Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌َِّهِ
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا من حديثٍ عَوفٍ، عَن
يَزِيدَ الفَارِسيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَيَزِيدُ الفَارِسيُّ، قد روى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ غير
حديث، وَيُقَالُ: هُوَ يَزِيدُ بْنُ هُرْمُزَ، وَيَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ: هُوَ يَزِيدُ بْنُ أَبَانَ الرَّقَاشِيُّ، هُوَ
مِنَ التَّابِعِينَ وَلَمْ يُدْرِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ؛ إِنَّمَا رَوَى عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَكِلاهُمَا مِنْ أهْلٍ
البَصْرَةِ، وَيَزِيدُ الفَارِسِيُّ، أقْدَمُ مِنْ يَزِيدَ الرَّفَاشِيِّ.
[ت ١٠، م ٢]
[٣٠٨٧] (٣٠٨٧) حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الخَلَّاَلُ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ
الجُعْفِيُّ، عَن زَائِدَةَ، عَن شَبِيبٍ بْنِ غَرْقَدَةَ، عَن سُلَيْمانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الأخْوَصِ،
حَدَّثَنَا أبي؛ أنَّهُ شَهِدَ حَجَّةَ الوَدَاعِ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ فَحَمِدَ الله، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَّرَ،
وَوَعَظَ، ثُمَّ قَالَ: ((أيُّ يَوْمٍ أحْرَمُ، أيُّ يَوْمٍ أحْرَمُ، أيُّ يَوْمٍ أحْرَمُ؟)) قَالَ: فَقَالَ
النَّاسُ: يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ يَا رَسُولَ اللهَ، قَالَ: ((فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ،
وَأَعْرَاضَكُمْ، عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةٍ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا،
(هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن حبان،
والحاكم(١)، وقال: صحيح، ولم يخرجاه.
[٣٠٨٧] قوله: (عن زائدة) هو: ابن قدامة.
قوله: (أنه شهد) أي: حضر (وذكر) من التذكير (ثم قال) أي: النبي ◌َّ للناس (أي يوم
أحرم) أي: أعظم حرمة؛ كما في حديث جابر بن عبد الله، عند أحمد (فقال الناس: يوم
الحج الأكبر) قيل: هو يوم عرفة. وقيل: يوم النحر. ويأتي الكلام فيه في شرح حديث علي
رَيُّه (فإن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم) أي: تعرضها (عليكم حرام) أي: محرم ليس
لبعضكم أن يتعرض لبعض، فيريق دمه، أو يسلب ماله، أو ينال من عرضه (كحرمة يومكم
هذا) يعني: تعرض بعضكم دماء بعض، وأمواله، وأعراضه في غير هذه الأيام؛ كحرمة
التعرض لها في هذا اليوم (في بلدكم هذا) أي: مكة، أو الحرم المحترم (في شهركم هذا)
(١) النسائي في ((الكبرى)) (٨٠٠٧)، وابن حبان (٤٣)، والحاكم (٢٨٧٥) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم
يخرجاه.

٤٨٢
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَفيه
ألا لا يَجْنِي جَانٍ إلَّا عَلَى نَفْسِهِ، ولا يَجْنِي وَالِدٌ عَلَى وَلَدِهِ، ولا وَلَدٌ عَلَى وَالِدِهِ،
ألا إنَّ المُسْلِمَ أخُو المُسْلِم، فَلَيْسَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ مِن أخِيهِ شَيْءٌ، إلَّا مَا أحَلَّ مِن
نَفْسِهِ، ألا وَإِنَّ كُلَّ رِبًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، لَكُمْ رؤوسُ أمْوَالِكُمْ، لا تَظْلِمُونَ وَلا
تُظْلَمُونَ، غَيْرَ رِبَا العَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَلِبٍ، فَإِنَّهُ مَوضُوعُ كُلُّهُ، ألا وَإِنَّ كُلَّ دَم كَانَ
في الجَاهِليَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأوَّلُ دَم وُضِعَ مِن دَمَاءِ الجَاهِليَّةِ دَمُ الحَارِثِ بْنِ
عَبْدِ المُطَلِبِ،
أي: ذي الحجة (ألا لا يجني جان إلا على نفسه) تقدم شرحه في باب «تحريم الدماء
والأموال)): من أبواب ((الفتن)) (ألا) حرف التنبيه (إن المسلم أخو المسلم) أي: في الدين
(فليس يحل لمسلم) أي: لا يجوز، ولا يباح له (إلا ما أحل من نفسه) أي: ما أباح له أخوه
من نفسه (وإن كل رِبًا في الجاهلية موضوع) أي: كالشيء الموضوع تحت القدم، وهو مجاز
عن إبطاله (لكم رؤوس) أي: أصول (أموالكم لا تظلمون) بزيادة (ولا تظلمون) بنقص (غير
ربا العباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله) كذا وقع عند الترمذي في حديث عمرو بن
الأحوص، ولم يظهر لي معنى الاستثناء، ووقع عند ابن أبي حاتم(١)، من طريق شيبان، عن
شبيب بن غرقدة، عن سليمان بن الأحوص، عن أبيه قال: خَطَبَ رَسُولُ اللهِوَ لِهِ فِي حَجَّةٍ
الْوَدَاعِ فَقَالَ: ((أَلَا إِنَّ كُلَّ رِبًّا كَانَ فِي الجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ عَنْكُمْ كُلُّهُ، لَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا
تَظْلِمُوَنَ وَلَا تَظْلَمُونَ، وَأَوَّلُ رِبَّا مَوْضُوعٍ: رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ)).
وفي حديث جابر عند مسلم (٢): ((وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ مَا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا
الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَلِبٍ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ)).
قال النووي: قوله ◌ّر في الربا: ((إنه موضوع كله)): معناه: الزائد على رأس المال، كما
قال الله تعالى: ﴿وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، وهذا الذي ذكرته إيضاح،
وإلا: فالمقصود مفهوم من نفس لفظ الحديث؛ لأن الربا هو: الزيادة، فإذا وضع الربا،
فمعناه وضع الزيادة، والمراد بالوضع: الرد، والإبطال. انتهى (وإن كل دم كان في الجاهلية
موضوع) أي: متروك، لا قصاص، ولا دية، ولا كفارة (وأول دم أضع) أي: أضعه، وأبطله
(دم الحارث بن عبد المطلب) وفي حديث جابر عند مسلم: ((وَإِنَّ أَوَّلَ دَمِ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ
ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ)).
(١) ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (٥٥١/٢).
(٢) مسلم، كتاب الحج، حديث (١٢١٨) مطولًا.

٤٨٣
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَهـ
كَانَ مُسْتَرْضَعًا في بَنِي لَيْثٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، ألا وَاسْتَوْصُوا بالنِّسَاءِ خَيْرًا، فإنَّمَا هُنَّ
عَوَانٌ عِنْدَكُمْ، لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهِنَّ شَيْئًا، غَيْرَ ذَلِكَ، إلَّا أنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، فَإِنْ
فَعَلْنَ، فَاهْجُرُوهُنَّ في المَضَاجِعِ، وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ،
قال النووي: قال المحققون، والجمهور: اسم هذا الابن: إياس بن ربيعة بن الحارث
ابن عبد المطلب. وقيل: اسمه: حارثة. وقيل: آدم.
قال الدارقطني: وهو تصحيف، وقيل: اسمه: تمام. وممن سماه آدم: الزبير بن بكار.
قال القاضي عياض: ورواه بعض رواة مسلم: ((دَمُ رَبِيعَةَ بْن الحَارِثِ)): قال: وكذا رواه
أبو داود. وقيل: وهو وهم. والصواب: ابن ربيعة؛ لأن ربيعة عاش بعد النبي ◌َّه إلى زمن
عمر بن الخطاب، وتأوله أبو عبيد؛ فقال: دم ربيعة؛ لأنه ولي الدم؛ فنسبه إليه، قالوا:
وكان هذا الابن المقتول طفلًا صغيرًا يحبو بين البيوت؛ فأصابه حجر في حرب كانت بين بني
سعد، وبني ليث بن بكر؛ قاله الزبير بن بكار. انتهى.
(كان مسترضعًا) على بناء المجهول؛ أي: كان له ظئر ترضعه في بني ليث (ألا)
بالتخفيف للتنبيه (واستوصوا بالنساء خيرًا) الاستيصاء: قبول الوصية، أي: أوصيكم بهن
خیرًا، فاقبلوا وصيتي فیهن.
وقال الطيبيّ: الأظهر: أن السين للطلب؛ أي: اطلبوا الوصية من أنفسكم في أنفسهن
بخير، أو يطلب بعضكم من بعض بالإحسان في حقهن. وقيل: الاستيصاء؛ بمعنى الإيصاء.
(فإنما هن عوان عندكم) جمع: عانية، أي: أسراء؛ كالأسراء شبهن بهن عند الرجال؛
لتحکمھن فیھن.
قال في ((النهاية)): العاني: الأسير. وكل من ذل، واستكان، وخضع، فقد عَنَا يَعْنُو،
أو: هو عان والمرأة عانية، وجمعها: عوان.
(ليس تملكون منهن شيئًا) أي: شيئًا من الملك، أو: شيئًا من الهجران، والضرب (غير
ذلك) أي: غير الاستيصاء بهن الخير (إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) الفاحشة: كل ما يشتد قبحه
من الذنوب والمعاصي، وكثيرًا ما ترد بمعنى: الزنا، وكل خصلة قبيحة، فهي فاحشة من
الأقوال والأفعال (فإن فعلن) أي: أتين بفاحشة (فاهجروهن في المضاجع) قال ابن عباس:
هو أن يوليها ظهره في الفراش، ولا يكلمها، وقيل: هو أن يعتزل عنها إلى فراش آخر
(واضربوهن ضربًا غير مُبرّح) بضم الميم، وفتح الموحدة، وتشديد الراء المكسورة. قال

٤٨٤
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله وَيوم
فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ، فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا؛ ألا وإنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلِنِسَائِكُمْ
عَلَيْكُمْ حَقًّا، فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ فَلا يُؤْطِئْنِ فُرُشَكُمْ من تَكْرَهُونَ، وَلا يَأْذَنَّ في
بُيُوتِكُمْ منْ تَكْرَهُونَ، ألا وَإِنَّ حَقَّهُنَّ عَلَيْكُمْ أنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِنَّ في كِسْوَتِهِنَّ
وَطَعَامِهِنَّ)). [ جه: ٣٠٥٥].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وَقَدْ رَوَاهُ أبو الأحْوَصِ، عَن شَبِيبٍ بْنِ غَرْقَدَةَ.
[ت ١٠، م ٣]
[٣٠٨٨] (٣٠٨٨) حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا
النووي: الضرب المبرح هو: الضرب الشديد الشاق، ومعناه: اضربوهن ضربًا ليس بشديد،
ولا شاق، والبرح: المشقة (فإن أطعنكم) أي: فيما يراد منهن (فلا تبغوا عليهن سبيلا) أي:
فلا تطلبوا عليهن طريقًا إلى هجرانهن، وضربهن ظلمًا (فلا يوطئن) بهمزة، أو بإبدالها من
باب الأفعال (فرشكم) بالنصب مفعول أول (من تكرهون) مفعول ثان؛ أي: من تكرهونه
رجلًا كان، أو امرأة.
قال النووي: المختار أن معناه ألا يأذن لأحد تكرهونه في دخول بيوتكم، والجلوس في
منازلكم؛ سواء كان المأذون له رجلًا أجنبيًا، أو امرأة، أو أحدًا من محارم الزوجة، فالنهي
يتناول جميع ذلك.
(ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون) هذا كالتفسير لما قبله، وهو عام (ألا وإن حقهن
عليكم: أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن): وفي حديث جابر عند مسلم(١): وَلَهُنَّ
عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتَهُنَّ بِالمَعْرُوفِ.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه ابن ماجه، من طريق أبي الأحوص، عن شبيب
ابن غرقدة. وأخرجه الترمذي أيضًا، من هذا الطريق في باب ((تحريم الدماء والأموال)).
[٣٠٨٨] قوله: (حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث) بن سعيد بن ذكوان
العنبري، البصري، صدوق، من الحادية عشرة.
(١) مسلم، كتاب الحج، حديث (١٢١٨).

٤٨٥
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَه
أَبِي، عَن أبِيهِ، عَن مُحمَّدٍ بْنِ إِسْحَاقَ، عَن أبي إِسْحَاقَ عَنِ الحَارِثِ، عَن عَلِيٍّ،
قَالَ: سَأَلْتُ رَسولَ اللهِ بَّهِ عَنِ يَوْمِ الحَجِّ الأكْبَرِ؟ فَقَالَ: ((يَوْمُ النَّحْرِ)).
[ت ١٠، م ٤]
[٣٠٨٩] (٣٠٨٩) حَدَّثَنَا ابنُ أبي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن أبي إِسْحَاقَ، عَن
الحَارِثِ، عَن عَلِيٍّ، قَالَ: يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ: يَوْمُ النَّحْرِ. قَالَ: هذا الحديثُ أصَحُ
من حديثٍ مُحمَّد بْنِ إِسْحَاقَ، لأَنَّهُ رُوي مِن غيرِ وَجْه هذا الحديث، عَن أبي إِسْحَاقَ
عَن الحارِثِ، عَن عَلِيٍّ، موقوفًا، ولا نَعْلَمُ أحَدًا رَفَعَهُ إلَّا مَا رُوِيَ عَن مُحمَّدِ بْنِ
إِسْحَاقَ، وَقَدْ رَوَى شُعبةُ هذَا الحَديثَ، عَن أبي إسْحَاقَ عَن عبد الله بْنِ مُرَّةَ، عنِ
الحارثِ عَن عليٍّ، موقوفًا .
[ت ١٠، م ٥]
[٣٠٩٠] (٣٠٩٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَقَّانُ بْنُ مُسْلِم، وَعَبْدُ الصَّمَدِ
ابْنُ عبد الوارثِ، قالا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَن سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَن أَنَسِ بْنِ
قوله: (سألت رسول الله ◌َفي عن يوم الحج الأكبر؛ فقال: يوم النحر) فيه: دليل لمن
يقول: إن يوم الحج الأكبر هو: يوم النحر. ولحديث عليّ هذا شاهد من حديث ابن عمر
عند أبي داود، وابن ماجه. وذكره البخاري تعليقًا(١). وقد وردت في ذلك أحاديث أخرى
ذكرها الحافظ ابن كثير وغيره.
واختاره ابن جرير؛ وهو قول مالك، والشافعي، والجمهور.
وقال آخرون - منهم عمر وابن عباس، وطاووس ـ: إنه يوم عرفة. والأول أرجح.
وحديث عليّ هذا: قد تقدم مرفوعًا، وموقوفًا في أواخر (أبواب الحج))، وأخرجه أيضًا ابن
المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه(٢).
[٣٠٩٠] قوله: (وعبد الصمد) بن عبد الوارث.
(١) أبو داود، كتاب المناسك، حديث (١٩٤٥)، وابن ماجه، كتاب المناسك، حديث (٣٠٥٨)، والبخاري
معلقًا، كتاب الحج، قبل الحديث (١٧٤٣).
(٢) انظر الحديث (٩٥٨).

٤٨٦
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهِ
مَالِكٍ، قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ◌َهَ بِبراءةَ مَعَ أبي بَكْرٍ، ثُمَّ دَعَاهُ، فَقَالَ: ((لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ
أنْ يُبَلِّغَ هَذَا، إلَّا رَجُلٌ مِن أهْلِي، فَدَعَا عَلِيًّا، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا)). [حم: ١٢٨٠٢].
قَالَ: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ مِن حَديثِ أنَسِ بْنِ مالكِ.
[ت ١٠، م ٦]
[٣٠٩١] (٣٠٩١) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ إسماعِيلَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمانَ، حَدَّثَنَا
عَبَّدُ بْنُ العَوَّامِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ، عَن الحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، عَن مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ
عَبَّاسٍ، قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ وَهِ أَبَا بَكْر، وَأمَرَهُ أنْ يُنَادِيَ بِهَؤُلَاءِ الكَلِمَاتِ، ثُمَّ أْبَعَهُ
قوله: (بعث النبي ( 18 ببراءة) يجوز فيه التنوين؛ بالرفع على الحكاية؛ وبالجر، ويجوز
أن يكون علامة الجر فتحة؛ وهو: الثابت في الروايات (مع أبي بكر) وكان بعثه قبل حجة
الوداع بسنة، وكانت حجة الوداع في السنة العاشرة من الهجرة (ثم دعاه) أي: ثم دعا النبي
وَ ل* أبا بكر. (فقال: لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي، فدعا عليًّا) قال العلماء:
إن الحكمة في إرسال علي بعد أبي بكر أن عادة العرب جرت بأن لا ينقض العهد إلا من
عقده، أو من هو منه بسبيل من أهل بيته؛ فأجراهم في ذلك على عادتهم؛ ولهذا قال: ((لا
يبلِّغ هذا إلا أَنَا، أَوْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِي)) (فأعطاه إياها) أي: فأعطى عليًّا براءة.
قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أحمد.
[٣٠٩١] قوله: (حدثنا محمد بن إسماعيل) هو: الإمام البخاري رحمه الله (أخبرنا
سعيد بن سليمان) الضبي، أبو عثمان، الواسطي، نزيل بغداد، البزار، لقبه: سعدويه، ثقة،
حافظ، من كبار العاشرة.
قوله: (بعث النبي ﴿ أبا بكر) وروى الطبري(١)، عن ابن عباس ((قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ الله
وَيهِ أَبَا بَكْرٍ أَمِيرًا عَلَى الحَجِّ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُقِيمَ لِلنَّاسِ حَجَّهُمْ، فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ)) (وأمره أن ينادي
بهؤلاء الكلمات) أي: أمر النبي ◌َلّ أبا بكر أن ينادي بها. وعند أحمد(٢) من حديث علي:
(لَمَّا نَزَلَتْ عَشْرُ آيَاتٍ مِنْ بَرَاءَةٍ بَعَثَ بِهَا النَّبِيُّ وَّهِ مَعَ أَبِي بَكْرٍ؛ لِيَقْرَأَهَا عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ، ثُمَّ
دَعَانِي فَقَالَ: ((أَدْرِكْ أَبَا بَكْرٍ، فَحَيْثُمَا لَقِيتَهُ فَخُذْ مِنْهُ الْكِتَابَ)): فَرَجَعَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ:
(١) الطبري في ((التفسير)) (٦٥/١٠).
(٢) أحمد (١٢٩٩)، قال ابن كثير: إسناده فيه ضعف.

٤٨٧
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهَِّهـ
عَلِيًّا، فَبَيْنَا أَبُو بَكْرٍ في بَعْضِ الطّرِيقِ، إِذْ سَمِعَ رُغاءَ نَاقَةِ رَسُولِ اللهِ بَّهُ القَصْوَاء،
فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ فَزِعًا فَظَنَّ أَنَّهُ رَسولُ الله ◌ِّهِ فَإِذَا هو عَلِيٍّ، فَدَفَعَ إِلَيْهِ كِتَابَ رَسُولِ الله
﴿﴿ وَأمَرَ عَلِيًّا أنْ يُنَادِيَ بِهَؤُلاءِ الكَلِمَاتِ فَانْطَلَقَا، فَحَبًَّا، فَقَامَ عَلِيٍّ أيَّامَ التَّشْرِيقِ،
فَنَادَى: ذِمَّةُ الله وَرَسُولِهِ بَرِيئَةٌ مِن كُلِّ مُشْرِكٍ، فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، ولا
يَحُجَّنَ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفَنَّ بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ، ولا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِن،
وكَانَ عَلِيٍّ يُنَادِي، فَإِذَا عَيِيَ، قامَ أبو بَكْرٍ فَنَادَى بها .
يَا رَسُولَ الله! نَزَلَ فِيَّ شَيْءٌ؟ فَقَالَ: لَا، إِلَّا أَنَّهُ لَنْ يُؤَدِّيَ - أَوْ لَكِنَّ جِبْرِيلَ قَالَ: لَا يُؤَدِّي -
عَنْكَ إِلَّا أَنْتَ أَوْ رَجُلٌ مِنْكَ)).
قال ابن كثير (١): ليس المراد: أن أبا بكر - ﴿ه - رجع من فوره؛ بل بعد قضائه
للمناسك التي أمره عليها رسول الله زيتالچ .
قال الحافظ في ((الفتح)): ولا مانع من حمله على ظاهره؛ لقرب المسافة، وأما قوله:
((عشر آيات))؛ فالمراد: أولها ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌّ﴾ [التوبة: ٢٨](١). ((ثم أتبعه عليًّا)): أي:
أتبع رسول الله ﴿ أبا بكر عليًّا رضي الله تعالى عنهما (إذ سمع رغاء ناقة رسول الله،(وَل ﴿)
بضم الراء، وبالمد: صوت ذوات الخف، وقد رَغَا البعير يَرْغُو رُغَاء بالضم، والمد: أي:
ضج (القصواء) هو: لقب ناقة رسول الله وَّر (فدفع إليه كتاب رسول الله وَ ﴾) أي: دفع أبو
بكر إلى علي كتابه وَل﴿ (فسيحوا) سيروا آمنين أيها المشركون (في الأرض أربعة أشهر) يأتي
الكلام عليه في شرح حديث عليّ الآتي بعد هذا (ولا يحجن بعد العام) أي: بعد الزمان
الذي وقع فيه الإعلام بذلك (فإذا عَبِيَ) بكسر التحتية الأولى. يقال: عَيِيَ يَعْيَا عَيًا وَعَيَاءً
بأمره، وعن أمره: عجز عنه، ولم يطق أحكامه، أو لم يهتد لوجه مراده، وعيي يعيا عيًا في
المنطق: حصر.
تنبيه: قال الخازن: قد يتوهم متوهم أن في بعث عليّ بن أبي طالب بقراءة أول براءة
عزل أبي بكر عن الإمارة، وتفضيله على أبي بكر؛ وذلك جهل من هذا المتوهم، ويدل على
أن أبا بكر لم يزل أميرًا على الموسم في تلك السنة: حديث أبي هريرة عند الشيخين: «أَنَّ
(١) ابن كثير في ((التفسير)) (٣٣٤/٢).

٤٨٨
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِّهِ
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وهذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ من هذا الوَجْهِ من حديثِ ابن عَبَّاسٍ.
أَبَا بَكْرٍ بَعَثَهُ فِي الحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ رَسُولُ اللهِوَّهِ عَلَيْهَا قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِي رَهْطٍ يُؤَذِّنُونَ فِي
النَّاسِ ... )) الحديث، وفي لفظ أبي داود والنسائي قال: «بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ فِيمَنْ يُؤَذِّنُ فِي
يَوْمِ النَّحْرِ بِمِنَّى أَلَّا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ))، فقوله: ((بعثني أبو بكر)):
فيه: دليل على أن أبا بكر كان هو الأمير على الناس، وهو الذي أقام للناس حجهم،
وعلمهم مناسكهم، وأجاب العلماء عن بعث رسول الله وَلل عليًّا ليؤذن في الناس ببراءة بأن:
عادة العرب جرت ألا يتولى تقرير العهد، ونقضه إلا سيد القبيلة وكبيرها، أو رجل من
أقاربه، وكان علي بن أبي طالب أقرب إلى النبي وَلّر من أبي بكر؛ لأنه ابن عمه، ومن
رهطه؛ فبعثه النبي ◌ّير ليؤذن عنه ببراءة إزاحة لهذه العلة؛ لئلا يقولوا هذا على خلاف ما
نعرفه عن عادتنا في عقد العهود ونقضها. وقيل: لما خص أبا بكر لتوليته على الموسم خص
عليًّا بتبليغ هذه الرسالة؛ تطبيبًا لقلبه، ورعايةً لجانبه، وقيل: إنما بعث عليًّا في هذه الرسالة؛
حتى يصلي خلف أبي بكر، ويكون جاريًا مجرى التنبيه على إمامة أبي بكر بعد رسول الله
وَ خطير؛ لأن النبي وَل﴾ بعث أبا بكر أميرًا على الحاج، وولاه الموسم، وبعث عليًّا خلفه؛ ليقرأ
على الناس ببراءة، فكان أبو بكر الإمام، وعلي المؤتم، وكان أبو بكر - نظ اته - الخطيب،
وعلي المستمع، وكان أبو بكر المتولي أمر الموسم، والأمير على الناس، ولم يكن ذلك
لعلي، فدل ذلك على تقديم أبي بكر على علي، وفضله عليه. انتهى.
قلت: ومما يدل على أن أبا بكر لم يزل أميرًا على الموسم في تلك السنة: حديث جابر
عند الطبري، وإسحاق في ((مسنده))، والنسائي، والدارمي، وابن خزيمة، وابن حبان(١) ((أَنَّ
النَّبِيَّ وَّهِ حِينَ رَجَعَ مِنْ عُمْرَةِ الْجِعِرَّانَةِ، بَعَثَ أَبَا بَكْرٍ عَلَى الْحَجِّ، فَأَقْبَلْنَا مَعَهُ، حَتَّى إِذَا كُنَّا
بِالْعَرَجِ ثَوَّبَ بِالصُّبْحِ، فَسَمِعَ رَغْوَةَ نَاقَةِ النَّبِيِّ بَّهِ، فَإِذَا عَلِيٍّ عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ: أَمِيرٌ أَوْ رَسُولٌ؟
فَقَالَ: بَلْ أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِبَرَاءَة أَقْرَؤُهَا عَلَى النَّاسِ ... )): الحديث.
(١) الدارمي، كتاب المناسك، حديث (١٩١٥)، والنسائي، كتاب مناسك الحج، حديث (٢٩٩٣)، وابن خزيمة
(٢٩٧٤)، وابن حبان (٦٦٤٥)، والبيهقي في ((الكبرى)) (٩٢٢٠).

٤٨٩
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّل
[ت ١٠، م ٧]
[٣٠٩٢] (٣٠٩٢) حَدَّثَنَا ابنُ أبي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن أبي إِسْحَاقَ، عَن
زَيْدِ بْنِ يُثَيْعِ، قَالَ: سَأَلْنَا عَلِيًّا بِأَيِّ شَيْءٍ بُعِثْتَ في الحَجَّةِ؟ قَالَ: بُعِثْتُ بِأَرْبَعٍ: أَلَّ
يَطُوفَن بالبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ وَِّ عَهْدٌ فَهُوَ إِلَى مُدَّتِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ
لَهُ عَهْدٌ فَأَجَلُهُ أرْبَعَةُ أشْهُرِ، وَلا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلَّا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ، ولا يَجْتَمِعُ المُشْرِكُونَ
وَالمُسْلِمُونَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا.
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وَهُوَ حديثُ سفيان بْنِ عُيَيْنَةَ، عَن
أبي إسْحَاقَ، وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ، عَن أبي إسْحَاقَ، عَن بَعْضِ أصْحَابِهِ، عَن عَلِيٍّ.
[٣٠٩٢] قوله: (ومن كان بينه وبين النبي عهد، فهو إلى مدته، ومن لم يكن له عهد؛
فأجله أربعة أشهر). قال الحافظ: استدل بهذا على أن قوله تعالى: ﴿فَسِيحُواْ فِىِ الْأَرْضِ أَرْبَعَةً
أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢]: يختص بمن لم يكن له عهد مؤقت، أو لم يكن له عهد أصلًا، وأما من له
عهد مؤقت؛ فهو إلى مدته. فروى الطبري من طريق ابن إسحاق قال: هم صنفان: صنف
كان له عهد دون أربعة أشهر؛ فأمهل إلى تمام أربعة أشهر، وصنف كانت له مدة عهده؛ بغير
أجل؛ فقصرت على أربعة أشهر. وروي أيضًا، من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن
عباس: أن الأربعة الأشهر: أجل من كان له عهد مؤقت بقدرها، أو يزيد عليها، وأما من
ليس له عهد؛ فانقضاؤه إلى سلخ المحرم؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا اُنسَلَخَ اٌلْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ
اَلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] ومن طريق عبيدة بن سلمان: سمعت [عن] الضحاك: أن رسول الله،قال
((عَاهَدَ نَاسًا مِنَ المُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَغَيْرِهِمْ، فَنَزَلَتْ بَرَاءَةٌ، فَنَبَذَ إِلَى كُلِّ أَحَدٍ عَهْدَهُ
وَأَجَّلَهُمْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ)): ومن لا عهد له؛ فأجله إلى انقضاء الأشهر الحرم. ومن طريق السدي
نحوه، ومن طريق معمر، عن الزهري قال: كان أول الأربعة أشهر عند نزول براءة في
شوال؛ فكان آخرها آخر المحرم؛ فبذلك يجمع بين ذكر الأربعة أشهر، وبين قوله: ﴿فَإِذَا
آنسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾، واستبعد الطبري ذلك؛ من حيث أن بلوغهم الخبر إنما
كان عندما وقع النداء به في ذي الحجة، فكيف يقال لهم: سيحوا أربعة أشهر، ولم يبق منها
إلا دون الشهرين؟ ثم أسند عن السدي، وغير واحد التصريح بأن تمام الأربعة الأشهر في
ربيع الآخر. انتهى.

٤٩٠
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِوَهـ
وَفِي البابِ: عَن أبي هُرَيْرَةَ.
حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، قالوا: حَدَّثَنَا سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَن
أبي إسْحَاقَ، عَن زَيْدِ بْنِ يُثَيْعِ، عَن علِيٍّ: نحْوَهُ.
[ت ١٠، م ٨]
حَدَّثَنَا عِلِيُّ بْنُ خَشْرَمِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَن أبي إِسْحَاقَ، عَن زَيْدِ بْنِ
أُتَبْعِ، عَن عِلِيٍّ: نحْوَهُ.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وقد رُوِيَ عَن ابن عُيَيْنَةَ كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ، يقال عنه: عَن ابنِ
أُثَبْعٍ، وعن ابنِ يُثَبْعِ، وَالصَّحِيحُ: هُوَ زَيْدُ بْنُ يشيعٍ. وقد رَوَى شُعْبَةُ، عَن أبي إسْحَاقَ
عَنْ زَيد، غيرَ هذا الحديثِ فَوَهِمَ فيه، وقالَ: زَيْدُ بْنُ أَثَيْلٍ، ولا يُتَابَعُ عليهِ.
وَفِي البابِ: عَن أَبِي هُريرةَ.
[ت ١٠، م ٩]
[٣٠٩٣] (٣٠٩٣) حَدَّثَنَا أبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ، عَن عَمْرِو بْنِ
الحارِثِ، عَن دَرَّاجِ، عَن أبي الهَيثَم عَن أبي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَله: ((إِذَا
رأيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتَادُ المَسْجِدَ، فَاشْهَدُوا لَهُ بالإِيْمَانِ))؛ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ
قوله: (وفيه عن أبي هريرة) أي: وفي الباب عن أبي هريرة، وكذا قال الترمذي في باب
((كراهية الطواف عريانًا)): بعد رواية حديث زيد بن يثيع المذكور، وتقدم تخريجه هناك.
قوله: (حدثنا نصر بن علي، وغير واحد ... إلخ) هذه العبارة من هنا إلى قوله: (ولا
يتابع عليه) قد وقعت في بعض النسخ، وسقطت في بعضها.
(عن ابن أثيع وعن ابن يثيع) هذا بيان لقوله: ((كلتا الروايتين)) (والصحيح: زيد بن يثيع)
أي: بالتحتانية. قال في (تهذيب التهذيب)): قال الأثرم عن أحمد: المحفوظ بالياء (وقال
زيد بن أثيل) أي: باللام مكان العين (ولا يتابع عليه) أي: لا يتابع شعبة على لفظ أثيل. قال
الدوري، عن ابن معين: قال شعبة، عن أبي إسحاق، عن زيد بن أثيل: قال ابن معين:
والصواب: يثيع، وليس أحد يقول: أثيل، إلا شعبة وحده؛ كذا في ((تهذيب التهذيب)).
[٣٠٩٣] قوله: (إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد) وفي الرواية الآتية ((يَتَعَاهَد)): قال في

٤٩١
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِصَفي
مَسَِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ [التوبة: ١٨]. [ضعيف، رشدين، ضعيف].
حَدَّثَنَا ابن أبي عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ وَهْبٍ، عَن عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ، عَن
دَرَّاجِ عَن أبي الهَيْئم، عَن أبي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَّ نْوَهُ، إلّا أنَّهُ قَالَ: ((يَتَعَاهَدُ
المَسْجِدَ)). [ضعيف].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، وأبو الهَيْئَم اسْمُهُ: سُلَيْمَانُ بْنُ
عَمْرِو بْنِ عَبْدِ العُتْوَارِيُّ، وَكَانَ يَتِيمًا في حجْرِ أبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ.
[٣٠٩٤] (٣٠٩٤) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ مُوسَى، عَن
إِسْرَائِيلَ، عَن مَنْصُورٍ، عَن سَالِم بْنِ أبي الجَعْدِ، عَن ثَوْبَانَ، قَالَ: لمّا نَزَلَت:
﴿وَلَّذِينَ يَكْثِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤]، قَالَ: كُنَّا مَعَ النبيِّ وَِّ فِي بَعْضٍ
أسْفَارِهِ؛ فَقَالَ بعضُ أصحابِهِ: أُنْزِلَ في الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ مَا أُنزِلَ، لَوْ عَلِمْنَا أَيُّ المَالِ
خَيْرٌ فَتَتَّخِذَهُ؟ فَقَالَ: ((أفْضَلُهُ: لِسَانٌ ذَاكِرٌ،
((المجمع)): أي: يتحافظ، وروي ((يَعْتَادُ)): وهو: أقوى سندًا، وأوفق معنى؛ لشموله جميع
ما يناط بالمسجد من العمارة، واعتياد الصلاة وغيرها، وتقدم هذا الحديث مع شرحه في
باب: ((حرمة الصلاة)) من أبواب الإيمان.
قوله: (حدثنا عبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي (عن عمرو بن الحارث) الأنصاري،
المصري (العتواري) بضم العين المهملة، وسكون المثناة الفوقية، وبراء: نسبة إلى عتورة:
بطن من كنانة.
[٣٠٩٤] قوله: (حدثنا عبيد الله بن موسى) العبسي، الكوفي (عن ثوبان) الهاشمي،
مولى النبي وَلته .
قوله: (فقال بعض أصحابه: أُنزلت في الذهب والفضة) أي: هذه الآية، وعرفنا
حكمهما ومذمتهما (لو علمنا) ((لو)): للتمني (أي المال خير) مبتدأ، وخبر، والجملة سدت
مسد المفعولين ((لعلمنا)): تعليقًا (فنتخذه) منصوب بإضمار ((أن)) بعد الفاء جوابًا للتمني،
قيل: السؤال؛ وإن كان عن تعيين المال ظاهرًا؛ لكنهم أراد وما ينتفع به عند تراكم الحوائج؛
فلذلك أجاب عنه بما أجاب؛ ففيه شائبة عن الجواب، عن أسلوب الحكيم (فقال: أفضله)
أي: أفضل المال، أو أفضل ما يتخذه الإنسان قنية (لسان ذاكر) أي: بتمجيد الله - تعالى -

٤٩٢
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّ
وَقَلْبٌ شَاكِرٌ، وَزَوْجَةٌ مُؤْمِنَةٌ تُعِينُهُ عَلَى إِيْمانِهِ)).
قَالَ: هذا حديثٌ حسنٌ، سأَلْتُ مُحمَّدَ بْنَ إسماعِيلَ فَقُلْتُ لَهُ: سَالِمُ بْنُ
أبي الجَعْدِ سَمِعَ مِن ثَوْبَانَ؟ فقال: لَا، فقلت لَهُ: مِمَّنْ سَمِعَ مِن أصْحَابِ النَّبِيِّ ◌ََّ؟
قَالَ: سَمِعَ مِن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكِ، وَذَكَرَ غيرَ وَاحِدٍ مِن أصْحَابِ
النَّبِيِّ وَِّ.
[ت ١٠، م ١٠]
[٣٠٩٥] (٣٠٩٥) حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بْنُ يَزِيدَ الكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ
حَرْبٍ، عَن غُطَيْفِ بْنِ أعيَنَ، عَن مُصْعَبٍ بْنِ سَعْدٍ، عَن عَدِيِّ بْنِ حَاتِم، قَالَ: أَتَيْتُ
النَّبِيَّ وَّهُ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِن ذَهَبٍ، فَقَالَ: ((يَا عَدِيُّ، اظْرَحْ عَنْكَ هَذَا الوَثَنَ))
وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ: ﴿أَتَّخَذُوَاَ
وتقديسه، وتسبيحه، وتهليله، والثناء عليه، بجميع محامده، وتلاوة القرآن (وقلب شاكر)
أي: على إنعامه، وإحسانه (وزوجة مؤمنة تعينه على إيمانه) أي: على دينه؛ بأن تذكره
الصلاة، والصوم، وغيرهما من العبادات، وتمنعه من الزنا، وسائر المحرمات.
قوله: (هذا حديث حسن) وأخرجه أحمد، وابن ماجه.
[٣٠٩٥] قوله: (عن غطيف بن أعين) الشيباني الجزري، ويقال بالضاد المعجمة.
ضعيف، من السابعة؛ كذا في ((التقريب)): وقال في ((تهذيب التهذيب)): في ترجمته: روى له
الترمذي حديثًا واحدًا، وقال: ليس بمعروف في الحديث.
قوله: (وفي عنقي صليب) هو: كل ما كان على شكل خطين متقاطعين.
وقال في ((المجمع)): هو: المربع من الخشب للنصارى يدعون أن عيسى - عليه السلام
- صلب على خشبة على تلك الصورة.
(اطرح عنك) أي: ألق عن عنقك (هذا الوثن) هو: كل ما له جثة معمولة من جواهر
الأرض، أو من الخشب والحجارة، كصورة الآدمي، والصنم: الصورة، بلا جثة، وقيل:
هما سواء، وقد يطلق الوثن على غير الصورة، ومنه حديث عدي: قَدِمْتُ عَلَيْهِ بَّهِ وَفِي عُنُقِي
صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ: ((أَلْقِ هَذَا الْوَثَنَ عَنْكَ))(١)، قاله في ((المجمع)). (﴿أَتَّخَذُوّا
(١) ابن جرير في ((التفسير)) (١١٤/١٠)، والطبراني في ((الكبير)) (٩٢/١٧) (٢١٨).

٤٩٣
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّ
أَخْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] قَالَ: ((أمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا
يَعْبُدُونَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِم شَيْئًا
حَرَّمُوهُ)).
أَحْبَارَهُمْ﴾) أي: علماء اليهود. (﴿وَرُهْبَنَهُمْ﴾) أي: عباد النصارى. (﴿أَرْبَابًا مِّن دُونِ
اللَّهِ﴾﴾ [التوبة: ٣١] حيث اتبعوهم في تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحلّ الله (قال) أي: النبي
وَ﴾ (أما) بالتخفيف: حرف التنبيه (إذا أحلوا لهم شيئًا) أي: جعلوا لهم حلالًا، وهو مما
حرمه الله تعالى (استحلوه) أي: اعتقدوه حلالًا (وإذا حرموا عليهم شيئًا) أي: وهو مما
أحله الله (حرموه) أي: اعتقدوه حرامًا .
قال في ((فتح البيان)): في هذه الآية ما يزجر من كان له قلب، أو ألقى السمع وهو
شهيد، عن التقليد في دين الله، وتأثير ما يقوله الأسلاف على ما في الكتاب العزيز، والسنة
المطهرة؛ فإن طاعة المتمذهب لمن يقتدي بقوله، ويستن بسنته من علماء هذه الأمة، مع
مخالفته لما جاءت به النصوص، وقامت به حجج الله وبراهينه هو؛ كاتخاذ اليهود والنصارى
للأحبار والرهبان أربابًا من دون الله، للقطع بأنهم لم يعبدوهم، بل أطاعوهم، وحرموا ما
حرموا، وحللوا ما حللوا، وهذا هو صنيع المقلدين من هذه الأمة، وهو أشبه به من شبّه
البيضة بالبيضة، والتمرة بالتمرة، والماء بالماء.
فيا عباد الله: ما بالكم تركتم الكتاب والسنة جانبًا، وعمدتم إلى رجال هم مثلكم في
تعبد الله لهم بهما، وطلبه للعمل منهم بما دلا عليه وأفاداه، فعملتم بما جاؤوا به من الآراء
التي لم تعمد بعماد الحق، ولم تعضد بعضد الدين ونصوص الكتاب والسنة، تنادي بأبلغ
نداء، وتصوّت بأعلى صوت، بما يخالف ذلك ويباينه؛ فأعرتموها آذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا،
وأذهانًا كليلةً، وخواطر عليلة، وأنشدتم بلسان الحال:
وما أنا إلا من غزيةً إن غَوتْ
غويت وإن تَرْشُد غزيةُ أرشد
انتھی .
وقال الرازي في «تفسيره)): قال شيخنا، ومولانا خاتمة المحققين والمجتهدين -
قد شاهدت جماعة من مقلدة الفقهاء قرأت عليهم آيات كثيرة من كتاب الله - تعالى - في
بعض المسائل؛ فكانت مذاهبهم بخلاف تلك الآيات؛ فلم يقبلوا تلك الآيات، ولم يلتفتوا
إليها، وبقوا ينظرون إليّ كالمتعجب؛ يعني: كيف يمكن العمل بظواهر هذه الآيات، مع أن
:.

٤٩٤
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِلَه
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ غريبٌ، لا نَعْرِفُهُ إلَّا مِن حديثِ عبدِ السَّلَامِ بْنِ
حَرْبٍ، وَغُطَيْفُ بْنُ أَعْيَنَ، لَيْسِ بِمَعْرُوفٍ في الحديثِ.
[ت ١٠، م ١١]
[٣٠٩٦] (٣٠٩٦) حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أيُّوبَ البَغْدَاديُّ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا
هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا ثابِثُ، عَن أَنَسٍ؛ أنَّ أَبَا بَكْرٍ حَدَّثَهُ قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ وَّهِ وَنَحْنُ في
الغَارِ: لَوْ أنَّ أحَدَهُمْ يَنْظُرُ إِلَى قَدَمَيْهِ، لأَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ، فَقَالَ: ((يَا أبا بَكْرٍ، مَا
ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ الله ثَالِثُهُمَا؟)). [خ: ٣٦٥٣، م: ٢٣٨١، حم: ١٢].
الرواية عن سلفنا وردت إلى خلافها؟ ولو تأملت حق التأمل وجدت هذا الداء ساريًا في
عروق الأكثرين من أهل الدنيا. انتهى.
قوله: (هذا حديث غريب) وأخرجه أحمد، وابن جرير، وابن سعد، وعبد بن حميد،
وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في ((سنته))(١).
[٣٠٩٦] قوله: (حدثنا همام) هو: ابن يحيى الأزدي، العوذي (حدثنا ثابت) هو:
البناني.
قوله: (قلت للنبي ◌َّ﴿ ونحن في الغار) وفي رواية للبخاري(٢) ((فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا
بِأَقْدَامِ الْقَوْمِ)) (لو أن أحدهم ينظر إلى قدميه لأبصرنا). فيه مجيء ((لو)): الشرطية للاستقبال،
خلافاً للأكثر. واستدل من جوزه بمجيء الفعل المضارع بعدها؛ كقوله تعالى: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى
كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنْتُمْ﴾ [الحجرات: ٧]؛ وعلى هذا فيكون قاله حالة وقوفهم على الغار، وعلى قول
الأكثر؛ يكون قاله بعد مضيهم؛ شكرًا لله - تعالى - على صيانتهما منهم.
ووقع في ((مغازي)): عروة بن الزبير في قصة الهجرة قال: وأتى المشركون على الجبل
الذي فيه الغار الذي فيه النبي ◌ّ حتى طلعوا فوقه، وسمع أبو بكر أصواتهم؛ فأقبل عليه
الهم والخوف؛ فعند ذلك يقول له النبي وَله: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، ودعا رسول الله
وَّ﴿ فنزلت عليه السكينة، وفي ذلك يقول عز وجل: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ
(١) ابن أبي حاتم في ((التفسير)) (١٧٨٤/٦)، وابن جرير في ((التفسير)) (١١٤/١٠)، والطبراني في «الكبير)) (١٧ /٩٢)
(٢١٨)، والبيهقي في ((المدخل إلى السنن الكبرى)) (٢٦١).
(٢) البخاري، كتاب مناقب الأنصار، حديث (٣٩٢٢).

٤٩٥
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهَِه
قَالَ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ؛ إِنَّمَا يُعرفُ من حديثٍ هَمَّامٍ، تَفَرَّدَ بِهِ.
وَقَدْ رَوَى هذا الحديثَ: حَبَّانُ بْنُ هِلالٍ، وغيرُ وَاحِدٍ، عَن هَمَّامٍ: نحْوَ هذا.
[ت ١٠، م ١٢]
[٣٠٩٧] (٣٠٩٧) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبراهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَن
أبِيهِ، عَن مُحمَّدٍ بْنِ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَن عُبَيْدِ الله بْنِ عبدِ الله بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ
عَبَّاسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، يَقُولُ: لمّا تُؤُفِّيَ عبدُ الله بْنُ أَبَيِّ، دُعِيَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ لِلصَّلاةِ عَلَيْهِ، فَقَامَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِ يُرِيدُ الصَّلاةَ، تَحَوَّلْتُ حَتَّى
قُمْتُ في صَدْرِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَعَلَى عَدُوِّ الله عَبْدِ الله بْنِ أُبَيِّ، القَائِلِ يَوْمَ
كَذَا كَذَا وَكَذَا؟ يَعُدّ
مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] الآية. وهذا يقوي أنه قال: ما في حديث الباب حينئذٍ؟ ولذلك أجابه
بقوله: ((لا تحزن)). فقال: يا أبا بكر: «مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ الله ثَالِثُهُمَا)».
قال الحافظ في رواية موسى: فَقَالَ: ((اسْكُتْ يَا أَبَا بَكْرِ اثْنَانِ الله ثَالِثُهُمَا))، وقوله:
((اثنان)): خبر مبتدأ محذوف تقديره: نحن اثنان، ومعنى ثالثهما: ناصرهما، ومعينهما، وإلا
فالله ثالث كل اثنين بعلمه. انتهى.
وقال النووي: معناه: ثالثهما بالنصر، والمعونة، والحفظ، والتسديد، وهو داخل في
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَالَّذِينَ هُم تُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] وفيه: بيان عظيم توكل
النبي ◌َ ◌ّ حتى في هذا المقام، وفيه: فضيلة لأبي بكر - رَظُه - وهي من أجل مناقبه.
والفضيلة من أوجه: منها - وكذا في ((شرح النووي)) - بذله نفسه، ومفارقته أهله وماله،
ورياسته في طاعة الله ورسوله، وملازمة النبي بَّ، ومعاداة الناس فيه. ومنها: جعله نفسه
وقاية عنه، وغير ذلك. انتهى.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه الشيخان.
[٣٠٩٧] قوله: (لما توفي عبد الله بن أبي) بن سَلُول؛ بفتح المهملة، وضم اللام،
وسكون الواو، بعدها لام؛ هو: اسم امرأة؛ وهي: والدة عبد الله المذكور؛ وهي خزاعية.
وأما هو: فمن الخزرج - أحد قبيلتي الأنصار - وابن سلول يقرأ بالرفع؛ لأنه صفة عبد الله،
لا صفة أبيه (أعلى عدو الله) أي: أتصلي على عدو الله (القائل يوم كذا، كذا وكذا يعد

٤٩٦
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِّهـ
أيَّامَهُ، قَالَ: وَرَسولُ اللهِ وَلَهِ يَتَبَسَّمُ حَتَّى إِذَا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ، قَالَ: ((أَخِّرْ عَنِّ يَا عُمَرُ،
إِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، قَدْ قِيلَ لِي: ﴿أُسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ
سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] لَوْ أعْلَمُ أَنِّي لَوْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ غُفِرَ لَهُ،
لَزِدْتُ))، قَالَ: ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ وَمَشَى مَعَهُ، فَقَامَ عَلَى قَبْرِهِ حَتَّى فُرِغَ مِنْهُ، قَالَ: فَعجَب
لِي وَجُرأتِي عَلَى رَسُولِ اللهِوَّةِ، وَالله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَوَ اللهِ، مَا كَانَ إلَّا يَسِيرًا حَتَّى
نَزَلَتْ هَاتَانِ الآيَتَانِ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىَّ أَحَدٍ مِنْهُم ◌َاتَ أَبَدًّا وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤]
إِلَى آخِرِ الآيةِ، قَالَ: فَمَا صَلَّى رَسُولُ اللهِ وَِّ بَعْدَهُ عَلَى مُنَافِقٍ، وَلَا قَامَ عَلَى قَبْرِهِ،
حَتَى قَبَضَهُ الله. [خ: ١٣٦٦، ن: ١٩٦٥، حم: ٩٦]
فے
أيامه) يشير بذلك إلى مثل قوله: ﴿لَا نُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّواْ﴾ [المنافقون:
٧]: وإلى مثل قوله: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَ﴾ [المنافقون: ٨] (ورسول الله يتبسم) استشكل
تبسمه وي في تلك الحالة، مع ما ثبت أن ضحكه وَّ ر كان تبسمًا، ولم يكن عند شهود
الجنائز يستعمل ذلك. وجوابه: أنه عبر عن طلاقة وجهه بذلك، تأنيسًا لعمر، وتطييبًا لقلبه،
كالمعتذر عن ترك قبول كلامه ومشورته (قال: أخر عني) أي: كلامك (قد خيرت) أي: بین
الاستغفار وعدمه. (﴿أَسْتَغْفِرْ﴾) يا محمد. (﴿لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾﴾ [التوبة: ٨٠]: تخيير له
في الاستغفار وتركه. (﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةٌ فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾) قيل: المراد بالسبعين:
المبالغة في كثرة الاستغفار. وقيل: المراد: العدد المخصوص؛ لقوله بَله: ((وَسَأَزِيْدُهُ عَلَى
السَّبْعِيْنَ)): فبين له حسم المغفرة بآية: ﴿سَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمَّ تَسْتَغْفِرْ لَمْ﴾
[المنافقون: ٦]، كما في رواية البخاري (فعجب لي وجرأتي) بضم الجيم، وسكون الراء، بعدها
همزة؛ أي: إقدامي عليه.
وفي رواية البخاري(١): (فَعَجِبْتِ بَعْدُ مِنْ جُرْأَتِي عَلَى رَسُولِ اللهِ وَّ)).
تنبيه: قوله وَّاليه: (قد خيرت؛ فاخترت) يدل على أنه وَّل فهم من الآية التخيير.
واستشكل فهم التخيير منها حتى أقدم جماعة من الأكابر على الطعن في صحة هذا الحديث،
مع كثرة طرقه، واتفاق الشيخين، وسائر الذين خرجوا الصحيح على تصحيحه، وذلك ينادي
على منكري صحته بعدم معرفة الحديث، وقلة الاطلاع على طرقه.
(١) البخاري، كتاب الجنائز، حديث (١٣٦٦).

٤٩٧
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَهـ
قال الحافظ: والسبب في إنكارهم صحته ما تقرر عندهم مما قدمناه؛ وهو الذي فهمه
عمر - رضيُبه - من حمل، أو على التسوية؛ لما يقتضيه سياق القصة، وحمل السبعين على
المبالغة.
قال ابن المنير: ليس عند البيان تردد أن التخصيص بالعدد في هذا السياق غير مراد.
قال: وقد أجاب بعض المتأخرين عن ذلك بأنه: إنما قال: ((سَأَزِيدُ عَلَى الْسَّبْعِينَ)»:
استمالة لقلوب عشيرته؛ لأنه أراد: إن زاد على السبعين يغفر له، ويؤيده تردده في ثاني
حديثي الباب حيث قال: ((لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْت عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرُ لَهُ لَزِدْت)): لكن قدمنا أن
الرواية ثبتت بقوله: ((سأزيد))، ووعده صادق، ولا سيما، وقد ثبت قوله: ((لأزيدن)) بصيغة
المبالغة في التأکید.
وأجاب بعضهم: باحتمال أن يكون فعل ذلك؛ استصحابًا للحال؛ لأن جواز المغفرة
بالزيادة كان ثابتًا قبل مجيء الآية؛ فجاز أن يكون باقيًا على أصله في الجواز. وهذا جواب
حسن. وحاصله: أن العمل بالبقاء على حكم الأصل، مع فهم المبالغة لا يتنافيان؛ فكأنه
جوز أن المغفرة تحصل بالزيادة على السبعين، لا أنه جازم بذلك، ولا يخفى ما فيه. قال:
ووقع في أصل هذه القصة إشكال آخر، وذلك أنه وَل ﴿ أطلق أنه خيِّر بين الاستغفار لهم
وعدمه بقوله تعالى: ﴿أُسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَمُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، وأخذ بمفهوم العدد من
السبعين، فقال: ((سأزيد عليها)): مع أنه قد سبق قبل ذلك بمدة طويلة نزول قوله تعالى: ﴿مَا
كَانَ لِلنَّبِّ وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِى قُرْبَى﴾ [التوبة: ١١٣]، فإن هذه
الآية نزلت في قصة أبي طالب حين قال ◌َّهِ: ((لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أَنْهَ عَنْكَ)): فنزلت،
وكانت وفاة أبي طالب بـ(مكة)) قبل الهجرة اتفاقًا، وقصة عبد الله بن أبي هذه في السنة
التاسعة من الهجرة؛ فكيف يجوز مع ذلك الاستغفار للمنافقين، مع الجزم بكفرهم في نفس
الآية؟!
وقد وقفت على جواب لبعضهم عن هذا حاصله: أن المنهي عنه: استغفار ترجى
إجابته؛ حتى يكون مقصده تحصيل المغفرة لهم؛ كما في قصة أبي طالب؛ بخلاف الاستغفار
لمثل عبد الله بن أبي؛ فإنه استغفار لقصد تطييب قلوب من بقي منهم. وهذا الجواب ليس
بمرضي عندي، ونحوه قول الزمخشري؛ فإنه قال:
فإن قلت: كيف خفي على أفصح الخلق، وأخبرهم بأساليب الكلام وتمثيلاته: أن

٤٩٨
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَهِ
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.
المراد بهذا العدد: أن الاستغفار؛ ولو كثر لا يجدي، ولا سيما وقد تلاه قولُه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ
كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٨٠] الآية؛ فبين الصارف عن المغفرة لهم؟
قلت: لم يخف عليه ذلك؛ ولكنه فعل ما فعل، وقال ما قال إظهارًا لغاية رحمته، ورأفته
على من بعث إليه؛ وهو كقول إبراهيم - عليه السلام -: ﴿وَمَنْ عَصَانِ فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
[إبراهيم: ٣٦] وفي إظهار النبي ◌َّير الرأفة المذكورة؛ لطف بأمته، وباعث على رحمة بعضهم
بعضًا. انتهى.
ومنهم من قال: إن النهي عن الاستغفار لمن مات مشركًا، لا يستلزم النهي لمن مات
مظهرًا للإسلام؛ لاحتمال أن يكون معتقده صحيحًا. وهذا جواب جيد. وقد قدمت البحث
في هذه الآية في كتاب الجنائز، والترجيح: أن نزولها كان متراخيًا عن قصة أبي طالب
جيداً، وأن الذي نزل في قصته: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] وحررت دليل ذلك
هنا؛ إلا: أن في بقية هذه الآية من التصريح بأنهم كفروا بالله ورسوله ما يدل على أن نزول
ذلك وقع متراخيًا عن القصة، ولعل الذي نزل أولًا، وتمسك النبي وَله به قوله تعالى:
﴿أَسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَمْ سَبْعِينَ مَرَّةٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ إلى هنا خاصة؛
ولذلك اختصر في جواب عمر على التخيير، وعلى ذكر السبعين، فلما وقعت القصة
المذكورة كشف الله عنهم الغطاء، وفضحهم على رؤوس الملإ، ونادى عليهم بأنهم كفروا
بالله ورسوله. وإذا تأمل المتأمل المنصف وجد الحامل على من رد الحديث، أو تعسف في
التأويل ظنه بأن قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآؤُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة: ٨٠] نزل مع قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ
كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ أي: نزلت الآية كاملة؛ لأنه لو فرض نزولها كاملة؛ لاقترن بالنهي
العلة، وهي صريحة في أن قليل الاستغفار وكثيره لا يجدي، وإلا: فإذا فرض ما حررته أن
هذا القدر نزل متراخيًا عن صدر الآية، لارتفع الإشكال، وإذا كان الأمر كذلك؛ فحجة
المتمسك من القصة بمفهوم العدد صحيح، وكون ذلك وقع للنبي ومليّ متمسكًا بالظاهر على ما
هو المشروع في الأحكام إلى أن يقوم الدليل الصارف عن ذلك، لا إشكال فيه. انتهى.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه البخاري، والنسائي.

٤٩٩
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهـ
[ت ١٠، م ١٣]
[٣٠٩٨] (٣٠٩٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا
عُبَيْدُ الله، أخْبَرَنَا نَافِعٌ، عَن ابنِ عُمَرَ، قَالَ: جاءَ عبدُ الله بْنُ عبدِ الله بْنِ أُبَيِّ إلَى
النبيِّ نَّهِ حِينَ مَاتَ أَبُوهُ، فَقَالَ: أعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيْهِ وَصَلِّ عَلَيْهِ وَاسْتَغْفِرْ لَهُ،
فَأَعْطَاهُ قَمِيصَهُ، وقال: ((إِذَا فَرَغْتُمْ
[٣٠٩٨] قوله: (جاء عبد الله بن عبد الله بن أبيٍّ) كان عبد الله بن عبد الله بن أبي هذا
من فضلاء الصحابة، وشهد بدرًا، وما بعدها، واستشهد في خلافة أبي بكر الصديق، ومن
مناقبه: أنه بلغه بعض مقالات أبيه؛ فجاء إلى النبي ◌َّه يستأذنه في قتله، قال: ((بَلْ أَحْسِنْ
صُحْبَتَهُ))؛ أخرجه ابن منده، من حديث أبي هريرة بإسناد حسن، وكأنه كان يحمل أمر أبيه
على ظاهر الإسلام، فلذلك التمس من النبي وَلهم أن يحضر عنده، ويصلي عليه، ولا سيما
وقد ورد ما يدل على أنه فعل ذلك بعهد من أبيه، ويؤيد ذلك ما أخرجه عبد الرزاق، عن
معمر، والطبري (١)، من طريق سعيد؛ كلاهما، عن قتادة، قال: ((أَرْسَلَ عَبْدُ الله بْنُ أُبَيِّ إِلَى
النَّبِيِّ ◌َّهِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ: أَهْلَكَكَ حُبُّ يَهُودِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! إِنَّمَا أَرْسَلْتُ إِلَيْكَ
لِتَسْتَغْفِرَ لِي، وَلَمْ أُرْسِلْ إِلَيْكَ لِتَوَبِّخَنِي، ثُمَّ سَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ يُكَفَّنُ فِيهِ)): وهذا مرسل مع
ثقة رجاله. ويعضده ما أخرجه الطبراني(٢)، من طريق الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن
عباس قال: ((لَمَّا مَرِضَ عَبْدُ الله بْنُ أَبَيِّ جَاءَهُ النَّبِيُّ وَهُ فَكَلَّمَهُ، فَقَالَ: قَدْ فَهِمْت مَا تَقُولُ،
فَامْنُنْ عَلَيَّ، فَكَفِّنِّي فِي قَمِيصِكَ، وَصَلِّ عَلَيَّ، فَفَعَلَ)): وكان عبد الله بن أبي أراد بذلك: دفع
العار عن ولده وعشيرته بعد موته؛ فأظهر الرغبة في صلاة النبي ◌َّته، ووقعت إجابته إلى
سؤاله بحسب ما ظهر من حاله، إلى أن كشف الله الغطاء عن ذلك. وهذا من أحسن الأجوبة
فيما يتعلق بهذه القصة؛ كذا في ((الفتح)) (فقال: أعطني قميصك أكفنه) إلى قوله: (فأعطاه
قميصه) هذا مخالف لحديث جابر عند البخاري (٣)؛ ((قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ وَّرِ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيِّ
بَعْدَمَا دُفِنَ، فَأَخْرَجَهُ، فَنَفَثَ فِيهِ مِنْ رِيقِهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ».
(١) عبد الرزاق في ((تفسيره)) (٢٨٥/٢)، والطبري في ((التفسير)) (٢٠٦/١٠).
(٢) الطبراني في «الكبير)) (١١٥٩٨) قال الهيثمي: فيه الحكم بن أبان، وثقه النسائي وجماعة، وضعفه ابن
المبارك، وبقية رجاله رجال الصحيح.
(٣) البخاري، كتاب الجنائز، حديث (١٢٧٠).

٥٠٠
كِتابُ تَفْسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ
فآذِنُونِي)) فَلَمَّا أَرَادَ أنْ يُصَلِّيَ، جَذَبَهُ عُمَرُ، وقال: أَلَيْسَ قَدْ نَهَى الله أنْ تُصَلِّ عَلَى
المُنَافِقِينَ؟ فَقَالَ:
قال الحافظ: قد جمع بينهما بأن معنى قوله في حديث ابن عمر: ((فأعطاه)): أي: أنعم
له بذلك؛ فأطلق على العدة اسم العطية مجازًا؛ لتحقق وقوعها. وكذا قوله في حديث جابر:
(بعدما دفن)): عبد الله بن أبي، أي: دلي في حفرته، وكان أهل عبد الله بن أبي خشوا على
النبي ◌َ﴿ المشقة في حضوره، فبادروا إلى تجهيزه قبل وصول النبي ◌ّ، فلما وصل،
وجدهم قد دلوه في حفرته، فأمر بإخراجه؛ إنجازًا لوعده في تكفينه في القميص، والصلاة
عليه، ووجه إعطاء النبي ◌َّر قميصه لعبد الله بن أبي مبين في حديث جابر.
قال: لما كان يوم ((بدر)): أتي بأسارى، وأتي بالعباس، ولم يكن عليه ثوب؛ فنظر النبي
وَلّ له قميصًا؛ فوجدوا قميص عبد الله بن أبي يقدر عليه؛ فكساه النبي ◌َّ إياه؛ فلذلك نزع
النبي ◌َّ قميصه الذي ألبسه.
قال ابن عيينة: كانت له عند النبي وَليريد؛ فأحب أن يكافئه؛ رواه البخاري(١) (فآذنوني)
من الإيذان؛ أي: أعلموني (أليس قد نهى الله أن تصلي على المنافقين) وفي رواية
البخاري(٢): ((فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! تصَلِّ عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاكَ رَبُّكَ أَنْ تصَلِّيَ عَلَيْهِ!)).
قال الحافظ: كذا في هذه الرواية: إطلاق النهي عن الصلاة، وقد استشكل جدًّا حتى
أقدم بعضهم؛ فقال: هذا وهم من بعض رواته، وعاكسه غيره؛ فزعم أن عمر اطلع على نهي
خاص في ذلك.
وقال القرطبي: لعل ذلك وقع في خاطر عمر؛ فيكون من قبيل الإلهام. ويحتمل أن
يكون فهم ذلك من قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣].
قال: الثاني - يعني: ما قاله القرطبي - أقرب من الأول؛ لأنه لم يتقدم النهي عن الصلاة
على المنافقين بدليل أنه قال في آخر هذا الحديث: قَالَ فَأَنْزَلَ الله: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىَّ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾
[التوبة: ٨٤]، والذي يظهر: أن في رواية الباب: تجوزًا بينته الرواية التي في الباب بعده من
وجه آخر، عن عبيد الله بن عمر بلفظ: ((فَقَالَ: تصَلِّ عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاكَ الله أَنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُمْ!».
(١) البخاري، كتاب الجهاد والسير، حديث (٣٠٠٨).
(٢) البخاري، كتاب التفسير، حديث (٤٦٧٠).