Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهِ
ابنُ مُحَيْصِنٍ هو عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ مُحَيْصِنٍ.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
[ت ٥، م ٢٥]
[٣٠٣٩] (٣٠٣٩) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قالا: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ
عُبَادَةَ، عَن مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ، قال: أخبرني مَوْلَى ابنِ سَبَّاعِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الله بْنَ
عُمَرَ يُحَدِّثُ، عَن أبي بَكْرِ الصِّدِّيقِ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ وَِّهِ فَأَنْزِلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ
الآيَةُ: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ، ﴿ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء:
١٢٣] فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((يَا أَبَا بَكْرٍ، ألا أُقْرِتُّكَ آيَةً أُنْزِلَتْ عَلَيَّ؟)) قُلْتُ: بَلَى،
يَا رَسُولَ الله، قَالَ: فَأَقْرَأْنِيْهَا، فَلا أَعْلَمُ إلَّا أني قد كنتُ وَجَدْتُ انقِصَامًا، فِي
ظهْرِي، فَتَمَظَّأْتُ لَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَا شَأْنُكَ يَا أَبَا بَكْرٍ؟)) قُلْتُ:
يَا رَسُولَ الله، بأَبي أنْتَ وَأُمِّي، وَأيُّنَا لَمْ يَعْمَلْ سُوءًا، وَإِنَّا لَمُجْزِيونَ بِمَا عَمِلْنَا؟
فَقَالَ رَسُولُ الله ◌َِّ: ((أمَّا أَنْتَ يَا أَبَا بَكْرٍ وَالمُؤْمِنُونَ فَتُجْزَوْنَ بِذَلِكَ في الدُّنْيَا حَتَّى
قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أحمد، ومسلم، والنسائي.
قوله: (وابن محيصن: اسمه: عمر بن عبد الرحمن بن محيصن) بمهملتين مصغرًا،
وآخره نون: السهمي، أبو حفص، قارئ أهل مكة، مقبول، من الخامسة؛ كذا في
((التقريب)). وقال في ((تهذيب التهذيب)): ذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال صاحب
((الكمال في القراءات)»: كان قرين ابن كثير قرأ على مجاهد وغيره، وكان مجاهد يقول: ابن
محيصن يبني ويرص؛ يعني: أنه عالم بالعربية والأثر. روي له عندهم حديث واحد: ((كُلُّ مَا
يُصَابُ بِهِ المُؤْمِنُ كَفَّارَةٌ»(١).
[٣٠٣٩] قوله: (حدثنا يحيى بن موسى) البلخي.
قوله: (إلا أني وجدت في ظهري انقصامًا) بالقاف: من باب الافتعال؛ أي: انكسارًا.
وفي بعض النسخ: انقسامًا؛ من باب الانفعال. قال في ((القاموس)): قَصَمَهُ يَقْصِمُهُ: كسره،
وأبانه، أو كسره؛ وإن لم يبن؛ فانقصم وتقصم. قال في ((النهاية)): ويروى انفصامًا بالفاء؛
(١) مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، حديث (٢٥٧٤).

٤٠٢
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهِ
تَلْقوا الله، وَلَيْسَ لَكُمْ ذُنُوبٌ، وَأَمَّا الآخَرُونَ فَيُجْمَعُ ذَلِكَ لَهُمْ، حَتَّى يُجْزَوْا بِهِ يَوْمَ
القِيَامَةِ)). [ضعيف الإسناد، مولى ابن سباع، مجهول، وموسى، ضعيف حم: ٢٤].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ غريبٌ، وَفي إسْنَادِهِ: مَقَالٌ - ومُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ
يُضَعَّفُ فِي الحَدِيثِ - ضَعَّفَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَتْبَلٍ، وَمَوْلَى ابنِ سبَّاعٍ:
مَجْهُولٌ؛ وَقَدْ رُويَ هَذَا الحَدِيثُ مِن غَيْرِ هَذَا الوَجْهِ، عَن أبي بَكْرٍ، وَلَيْسَ لَهُ إسْنَادٌ
صَحِيحٌ أيْضًا. وَفِي البَابِ عَن عَائِشَةَ.
[ت ٥، م ٢٦]
[٣٠٤٠] (٣٠٤٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطيالسي، حَدَّثَنَا
سُلَيْمَانُ بْنُ مُعَاذٍ، عَن سِمَاكِ، عَن عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: خَشِيَتْ سَوْدَةُ
أي: انصداعًا (وأما الآخرون) أي: الكافرون (فيجتمع ذلك) أي: أعمالهم السيئة.
قوله: (هذا حديث غريب) وأخرجه أبو بكر بن مردويه في ((تفسيره)) (وموسى بن عبيدة)
بضم العين، وفتح الموحدة مصغرًا: ابن نشيط، الرَّبَذي، المدني (وقد روي هذا الحديث من
غير هذا الوجه) رواه أحمد، وابن جرير؛ كلاهما بروايات، وألفاظ. وفي رواية لأحمد(١):
((أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ: يَا رَسُولَ الله! كَيْفَ الصَّلَاحُ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَّ أَمَانِّ أَهْلِ
الْكِتَبِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] فَكُلُّ سُوءٍ عَمِلْنَا جُزِينَا بِهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله
وَلَه: غَفَرَ الله لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَسْتَ تَمْرَضُ؟ أَلَسْتَ تَنْصَبُ؟ أَلَسْتَ تَحْزَنُ؟ أَلَسْتَ تُصِيبُكَ
اللَّأُوَاءُ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَهُوَ مَا تَجْزَوْنَ بِهِ)).
قوله: (وفي الباب عن عائشة) أخرجه أبو داود الطيالسي(٢)، وغيره.
[٣٠٤٠] قوله: (حدثنا سليمان بن معاذ) هو: سليمان بن قرم؛ بفتح القاف، وسكون
الراء: ابن معاذ، البصري، النحوي، ومنهم من ينسبه إلى جده، سيئ الحفظ، يتشيع، من
السابعة.
قوله: (خشيت سودة) بنت زمعة بن قيس القرشية، العامرية، تزوجها رسول الله والدته
(١) أحمد، حديث (٦٨).
(٢) الطيالسي في مسنده، حديث (١٥٨٤).

٤٠٣
كِتَابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَفي
أنْ يُطَلِّقَهَا النَّبيُّ وَلِهِ فَقَالَت: لا تُطَلِّقْنِي وَأَمْسِكْنِي، وَاجْعَلْ يَوْمِي لِعَائِشَةَ، فَفَعَلَ؛
فَتَزَلَتْ:
بـ((مكة)) بعد موت خديجة، ودخل عليها بها، وكان دخوله بها قبل دخوله على عائشة
بالاتفاق، وهاجرت معه، وتوفيت في آخر خلافة عمر بن الخطاب (أن يطلقها النبي وَ ف-
فقالت ... إلخ)
قال الحافظ في الفتح: بعد نقل هذا الحديث عن الترمذي: وله شاهد في ((الصحيحين)):
من حديث عائشة، بدون ذكر نزول الآية. انتهى.
قلت: روى الشيخان(١) عن عائشة: ((أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ، وَكَانَ
النَّبِيُّ وَّهِ يَقْسِمُ لِعَائِشَةَ بِيَوْمِهَا وَيَوْمٍ سَوْدَةَ)). قال الحافظ في ((الفتح)): ووقع في رواية مسلم،
من طريق عقبة بن خالد، عن هشَامٍ: (لَمَّا أَنْ كَبُرَتْ سَوْدَةٌ وَهَبَتْ)): وأخرج أبو داود هذا
الحديث، وزاد فيه بيان سببه؛ أوضح من رواية مسلم؛ فروى عن أحمد بن يونس، عن
عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة بالسند المذكور: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ لَا
[يُفَضِّلُ](٢) بَعْضَنَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْقَسْمِ ... )): الحديث؛ وفيه: ((وَلَقَدْ قَالَتْ سَوْدَةُ بِنْت
زَمْعَةَ حِينَ أَسَنَّتْ وَخَافَتْ أَنْ يُفَارِقَهَا رَسُولُ اللهِ، يَا رَسُولَ الله! يَوْمِي لِعَائِشَةَ، فَقبلَ ذَلِكَ
مِنْهَا)): ففيها، وأشباهها نزلت: ﴿وَإِنِ أَمْرَأَةُ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾ [النساء: ١٢٨] الآية ((إلى أن
قال)): فتواردت هذه الروايات على أنها خشيت الطلاق، فوهبت. وأخرج ابن سعد(٣) بسند
رجاله ثقات، من رواية القاسم بن أبي بزة مرسلًا: ((أَنَّ النَّبِيَّ وَّيْ طَلَّقَهَا، فَقَعَدَتْ عَلَى
طَرِيقِهِ، فَقَالَتْ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا لِي فِي الرِّجَالِ حَاجَةٌ، وَلَكِنْ أُحِبُّ أَنْ أُبْعَثَ مَعَ
نِسَائِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَنْشُدُكَ بِاَلِذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ هَلْ طَلَّقْتَنِي لِمَوْجِدَةٍ وَجَدْتَهَا عَلَيَّ؟
قَالَ: ((لَا)): قَالَتْ: فَأَنْشُدُكَ لَمَا رَاجَعْتَنِي، فَرَاجَعَهَا، قَالَتْ: فَإِنِّي قَدْ جَعَلْت يَوْمِي وَلَيْلَتِي
لِعَائِشَةَ حِبَّةِ رَسُولِ الله، (َّ﴾)). انتهى.
قلت: رواية ابن سعد هذه مرسلة؛ فهي لا تقاوم حديث ابن عباس، وما وافقه في أن
سودة خشيت الطلاق؛ فوهبت.
(١) البخاري، كتاب الهبة، حديث (٢٥٩٣)، ومسلم، كتاب الرضاع، حديث (١٤٦٣).
(٢) في نسخة: يفصل، وهو تصحيف.
(٣) ابن سعد في ((طبقاته)) (٥٤/٨).

٤٠٤
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌َِلِ
﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨] فَمَا اصْطَلَحَا عَلَيْهِ
مِن شَيْءٍ فَهُوَ جَائِزٌ، كَأنَّه مِن قَولِ ابنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.
[ت ٥، م ٢٧]
[٣٠٤١] (٣٠٤١) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ
مِغْوَلٍ، عَن أبي السَّفَرِ، عَنِ البَرَاءِ، قَالَ: آخِرُ آيَةٍ أَنْزِلَتْ، أوْ آخِرُ شَيْءٍ نَزَلَ:
(﴿فَلَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَنْ يُصْلِحَا﴾) من الإصلاح؛ وهي قراءة الكوفيين. وفي بعض النسخ:
((أَنْ يُصَالِحًا)): من: التصاليح؛ وهي قراءة الجمهور. والآية بتمامها مع تفسيرها هكذا.
﴿وَإِنِ آَمْرَةُ﴾: مرفوع بفعل يفسره. ﴿خَافَتْ﴾: توقعت. ﴿مِنْ بَعْلِهَا﴾: زوجها. ﴿نُشُوزًا﴾:
ترفعًا عليها؛ بترك مضاجعتها، والتقصير في نفقتها؛ لبغضها، وطموح عينيه إلى أجمل منها .
﴿أَوْ إِعَرَاضًا﴾: عنها بوجهه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا﴾: فيه إدغام التاء في الأصل في
الصاد. وفي قراءة: ((يُصْلِحًا)): من: أصلح. ﴿بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾: في القسم، والنفقة؛ بأن يترك
لها شيئًا، طلبًا لبقاء الصحبة؛ فإن رضيت بذلك؛ وإلا فعلى الزوج أن يوفيها حقها، أو
يفارقها. (﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾) من الفرقة، والنشوز، والإعراض. قال تعالى في بيان ما جبل
عليه الإنسان: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ شدة البخل؛ أي: جبلت عليه؛ فكأنها حاضرته، لا
تغيب عنه. المعنى: أن المرأة لا تكاد تسمح بنصيبها من زوجها، والرجل لا يكاد يسمح
عليها بنفسه؛ إذا أحب غيرها. ﴿وَإِن تُحْسِنُوا﴾: عشرة النساء. ﴿وَتَتَّقُوا﴾: الجور عليهن،
﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٢٨]: فيجازيكم به؛ كذا في ((الجلالين)): فما اصطلحا
عليه من شيء؛ فهو جائز. وفي رواية أبي داود الطيالسي في ((مسنده))(١): قال ابن عباس:
فما اصطلحا عليه من شيء؛ فهو جائز.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه ابن المنذر، والطبراني، والبيهقي(٢).
[٣٠٤١] قوله: (قال: آخر آية أنزلت أو آخر شيء نزل) بالشك من الراوي.
(١) الطيالسي في («مسنده)) (٢٦٨٣).
(٢) ابن أبي حاتم في ((التفسير)) (١٠٧٩/٤)، والطبراني في ((الكبير)) (١١٧٤٦)، والبيهقي في ((الكبرى))
(١٤٥١٢).

٤٠٥
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلَه
﴿يَسْتَقْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِىِ اُلْكَلَلَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]. [خ: ٤٣٦٤، م: ١٦١٨، د: ٢٨٨٨].
﴿يَسْتَقْتُونَكَ﴾) أي: عن مواريث الكلالة، وحذف؛ لدلالة السياق عليه في قوله تعالى. (﴿قُلِ
اللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِى الْكَلَلَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]) تقدم تفسير الكلالة، وما فيه من الاختلاف في ((باب
ميراث الأخوات)) من ((أبواب الفرائض)) والآية بتمامها مع تفسيرها هكذا. ﴿يَسْتَقْتُونَكَ﴾ :
أي: يسألونك عن ميراث الكلالة يا محمد. ﴿قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ﴾: يعني: أن الله يخبركم عما
سألتم عنه. ﴿إِنِ آَمْرُؤًا﴾: مرفوع بفعل يفسره. ﴿هَلَكَ﴾: أي: مات. ﴿لَيْسَ لَهُ، وَلَدٌ﴾: أي:
ولا والد؛ وهو الكلالة.
قال الحافظ ابن كثير: تمسك به من ذهب إلى أنه ليس من شرط الكلالة؛ انتفاء الوالد،
بل يكفي وجود الكلالة؛ انتفاء الولد؛ وهو: رواية عن عمر بن الخطاب، رواها ابن جرير
عنه بإسناد صحيح إليه؛ ولكن الذي يرجع إليه قول الجمهور، وقضى الصديق أنه: الذي لا
ولد له، ولا والد، ويدل على ذلك قوله: ﴿وَلَهُ: أُخْتُ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكْ﴾ ولو كان معها
أب؛ لم ترث شيئًا؛ لأنه يحجبها بالإجماع؛ فدل على أنه من لا ولد له بنص القرآن، ولا
والد بالنص عند التأمل أيضًا؛ لأن الأخت لا يفرض لها النصف مع الوالد؛ بل ليس لها
ميراث بالكلية. وقد نقل ابن جرير، وغيره، عن ابن عباس، وابن الزبير أنهما كانا يقولان في
الميت؛ ترك بنتًا وأختًا أنه لا شيء للأخت؛ لقوله: ﴿إِنِ آَمْرُأ ◌َكَ لَيْسَ لَهُ، وَلَدٌ وَلَهُ، أُخْتُ فَلَهَا
نِصْفُ مَا تَرَكٌ﴾ [النساء: ١٧٦]. قال: فإذا ترك بنثًا، وقد ترك ولدًا؛ فلا شيء للأخت،
وخالفهما الجمهور؛ فقالوا: في هذه المسألة للبنت النصف بالفرض، وللأخت النصف
الآخر بالتعصب بدليل غير هذه الآية. ﴿وَلَّهُ أُخْتُ﴾: أي: لأب، وأم، أو لأب. ﴿فَلَهَا
نِصْفُ مَا تَرَكٌ﴾: أي الميت، ﴿وَهُوَ﴾ أي: الأخ لأب وأم أو لأب. ﴿يَرِثُّهَا﴾: أي: يرث
جميع تركة الأخت. ﴿إِن لَمْ يَكُن لََّا وَلَدٌ﴾: أي: ذكر؛ يعني: أن الأخت؛ إذا ماتت وتركت
أخًا من الأب والأم، أو من الأب؛ فإنه يستغرق جميع ميراث الأخت؛ إذا انفرد، ولم يكن
للأخت ولد؛ فإن كان لها ولد ذكر؛ فلا شيء له، أو أنثى؛ فله ما فضل عن نصيبهما؛ ولو
كانت الأخت، أو الأخ من أم؛ ففرضه السدس. ﴿فَإِن كَانَتَا﴾: أي: الأختان. ﴿اثْنَتَيّنِ﴾
أي: فصاعدًا. ﴿فَلَهُمَا الْثُّلْثَانِ مِمَّا تَرَكْ﴾: أي: الأخ. ﴿وَإِن كَانُواْ﴾: أي: الورثة. ﴿إِخْوَةٌ
رِجَالًا وَنِسَاءَ﴾: أي: ذكورًا، ونساء. ﴿فَلِلذَّكَرِ): منهم. ﴿مِثْلُ حَظِّ الْأُنَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ
لَكُمْ﴾: شرائع دينكم. ﴿أَن تَضِلُّواْ﴾: أي: مخافة أن تضلوا ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيٌ﴾
[النساء: ١٧٦]: ومنه: الميراث.

٤٠٦
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِله
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ، وَأَبُو السَّفَرِ، اسْمهُ: سَعِيدُ بْنُ أحْمَدَ
الثَّوْرِيُّ، وَيُقَالُ: ابنُ يُحمد.
[ت ٥، م ٢٨]
[٣٠٤٢] (٣٠٤٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا أحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، عَن أبي بَكْرِ بْنِ
عَيَّاشٍ، عَن أبي إسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِوَّهِ فَقَالَ:
يَا رَسُولَ الله، ﴿يَسْتَقْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِى الْكَلَلَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] فَقَالَ لهُ النَّبيُّ
وَلَه: ((تُجْزِئك آيَةُ الصَّيْفِ)). [د: ٢٨٨٩].
تنبيه: حديث البراء المذكور يدل على أن آخر آية نزلت: ﴿يَسْتَقْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُقْتِيكُمْ﴾
[النساء: ١٧٦] ... إلخ. وروى البخاري(١)، عن ابن عباس قال: ((آخر آية نزلت على النبي وَل
آية الربا)). ويجمع بينهما بأن الآخرية في حديث البراء: مفيدة بما يتعلق بالمواريث، بخلاف
حديث ابن عباس، ويحتمل عكسه.
قوله: (هذا حديث حسن) وأخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.
قوله: (ويقال: ابن يحمد) بضم التحتية، وكسر الميم.
[٣٠٤٢] قوله: (حدثنا أحمد بن يونس) هو: أحمد بن عبد الله بن يونس بن عبد الله بن
قيس، الكوفي، التميمي، اليربوعي، نسب إلى جده، ثقة، حافظ، من كبار العاشرة.
قوله: (جاء رجل) قال الخطابي: وقد روي أن هذا الرجل هو: عمر بن الخطاب،
ويشبه أن يكون - والله أعلم - إنما لم يفته عن مسألته، ووكل الأمر في ذلك إلى بيان الآية؛
اعتمادًا على علمه وفقهه. انتهى ملخصًا (فقال: يا رسول الله ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اَللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِى
اَلْكَلَلَةِ﴾؟»: [النساء: ١٧٦]) زاد أبو داود(٢) في روايته: ((فَمَا الْكَلَالَةُ؟». وفي رواية أحمد(٣):
((جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ نَِّ فَسَأَلَهُ عَنِ الْكَلَالَةِ» (تجزئك) أي: تكفيك (آية الصيف) أي: في آخر
سورة (النساء)): وهي قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اَللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِى الْكَلَلَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] الآية.
قال الخطابي: أنزل الله في الكلالة آيتين: إحداهما في الشتاء؛ وهي: الآية التي في سورة
(١) البخاري، كتاب التفسير، حديث (٤٥٤٤).
(٢) أبو داود، كتاب الفرائض، حديث (٢٨٨٩).
(٣) أحمد، حديث (١٨٦١٢).

٤٠٧
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّ/ باب ((وَمِنْ سُورةِ المَائِدَة»
٦- باب ((وَمِنْ سُورةِ المَائِدَة)) [ت ٦، ٢ ١]
[٣٠٤٣] (٣٠٤٣) حَدَّثَنَا ابنُ أبي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن مِسْعَرٍ، وَغَيْرِهِ، عَن
فَيْسٍ بْنِ مُسْلِمٍ، عَن طَارِقٍ بْنِ شِهَابٍ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ لِعُمَرَ بْنِ
الخَطَّابِ: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، لَوْ عَلَيْنَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿ اَلْيَّوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
وَأَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينَأْ﴾ [المائدة: ٣] لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيْدًا،
فَقَالَ له عُمَرُ بْنُ الخطابِ: إِنِّي أعْلَمُ أيَّ يَوْمٍ أُنْزِلَتْ هَذِ
((النساء))، وفيها: إجمال، وإبهام لا يكاد يتبين هذا المعنى من ظاهرها، ثم أنزل الآية
الأخرى في الصيف؛ وهي [التي] في آخر سورة (النساء))، وفيها: من زيادة البيان ما ليس في
آية الشتاء؛ فأحال السائل عليها؛ ليتبين المراد بالكلالة المذكورة فيها. انتهى.
قال أبو داود بعد رواية هذا الحديث: قلت لأبي إسحاق: هو: من مات، ولم يدع
ولدًا، ولا والدًا؛ قال: كذلك ظنوا أنه كذلك. انتهى.
قال الخطابي: اختلفوا في الكلالة، من هو؟ فقال أكثر الصحابة: هو: من لا ولد له،
ولا والد. وروي عن عمر بن الخطاب مثل قولهم. وروي أنه قال: ((هُوَ مَنْ لَا وَلَدَ لَهُ».
ويقال: إن هذا آخر قوليه. وحديث البراء هذا: أخرجه أيضًا أحمد، وأبو داود، وسكت عنه
هو، والمنذري.
٦ - باب: وَمِنْ سُورَةِ المَائِدَةِ
هي: مئة وثلاث وعشرون آية. قال القرطبي: هي: مدنية بالإجماع.
[٣٠٤٣] قوله: (قال رجل من اليهود) هذا الرجل هو: كعب الأحبار. بين ذلك مسدد
في «مسنده))، والطبري في تفسيره))، والطبراني في ((الأوسط)) (١)، وللبخاري(٢) في
((المغازي))، من طريق الثوري، عن قيس بن مسلم: ((أَنَّ نَاسًا مِنَ الْيَهُودِ)»: وله في التفسير من
هذا الوجه بلفظ: ((قَالَتِ الْيَهُودُ)): فيحمل على أنهم كانوا حين سؤال كعب عن ذلك جماعة،
وتكلم كعب على لسانهم (لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا) أي: لعظمناه، وجعلناه عيدًا لنا في كل
سنة؛ لعظم ما حصل فيه من إكمال الدين (فقال له عمر: إني لأعلم أي يوم أنزلت هذه
(١) الطبري في ((تفسيره)) (١/ ٥٨٠)، والطبراني في «الأوسط)) (٨٣٠).
(٢) البخاري، كتاب التفسير، حديث (٤٦٠٦).

٤٠٨
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهَِّـ
الآيَةُ، أُنْزِلَتْ يَوْمَ عَرَفَةَ فِي يَوْم الجُمُعَةِ. [خ: ٤٥، م: ٣٠١٧، ن: ٣٠٠٢، حم: ١٨٩].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، مِن حَديثِ ابنِ عَبَّاسٍ، وهو صحيحٌ.
يَومِ الجُمعَةِ.
قال أبو عِيسَى: هذا حديثٌ حَسنٌ صَحيحٌ.
[ت ٦، م ٢]
[٣٠٤٤] (٣٠٤٤) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُون، أخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ
سَلَمَةَ، عَنِ عَمَّارِ بْنِ أبي عَمَّارٍ، قَالَ: قَرأ ابنُ عَبَّاسِ: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
وَأَنََّمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] وَعِنْدَهُ يَهُودِيٌّ، فَقَالَ: لَوْ
الآية؛ أنزلت يوم عرفة في يوم الجمعة).
فإن قيل: كيف طابق الجواب السؤال؛ لأنه قال: لاتخذناه عيدًا؟! وأجاب عمر -
رضي الله عنه - بمعرفة الوقت والمكان، ولم يقل: جعلناه عيدًا؟
والجواب: أن هذه الرواية اكتفى فيها بالإشارة، وإلا : فرواية إسحاق قد نصت على
المراد ولفظه: ((نَزَلَتْ يَوْمَ الجُمُعَة يَوْمَ عَرَفَةَ؛ وَكِلَاهُمَا بِحَمْدِ الله لَنَا عِيدٌ)): لفظ الطبري،
والطبراني ((وَهُمَا لَنَا عِيدَانٍ))، وكذا عند الترمذي(١)، من حديث ابن عباس: ((أَنَّ يَهُودِيًّا سَأَلَهُ
عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: نَزَلَتْ فِي يَوْمِ عِيدَيْنِ: يَوْمٍ جُمُعَةٍ، وَيَوْمٍ عَرَفَةَ)): فظهر أن الجواب تضمن
أنهم اتخذوا ذلك اليوم عيدًا؛ وهو يوم الجمعة، واتخذواَ يوم عرفة؛ لأنه ليلة العيد؛ وهذا
كما جاء في الحديث ((شَهْرَا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ: رَمَضَانُ، وَذُو الْحِجَّةِ))، فسمى رمضان عيدًا؛
لأنه يعقبه العيد؛ قاله الحافظ.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري في ((الإيمان))، و((التفسير))
وغيرهما، ومسلم في ((آخر الكتاب))، والنسائي في ((الحج)) و((الإيمان)).
[٣٠٤٤] قوله: (﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِینَكُمْ﴾) أحكامه، وفرائضه؛ فلم ينزل بعدها حلال،
ولا حرام. (﴿وَأَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى﴾): بإكماله، وقيل: بدخول مكة آمنين. (﴿وَرَضِيتُ﴾):
اخترت. (﴿لَكُمُ اُلْإِسْلَمَ دِينًا﴾): حال؛ أي: اخترته لكم من بين الأديان، وآذنتكم بأنه هو
الدين المرضي وحده.
(١) الترمذي، كتاب التفسير، حديث (٣٠٤٤).

٤٠٩
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَه
أُنْزِلَتْ هَذِهِ عَلَيْنَا لَاتَّخَذْنَا يَوْمَهَا عِيْدًا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَإِنَّهَا نَزَلَتْ في يَوْمٍ عِيدين في
يَوْمِ الجُمُعَةِ وَيَوْمٍ عَرَفَةَ)).
[ت ٦، م ٣]
[٣٠٤٥] (٣٠٤٥) حَدَّثَنَا أحْمَدُ بْنُ مَنِيعِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أْبَرَنَا
مُحمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَن أبي الزِّنَادِ، عَن الأعْرَجِ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((يَمِينُ الرَّحْمَنِ: مَلَأَى سَخَّاءُ، لا يغِيضُهَا اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ))، قَالَ:
((أرأيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَمِينِهِ: ﴿عَرْشُهُ, عَلَى
آلْمَآءِ﴾ [هود:
قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه ابن جرير في ((تفسيره))(١).
[٣٠٤٥] قوله: (يمين الرحمن ملأى) بفتح الميم، وسكون اللام، وهمزة، مع القصر:
تأنيث ملآن.
قال الحافظ: المراد من قوله: ((ملأى)): لازمه؛ وهو أنه في غاية الغنى، وعنده من
الرزق ما لا نهاية له في علم الخلائق (سخَّاء) بفتح المهملتين، مثقل، ممدود؛ أي: دائمة
الصب. يقال: سَحَّ؛ بفتح أوله، مثقل يَسِخُّ؛ بكسر السين في المضارع، ويجوز ضمها (لا
يغيضها) بالمعجمتين؛ بفتح أوله؛ أي: لا ينقصها لازم ومتعد. يقال: غَاضَ الماء يَغِيضُ:
إذا نقص، وغِضْتُهُ أنا أَغِيضُهُ، أي: لا يغيضها نفقة؛ كما في رواية الشيخين، أو: لا يغيضها
شيء؛ كما في رواية لمسلم (الليل، والنهار) بالنصب على الظرف؛ أي: فيهما (أرأيتم) أي:
أخبروني. وقيل: أعلمتم، وأبصرتم (ما أنفق) ((ما)): مصدرية؛ أي: إنفاق الله. وقيل: ((ما)):
موصولة متضمنة معنى الشرط؛ أي: الذي أنفقه (منذ خلق السماوات) زاد البخاري، وغيره
((وَالْأَرْضَ)): أي: من يوم خلق السماوات (فإنه) أي: الإنفاق، أو الذي أنفق (لم يغض)
أي: لم ينقص (ما في يمينه) أي: الذي في يمينه. (﴿عَرْشُهُ، عَلَى الْمَآءِ﴾) حال من ضمير
((خلق))، ومناسبة ذكر العرش هنا: أن السامع هنا يتطلع من قوله: ((خلق السماوات والأرض))
ما كان قبل ذلك؛ فذكر ما يدل على أن عرشه قبل خلق السماوات والأرض؛ كان على
الماء؛ كما وقع في حديث عمران بن حصينٍ بلفظ: ((كَانَ الله، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ، وَكَانَ
(١) ابن جرير في «تفسيره)) (٨٢/٦).

٤١٠
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ
وَبِيَدِهِ الأخْرَى المِيزَانُ يَخْفِضُ ويَرْفَعُ)). [خ: ٤٦٨٤، م: ٩٩٣، جه: ١٩٧، حم: ٧٢٥٦].
وَهذا الحديث تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَقَالَتِ الْهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُوا
ج
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤]، وَهَذَا حَديثٌ قَدْ رَوَتْهُ الأَئِمَّةُ نُؤْمنُ بِهِ
كَمَا جَاءَ مِن غَيْرِ أنْ يُفَسَّرَ أَوْ يُتَوَهَّمَ، هَكَذَا، قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِن الأئِمَّةِ منهم سُفيانٌ
الثَّوْرِيُّ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَابنُ عُيَيْنَةَ، وَابنُ المُبَارَكِ؛ إنَّهُ تُرْوَى هَذِهِ الأشْيَاءُ،
وَيُؤْمَنُ بِهَا، فلا يُقَالُ: كَيْفَ.
عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ))(١).
(وبيده الأخرى الميزان) قال الخطابي: الميزان هنا: مثل؛ وإنما هو: قسمته بالعدل بين
الخلق (يخفض، ويرفع) أي: يوسع الرزق على من يشاء، ويقتر؛ كما يصنعه الوزان عند
الوزن؛ يرفع مرة، ويخفض أخرى. وأئمة السنة على وجوب الإيمان بهذا، وأشباهه من غير
تفسير؛ بل يجري على ظاهره، ولا يقال: كيف؟ قاله العيني.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان.
قوله: (وهذا الحديث في تفسير هذه الآية ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ﴾) لما ضيق عليهم؛ بتكذيبهم
النبي ◌َِّ بعد أن كانوا أكثر الناس مالًا. (﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾) مقبوضة عن إدرار الأرزاق علينا؛
كنوا به عن البخل - تعالى عن ذلك - قال تعالى: (﴿غُلَّتْ﴾) أمسكت. (﴿أَيَدِيهِمْ﴾) عن فعل
الخيرات: دعاء عليهم. وبقية الآية مع تفسيرها؛ هكذا. (﴿وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ﴾) أي: طردوا عن
رحمة الله؛ بسبب ما قالوا. (﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانٍ﴾) مبالغة في الوصف بالجود، وثنی الید؛
لإفادة الكثرة؛ إذ غاية ما يبذله السخي من ماله: أن يعطي بيده. (﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾) من
توسيع، وتضييق، لا اعتراض عليه.
قوله: (وهذا الحديث؛ قال الأئمة: نؤمن به كما جاء .. . إلخ) تقدم الكلام في هذه
المسألة في ((باب فضل الصدقة)) من ((أبواب الزكاة)).
(١) البخاري، كتاب التوحيد، حديث (٧٤١٨).

٤١١
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِوَّى
[ت ٦، م ٤]
[٣٠٤٦] (٣٠٤٦) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا
الحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَن سَعِيدِ الجُرَيْرِيِّ، عَن عَبْدِ الله بْنِ شَقِيقٍ، عَن عَائِشَةَ، قَالَت:
كَانَ النَّبِيُّ وَّهِ يُحْرَسُ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَاللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسُِ﴾ [المائدة: ٦٧]
فَأَخْرَجَ رَسولُ الله ◌ِّهِ رَأْسَهُ مِنَ القُبَّةِ، فَقَالَ لَهُمْ: ((يَا أيُّهَا النَّاسُ، انْصَرِفُوا، فَقَدْ
عَصَمَنِي الله)).
[ت ٦، م ٥]
حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا مسلم بْنُ إبراهيمَ، بِهَذَا الإسنَادِ: نَحْوِه.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ غريبٌ، وَرَوَى بَعْضُهُمْ هذا
[٣٠٤٦] قوله: (حدثنا الحارث بن عبيد) الإيادي؛ بكسر الهمزة، بعدها تحتانية: أبو
قدامة، البصري، صدوق، يخطئ، من الثامنة.
قوله: (يحرس) بصيغة المجهول: من الحراسة؛ أي: يحفظه الصحابة - رضي الله تعالى
عنهم - عن الكفار. (﴿وَاَللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسُِ﴾ [المائدة: ٦٧]) أي: يحفظك يا محمد،
ويمنعك منهم. والمراد بالناس هنا: الكفار.
فإن قيل: أليس قد شج رأسه، وكسرت رباعيته يوم أحد، وقد أوذي بضروب من
الأذى؟ فكيف يجمع بين ذلك، وبين قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾؟!
قلت: المراد منه: أنه يعصمه من القتل؛ فلا يقدر عليه أحد أراده بالقتل. وقيل في
الجواب عن هذا: إن هذه الآية نزلت بعد ما شج رأسه في يوم أحد؛ لأن سورة المائدة من
آخر القرآن نزولاً .
قوله: (هذا حديث غريب) قال الحافظ في ((الفتح)): بعد ذكر هذا الحديث: وإسناده
حسن، واختلف في وصله، وإرساله. والحديث أخرجه أيضًا: ابن أبي حاتم، وابن جرير،
والحاكم في ((مستدركه))(١)، وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه (وروى بعضهم هذا
(١) ابن أبي حاتم (١١٧٣/٤)، وابن جرير (٣٠٨/٦) في ((تفسيرهما))، والحاكم (٣٢٢١) وقال: صحيح الإسناد
ووافقه الذهبي.

٤١٢
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهَِّهِ
الحَدِيثَ، عَن الجُرَيْرِيِّ، عَن عَبْدِ الله بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَهِ يُحْرَسُ، وَلَمْ
يَذْكُرُوا فِيهِ: عَن عَائِشَةَ.
[ت ٦، م ٦]
[٣٠٤٧] (٣٠٤٧) حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ، أْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ،
أَخْبَرَنَا شَرِيكُ، عَن عَلِيٍّ بْنِ بَذِيْمَةَ، عَن أبي عُبَيْدَةَ، عَن عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لمّا وَقَعَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ في المَعَاصِي، فَنَهَتْهُمْ عُلَمَاؤُهُمْ، فَلَمْ
يَنْتَهُوا، فَجَالَسُوهُمْ فِي مَجَالِسِهِمْ وَوَاكَلُوهُمْ وَشَارَبُوهُمْ، فَضَرَبَ الله قُلُوبَ بَعْضِهِمْ
على بَعْضٍ،
الحديث، عن الجريري، عن عبد الله بن شقيق قال: كان النبي ◌ٍَّ ** يحرس، ولم يذكروا فيه
عن عائشة) قال الحافظ ابن كثير بعد نقل كلام الترمذي هذا: هكذا رواه ابن جرير، من
طريق إسماعيل بن علية، وابن مردويه، من طريق وهيب؛ كلاهما عن الجريري، عن
عبد الله بن شقيق مرسلًا .
[٣٠٤٧] قوله: (عن علي بن بذيمة) بفتح الموحدة، وكسر المعجمة الخفيفة بعدها
تحتانية ساكنة: الجزري؛ كنيته: أبو عبد الله، مولى جابر بن سمرة السوائي، كوفي الأصل،
ثقة، رمي بالتشيع، من السادسة (عن أبي عبيدة) بن عبد الله بن مسعود.
قوله: (في المعاصي) أي: من الزنا، وصيد يوم السبت، وغيرهما (فنهتهم علماؤهم)
أي: أولًا (فلم ينتهوا) أي: فلم يقبلوا النهي، ولم يتركوا المنهي (فجالسوهم) أي العلماء.
(في مجالسهم) أي مجالس بني إسرائيل العصاة ومساكنهم (وواكلوهم) من المواكلة مفاعلة
للمشاركة في الأكل؛ وكذا قوله: (وشاربوهم؛ فضرب الله قلوب بعضهم على بعض) وفي
الرواية الآتية (ببعض)).
قال القاري: أي: خلط قلوب بعضهم ببعض. يقال: ضرب اللبن بعضه ببعض، أي:
خلطه؛ ذكره الراغب. وقال ابن الملك: الباء للسببية؛ أي: سود الله قلب من لم يعص؛
بشؤم من عصى؛ فصارت قلوب جميعهم قاسية بعيدة عن قبول الحق والخير، أو الرحمة
بسبب المعاصي، ومخالطة بعضهم بعضًا. انتهى.
قال القاري: وقوله: ((قلب من لم يعص)): ليس على إطلاقه؛ لأن مواكلتهم، ومشاربتهم

٤١٣
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَه
وَلَعَنَهُمْ ﴿عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمُ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة: ٧٨]))
قَالَ: فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَكَانَ مُتَّكِئًا، فَقَالَ: ((لا وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى تَأْطِرُوْهُمْ
على الحق أظْرًا)). [ضعيف، شريك فيه كلام: د: ٤٣٣٦، جه: ٤٠٠٦].
قَالَ عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ: قَالَ يَزِيدُ: وَكَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ لا يَقُولُ فِيهِ: عَن
عَبْدِ الله .
من إكراه، وإلجاء بعد عدم انتهائهم عن معاصيهم: معصية ظاهرة؛ لأن مقتضى البغض في الله
أن يبعدوا عنهم، ويهاجروهم، ويقاطعوهم، ولم يواصلوهم.
(ولعنهم) أي: العاصين، والساكتين المصاحبين. (﴿عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ﴾) بأن دعا عليهم؛
فمسخوا قردة، وهم أصحاب أيلة. (﴿وَعِيسَى ابْنِ مَرّيَمُ﴾) بأن دعا عليهم؛ فمسخوا
خنازير؛ وهم أصحاب المائدة (﴿ذَلِكَ﴾) أي: اللعن. (﴿ِمَا عَصَوا﴾) أي: بسبب عصيانهم
مباشرة ومعاشرة. (﴿وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾) أي: يتجاوزون عن الحد (قال) أي: ابن مسعود
(فجلس رسول الله * وكان متكئًا) أي: على أحد شقيه، أو مستندًا إلى ظهره قبل ذلك؛
فجلس مستويًا؛ للاهتمام بإتمام الكلام (فقال: لا) أي: لا تعذرون، أو لا تنجون من
العذاب أنتم أيها الأمة خلف أهل تلك الأمة (والذي نفسي بيده حتى تأطروهم) بهمزة ساكنة،
ويبدل، وبكسر الطاء (أطراً) بفتح الهمزة: مفعول مطلق للتأكيد؛ أي: حتى تمنعوا أمثالهم
من أهل المعصية.
قال في ((المجمع)): أي: لا تنجون من العذاب؛ حتى تميلوهم من جانب إلى جانب.
من: أَطَرْت القوس آطِرها بكسر طاء أَظْرًا بسكونها؛ إذا حنيتها، أي: تمنعوهم من الظلم،
وتميلوهم عن الباطل إلى الحق.
وقال الطيبيّ: حتى متعلقة بلا؛ كأن قائلًا قال له عند ذكر مظالم بني إسرائيل: هل يعذر
في تخلية الظالمين، وشأنهم؟ فقال: لا حتى تأطروهم، وتأخذوا على أيديهم. والمعنى: لا
تعذرون حتى تجبروا الظالم على الإذعان للحق، وإعطاء النَّصَفَةِ للمظلوم. واليمين معترضة
بين ((لا)) و((حتى))، وليست ((لا)) هذه بتلك التي يجيء بها المقسم؛ تأكيدًا لقسمه. انتهى.
قوله: (قال يزيد) هو: ابن هارون (وكان سفيان الثوري لا يقول فيه: عن عبد الله) كما
ذكره الترمذي فيما بعد بقوله: حدثنا محمد بن بشار، أخبرنا عبد الرحمن بن مهدي، أخبرنا
سفيان ... إلخ. ورواه أيضًا ابن ماجه بهذا السند مرسلًا.

٤١٤
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِِّ
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ؛ وقدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ عَن مُحَمَّدِ بْنِ
مُسْلِمٍ بْنِ أبي الوَضَّاحِ، عَن عَلِيٍّ بْنِ بَذِيْمَةَ، عَن أبي عُبَيْدَةَ، عَن عَبْدِ الله، عَن النَّبِيِّ
وَّ نَّحْوَهُ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: عَن أبي عُبَيْدَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ مُرْسَلُ.
[ت ٦، م ٧]
[٣٠٤٨] (٣٠٤٨) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بنْ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ، عَن عَلِيِّ بْنِ بَذِيمَةَ، عَن أبي عُبَيْدَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّ بَنِي
إِسْرَائِيلَ لمّا وَقَعَ فِيهِمِ النَّقْصُ، كَانَ الرَّجُلُ يَرَى أخَاهُ عَلَى الذَّنْبِ فَيَنْهَاهُ عَنْهُ، فَإِذَا
كَانَ الغَدُ لَمْ يَمْنَعْهُ مَا رأى مِنْهُ أنْ يَكُونَ أكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ وَخَلِيطَهُ؛ فَضَرَبَ اللهِ قُلُوبَ
بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وَنَزَلَ فِيهِمُ القُرْآنُ))، فَقَالَ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ بَنِي إِسْرَِّيلَ
عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَدَّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْ وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة: ٧٨] فَقَرأ
حَتَّى بَلَغَ: ﴿وَلَوْ كَانُواْ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا أَتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ
وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَسِقُونَ﴾ [المائدة: ٨١])) قَالَ: وَكَانَ نبِيُّ الله ◌َّهِ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ،
فَقَالَ: ((لا، حَتَّى تَأْخُذُوا عَلَى يَدِي الظَّالِم، فَتَأْطِرُوهُ عَلَى الحَقِّ أظْرًا)). [ضعيف، انظر
قول المصنف الترمذي في كلامه عن الحديث الذي قبله] .
قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه.
قال المنذري: وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه؛ فهو منقطع.
قوله: (وقد روي هذا الحديث، عن محمد بن مسلم بن أبي الوضاح، عن علي بن
بذيمة ... إلخ) وصله الترمذي فيما بعد بقوله: حدثنا محمد بن بشار، أخبرنا أبو داود -
وأملاه علي -: أخبرنا محمد بن مسلم بن أبي الوضاح ... إلخ.
[٣٠٤٨] قوله: (لم يمنعه ما رأى منه) أي: لم يمنع الناهي ما رأى هو من المذنب؛ من
وقوعه على الذنب (أن يكون) أي: من أن يكون الناهي (أكيله، وشريبه) أي: مواكل
المذنب، ومشاربه، ومخالطه. ولفظ أبي داود (١): ((إِنَّ أَوَّلَ مَا دَخَلَ النَّقْصُ عَلَى بَنِي
إِسْرَائِيلَ؛ كَانَ الرَّجُلُ يَلْقَى الرَّجُلَ؛ فَيَقُولُ: يَا هَذَا اتَّقِ الله، وَدَعْ مَا تَصْنَعُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَكَ،
ثُمَّ يَلْقَاهُ مِنَ الْغَدِ؛ فَلَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ وَقَعِيدَهُ» .
(١) أبو داود، كتاب الملاحم، حديث (٤٣٣٦).

٤١٥
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهَِّي
حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بنْ بَشارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالسِيّ، وَأَمْلَاهُ عَلَيَّ، حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ
مُسْلِمٍ بْنِ أبي الوَضاحِ، عَنْ عَلِيٍّ بْنِ بَذِيْمَةَ، عَن أبي عُبَيْدَةَ، عَن عَبْدِ الله عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ مِثْلَهُ.
[ت ٦، م ٨]
[٣٠٤٩] (٣٠٥٤) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ أَبُو حَفْصِ الفَلَّاسُ، حَدَّثَنَا أبُو عَاصِم،
حَدَّثَنَا عُثمانُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أنَّ رَجُلًا أتَى النَّبِيَّ وَّةِ، فَقَالَّ:
يَا رَسُولَ الله، إنِّي إِذَا أصَبْتُ اللَّحْمَ، انْتَشَرْتُ لِلِنِّسَاءِ، وَأَخَذَتْنِي شَهْوَتِي، فَحَرَّمْتُ
عَلَيَّ اللَّحْمَ؛ فَأَنْزَلَ الله: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَتِبَتِ مَا أَحَلَ اَللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوَّأَ
إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُواْ مِمَا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَلًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٨٧-٨٨]. [صحيح
لغيره، عثمان فيه ضعف].
قَالَ: هَذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَن عُثْمَانَ بْنِ سَعْدٍ، مُرْسَلًا؛ لَيْسَ فِيهِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَاهُ
خَالِدٌ الحَذَّاءِ، عَن ◌ِكْرِمَةَ، مُرْسَلًا.
قوله: (وأملاه عَلَيَّ) أي: ألقى عليَّ الحديثَ؛ فكتبتُه.
[٣٠٤٩] قوله: (حدثنا أبو عاصم) اسمه: الضحاك بن مخلد النبيل (حدثنا عثمان بن
سعد) الكاتب، المعلم.
قوله: (فأنزل الله ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]) أي:
ما طاب ولذ من الحلال. ومعنى: ﴿لَا تُحَرِّمُوا﴾: لا تمنعوها أنفسكم؛ كمنع التحريم، أو لا
تقولوا: حرمناها على أنفسنا؛ مبالغة منكم في العزم على تركها؛ تزهدًا منكم، وتقشفًا. ﴿وَلَا
تَفْتَدُوّأْ﴾: أي: ولا تجاوزوا الحد الذي حد عليكم في تحليل، أو تحريم، أو لا تتعدوا
حدود ما أحل لكم إلى ما حرم عليكم، أو: ولا تسرفوا في تناول الطيبات. (﴿إِنَّ اللَّهَ لَا
يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾) حدوده. (﴿وَكُلُواْ مِمَا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلًا طَيِّبًا﴾﴾ ﴿حَلَا﴾ حال. ﴿وَكُلُواْ مِمَّا
رَزَقَكُمُ اَللَّهُ﴾ .
قوله: (هذا حديث غريب) وأخرجه ابن أبي حاتم، وابن جرير(١).
(١) ابن أبي حاتم (١١٨٦/٤)، وابن جرير (١١/٧) في ((تفسيرهما)).

٤١٦
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّ
[٣٠٥٠] (٣٠٤٩) حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عَبدِ الرَّحْمنِ، أخْبَرَنَا مُحمَّدُ بْنُ يُوسُفَ،
أَخْبَرَنَا إِسرائيل، حَدَّثَنَا أبُو إِسْحَاقَ، عَن عَمْرِو بْنِ شُرَحْيِيلَ أبي مَيْسَرَةَ، عَن عُمَرَ بْنِ
الخَطَّابِ؛ أنَّهُ قَالَ: اللَّهِمَّ، بَيِّنْ لَنَا فِي الخَمْرِ بيانَ شِفَاءٍ؛ فَنَزَلَتِ الَّتِي فِي البَقَرَةِ:
﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] الآيَةِ، فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ:
اللَّهِمَّ، بَيِّنْ لَنَا في الخَمْرِ بَيَانَ شِفَاءٍ؛ فَنَزَلَتِ الَّتي في النِّسَاءِ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
تَقْرَبُواْ الضَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾ [النساء: ٤٣] فَدُعِيَ عُمَرُ فَقرئَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهِمَّ،
بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيَانَ شِفَاءٍ؛ فَنَزَلَتِ الَّتِي فِي المَائِدَةِ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَنُ أَنْ يُوقِعَ
بَيْنَكُمُ الْعَوَةَ وَاَلْبَغْضَآءَ فِ الْخَرِ وَالْمَيْسِ﴾ إلَى قَولِهِ: ﴿فَهَلْ أَنْثُم ◌ُّنَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] فَدُعِيَّ
عُمَرُ، فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: انْتَهَيْنَا انْتَهَيْنَا. [ن: ٥٥٥٥، د: ٣٦٧٠].
[٣٠٥٠] قوله: (أخبرنا محمد بن يوسف) هو: الضبي الفريابي (حدثنا أبو إسحاق) هو:
السبيعي (عن عمر بن شرحبيل) الهمداني، أبي ميسرة، الكوفي، ثقة، عابد، مخضرم.
قوله: (بيان شفاء) بالإضافة؛ أي: بيانًا شافيًا. (﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾) أي:
القمار؛ يعني: ما حكمهما. ﴿قل﴾: لهم. ﴿فِيهِمَآ﴾: أي: في تعاطيهما. ﴿إِثْمٌّ كَبِيرٌ﴾:
أي: عظيم؛ لما يحصل بسببهما من المخاصمة، والمشاتمة، وقول الفحش. ﴿وَمَنَافِعُ
لِلنَّاسِ﴾: باللذة، والفرح في الخمر، وإصابة المال، بلا كد في الميسر. ﴿وَإِثْمُهُمَآَ﴾: أي:
ما ينشأ عنهما من المفاسد. ﴿أَكْبُرُ﴾: أعظم. ﴿مِن نَفْعِهِمًا﴾ [البقرة: ٢١٩]: لأن أصحاب
الشرب والقمار - يقترفون فيهما الآثام من وجوه كثيرة (فقرئت عليه) أي: الآية المذكورة.
(﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَوَةَ وَالْبَغْضَآءَ فِ الْخَيْرِ وَالْمَيْسِ﴾) وبعده. (﴿وَيَصُذَّكُمْ﴾) عن
ذكر الله وعن الصلاة. (﴿فَهَلْ أَنْثُم مُّنَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] فقال) أي: عمر (انتهينا انتهينا) أي:
عن إتيانهما، أو عن طلب البيان الشافي؛ والظاهر: هو الأول. وفي رواية أبي داود فَتَزَلَتْ
هذه الآية: ﴿فَهَلْ أَنْتُم مُّنَهُونَ﴾ .
قال الطيبيّ: فنزلت هذه الآية؛ يعني: قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَ اْخَفُرُ وَالْمَيْسِرُ﴾
[المائدة: ٩٠] الآيتين؛ وفيهما دلائل سبعة على تحريم الخمر:
أحدها: قوله: ﴿رِجْسٌ﴾ والرجس هو: النجس، وكل نجس حرام.
والثاني: قوله: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِّ﴾ وما هو من عمله حرام.

٤١٧
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِصَه
قَالَ أبُو عِيْسَى: وَقَدْ رُوِيَ عَنِ إسْرَائِيلَ هذا الحديث مُرْسل.
[ت ٦، م ٩]
حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَن إِسْرَائِيلَ، عَن أبي إسحَاقَ، عَن
أبي مَيْسَرَةَ عمرو بْنِ شرحبيل؛ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، قَالَ: اللَّهِمَّ، بَيِّنْ لَنَا فِي الخَمْرِ
بَيَانَ شِفَاءٍ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ؛ وَهذا أصحُ مِن حَدِيثِ مُحمَّدٍ بْنِ يُوسُفَ.
والثالث: قوله: ﴿فَأَجْتَنِبُوهُ﴾ وما أمر الله - تعالى - باجتنابه؛ فهو حرام.
والرابع: قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] وما علق؛ رجاء الفلاح باجتنابه؛ فالإتيان
به حرام.
والخامس قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَوَةَ وَالْبَغْضَآءَ فِ اَلْخَيْرِ وَالْمَيْسِ﴾ وما هو
سبب وقوع العداوة، والبغضاء بين المسلمين؛ فهو حرام.
والسادس: قوله: ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اَللَّهِ وَعَنِ الصَّلَوَّةَ﴾ وما يصد به الشيطان عن ذكر الله،
وعن الصلاة؛ فهو حرام.
والسابع: قوله: ﴿فَهَلْ أَنْثُم مُّنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] معناه: انتهوا. وما أمر الله عباده بالانتهاء
عنه؛ فالإتيان به حرام. انتهى.
قوله: (وقد روي عن إسرائيل مرسلًا) أي: روي عنه، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن
شرحبيل بلفظ: ((أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ قَالَ: اللهُمَّ ... إلخ)): كما بينه الترمذي بعد هذا.
(حدثنا محمد بن العلاء) كنيته: أبو كريب؛ وهو: مشهور بها (عن أبي ميسرة) هو: كنية
عمرو بن شرحبيل المذكور في الإسناد المتقدم (وهذا أصح من حديث محمد بن يوسف)
أي: حديث وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن شرحبيل بلفظ: ((أن عمر بن
الخطاب قال)): أصحّ من حديث محمد بن يوسف، عن أبي إسحاق، عن عمر. ويلفظ:
(عَنْ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ أَنَّهُ قال))؛ لأن وكيعًا أحفظ من محمد بن يوسف.
قلت: فيه: أن محمد بن يوسف لم ينفرد بلفظ عن عمر؛ بل قد تابعه على هذا اللفظ
إسماعيل بن جعفر، عند أبي داود، وخلف بن الوليد، عند أحمد. وحديث عمر هذا أخرجه
أيضًا أحمد، وأبو داود، والنسائي. وقال الحافظ في ((الفتح)): بعد ذكر هذا الحديث؛
صحَّحه عليّ بن المديني والترمذي، وكذا قال الحافظ ابن كثير في ((تفسيره)).

٤١٨
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَهـ
[ت ٦، م ١٠]
[٣٠٥١] (٣٠٥٠) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ مُوسَى، عَنِ
إِسْرَائِيلَ، عَن أبي إسْحَاقَ عَنِ البَرَاءِ، قَالَ: مَاتَ رِجَالٌ مِن أصْحَابِ النبيِّ وََّ قَبْلَ
أنْ تُحَرَّمَ الخَمْرُ، فَلَمَّا حُرِّمَتِ الخَمْرُ، قَالَ رِجَالٌ: كَيْفَ بِأَصْحَابِنَا، وَقَدْ مَاتُوا
يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، فَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيَمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا
أَثَّقَواْ وَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ [المائدة: ٩٣]. [صحيح بما بعده].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ؛ وقد رَوَاهُ شُعْبَةُ، عَن أبي إسْحَاقَ
عَنِ الْبَرَاءِ؛ حَدَّثَنَا بذلِكَ مُحمَّدُ بنُ بَشارٍ .
[٣٠٥١] قوله: (فلما حرمت) قال الحافظ: والذي يظهر أن تحريمها كان عام الفتح سنة
ثمان. وذكر روايات تدل على ذلك. (﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا
طَعِمُواْ﴾: [المائدة: ٩٣]) أي: لا حرج، عليهم، ولا إثم عليهم فيما شربوا من الخمر، وأكلوا
من مال القمار في وقت الإباحة قبل التحريم.
قال ابن قتيبة: يقال: لم أطعم خبزًا، ولا ماء، ولا نومًا. قال الشاعر: [الطويل]
وَإِنْ شِئْتُ لَمْ أَظْعَمْ نُقَاخًا وَلَا بَرْدًا
فَإِنْ شِئْتُ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُو
النقاخ: الماء. والبرد: النوم. (﴿إِذَا مَا أَتَّقَواْ﴾) أي: إذا ما اتقوا الشرك. وقيل: اتقوا
ما حرم الله عليهم ﴿وَّءَامَنُواْ﴾: يعني: بالله، ورسوله. ﴿وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾: أي: ازدادوا من
عمل الصالحات. (﴿ثُمَّ أَتَّقَواْ وَءَامَنُواْ﴾) أي: اتقوا الخمر، والميسر بعد التحريم. فعلى هذا
تكون الأولى إخبارًا عن حال من مات؛ وهو يشربها قبل التحريم أنه لا جناح عليه. والثانية:
خطاب من بقي بعد التحريم؛ أمروا باتقائها، والإيمان بتحريمها. ﴿ثُمَّ أُتَّقَواْ﴾: أي: ما حرم
عليهم في المستقبل. ﴿وأحسنوا﴾: أي: العمل. وقيل: المراد بالاتقاء الأول: فعل التقوى؛
وبالثاني: المداومة عليها؛ وبالثالث: اتقاء الظلم مع ضم الإحسان إليه. وقيل: إن المقصود
من التكرير: التأكيد، والمبالغة في الحث على الإيمان، والتقوى، وضم الإحسان إليهما .
﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾: أي: إنه - تعالى - يحب المتقربين إليه؛ بالإيمان، والأعمال
الصالحة، والتقوى، والإحسان.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أبو داود الطيالسي(١). وقد رواه شعبة، عن
(١) الطيالسي في («مسنده)) (٧١٥).

٤١٩
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهـ
[ت ٦، م ١١]
[٣٠٥٢] (٣٠٥١) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَن أبي إسْحَاقَ بهذا،
قَالَ: قَالَ الْبَرَاءُ بن عازب: ماتَ نَاسٌ مِن أصْحَابِ النَّبِيِّ وَّهِ وَهُمْ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ،
فَلَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُهَا، قَالَ نَاسٌ مِن أصْحَابِ النَّبِيِّ وَّهِ: فَكَيْفَ بِأَصْحَابِنَا الَّذِينَ مَاتُوا
وَهُمْ يَشْرَبُونَهَا؟ فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ [المائدة: ٩٣] الآية.
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
[ت ٦، م ١٢]
[٣٠٥٣] (٣٠٥٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أبي رِزْمَةَ، عَن
إِسْرَائِيلَ، عَن سِمَاكٍ، عَن عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قالُوا: يَا رَسُولَ الله،
أرأيْتَ الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، لمّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ؛ فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَى
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا أَتَّقَواْ وَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾
[المائدة: ٩٣].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
أبي إسحاق، عن البراء أيضًا؛ أي: كما أن إسرائيل روى هذا الحديث، عن أبي إسحاق،
عن البراء؛ كذلك رواه شعبة أيضًا، عن أبي إسحاق، عن البراء.
[٣٠٥٣] قوله: (أرأيت) أي: أخبرني (وهم يشربون الخمر) جملة حالية ((لما نزل تحريم
الخمر)) ظرف بقوله: ((قالوا))، أي: قالوا حين نزل تحريم الخمر. قال في ((القاموس)): ((لما))
تكون بمعنى: حين، و((لم)): الجازمة و((إلا)).
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، وزاد في آخره: وَلَمَّا حُوِّلَتِ الْقِبْلَةُ،
قَالَ نَاسٌ: يَا رَسُولَ الله! إِخْوَانُنَا الَّذِينَ مَاتوا وَهُمْ يُصَلُّونَ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ، فَأَنْزَلَ الله:
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣].

٤٢٠
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَهِ
[ت ٦، م ١٣]
[٣٠٥٤] (٣٠٥٣) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعِ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مُخَلَّدٍ، عَن عَلِيِّ بْنِ
مِسْهَرٍ، عَنِ الأعْمَشِ، عَن إبْرَاهِيمَ، عَن عَلَّقَمَةَ، عَن عَبْدِ الله، قَالَ: لمّا نَزَلَتْ:
﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا أَتَّقَواْ وَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ﴾ [المائدة: ٩٣] قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((أَنْتَ مِنْهُمْ؟)). [م: ٢٤٥٩].
قَالَ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
[ت ٦، م ١٥]
[٣٠٥٥] (٣٠٥٥) حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدِ الأشَجُّ، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ وَرْدَانَ، عَن
عَلِيٍّ بْنِ عَبْدِ الأعْلَى، عَن أبِيهِ، عَن أبي البَخْتَرِيِّ، عَن عَلِيٍّ، قَالَ: لمّا نَزَلَتْ:
﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] قالُوا: يَا رَسُولَ الله،
في كُلِّ عام؟ فَسَكَتَ، قالُوا: يَا رَسُولَ الله، في كُلِّ عام؟ قَالَ: ((لَا، ولوْ قُلْتُ:
نَعَم، لَوَ جَبَتْ)) فَأَنْزَلَ الله عَزَّ وَجَلَّ:
[٣٠٥٤] قوله: (قال لي رسول الله وَلِ﴾ [قيل لي](١): أنت منهم) قال النووي: معناه: أن
ابن مسعود منهم. انتهى. وقال الخازن: معناه: أن رسول الله 8* قيل له: إن ابن مسعود
منهم؛ يعني: من الذين آمنوا، وعملوا الصالحات ... إلخ.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، والنسائي.
[٣٠٥٥] قوله: (حدثنا منصور بن وردان) الأسدي، العطار، الكوفي، مقبول، من
التاسعة (عن أبيه) هو: عبد الأعلى بن عامر الثعلبي؛ بالمثلثة، والمهملة، الكوفي، صدوق،
يهم، من السادسة.
قوله: (في كل عام) بحذف همزة الاستفهام (ولو قلت: نعم لوجبت) استدل بظاهره على
أن الإيجاب كان مفوضًا إليه * كما ذهب إليه بعضهم، ورد بأن قوله: ((لو قلت)): أعم من
أن يكون من تلقاء نفسه، أو بوحي نازل، أو رأي يراه؛ إن جوزنا له الاجتهاد، والدال على
(١) هكذا في بعض النسخ، وهي غير موجودة في المتن أعلاه ولا في أصل السنن.