Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَيه إلَّا خَالَفْنَا فِيهِ، قَالَ: فَجَاءَ عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ، وَأَسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ إلى رَسُولِ اللهِ وَه فَأَحْبَرَاهُ بِذَلِكَ، وَقَالَا: يَا رَسُولَ الله، أفَلا نَنْكِحُهُنَّ فِي المَحِيضِ؟ فَتَمَغَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ وَّهِ حَتَّى ظَنَنَّا أنَّهُ قَدْ غَضِبَ عَلَيْهِمَا، فَقَامَا فَاسْتَقْبَلَتْهُمَا هَدِيَّةٌ مِن لَبَنِ، الأحوال. (إلا خالفنا) بفتح الفاء. (فيه) إلا حال مخالفته إيانا فيه، يعني: لا يترك أمرًا من أمورنا إلا مقرونًا بالمخالفة؛ كقوله تعالى: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنهَا﴾ [الكهف: ٤٩]. (فجاء عباد بن بشر) من بني عبد الأشهل من الأنصار، أسلم بالمدينة على يد مصعب بن عميرٍ قبل سعد بن معاذ، وشهد بدرًا، وأُحدًا، والمشاهد كُلَّها، ووقع في بعض النسخ عباد بن بشيرٍ وهو غلط. (وأسيد بن حضير) بالتصغير فيهما أنصاري أوسي، أسلم قبل سعد بن معاذٍ على يد مصعب بن عميرٍ أيضًا، وكان ممن شهد العقبة الثانية، وشهد بدرًا، وما بعدها من المشاهد. (أفلا ننكحهن في المحيض)؟ أي: أفلا نباشرهن بِالْوَظْءِ في الفرج أيضًا؛ لكي تحصل المخالفة التامة معهم. (فتمعر وجه رسول الله وَ ل3) أي: تغير؛ لأن تحصيل المخالفة بارتكاب المعصية لا يجوز. قال الخطابي: معناه: تغير، والأصل في التمعر: قلةُ النضارة، وعدم إشراق اللون، ومنه: مكان معر، وهو الجدب الذي ليس فيه خصب. انتهى. قال محشي ((النسخة الأحمدية)): ما لفظه: ووقع في رواية مسلم(١): ((أَفَلَا نُجَامِعُهُنَّ))؛ كما هو في ((المشكاة)): أيضًا مكان ((أفلا ننكحهن)) وفسره القاري في ((المرقاة)): والشيخ عبد الحق الدهلوي في ((اللمعات)): أفلا نجامعهن في البيوت، وفي الأكل والشرب؛ لمرافقتهم، أو خوف ترتب الضرر الذي يذكرونه. انتهى مجموع عبارتهما . ولا يخفى أن قوله: ((أفلا ننكحهن))، كما وقع في هذا الكتاب، وكذا في ((سنن أبي داود)» يرد توجيه الشارحين في شرحي ((المشكاة))، ثم رأيت ((شرح مسلم)) للنووي، و((شرح المشكاة)): للطيبي، و((حاشية السيد)) فلم أجد أحدًا منهم متصديًا لبيانه. انتهى. قلت: الأمر كما قال المحشي. (حتى ظننا) أي: نحن، ووقع في بعض النسخ: ظَنَّا، أي: هُمَا، قال الخطابي: يريد علمنا، فالظنُّ الأول حسبان، والآخر علم ويقين. والعرب تجعل الظن مرة حسبانًا، ومرة علمًا ويقينًا؛ وذلك لاتصال طرفيه بهما، فمبدأ العلم ظن، وآخره علم ويقين. قال الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَقُواْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦]، معناه: يوقنون. (فاستقبلتهما هدية من لبن) (١) مسلم، كتاب الحيض، حديث (٣٠٢). ٣٢٢ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَفيه فَأَرْسَلَ رَسُوْلُ الله ◌َ يَ فِي آثَارِهِمَا فَسَقَاهُمُا، فَعَلِمِنَا أَنَّهُ لَمْ يَغْضَبْ عَلَيْهِمَا. [م: ٣٠٢، ن: ٢٨٧، د: ٢٥٨، جه مختصرًا: ٦٤٤، حم: ١١٩٤٥، مي: ١٠٥٣]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأعْلَى، حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَن حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَن ثَابتٍ، عَن أنسٍ، نَحْوَهُ، بِمَعْنَاهُ. [ت ٣، م ٢٥] [٢٩٧٨] (٢٩٧٨) حَدَّثَنَا ابنُ أبي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابنِ المُنْكَدِرِ سَمِعَ جَابِرًا، يَقُولُ: كَانَت اليَهُودُ، تقُولُ: مَن أتَى امْرأتَهُ في قُبُلِهَا مِن دُبُرِهَا، كَانَ الوَلَدُ أحْوَلَ؛ فَنَزَلَتْ ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأَتُواْ حَرْقَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]. [خ: ٤٥٢٨، م: ١٤٣٥، د: ٢١٦٣، جه: ١٩٢٥، مي: ١١٣٢]. أي: استقبل الرجلين شَخْصٌ معه هديةٌ يهديها إلى رسول الله وَلَّ، والإسناد مجازيٌّ. (في أثرهما) بفتحتين، أي: عقبهما. (فعلمنا أنه لم يغضب عليهما) أي: لم يغضب غضبًا شديدًا باقيًا ، بل زال غضبه سريعًا . قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. [٢٩٧٨] قوله: (كانت اليهود، تقول: من أتى امرأته في قبلها من دبرها) قال ابن الملك: كأن يقف من خلفها، ويولج في قبلها، فإن الوطء في الدبر محرم في جميع الأديان. (كان الولد) أي: الحاصل بذلك الجماع. (أحول)، لتحول الواطئ عن حال الجماع المتعارف، وهو الإقبال من القدام إلى القُبُلِ، وبهذا سُمِّيَ قُبُلًا، إلى حال خلاف ذلك من الدبر، فكأنه راعى الجانبين، ورأى الجهتين فأنتج إن جاء أحول، وهو أفعل من الحول، وهو أن تميل أحدى الحَدَقَتَيْنِ إلى الأنف، والأخرى إلى الصدغ، يقال: حولت عينه يحول حولًا كان بها حَوَلٌ فهو أحول، وهي حَوْلَاءُ. (فنزلت) أي: ردًّا عليهم فيما تَخَايَلَ لهم. (﴿نِسَآءَكُمْ﴾) أي: منكوحاتكم ومملوكاتكم. (﴿حَرْثٌّ لَّكُمْ﴾) أي: مواضع زراعة أولادكم، يعني: هُنَّ لكم بمنزلة الأرض المعدة للزراعة ومحله القبل، فإن الدبر موضع الفرث لا محل الحرث. (﴿فَأْتُواْ حَرْتَكُمْ أَنَّى شِئْهُمْ﴾﴾ [البقرة: ٢٢٣] أي: كيف شئتم من قيام أو قعود أو اضطجاع، أو من الدبر في فَرْجِهَا، والمعنى: على أي هيئة كانت ، فهي مباحةٌ لكم، مفوضةٌ إليكم، ولا يترتب منها ضرر عليكم. ٣٢٣ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله وَهُ قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. [ت ٣، م ٢٦] [٢٩٧٩] (٢٩٧٩) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن ابنِ خُثَيْم، عَن ابنِ سَابطٍ، عَن حَفْصَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَن أُمِّ سَلَمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْتَكُمْ أَ شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، يَعْنِي صِمَامًا وَاحِدًا. [حم: ٢٦٠٦١، مي: ١١١٩]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ، وَابْنُ خُثَيْمٍ هُوَ: عَبْدُ الله بْنُ عُثْمانَ بنِ خَيْمِ، في ((شرح السنة)): اتفقوا على أنه يجوز للرجل إتيان الزوجة في قُبُلِهَا من جانب دبرها، وعلى أية صفة كانت. وعليه دل قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْتَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، أي: هنَّ لكم بمنزلة أرض تزرع، ومحل الحرث هو القُبُل. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان. [٢٩٧٩] قوله: (يعني صمامًا واحدًا) بكسر الصاد المهملة، أي: ثقبًا واحدًا، والمراد: القُبُلُ. قال النووي: قال العلماء: وقوله تعالى: ﴿فَأَنُواْ حَرْتَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أي: موضع الزرع من المرأة، وهو قُبلها الذي يزرع فيه المنيُّ لابتغاء الولد، ففيه إباحة وطئها في قُبُلِهَا، إن شاء من بين يديها، وإن شاء من ورائها، وإن شاء مكبوبة. وأما الدبر فليس هو بِحَرْثٍ، ولا موضع زرع، ومعنى قوله: ﴿أَنَّ شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، أي: كيف شئتم. واتفق العلماء الذين يعتد بهم على تَحْرِيمِ وَظْءِ المرأة في دُبُرِهَا، حائضًا كانت أو طاهرًا؛ لأحاديث كثيرة مشهورة؛ كحديث: (َمَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا))(١). قال أصحابنا: لا يحل الوطء في الدبر في شيءٍ من الآدميين، ولا غيرهم من الحيوان، في حال من الأحوال. انتهى كلام النووي رحمه الله. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد. قوله: (وابن خثيم هو: عبد الله بن عثمان بن خثيم) بضم الخاء المعجمة وفتح المثلثة (١) أبو داود، كتاب النكاح، حديث (٢١٦٢)، وأحمد، حديث (٩٧٣١). ٣٢٤ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهِ وَابْنُ سَابطٍ هُوَ: عَبْد الرَّحْمنِ بْنُ عبدِ الله بْنِ سَابِطِ الجُمَحِيُّ المَكِّيُّ، وَحَفْصَةٌ هِيَ: بِنْتُ عَبْد الرَّحْمنِ بْنِ أبي بَكْرِ الصِّدِّيقِ، وَيُرْوَى فِي سِمَامٍ وَاحِدٍ . [ت ٣، م ٢٧] [٢٩٨٠] (٢٩٨٠) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الله الأشْعَرِيُّ، عَن جَعْفَر بْنِ أبي المُغِيرَةِ، عَن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: جَاءَ عُمَرُ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، هَلَكْتُ، قَالَ: ((وَمَا أَهْلَكَكَ؟)) قَالَ: حَوَّلْتُ رَحْلِيَ اللَّيْلَةِ، قَالَ: فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ وَِّهِ شَيْئًا، قَالَ: فَأَوحيَ إلى رَسُولِ اللهِوََّ هَذِهِ الآيَةُ ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْتَكُمْ أَنَ شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]؛ أقْبِلْ وَأدْبِرْ، وَاتَّقِ الدُّبُرَ مصغرًا، القاري المكي، وثقه ابن معين، والعجلي. (وابن سابط هو: عبد الرحمن بن عبد الله بن سابط) بكسر الموحدة وبالطاء المهملة. (الجمحي) بضم الجيم المعجمة وفتح الميم. (وحفصة هي: بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق) ثقة، من الثالثة. (ويروى في سمام واحد) بكسر السين المهملة، أي: في ثُقْبٍ وَاحِدٍ. قال في ((النهاية)): في الحديث: فأتوا حَرْئَكُمْ أنَّى شئتم سِمَامًا واحدًا، أي: مأتى واحدًا، وهو من سمام الإبرة ثقبها، وانتصب على الّرف، أي: في سمام واحد، لكنه ظرفٌ محدود أجري مجرى المبهم. [٢٩٨٠] قوله: (حدثنا يعقوب بن عبد الله) بن سعد الأشعري أبو الحسن القمي بضم القاف وتشديد الميم، صدوقٌ يَهِمُ، من الثامنة. (عن جعفر بن أبي المغيرة) الخزاعي القمي. قيل: اسم أبي المغيرة: دينار، صدوقٌ يَهِمُ، من الخامسة. قوله: (حولت رحلي الليلة) كنى برحله عن زوجته، أراد به غشيانها في قبلها من جهة ظهرها؛ لأن المجامع يعلو المرأة، ويركبها مما يلي وَجْهَهَا، فحيث ركبها من جهة ظَهْرِها، كنى عنه بتحويل رَحْلِهِ، إما نقلًا من الرَّحْلِ بمعنى المنزل، أو من الرحل بمعنى الكور، وهو للبعير كالسرج للفرس؛ كذا في ((المجمع)) (أقبل) أي: جامع من جانب القُبُلِ (وأدبر) أي: أولج في القُبُلِ من جانب الدبر (واتق الدبر) أي: إيلاجه فيه. قال الطِّيبيُّ - رحمه الله -: تفسير لقوله - تعالى - جل جلاله: ﴿فَأَتُواْ حَرْتَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. [البقرة: ٢٢٣]: فإن ((الحرث)): يدل على اتقاء الدبر ((وأنى شئتم)): على إباحة الإقبال والإدبار، والخطاب في التفسير خطابٌ ٣٢٥ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله وَه [حم: ٢٦٩٨]. والحيضة . قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، وَيَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الله الأشْعَرِيُّ هُوَ: يَعْقُوبُ القُمِّيُّ. [ت ٣، م ٢٨] [٢٩٨١] (٢٩٨١) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا الهاشم بْنُ القَاسِمِ، عَن المُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ، عَن الحَسَنِ، عَن مَعْقلِ بْنِ يَسَارٍ؛ أنَّهُ زَوَّجَ أُخْتَهُ رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ◌ِّهِ، فَكَانَتْ عِنْدَهُ مَا كَانَت، ثُمَّ طَلَّقَهَا تَظْلِيقَةً لَمْ يُرَاجِعْها حَتَّى انْقَضَتِ العِدَّةُ، فَهَوِيَها وَهَوِيَتْهُ، ثُمَّ خَطَبَهَا مَعَ الخُطَّابِ، فَقَالَ لهُ: يا لُكَعُ، أكْرَمْتُكَ بِهَا وَزَوَّجْتُكَ، فَطَلَّقْتَهَا، واللهِ، لا تَرْجِعُ إِلَيْكَ أبدًا آخِرَ مَا عَلَيْكَ، عام، وأن كُلَّ من يتأتى منه الإقبال والإدبار، فهو مأمور بهما (والحيضة) بكسر الحاء: اسمٌ من الحيض، والحال التي تلزمها الحائض من التجنب والتحيض؛ كالجلسة، والقعدة من الجُلُوسِ؛ كذا في النهاية. والمعنى: اتق المجامعة في زَمَانِها. قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه. [٢٩٨١] قوله: (حدثنا الهاشم بن القاسم) بن مسلم الليثي مولاهم البغدادي، أبو النضر، مشهور بكنيته، ولقبه: قيصر، ثقةٌ ثبت، من التاسعة. (عن الحسن) هو البصري. قوله: (أنه زوج أخته) اسمها: جُميْل بالجيم مصغرًا بنت يسار، وقيل: اسمها: ليلى، وقيل: فاطمة. (رجلًا) قيل: هو أبو البداح بن عاصم الأنصاري، وقيل: هو عبد الله بن رواحة. (ثم طلقها تطليقة) وفي رواية أبي داود (١): (ثُمَّ طَلَّقَهَا طَلَاقًا لَهُ رَجْعَةٌ)). (فهويها) قال في ((القاموس)): هَوِيَهُ كَرَضِيَهُ: أحبه. (يا لُكع) بضم اللام وفتح الكاف، كصُرد: اللئيم والعبد والأحمق. (لا ترجع إليك أبدًا) وفي رواية: ((لَا أُزَوِّجُكَ أَبَدًا))(٢). (آخر ما عليك) بالرفع، أي: ذلك آخر ما عليك من نِكَاحِكَ إياها، وهذا كقوله بَّهِ: ((إِذَا خَرَجُوا لَمْ يَعُودُوا آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ))(٣). قال في ((المجمع)): بالرفع، أي: ذلك آخر ما عليهم من دخولهم. (إلى (١) أبو داود، كتاب النكاح، حديث (٢٠٨٧). (٢) الدارقطني في ((سننه)) (٢٢٤/٣)، والطبراني في «الكبير» (١٠٢/١٧) (٢٤٤). (٣) مسلم، كتاب الإيمان، حديث (١٦٤). ٣٢٦ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَفيهِ قَالَ: فَعَلِمَ اللهُ حَاجَتَهُ إِلَيْهَا، وَحَاجَتَهَا إلَى بَعْلِهَا؛ فَأَنْزَلَ الله تبَارَك وتَعَالَى: ﴿وَإِذَا ◌َلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ فَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٢] فَلَمَّا سَمِعَهَا مَعْقِلٌ، قَالَ: سَمْعًا لرَبِّي وَطَاعَةً، ثُمَّ دَعَاهُ، فَقَالَ: أُزَوِّجُكَ وَأُكْرِمُكَ. [خ مختصرًا: ٤٥٢٩، د مختصرًا: ٢٠٨٧]. قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وَقَدْ رُوِيَ مِن غَيْرٍ وَجْهٍ، عَن الحَسَنِ، وهُوَ عَنِ الحَسَنِ غَرِيبٌ؛ وَفِي هَذَا الحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ النِّكَاحُ بِغَيْرٍ وَليّ؛ لأنَّ أُخْتَ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ كانَتْ ثَيًِّا، فَلَوْ كَانَ الأمْرُ إِلَيْهَا دُونَ وَلِيِّهَا، لَزَوَّجَتْ نَفْسَهَا، وَلَمْ تَحْتَجْ إِلَى وَلِيِّهَا مَعْقِلٍ بْنِ يَسَارٍ، وَإِنَّمَا خَاطَبَ الله في الآية الأوْلِياءَ، فقال: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] فَفِي هذِهِ الآية دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الأمْرَ إِلَى الأوْلِيَاءِ في التَّزْوِجِ مَعَ رِضَاهُنَّ. قوله ... إلخ) تتمة الآية: ﴿فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ إِذَا تَرَضَوْ بَيْنَهُم بِالْعْرُوفِّ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ، مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاَلْيَّوِْ آَخِرُّ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُنْ وَلْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا نَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٢] ... (فلما سمعها) أي: هذه الآية. (قال: سَمعًا لربي وطاعة) أي: عَلَيَّ سمع لربي وطاعة. (ثم دعاه، فقال: أزوجك وأكرمك) وفي رواية أبي داود(١) قال: ((فَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، فَأَنْكَحْتُهَا إِيَّاهُ». قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن جرير. (وفي هذا الحديث دلالةٌ على أنه لا يجوز النكاح بغير ولي ... ) إلى قوله: (ففي هذه الآية دلالة على أن الأمر إلى الأولياء في التزويج مع رضاهن) قال ابن جرير: في هذه الآية الدلالة الواضحة على صحة قول من قال: لا نِكَاحَ إِلَّا بِوَليٍّ من العَصَبَةِ، وذلك أن الله - تعالى - مَنَعَ الوليَّ من عَضْلِ المرأة إن أرادت النكاح، ونهاه عن ذلك. فلو كان للمرأة إنكاح نفسها بغير إنكاح وَلِيِّهَا إياها، أو كان لها تولية من أرادت توليته في إِنْكَاحِهَا، لم يكن لنهي وَلِيِّهَا عَن عَضْلهَا معنى مفهوم؛ إذ كان لا سبيل له إلى عضلها؛ وذلك أنها إن كانت متى أرادت النكاح جاز لها إنكاح نفسها، أو إنكاح من تُوَكِّلُهُ إنكاحها، فلا عضل هنالك لها من أحد، فينهى عاضلها عن عضلها، وفي فساد القول بأن لا معنى (١) أبو داود، كتاب النكاح، حديث (٢٠٨٧). ٣٢٧ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِوَهِ [٢٩٨٢] (٢٩٨٢) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَن مالِكِ بْنِ أَنَسٍ، قَالَ: وَحَدَّثَنَا الأنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مالِكٌ، عَنِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، عَنِ القَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عَن أبي يُونسَ - مَوَلَى عَائِشَةَ قَالَ: أَمَرَتْنِي عَائِشَةُ ﴿َّا أنْ أكْتُبَ لَهَا مُصْحَفًا، فَقَالَتْ: إِذَا بَلَغْتَ هَذهِ الآيَةَ، فَاذِنِّي ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَلَوَاتِ وَالصَّلَوْةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] فَلَمَّا بَلَغْتُها آذَنْتُهَا، فَأَمْلَتْ عَلَيَّ: ((حَافِظوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الوُسطَى وَصَلاةِ العَصْرِ لنهي الله عما نهى عنه؛ صحة القول بأن لوليٍّ المرأة في تزويجها حَقًّا لا يصح عقده إلا به. انتھی. قلت: هذا مبنيٌّ على أن الخطاب في ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ للأولياء، واعترض عليه، بأنه يلزم تفكك نظم كلام الله لو قيل: وإذا طلقتم النساء أيها الأزواج، فلا تعضلوهن أيها الأولياء؛ لأنه لا يبقى بين الشرط والجزاء نسبة. وأجيب بأن الخطاب في ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾، وكذا في قوله: ﴿وَإِذَا طَلَقْتُمُ﴾ للناس، أي: وإذا وقع بينكم الطلاق، فلا يوجد فيما بينكم العضل؛ لأنه إذا وجد بينهم العضل من جهة الأولياء، وهم راضون كانوا في حُكْم العاضِلِين. وتمسك الحنفية بقوله تعالى: ﴿أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ﴾ على أن النكاح بغير وَلِيٍّ جائز؛ وذلك أنه تعالى أضاف النكاح إليها إضافة الفعل إلى فاعله، والتصرف إلى مباشره، ونهى الولي عن منعها من ذلك، ولو كان ذلك التصرف فاسدًا، لما نهى الولي عن منعها منه، ويتأكَّد هذا النص بقوله: ﴿حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]. وأجيب بأن الفعل كما يضاف إلى المباشر، فقد يُضافُ أيضًا إلى السبب مثل: بنى الأمير دارًا. قال الرازي في ((تفسيره)) - بعد ذكر هذا الجواب -: وهذا وإن كان مجازًا، إلا أنه يجب المصير إليه لدلالة الأحاديث على بطلان هذا النكاح. [٢٩٨٢] قوله: (عن أبي يونس مولى عائشة) ثقةٌ، من الثالثة. قوله: (فآذني) بمد الهمزة وكسر الذال المعجمة وتشديد النون، أي: أَعْلِمْنِي. (فأملت عليَّ) بفتح الهمزة وسكون الميم وفتح اللام الخفيفة: من أملى، وبفتح الميم واللام مشددة: من أملل يملل، أي: أَلْقَتْ عليَّ، فالأولى: لغة الحجاز، وبني أسد، والثانية: لغة بني تميم وقيس (وصلاة العصر) بالواو الفاصلة، وهي تدلّ على أن الوسطى غير العصر؛ لأن العطف يقتضي المغايرة، وأُجيب بوجوه. أحدها: أن هذه القراءة شاذة ليست بحجة، ولا يكون لها حكم الخبر عن رسول الله ٣٢٨ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهُ وَقُومُوا للهِ قَانِتِين))، وَقَالَتْ: سَمِعْتُهَا مِن رَسُولِ اللهِ وَالـ [م: ٦٢٩، د: ٤١٠، ن: ٤٧١، حم: ٢٣٩٢٧، طا: ٣١٥]. وفي البابِ: عَنِ حَفْصَةَ. وَّة؛ لأن ناقلها لم ينقلها إلا على أنها قرآنٌ، والقرآن لا يثبت إلا بالتواتر بالإجماع. وإذا لم يثبت قرآنًا لا يثبت خبرًا؛ قاله النووي. وثانيها: أن يجعل العطف تفسيريًّا، فيكون الجمع بين الروايات. وثالثها: أن تكون الواو فيه زائدة، ويؤيده ما رواه أبو عبيدٍ (١) بإسناد صحيح عن أبي بن كعب؛ أنه كان يقرأها: ((والصَّلاةِ الوُسْطَى صَلاةِ العَصْرِ)) بغير واو. قال الحافظ في ((الفتح)): قد اختلف السلف في المراد بالصَّلاةِ الوسطى، وجمع الدمياطي في ذلك جزءًا مشهورًا سماه: ((كشف الغطا عن الصلاة الوسطى)) فبلغ تسعة عشر قولًا، ثم ذكر الحافظ هذه الأقوال، ورجّح قول من قال: إن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، فقال: كونها صلاة العصر هو المعتمد؛ وبه قال ابن مسعود وأبو هريرة، وهو الصحيح من مذهب أبي حنيفة، وقول أحمد، والذي صار إليه معظم الشافعية؛ لصحة الحديث فيه، قال الترمذي: هو قول أكثر علماء الصحابة. وقال الماوردي: هو قول جمهور التابعين، وقال ابن عبد البر: هو قول أكثر أهل الأثر؛ وبه قال من المالكية: ابن حبيب، وابن العربي، وابن عطية. انتهى. قلت: لا شك في أن القول الراجح المعول عليه هو قول من قال: إنها صلاة العصر، وقد تقدم بقية الكلام في هذه المسألة في ((باب: ما جاء في الصَّلاةِ الوسطى أنها العصر)). (﴿قَانِتِينَ﴾: [البقرة: ٢٣٨]) قيل: معناه؛ مطيعين، وقيل: ساكتين، أي: عن كلام الناس، لا مطلق الصَّمت؛ لأن الصلاة لا صمت فيها، بل جميعها قرآنٌ وذكر. (وقالت: سمعتها من رسول الله ◌َ﴾﴾ قال الباجي: يحتمل أنها سمعتها على أنها قرآنٌ ثم نسخت، كما في حديث البراء الذي رواه مسلم، فلعل عائشة لم تعلم بنسخها، أو اعتقدت أنها مما نُسخ حكمه وبقي رَسْمُهُ، ويحتمل أنه ذكرها بَّر على أنها من غير القرآن لتأكيد فضيلتها، فظنتها قرآنًا، فأرادت إثباتها في المُصْحَفِ؛ لذلك قاله الزرقاني في ((شرح الموطأ)). قوله: (وفي الباب عن حفصة) أخرجه مالك في ((موطئه))(٢). (١) أبو عبيد في ((فضائل القرآن)) (٤٨٢). (٢) مالك في ((الموطأ)) (١٣٩/١). ٣٢٩ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهُ قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. [ت ٣، م ٣٠] [٢٩٨٣] (٢٩٨٣) حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع، عَن سَعِيدٍ، عَن قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا الحَسَنُ، عَن سَمُرَةَ بْنِ جُنْدبٍ؛ أنَّ نَبِيَّ اللهِوَلَ قَالَ: ((صَلَاةُ الوُسْطَى: صَلَاةُ العَصْرِ)). [حم: ١٩٥٧٨]. قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. [ت ٣، م ٣١] [٢٩٨٤] (٢٩٨٤) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَن سَعِيدٍ بن أبي عروبة، عَن فَتَادَةَ، عَن أبي حَسَّانَ الأَعْرَجِ، عَن عُبَيْدَةَ السَّلْمَانِيِّ؛ أنَّ عَلِيًّا حَدَّثَهُ: أَنَّ النَّبِيِّ ◌َّهُ قَالَ يَوْمَ الأحزَابِ: ((اللَّهمَّ اَمْلأُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ نَارًا، كمَا شَغَلُونَا عَنِ صَلَاةٍ الوُسْطَى حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ)). [خ: ٢٩٣١، م: ٦٢٧، ن: ٤٧٢، د: ٤٠٩، جه: ٦٨٤، حم: ٥٩٢، مي: ١٢٣٢]. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي. [٢٩٨٣] قوله: (قال: صلاة الوسطى صلاة العصر). تقدم هذا الحديث، وما يتعلق به في باب ما جاء في الصلاة الوسطى أنها العصر. [٢٩٨٤] قوله: (قال يوم الأحزاب) هي الغزوة المشهورة، يقال لها: الأحزاب، والخندق، وكانت سنة أربع من الهجرة، وقيل: سنة خمس (كما شغلونا عن صلاة الوسطى) بإضافة الصلاة إلى الوسطى، وهو من بابٍ قول الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤]. وفيه المذهبان المعروفان؛ مذهب الكوفيين: جواز إضافة الموصوف إلى صفته، ومذهب البصريين منعه، ويقدرون فيه محذوفًا، وتقديره هنا: عن صَلَاةِ الصَّلَاةِ الوُسْطَى، أي: عن فعل الصلاة الوسطى؛ قاله النووي. (حتى غابت الشمس). وفي روايةٍ لمسلم(١): شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الوُسْطَى صَلَاةِ العَصْرِ، (١) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، حديث (٦٢٧). ٣٣٠ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَعهـ قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ؛ وَقَدْ رُوِيَ مِن غَيْرِ وَجْهٍ، عَن عَلِيّ، وَأَبُو حَسَّانَ الأعْرَجِ اسْمُهُ: مُسْلِمٌ. [ت ٣، م ٣٢] [٢٩٨٥] (٢٩٨٥) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا أبُو النَّضْرِ، وَأَبُو دَاوُدَ، عَن محمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَن زُبَيْدٍ، عَن مُرَّةَ، عَن عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((صَلَاةُ الْوُسْطَى: صَلَاةُ العَصْر)). وفي البابِ: عَن زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَأَبِي هَاشِمِ، عن عُتْبَةَ، وَأبي هُرَيْرَةَ. قَالَ أبُو عِيْسَی: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. مَلأَّ الله بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا. ثم صلَّاها بين العشائين بين المغرب والعشاء. وحديث عليٍّ هذا نصّ صريح في أن الصَّلاة الوسطى هي صلاة العصر، وهو أصحُّ الأقوال في هذا الباب. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، والشيخان، وأبو داود، وغيرهم. [٢٩٨٥] قوله: (حدثنا أبو النضر) اسمه: هاشم بن القاسم. (وأبو داود) هو الطيالسي. (عن زُبيد) بموحدةٍ مصغرًا هو ابن الحارث اليامي. قوله: (صلاة الوسطى صلاة العصر) هذا الحديث أيضًا نَصُّ صَرِيحٌ في أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر. قوله: (وفي الباب عن زيد بن ثابت، وأبي هاشم بن عتبة، وأبي هريرة) أما حديث زيد بن ثابت: فأخرجه أحمد، وأبو داود(١). وأما حديث أبي هاشم: فأخرج ابن جرير (٢) من طريق كهيل بن حرملة: سُئِلَ أبو هريرة عن الصَّلَاةِ الوُسْطَى؟ فقال: اختلفنا فيها، ونحن بِفَاءِ بَيْتِ رسول الله وَّةٍ، وفينا أبو هاشم بن عتبة، فقال: أنا أعلم لكم، فقام فاستأذن على رسول الله وَّ، ثم خرج إلينا. فقال: أَخْبَرَنَا أَنَّهَا صَلَاةُ العَصْرِ. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه أيضًا ابن جرير (٣) عنه مرفوعًا: ((الصَّلاةُ الوُسْطَى صَلَاةُ العَصْرِ)). قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم. (١) أحمد (٢١٠٨٥)، وأبو داود، كتاب الصلاة، حديث (٤١١). (٢) ابن جرير في ((تفسيره)) (٥٥٩/٢). (٣) ابن جرير في ((تفسيره)) (٥٥٩/٢). ٣٣١ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ [ت ٣، م ٣٣] [٢٩٨٦] (٢٩٨٦) حَدَّثَنَا أحْمَدُ بْنُ مَنِيع، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، وَمُحمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَن إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الحَارِثِ بْنِ شُبَيْلٍ، عَن أبي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، عَن زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ، قَالَ: كُنَّا نَتَكَلَّمُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ◌َِِّ فِي الصَّلَاةِ؛ فَزَلَتْ: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَنِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] فَأَمِرْنَا بالسُّكُوت. [ت ٣، م ٣٤] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيع، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أبي خَالِد: نَحْوَهُ، وَزَادَ فِيهِ: وَنُهِينَا عنِ الكلام. [خ: ٤٥٣٤، م: ٥٣٩، د: ٩٤٩]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وَأَبُو عَمْرٍو الشيْبَانِيُّ اسْمُهُ: سَعْدُ بْنُ إِیّاسٍ. [ت ٣، م ٣٥] [٢٩٨٧] (٢٩٨٧) حَدَّثَنَا عَبْد الله بْنُ عَبْد الرَّحْمن، أخْبَرَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ مُوسَى، عَنِ إسْرَائِيلَ، عَن السُّدِّيِّ، عَن أبي مَالِكِ، عَن البَرَاءِ: ﴿وَلَا تَيَعَّمُواْ الْخِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. قَالَ: نَزَلَتْ فِينَا مَعْشَرَ الأنْصَارِ، كُنَّا أصْحَابَ نَخْلِ فَكَانَ الرَّجُلُ يَأْتِي مِن نَخْلِهِ عَلَى قَدْرِ كَثْرَتِهِ وَقِلَّتِهِ، وَكَانَ الرَّجُلُ يَأتي بالقِنْوِ، وَالقِنْوينِ، فَيُعَلِّقُهُ فِي المَسْجِدِ، وَكَانَ أهْلُ الصُّفَّةِ لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ، فَكَانَ أحَدُهُمْ إِذَا جَاعَ أتَى [٢٩٨٦] قوله: (ومحمد بن عبيد) بن أبي أمية الطنافسي. قوله: (كنا نتكلم ... إلخ) تقدم هذا الحديث مع شرحه في باب نسخ الكلام في الصلاة. [٢٩٨٧] قوله: (عن إسرائيل) هو ابن يونس. (عن السدي) بضم السين المهملة وتشديد الدال، هو إسماعيل بن عبد الرحمن، وهو السدي الكبير. (عن أبي مالك) اسمه: غزوان الغفاري الكوفي، مشهور بكنيته، ثقة، من الثالثة. قوله: (معشر الأنصار) بالنصب على الاختصاص. (يأتي بالقنو) بكسر القاف وسكون ٣٣٢ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِلهِ القِنْوَ فَضَرَبَهُ بِعَصَاهُ، فَيَسْقُط من البُسْرِ وَالتَّمْرِ فَيَأْكُلُ، وَكَانَ نَاسٌ مِمَّنْ لا يَرْغَبُ فِي الخَيْرِ يَأتي الرَّجُلُ بالقِنْوِ فِيهِ الشِّيْصُ وَالحَشَفُ، وَبالقِنْوِ قَدِ انْكَسَرَ فَيُعَلِّقُهُ؛ فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِبَتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِّ وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِعَاخِذِيهِ إِلَّ أَنْ تُغْمِضُواْ فِيٍ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، قالوا: لَوْ أنَّ أحَدَكُمْ أُهْدِي إِلَيْهِ مِثْلُ مَا أعْطَى لَمْ يَأخُذهُ إلَّا عَلَى إِغْمَاضِ، أو حَيَاءٍ، قَالَ: فَكُنَّا بَعْدَ ذَلِكَ يأْتِي أَحَدُنَا بِصَالِحِ مَا عِنْدَهُ. [جه: ١٨٢٢]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ صحيحٌ، وَأبو مَالِكِ هُوَ الغِفَارِيُّ، وَيُقَالُ اسْمُهُ: غَزْوَانُ، وَقَدْ رَوى سُفيانُ، عَنِ السُّدِّيِّ شَيْئًا مِن هَذَا. النون: هو العذق بما فيه من الرطب، يقال له بالفارسية: خوشه خرما. (فيسقط البسر والتمر) البُسْرُ بضم الموحدة وسكون السين المهملة: مرتبة من مَرَاتِبٍ ثَمَرِ النَّخْلِ. قال في ((الصراح)): أول ما بدأ من النخل طَلْعٌ، ثم خلَالٌ، ثم بَلَحٌ بالتحريك، ثم بُسْرٌ، ثم رُطَبٌ، ثم تَمْرٌ. (فيه الشيص والحشف) الشِّيص بالكسر: التمر الذي لا يشتدُّ نواه ويقوى، وقد لا يكون له نوى أصلًا؛ كذا في ((النهاية)). والحشف بفتح الحاء المهملة والشين المعجمة: هو أردأ التمر، أو الضعيف لا نوى له، أو اليابسُ الفاسدُ: (﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧]) أي: من جِيَادٍ ما كَسَبْتُمْ. (﴿وَمِمَآ أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]) من الحبوب والثمار. (﴿وَلَا تَيَمَّمُوا﴾ [البقرة: ٢٦٧])، أي: لا تقصدوا. (﴿الْخِيثَ﴾ [البقرة: ٢٦٧]) أي: الرديء. (* [البقرة: ٢٦٧]) أي: المذكور. (﴿تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧]) حالٌ من ضمير ((تيمَّموا)). (﴿وَلَسْتُم بِشَاخِذِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]) أي: الخبيث لو أعطيتموه في حقوقكم. ﴿إِلَّ أَن تُغْرِضُواْ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]: بالتساهل وغضِّ البصر، فكيف تُؤَدُّونَ منه حَقَّ الله. (قال) أي: النبي وَلَه . (أهدي) بصيغة المجهول من الإهداء. (إلا على إغماض) أي: مساهلةٍ ومسامحة، يقال: أغمض في البيع يغمض: إذا استزاده من المبيع، واستحطّه من الثمن، فوافقه عليه. قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه ابن ماجه، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم(١). (١) الطبري في ((تفسيره)) (٨٢/٣)، وابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (٢٧٩٧)، والحاكم (٣١٢٦) وصحّحه ووافقه الذهبي. ٣٣٣ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهـ [ت ٣، م ٣٦] [٢٩٨٨] (٢٩٨٨) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أبُو الأخْوَصِ، عَن عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَن مُرَّةَ الهَمْدَانِيِّ، عَن عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((إنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً بابنِ آدَمَ وَلِلْمَلَكِ لَمَّةً، فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ: فَإِيعَادٌ بالشَّرِّ وَتَكْذِيبٌ بِالحَقِّ، وَأمَّا لَمَّةُ المَلَكِ: فَإِيعَادٌ بالخَيْرِ وَتَصْدِيقٌ بالحَقِّ، فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ، فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِنَ الله، فَلْيَحْمَدِ اللهِ، وَمَنْ وَجَدَ الأخْرَى، فَلْيَتَعَوَّذْ بالله مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجيمِ، ثُمَّ قَرأ: ﴿الشَّيْطَنُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ [٢٩٨٨] قوله: (إن للشيطان) أي: إبليس أو بعض جنده (لمة) بفتح اللام وشدة الميم من الإلمام، ومعناه: النزول والقرب والإصابة، والمراد بها ما يَقَعُ في القلب بواسطة الشيطان، أو المَلَكِ. (بابن آدم) أي: بهذا الجنس، فالمراد به الإنسان (وللملك لمة) فلمة الشيطان تُسَمَّى وَسْوَسَةً، ولمة الملك إلهامًا (فأما لمة الشيطان فإبعاد بالشر) كالكفر، والفسق، والظلم (وتكذيب بالحق) أي: في حق الله، أو حق الخلق، أو بالأمر الثابت، كالتوحيد والنبوة، والبعث والقيامة، والنار والجنة (وأما لمة الملك: فإيعاد بالخير) كالصلاة، والصوم (وتصديق بالحق) ككتب الله ورسوله، والإيعاد في اللمتين من باب الإفعال، والوعيد في الاشتقاق كالوعد إلا أن الإيعاد اختص بالشر عُرْفًا، يقال: أوعد إذا وعد بِشَرِّ، إلا أنه استعمله في الخير للازدواج والأمن عن الاشتباه بذكر الخير بعده، كذا قالوا، والظاهر أن هذا التفصيل عند الإطلاق كما قال الشاعر: [من الطويل]. لَمُخْلِفٌ إِبِعَادِي وَمُنْجِزٌّ مَوْعِدِي وَإِنِّي إِنْ أَوْعَدْتهُ أَوْ وَعَدْتِهُ وأما عند التقييد، فالأَوْلَى أن يقال بالتجريد فيهما، أو بأصل اللغة، واختيار الزيادة لاختيار المبالغة (فمن وجد) أي: في نفسه، أو أدرك وعرف (ذلك) أي: لمة الملك على تأويل الإلمام أو المذكور (فليعلم أنه من الله) أي: مِنَّةٌ جسيمة، ونعمة عظيمة واصلة إليه، ونازلة عليه، إذ أمر الملك بأن يلهمه (فليحمد الله) أي: على هذه النعمة الجليلة حيث أَهَّلَهُ لهداية الملك، ودلالته على ذلك الخير. (ومن وجد الأخرى) أي: لمة الشيطان. (ثم قرأ) أي: النبي ◌َّ استشهادًا. (﴿الشَّيْطَنُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ [البقرة: ٢٦٨]) أي: يخوفكم ٣٣٤ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهـ وَيَأْمُرُكُمْ بِلْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨])) الآيَةَ. قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، وَهُوَ حَدِيثُ أبي الأخْوَصِ، لَا نعلمه مَرْفُوعًا إلَّا مِن حَدِيثٍ أبي الأخْوَصِ. [ت ٣، م ٣٧] [٢٩٨٩] (٢٩٨٩) حَدَّثَنَا عبد بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا أبُو نُعيْم، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ، عَن عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَن أبي حَازِمِ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله وَه: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ الله طَيِّبٌ ولا يَقْبَلُ إلَّ طَيِّبًا، وَإِنَّ الله أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ المُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الطَّيِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلًِ إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١]، وَقالَ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]))، به. (﴿وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ﴾) الآية. معناه: الشيطان يعدكم الفقر ليمنعكم عن الإنفاق في وجوه الخيرات، ويخوِّفكم الحاجة لكم أو لأولادكم في ثاني الحال، سيما في كبر السِّنِّ، وكثرة العيال، ويأمركم بالفحشاء، أي: المعاصي، وهذا الوعد والأمر هما الْمُرَادَانِ بِالشَّرِّ في الحديث. قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه النسائي، وابن حبان في ((صحيحه))، وابن (١) أبي حاتم (١). [٢٩٨٩] قوله: (يا أيها الناس إن الله طيب، ولا يقبل إلا طيبا) قال القاضي رحمه الله: الطيب ضد الخبيث، فإذا وصف به تعالى أُريد به أنه مُتَزَّهٌ عن النقائص، مُقَدَّسٌ عن الآفات، وإذا وُصِفَ به العبد مطلقًا أريد به أنه المتعرِّي عن رَذَائِلِ الأخلاق، وقبائح الأعمال، والمتحلِّي بأضداد ذلك، وإذا وُصف به الأموال أريد به كونه حلالًا من خيار الأموال. ومعنى الحديث؛ أنه تعالى مُنَزَّهُ عن العيوب، فلا يقبل، ولا ينبغي أن يتَقَرَّبَ إليه إلا بما يناسبه في هذا المعنى، وهو خيار أموالكم الحلال، كما قال تعالى: ﴿لَن نَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] (وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين) ((ما)) موصولة، والمراد بها: أكل الحلال وتحسين الأموال. (فقال: ﴿َأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الَِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا إِنِىِ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١]) هذا النداء خطاب لجميع الأنبياء، لا على أنهم خوطبوا بذلك (١) النسائي في ((الكبرى))، حديث (١١٠٥١)، وابن حبان، حديث (٩٩٧)، وابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (٢٨١٠). ٣٣٥ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَه قَالَ: ((وَذَكَرَ الرَّجُلُ يُطِيلُ السَّفَرَ أشْعَثَ أغْبَرَ يَمُدُّ يَدَهُ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَظْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبِهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ)). [م: ١٠١٥، حم: ٨١٤٨، مي: ٢٧١٧]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، وَإِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِن حَدِيثِ فُضَيْلٍ بْنِ مَرْزُوقٍ، وَأَبُو حَازِم هُوَ: الأشْجَعِيُّ، اسْمُهُ: سَلْمَانُ - مَوْلَى عَزَّةَ الأشْجَعِيَّةِ .. دفعةً واحدة؛ لأنهم أرسلوا في أزمنةٍ مختلفة، بل على أن كلَّ منهم خوطب به في زَمَانِهِ، ويمكن أن يكون هذا النداء يوم الميثاق لخصوص الأنبياء. (وذكر) أي: النبي وَّو (الرجل) بالنصب على المفعولية (يطيل السفر) أي: في وُجُوهِ الطَّاعَاتِ كَحَجِّ، وزيارة مستحبة، وصلة رحم، وغير ذلك؛ قاله النووي (أشعث أغبر) حالان متداخلان أو مترادفان، وكذا قوله: (يمد يده). وفي رواية مسلم: ((يَدَيْهِ)): بالتثنية، أي: مادًّا يديه رافعًا بهما (يا رب يا رب) أي: قائلًا: يا رب يا رب (ومطعمه حرام) مصدر ميمي بمعنى مفعول، أي: مطعومه حرامٌ، والجملة حال أيضًا. وكذا قوله: (ومشربه حرام، وملبسه حرام) أي: مشروبه حرام، وملبوسه حرام (وغذي) بضم الغين وتخفيف الذال المعجمة المكسورة (بالحرام) أي: رُبِي بالحرام. قال الأشرف: ذكر قوله: ((وَغُذِيَ بِالحَرَام)»: بعد قوله: ((وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ)): إما لأنه لا يلزم من كون المطعم حرامًا التغذية به، وإما تنبيهًا به على استواء حاليه، أعني: كونه منفقًا في حال كِبَرِهِ، وَمُنْفِقًا عليه في حال صِغَرِهِ في وصول الحرام إلى باطنه، فأشار بقوله: ((مَطْعَمُهُ حَرَامٌ)): إلى حال كبره، وبقوله: ((وغذي بالحرام)): إلى حال صغره، وهذا دالٌّ على أن لا ترتيب في الواو. قال القاري: وذهب المظهر إلى الوجه الثاني، ورجح الطيبيّ - رحمه الله - الوجه الأول، ولا منع من الجمع، فيكون إشارةً إلى أن عدم إجابة الدعوة؛ إنما هو لكونه مصرًّا على تلبس الحرام. انتهى. (فأنى يستجاب لذلك) أي: من أين يستجاب لمن هذه صفته، وكيف يُسْتَجَابُ له؟ وفي الحديث الحثُّ على الإنفاق من الحلال، والنهي عن الإنفاق من غيره. وفيه: أن المشروب والمأكول والملبوس ونحوها؛ ينبغي أن يَكُونَ حلالًا خالصًا لا شبهة فيه، وأن من أَرَادَ الدُّعاءَ كان أَوْلَى بالاعتناء بذلك من غيره. قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه مسلم. ٣٣٦ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَه [ت ٣، م ٣٨] [٢٩٩٠] (٢٩٩٠) حَدَّثَنَا عبدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ مُوسَى، عَن إِسْرَائِيلَ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَن سَمِعَ عَلِيًّا، يَقُولُ: لمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىّ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] الآيَةَ، أَحْزَنتَنَا، قَالَ: قُلْنَا: يُحَدِّثُ أحَدُنَا نَفْسَه فَيُحَاسَبُ بِهِ، لا نَدْرِي مَا يُغْفَرُ مِنْهُ، وَلا مَا لا يُغْفَرُ؛ فَتَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَعْدَهَا، فَنَسَخَتْهَا: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيَّهَا مَا أَكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]. [ضعيف الإسناد، في إسناده مجهول] . [٢٩٩٠] قوله: (أحزنتنا) جواب لما، أي: جعلتنا مَحْزُونين. (قال: قلنا) أي: قال عليٍّ: قلنا معشر الصحابة. (لا ندري) بالنون. وفي بعض النسخ: ((لا يدري)): بالتحتية. (فنزلت هذه الآية) أي: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاً﴾ [البقرة: ٢٨٦]. (بعدها) أي: بعد نزول آية: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىّ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] ... إلخ. (فنسختها) قال الحافظ: المراد بقوله: نسختها، أي: أزالت ما تضمنته من الشدة، وبينت أنه وإن وقعت المحاسبة به، لكنها لا تقع المؤاخذة به، أشار إلى ذلك الطبري، فرارًا من إثبات دخول النَّسْخِ في الأخبار، وأُجيب بأنه وإن كان خبرًا لكنه يتضمن حُكمًا. ومهما كان من الأخبار يتضمن الأحكام؛ أمكن دخول النسخ فيه كسائر الأحكام، وإنما الذي لا يدخله النسخ من الأخبار ما كان خبرًا محضًا لا يتضمن حكمًا، كالإخبار عما مضى من أحاديث الأمم، ونحو ذلك، ويحتمل أن يكون المراد بالنَّسخ في حديث التخصيص؛ فإن المتقدِّمين يُطْلِقُونَ لفظ النسخ عليه كثيرًا، والمراد بالمحاسبة بما يُخْفِي الإنسان ما يصمم عليه، ويشرع فيه دون ما يخطر له، ولا يستمر عليه. انتهى. (﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]) هذا بيان لقوله هذه الآية، ومعنى وُسْعها، أي: ما تسعه قدرتها. (﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]) من الخير، أي: ثوابه. (﴿وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]) من الشر، أي: وزره، ولا يؤاخذ أَحَدٌ بذنب أَحَدٍ، ولا بما لم يكسبه مما وَسْوَسَتْ به نفسه. وفي حديث علي - رَّهِ - هذا، رجلٌ مجهول، وهو شيخُ السُّدِّيِّ. ٣٣٧ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله وَهُ [ت ٣، م ٣٩] [٢٩٩١] (٢٩٩١) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ مُوسَى، ورَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، عَن حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَن عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَن أُمَيَّةَ؛ أنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ عَن قَوْلِ الله تعالى: ﴿وَإِن تُبْدُوا مَا فِىّ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ﴾ [البقرة: ٢٨٤] وَعن قَوْلِهِ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوْءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]، فَقَالَت: مَا سَأَلَنِي عَنْهَا أَحَدٌ مُنْذُ سَأَلْتُ رَسُولَ الله ◌ِ فَقَالَ: ((هَذِهِ مُعَاتَبَةُ الله العَبْدَ فيمَا يُصِيبُهُ مِن الحُمَّى [٢٩٩١] قوله: (عن علي بن زيد) هو ابن جُدْعان. (عن أمية) بالتصغير، ويقال لها: أمينة، من الثالثة. قال في ((تهذيب التهذيب)): أمية بنت عبد الله عن عائشة، وعنها ربيبها علي بن زيد بن جدعان، وقيل: عن علي عن أم محمد، وهي امرأة أبيه، واسمها أمينة، ووقع في بعض النسخ من الترمذي عن علي بن زيد بن جدعان عن أمه، وهو غَلَطً، فقد روى علي بن زيد عن امرأة أبيه أم محمد عدة أحاديث. انتهى. قلت: ذكر الذهبي في («الميزان»: أمية هذه في فصل المجهولات. قوله: (﴿وَإِن تُبْدُوا﴾ [البقرة: ٢٨٤]) أي: إن تُظْهِرُوا. (﴿مَا فِىَّ أَنفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٤]) أي: في قلوبكم من السوء بالقول أو الفعل. (﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]) أي: تُضْمِرُوهُ مع الإصرار عليه، إذ لا عبرة بخطور الخواطر. (﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اَللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]) أي: يجازيكم بِسِرِّكُمْ وعلنكم، أو يخبركم بما أسررتم وما أعلنتم. وعن قوله: (﴿مَنْ يَعْمَلْ﴾ [النساء: ١٢٣]) أي: ظاهرًا وباطنًا ﴿سَوَاءٌ﴾ [النساء: ١٢٣]، أي: صغيرًا أو كبيرًا. ﴿يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]، أي: في الدنيا أو العقبى إلا ما شاء ممن شاء. (فقالت) أي: عائشة. (ما سألني عنها) أي: عن هذه المسألة. (منذ سألت رسول الله وَ *) أي: عنها. (فقال: هذه) إشارةٌ إلى مفهوم الآيتين المسؤول عنهما، أي: محاسبة العباد، أو مجازاتهم بما يبدون وما يخفون من الأعمال (معاتبة الله العبد) أي: مؤاخذته العبد بما اقترف من الذنب (فيما يصيبه) أي: في الدنيا وهو صلة معاتبة، ويصحُّ كون الباء سببية (من الحمى) وغيرها. مؤاخذة المعاتب، وإنما خُصَّتِ الْحُمَّى بالذكر؛ لأنها من أَشَدِّ الأمراض وأخطرها. قال في ((المفاتيح)): العتاب أن يظهر أحد الخليلين من نفسه الغَضَبَ على خَلِيلِهِ، لسوء أدبٍ ظهر منه، مع أن في قلبه محبته، يعني: ليس معنى الآية أن يُعَذِّبَ الله المؤمنين بجميع ذنوبهم يوم القيامة، بل معناها أنه يلحقهم بالجوع والعطش، والمرض والحزن، وغير ذلك من المكاره، حتى إذا خَرَجُوا من الدُّنيا صَارُوا مُطَهَّرِينَ من الذُّنُوب. ٣٣٨ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهَِّهِ وَالنَّكْبَةِ، حَتَّى البِضَاعَةِ يَضَعُهَا فِي يَدِ قَمِيْصِهِ فَيَفْقِدُهَا فَيَفْزَعُ لَهَا، حَتَّى إِنَّ العَبْدَ لَيَخْرُجُ مِن ذُنُوبِهِ كَمَا يَخْرُجُ التِّبْرُ الأحْمَرُ مِن الکِيْرِ». [ضعيف الإسناد، علي بن زيد، ضعيف، وأميَّة، مجهولة حم: ٢٥٣٠٧]. قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، مِن حَدِيثٍ عَائِشَةَ، لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِن حَدِيثٍ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ. [ت ٣، م ٤٠] [٢٩٩٢] (٢٩٩٢) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن آدَمَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: قال الطيبيّ: كأنها فهمت أن هذه مؤاخذة عقابٍ أخروي، فأجابها بأنها مؤاخذة عتابٍ في الدنيا عنايةً ورحمةً. انتهى. (والنكبة) بفتح النون، أي: المحنة، وما يصيب الإنسان من حوادث الدهر (حتى البضاعة) بالجر عطف على ما قبلها، وبالرفع على الابتداء، وهي بالكسر: طائفة من مال الرجل (يضعها في يَدِ قميصه) أي: كُمِّهِ، سمي باسم ما يحمل فيه، ووقع في بعض النسخ: ((فِي كَمِّ قَمِيصِهِ)) (فيفقدها) أي: يتفقدها ويطلبها فلم يجدها؛ لسقوطها، أو أخذ سارقٍ لها منه (فيفزع لها) أي: يحزن لضياع البضاعة. فيكون كَفَّارةً، كذا قاله ابن الملك. وقال الطيبيّ: يعني: إذا وضع بضاعةً في كُمِّهِ، ووهم أنها غابت، فطلبها وفزع كُفِّرَتْ عنه ذنوبه. وفيه من المبالغة ما لا يخفى (حتى) أي: لا يزال يكرر عليه تلك الأحوال، حتى (إن العبد) قال القاري: بكسر الهمزة. وفي نسخةٍ يعني من ((المشكاة)): بالفتح، وأظهر العبد موضع ضميره، إظهارًا لكمال العبودية المقتضي للصبر، والرضا بأحكام الربوبية (ليخرج من ذنوبه) بسبب الابتلاء بالبلاء (كما يخرج التبر الأحمر) التِّبْر: بالكسر، أي: الذهب والفضة قبل أن يضربا دراهم ودنانير، فإذا ضربا كانا عينًا (من الكير) بكسر الكاف متعلَّق بـ ((يخرج)). قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم(١). [٢٩٩٢] قوله: (عن آدم بن سليمان) القرشي الكوفي، والد يحيى، صدوق، من السابعة. (١) ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (٥٧٤/٢)، وابن جرير في «تفسيره)) (١٤٩/٣). ٣٣٩ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِّهِ [البقرة: ٢٨٤]، قَالَ: دَخَلَ ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىّ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللّهُ﴾ قُلُوبَهُمْ مِنْهُ شَيْءٌ لَمْ يَدْخُلْ مِن شَيْءٍ، فَقَالُوا لِلنَّبيِّ وَِّ فَقَالَ: ((قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا)) فَأَلْقَى الله الإيمَانَ فِي قُلُوبِهِم، فَأَنْزَلَ الله: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٥] الآيَةَ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيَّنَا إِصْرًّا كَمَا حَمَلْتَهُ، عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِءٌ وَأَعْفُ عَنَّا وَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قوله: (دخل قلوبهم) بالنصب. (منه) أي: من قوله تعالى هذا، وفي رواية مسلم: ((منها)): أي: من هذه الآية. (شيء) بالرفع فاعل ((دخل)): أي: شيءٌ عظيمٌ من الْحُزْنِ. (لم يدخل) أي: قلوبهم. والضمير المرفوع لـ((شيء))، والجملة صفةٌ له. (من شيء) أي: من الأشياء المحزنة. (فقالوا للنبي وَ﴿) أي: ذكروا له ما دَخَلَ قلوبهم من هذه الآية (سمعنا) أي: ما أمرتنا به سماع قبول. (فألقى الله الإيمان في قلوبهم) أي: أَحْكَمَهُ وَأَرْسَخَهُ فيها، واندفع ما كان دَخَلَهَا. (﴿ءَامَنَ﴾ [البقرة: ٢٨٥]) أي: صدق (﴿الرَّسُولَ﴾ [البقرة: ٢٨٥]) أي: محمد رَّ﴾. (﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ ﴾ [البقرة: ٢٨٥]) أي: القرآن. (﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٥]) عطف على الرسول. (الآية) بالنصب، أي: أتم الآية، وتمامها: ﴿كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَبِكَتِهِ، وَّكُهِ، وَرُسُلِهِ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ، وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَاً غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] (﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]) أي: ما تسعه قدرتها: (﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]) من الخير، أي: ثوابه. ﴿وَعَلَيَّهَا مَا أَكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]: من الشر، أي: وزره. (﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]) بالعقاب، أي: قولوا: ربنا لا تؤاخذنا. (﴿إِن ◌َِّينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]) أي: تركنا الصَّواب لا عن عمد؛ كما أخذت به من قبلنا، وقد رفع الله ذلك عن هذه الأمة، كما ورد في الحديث، فسؤاله اعتراف بنعمة الله. (قال: قد فعلت) أي: لا أؤاخذكم. (﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا﴾ [البقرة: ٢٨٦]) يثقل علينا حمله. (﴿كَمَا حَمَلْتَهُ, عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]) أي: بني إسرائيل من قَتْلِ النفس في التوبة، وإخراج ربع المال في الزكاة، وقرض موضع النجاسة. (قال: قد فعلت) أي: لا أحمل عليكم. (﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِءٌ﴾ [البقرة: ٢٨٦]) أي: لا تكلفنا من الأعمال ما لا نطيق القيام به؛ ٣٤٠ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله وَّ / باب ((وَمِنْ سُورةِ آلِ عِمْرَان)) الآيةَ، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ. [م: ١٢٦، حم: ٢٠٧١]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وقَدْ رُوِي هَذَا مِن غَيْرِ هَذَا الوَجْهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَآدَمُ بْنُ سُلَيْمَانَ يُقالُ هُوَ: وَالِدُ يَحْيَى بْنِ آدَمَ. وفي البابِ: عَن أبي هُرَيْرَةَ رَُّه . ٤- باب ((وَمِنْ سُورةِ آلِ عِمْرَان)) [ت ٤، م١] بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحِيمَةِ [٢٩٩٣] (٢٩٩٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أبُو دَاودَ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا أبُو عَامِرٍ - وَهُوَ الخزار - لثقل حمله علينا. وتكليف ما لا يطاق على وجهين: أحدهما: ما ليس في قدرة العبد احتماله، كتكليف الأعمى النظر، والزَّمنِ الْعَدْوَ، فهذا النوع من التكليف الذي لا يُكَلِّفُ الله به عبده بحال. الوجه الثاني: من تكليف ما لا يطاق هو ما في قدرة العبد احتماله مع المشقة الشديدة، والكلفةِ العظيمة، كتكليف الأعمال الشَّاقة، والفرائض الثقيلة، كما كان في ابتداء الإسلام صلاة الليل واجبةً ونحوه، فهذا الذي سأل المؤمنون رَبَّهُمْ لا يحملهم ما لا طاقة لهم به. (الآية) تمامها: ﴿أَنْتَ مَوْلَئِنَا فَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦]. (قال: قد فعلت) أي: عفوت عنكم، وغفرت لكم، ورحمتكم، ونصرتكم على القوم الكافرين. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم. (وقد روي هذا من غير هذا الوجه عن ابن عباس) أخرجه أحمد من غير هذا الوجه، وكذا الطبري(١)؛ كما في ((الفتح)). قوله: (وفي الباب عن أبي هريرة) أخرجه مسلم(٢)، وفيه: ((فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلك نَسَخَهَا الله تعالى فَأَنْزَلَ الله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] ... إلخ)). ٤ - باب وَمِنْ سُوْرَةِ آل عمران هي مدنية، قال القرطبي: بالإجماع، وهي مئتا آية. [٢٩٩٣] قوله: (حدثنا أبو عامر، وهو الخزاز) بمعجمات، اسمه: صالح بن رستم. (١) أحمد (٢٠٧١)، وابن جرير في ((تفسيره)) (١٤٣/٣). (٢) مسلم، كتاب الإيمان، حديث (١٢٥).