Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
كِتَابُ الأَمْثَالِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ / بابِ مَا جَاءَ في مَثَلِ ابنِ آدَمَ وَأَجَلِهِ وَأَمَلِه
وَأَنْتُمْ تَقَخَّمُونَ فِيهَا)). [خ: ٣٤٢٦، م: ٢٢٨٤، حم: ٧٢٧٨].
قَالَ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وقد رُوي مِن غَيرِ وجهٍ.
تَمَّ كِتَابُ الأمَثَالِ
وَيَتْلُوهُ كِتَابُ فَضَائلِ القُرآنِ
(وأنتم تقحمون فيها) من باب التفعل بحذف إحدى التاءين، أي: تَدْخُلُونَ فيها بشدة
ومزاحمة. قيل: التقُّم هو الدخول في الشَّيء من غير روية، ويعبر به عن الهلاك، وإلقاء
النفس في الهلاك. وقال الطيبيّ: التقُّم: الإقدامُ والوقوعُ في أمر شَاقٌّ. قال النووي:
ومقصودُ الحديث أنه وَلِّ شبه تَسَاقُطَ الجاهلين والمخالفين بمعاصيهم وشهواتهم في نار
الآخرة، وحرصهم على الوقوع في ذلك مع منعه إياهم، وقبضه على مواضع المنع منهم
بتساقط الفراش في نَارِ الدنيا لهواه، وضعف تمييزه؛ فكلاهما حَرِيصٌ على هَلَاكِ نفسه، سَاعِ
في ذلك لِجَهْلِهِ.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان.

١٨٣
كِتابُ فَضَائِلِ القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَ / باب مَا جَاءَ في فَضْلِ فَاتِحِةِ الكِتَابٍ
(٤٦) كِتابُ فَضَائِلِ القُرآنِ تَمَنْ رَسُولِ اللّه ◌َِّ
١- باب مَا جَاءَ في فَضْلٍ فَاتِحِةِ الكِتَابِ [ت ١، م ١]
[٢٨٧٥] (٢٨٧٥) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ مُحمَّدٍ، عَنِ العَلاءِ بنِ
عَبْد الرَّحْمنِ، عَن أبِيهِ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، أنَّ رَسُولَ اللهِلهِ خَرَجَ عَلَى أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ،
فَقَالَ رَسُولُ الله ◌َّهِ: ((يَا أُبِيُّ، وَهُوَ يُصَلِّي، فَالتَّفَتَ أُبِيٌّ، وَلَمْ يُجِبْهُ، وَصَلَّى أُبيّ
فَخَفَّفَ، ثمَّ انْصَرَفَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِوََّ: ((وَعَلَيْكَ السَّلَامُ، مَا مَنَعَكَ يَا أُبي أنْ تُجِيبَنِي إِذْ دَعَوْتُكَ؟)) فَقَالَ:
يَا رَسُولَ الله، إنِّي كُنْتُ في الصَّلَاةِ، قَالَ: ((أَفَلَمْ تَجِدْ فِيمَا أوْحي إليَّ: أنِ
﴿أَسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] قَالَ: بَلَى وَلا أُعُودُ إِنْ
٤٦ - كتاب فَضَائِلِ القُزْآنِ تمن رَسُولِ الله :
صَلَى اللّه
وعليه
١ - باب مَا جَاءَ فيٍ فَضْلٍ فَاتِحَةِ الْكِتَّابِ
[٢٨٧٥] قوله: (عن أبي هريرة أن رسول الله وَ﴾ خرج على أبي بن كعبٍ ... إلخ).
وقد أخرج البخاري في ((صحيحه)): عن أبي سعيد بن المعلى قال: كنت أُصَلِّي في المسجد،
فَدَعَانِي رسولُ الله ◌َِّ ... إلخ. قال الحافظ في ((الفتح)): جمع البيهقي بأن القصة وقعت
لأبي بن كعب، ولأبي سعيد بن المعلى، قال: ويتعين المصير إلى ذلك؛ لاختلاف مخرج
الحديثين، واختلاف سياقهما. (فالتفت أُبيّ فلم يجبه) أي: لم يأته. وفي روايةٍ عند
البخاري(١) من حديث أبي سعيد بن المعلى: ((فَلَمْ آتِهِ حَتَّى صَلَّيْتُ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ)) (أفلم تجد فيما
أوحي إليَّ أن ﴿أُسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَكُمْ لِمَا يُحِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]) أي: إلى ما يحييكم
من أمر الدين؛ لأنه سَبَبُ الحياة الأَبَدِيَّة.
قال الطيبيّ وغيره من الشافعية: دَلَّ الحديث على أن إجابة الرسول لا تبطل الصلاة؛ كما
أن خطابه بقولك: السلام عليك أيها النبي لا تقطعها. قال الحافظ في ((الفتح)): فيه بحث
(١) البخاري، كتاب تفسير القرآن، حديث (٤٦٤٧).

١٨٤
كِتَابُ فَضَائِلِ القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَّهِ / بابِ مَا جَاءَ في فَضْلٍ فَاتِحَةِ الكِتَابِ
شَاءَ اللهُ، قَالَ: ((أتُحِبُّ أنْ أُعَلِّمَكَ سُورَةً لَمْ ينزل فِي التَّوْرَاةِ، وَلا في الإِنْجِيلِ، وَلا
في الزَّبُور، وَلا في القرآن، مِثْلُهَا؟)) قَالَ: نَعَم، يَا رَسُولَ الله، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَله:
(كَيْفَ تَقْرَأْ في الصَّلَاةِ»؟ قَالَ: فَقَرأْ أُمَّ القُرْآنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((وَالَّذِي نَفْسِي
بِيَدِهِ، مَا أُنْزِلَتْ فِي التَّوْرَاةِ، وَلا فِي الإِنْجِيلِ، وَلا في الزَّبُورِ، وَلا في الفُرْقَانِ
مِثْلُهَا، وَإِنَّهَا سَبْعٌ مِنَ المَثَاني
لاحتمال أن تكون إجابته واجبةً مطلقًا، سواء كان المخاطب مصليًا أو غير مُصَلِّ، أما كونه
يخرج بالإجابة من الصلاة، أو لا يخرج؛ فليس من الحديث ما يستلزمه، فيحتمل أن تجب
الإجابة، ولو خرج المصلي من الصلاة؛ وإلى ذلك جنح بعض الشافعية. انتهى.
(ولا في القرآن) أي: في بقية القرآن (مثلها) أي: سورة مثلها (كيف تقرأ في الصلاة؟
قال: فقرأ أم القرآن) يعني: الفاتحة، وسميت بها؛ لاحتوائها واشتمالها على ما في القرآن
إجمالًا، أو المراد بالأم الأصل، فهي أصل قواعد القرآن، ويدور عليها أحكام الإيمان.
قال الطيبيّ: فإن قلت: كيف طابق هذا جوابًا عن السؤال بقوله: ((كيف تقرأ))؛ لأنه
سؤال عن حالة القراءة لا نفسها؟ قلت: يحتمل أن يقدر: فقرأ أم القرآن مرتلًا ومجوَّدًا،
ويحتمل أنه - عليه الصلاة والسلام - سأل عن حال ما يقرأه في الصلاة، أهي سورة جامعة
حاوية لمعاني القرآن أم لا؟ فلذلك قرأ بأم القرآن، وخصها بالذكر، أي: هي جامعة لمعاني
القرآن وأصل بها .
(وإنها سبع من المثاني) يحتمل أن تكون ((من)): بيانية، أو تبعيضية، وفي هذا تصريح
بأن المراد بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَّيْنَكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِ﴾ [الحجر: ٨٧] هي الفاتحة، وقد روى
النسائي(١) بإسناد صحيح عن ابن عباس؛ أن السبع المثاني هي السبع الطوال، أي: السور
من أول ((البقرة)) إلى آخر ((الأعراف))، ثم ((براءة))، وقيل: ((يونس))، وعلى الأول، فالمراد
بالسبع الآي؛ لأن الفاتحة سبع آيات، وهو قول سعيد بن جبير، واختلف في تسميتها مثاني.
فقيل؛ لأنها تثنى في كل ركعة، أي: تُعَادُ.
وقيل: لأنها يثنى بها على الله تعالى، وقيل: لأنها استثنيت لهذه الأمة لم تنزل على من
قبلها، ويأتي بقية الكلام في هذا في تفسير سورة ((الحجر)).
(١) النسائي في ((الكبرى)) (٩٨٧، ٩٨٨).

١٨٥
كِتابُ فَضَائِلِ القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوََّ / بابِ مَا جَاءَ في فضل سُورَة البِقَرَةِ وَآيَةِ الكُرْسِي
وَالقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أَعْطِيْتُهُ)). [خ بنحوه: ٤٧٠٣، د بنحوه ١٤٥٨، حم: ٨٤٦٧، مي بنحوه
مختصرًا: ٣٣٧٢].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وفي البابِ: عَن أَنَسٍٍ، وَفيه: عَن أبي سَعيدِ بْنِ المُعَلَّى.
٢- باب مَا جَاءَ في فضل سُورَة البقَرَةِ وَآيَةِ الكُرْسِي [ت ٢، ٢ ٢]
[٢٨٧٦] (٢٨٧٦) حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الخلال، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا
عَبْدُ الحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَن سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ، عَن عَطَاءٍ مَوْلَى أبي أحْمَدَ، عَن
(والقرآن العظيم الذي أعطيته) قيل: هو من إطلاق الكل على الجزء للمبالغة. قال
الخطّابي: فيه دلالة على أن الفاتحة هي القرآن العظيم، وأن ((الواو)): ليست بالعاطفة التي
تفصل بين الشيئين، وإنما هي التي تجيء بمعنى التفصيل؛ كقوله تعالى: ﴿
ـكِهَةُ وَخْلُ وَرْمَانٌ﴾
[الرحمن: ٦٨]، وقوله: ﴿وَمَلَبِكَتِهِ، وَرُسُلِهِ، وَجِبْرِيلَ وَمِيكَلَ﴾ [البقرة: ٩٨] انتهى. قال الحافظ:
وفيه بحث؛ لاحتمال أن يكون قوله: ((والقرآن العظيم)): محذوف الخبر، والتقدير ما بعد
الفاتحة مثلًا، فيكون وصف الفاتحة انتهى بقوله: ((هي السبع المثاني)): ثم عطف قوله:
((والقرآن العظيم)): أي: ما زاد على الفاتحة، وذكر ذلك رعاية لنظم الآية، ويكون التقدير:
والقرآن العظيم هو الذي أوتيته زيادة على الفاتحة.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح). وأخرجه الدارمي من قوله: ((ما أنزلت)). ولم يذكر
أبي بن كعب؛ كذا في ((المشكاة)). وقال المنذري في ((الترغيب)): ورواه ابن خزيمة وابن
حبان في (صحيحيهما)): والحاكم باختصار عن أبي هريرة عن أَبَيِّ، وقال الحاكم: صحيح
على شرط مسلم.
قوله: (وفي الباب عن أنس). أخرجه ابن حبان في ((صحيحه))، والحاكم(١)، وقال:
صحيح على شرط مسلم، وفيه: ((أَلَا أَخْبِرُكَ بِأَفْضَلِ الْقُرْآنِ؟))، قال: بلى ((فتلا)): ﴿اَلَْمْدُ لِلَّهِ
رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢].
٢ - باب مَا جَاءَ فيٍ فَضْلِ سُورَةِ الْبِقَرَةِ وَآيةِ الْكُرْسِيِّ
[٢٨٧٦] قوله: (عن عطاء مولى أبي أحمد). قال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)): عطاءٌ
(١) ابن حبان، حديث (٧٧٤)، والحاكم (٢٠٥٦).

١٨٦
كِتَابُ فَضَائِلِ القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوََّ / باب مَا جَاءَ في فضل سُورَة البِقَرَةِ وَآيَةِ الكُرْسِي
أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ بَعثًا، وَهُمْ ذُو عَدَدٍ فَاسْتَقْرَأْهُمْ، فَاسْتَقْرأْ كُلَّ
رَجُلٍ مِنْهُمْ مَا مَعَهُ مِنَ القُرْآنِ، فَأَتَى عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ مِن أَحْدَثِهِمْ سِنَّا، فَقَالَ: ((مَا
مَعَكَ يَا فُلَانُ؟)) قَالَ: مَعِي كَذَا وَكَذَا وَسُورَةُ البَقَرَةِ، قَالَ: ((أمَعَكَ سُورَةُ البَقَرَةِ؟))
فَقَالَ: نَعَم، قَالَ: ((فاذْهَبْ فَأَنْتَ أمِيرُهُمْ))، فَقَالَ رَجُلٌ مِن أَشْرَافِهِمْ: وَاللهِ
يا رسولَ الله، مَا مَنَعَنِي أنْ أَتَعَلَّمَ سورة البَقَرَة، إلَّا خَشْيَةَ ألا أقُومَ بِهَا، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((تَعَلَّمُوا القُرْآنَ واقرَؤوهُ، فَإِنَّ مَثَلَ القُرْآنِ لِمَنْ تَعَلمَهُ فَقَرأْهُ وَقَامَ بِهِ،
كَمَثَلِ جِرَابٍ
مولى أبي أحمد، أو ابن أبي أحمد بن جحش، حجازي، روى عن أبي هريرة حديث:
((تَعَلَّمُوا القُرْآنَ، وَقُومُوا بِهِ ... )) الحديث، وعنه سعيد المقبري، ذكره ابن حبان في
((الثقات)): أخرجوا له هذا الحديث الواحد، وحسنه الترمذي. قال الحافظ: قرأت بخط
الذهبي: لا یعرف. انتهى.
قوله: (بعث رسول الله وَ﴿ل بعثًا) أي: أراد أن يرسل جيشًا، والبعث بمعنى المبعوث،
والمراد به الجيش. (وهم) أي: الجيش المبعوث. (فاستقرأهم) أي: طلب منهم أن يقرؤوا.
(فاستقرأ كل رجل منهم) أي: واحدًا واحدًا منهم. (فأتى) أي: النبي ◌ِّ. (ألا أقوم بها)
أي: في صلاة الليل (تعلموا القرآن) أي: لفظه ومعناه. قال أبو محمد الجويني: تعلم القرآن
وتعليمه فرض كفاية؛ لئلا ينقطع عدد التواتر فيه، فلا يتطرق إليه تبديل وتحريف. قال
الزركشي: وإذا لم يكن في البلد أو القرية من يتلو القرآن؛ أثموا بأسرهم (واقرؤوه) وفي
رواية: ((فَاقْرَؤوهُ)): بالفاء. قال الطيبيّ: الفاء في قوله: ((فاقرؤوه))، كما في قوله تعالى:
﴿أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ﴾ [هود: ٥٢]، أي: تعلموا القرآن، وداوموا تلاوته، والعمل
بمقتضاه، يدل عليه التعليل بقوله: (فإن مثل القرآن لمن تعلمه فقرأه وقام به) أي: داوم على
قراءته أو عمل به (كمثل جراب) بالكسر، والعامة تفتحه، قيل: لا تفتح الجراب، ولا تكسر
القنديل، وخص الجراب هنا بالذكر احترامًا؛ لأنه من أوعية المسك.
قال الطيبيّ: التقدير: فإن ضرب المثل لأجل من تَعلَّمَه، كضرب المثل للجراب،
فـ((مثل)): مبتدأ والمضاف محذوف، واللام في ((لمن [تعلمه]))(١) متعلق بمحذوف والخبر
(١) في نسخة: ((تعلم)).

١٨٧
كِتَابُ فَضَائِلِ القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ / باب مَا جَاءَ في فضل سُورَةِ البِقَرَةِ وَآيَةِ الْكُرْسِي
مَحْشُؤْ مِسْكًا يَفُوحُ برِيحِهِ كُلُّ مَكَانٍ، وَمَثَلُ مَن تَعَلَّمَهُ فَيَرْقُدُ وَهُوَ فِي جَوْفِهِ، كَمَثَلٍ
جِرَابٍ وُكِئَ عَلَى مِسْكٍ)). [فيه ضعف، عطاء، قال الذهبي: لا يُعرف، وذكره ابن حبان في الثقات:
جه: ٢١٧].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ.
وَقد رَوى هذَا اللَّيثُ بْنُ سَعدٍ، عَن سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ، عَن عطَاءٍ مَوْلَى أَبِي أحْمَدَ،
عَن النبيِّ وَِّ مُرْسَلًا، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيْهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
حَدَّثَنَا قُتِبَةُ، عَنِ اللَّيْثِ، فَذَكَرَهُ.
قوله: ((كمثل)): على تقدير المضاف أيضًا، والتشبيه إما مفرد، وإما مركب (محشوٍّ) أي:
مملوءٍ ملاً شديدًا؛ بأن حشي به حتى لم يبق فيه متسع لغيره (مسكًا) نصبه على التمييز (يفوح
ريحه) أي: يظهر ويصل رائحته (كل مكان) قال ابن الملك: يعني: صدر القارئ کجراب،
والقرآن فيه كالمسك. فإنه إذا قرأ وصلت بركته إلى تاليه وسامعيه. انتهى. قال القاري:
ولعل إطلاق المكان للمبالغة، ونظيره قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥] ﴿وَأُوتِنَا مِن
كُلِّ شَىْءٌ﴾ [النمل: ١٦]، مع أن التدمير والإيتاء خاص.
(ومثل من تعلمه) بالرفع والنصب، أي: مثل ريح من تعلمه (فيرقد) أي: ينام عن القيام،
ويغفل عن القراءة، أو كناية عن ترك العلم (وهو) أي: القرآن (في جوفه) في قلبه (وكىء)
بصيغة المجهول، أي: رُبِطّ (على مسك). قال الطيبيّ: أي: شد بالوكاء وهو الخيط الذي
يُشَدُّ به الأوعية. قال المظهر: فإن من قرأ لا يصل بركته منه إلى بيته وإلى السامعين، ويحصل
استراحة وثواب إلى حيث يصل صوته، فهو كجراب مملوء من المسك، إذا فتح رأسه تصل
رائحته إلى كل مكان حوله، ومن تعلم القرآن، ولم يقرأ لم يصل بركته منه إلا إلى نفسه، ولا
إلی غیره، فیکون کجراب مشدود رأسه، وفیه مسك، فلا یصل رائحته منه إلى أحد.
قوله: (هذا حديث حسن). وأخرجه النسائي، وابن ماجه، وابن حبان في
((صحيحه))(١).
قوله: (وفي الباب عن أبي بن كعب). أخرجه مسلم (٢) عنه، قال: قال رسول الله وَّفيه:
(يَا أَبَا الْمُنْذِرِ! أَتَدْرِي أيَّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ الله تَعَالَى مَعَكَ أَعْظَمُ؟)). قلت: الله ورسوله أعلم،
(١) النسائي في ((الكبرى)) (٨٧٤٩)، وابن حبان (٢١٢٦).
(٢) مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، حديث (٨١٠).

١٨٨
كِتابُ فَضَائِلِ القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَّهِ / باب مَا جَاءَ في فضل سُورَةِ البَقَرَةِ وَآيَةِ الكُرْسِي
[٢٨٧٧] (٢٨٧٧) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحمَّد، عَن سُهَيْلِ بْنِ
أبي صَالحِ، عَن أبِيهِ، عَن أبي هُرَيْرَةَ؛ أنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَِّ قَالَ: ((لا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ
مَقَابِرَ؛ وَإِنَّ البَيْتَ الَّذِي تُقْرَأُ فِيْهِ البَقَرَةُ لا يَدْخُلُهُ الشَّيْطَانُ)). [م: ٧٨٠، حم: ٧٧٦٢].
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
[٢٨٧٨] (٢٨٧٨) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الجُعْفِيُّ، عَنِ زَائِدَةَ،
عَن حَكِيمٍ بْنِ جُبَيْرٍ، عَن أبي صَالحٍ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله:
((لِكُلِّ شَيْءٍ سَنَامٌ،
قال: ((يا أبا المنذر أتدري أيَّ آيَةٍ من كتاب الله تعالى معك أعظم؟)). قلت: ﴿اَللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا
هُوَ الْحَىُّ الْقَيُوْمُ﴾، قَالَ: ((فَضَرَب فِي صَدْرِي، قَالَ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ يَا أَبا الْمُنْذِرِ)).
[٢٨٧٧] قوله: (لا تجعلوا بيوتكم مقابر) أي: خالية عن الذكر والطاعة، فتكون
كالمقابر، وتكونون كالموتى فيها، أو معناه: لا تدفنوا موتاكم فيها، ويدل على المعنى
الأول.
قوله: (وإن البيت الذي تقرأ فيه البقرة لا يدخله الشيطان). وفي رواية مسلم(١): ((إِنَّ
الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي يُقْرأ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ)».
وفي حديث سهل بن سعد عند ابن حبان(٢): ((مَنْ قَرَأَهَا)): يعني سورة ((البقرة)) ((لَيْلًا لَمْ
يَدْخُلِ الشَّيْطَانُ بَيْتَهُ ثَلَاثَ لَيَالٍ، وَمِنْ قَرَأَهَا نَهَارًا لَمْ يَدْخُلِ الشَّيْطَانُ ثَلَاثَةَ أيام)): وخص سورة
البقرة بذلك؛ لطولها، وكثرة أسماء الله تعالى، والأحكام فيها، وقد قيل: فيها ألف أمر،
وألف نهي، وألف حكم، وألف خبر؛ كذا في ((المرقاة)).
قوله: (هذا حديث حسن صحيح). وأخرجه أحمد، ومسلم، والنسائي.
[٢٨٧٨] قوله: (لكل شيء سنام) بفتح السين، أي: رفعة وعلو. استعير من سنام
الجمل. ثم كثر استعماله فيها حتى صار مثلًا، ومنه سميت ((البقرة)): سنام القرآن؛ قاله
الطيبيّ.
وقال الجزري في ((النهاية)): سَنَامُ كُلِّ شَيءٍ أَعْلَاهُ، وفي شعر حسان: [من الطويل].
(١) مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، حديث (٧٨٠).
(٢) ابن حبان، حديث (٧٨٠).

١٨٩
كِتابُ فَضَائِلِ القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَّه / باب مَا جَاءَ في فضل سُورَةِ البَقَرَةِ وَآيَةِ الكُرْسِي
وَإِنَّ سَنَامَ القُرْآنِ سُورَةُ البَقَرَةِ، وَفِيهَا آيَةٌ هِيَ سَيِّدَةُ آيِ القُرْآنِ، هي آيةُ الكُرْسِيِّ».
[ضعیف، حکیم، ضعيف].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ غريبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّ مِن حَدِيثٍ حَكِيمٍ بْنِ مُبِيْرٍ .
وقد تَكَلَّمَ شُعْبَةُ في حَكِيمٍ بْنِ جُبيرٍ، وَضَعَّفَهُ.
[٢٨٧٩] (٢٨٧٩) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ المغِيرَةِ أَبُو سَلَمَةَ المَخْزُومِيُّ المَدَنِيُّ، حَدَّثَنَا
ابن أبي فُدَيْكِ، عَن عَبْد الرَّحْمن بْنِ أبي بكرِ المُلَيْكِيِّ، عَن زُرَارَةَ بْنِ مُصْعَبٍ، عَن
بُنُوبِنْتِ مَخْزُومٍ وَوَالِدُكَ الْعَبْدُ
وَإِنَّ سَنَامَ المَجْدِ مِنْ آلِ هَاشِمٍ
أي: أعلى المجد (وإن سنام القرآن سورة البقرة) إما لطولها، واحتوائها على أحكام
كثيرة، أو لما فيها من الأمر بالجهاد، وبه الرفعة الكبيرة (هي سيدة آي القرآن) جمع آية (آية
الكرسي) بالرفع، أي: هي آية الكرسي، وفيه إثبات السيادة لهذه الآية على جميع آيات
القرآن، وذلك شرف عظيم؛ فإن سيد القوم لا يكون إلا أشرفهم خصالًا وأكملهم حالاً،
وأكثرهم جلالًا .
قوله: (هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حكيم بن جبير). وأخرجه ابن حبان(١)
في ((صحيحه)): من هذا الوجه بهذا اللفظ، وأخرجه الحاكم من هذه الطريق، ولفظه: ((سُورَةٌ
الْبِقَرَةِ فِيهَا آيَةٌ سَيِّدَةُ آي الْقُرْآنِ، لَا تقرأْ فِي بَيْتٍ وَفِيهِ شَيْطَانٌ إِلَّا خَرَجَ مِنْهُ)): وقال: صحيح
الإسناد. (وقد تكلم شعبة في حكيم بن جبير وضعّفه) وأيضًا ضعفه أحمد، وابن معين، وأبو
حاتم، وغيرهم، وقال الحافظ في التقريب: ضعيف رمي بالتَّشَتُّعِ.
[٢٨٧٩] قوله: (حدثنا يحيى بن المغيرة أبو سلمة المخزومي المدني) قال الحافظ:
صدوقٌ، روى عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك وآخرين، وعنه الترمذي، وأبو حاتم،
وغيرهما. قال أبو حاتم: صدوق، ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات)): مات سنة ثلاث
وخمسين ومئتين. (حدثنا ابن أبي فديك). اسمه محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فديك.
(عن عبد الرحمن المليكي) بضم الميم وفتح اللام وسكون التحتية، هو: عبد الرحمن بن
أبي بكر بن عبيد الله بن أبي مليكة المدني ضعيف. (عن زرارة) بضم الزاي وفتح الراء. (بن
مصعب) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة، من أوساط التابعين.
(١) الحاكم، حديث (٣٠٢٦) وسكتا عنه.

١٩٠
كِتَابُ فَضَائِلِ القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ێو / باب
أبي سَلَمَةَ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (مَن قَرأ: حَم المُؤْمِن إلَى
﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر: ١-٣]، وَآيَةَ الكُرْسِيِّ، حِينَ يُصْبِحُ، حُفِظَ بِهِمَا حَتَّى يُمْسِيَ،
وَمَنْ قَرَأْهُمَا حِينَ يُمْسِي، حُفِظَ بِهِمَا حَتَّى يُصْبِحَ)). [ضعيف].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ غريبٌ.
وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ فِي عَبْد الرَّحْمنِ بْنِ أبِي بَكْرِ بْنِ أبِي مُلَيْكَةَ المُلَيْكي
مِن قِبَلٍ حِفْظِهِ، وزرارة بْنُ مُصعبٍ هُو: ابنُ عَبدِ الرَّحمنِ بْن عَوفٍ، وهو جَدُّ
أَبِي مُصعبِ المَدنيِّ.
٣- باب [ت ٣، ٢ ٣]
[٢٨٨٠] (٢٨٨٠) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أحْمَدَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن
ابنِ أبي لَيْلَى، عَن أخِيهِ عيسى، عَن عَبْد الرَّحْمنِ بْنِ أبي لَيْلَى، عَن أبي أيُّوبَ
الأَنْصَارِيِّ؛
قوله: (من قرأ: ﴿حم﴾ [غافر: ١]) أي: من قرأ سورة ((حم)): التي يقال لها: المؤمن.
(إلى ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر: ٣]) يعني: ﴿حَمَ تَزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾ غَافِرٍ
الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدٍ الْعِقَابِ ذِى الطَّوْلِ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ إِلَيْهِ اَلْمَصِيرُ﴾ [غافر: ١ - ٣]. (وآية
الكرسي). الواو لمطلق الجمع، فيجوز تقديمها وتأخيرها، ويدل على ذلك تقديم آية الكرسي
في الحِصْنِ؛ قاله القاري. (حين يصبح) أي: قبل صلاة الصبح، أو بعدها، وهو ظرف
((يقرأ)). (حفظ بهما) أي: بقراءتهما وبركتهما. (حتى يمسي) أي: يدخل الليل؛ لأن الإمساء
ضد الإصباح، كما أن المساء ضد الصباح؛ على ما في ((القاموس))، و((الصحاح)).
قوله: (هذا حديث غريب). وأخرجه الدارمي.
٣ - باب
[٢٨٨٠] قوله: (حدثنا سفيان) هو الثوري. (عن ابن أبي ليلى) هو: محمد بن
عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي القاضي، أبو عبد الرحمن، صدوق، سيئ
الحفظ جدًّا. (عن أخيه) هو: عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي، ثقة.
(عن عبد الرحمن بن أبي ليلى) الأنصاري المدني، ثم الكوفي، ثقة، من كبار التابعين.

١٩١
كِتابُ فَضَائِلِ القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله وَحـ / باب
أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ سَهْوَةٌ فِيهَا تَمْرٌ، فَكَانَتْ تَجِيءُ الغُولُ، فَتَأْخُذُ مِنْهُ، قال: فَشَكَا ذَلِكَ إلى
فائدة: ابن أبي ليلى إذا أطلق في كتب الفقه، فالمراد به محمد بن عبد الرحمن بن يسار
الكوفي، وإذا أطلق في كتب الحديث، فالمراد به أبوه؛ كذا في ((جامع الأصول)): لابن
الأثير الجزري.
فائدة أخرى: يطلق ابن أبي ليلى على أربعة رجال:
الأول: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الكوفي القاضي المذكور، وكان قاضي
الكوفة، مات سنة ثمان وأربعين ومئة، وكان على القضاء، وجعل أبو جعفر المنصور ابن
أخيه مكانه؛ ذكره ابن قتيبة. وفي ((طبقات القراء)) للذهبي: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى
قاضي الكوفة، قرأ على أخيه عيسى وغيره، وقرأ عليه حمزة الزيات وهو حسن الحديث،
كبير القدر، من نظراء أبي حنيفة في الفقه، يكنى أبا عبد الرحمن. وفي ((الكاشف)): للذهبي:
ابن أبي ليلى أبو عبد الرحمن الأنصاري القاضي، عن الشعبي وخلق، وعنه شعبة ووكيع
وأبو نعيم وخلق. قال أحمد: سيئ الحفظ. انتهى.
والثاني: أخوه عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى المذكور.
والثالث: ابن أخيه، أعني: ابن عيسى بن عبد الرحمن، واسمه عبد الله.
والرابع: عبد الرحمن بن أبي ليلى المذكور. أعني: والد محمد وعيسى المذكورين.
قوله: (أنه كانت له سهوة) قال المنذري في ((الترغيب)): السهوة بفتح السين المهملة:
هي الطاق في الحائط يوضع فيها الشيء، وقيل: هي الصُّفّة، وقيل: المخدع بين البيتين،
وقيل: هو شيء شبيه بالرف، وقيل: بيت صغير كالخزانة الصغيرة، قال: كُلُّ أَحدٍ مِن هؤلاء
يُسَمَّى السهوة، ولفظ الحديث يحتمل الكُلَّ، ولكن وَرَدَ في بَعْضٍ طُرُقٍ هذا الحديث ما يرجّح
الأول. انتهى. وقال الجزري في ((النهاية)): السهوة: بيت صغير منحدر في الأرض قليلًا،
شبيه بالمخدع والخزانة، وقيل: هو كالصفة تكون بين يدي البيت، وقيل: شبيه بالرف، أو
الطاق يوضع فيه الشيء. انتهى.
(فكانت تجيء الغول) قال المنذري: بضم الغين المعجمة هو: شيطان يأكل الناس،
وقيل: هو من يتلون من الجِنِّ. انتهى. وقال الجزري: الغول أحد الغيلان، وهي جنس من
الجن والشياطين، كانت العرب تزعم أن الغول في الفلاة تتراءى للناس فتتغول تغولًاً، أي:
تتلون تلونًا في صورٍ شَتَّى، وتغولهم، أي: تُضِلَّهُم عن الطريق وتهلكهم، فنفاه النبي وَّل
وأبطله، يعني بقوله: ((لا غُولَ ولا صَفَرَ): وقيل: قوله: ((لا غول)): ليس نفيًا لعين الغول

١٩٢
كِتابُ فَضَائِلِ القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَّـ / باب
النَّبِيِّ وَ، فَقَالَ: ((اذْهَبْ، فَإِذَا رَأيْتَهَا فَقلْ: بِسْمِ الله أَجِيبِي رَسُولَ اللهِ وَلَ)) قَالَ:
فَأَخَذَهَا فَحَلَفَتْ أَلَّا تَعُودَ، فَأَرْسَلَهَا، فَجَاءَ إلى رَسُول اللهِنَّهِ فَقَالَ: ((مَا فَعَلَ
أَسِيرُكَ))؟ قَالَ: حَلَفَتْ أَلَّا تَعُودَ فَقَالَ: ((كَذَبَتْ وَهِيَ مُعَاودَةٌ لِلِكَذِبِ))، قَالَ: فَأَخَذَهَا
مَرَّةً أُخْرَى، فَحَلَفَتْ ألَّا تَعُودَ، فَأَرْسَلَهَا، فَجَاءَ إلى النَّبِيِّ بَّهِ، فَقَالَ: ((مَا فَعَلَ
أسِيرُكَ؟)) قَالَ: حَلَفَتْ أَلَّا تَعُودَ، فَقَالَ: ((كَذَبَتْ، وَهِيَ مُعَاودَةٌ لِلْكَذِبِ)». فَأَخَذَهَا
فَقَالَ: مَا أنَا بِتَارِكَكِ حَتَّى أَذْهَبَ بِكِ إلى النَّبِيِّ وَّهِ، فَقَالَت: إِنِّي ذَاكِرَةٌ لَكَ شَيْئًا:
آيَةَ الكُرْسِيِّ اقْرَأْهَا فِي بَيْتِكَ فَلا يَفْرَبْكَ شَيْطَانٌ وَلا غَيْرُهُ، قَالَ: فَجَاءَ إلى النَّبِيِّ ◌َيه
فَقَالَ: ((مَا فَعَلَ أسِيرُكَ؟)) قَالَ: فَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَت، قَالَ: ((صَدَقَتْ وَهِيَ كَذُوبٌ)).
[حم: ٢٣٠٨١].
ووجوده، وإنما فيه إبطال زَعْم العرب في تلونه بالصور المختلفة واغتياله. فيكون المعنى
بقوله: ((لا غول)): أنها لا تستطيع أن تضل أحدًا، ثم ذكر الجزريُّ حديث: ((إذا تَغَوَّلَتِ
الْغِيلَانُ فَبَادِرُوا بِالْأذانِ))(١): وقال: أي: ادفعوا شَرَّهَا بذكر الله، وهذا يدل على أنه لم يرد
بنفيها عدمها، ثم ذكر حديث أبي أيوب: ((كان لي تَمْرٌ في سَهْوَةٍ، فكانت الغول تَجِيءُ
فتأخذ). انتھی.
قلت: الأمر كما قال الجزري، لا شك في أنه ليس المراد بقوله: ((لا غول)»: نفي
وجودها، بل نفي ما زعمت العرب مما لم يثبت من الشَّرْعِ (وهي معاودةٌ للكذب) أي: معتادة
له، ومواظبة عليه. قال في ((القاموس)): تعوده وعاوده معاودة وعوادًا واعتاده واستعاده،
جعله من عَادَتِهِ، والمعاود: المواظب. انتهى. (آية الكرسي) بالنصب بدل من ((شيئًا)). (ولا
غيره) أي: مما يضرك (صدقت وهي كذوب) هو من التتميم البليغ؛ لأنه لما أَوْهَمَ مَدْحَهَا
بوصفه الصدق في قوله: ((صدقت))؛ استدرك نفي الصِّدق عنها بصيغة مبالغة، والمعنى
صدقت في هذا القول، مع أنها عادتها الكذب المستمر، وهو كقولهم: ((قَدْ يَصْدُق
الْكَذُوبُ)). وقد وَقَعَ أيضًا لأبي هريرة عند البخاري، وأبي بن كعب عند النسائي، وأبي أسيد
الأنصاري عند الطبراني، وزيد بن ثابت عند [ابن](٢) أبي الدنيا - قصص في ذلك، وهو
محمول على التعدد.
(١) أحمد، حديث (١٣٨٦٥).
(٢) سقطت من بعض النسخ؛ والصواب إثباتها .

١٩٣
كِتابُ فَضَائِلِ القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهَ / باب مَا جَاءَ في آخِرِ سُورَةِ البَقَرَة
قال: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
وفي الباب: عَنْ أُبَيِّ بْنِ كعبٍ.
٤- باب مَا جَاءَ في آخِرٍ سُورَةِ البَقَرَة [ت ٤، ٤٢]
[٢٨٨١] (٢٨٨١) حَدَّثَنَا أحْمَدُ بْنُ مَنِيع، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ، عَن
مَنْصُورٍ بْنِ المُعْتَمِرِ، عَن إِبْرَاهِيمَ، عَن عَبْد الرَّحْمنِ بْنِ يَزِيدَ، عَن أبي مَسْعُودٍ
الأَنْصَارِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَن قَرأْ الآيَتَيْنِ مِن آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ فِي
لَيْلَةٍ، كَفَتَاهُ)). [خ: ٤٠٠٨، م: ٨٠٧، د: ١٣٩٧، جه: ١٣٦٨، حم: ١٦٦٢٠، مي: ١٤٨٧].
قوله: (هذا حديث حسن غريب). ذكره المنذري في ((ترغيبه)): وذكر تحسين الترمذي
وأقره.
٤ - باب مَا جَاءَ في آخِرٍ سُورَةِ الْبِقَرَةِ
[٢٨٨١] قوله: (عن إبراهيم بن يزيد عن عبد الرحمن بن يزيد) هما النخعيان.
قوله: (من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة) أي: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] إلى آخره
(في ليلة) وقد أخرج علي بن سعيد العسكري بلفظ: مَنْ قَرَأَهُمَا بعْدَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ أَجْزَأَنَا
﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] إلى آخر السورة؛ ذكره الحافظ (كفتاه) أي: أجزأتا عنه من قيام
الليل، وقيل: أجزأتا عنه من قراءة القرآن مطلقًا سواء كان داخل الصلاة أم خارجها. وقيل:
معناه أجزأتاه فيما يتعلق بالاعتقاد؛ لما اشتملتا عليه من الإيمان والأعمال إجمالًا، وقيل:
معناه كفتاه كل سوء، وقيل: كفتاه شر الشيطان، وقيل: دفعتا عنه شَرَّ الإنس والجن، وقيل:
معناه: كفتاه ما حصل له بسببهما من الثواب عن طلب شيء آخر، وكأنهما اختصتا بذلك من
الثناء على الصحابة بجميل انقيادهم إلى الله تعالى، وابتهالهم ورجوعهم إليه، وما حصل لهم
من الإجابة إلى مطلوبهم.
قال الحافظ بعد ذكر هذه الوجوه: والوجه الأول وَرَدَ صريحًا من طريق عاصم، عن
علقمة، عن أبي مسعود رفعه: ((مَنْ قرأ خَاتِمَةَ الْبِقَرَةِ أَجْزَأَتْ عَنْهُ قِيَامَ لَيْلَةٍ»(١). قال: ويؤيد
الرابع حديث النعمان بن بشير، يعني: الذي أخرجه الترمذي في هذا الباب. وقال الشوكاني
(١) الطبراني في ((الكبير)) (٢٠٣/١٧) (٥٤٢).

١٩٤
كِتابُ فَضَائِلِ القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَّهِ / باب مَا جَاءَ في آخِرِ سُورَةِ البَقَرَة
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
. [٢٨٨٢] (٢٨٨٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا
حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَن أشْعَثَ بْنِ عَبْد الرَّحْمنِ الجَرْمِيِّ، عَن أبي قِلَابَةَ، عَن
أبي الأَشْعَثِ الجَرْمِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنِ النَّبِيِّ بَ قَالَ: ((إنَّ اللهَ كَتَبَ كِتَابًا
قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِأَلْفَي عَامِ، أَنْزَلَ مِنْهُ آيَتَيْنِ،
بعد ذكر هذه الوجوه: ولا مانع من إرادة هذه الأمور جميعها، ويؤيد ذلك ما تقرر في علم
المعاني والبيان من أن حَذْفَ المتعلق مُشْعِرٌ بالتعميم، فكأنه قال: كفتاه من كُلِّ شَرِّ، ومن كل
ما يخاف، وفضل الله واسع.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح). أخرجه الجماعة.
[٢٨٨٢] قوله: (عن أشعث بن عبد الرحمن الجرمي). روى عن أبيه، وعن أبي قلابة،
وعنه حماد بن سلمة. قال أحمد: ما به بأس، وقال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: شيخ،
وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وأخرج حديثه في ((صحيحه)): كذا في ((تهذيب التهذيب)).
(عن أبي الأشعث الجرمي) قال الحافظ في تهذيب التهذيب: صوابه الصنعاني، لم يقل فيه:
الجرمي، غير الترمذي. انتهى. قلت: قال الترمذي أيضًا: الصنعاني في إسناد حديث مرة بن
كعب في مناقب عثمان رَّ ◌ُّه، وفي إسناد حديث شداد بن أوس في باب النهي عن المثلة من
أبواب الدِّيَاتِ. وأبو الأشعث الصنعاني هذا، اسمه: شراحيل بن آدة، بمد الهمزة وتخفيف
الدال، ويقال: آدة جد أبيه، وهو ابن شراحيل بن كلب، ثقة، من الثانية، شهد فتح دمشق.
قوله: (إن الله كتب كتابًا) أي: أجرى القلم على اللَّوْح، وأثبت فيه مقادير الخلائق على
وفق ما تعلقت به الإرادة (قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام) كنى به عن طول
المدة وتمادي ما بين التقدير والخلق من الزمن، فلا ينافي عدم تحقق الأعوام قبل السماء،
والمراد مجرد الكثرة، وعدم النهاية؛ قاله المناوي. وقال الطيبيّ: كتابة مقادير الخلق قبل
خلقها بخمسين ألف سنة كما وَرَدَ، لا تنافي كتابة الكتاب المذكور بألفي عام، لجواز
اختلاف أوقات الكتابة في اللوح، ولجواز ألا يراد به التحديد، بل مجرد السَّبق الدَّال على
الشَّرف. انتهى.
قال بعضهم: ولجواز مغايرة الكتابين وهو الأظهر. انتهى (أنزل) أي: الله سبحانه وتعالى
(منه) أي: من جملة ما في ذلك الكتاب المذكور (آيتين) هما: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢٨٥]

١٩٥
كِتابُ فَضَائِلِ القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَّهِ / باب مَا جَاءَ في سورة آلِ عِمْرَان
خَتَمَ بِهِمَا سُورَةَ البَقَرَةِ، وَلا يُقْرَآنِ فِي دَارِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَيَقْرَبُهَا شَيْطَانٌ)). [مي: ٣٣٨٧].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
٥- باب مَا جَاءَ في سورة آلٍ عِمْرَان [ت ٥، ٥٢]
[٢٨٨٣] (٢٨٨٣) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ
أبُو عَبْدِ المَلِكِ العَظَّارِ، حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ،
إلى آخره (ختم بهما سورة البقرة) أي: جعلهما خاتمتها .
قال الطيبيّ: ولعل الخلاصة أن الكوائن كتبت في اللوح المحفوظ قبل خَلْقِ السماوات
بخمسين ألف عام، ومن جملتها القرآن، ثم خلق الله خلقًا من الملائكة وغيرهم، فأظهر كتابة
القرآن عليهم قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام، وخُصَّ من ذلك هاتان الآيتان،
وأنزلهما مختومًا بهما أولى ((الزهراوين)) (ولا يقرأن في دار) أي: في مكان من بيت وغيره
(ثلاث ليال) أي: في كل ليلة منها (فيقربها شيطان) فضلًا عن أن يدخلها، فعبر بنفي القرب؛
ليفيد نفي الدخول بالأَوْلى. قال الطيبيّ: لا توجد قراءة يعقبها قربان، يعني: أن الفاء
للتعقيب عطفًا على النفي، والنفي سلط على المجموع، وقيل: يحتمل أن تكون للجمعية،
أي: لا تَجْتَمِعُ القراءة وقرب الشيطان؛ كذا في ((المرقاة)).
قوله: (هذا حديث غريب)، وأخرجه النسائي. والدارمي، وابن حبان(١) في (صحيحه)):
والحاكم، إلا أن عنده: ((وَلَا يُقرآنِ فِي بِيْتٍ، فَيَقْرَبُهُ شَيْطَانٌ ثَلَاثَ لَيَالٍ)) وقال: صحيح على
شرط مسلم؛ كذا في ((الترغيب)): للمنذري.
واعلم أنه وقع في النسخ الحاضرة: ((هذا حديث غريب))، ولكن قال المنذري في
((الترغيب)): بعد ذكر هذا الحديث: ((رواه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب)). انتهى.
٥ - باب مَا جَاءَ فيِ سُورَةٍ آلٍ عِمْرَانَ
[٢٨٨٣] قوله: (حدثنا محمد بن إسماعيل) هو: الإمام البخاري رحمه الله . (أخبرنا
هشام بن إسماعيل) بن يحيى بن سليمان. (أبو عبد الملك العطار) الدمشقي، ثقة فقيه، عابد
من العاشرة. (حدثنا محمد بن شعيب) بن شابور بالمعجمة والموحدة الأموي، مولاهم
(١) النسائي في ((الكبرى)) (١٠٨٠٢)، وابن حبان (٧٨٢).

١٩٦
كِتابُ فَضَائِلِ القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَهِّ ر بابِ مَا جَاءَ في سورة آلِ عِمْرَان
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنِ الوَلِيدِ بْنِ عَبْد الرَّحْمنِ؛ أنَّهُ حَدَّثَهُمْ عَن جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ،
عَن نوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ، عَنِ النَّبِّ وَلَ قَالَ: ((يَأْتِي القُرْآنُ وَأَهْلُهُ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِهِ فِي
الدُّنْيَا تَقْدُمُهُ سُورَةُ البَقَرَةِ وَآل عِمْرَانَ)) قَالَ نَوَّاسٌ: وَضَرَبَ لهما رَسُولُ اللهِوَّهِ ثَلاثَةً
أمْثَالٍ مَا نَسِيتُهُنَّ بَعْدُ، قَالَ: ((تَأْتِيَانِ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ، وَبَيْنَهُمَا شَرْقٌ، أَوْ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ
سَوْدَاوَانٍ، أوْ كَأَنَّهُمَا ظُلَّةٌ مِن طَيْرِ صَوَافَّ تُجَادِلَانِ عَن صَاحِبهمَا)). [م: ٨٠٥].
الدمشقي، نزيل بيروت، صدوق، صحيح الكتاب، من كبار التاسعة. (حدثنا إبراهيم بن
سليمان) الأفطس الدمشقي، ثقة، ثبت إلا أنه يرسل، من الثامنة. (عن الوليد بن
عبد الرحمن) الجرشي، بضم الجيم وبالشين المعجمة الحمصي الزجاج، ثقة، من الرابعة.
قوله: (يأتي القرآن) أي: يوم القيامة (وأهله) عطف على القرآن (الذين يعملون به) دَلَّ على
من قرأ ولم يعمل به لم يكن من أهل القرآن، ولا يكون شفيعًا لهم، بل يكون القرآن حجة عليهم
(تقدمه) أي: تتقدم أهله أو القرآن (سورة البقرة، وآل عمران) بالجر، وقيل: بالرفع. قال
الطيبيّ: الضمير في ((تقدمه)) للقرآن، أي: يقدم ثوابهما ثَوَابَ القرآن. وقال النووي: قال
العلماء: المراد أن ثوابهما يأتي كغمامتين. انتهى. وقيل: يصور الكل بحيث يراه الناس، كما
يصور الأعمال للوزن في الميزان، ومثل ذلك يجب اعتقاده إيمانًا، فإن العقل يعجز عن أمثاله.
(وضرب لهما) أي: بين لهما (غيابتان) الغَيَايَة: كل ما أظل الإنسان من فوق رأسه كالسحابة،
ونحوها؛ كذا في ((القاموس)) (وبينهما شرق) بفتح الشين المعجمة وسكون الراء بعدها قاف.
وقد روي بفتح الراء، والأول أشهر، أي: ضَوْءٌ ونُورٌ. قال في ((النهاية)): الشرق ها هنا
الضوء، وهو الشَّمْسُ والشقُّ، أيضًا. انتهى. وقيل: أراد بالشرق الشق وهو الانفراج، أي:
بينهما فرجة وفصل؛ كتميزهما بالبسملة في المصحف، والأول أشبه (أو) للتنويع، لا لشك
الراوي (غمامتان) أي: سحابتان (سوداوان)؛ لكثافتهما، وارتكام البعض منهما على بعضٍ.
(أو كأنهما ظلة) بالضم، وهي كُلُّ ما أظلك من شجر وغيره (من طير صواف) جمع
صافة، أي: باسطات أجنحتها في الطيران (تجادلان عن صاحبهما) أي: تُحَاجَّانِ عنه كما
هو في رواية، والمحاجة المخاصمة وإظهار الحَجَّةِ، وصاحبهما هو المستكثر من قراءتهما،
وظاهر الحديث أنهما يَتَجَسَّمَانِ حتى يكونا كأحد هذه الثلاثة التي شبهها بها ◌َّ، ثم يقدرهما
الله سبحانه وتعالى على النطق بِالحُجَّةٍ، وذلك غير مستبعد من قدرة القادر القوي، الذي يقول
للشيء: كُنْ فَكُونُ.

١٩٧
كِتَابُ فَضَائِلِ القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ / بابِ مَا جَاءَ في سورة آلٍ عِمْرَان
وفي البابِ: عَنِ بُرَيْدَةَ وَأَبِي أُمَامَةً.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ مِن هذا الوَجهِ.
وَمَعْنَى هَذَا الحَدِيثِ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ: أنَّهُ يَجِيءُ ثَوَابُ قِرَاءَتِهِ، كَذَا فَسَّرَ بَعْضُ
أهْلِ العِلْمِ هَذَا الحَدِيثَ، وَمَا يُشْبِهُ هَذَا مِنَ الأَحَادِيثِ أنَّهُ يَجِيءُ تَوَابُ قِرَاءِ القُرْآنِ،
وَفِي حَدِيثِ النَّواسِ، عَن النبيِّ ◌َ﴿ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا فَسَّرُوا، إِذْ قَالَ النبيُّ ◌َّ:
((وَأَهْلُهُ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِهِ فِي الدُّنْيَا)). فَفِي هَذَا دَلَالَةٌ: أنَّهُ يَجِيءُ ثَوَابُ العَمَلِ.
[٢٨٨٤] (٢٨٨٤) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيل، قال: حَدَّثَنَا الحُمْيْدِيُّ، قال:
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ فِي تَفْسِيرٍ حَدِيثِ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: مَا خَلَقَ اللهُ مِن
سَمَاءٍ، وَلا أَرْضِ أعْظَمَ مِن آيَةِ الْكُرْسِيِّ، قَالَ سُفْيَانُ: لَأَنَّ آيَةَ الْكُرْسِيِّ هُوَ كَلَامُ الله،
وَكَلَامُ الله أعْظَمُ مِن خَلْقِ الله مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ.
قوله: (وفي الباب عن بريدة، وأبي أمامة). أما حديث بريدة: فأخرجه أحمد،
والدارمي(١). وأما حديث أبي أمامة فأخرجه مسلم (٢).
قوله: (هذا حديث غريب من هذا الوجه). وأخرجه مسلم.
(ففي هذا دلالة على أنه يجيءُ ثواب العمل) في هذه الدَّلَالَة خَفَاءٌ كما لا يَخْفَى.
[٢٨٨٤] قوله: (حدثنا محمد بن إسماعيل) هو: الإمام البخاري رحمه الله.
قوله: (ما خلق الله من سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسي)؛ فإنها جمعت أصول
الأسماء، والصفات، من الإلهية والوحدانية، والحياة، والعلم، والقيومة، والملك،
والقدرة، والإرادة، فهذه أصول الأسماء والصفات. (قال سفيان: لأن آية الكرسي هو
كلام الله، وكلام الله أعظم من خلق الله من السماء والأرض) وفي قول سفيان هذا نظر؛ فإنه
يلزم على هذا ألا تكون هذه الفضيلة مختصة بآية الكرسي، بل تعم كلَّ آية من آي القرآن؛
لأن كلَّا منها كلام الله تعالى.
(١) أحمد، حديث (٢٢٤٤١)، والدارمي (٣٣٩١).
(٢) مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، حديث (٨٠٤).

١٩٨
كِتابُ فَضَائِلِ القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله وَِّ / باب مَا جَاءَ في فضل سُورَة الكَهْف
٦- باب مَا جَاءَ في فضل سُورَة الكَهْف [ت ٦، م ٦]
[٢٨٨٥] (٢٨٨٥) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَن
أبي إسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ، يَقُولُ: بَيْنَمَا رَجُلٌ يَقْرَأُ سورةَ الكَهْفِ إِذْ رأى دَابَتَهُ
تَرْكُضُ، فَنَظَرَ، فَإِذَا مِثْلُ الغَمَامَةِ أوِ السَّحَابَةِ، فَأَتِى رَسُولَ الله فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ
النبيُّ وَّهِ: ((تِلْكَ السَّكِينَةُ نَزَلَتْ مَعَ القُرْآنِ، أَوْ نَزَلَتْ عَلَى القُرْآنِ)). [خ: ٣٦١٤، م: ٧٩٥،
حم: ١٨٠٠٦].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وفي البابِ عَن أُسَيدِ بْنِ حُضَيْرٍ .
٦ - باب مَا جَاءَ فيٍ فَضْلٍ سُورَةِ الْكَهْفِ
[٢٨٨٥] قوله: (حدثنا أبو داود) هو الطيالسي. (عن أبي إسحاق) هو: السبيعي.
قوله: (إذ رأى دابته) أي: فرسه. (تركض) من الركض، وهو تحريك الرجل، ومنه:
اركض برجلك. (فنَظَرَ) أي: الرجل. (فإذا مثل الغمامة أو السحابة) الظاهر أن ((أو)): للشك
من الراوي. (فذكر ذلك له) وفي رواية البخاري(١): كَانَ رَجُلٌ يقرأ سُورَةَ الْكَهْفِ، وَإِلَى
جَانِهِ حِصَانٌ مَرْبُوطٌ بِشَطَنَّيْنِ، فَتَغَشَّتْهُ سَحَابٌ، فَجَعَلَتْ تَدْنُو وَتَدْنُو، وَجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفِرُ، فَلَمَّا
أَصْبِحَ أَتَى النَّبِيَّ ◌َّهِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (تِلْكَ السَّكِيْنَةُ) قال القاري: أي:
السُّكون والطمأنينة التي يطمئن إليها القلب، ويسكن بها عن الرعب. قال الطيبيّ: فإن
المؤمن تزداد طمأنينته بأمثال هذه الآيات إذا كُوشِفَ بها. وقيل: هي الرحمة، وقيل: الوقار،
وقيل: ملائكة الرحمة. انتهى. وقال النووي: المختار أنها شيء من المخلوقات فيه طمأنينة
ورحمة، ومعه الملائكة (نزلت مع القرآن، أو نزلت على القرآن) وفي رواية البخاري: ((تَنَزَّلَّتْ
بِالْقُرآنِ».
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان.
قوله: (وفي الباب عن أسيد بن حضير) أخرجه الشيخان(٢) عنه قال: ((بيْنَمَا هُوَ يقرأ مِنَ
(١) البخاري، كتاب فضائل القرآن، حديث (٥٠١١).
(٢) البخاري، كتاب فضائل القرآن، حديث (٥٠١٨)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، حديث (٧٩٥).

١٩٩
كِتابُ فَضَائِلِ القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ / باب مَا جَاءَ في فضل سُورَة الگھْف
[٢٨٨٦] (٢٨٨٦) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
عَن قَتَادَةَ، عَن سَالِمٍ بْنِ أبي الجَعْدِ، عَن مَعْدَانَ بْنِ أبي طَلْحَةَ، عَن أبي الدَّرْدَاءِ،
عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ قَالَ: ((مَن قَرأْ ثَلَاثَ آيَاتٍ مِن أولِ الكَهْفِ، عُصِمَ مِن فِتْنَةِ الدَّجَّالِ)).
[شاذ بهذا اللفظ، والصحيح من حفظ عشر آيات .. م: ٨٠٩، د: ٤٣٢٣، حم: ٢١٢٠٥].
اللَّيْلِ سُورَةَ الْبِقَرَةِ، وَفَرَسُهُ مَرْبُوطَةٌ عِنْدَهُ، إِذْ جَالَتِ الْفَرَسُ، فَسَكَتَ، فَسَكَنَتْ ... )):
الحديث. قال الحافظ في شرح حديث البراء المذكور: قوله: كان رجل، قيل: هو أسيد بن
حضير كما سيأتي من حديثه نفسه بعد ثلاثة أبواب، لكن فيه أنه كان يقرأ سورة البقرة، وفي
هذا أنه كان يقرأ سورة الكهف، وهذا ظاهره التعدُّد، وقد وقع قريب من القصة التي لأسيد
لثابت بن قيس بن شماس، لكن في ((سورة البقرة)): أيضًا، وأخرج أبو داود من طريق مرسلةٍ
قال: قيل للنبي ◌ّ﴾: ألم تر ثابت بن قيس، لم تزل داره البارحة تزهر بمصابيح؟! قال:
((فَلَعَلَّهُ قرأ سُورَةَ الْبِقَرَةِ))، فسئل، قال: قرأت سورة البقرة. ويحتمل أن يكون قرأ ((سورة
البقرة)): و((سورة الكهف)): جميعًا، أو من كلِّ منهما. انتهى.
[٢٨٨٦] قوله: (حدثنا محمد بن جعفر) المعروف بـ ((غندر)).
قوله: (من قرأ ثلاث آيات من أول الكهف، عصم من فتنة الدجال) أي: حفظ عن فتنته
وَشَرِّهِ. قال النووي: قيل: سبب ذلك ما في أولها من العجائب والآيات، فمن تدبرها لم
يفتتن بالدجال، وكذا في آخرها قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنْ يَتَّخِذُواْ﴾ [الكهف: ١٠٢].
انتهى. وقال السيوطي في ((مرقاة الصعود)): قال القرطبي: اختلف المتأولون في سبب ذلك،
فقيل: لنا في قصة أصحاب الكهف من العجائب والآيات، فمن وقف عليها لم يستغرب أمر
الدجال، ولم يهله ذلك، فلم يفتتن به، وقيل: لقوله تعالى: ﴿لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَّكُنْهُ﴾
[الكهف: ٢] تمسكًا بتخصيص البأس بالشدة واللدنية، وهو مناسب لما يكون من الدجال من
دعوى الإلهية، واستيلائه، وعظم فتنته؛ ولذلك عظّم ◌َ لِ أمره وحذَّر منه، وتعوَّذ من فتنته،
فیکون معنی الحدیث: أن من قرأ هذه الآيات وتدبرها ووقف على معناها حذره فأمن منه،
وقيل: ذلك من خصائص هذه السورة كلها، فقد روي: ((مَنْ حَفِظَ سُورَةَ الْكَهْفِ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ
الدَّجَالُ لَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِ)(١). وعلى هذا يجتمع رواية من روى أول سورة الكهف مع من روى
من آخرها، ويكون ذكر العشر على جهة الاستدراج في حفظها كلها. انتهى.
(١) عبد الرزاق في ((مصنفه)) (٧٣٠)، والنسائي في ((الكبرى)) (١٠٧٩٠).

٢٠٠
كِتَابُ فَضَائِلِ القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ / بابِ مَا جَاءَ فِي فَضلٍ يس
حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَام، حدثني أبي، عَن قَتَادَةَ بهذا
الإسْنَادِ: نَحْوَهُ.
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
٧- باب مَا جَاءَ في فَضلٍ يس [ت ٧، م ٧]
[٢٨٨٧] (٢٨٨٧) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَسُفْيَانُ بْنُ وَكِيعِ، قالَا: حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ
عَبْدِ الرَّحْمنِ
تنبيهان: الأول: وقع في رواية الترمذي هذه: ((مَنْ قرأ ثَلاثَ آياتٍ)): ووقع في رواية
مسلم (١): ((مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ)): فقيل: وجه الجمع بين الثلاث وبين العشر، أن حديث
العشرّ متأخر، ومن عمل بالعشر فقد عمل بالثّلَاثِ، وقيل: حديث الثلاث متأخر، ومن عُصِمَ
بِثَلاثٍ فلا حَاجَةَ إلى العَشْرِ، وهذا أقرب إلى أحكام النسخ. قال ميرك: بمجرد الاحتمال لا
يُحْكَمُ بِالنَّسْخِ. قال القاري: النسخ لا يدخل في الأخبار، وقيل: حديث العشر في الحفظ،
وحديث الثلاث في القراءة، فمن حَفِظَ العَشْرَ، وَقَرَأَ الثَّلَاثَ كُفِيَ وَعُصِمَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ.
انتھی.
الثاني: قد اختلف أصحاب قتادة في رواية هذا الحديث، ففي رواية شعبة عند الترمذي،
عن قتادة، عن سالم، عن معدان، عن أبي الدرداء: ((مِنْ أَوَّلِ الكَهْفِ». وفي روايته عند
مسلم، وأبي داود (٢) عن قتادة بهذا الإسناد: ((مِنْ آخِرِ الكَهْفِ)): وفي رواية هشام عند مسلم
عن قتادة بهذا الإسناد ((مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الكَهْفِ)): وفي روايته عند أبي داود عن قتادة بهذا
الإسناد: ((مِنْ خَوَاتِيم سُورَةِ الكَهْفِ)): وفي رواية همام عند مسلم، وأبي داود عن قتادة بهذا
الإسناد: ((مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الكَهْفِ)): وقد تقدَّم وجه الجمع في كُلَامِ السُّيوطيِّ المذكور.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي.
٧ - باب مَا جَاءَ في فَضْلٍ يس
[٢٨٨٧] قوله: (وسفيان بن وكيعٍ) هو الرؤاسي الكوفي. (حدثنا حميد بن عبد الرحمن)
(١) مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، حديث (٨٠٩).
(٢) مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، حديث (٨٠٩)، وأبو داود، كتاب الملاحم، حديث (٤٣٢٣).