Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّفي
وَيَّكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]. [ضعيف،
عبد الأعلى، الأكثر على ضعفه جه: ٢٨٨٤].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ مِن حَديثٍ عَلِيٍّ.
وفي البابِ: عَن أبي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ.
[ت ٦، م ١٦]
[٣٠٥٦] (٣٠٥٦) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ مَعْمَرِ أبُو عَبْدِ الله البَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ
عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أخبرني مُوسَى بْنُ أَنَسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ، يَقُولُ:
الأعم لا يدل على الأخص؛ قاله الطيبيّ، وغيره. (﴿لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ﴾) قال الخليل،
وسيبويه، وجمهور البصريين: أصله شيئاء؛ بهمزتين، بينهما ألف، وهي: فعلاء من لفظ
(شيء))، وهمزتها الثانية للتأنيث؛ ولذا لم تنصرف؛ كحمراء، وهي مفردة لفظًا، جمع معنىً،
ولما استثقلت الهمزتان المجتمعتان قدمت الأولى؛ التي هي لام الكلمة؛ فجعلت قبل
الشين، فصار وزنها: لفعاء. (﴿إِن تُبْدَ لَكُمْ﴾﴾ أي: تظهر لكم. (﴿تَسُؤَّكُمْ﴾) لما فيها من
المشقة. ﴿وَإِن تَسْئَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْءَانُ﴾: أي: في زمن النبي ◌َُّ. ﴿تُبْدَ لَكُمْ﴾ [المائدة:
١٠١]: المعنى: إذا سألتم عن أشياء في زمنه ينزل القرآن بإبدائها، ومتى أبداها ساءتكم؛ فلا
تسألوا عنها .
قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أحمد، وابن ماجه، وقد تقدم هذا الحديث
بإسناده ومتنه في باب: ((كم فرض الحج)): وبيَّنت هناك أن هذا الحديث مُنْقَطِعٌ.
قوله: (وفي الباب عن أبي هريرة، وابن عباس) تقدم تخريج حديثيهما في الباب
المذكور.
[٣٠٥٦] قوله: (حدثنا محمد بن معمر) بن ربعي، القيسي (أبو عبد الله البصري)
البحراني؛ بالموحدة، والمهملة، صدوق، من كبار الحادية عشرة (أخبرني موسى بن أنس)
ابن مالك الأنصاري، قاضي البصرة، ثقة، من الرابعة.

٤٢٢
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهِ
قَالَ رَجلٌ: يَا رَسُولَ الله، مَن أبِي؟ قَالَ: ((أبُوكَ فُلَانٌ)) فَنَزَلَتْ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُّبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]. [خ: ٧٢٩٥، م: ٢٣٥٩، حم: ١٢٢٤٨].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ صحيحٌ.
قوله: (قال رجل) هو: عبد الله بن حذافة القرشي، السهمي، وفي رواية البخاري(١):
((أَنَّ رَسُولَ الله ◌َّهِ خَرَجَ، فَقَامَ عَبْدُ الله بْنُ حُذَافَةً فَقَالَ: مَنْ أَبِي)) (من أبي) جملة من المبتدأ
والخبر، مقول القول.
فإن قلت: لِمَ سأله عن ذلك؟
قلت: لأنه كان ينسب إلى غير أبيه؛ إذا لاحى أحدًا، فنسبه عليه الصلاة والسلام إلى
أبيه.
فإن قلت: من أين عرف رسول الله وَليل أنه ابنه؟
قلت: إما بالوحي - وهو: الظاهر - أو: بحكم الفراسة؛ قاله العيني. (﴿لَا تَسْئَلُواْ عَنْ
أَشْيَآءَ﴾ ... إلخ) قال الحافظ: قد تعلق بهذا النهي من كره السؤال عما لم يقع، وقد أسنده
الدارمي في مقدمة كتابه، عن جماعة من الصحابة، والتابعين.
وقال ابن العربي: اعتقد قومٌ من الغافلين منع أسئلة النوازل، حتى تقع تعلقًا بهذه الآية،
وليس كذلك؛ لأنها مصرحة بأن المنهي عنه ما تقع [المسألة](٢) في جوابه. ومسائل النوازل
ليست كذلك؛ وهو: كما قال؛ إلا أنه أساء في قوله: ((الغافلين)): على عادته؛ كما نبه عليه
القرطبي، وقد روى مسلم، عن سعد بن أبي وقاص رفعه: ((أَعْظَمُ المُسْلِمِينَ بِالمُسْلِمِينَ
جُرْمًا، مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ، فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلٍ مَسْأَلَتِهِ))، وهذا يبين المراد من الآية،
وليس مما أشار إليه ابن العربي في شيء. انتهى.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه أحمد، والبخاري، ومسلم،
والنسائي.
(١) البخاري، كتاب التفسير، حديث (٤٦٢١).
(٢) وفي نسخة: ((المساءة)).

٤٢٣
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَهـ
[ت ٦، م ١٧]
[٣٠٥٧] (٣٠٥٧) حَدَّثَنَا أحْمَدُ بْنُ مَنِيع، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا
إِسْمَاعِيلُ بْنُ أبي خالِدٍ، عَن قَيْسِ بْنِ أبي حَازِمِ، عَن أبي بَكْرِ الصِّدِّيقِ؛ أنَّهُ قَالَ:
يا أيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ تَقْرَؤُونَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَنْ
ضَلَّ إِذَا أَهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، وإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((إِنَّ النَّاسَ إِذَا
رأوْا ظَالِمًا فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ، أوْشَكَ أنْ يَعُمَّهُمُ الله بِعِقَابٍ مِنْهُ)). [ر: ٤٣٣٨،
جه: ٤٠٠٥، حم: ٣٠].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ؛ وقد رَوَاهُ غیرُ وَاحِدٍ، عَن
إِسْمَاعِيلَ بْنِ أبي خَالِدٍ: نحْوَ هذَا الحديثِ مَرفوعًا؛ وَرَوَى بعضُهُم، عَن إسماعِيلَ
عَن قَيْسٍ، عَن أبي بَكْرٍ قَوْلَهُ، وَلَمْ يَرْفَعُوهُ.
[٣٠٥٧] قوله: (أنه قال: يا أيها الناس) وفي رواية أحمد: ((قَامَ أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ
فَحَمِدَ الله، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ)). (إنكم تقرؤون هذه الآية) زاد أبو داود في
روايته ((وَتَضَعُونَهَا عَلَى غَيْرِ مَوَاضِعِهَا)) يعني: تجرونها على عمومها، وتمتنعون عن الأمر
بالمعروف، والنهي عن المنكر مطلقًا، وليس كذلك. (﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾
[المائدة: ١٠٥]) انتصب أنفسكم بـ ((عليكم)): وهو من أسماء الأفعال؛ أي: ألزموا إصلاح
أنفسكم، واحفظوها عن المعاصي، والكاف والميم في ((عليكم)): في موضع جرٍ؛ لأن اسم
الفعل هو: الجار والمجرور، لا على وحدها. (﴿لَا يَضُّكُم مَن ضَلَّ إِذَا أَهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:
١٠٥]) أي: فإذا ألزمتم إصلاح أنفسكم، وحفظتموها، لم يضركم - إذا عجزتم عن الأمر
بالمعروف، والنهي عن المنكر - ضلال من ضل؛ بارتكاب المناهي؛ إذا اهتديتم إلى
اجتنابها. وليس في هذه الآية دليل على ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، إذا كان
فعل ذلك ممكنًا (فلم يأخذوا على يديه) أي: لم يمنعوه عن ظلمه، مع القدرة على منعه (أن
يعمهم الله بعقاب منه) أي: بنوع من العذاب.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
وقد تقدم هذا الحديث في باب: ((نزول العذاب)) إذ لم يغير المنكر من أبواب: الفتن.
قوله: (وقد رواه غير واحد، عن إسماعيل بن أبي خالد نحو هذا الحديث مرفوعًا ... إلخ)

٤٢٤
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَفي
[ت ٦، م ١٨]
[٣٠٥٨] (٣٠٥٨) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَعْقُوبَ الظَّالَقَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ
المُبَارَكِ، أخْبَرَنَا عُتْبَةُ بْنُ أبي حَكِيم، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ جَارِيَةَ اللَّخْمِيُّ، عَن أبي أُمَيَّةً
الشَّعْبَانِيِّ، قَالَ: أتيْتُ أبَا ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيَّ، فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ تَصْنَعُ فِي هَذِهِ الآيَةِ؟ قَالَ:
أيَّةُ آيَةٍ؟ قُلْتُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا
اُهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، قَالَ: أَمَا والله، لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْهَا خَبِيرًا، سَأَلْتُ عَنْهَا
رسولَ اللهِ وَّهِ فَقَالَ: ((بَلِ انْتَمِرُوا بِالمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنِ المُنْكَرِ،
قال الحافظ ابن كثير في ((تفسيره)): بعد ذكر هذا الحديث: قد روى هذا الحديث أصحاب السنن
الأربعة، وابن حبان في ((صحيحه)): وغيرهم من طرق كثيرة، عن جماعة كثيرة، عن إسماعيل بن
أبي خالد به متصلًا مرفوعًا، ومنهم: من رواه عنه به موقوفًا على الصّدّيق، وقد رجح رفعه
الدار قطني، وغيره.
[٣٠٥٨] قوله: (أخبرنا عتبة بن أبي حكيم) الهمداني؛ بسكون الميم، أبو العباس،
الأُرْدُنيّ؛ بضم الهمزة، والدال، بينهما راء ساكنة، وتشديد النون، صدوق، يخطئ كثيرًا،
من السادسة (حدثنا عمرو بن جارية) بالجيم: اللخمي، شامي، مقبول. وقال في ((تهذيب
التهذيب)) في ترجمته: يقال: إنه عم عتبة بن أبي حكيم. ذكره ابن حبان في ((الثقات)): له
عندهم حديث واحد من رواية أبي أمية، عن أبي ثعلبة: ((إِذَا رَأَيْتَ شُحًا مُطَاعًا ... )):
الحديث (عن أبي أمية الشعباني) الدمشقي، اسمه: يحمد، بضم التحتانية، وسكون المهملة،
وكسر الميم، وقيل: بفتح أوله، والميم، وقيل: اسمه: عبد الله، مقبول، من الثانية.
قوله: (فقلت له: كيف تصنع في هذه الآية؟) وفي رواية أبي داود: كَيْفَ تَقُولُ فِي هَذِهِ
الآيَةِ يعني؟ ما معنى هذه الآية؟ وما تقول فيها؛ فإن ظاهرها يدل على أنه لا حاجة إلى الأمر
والنهي؛ بل على كل مسلم إصلاح نفسه (أما) بالتخفيف: حرف التنبيه (لقد سألت) بفتح التاء
بصيغة الخطاب (خبيرًا) أي: عارفًا وعالمًا بمعنى هذه الآية (سألت) بضم التاء بصيغة
المتكلم (بل ائتمروا) أي: امتثلوا (بالمعروف) أي: ومنه الأمر به (وتناهوا) أي: انتهوا،
واجتنبوا (عن المنكر) ومنه الامتناع عن نهيه، أو الائتمار؛ بمعنى: التآمر؛ كالاختصام
بمعنى: التخاصم. ويؤيده التناهي. والمعنى: ليأمر بعضكم بعضًا بالمعروف، وتنه طائفة
منكم طائفة عن المنكر.

٤٢٥
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ
حَتَّى إِذَا رأيْتَ شُحًا مُطَاعًا، وَهَوَّى مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأي
بِرَأيِهِ، فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةٍ نَفْسِكَ، وَدَعِ العَوَامَّ، فَإِنَّ مِن وَرَائِكُمْ أَيَّامًا الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ
القَبْضِ عَلَى الجَمْرِ، لِلعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أجْرٍ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ)). قَالَ
عَبْدُ الله بْنُ المُبَارَكِ: وَزَادَني غيرُ عُتْبَةَ، قِيلَ: يَا رَسُولَ الله، أجْرُ خَمْسِينَ مِنَّا أوْ
مِنْهُمْ؟ قَالَ: ((لَا، بَلْ أجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ)). [فيه ضعف، عمر بن جارية، لم يوثقه غير ابن حبان،
وأبو أمية مقبول، وعتبة، صدوق، يخطئ كثيرًا: لكن بعضه صحيح جه بنحوه: ٤٠١٤].
وقال الطيبيّ - رحمه الله -: قوله: ((بل ائتمروا)): إضراب عن مقدر؛ أي: سألت عنها
رسول الله ◌َّله، وقلت: أما نترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ بناء على ظاهر الآية؟
فقال عليه الصلاة والسلام: ((لا تَتْرُكُوا، بَلِ الْتَمِرُوا بِالمَعْرُوفِ ... )): إلخ.
(حتى إذا رأيت) أي: أيها المخاطب خطابًا عامًا. والمعنى: إذا علمت الغالب على
الناس (شحًا مطاعًا) أي: بخلًا مطاعًا؛ بأن أطاعته نفسك، وطاوعه غيرك؛ قاله القاري.
وفي ((النهاية)): هو: أشد البخل. وقيل: البخل مع الحرص. وقيل: البخل في أفراد
الأمور، وآحادها، والشحّ عام. وقيل: البخل بالمال، والشح بالمال، وبالمعروف.
(وهوى متبعًا) بصيغة المفعول؛ أي: وهوى للنفس متبوعًا. وحاصله: أن كلا يتبع هواه
(ودنيا) بالقصر، وهي: عبارة عن المال، والجاه في الدار الدنية (مؤثرة) أي: مختارة على
أمور الدين (وإعجاب كل ذي رأي برأيه) أي: من غير نظر إلى الكتاب والسنة. والإعجاب،
بكسر الهمزة: هو وجدان الشيء حسنًا، ورؤيته مستحسنًا؛ بحيث يصير صاحبه به معجبًا،
وعن قبول كلام الغير مجنبًا، وإن كان قبيحًا في نفس الأمر (فعليك بخاصة نفسك) منصوب.
وقيل: مرفوع، أي: فالواجب، أو: فيجب عليك حفظها من المعاصي. لكن يؤيد الأول؛
وهو: أن يكون للإغراء بمعنى: الزم خاصة نفسك.
قوله: (ودع العوام) أي: اترك أمر عامة الناس الخارجين عن طريق الخواص (فإن من
ورائكم أيامًا) أي: قدامكم من الأزمان الآتية (الصبر فيهن مثل: القَبْضٍ على الجمر) يعني:
يلحقه المشقة؛ بالصبر في تلك الأيام؛ كمشقة الصابر على قبض الجمر بيده (يعملون مثل
عملكم) وفي رواية أبي داود(١): ((يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ): أي: في غير زمانه (قال: لا، بل أجر
خمسين رجلاً منكم) قال في ((اللمعات)): يدل على فضل هؤلاء في الأجر على الصحابة من
(١) أبو داود، كتاب الملاحم، حديث (٤٣٤١).

٤٢٦
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهِ
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
هذه الحيثية، وقد جاء أمثال هذا أحاديث أُخر. وتوجيهه كما ذكروا: أن الفضل الجزئي لا
ينافي الفضل الكلي.
وقد تكلم ابن عبد البر في هذه المسألة، وقال: يمكن أن يجيء بعد الصحابة من هو في
درجة بعض منهم، أو أفضل. ومختار العلماء خلافه. انتهى.
وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: ليس هذا على إطلاقه؛ بل هو مبني على
قاعدتين .
إحداهما: أن الأعمال تشرف بثمراتها .
والثانية: أن الغريب في آخر الإسلام؛ كالغريب في أوله، وبالعكس؛ لقوله عليه السلام:
(بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ مِنْ أُمَّتِي))(١): يريد: المنفردين
عن أهل زمانهم.
إذا تقرر ذلك؛ فنقول: الإنفاق في أول الإسلام أفضل؛ لقوله - عليه السلام - لخالد بن
الوليد - ربه -: (لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ))(٢): أي: مد
الحنطة. والسبب فيه: أن تلك النفقة أثمرت في فتح الإسلام، وإعلاء كلمة الله؛ ما لا يثمر
غيرها، وكذلك الجهاد بالنفوس لا يصل المتأخرون فيه إلى فضل المتقدمين؛ لقلة عدد
المتقدمين، وقلة أنصارهم؛ فكان جهادهم أفضل؛ ولأن بذل النفس مع النصرة، ورجاء
الحياة ليس كبذلها مع عدمها؛ ولذلك قال - عليه السلام: ((يَكُونُ الْقَابِضُ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضٍ
عَلَى الْجَمْرِ)): لَا يَسْتَطِيعُ دَوَامَ ذَلِكَ لِمَزِيدِ المَشَقَّةِ، فَكَذَلِكَ المُتَأَخِّرُ فِي حِفْظِ دِينِهِ، وَأَمَّا
المُتَقَدِّمُونَ فَلَيْسُوا كَذَلِكَ؛ لِكَثْرَةِ المُعِينِ، وَعَدَمِ الْمُنْكِرِ، فعلى هذا يترك الحديث. انتهى؛ كذا
في ((مرقاة الصعود)).
قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أبو داود، وابن ماجه، وابن جرير، وابن
أبي حاتم، والحاكم، والبيهقي في ((شعب الإيمان))(٣).
(١) مسلم، كتاب الإيمان، حديث (١٤٥)؛ دون قوله: ((من أمتي)).
(٢) كتاب فضائل الصحابة، حديث (٢٥٤١).
(٣) ابن أبي حاتم (٢٢٥/٤)، وابن جرير (٧/ ٩٧) في ((تفسيرهما))، والحاكم (٧٩١٢)؛ وعنه البيهقي في ((الكبرى))
(١٩٩٨٠) وفي ((شعب الإيمان)) (٩٧٣١)، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.

٤٢٧
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِوَهـ
[ت ٦، م ١٩]
[٣٠٥٩] (٣٠٥٩) حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ أبي شُعَيْبِ الحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنَا
مُحمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَن أبي النَّصْرِ، عَن بَاذَانَ مَوْلَى
أُمّ هَانيٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَن تَمِيمِ الدَّارِيِّ، فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَدَةُ
بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المائدة: ١٠٦] قَالَ: بَرِىءَ النَّاسُ مِنْهَا غَيْرِي، وَغَيْرَ
عَدِيِّ بْنِ بَداءٍ، وكَانَا نَصْرَانِيِّيْنِ يَخْتَلِفَانِ إِلَى الشَّامِ قَبْلَ الإسْلَامِ، فَأَتَيّا الشَّامَ
لِتِجَارَتِهِمَا، وَقَدِمَ عَلَيْهِمَا مَوْلًى لِبَنِي سهم، يُقَالُ لَهُ: بُدَيْلُ بْنُ أبي مَرْيَمَ بِتِجَارَةِ،
وَمَعَهُ جامٌ مِن فِضَّةٍ يُرِيدُ بِهِ المَلِكَ، وَهُوَ عُظْمُ تجَارَتِهِ، فَمَرِضَ، فَأَوْصَى إِلَيْهِمَا،
وَأْمَرَهُمَا أنْ يُبَلِّغَا مَا تَرَكَ أهْلَهُ. قَالَ تَمِيمٌ:
[٣٠٥٩] قوله: (عن أبي النضر) اسمه: محمد بن السائب بن بشر الكلبي، الكوفي،
النسابة، المفسر، متهم بالكذب، ورمي بالرفض، من السادسة (عن باذان) قال في
((التقريب)): باذام بالذال المعجمة، ويقال: آخره نون، أبو صالح، مولى أم هانئ، ضعيف،
مدلس، من الثالثة (عن تميم الداري) صحابي، مشهور.
قوله: (قال: بَرِئَّ الناس منها) أي: من هذه الآية (غيري، وغير عَدِيّ بن بداء) بفتح
الموحدة، وتشديد المهملة، مع المد، ووقع عند الواقدي: أن عدي بن بداء كان أخا تميم
الداري، فإن ثبت، فلعله أخوه لأمه، أو من الرضاعة؛ لكن في ((تفسير مقاتل بن حيان)):
أن: رجلين نصرانيين من أهل دارين أحدهما: من تميم، والآخر: يماني؛ قاله الحافظ
(يختلفان إلى الشام) أي: يترددان إليه للتجارة (يقال له: بديل بن أبي مريم) بضم الموحدة،
وفتح الدال المهملة مصغرًا. ووقع في رواية ابن جريج أنه كان مسلمًا؛ وكذا أخرجه بسنده
في ((تفسيره)) (ومعه جام) بالجيم، وتخفيف الميم؛ أي: إناء (يريد به: الملك) أي: ليبيعه منه
(وهو: عظم تجارته) بضم العين المهملة، وسكون الظاء المعجمة، أي: معظم أموال
تجارته، أو بكسر العين المهملة، وفتح الظاء المعجمة، وعظم الشيء كبره (فمرض) أي:
بدیل السهمي (فأوصى إليهما) أي: إلى تميم، وعدي.
وفي رواية: أن السهمي المذكور مرض؛ فكتب وصيته بيده، ثم دسها في متاعه، ثم
أوصى إليهما (أن يبلغا) من الإبلاغ، أي: يوصلا (ما ترك) مفعول أول لـ ((يبلغا)) (أهله)

٤٢٨
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهَِّل
فَلَمَّا مَاتَ، أَخَذْنَا ذَلِكَ الجَامَ فَبِعْنَاهُ بِأَلْفِ دِرْهَم، ثُمَّ اقْتَسَمْنَاهُ أَنَا وَعَدِيُّ بْنُ بَدَاءٍ،
فَلَمَّا قَدِمْنَا إِلَى أَهْلِهِ، دَفَعْنَا إِلَيْهِمْ مَا كَانَ مَعَنَا وَفَقَدُوا الجَامَ، فَسَأَلُونَا عَنْهُ، فَقُلْنَا مَا
تَرَكَ غَيْرَ هَذَا، وَمَا دَفَعَ إلَيْنَا غَيْرَهُ، قَالَ تَمِيمٌ: فَلَمَّا أسْلَمْتُ بَعْدَ قُدُوم رَسُولِ اللهِ وَله
المَدِينَةَ تَأْثَّمتُ مِن ذَلِكَ، فَأَتَيْتُ أهْلَهُ فَأَخْبَرْتُهُمُ الخَبَرَ، وَأَدَّيْتِ إلَيْهِمْ خَمْسَمِائَةِ
دِرْهَم، وأخْبَرْتُهُمْ أَنَّ عِنْدَ صَاحِبِي مِثْلَهَا، فَأَتَوْا بِهِ رسولَ اللهِ وَهِ، فَسَأَلَهُمُ الْبَيِّنَةَ، فَلَمْ
يَجِدُوا فَأَمَرَهُمْ أنْ يَسْتَحلِفُوهُ بِمَا يُقْطَعُ بِهِ علَى أهْلِ دِينِهِ، فَحَلَفَ؛ فَأَنْزَلَ الله: ﴿يَأَيُها
الَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المائدة: ١٠٦] إلى قَولِهِ: ﴿أَوْ يَخَافُواْ أَنْ
تُرَدَّ أَيْمَنْ بَعْدَ أَيْمَنِهِمْ﴾ [المائدة: ١٠٦]؛
مفعول ثان (فلما مات) أي: بديل (وفقدوا الجام) أي: فقد أهل بديل الجام المذكور، ولم
يجدوه في متاعه (تأثمت من ذلك) أي: تحرجت منه. قال في ((النهاية)): يقال تَأَثّم فلان: إذا
فعل فعلًا خرج به من الإثم. كما يقال: تحرج: إذا فعل ما يخرج به من الحرج (عند
صاحبي) أي: عدي بن بداء (فأتوا) أي: أهل بديل (به) أي: بعَدِيِّ بن بداء (فسألهم البينة)
أي: طلب النبي ◌َّله من أهل بديل البينة على ما ادعوه (فلم يجدوا) أي: البينة (أن
يستحلفوه) أي: عديًّا (فحلف) أي: عدي.
قوله: (﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ شَهَدَةُ بَيْنِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦]) إلخ. الآية بتمامها، مع تفسيرها؛
هكذا. ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ شَهَدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ اُلْوَصِيَّةِ أَثْنَانِ﴾ [المائدة: ١٠٦]:
ارتفع اثنان؛ لأنه خبر المبتدأ بتقدير المضاف؛ أي: شهادة بينكم حينئذ شهادة اثنين، أو
فاعل ((شهادة)): بينكم على أن خبرها محذوف، أي: فيما نزل عليكم أن يشهد بینکم اثنان.
وأضاف الشهادة إلى البين توسعًا؛ لأنها جارية بينهم. و(﴿إِذَا حَضَرَ﴾ [المائدة: ١٠٦]) ظرف
للشهادة. ﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾: [المائدة: ١٠٦] بدل منه. و﴿ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾: [المائدة: ١٠٦] يعني: من
أهل دينكم، وملتكم يا معشر المؤمنين. وقيل: معناه: من أقاربكم؛ وهما صفتان لاثنين.
واختلفوا في هذين الاثنين؛ فقيل: هما الشاهدان اللذان يشهدان على وصية الموصي،
وقيل: هما الوصيان؛ لأن الآية نزلت فيهما، ولأنه قال تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِلَّهِ﴾. [المائدة:
١٠٦] والشاهد: لا يلزمه يمين، وجعل الوصي اثنين؛ تأكيدًا، فعلى هذا تكون الشهادة
بمعنى: الحضور؛ كقولك: شهدت وصية فلان بمعنى: حضرت. ﴿أَوْ ءَاخَرَانٍ﴾ [المائدة: ١٠٦]:
كائنان من غيركم؛ يعني: من غير أهل دينكم، وملتكم، وهم: الكفار، وقيل: من غير

٤٢٩
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهِ
عشیرتکم، وقبيلتكم، وهم: مسلمون، والأول: هو الأنسب بسیاق الآية؛ وبه قال أبو موسى
الأشعري، وابن عباس، وغيرهما. فيكون في الآية دليل على جواز شهادة أهل الذمة على
المسلمين في السفر في خصوص الوصايا؛ كما يفيده النظم القرآني. ويشهد له السبب
للنزول، فإذا لم يكن مع الموصي من يشهد على وصيته؛ فليشهد رجلان من أهل الكفر، فإذا
قدما وأَدَّيا الشهادة على وصيته، حلفا بعد الصلاة أنهما: ما كذبا، ولا بدلا ، وأن ما شهدا
به حق؛ فيحكم حينئذ بشهادتهما. ﴿فَإِنّ عُثِرَ﴾ بعد ذلك: ﴿عَلَى أَنَّهُمَا﴾، [المائدة: ١٠٧] كذبا، أو
خانا حلف رجلان من أولياء الموصي، وغرم الشاهدان الكافران ما ظهر عليهما من خيانة،
أو نحوها. هذا معنى الآية عند من تقدم ذكره؛ وبه قال سعيد بن المسيب، ويحيى بن يعمر،
وسعيد بن جبير، وأبو مجلز، والنخعي، وشريح، وعَبيدة السلماني، وابن سيرين، ومجاهد،
وقتادة، والسدي، والثوري، وأبو عبيدة، وأحمد بن حنبل.
وذهب إلى الثاني أعني: تفسير ضمير ﴿مِنْكُرُ﴾: بالقرابة أو العشيرة، وتفسير ﴿غَيْرِكُمْ﴾:
بالأجانب: الزهري، والحسن، وعكرمة، وذهب مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وغيرهم
من الفقهاء إلى أن الآية منسوخة، واحتجوا بقوله: ﴿مِمَن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]
وقوله: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] والكفار: ليسوا بمرضيين، ولا عدول.
وخالفهم الجمهور؛ فقالوا: الآية محكمة؛ وهو الحق؛ لعدم وجود دليل صحيح يدل على
النسخ.
وأما قوله تعالى: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾: وقوله: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدّلٍ مِنْكُ﴾؛ فهما
عامّان في الأشخاص، والأزمان، والأحوال. وهذه الآية خاصة بحالة الضرب في الأرض،
والوصية، وبحالة عدم الشهود المسلمين، ولا تعارض بين خاص وعام. ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَّبْتُمْ﴾
[المائدة: ١٠٦]: أي: سافرتم، والظاهر: أن هذا الشرط قيد في قوله: ﴿وَآخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾
[المائدة: ١٠٦] فقط. والمعنى: ينبغي أن يشهد اثنان منكم؛ فإن تعذر كما في السفر؛ فمن
غيركم. وقيل: هو قيد في أصل شهادة، وذلك أنسب على تقدير تفسير الآية باتخاذ
الوصيين. ﴿فِي الْأَرْضِ فَأَصَبَتَّكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِّ﴾ [المائدة: ١٠٦]: يعني: فنزل بكم أسباب الموت،
فأوصيتم إليهما، ودفعتم مالكم إليهما، ثم ذهبا إلى ورثتكم بوصيتكم، وبما تركتم، فارتابوا
في أمرهما، وادعوا عليهما خيانة، فالحكم فيه أنكم ﴿تَمْبِسُونَهُمَا﴾: أي: توقفونهما؛ وهو:
استئناف كلام، أو صفة لقوله: ﴿أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾: أي: وآخران من غيركم محبوسان،

٤٣٠
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهَِهـ
والشرط بجوابه المحذوف المدلول عليه. ﴿أو آخران من غيركم﴾: اعتراض بين الصفة
والموصوف. ﴿مِنْ بَعْدِ الصَّلَوَةِ﴾: أي: من بعد صلاة العصر؛ وبه قال عامة المفسرين.
ووجه ذلك أن: هذا الوقت كان معروفًا عندهم بالتحليف بعدها؛ فالتقييد بالمعروف المشهور
أغنى عن التقييد باللفظ، مع ما عند أهل الكفر بالله من تعظيم ذلك الوقت؛ وذلك لقربه من
غروب الشمس. ﴿فَيُقْسِمَانِ﴾: أي: الشاهدان على الوصية، أو الوصيان. ﴿بِاللَّهِ إِن
آرْتَبْتُمْ﴾: أي: إن شككتم في شأنهما، واتهمتموهما، فحلفوهما؛ وبهذا يحتج من يقول:
الآية نازلة في إشهاد الكفار؛ لأن تحليف الشاهد المسلم غير مشروع.
ومن قال: الآية نازلةٌ في حق المسلم؛ قال: إنها منسوخة.
وقوله: ﴿إِنِ آَرْتَبْتُمْ﴾ اعتراض بين ﴿فيقسمان﴾ وجوابه، وهو: ﴿لَا نَشْتَرِى بِهِ ﴾: أي:
بالقسم ﴿ثَمَنًا﴾: أي: لا نعتاض عنه بعوض قليل من الدنيا الفانية الزائلة. ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبٌ﴾:
أي: ولو كان المشهود له، أو المقسم له ذا قرابة منا. ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَدَةَ اللَّهِ﴾: إنما أضاف
الشهادة إلى الله سبحانه؛ لأنه أمر بإقامتها، ونهى عن كتمانها. ﴿إِنَّا إِذَا لَّمِنَ الْأَثِمِينَ﴾:
يعني: إن كتمنا الشهادة، أو خُنَّا فيها. ﴿فَإِنْ عُثِرَ﴾: يقال: عَثَرَ على كذا: اطلع عليه. ويقال:
عثرت منه على خيانة؛ أي: اطلعت وأعثرت غيري عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا
عَلَيْهِمْ﴾ [الكهف: ٢١]: وأصل العثور: الوقوع والسقوط على الشيء، وقيل: الهجوم على شيء
لم يهجم عليه غيره، وكل من اطلع على أمر كان قد خفي عليه، قيل له: قد عثر عليه،
والمعنى: أنه إذا اطلع، وظهر بعد التحليف. ﴿عَلَ أَنَّهُمَا﴾: أي: الشاهدين، أو الوصيين
على الخلاف في أن الاثنين وصيان أو شاهدان على الوصية. ﴿اَسْتَحَقًّا إِثْمًا﴾: أي: فعلا ما
يوجبه من خيانة، أو كذب في الشهادة؛ بأن وجد عندهما مثلًا ما اتهما به، وادعيا أنهما
ابتاعاه من الميت، أو أوصى لهما به. ﴿فَاخَرَانِ﴾: أي: فشاهدان آخران، أو فحالفان آخران
من أولياء الميت. ﴿يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾: أي: مقام اللذين عثر على أنهما استحقا إثمًا،
فيشهدان، أو يحلفان على ما هو الحق. ﴿مِّنَ الَّذِينَ أُسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ﴾: على البناء للفاعل:
قراءة علي، وابن عباس، وأَبي ه؛ أي: من أهل الميت الذين استحق عليهم.
﴿اٌلْأَوْلَيَنِ﴾: من بينهم؛ أي: الأقربان إلى الميت، الوارثان له؛ الأحقان بالشهادة. ومفعول
((استحق)): محذوف، أي: استحقا عليهم أن يجردوهما للقيام بالشهادة؛ لأنها حقهما،
ويظهروا بها كذب الكاذبين. وهما في الحقيقة: الآخران القائمان مقام الأوليان على وضع

٤٣١
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَه
فَقَامَ عَمْرُو بْنُ العَاصِ، وَرَجُلٌ آخَرُ فَحَلَفَا، فَنُزِعَتِ الخَمْسُمائَةِ دِرْهَم من عَدِيِّ بْن
بَدَاءٍ. [ضعيف الإسناد جدًا].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ غريبٌ، وليس إسْنَادُهُ بصَحِيحٍ، وأبو النَّضْرِ الذي
رَوَى عَنْهُ مُحمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ هذا الحديثَ هُوَ عِنْدِي: مُحمَّدُ بْنُ السَّائِبِ الكَلْبِيُّ،
يُكَنَّى: أبَا النَّضْرِ، وقد تَرَكَهُ أهْلُ الحديثِ، وَهُوَ صَاحِبُ التَّفْسِيرِ، سَمِعْتُ مُحمَّدَ بْنَ
إِسْمَاعِيلَ يقولُ: مُحمَّدُ بْنُ السَّائِب الكَلْبِيُّ يُكْنَى: أبَا النَّضْرِ، ولا نَعْرِفُ لِسَالِم
المظهر مقام المضمر. وقرئ على البناء للمفعول، وهو: الأظهر؛ أي: من الذين استحق
عليهم الإثم؛ أي: جني عليهم، وهم: أهل الميت، وعشيرته. فـ((الأوليان)): مرفوع على أنه
خبر لمبتدأ محذوف، كأنه قيل: ومن هما؟ فقيل: الأوليان. أو: هو بدل من الضمير في
(يقومان)): أو: من آخران. ﴿فَيُقْسِمَانِ بِلَّهِ﴾: أي: فيحلفان على خيانة الشاهدين ويقولان:
﴿لَشَهَدَنْنَآ أَحَقُّ مِن شَدَتِهِمَا﴾: يعني: أيماننا أحق، وأصدق من أيمانهما. ﴿وَمَا أَعْتَدَيْنَا﴾:
أي: ما تجاوزنا الحق في أيماننا وقولنا: إن شهادتنا أحق من شهادة هذين الوصيين
الخائنين. ﴿إِنَّ إِذَا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ١٠٧]: أي: إن حلفنا كاذبين. ﴿ذَلِكَ أَدْفَ أَنْ يَأْتُواْ
بِالشَّهَدَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ [المائدة: ١٠٨]: يعني: ذلك الذي حكمنا به، من رد اليمين على أولياء
الميت، أيمانهم: أقرب أن يأتوا بالشهادة على وجهها، يعني: أن يأتي الوصيان، وسائر
الناس بالشهادة على وجهها الذي تحملوها عليه من غير تحريف؛ ولا خيانة. ﴿أَوْ يَخَافُواْ أَنْ
تُرَدَّ ◌َعْمَنُ بَعْدَ أَيْمَنِهِمَّ﴾: أي: وأقرب أن يخافوا أن ترد الأيمان على أولياء الميت؛ فيحلفوا على
خيانتهم، وكذبهم، فيفتضحوا، أو يغرموا؛ فربما لا يحلفون كاذبين؛ إذا خافوا هذا الحكم.
﴿وَأَتَّقُواْ اللّهُ﴾: بترك الخيانة، والكذب. ﴿وَأَسْمَعُواْ﴾: ما تؤمرون به سماع قبول. ﴿وَاللَّهُ لَا
يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ﴾ [المائدة: ١٠٨]: الخارجين عن طاعته إلى سبيل الخير (فقام عمرو بن
العاص، ورجل آخر) سمى مقاتل بن سليمان في «تفسيره)): الآخر: المطلب بن أبي وداعة؛
وهو: سهمي أيضًا.
قوله: (هذا حديث غريب) وأخرجه ابن أبي حاتم، وابن جرير(١) (ولا نعرف لسالم
(١) ابن أبي حاتم (١٢٣٠/٤)، وابن جرير (١١٥/٧) في ((تفسيرهما)).

٤٣٢
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَه
أبي النَّضْرِ المديني رِوَايَةً عَن أبي صالحٍ مَوْلَى أُمُّ هَانئ؛ وقد رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
شَيْءٌ من هذا عَلَى الاخْتِصَارِ من غيرِ هذا الوَجْهِ.
[ت ٦، م ٢٠]
[٣٠٦٠] (٣٠٦٠) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَن ابنِ
أبي زَائِدَةَ، عَن مُحمَّدِ بْنِ أبي القَاسِمِ، عَن عبدِ المَلِكِ بْنِ سَعِيد بن جبير، عَن أبِیهِ،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: خَرَجَ رَجُلٌ مِن بَنِي سَهْمٍ مَعَ تَمِيمِ الدَّارِيِّ، وَعَدِيِّ بْنِ بَداءٍ،
فَمَاتَ السَّهْمِيُّ بِأَرْضٍ لَيْسَ فِيهَا مُسْلِمٌ، فَلَمَّا قَدِمَا بِتَرِكَتِهِ، فَقَدُوا جامًا مِن فِضَّةٍ
مُخَوَّصًا بِالذَّهَبِ، فَأَخْلَفَهُمَا رَسُولُ اللهِوَ، ثُمَّ وُجِدَ الجَاتُّ بِمََّةَ؛ فَقِيلَ: اشْتَرَيْنَاهُ
مِن عَدِيٍّ وتَمِيم، فَقَامَ رَجُلَانِ مِن أوْلِيَاءِ السَّهْمِيِّ، فَحَلَفَا بالله لَشَهَادَتْنَا أحَقُّ مِن
شَهَادَتِهِمَا، وَأَنَّ الجَامَ لِصَاحِبِهِمْ، قَالَ: وَفِيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ شَدَةُ
بَيْنِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦]. [خ: ٢٧٨٠، د: ٣٦٠٦].
أبي النضر المديني رواية، عن أبي صالح مولى أم هانئ) مقصود الترمذي أن أبا النضر الذي
وقع في إسناد هذا الحديث؛ هو: محمد بن السائب الكلبي؛ فإن روايته عن باذان أبي صالح:
معروفة. وليس أبو النضر هذا سالمًا أبا النضر المديني؛ لأنه لا يعرف له روايةٌ عن باذان
أبي صالح مولى أم هانئ.
[٣٠٦٠] قوله: (عن ابن أبي زائدة) هو: يحيى بن زكريا (عن محمد بن أبي القاسم)
الطويل، الكوفي، ثقة، من السادسة.
قوله: (خرج رجل من بني سهم) هو: بديل بن أبي مريم؛ المذكور في الحديث المتقدم (مع
تميم الداري) يعني: قبل أن يسلم هو؛ كما تقدم. وعلى هذا؛ فهو من مرسل الصحابي؛ لأن
ابن عباس لم يحضر هذه القصة، وفي الرواية المتقدمة: أنه رواها عن تميم نفسه. ويحتمل أن
تكون القصة وقعت قبل الإسلام، ثم تأخرت المحاكمة؛ حتى أسلموا كلهم؛ فإن في القصة ما
يشعر بأن الجميع تحاكموا إلى النبي وَيّ، فلعلها كانت بـ((مكة)): سنة الفتح (مُخَوَّصًا) بضم
الميم، وفتح الخاء المعجمة، والواو المشددة، وفي آخره صاد مهملة. قال ابن الجوزي:
صيغت فيه صفائح مثل الخوص من الذهب؛ معناه: منقوشًا فيه خطوط دقاق، طوال؛
كالخوص؛ وهو: ورق النخل (من أولياء السهمي) أي: من أولياء السهمي المذكور الذي مات.

٤٣٣
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَه
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، وَهُوَ حديثُ ابنُ أبي زَائِدَةَ.
[ت ٦، م ٢١]
[٣٠٦١] (٣٠٦١) حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ قَزَعَةَ البَصرِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ حَبِیبٍ
البصري البزار، أبو مُحَمَّد حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَن قَتَادَةَ، عَن خِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو، عَن
عَمّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَ: ((أَنْزِلَتِ المَائِدَةُ مِن السَّماءِ خُبْزًا وَلَحْمًا،
وَأُمِرُوا أنْ لا يَخُونُوا، ولا يَدَّخِرُوا لِغَدٍ، فَخَانُوا وَادَّخَرُوا وَرَفَعُوا لِغَدٍ، فَمُسِخُوا
قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ )).
قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أبو داود في ((القضايا)): وأخرجه البخاري في
(صحيحه)): فقال: ((وقال لي علي بن عبد الله)): يعني: ابن المديني؛ فذكره. قال الحافظ:
أخرجه المصنف - يعني: البخاري - في ((التاريخ))، فقال: ((حدثنا علي بن المديني)) وهذا مما
يقوي ما قررته غير مرة من أنه يعبر بقوله: ((وقال لي)): في الأحاديث التي سمعها؛ لكن
حيث يكون في إسنادها عنده نظر أو حيث تكون موقوفة، وأما من زعم أنه يعبر بها فيما أخذه
في المذاكرة، أو بالمناولة؛ فليس عليه دلیل.
[٣٠٦١] قوله: (حدثنا الحسن بن قَرْعَة) بفتح قاف، وسكون زاي، وفتحها، وبعين
مهملة: ابن عبيد الهاشمي، أبو علي، البصري، صدوق، من العاشرة (حدثنا سفيان بن
حبيب البصري، البزاز، أبو محمد) وقيل غير ذلك. ثقة، من التاسعة (حدثنا سعيد) هو: ابن
أبي عروبة (عن خلاس بن عمرو) بكسر الخاء المعجمة، وتخفيف اللام. ثقة، وقد صحَّ أنه
سَمِعَ من عمار.
قوله: (أنزلت المائدة) قال الراغب: المائدة: الطبق الذي عليه الطعام. ويقال لكل
منهما: مائدة؛ أي: على الحقيقة المشتركة، أو على أحدهما مجازًا باعتبار المجاورة، أو:
بذكر المحل وإرادة الحال (خبزًا ولحمًا) تمييز (وأمروا) بصيغة المجهول (ولا يدّخروا)
بتشديد الدال المهملة المبدلة من الذال المعجمة من باب الافتعال من الذخيرة؛ وهو التخبية
(لغد) أي: ليوم عقب يوم نزول المائدة، أو: لوقت مستقبل بعده (فمسخوا) أي: فغير الله
صورهم الإنسانية، بعد تغيير سيرتهم الإنسية (قردة، وخنازير) منصوبان على أنهما مفعول ثان
على ما يستفاد من ((القاموس)): حيث قال: مَسَخَهُ؛ كمنعه: حوَّل صورته إلى أخرى أقبح.

٤٣٤
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهِ
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ غريبٌ قد رَوَاهُ أبُو عَاصِم، وغيرُ وَاحِدٍ، عَن
سَعِيدٍ بْنِ أبي عَرُوبَةَ، عَن قَتَادَةَ، عَن خِلَاسٍ، عَن عَمَّارِ بْنِ ياسرٍ، موقوفًا، ولا
نَعْرِفُهُ مرفوعًا إلَّا من حديثِ الحَسَنِ بْنِ فَزَعَةَ.
حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ حَبِيبٍ، عَن سَعِيدٍ بْنِ أبي عَرُوبَةَ،
نحْوَهُ، ولم يَرْفَعْهُ؛ وهذا أصحُ من حديثِ الحَسَنِ بْنِ فَزَعَةَ، ولا نعلمُ للحديثِ
المرفوع أصْلًا.
ومسخه الله قردًا؛ فهو مِسْخٌ ومَسِيخٌ. وقال الطيبيّ: حالان مقدرتان؛ كقوله تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ
مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ [الشعراء: ١٤٩] قيل: الظاهر أن شبابهم مسخوا قردة، وشيوخهم خنازير.
قوله: (هذا حديث غريب) وأخرجه ابن أبي حاتم، وابن جرير(١) (رواه أبو عاصم)
اسمه: الضحاك بن مخلد النبيل.
تنبيه: ذكر الترمذي حديث عمّار المذكور في تفسير قوله - تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّ مُنَزِّلُهَا
عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنَّ أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لََّ أُعَذِّبُهُ: أَحَدًا مِّنَ الْعَلَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥].
قال الحافظ ابن كثير في ((تفسيره)): بعد ذكر عدة آثار، عن ابن عباس، وغيره - بضعليه -
ما لفظه: وكل هذه الآثار: دالة على أن المائدة نزلت على بني إسرائيل أيام عيسى ابن مريم؛
إجابة من الله لدعوته؛ وكما دل على ذلك ظاهر هذا السياق من القرآن العظيم ﴿قَالَ اَللَّهُ إِّ
مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ الآية.
وقال قائلون: إنها لم تنزل؛ فروى ليث بن أبي سليم، عن مجاهد في قوله: ﴿أَزِلْ عَلَيْنَا
مَآَيِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: ١١٤]: قال: هو مثل ضربه الله، ولم ينزل شيء؛ رواه ابن أبي حاتم،
وابن جرير (٢) وقال: ((حدثنا ابن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن منصور بن
زاذان، عن الحسن أنه قال في المائدة: إنها لم تنزل)) وهذه أسانيد صحيحة إلى مجاهد،
والحسن. وقد يتقوى ذلك بأن خبر المائدة لا تعرفه النصارى، وليس هو في كتابهم. ولو
كانت قد نزلت؛ لكان ذلك مما يتوفر الدواعي على نقله، وكان يكون موجودًا في كتابهم
(١) ابن أبي حاتم (١٢٥٢/٤)، وابن جرير (١٣٤/٧) في ((تفسيرهما))، وصحح ابن كثير وقفه.
(٢) ابن أبي حاتم (١٢٤٨/٤)، وابن جرير (١٣٥/٧) في ((تفسيرهما))، وهذا مردود بقوله تعالى: ﴿إِّ مُنَزِّلُهَا
عَلَيْگم﴾ قال ابن جرير: ووعد الله ووعيده حق وصدق.

٤٣٥
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَهُ
[ت ٦، م ٢٢]
[٣٠٦٢] (٣٠٦٢) حَدَّثَنَا ابنُ أبي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَن عَمْرِو بْنِ
دِينَارٍ، عَن طَاؤُسٍ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: تَلَقَّى عِيسَى حُجَّتَهُ، وَلَقَّاهُ الله في قَوْلِهِ:
﴿وَإِذْ قَالَ اَللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ ءَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ المَّخِذُونِ وَأَتِىَ إِلَهَبْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾
[المائدة: ١١٦]،
متواترًا، ولا أقل من الآحاد؛ ولكن الجمهور على أنها نزلت؛ وهو الذي اختاره ابن جرير.
قال: لأن الله - تعالى - أخبر نزولها في قوله تعالى: ﴿إِنِّ مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ
فَإِّ أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَّآ أُعَذِّبُهُ: أَحَدًا مِنَ الْعَلَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥]: قال: ووعد الله ووعيده حق
وصدق. وهذا القول - والله أعلم - هو الصواب؛ كما دلت عليه الأخبار، والآثار عن
السلف وغيرهم. انتهى كلامه باختصار يسير.
[٣٠٦٢] قوله: (يُلَقَّى عيسى حُجَّته) أي: يعلم، وينبه عليها. (﴿وَإِذْ قَالَ اَللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ
مَرْيَمَ﴾﴾ [المائدة: ١١٦]: اختلف المفسرون في وقت هذا القول؛ فقال السدي: قال الله:
(يا عيسى)): هذا القول حين رفعه إلى السماء؛ بدليل أن حرف ((إذ)): يكون للماضي. وقال
سائر المفسرين: إنما يقول الله له هذا القول يوم القيامة بدليل قوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾
[المائدة: ١٠٩] وذلك يوم القيامة، وبدليل قوله: ﴿هَذَّا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّدِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩]
ج
وذلك يوم القيامة.
وأجيب عن حرف ((إذ)): بأنها قد تجيء بمعنى: إذا؛ كقوله: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذْ فَرِعُواْ﴾ [سبأ:
٥١] يعني: إذا فزعوا. وقال الراجز: [الرجز]
جَنَّاتٍ عَدْنٍ فِي السَّمَاوَاتِ الْعُلَى
ثُمَّ جَزَاكَ الله عَنِّي إِذْ جَزَی
(﴿وَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ التَّخِذُونِ وَأَقِىَ إِلَهَبْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]) استفهام، ومعناه:
الإنكار، والتوبيخ لمن ادعى ذلك على عيسى - عليه السلام - من النصارى؛ لأن عيسى -
عليه السلام - لم يقل هذه المقالة؛ فإن قلت: إذا كان عيسى - عليه السلام - لم يقلها؛ فما
وجه هذا السؤال له مع علم الله بأنه لم يقله؟
قلت: وجه هذا السؤال: تثبيت الحجة على قومه، وإكذاب لهم في ادعائهم ذلك عليه،
وأنه أمرهم به؛ فهو كما يقول القائل لآخر: أفعلت كذا؟؛ وهو يعلم أنه لم يفعله، وإنما
أراد: تعظيم ذلك الفعل؛ فنفى عن نفسه هذه المقالة، وقال: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَآ أَمَرْتَنِ بِ أَن

٤٣٦
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهِ
قَالَ أبو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ وَلَّهِ فَلَقَّاهُ الله: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِىّ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِ
بِحَقٍ﴾ [المائدة: ١١٦] الآيةُ كُلّهَا .
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
[ت ٦، م ٢٣]
[٣٠٦٣] (٣٠٦٣) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ وَهْبٍ، عَن حُيَيٍّ، عَن
أبي عَبْدِ الرَّحْمنِ الحُبَليِّ، عَن عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: آخِرُ سُورَةٍ أَنْزِلَت: سورة
المَائِدَة والفتح. [فيه ضعف، حييّ، ليس بالقوي، وقال أحمد: أحاديثه مناكير، وقال البخاري: فيه نظر].
أَعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِى وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٧] فاعترف بالعبودية، وأنه ليس بإله؛ كما زعمت، وادعت
فيه النصارى.
(قال أبو هريرة: عن النبي ( *) أي: قال رواية عنه وَّلّ (فلقاه الله) أي: علمه الله.
(﴿سُبْحَانَكَ﴾) أي: تنزيهًا لك عما لا يليق بك من الشريك وغيره. (﴿مَا يَكُوُّنُ لِىّ﴾) أي:
ما ينبغي لي (﴿أَنْ أَقُلَ مَا لَيْسَ لِى بِحَّ﴾). أي: أن أقول قولًا لا يحق لي أن أقوله (الآية
كلها). بالنصب؛ أي: أتمها كلها، وبقية الآية مع تفسيرها هكذا ﴿إِن كُنتُ قُلْتُهُ، فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾
أي: إن صح أني قلته فيما مضى؛ فقد علمته.
والمعنى: أني لا أحتاج إلى الاعتذار؛ لأنك تعلم أني لم أقله، ولو قلته علمته؛ لأنك.
﴿َتَعْلَمُ مَا فِ نَفْسِى وَلَا أَعْلَمُ مَا فِ نَفْسِكَ﴾: أي: تعلم ما أخفيه في نفسي، ولا أعلم ما تخفيه
من معلوماتك. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١١٦]: تقرير للجملتين معًا؛ لأن ما انطوت
عليه النفوس من جملة الغيوب؛ ولأن ما يعلم علام الغيوب لا ينتهي إليه علم أحد.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه ابن أبي حاتم (١).
[٣٠٦٣] قوله: (عن حُيَي) بضم الحاء المهملة، وياءين من تحت الأولى مفتوحة؛ هو:
ابن عبد الله بن شريح المعافري، المصري، صدوق، يهم، من السادسة.
قوله: (آخر سورة أنزلت: سورة المائدة، والفتح) قال السيوطي في ((الإتقان)): يعني:
﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾. ويدل على ذلك قول ابن عباس الآتي آخر سورة أنزلت: ﴿إِذَا جَآءَ
نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١].
(١) ابن أبي حاتم (٤/ ١٢٥٣).

٤٣٧
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَهِ / باب ((وَمِنْ سُورةِ الأنعَامِ))
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، وقَد رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ أنَّهُ قَالَ:
آخِرُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاَلْفَتْحُ﴾ [النصر: ١].
٧ - باب ((وَمِنْ سُورةِ الأنعَامِ)) [ت ٧، ٢ ١]
[٣٠٦٤] (٣٠٦٤) حَدَّثَنَا أبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَام، عَن سُفْيَانَ، عَن
أبي إسْحَاقَ، عَن نَاجِيَّةَ بْنِ كَعْبٍ، عَن عَلِي، أنَّ أَبَا جَهْلٍ، قَالٌ لِلنَّبِّ ◌َِّ: إِنَّا لا
نُكَذِّبُكَ، وَلَكِنْ نَكَذِّبُ بِمَا جِئْتَ بِهِ؛ فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ
فإن قلت: ما وجه التوفيق بين حديث عبد الله بن عمرو هذا، وبين ما رواه الشيخان(١)،
عن البراء بن عازب قال: آخر آية نزلت: ﴿يَسْتَقْتُونَكَ قُلِ اَللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِىِ الْكَلَلَةِ﴾ [النساء:
١٧٦]، وآخر سورة نزلت ((براءة))؟
قلت: قال البيهقي: يجمع بين هذه الاختلافات بأن كل واحد أجاب بما عنده.
وقال القاضي أبو بكر في ((الانتصار)): هذه الأقوال ليس فيها شيء مرفوع إلى النبي ◌َّهِ،
وكلٌّ قالَهُ بِضَرْبٍ من الاجتهادِ، وَغَلَبةِ الظَّنِّ.
قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه الحاكم(٢) (وقد روي عن ابن عباس أنه قال.
. . إلخ) وصله مسلم.
٧ - باب وَمِنْ سُورَةِ («الْأَنْعَامِ))
هي: مكية إلا ست آيات نزلت بالمدينة هي: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهٍِ﴾ [الأنعام: ٩١] إلى
آخر ثلاث آيات ﴿قُلْ تَعَالَوَاْ أَثْلُ مَا حَزَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] إلى آخر ثلاث
آيات. وهي: مئة وخمس، أو ست وستون آية.
[٣٠٦٤] قوله: (عن ناجية بن كعب) الأسدي، ثقة، من الثالثة.
قوله: (إنا لا نكذبك؛ بل نكذب بما جئت به) أي: لا نكذبك؛ لأنك صادق، ولكن
نحسدك؛ فبسببه نجحد بآيات الله؛ كذا في ((المجمع)). (فأنزل الله - تعالى ﴿فَإِنَّهُمْ لَا
يُكَذِبُونَكَ﴾) وقبله ﴿قَدْ نَعَلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِى يَقُولُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]: قال في ((تفسير الجلالين)):
(١) البخاري، كتاب المغازي، حديث (٤٣٦٣)، ومسلم، كتاب الفرائض، حديث (١٦١٨).
(٢) الحاكم (٣١٦٨) وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.

٤٣٨
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَه
وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِئَايَتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]. [ناجية، قال الجوزجاني: مذموم، ووثقه ابن حبان
والعجلي].
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عبدُ الرَّحمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَن سُفْيَانَ، عَن
أبي إسْحَاقَ عَن نَاجِيَةَ؛ أنَّ أبَا جَهْلٍ قَالَ لِلنَّبِيِّ ◌َّهِ، فَذَكَرَ: نَحْوَهُ، ولَمْ يَذْكُرْ فِهِ:
عَن عَلِيٍّ؛ وهذا أصحُ.
[ت ٧، م ٢]
[٣٠٦٥] (٣٠٦٥) حَدَّثَنَا ابنُ أبي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ،
سَمِعَ جابِرَ بْنَ عَبدِ الله، يَقُولُ: لمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿قُلْ هُوَ اُلْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ
عَذَابًا مِن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥]، قَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((أعُوذُ بِوَجْهِكَ))،
فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُرُ بَأْسَ بَعْضٍُ﴾ [الأنعام: ٦٥]، قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهُ:
«هَاتَان
﴿قد﴾ للتحقيق: ﴿نَعَلَمُ إِنَّهُ﴾: أي: الشأن. ﴿لَيَحْزُنُكَ الَّذِى يَقُولُونَ﴾: لك من التكذيب. ﴿فَإِنَهُمْ
لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾: في السر؛ لعلمهم أنك صادق. وفي قراءة بالتخفيف؛ أي: لا ينسبونك إلى
الكذب. (﴿وَلَكِنَّ الَّلِينَ﴾) وضعه موضع الضمير. (﴿بِثَايَتِ اللَّهِ﴾) أي: القرآن.
(﴿يَجْحَدُونَ﴾: [الأنعام: ٣٣]) يكذبون.
قوله: (وهذا أصح) أي: الإسناد الثاني؛ بترك ذكر علي أصح من الإسناد الأول.
وحديث علي هذا أخرجه الحاكم(١) أيضًا. وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم
يخر جاه.
[٣٠٦٥] قوله: (﴿عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ﴾) أي: من السماء؛ كالحجارة، والصيحة. (﴿أَوْ مِن
تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾) كالخسف، والرجفة (أعوذ بوجهك) وفي رواية: ((أَعُوذُ بِوَجْهِكَ الْكَرِيمِ)).
(فلما نزلت ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾) أي: يخلطكم فرقًا مختلفة الأهواء. (﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُ بَأْسَ بَعْضِْ﴾
[الأنعام: ٦٥]) أي: بالقتال (هاتان) أي: خصلة الالتباس، وخصلة إذاقة بعضهم بأس بعض
(١) الحاكم (٣١٨٧) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقال الذهبي: ما خرَّجا لناجية
شيئاً .

٤٣٩
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَي
أهْونُ، أوْ هَاتَانِ أَيْسَرُ)). [خ: ٤٦٢٨، حم: ١٣٩٠٤].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
[ت ٧، م ٣]
[٣٠٦٦] (٣٠٦٦) حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، حَدَّثَنَا إسماعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَن
أبي بَكْرِ بْنِ أبي مَرْيَمَ الغَسَّانِيِّ، عَن رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ، عَن سَعْدِ بْنِ أبِي وَقَّاصٍ، عَنِ
النَّبِيِّ وَّهِ فِي هَذِهِ الآيَةِ: ﴿قُلْ هُوَ اُلْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ
أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥]؛ فَقَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((أمَّا إِنَّها كَائِنَةٌ وَلَمْ يَأْتِ تَأْوِيلُهَا بَعْدُ)). [ضعيف
الإسناد، أبو بكر بن أبي مريم، ضعيف اختلط حم: ١٤٦٩].
(أهون) من بعث العذاب من الفوق، أو من التحت (أو هاتان أيسر) شك من الراوي.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري، والنسائي، وابن حبان، وابن
جریر، وابن مردويه(١).
[٣٠٦٦] قوله: (عن راشد بن سعد) المقْرَئِي بفتح الميم، وسكون القاف، وفتح الراء
بعدها همزة، ثم ياء النسب: الحمصي، ثقة، كثير الإرسال، من الثالثة.
قوله: (أما) بالتخفيف: حرف التنبيه (إنها) أي: الخصلة المذكورة من بعث العذاب من
الفوق، أو التحت (كائنة) واقعة فيما بعد (ولم يأت تأويلها) أي: عاقبة ما فيها من الوعيد
(بعد) بالبناء على الضم؛ يعني: إلى الآن.
فإن قيل: هذا الحديث صريح في أن الرجم، والخسف كائنان في هذه الأمة، وحديث
جابر المذكور يستفاد منه: أنهما لا يقعان؛ لأن النبي ◌ّ﴿ استعاذ منهما. وقد روى ابن
مردويه(٢)، عن ابن عباس، عن النبي وَله قال: ((دَعَوْتُ الله أَنْ يَرْفَعَ عَنْ أُمَّتِي أَرْبَعًا، فَرَفَعَ
عَنْهُمِ اثْنَتَيْنِ، وَأَبَى أَنْ يَرْفَعَ عَنْهُمُ اثْنَتَيْنٍ، دَعَوْتُ الله أَنْ يَرْفَعَ عَنْهُمُ الرَّجْمَ مِنَ السَّمَاءِ،
وَالْخَسْفَ مِنَ الْأَرْضِ، وَأَلَا يُلْبِسَهُمْ شِيَعًا، وَلَا يُذِيقَ بَعْضَهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ، فَرَفَعَ الله عَنْهُمُ
الخسْفَ، وَالرَّجْمَ، وَأَبَى أَنْ يَرْفَعَ عَنْهُمُ الْأُخْرَبَيْنِ)): فما وجه التوفيق؟
(١) النسائي في ((الكبرى))، حديث (٧٧٣١)، وابن حبان (٧٢٢٠)، وابن أبي حاتم في «تفسيره)) (١٣١١/٤) وابن
مردویه - كما في ((تفسير ابن كثير)) (٢ /١٤٠) ..
(٢) ذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) (٤/ ٣٠٣).

٤٤٠
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَهـ
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
[ت ٧، م ٤]
[٣٠٦٧] (٣٠٦٧) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَم، أْبَرَنَا عِيْسَى بْنُ يُونُسَ، عَن
الأعمَشِ، عَن إِبراهِيمَ، عَن عَلْقَمَةَ، عَن عبدِ الله، قَالَ: لمّا نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَ
يَلْبِسُواْ
يقال: إن الإعاذة المذكورة في حديث جابر، وغيره؛ مقيدة بزمان مخصوص؛ وهو:
وجود الصحابة، والقرون الفاضلة. وأما بعد ذلك؛ فيجوز وقوع ذلك فيهم، ويحتمل في
طريق الجمع أن يكون المراد: أن ذلك لا يقع لجميعهم، وإن وقع لأفراد منهم غير مقيدة
بزمان؛ كما في خصلة العدو الكافر، والسنة العامة؛ فإنه ثبت في ((صحيح مسلم)) (١): من
حديث ثوبان رفعه في حديث: ((إِنَّ الله زَوَى لِي مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، وَسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي
مَا زُوِي لِي مِنْهَا ... )): الحديث. وفيه: ((وَإِنِّي سَأَلْتِ رَبِّي أَلَّا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَلَّا
يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِ أَنْفُسِهِمْ، وَأَلَّا يُلْبِسَهُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ، فَقَالَ يَا
مُحَمَّدُ: إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءَ، فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ، وَإِّي أَعْطَيْنِكَ لِأُمَّتِكَ أَلَّا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَلَّا
أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يَهْلِكُ بَعْضًا)). وأخرج
الطبري(٢) من حديث شداد نحوه بإسناد صحيح؛ فلما كان تسليط العدو الكافر قد يقع على
بعض المؤمنين؛ لكنه لا يقع عمومًا؛ فكذلك الخسف، والقذف؛ هذا تلخيص ما في
((الفتح)).
قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أحمد.
[٣٠٦٧] قوله: (عن إبراهيم) هو: النخعي (عن علقمة) هو: ابن قيس (عن عبد الله)
هو: ابن مسعود.
قوله: (لما نزلت) بالتأنيث؛ لكون ما بعده من فاعله آية. والتقدير: لما أنزلت آية.
(﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوَا﴾) بكسر الموحدة؛ أي: لم يخلطوا. تقول: لَبَسْت الأمر؛ بالتخفيف
أَلْبِسْهُ؛ بالفتح في الماضي، والكسر في المستقبل؛ أي: خالطته. وتقول: لَبِسْتُ الثوب
(١) مسلم، كتاب الفتن، حديث (٢٨٨٩).
(٢) الطبري في ((التفسير)) (٢٢٣/٧).