر) بفتح أوله، وكسر ثانيه، أو بكسر أوله، وإسكان ثانيه، ثبتت بهما الرواية، وبإثبات الألف واللام فيه، وبحذفهما؛ قاله الحافظ. (جلس على فروة بيضاء) زاد عبد الرزاق في ((مصنفه)) بعد أن أخرجه الفروة: ((الحَشِيشِ الْأَبْيَضُ وَمَا اشبهه)). قال عبد الله بن أحمد بعد أن رواه عن أبيه عنه: أظن هذا تفسيرًا من عبد الرزاق. انتهى. وجزم بذلك عياض. وقال الحربي: الفروة من الأرض: قطعة يابسة من حشيش. وهذا موافق لقول عبد الرزاق. وعن ابن الأعرابي الفروة: أرض بيضاء، ليس فيها نبات. وبهذا جزم الخطّابي، ومن تبعه. (فاهتزت) أي: تحركت الفروة (خضراء) بفتح، فسكون، أو فكسر، منونًا؛ أي: نباتًا أخضر ناعمًا، وهو إما تمييز، أو حال. وفي رواية البخاري ((خَضْرَاء)»: على زنة: حمراء. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري، وغيره. [٣١٥٢] قوله: (حدثنا جعفر بن محمد بن فضيل الجزري) الرسعني: أبو الفضل. ويقال له: الراسبي، صدوق، حافظ، من الحادية عشرة (حدثنا صفوان بن صالح) الثقفي، (١) ابن جرير في ((التفسير)) (٣/١٦). ٥٩٧ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَه عَن يَزِيدَ بْنِ يُوسُفَ الصِنْعَانِيِّ، عَن مَكْحُولٍ، عَن أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَن أبي الدَّرْدَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ، كَنْزٌ لَّهُمَا﴾ [الكهف: ٨٢]، قَالَ: ((ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ)). [ضعيف جدًّا، يزيد بن يوسف متروك الحديث، والوليد بن مسلم كثير التدليس والتسوية]. [ت ١٩، م ٥] حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الخلَّالِ، حَدَّثَنَا صِفْوَانُ بْنُ صَالِحِ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ، عَن يَزِيدَ بْنِ يُوسُفَ الصَّنْعَانِيِّ، عَن يَزِيدَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، عَن مَكْحُولٍ، بهذا الإسْنَادِ: نحوَهُ. قَالَ أبُو عِيْسَى: هذَا حَديثٌ غَريبٌ. [ت ١٩، م ٦] [٣١٥٣] (٣١٥٣) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، وغيرُ وَاحِدٍ - وَاللَّفْظُ لابنِ بَشَّارٍ - قالُوا: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الملِكِ، حَدَّثَنَا أبو عَوانَةَ، عَن قَتَادَةَ، عَن أبي رَافِعٍ - من حَدِيثٍ أبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َهِ مولاهم، أبو عبد الملك الدمشقي، ثقة، وكان يدلس تدليس التسوية، من العاشرة (عن يزيد بن يوسف) الرحبي (الصنعاني) صنعاء دمشق، ضعيف، من التاسعة. قوله: (﴿وَكَانَ تَحْتَّهُ كَنْ﴾ [الكهف: ٨٢] قال: ذهب، وفضة) فيه: دلالة على أن ذلك الكنز كان ذهبًا، وفضة. واختلف أهل العلم فيه؛ فقال قتادة، وعكرمة، وغير واحد: كان تحته مال مدفون لهما. وهذا ظاهر السياق من الآية، وهو اختيار ابن جرير رحمه الله تعالى. وقال العوفي، عن ابن عباس: كان تحته كنز علم؛ كذا قال سعيد بن جبير. وقال مجاهد: صحف فيها علم. قلت: لا شك أن قول عكرمة، وقتادة هو الظاهر؛ ويؤيده حديث أبي الدرداء هذا، وفي سنده يزيد بن يوسف؛ وهو ضعيف، أخرجه أيضًا البخاري في ((تاريخه)): والطبراني، والحاكم(١) وصححه. [٣١٥٣] قوله: (عن قتادة، عن أبي رافع، من حديث أبي هريرة) كذا وقع في النسخ (١) البخاري في ((تاريخه الكبير)) (٣٦٩/٨) (٣٣٥٧)، والطبراني في «الأوسط)) (٦٩٩٦)، والحاكم (٣٣٩٦). ٥٩٨ كِتابُ تَفسير القرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّل في السَّدِّ، قَالَ: ((يَحْفرُونَهُ كُلَّ يَوْمِ، حَتَّى إِذَا كَادُوا يَخْرِقُونَهُ، قَالَ الَّذِي عَلَيْهِم: ارْجِعُوا فَسَتَخْرِقُونَهُ غَدًا، قَالَ: فَيُعِيدُهُ الله كأمثل مَا كَانَ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ مُدَّتَّهُمْ، وَأَرَادَ الله أنْ يَبْعَثَهُمْ عَلَى النَّاسِ، قَالَ الَّذِي عَلَيْهِم: ارْجِعُوا فَسَتَخْرِقُونَهُ غَدًا إنْ شَاءَ الله وَاسْتَثْنَى، قَالَ: فَيَرْجِعُونَ، فَيَجِدُونَهُ، كَهَيْئَتِهِ حِينَ تَرَكُوهُ فَيَخْرِقُونَهُ، فَيَخْرُجُونَ عَلَى النَّاسِ، فَيَسْتَقُونَ المِيَاهَ، وَيَفرُّ النَّاسُ مِنْهُمْ، فَيَرْمُونَ بِسِهَامِهِمْ إلى السَّمَاءِ، فَتَرْجِعُ مُخَضَّبَةً بِالدِّمَاءِ، فيقولُونَ: قَهَرْنَا مَن في الأرْضِ، وَعَلَوْنَا مَن في السَّماءِ قَسْوةً وَعُلُوَّا، فَيَبْعَثُ الله عَلَيْهِم نَغَفًّا في أقْفَائِهِمْ الموجودة بذكر لفظ ((حديث)) بين ((عن)) و((أبي هريرة)) والظاهر: أن يكون ((عن قتادة، عن أبي رافع، عن أبي هريرة)) بحذفه. وكذلك وقع في ((مسند أحمد)) و((سنن ابن ماجه))(١). قوله: (في السد) أي؛ الذي بناه ذو القرنين (يحفرونه) الضمير المرفوع: ليأجوج ومأجوج، والمنصوب للسد (قال: الذي عليهم) أي: الذي هو أمير عليهم (فيعيده) أي: السد المخروق (كأمثل ما كان) وفي بعض النسخ: ((كَأَشَدِّ مَا كَانَ» (حتى إذا بلغ مدتهم) وفي رواية ابن ماجه (٢): ((حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ مُدَّتُهُمْ)): أي: المدة التي قدرت لهم (واستثنى) أي: قال: إن شاء الله (قال) أي: رسول الله وََّ (فيستقون المياه) وفي رواية ابن ماجه ((فَيَنْشِفُونَ المَاءَ)): وفي حديث أبي سعيد، عند أحمد(٣): ((وَيَشْرَبُونَ مِيَاهَ الْأَرْضِ)) (ويفر الناس منهم) وفي رواية ابن ماجه(٤): ((وَيَتَحَصَّنُ النَّاسُ مِنْهُمْ فِي حُصُونِهِمْ))، وفي حديث أبي سعيد عند ابن ماجه(٥) ((وينحاز منهم المسلمون حتى تصير بقية المسلمين فِي مَدَائِنِهِمْ وَحُصُوْنِهِمْ)) (فترجع مخضبة بالدماء) أي؛ فترجع السهام مصبوغة بالدماء إليهم (وعلونا من في السماء) أي: غلبناهم (قسوة وعلوًا) أي: يقولون هذا القول؛ غلظة، وفظاظة، وتكبرًا (فيبعث الله عليهم نغفًا) بفتح النون، والغين المعجمة: دود يكون في أنوف الإبل، والغنم، جمع: نغفة (في أقفائهم) جمع: قفا؛ وهو: وراء العنق. وفي حديث النواس بن سمعان: ((فِي رقابهم)) (٦) (١) ابن ماجه، كتاب الفتن، حديث (٤٠٨٠). (٢) ابن ماجه، كتاب الفتن، حديث (٤٠٨٠). (٣) أحمد، حديث (١١٧٤٩)، وابن حبان في ((صحيحه)) (٦٨٣٠). (٤) ابن ماجه، كتاب الفتن، حديث (٤٠٨٠). (٥) ابن ماجه، كتاب الفتن، حديث (٤٠٧٩). (٦) مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، حديث (٢٩٣٧). ٥٩٩ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهِ فَيَهْلِكُونَ؛ فَوَالّذِي نَفْسُ مُحمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّ دَوَابَّ الأرْضِ تَسْمَنُ، وَتَبْطَرُ، وَتَشْكَرُ شَكَرًا مِن لُحُومِهِمْ)). [جه: ٤٠٨٠]. قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، إنَّمَا نَعْرِفُهُ من هذا الوَجْهِ: مِثْلَ هذا. [ت ١٩، م ٧] [٣١٥٤] (٣١٥٤) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وغيرُ وَاحِدٍ، قالُوا: حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ بَكْرِ البُرْسَانيُّ، عَن عَبْدِ الحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي أَبِي، عَن ابنِ مِينَاءَ، عَن أبي سَعْدِ بْنِ أبي فُضَالَةَ الأنْصَارِيِّ - وكَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله وَل﴿ يَقُولُ: ((إِذَا جَمَعَ اللهُ النَّاسَ يوم القيامة لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ، نَادَى مُنَادٍ: مَن كَانَ أُشْرَكَ فِي عَمَلٍ عَمِلَهُ لله (فيهلكون) وفي حديث أبي سعيد عند ابن ماجه (١) ((فيموتون موت الجراد))، وفي حديث النواس بن سمعان عند مسلم(٢): ((فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) (إن دواب الأرض تسمن) من السمن: ضد الهزال (وتبطر) من البطر: محركة النشاط، والأشر (وتشكر) يقال: شكرت الناقة: امتلأ ضرعها لبنًا. والدابة: سمنت، وهذه الأفعال الثلاثة من باب: سمِع يسمع. قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أحمد، وابن ماجه. [٣١٥٤] قوله: (حدثنا محمد بن بكر البرساني) أبو عثمان، البصري (قال: أخبرني أبي) هو: جعفر بن عبد الله بن الحكم الأنصاري، ثقة، من الثالثة (عن ابن ميناء) اسمه: زياد، مقبول، من الثالثة (عن أبي سعيد بن أبي فضالة) قال في ((تهذيب التهذيب)): أبو سعد بن أبي فضالة، الأنصاري، الحارثي. ويقال: أبو سعيد بن فضالة بن أبي فضالة، المدني، روى عن النبي ◌َّهِ: ((إِنَّ الله تَعَالَى أغْنَى الشُّرَكَاء ... إلخ)). روى عنه زياد بن ميناء. ذكره ابن سعد في طبقة أهل الخندق. قوله: (ليوم القيامة) أي: ليجزيهم فيه (ليوم لا ريب فيه) أي: في وقوع ذلك اليوم (١) ابن ماجه، كتاب الفتن (٤٠٧٩). (٢) مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، حديث (٢٩٣٧). ٦٠٠ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وََّ / باب ((وَمِنْ سُورَةٍ مَرْيَمْ)) أَحَدًا، فَليَظْلُبْ ثَوَابَهُ مِن عِنْدِ غَيْرِ الله؛ فَإِنَّ الله أغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ)). [جه: ٤٢٠٣]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، لا نَعْرِفُهُ إلَّا من حديثٍ مُحمَّدٍ بْنِ بكرٍ. ٢٠ - باب ((وَمِنْ سُورَةٍ مَرْيَم)) [ت ٢٠، ٢ ١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمِ الرَّحَمَةِ [٣١٥٥] (٣١٥٥) حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأشَجُّ، وأبو مُوسَى مُحمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، قالا: حَدَّثَنَا ابْنُ إدْرِيسَ، عَن أبِيهِ، عَن سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَن عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، عَن المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: بَعَثَنِي رَسولُ اللهِ وَّهِ إِلَى نَجْرَانَ، (أحدًا) منصوب على أنه مفعول أشرك؛ أي: أحدًا غير الله (فإن الله أغنى الشركاء) أي: هو أغنى من يزعم أنهم شركاء، على فرض أن لهم غنى (عن الشرك) أي: عما يشركون به، مما بينه وبين غيره في قصد العمل. والمعنى: ما يقبل إلا ما كان خالصًا لوجهه؛ وابتغاء لمرضاته؛ فاسم المصدر الذي هو ((الشرك)): مستعمل في معنى المفعول. وهذا الحديث أورده الترمذي ها هنا في تفسير قوله تعالى: ﴿فَتَ كَانَ يَرْجُوْ لِقَّءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا وَلَا يُشْرِ بِعِبَادَةِ رَبِِّهِ لَّهَدَأْ﴾ [الكهف: ١١٠]. قوله (هذا حديث غريب) وأخرجه أحمد، وابن ماجه، وابن حبان في ((صحيحه))، (١) والبيهقي(١) . ٢٠ - باب وَمِنَّ سُورَةٍ. مكية، أو إلا سجدتها؛ فمدنية، أو إلا. ﴿فَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [مريم: ٥٩] آيتين؛ فمدنيتان؛ وهي: ثمان، أو تسع وتسعون آية. [٣١٥٥] قوله: (حدثنا ابن إدريس) اسمه: عبد الله بن إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن. قوله: (إلى نجران) قال في ((النهاية)): هو: موضع معروف بين الحجاز والشام واليمن. انتھی. (١) ابن حبان، حديث (٤٠٤)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) حديث (٦٨١٧).