Indexed OCR Text
Pages 421-440
كتاب الإيمان عن رسول الله ﴿ / باب مَا جَاءَ في أن ((المسْلِم مَن سَلِمَ المُسْلِمونَ مِن لِسَانِهِ وَيَدِهِ) ٤٢١ قَالَ أبُو عِيْسَى: وهذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ صحيحٌ، وَهَذَا قَوْلُ أهْلِ العِلْمِ، لَا نَعْلَمُ أحَدًا كَفَّرَ أَحَدًا بِالزِّنَا أو السَّرِقَةِ وَشُرْبِ الخَمْرِ . ١٢ - باب مَا جَاءَ في أن ((المسْلِم مَن سَلِمَ المُسْلِمونَ مِن لِسَانِهِ وَيَدِهِ) [ت١٢، م١٢] [٢٦٢٧] (٢٦٢٧) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَن ابنِ عَجْلَانَ عَنِ القَعْفَاعِ بْنِ حكيمٍ عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((المُسْلِمُ مَن سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِن لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُؤْمِنُ مَن أمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ)). [ن: ٥٠١١، حم: ٨٧١٢] قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وَيُرْوَى عَن النبيِّ وَّهِ: أنَّهُ سُئِلَ: أَيُّ المُسْلِمِينَ أفْضَلُ؟ قَالَ: ((مَن سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِن لِسَانِهِ وَيَدِهِ» قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه ابن ماجه، والحاكم(١)، وقال المناوي: إسنادُهُ جیدٌ. قوله: (وهذا قول أهل العلم، لا نعلم أحدًا كفر بالزنا والسرقة وشرب الخمر) قال الحافظ في ((الفتح)) - بعد نقل كلام الترمذي هذا -: يعني: ممن يعتد بخلافه. انتهى. ١٢- باب ما جاء في أن المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده [٢٦٢٧] قوله: (المسلم من سلم المسلمون ... إلخ) تقدم شرح هذا في أواخر أبواب ((صفة القيامة))، (والمؤمن) أي: الكامل، (من أمنه الناس)، كعلمه، أي: ائتمنه، يعني: جعلوه أمينًا، وصاروا منه على أمن، (على دمائهم وأموالهم)؛ لكمال أمانته وديانته، وعدم خيانته، وحاصل الفقرتين إنما هو التنبيه على تصحيح اشتقاق الاسمين، فمن زعم أنه متصف به، ينبغي أن یطالب نفسه بما هو مشتق منه، فإن لم يوجد فيه، فهو كمن زعم أنه کریم، ولا گَرَمَ له. قوله: (هذا حديث صحيح غريب، من حديث أبي موسى الأشعري) حديث أبي موسى هذا قد تقدم بسنده ومتنه، في أواخر أبواب ((صفة القيامة))، وتقدم شرحه هناك. (١) الحاكم، حديث (١٣) وصحَّحه ووافقه الذهبي. ٤٢٢ كتاب الإيمان عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ أنَّ الإسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا وفي البابِ عَن جابٍ وأبي موسى وعبدِ الله بْنِ عمرو. [٢٦٢٨] (٢٦٢٨) حَدَّثَنَا بِذَلِكَ إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدِ الجَوْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةً، عَنِ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ أبي بُرْدَةَ، عَن جَدِّهِ أبِي بُرْدَةَ عَن أبي مُوسَى الأشْعَرِيِّ، أنَّ النَّبِيَّ نَّهِ سُئِلَ: أيُّ المُسْلِمِينَ أفْضَلُ؟ قَالَ: ((مَن سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِن لِسَانِهِ وَيَدِهِ)). [خ: ١١، م: ٤٢، ن: ٥٠١٤]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ صَحِيحٌ غريبٌ حسنٌ مِن حَدِيثٍ أبِي مُوسَى الأشعري عَن النبيِّ بَطِّ . ١٣- باب مَا جَاءَ أنَّ الإسْلاَمَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا [ت١٣، م١٣] [٢٦٢٩] (٢٦٢٩) حَدَّثَنَا أبُو كُرَيْبٍ، أَخْبَرَنَا حَقْصُ بْنُ غِيَاتٍ عَنِ الأعْمَشِ عَن أبي إسْحَاقَ عَن أبِي الأَحْوَصِ عَن عَبْدِ الله، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّ الإسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأ، قوله: (وفي الباب عن جابر، وأبي موسى، وعبد الله بن عمرو) أما حديث جابر، وهو ابن عبد الله، فأخرجه مسلم (١). وأما حديث أبي موسى، فأخرجه الترمذي (٢) في هذا الباب، فالظاهر أنه أشار إلى حديث آخر له في هذا. وأما حديث عبد الله بن عمرو: فأخرجه البخاري (٣) بلفظ: ((المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ من لِسَانِهِ وَيَدِهِ، والمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى الله عَنْهُ))، وأخرجه مسلم بلفظ: ((إن رجلا سأل النبيِ وَّهِ: أيُّ المسلمين خيرٌ؟ قال: مَنْ سلم المسلمون من لسانِهِ ويده)). [٢٦٢٨] قوله: (وحديث أبي هريرة حديث حسن صحيح) وأخرجه النسائي. ١٣- باب ما جاء أن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا [٢٦٢٩] قوله: (إن الإسلام بدأ غريبًا) قال النووي، في ((شرح مسلم)): بدأ - بالهمزة - (١) مسلم، كتاب الإيمان، حديث (٤١). (٢) الترمذي، كتاب الإيمان، حديث (٢٦٢٨). (٣) البخاري، كتاب بدء الوحي، حديث (١٠) ومسلم، كتاب الإيمان، حديث (٤٠). ٤٢٣ كتاب الإيمان عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ أنَّ الإسْلَامَ بَدَأَ غَرِبًا وَسَيَعُودُ غَرِبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ)). [م: ١٤٦، جه: ٣٩٨٨، حم: ٣٧٧٥، مي: ٢٧٥٥]. وفي البابٍ عَن سَعْدٍ وابنٍ عُمَرَ وَجَابِرٍ وَأَنَسٍٍ وَعَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو. من الابتداء، قال القاضي عياض في قوله: ((غريبًا)): روى ابن أبي أويس عن مالك رحمه الله تعالى أن معناه في المدينة، وأن الإسلام بدأ بها غريبًا، وسيعود إليها، قال القاضي: وظاهرُ الحديث العموم، وأن الإسلام بدأ في آحاد من الناس وقلة، ثم انتشر فظهر، ثم سيلحقه النقص والاختلال، حتى لا يبقى إلا في آحاد وقلة أيضًا، كما بدأ. (فطوبى) قال النووي: ((طوبى)): فُعْلَى من الطيب. قاله الفراء، وقال: إنما جاءت الواو الضمة الطاء، وأما معنى طوبى، فاختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: ﴿طُوبَ لَهُمْ﴾ [الرعد: ٢٩] فروي عن ابن عباس ظُه أن معناه: فرح وقرة عين، وقال عكرمة: نِعِمًّا ما لهم، وقال الضحاك: غبطة لهم، وقال قتادة: حسنى لهم، وقال إبراهيم: خير لهم وكرامة، وقال ابن عجلان: دوام الخير، وقيل: الجنة، وقيل: شجرة في الجنة، وكل هذه الأقوال محتملة في الحدیث. انتهى كلام النووي. (للغرباء) أي: المسلمين الذين في أوله وآخره؛ لصبرهم على الأذى، وقيل: المراد بالغرباء المهاجرون الذين هجروا إلى الله، قال القاري: والأظهر أنهم هم الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعده من سنته؛ كما ورد مفسرًا في حديث عمرو بن عوف، يعني: حديثه الآتي في هذا الباب، وقد صنف الحافظ أبو الفرج، عبد الرحمن بن رجب الحنبليّ، في شرح هذا الحديث رسالة سَمَّاها: ((كَشْفُ الكُرْبَةِ فِي وَصْفِ حَالِ أَهْلِ الغُرْبَةِ))، وقد طبعت بمصر وشاعت. قوله: (وفي الباب عن سعد، وابن عمر، وجابر، وأنس، وعبد الله بن عمرو) أما حديث سعد، وهو ابن أبي وقاص، فأخرجه أحمد(١). وأما حديث ابن عمر، فأخرجه مسلم(٢). وأما حديث جابر، فأخرجه الطبراني (٣). وأما حديث أنس، فأخرجه ابن ماجه (٤). (١) أحمد، حديث (١٦٠٧). (٢) مسلم، كتاب الإيمان، حديث (١٤٦). (٣) الطبراني في ((الأوسط))، حديث (٤٩١٥، ٧٨١٦). (٤) ابن ماجه، كتاب الفتن، حديث (٣٩٨٧). ٤٢٤ كتاب الإيمان عن رسول الله ﴿ / باب مَا جَاءَ أنَّ الإسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غَرِيبٌ مِن حَدِيثِ ابنِ مَسْعُودٍ، إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِن حَدِيثٍ حَفْصٍ بْنِ غِيَاثٍ عَن الأَعْمَشِ، وَأَبُو الأحْوَصِ اسمُهُ: عَوْفُ بْنُ مَالِكِ بْنِ نَضْلَةَ الجُشَمِيُّ، تَفَرَّدَ بِهِ حَفْصٌ. [٢٦٣٠] (٢٦٣٠) حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الرَحْمَنِ، أْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مِلْحَةً عَن أبِيه عَن جَدِّهِ، أنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَهِ قَالَ: ((إنَّ الدِّينَ ليَأرِزُ إلَى الحِجَازِ وأما حديث عبد الله بن عمرو، فلينظر من أخرجه(١). قوله: (هذا حديث حسن غريب صحيح من حديث ابن مسعود) وأخرجه ابن ماجه. قوله: (وأبو الأحوص، اسمه: عوف بن مالك بن نضلة الجشمي)، بضم الجيم وفتح المعجمة، الكوفي، مشهور بكنيته، ثقة، من الثالثة، قتل في ولاية الحجاج على العراق. [٢٦٣٠] قوله: (حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن) هو الدارمي، (أخبرنا إسماعيل بن أبي أويس) هو إسماعيل بن عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر، الأصبحي، أبو عبد الله بن أبي أويس، المدني، صدوق، أخطأ في أحاديث من حفظه، من العاشرة، (عن أبيه) هو عبد الله، (عن جده) هو عمرو بن عوف، وقد تقدم تراجم هؤلاء الثلاثة في ((باب التكبير في العيدين)). قوله: (إن الدين ليأرز) بفتح أوله، وسكون الهمزة، وكسر الراء - وقد تضم - بعدها زاي. وحكى ابن التين عن بعضهم فتح الراء، وقال: إن الكسر هو الصواب، وحكى أبو الحسن بن سراج ضم الراء، ومعناه: ينضم ويجتمع. (إلى الحجاز) وهو اسم مكة والمدينة وحواليهما من البلاد، وسميت حجازًا؛ لأنها حجزت، أي: منعت، وفصلت بين بلاد نجد والغور، وفي حديث ابن عمر عند مسلم: ((إِنَّ الإسلامَ بَدَأْ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأ، وَهُوَ يَأْرِزُ بَيْنَ المسجدين، كما تَأْرِزُ الحَيَّةُ في جِحرها))، قال القاري: والمراد: أن أهل الإيمان يفرون بإيمانهم إلى المدينة، وقايةً بها (١) أحمد، حديث (٦٦١٢) والطبراني في ((الأوسط))، حديث (٨٩٨٦)، وقال الهيثمي (٢٧٨/٧): وفيه ابن لهيعة وفيه ضعف. ٤٢٥ كتاب الإيمان عن رسول الله ◌َ﴿ / باب مَا جَاءَ أنَّ الإسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا تَأرِزُ الحَيَّةُ إلَى جُحْرِهَا، وَلَيَعْقِلَنَّ الدِّينُ من الحِجَازِ معْقِلَ الأَرْوِيَّةِ مِن رَأْسٍ الجَبَلِ، إنَّ الدِّينَ بَدَأْ غَرِيبًا وَيَرْجِعُ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ: الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِن بَعْدِي مِن سُنَّتِي)). [إسناده ضعيف جدًا، لأجل كثير بن عبد الله، منكر الحديث ليس بشيء، وبمعناه رواه أبو عمر الداني في الفتن بلفظ: ((إن الإسلام بدأ غريبا وسيعودُ غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء)). قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: ((الذين يَصْلُحونَ إِذا فَسَدَ الناسُ)). وإسناده صحيح]. قَالَ أَبُو عِيْسَی: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. عليه، أو لأنها وطنه الذي ظهر وقوي بها، وهذا إخبار عن آخر الزمان، حين يقل الإسلام. انتهى (كما تأرز الحية إلى جحرها) بضم الجيم، وسكون الحاء المهملة، أي: ثقبها، (وليعقلن) جواب قسم محذوف، أي: والله، ليعتصمن، عطف على ((ليأرِزُ)) أو على ((إن) ومعمولها، أي: ليتحصن وينضم ويلتجي، (الدين) أبرزه، وحقه الإضمار؛ إعلامًا بعظيم شرفه، ومزيد فخامته، ومن ثم ضوعفت أدوات التأكيد، وأتى بالقسم المقدر، يُقال: عقل الوعل، أي: امتنع بالجبال العوالي، يعقل عقولًا، أي: ليمتنعن بالحجاز، ويتخذن منه حصنًا وملجاً، (معقل الأروية من رأس الجبل) الأروية - بضم الهمزة وتكسر وتشديد الياء -: الأنثى من المعز الجبلي، والمعقل: مصدر بمعنى العقل، ويجوز أن يكون اسم مكان، أي: كاتخاذ الأروية من رأس الجبل حصنًا، وخص الأروية دون واعل؛ لأنها أقدر من الذكر على التمكن من الجبال الوعرة، والمعنى: أن الدين في آخر الزمان عند ظهور الفتن، واستيلاء الكفرة والظلمة على بلاد أهل الإسلام يعود إلى الحجاز كما بدأ منه (إن الدين بدأ) بالهمز هو الصحيح (غريبًا) أي: كالغريب، أو حال، (ويرجع غريبًا) أي: كما بدأ، يعني: أن أهلَ الدين في الأول كانوا غرباء، ينكرهم الناس، ولا يخالطونهم، فكذا في الآخر، (فطوبى للغرباء) أي: أولًا وآخرًا، (الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنتي) أي: يعملون بها، ويظهرونها بقدر طاقتهم. قوله: (هذا حديث حسن) اعلم أن الترمذي قد يُحَسِّنُ حَدِيثَ كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده، وقد يصححه، وكثير هذا ضعيفٌ عند كثير من المحدثين، بل عند الأكثر، بل قال ابن عبد البر: إنه مجمع على ضعفه، وقال الحافظ الذهبي في ((الميزان)) - بعد ذكر كلام المحدثين فيه ما لفظهـ: وأما الترمذي فروى من حديث: ((الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ)) وصححه، فلهذا لا يعتمد العلماء على تصحيح الترمذي. انتهى. ٤٢٦ كتاب الإيمان عن رسول الله ﴿﴿ / باب مَا جَاءَ في عَلَامَةِ المُنَافِقِ ١٤ - باب مَا جَاءَ في عَلَامَةِ الْمُنَافِقِ [ت١٤، ١٤٢] [٢٦٣١] (٢٦٣١) حَدَّثَنَا أبُو حَفْصٍ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمْدِ بْنِ قَيْسٍ، عَن العَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحمَنِ عَن أبِيْهِ عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّهِ: («آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أخْلَفَ، ١٤ - باب ما جاء في علامة المنافق [٢٦٣١] قوله: (أخبرنا يحيى بن محمد بن قيس) المحاربي، الضرير، أبو محمد، المدني، نزيل البصرة، لقبه أبو زكير بالتصغير، صدوق، يخطئ كثيرًا، من الثامنة. قوله: (آية المنافق ثلاث) الآية: العلامة، وإفراد الآية إمَّا على إرادة الجنس، أو أن العلامة إنما تحصل باجتماع الثلاث، والأول هو الظاهر، وقد رواه أبو عوانة في ((صحیحه))، بلفظ: ((عَلامَاتُ المُنَافِقِ))، فإن قيل: ظاهره الحصر في الثلاث، فكيف الجمع بين هذا الحديث وحديث عبد الله بن عمرو الآتي بلفظ: ((أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ ... إلخ)). يقال: قد أجاب القرطبي باحتمال أنه استجد له وَ لقر من العلم بخصالهم ما لم يكن عنده . قال الحافظ في ((الفتح)): ليس بين الحديثين تعارضٌ؛ لأنه لا يلزم من عد الخصلة المذمومة الدالة على كمال النفاق، كونها علامة على النفاق؛ لاحتمال أن تكون العلامات دالات على أصل النفاق، والخصلة الزائدة إذا أضيفت إلى ذلك كمل بها خلوصُ النفاق، على أن في رواية مسلم، من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ما يدل على إرادة عدم الحصر، فإن لفظه: ((منْ عَلامَةِ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ)). وكذا أخرج الطبراني في ((الأوسط))، من حديث أبي سعيد الخدري، وإذا حُمل اللفظ الأول على هذا لم يرد السؤال، فيكون قد أخبر ببعض العلامات في وقت، وببعضها في وقت آخر. انتهى. (وإذا وعد) أي: أخبر بخير في المستقبل؛ إذ (وعد)) يغلب في الخير، و((أوعد)) في الشر، وأيضًا الخلف في الوعيد من مكارم الأخلاق، (أخلف) أي: جعل الوعد خلافًا، بأن لم يف بوعده، ووجه المغايرة بين هذه وما قبلها أن الإخلاف قد يكون بالفعل، وهو غير الكذب الذي هو لازم التحديث، وليس فيه ما يدل على وجوب الوفاء بالوعد؛ لأن ذم الإخلاف إنَّما هو من حيث تضمينه الكذب المذموم، إن عزم على الإخلاف حال الوعد، لا ٤٢٧ كتاب الإيمان عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي عَلَامَةِ المُنَافِقِ وَإِذَا أَوْتَمِنَ خَانَ)). [خ: ٣٣، م: ٥٩، ن: ٥٠٣٦، حم: ٨٤٧٠]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ من حَدِيثِ العَلَاءِ، وَقَدْ رُوِيَ مِن غَيْرِ وَجْهٍ عَن أبي هُرَيْرَةَ عَن النبيِّ نَّهِ، وَفِي البَابِ عَن ابنِ مَسْعُودٍ وَأَنَسٍ وَجَابِرٍ. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَن أبِي سُهَيْلٍ بْنِ مَالِكِ عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّرْ نَحْوَه بِمعناه. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ صحيحٌ، وَأَبُو سُهَيْلٍ هُوَ عَمُّ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَاسْمُهُ: نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أبي عَامِرِ الأَصْبَحِيُّ الخَوْلَانِيُّ. [٢٦٣٢] (٢٦٣٢) حَدَّثَنَا مَحمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ مُوسَى عَن سُفْيَانَ عَنِ الأعْمَشِ، عَن عَبْدِ الله بْنِ مُرَّةَ، عَن مَسْرُوقٍ عَن عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، عَنِ إن طرأ له، كما هو واضح. على أن علامة النفاق لا يلزم تحريمها؛ إذ المكروه لكونه يجر إلى الحرام يصح أن يكون علامة على المحرم، ونظائره علامات الساعة، فإن منها ما ليس بمحرم، (وإذا ائتمن) بالبناء للمجهول، أي: جعل أمينًا، (خان) أي: فيما ائتمن. قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه الشيخان، وابن ماجه. قوله: (وفي الباب عن عبد الله بن مسعود وأنس وجابر) أما حديث عبد الله بن . مسعود (١)، وحديث جابر (٢)، فلينظر من أخرجهما، وأما حديث أنس، فأخرجه أبو يعلى(٣). قوله: (عن أبيه) هو مالك بن أبي عامر الأصبحي، سمع من عمر، ثقة، من الثانية (واسمه نافع بن مالك بن أبي عامر الخولاني الأصبخي) بفتح الهمزة، وسكون الصاد المهملة، وفتح الموحدة، وبالحاء المهملة، التيمي، المدني، ثقة، من الرابعة. [٢٦٣٢] قوله: (عن عبد الله بن مرة) الهمداني، الخارفي - بمعجمة وراء وفاء - الكوفي، ثقة، من الثالثة. (١) البزار، حديث (١٦٦٢) قال الهيثمي (١٠٨/١) ورجاله رجال الصحيح. (٢) أخرجه الطبراني في ((الأوسط))، حديث (٧٩١٦) وأخرجه البخاري في ((التاريخ الكبير)) (٣٨٥/٨) (٣٤١٦)، وقال الهيثمي (١٠٨/١): وفيه يوسف بن الخطاب، وهو مجهول. (٣) أبو يعلى، حديث (٤٠٩٨). قال الهيثمي (١/ ١٠٧): وفيه يزيد الرقاشي، وهو ضعيف. ٤٢٨ كتاب الإيمان عن رسول الله ﴿ / باب مَا جَاءَ في عَلَامَةِ المُنَافِقِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: ((أرْبَعُ مَن كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا، وَإِنْ كَانَت خصْلَةٌ مِنْهُنَّ فِيه كَانَتْ فِيه خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: مَن إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أْلَفَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ)). [خ: ٣٤، م :- ٥٨، ن: ٥٠٣٥، د: ٤٦٨٨، حم: ٦٧٢٩]. قَالَ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. حَدَّثَنَا الحسنُ بْنُ عَلِيّ الخَلَّالُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله ابْنُ نُمَيْرٍ عَنِ الأعْمَشِ عَن عَبْدِ الله بْنِ مُرَّةَ بهذا الإسْنَادِ نَحْوَهُ. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَإِنَّمَا مَعْنَى هَذَا عِنْدَ أهْلِ العلمِ نِفَاقُ العَمَلِ، وَإِنَّمَا كَانَ نِفَاقُ التكذِيبِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ، هَكَذَا رُوِيَ عَن الحَسَنِ البَصرِي شَيْءٌ مِن هَذَا؛ أنه قَالَ: النفاق نفاقان: نفاقُ العمل، ونفاق التكذيب. قوله: (أربع) أي: خصال أربع، (كان منافقًا) زاد البخاري: ((خالصًا))، (حتى بدعها) أي: يتركها (وإذا خاصم فجر) أي: مال عن الحق، وقال الباطل والكذب، قال أهل اللغة: أصلُ الفجورِ: الميل عن القصد. قاله النووي. وقال القاري: أي: شتم ورمى بالأشياء القبيحة، (وإذا عاهد غدر) أي: نقض العهد ابتداء. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، والشيخان، وأبو داود والنسائي. قوله: (وإنما معنى هذا عند أهل العلم نفاق العمل، وإنما كان نفاق التكذيب على عهد رسول الله ﴿ ... إلخ) قال الحافظ في ((الفتح)): النفاق لُغَةً: مُخَالَفَةُ الْبَاطِنِ للظّاهر، فإن كان في اعتقاد الإيمان، فهو نفاق الكفر، وإلا فهو نفاق العمل، ويدخل فيه الفعل والترك، وتتفاوت مراتبه، قال: وقال النووي: هذا الحديث عَدَّهُ جماعةٌ من العلماء مشكلًا، من حيث أن هذه الخصال قد توجد في المسلم المجمع على عدم الحكم بكفره، قال: وليس فيه إشكال، بل معناه صحيح، والذي قاله المحققون: إن معناه أن هذه خصالُ نفاقٍ، وصاحبها شبيه بالمنافقين في هذه الخصال، ومتخلق بأخلاقهم. قال الحافظ: ومحصل هذا الجواب الحمل في التسمية على المجاز، أي: صاحب هذه الخصال، كالمنافق، وهو بناء على أن المراد بالنفاق، نفاق الكفر، وقد قيل في الجواب عنه: إن المراد بالنفاق نفاق العمل، وهذا ارتضاه القرطبي، واستدل له بقول عمر لحذيفة: ((هل تعلم فيَّ شيئًا من النفاق))، فإنه لم يرد بذلك نفاق الكفر، وإنما أراد نفاق العمل، ويؤيده وصفه بالخالص في الحديث الثاني، بقوله: ((كان منافقًا خالصًا»، وقيل: المراد بإطلاق النفاق: الإنذار والتحذير عن ارتكاب هذه الخصال، وأن الظاهر غير مراد، وهذا ٤٢٩ كتاب الإيمان عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ في عَلَامَةِ المُنَافِقِ [٢٦٣٣] (٢٦٣٣) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ بَشارٍ، حَدَّثَنَا أبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الأعْلَى، عَن أبي النُّعْمَانِ، عَن أبي وَقَّاصٍ، عَن زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّهِ: ((إِذَا وَعَدَ الرَّجُلُ وَيَنْوِي أَنْ يَفِيَ بِهِ، فَلَمْ يَفِ بِهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ)). [ضعيف، أبو النعمان وأبو وقاص، مجهولان د: ٤٩٩٥]. قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ غريبٌ، وَلَيْسَ إسْنَادُهُ بالقَويِّ، عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى ثِقَةٌ، ولا يعرف أبو النعمان ولا أبو وقاص، وهما مجهولان. ارتضاه الخطابي، وذكر أيضًا أنه يحتمل أن المتصف بذلك هو من اعتاد ذلك وصار له دَيْدَنَّا . قال: ويدل عليه التعبير بـ ((إذا)) فإنها تدل على تكرر الفعل. كذا قال، والأولى ما قال الكرماني: إن حذف المفعول من ((حَدَّث)» يدل على العموم، أي: إذا حدث في كل شيء كذب فيه، أو يصير قاصرًا، أي: إذا وجد ماهية التحديث كذب، وقيل: هو محمول على من غلبت عليه هذه الخصال، وتهاون بها، واستخف بأمرها، فإن مَنْ كان كذلك كان فاسدَ الاعتقاد غالبًا، وهذه الأجوبة كلها مبنيةٌ على أن اللام في المنافق للجنس، ومنهم من ادعى أنها للعهد، فقال: إنه ورد في حق شخص معين، أو في حق المنافقين في عهد النبي ◌َّهِ، وتمسك هؤلاء بأحاديث ضعيفة جاءت في ذلك، لو ثبت شيء منها لتعين المصير إليه، وأحسن الأجوبة ما ارتضاه القرطبي. قلت: الأمر كما قال الحافظ، من أن أحسن الأجوبة ما ارتضاه القرطبي، وقد نقل الترمذي هذا القول عن أهل العلم مطلقًا . [٢٦٣٣] قوله: (أخبرنا أبو عامر) هو العقدي، اسمه: عبد الملك بن عمرو، (أن يفي به) بفتح فكسر، وأصله: أن يوفي، من الوفاء، (فلم يف به) أي: بعذر، (فلا جناح عليه) أي: فلا إثم عليه، هذا دليلٌ على أن النية الصالحة يثاب الرجل عليها، وإن لم يقترن معها المنوي، وتَخَلَّف عنها. قوله: (هذا حديث غريب) وأخرجه أبو داود، (وأبو النعمان مجهول، وأبو وقاص مجهول) أما أبو النعمان فوثقه ابن حبان، وأما أبو وقاص فهو مجهول بالاتفاق، ولم أر مَنْ وثَّقَهُ، فالحديث ضعيف. ٤٣٠ كتاب الإيمان عن رسول الله ﴿ / باب مَا جَاءَ: سِبَابُ المؤمِنِ فُسُوق ١٥- باب مَا جَاءَ: سِبَابُ المؤمِنِ فَسُوق [ت١٥، ١٥٢] [٢٦٣٤] (٢٦٣٤) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ بَزِيع، حَدَّثَنَا عَبْدُ الحَكِيمِ بْنُ مَنْصُورِ الوَاسِطِيُّ عَن عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ عَن أبِيه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((قِتَالُ المُسْلِمِ أَخَاهُ كُفْرٌ، وَسِبَابُهُ فُسُوقٌ)). [خ: ٤٨، م: ٦٤، ن: ٤١١٦، جه: ٦٩، حم: ٣٦٣٩]. وفي الباب عَن سَعْدٍ وَعَبْدِ الله بْنِ مُغَفَّلٍ . ١٥- باب ما جاء سباب المؤمن فسوق [٢٦٣٤] قوله: (أخبرنا عبد الحكيم بن منصور الواسطي) الخزاعي، أبو سهل، أو أبو سفيان متروك، كذبه ابن معين، من السابعة، (عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود) الهذلي، الكوفي، ثقة، من صغار الثانية، وقد سمع عن أبيه، لكن شيئًا يسيرًا. كذا في ((التقريب))، وذكر في ((تهذيب التهذيب)) اختلاف أئمة الحديث في سماعه من أبيه. قوله: (قتال المسلم أخاه كفر) قال النووي: أَمَّا قتاله بغير حق، فلا يكفر به عند أهل الحق كفرًا يخرج عن الملة، إلا إذا استحله، فإذا تقرر هذا، فقيل في تأويل الحديث أقوال: أحدها: أنه في المستحل. والثاني: أن المراد كفر الإحسان، والنعمة، وأخوة الإسلام، لا كفر الجحود. والثالث: أنه يؤول إلى الكفر بشؤمة. الرابع: أنه كفعل الكفار. وقال: ثُمَّ إِنَّ الظاهر من قتاله المقاتلة المعروفة. (وسبابه فسوق) السب في اللغة: الشتم والتكلم في عرض الإنسان بما يعيبه، والفسق في اللغة الخروج، والمراد به في الشرع الخروج عن الطاعة، وأما معنى الحديث: فسب المسلم بغير حق حرام بإجماع الأمة، وفاعله فاسق، كما أخبر به النبي وَّر. قاله النووي. قوله: (وفي الباب عن سعد وعبد الله بن مغفل) أما حديث سعد - وهو ابن أبي وقاص - فأخرجه ابن ماجه(١)، وأما حديث عبد الله بن مغفل، فأخرجه الطبراني(٢) في ((الكبير)). (١) ابن ماجه، كتاب الفتن، حديث (٣٩٤١). (٢) الطبراني في ((الأوسط))، حديث (٧٣٤) وقال الهيثمي (٧٣/٨): وفيه كثير بن يحيى، وهو ضعيف. ٤٣١ كتاب الإيمان عن رسول الله وَه / باب مَا جَاءَ فيمَنْ رَمَى أَخَاهُ بِكُفْر قَالَ أبُو عِيْسَى: حَدِيثُ ابنٍ مَسْعُودٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وَقَدْ رُوِيَ عَن عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ مِن غَيْرِ وَجٍْ. [٢٦٣٥] (٢٦٣٥) حَدَّثَنَا مَحمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَن سُفْيَانَ، عَن زُبَيْدٍ، عَن أبِي وَائِلٍ، عَن عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهُ: ((سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ)) [ر: ٢٦٣٤]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، ومعنى هذا الحديث ((قِتَالُهُ كُفْرٌ)): ليسَ به كُفرًا مثل الارتداد عَن الإسلام، والحجة في ذلك ما رُوي ◌َن النبيِّ وَِّ أنه قَالَ: ((من قُتِلَ مُتَعَمّدًا فَأَولياءُ المقتول بالخِيارِ، إن شاؤوا قتلوا، وإنْ شاؤوا عفوا)) ولو كان القتل كفرًا، لوجب [ .... ] وقد روي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وطاووس وعطاءٍ، وغير واحدٍ من أهلِ العلم قالوا: كُفْرٌ دُون كُفرٍ، وفسوقٌ دون فسوقٍ. ١٦- باب مَا جَاءَ فيمَنْ رَمَى أخَاهُ بِكُفْر [ت١٦، م١٦] [٢٦٣٦] (٢٦٣٦) حَدَّثَنَا أحْمَدُ بْنُ مَنِيع، حَدَّثَنَا إسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الأزْرَقُ عَن هِشَامِ الدُّسْتَوَائِيِّ عَن يَحْيَى بْنِ أبِي كَثِيرٍ عَنْ أبي قِلَابَةَ عَن ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ قوله: (حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح) في سند حديث ابن مسعود هذا عبد الحكيم بن منصور الواسطي، وهو متروك، وكذبه ابن معين، فتصحيحه له لمجيئه من طرق أخرى صحيحة. [٢٦٣٥] قوله: (عن زبيد) بضم الزاي، وفتح الموحدة مصغرًا، هو ابن الحارث بن عبد الكريم بن عمرو بن كعب اليامي، ويقال: الأيامي، أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عبد الله، الكوفي، ثقة، ثبت، عابد، من السادسة. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، والشيخان، والنسائي، وابن ماجه. ١٦ - باب ما جاء فيمن رَمَى أَخَاهُ بِكُفْرٍ يقال: رماه بكذا: عابه واتهمه به. [٢٦٣٦] قوله: (حدثنا أحمد بن منيع) بن عبد الرحمن، أبو جعفر البغوي، نزيل بغداد الأصم، ثقة، حافظ، من العاشرة، (عن ثابت بن الضحاك) بن خليفة الأشهلي، صحابي ٤٣٢ كتاب الإيمان عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ فيمَنْ رَمَى أخَاهُ بِكُفْر النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: ((لَيْسَ عَلَى العَبْدِ نَذْرٌ فِيمَا لا يَمْلِكُ، وَلَا عِنُّ المُؤْمِن كَقَاتِلِهِ، وَمَنْ قَذَفَ مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَاتِلِهِ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيءٍ عَذَّبَهُ الله بِمَا قَتَلَ بِهِ نَفْسَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ)). [خ: ٦٠٤٧، م: ١١٠، ن بنحوه: ٣٧٨٠، د بنحوه: ٣٢٥٧، مي: ٢٣٦١]. وفي الباب عَن أبِي ذَرِّ وَابنِ عُمَرَ. مشهور، روى عنه أبو قلابة، مات سنة خمس وأربعين. قاله الفلاس، والصواب: سنة أربع وستین. قوله: (ليس على العبد نذر فيما لا يملك) قال ابن الملك - رحمه الله -: كأن يقول: ((إن شفى الله مريضي، ففلان حُرٌّ))، وهو ليس في ملكه، وقال الطيبي - رحمه الله -: معناه أنه لو نذر عتق عبدٍ لا يملكه، أو التضحية بشاةٍ غيرِهِ، أو نحو ذلك، لم يلزمه الوَفَاءُ به، وإن دخل ذلك في مِلْكِهِ، وفي رواية: ((وَلا نَذْرَ فِيمَا لا يَمْلِكُ))، أي: لا صحةً له ولا عبرة به. قلت: أشار الطيبي إلى ما روى أبو داود، والترمذي في ((الطلاق)) عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. قال: قال رسولُ الله ◌ِ ﴿: ((لا نَذْرَ لابْنِ آدَمَ فِيمَا لا يَمْلِكُ، وَلا طلاقَ فِيمَا لا يَمْلِكُ)). قال الترمذي: حسن صحيح، وهو أحسن شيءٍ روي في هذا الباب. (ولا عِنُ المؤمن كقاتله) أي: لعنُ المؤمن كقتله في أصل الإثم، فلاعنه كقاتله، قال الطبيي - رحمه الله -: أي: في التحريم أو في العقاب، (ومن قذف مؤمنًا بكفر فهو كقاتله) قال الطيبي: وجه التشبيه هنا أظهر؛ لأن النسبة إلى الكفر الموجب للقتل، فالقذف بالكفر تسبب إليه، والمتسبب إلى الشيء كفاعله، والقذف في الأصل الرمي، ثم شاع عرفًا في الرمي بالزنا، ثم استعير لكلِّ مَا يُعَابُ به الإنسان، ويحيق به ضرره، (ومن قتل نفسه بشيء) أي: من آلات القتل، أو بأكل السم، أو غير ذلك. قوله: (وفي الباب عن أبي ذر وابن عمر) أما حديث أبي ذر، فأخرجه البخاري(١) عنه مرفوعًا: ((لا يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلًا بالفسوقِ، وَلا يَرْمِيهِ بِالكُفْرِ، إِلا ارْتَدَّت عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلِكَ)). وأخرجه البخاري ومسلم(٢) عنه مرفوعًا: ((مَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ، أَوْ قَالَ: عَدُوُّ الله، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إِلا حَارَ عَلَيْه)). (١) البخاري، كتاب الأدب، حديث (٦٠٤٥). (٢) البخاري، كتاب المناقب، حديث (٣٥٠٨) ومسلم، كتاب الإيمان، حديث (٦١). ٤٣٣ كتاب الإيمان عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاءَ فيمَنْ رَمَى أَخَاهُ بِكُفْر قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. [٢٦٣٧] (٢٦٣٧) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَن مَالِكِ عَن عَبْدِ الله بْنِ دِينَارٍ، عَن ابنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ بَ﴿ قَالَ: ((أيُّمَا رَجُلِ قَالَ لأَخِيهِ كَافِرٌ فَقَدْ بَاءَ بِهِ أحَدُهُمَا)). [خ: ٦١٠٤، م: ٦٠، د بنحوه: ٤٦٨٧، حم: ٤٦٧٣، طا: ١٨٤٤]. وأما حديث ابن عمر، فأخرجه الترمذي(١) في هذا الباب .. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، والشيخان، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. [٢٦٣٧] قوله: (أيما رجل قال لأخيه: كافر) بضم الراء على البناء؛ فإنه منادی حذف حرف ندائه. كما ذكره ميرك، ويؤيده ما جاء في رواية بالنداء، ويجوز تنوينه؛ على أنه خبر محذوف، تقديره: ((أنت))، أو ((هو))، (فقد باء به) أي: رجع بتلك المقالة، قال الطيبي: لأنه إذا قال القائل لصاحبه: يا كافر - مثلاً - فإن صدق رجع إليه كلمة الكفر الصادر منه مقتضاها، وإن كذب، واعتقد بطلان دين الإسلام، رجعت إليه هذه الكلمة. قال النووي: اختلف في تأويل هذا الرجوع، فقيل: رجع عليه الكفر إن كان مستحلًّا، وهذا بعيد من سياق الخبر، وقيل: محمول على الخوارج؛ لأنهم يكفرون المؤمنين، هكذا نقله عياض عن مالك، وهو ضعيف؛ لأن الصحيح عند الأكثرين أن الخوارج لا يكفرون ببدعتهم. قال الحافظ: ولما قاله مالك وَجْهٌ، وهو أن منهم مَنْ يكفر كثيرًا من الصحابة، ممن شَهِدَ له رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِالجَنَّةِ وبالإيمانِ، فيكون تكفيرهم من حيث تكذيبهم للشهادة المذكورة، لا من مجرد صدور التكفير منهم بتأويل، والتحقيق: أن الحديث سيق لزجر المسلم عن أن يقول ذلك لأخيه المسلم، وذلك قبل وجود فرقة الخوارج وغيرهم. وقيل: معناه: رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره، وهذا لا بأس به، وقيل: يخشى عليه أن يؤول به ذلك إلى الكفر؛ كما قيل: المعاصي بريد الكفر، فيخاف على مَنْ أدامها وأصرّ عليها سوء الخاتمة، وأرجح من الجميع: أن مَنْ قال ذلك لمن يعرف منه الإسلام، ولم يقم له شبهة في زعمه أنه كافر، فإنه يكفر بذلك، فمعنى الحديث: فقد رجع (١) الترمذي، كتاب الإيمان، حديث (٢٦٣٧). ٤٣٤ كتاب الإيمان عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ فيمَنْ يَمُوتُ وهُوَ يَشْهَدُ أن لَا إِلَهَ إلَّا الله هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ، ومعنى قوله باء: يعني أقرَّ. ١٧ - باب مَا جَاءَ فيمَنْ يَمُوتُ وهُوَ يَشْهَدُ أن ◌َا إلَهَ إلََّ الله [ت١٧، ١٧٢] [٢٦٣٨] (٢٦٣٨) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَن ابنِ عَجْلَانَ، عَن مُحمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ عَن ابنِ مُحَيْرِيٍ عَن الصُّنَابِحِيِّ عَنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، أنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي المَوْتِ فَبَكَيْتُ، فَقَالَ: مَهْلًا، لِمَ تَبْكِي؟، فَوالله، لَئِنِ اسْتُشْهِدْتُ لِأَشْهَدَنَّ لَكَ، وَلَئِنْ شُفِّعْتُ لأشْفَعَنَّ لَكَ، وَلَيْنِ اسْتَطَعْتُ لأَنفَعَنَّكَ، ثُمَّ قَالَ: وَالله، مَا مِن حَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِن رَسُولِ اللهِوَّه لَكُمْ فِيهِ خَيْرٌ إلَّا حَدَّثْتُكُمُوهُ إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا، وسوفَ أُحَدِّتُكُمُوهُ اليَوْمَ، عليه تكفيره، فالراجع التكفير لا الكفر، فكأنه كفر نفسه لكونه كفر مَنْ هو مثله، ومن لا يُكَفِّرُهُ إلا كافرٌ يعتقد بطلان دين الإسلام، ويؤيده أن في بعض طرقه: ((وَجَبَ الكفر على أحدهما)). قوله: (هذا حديث صحيح) وأخرجه أحمد، والشيخان. ١٧- باب ما جاء فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله [٢٦٣٨] قوله: (عن ابن محيريز) اسمه: عبد الله بن محيريز - بضم ميم، وفتح مهملة، وسكون ياءين بينهما راء مكسورة، وبزاي ـ: ابن جنادة بن وهب، الجمحي، المكي، كان يتيمًا في حجر أبي محذورة بمكة، ثم نزل بيت المقدس، ثقة، عابد، من الثالثة. قوله: (عن الصنابحي عن عبادة بن الصامت، أنه قال: دخلت عليه) قال النووي: هذا كثير يقع مثله، وفيه صنعة حسنة، وتقديره: عن الصنابحي أنه حدث عن عبادة بحديث، قال فيه: دخلت عليه، (فقال: مهلًا) بفتح الميم، وسكون الهاء، معناه: أنظرني، قال الجوهري: يُقال: مَهْلًا يا رجل، بالسكون، وكذلك للاثنين، والجمع، والمؤنث، وهي موحدةٌ بمعنى: أمهل، (والله، ما من حديث سمعته من رَسُول الله وَي لكم فيه خير إلا حدثتكموه ... إلخ) قال القاضي عياض: فيه دليلٌ على أنه كتم ما خشي الضرر فيه والفتنة، مما لا يحتمله عقلٌ كلِّ أَحدٍ، وذلك فيما ليس تحته عمل، ولا فيه حد من حدود الشريعة. قال: ومثل هذا عن الصحابة كثير في ترك الحديث بما ليس تحته عمل، ولا تدعو إليه ٤٣٥ كتاب الإيمان عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ فيمَنْ يَمُوتُ وهُوَ يَشْهَدُ أن لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَقَدْ أُحِيطَ بِنَفْسِي، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلِّ يَقُولُ: ((مَن شَهِدَ أنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأنَّ مُحمَّدًا رَسولُ الله حَرَّمَ الله عَلَيْهِ النَّارَ)). [م: ٢٩، حم: ٢٢٢٠٣]. وفي البابِ عَن أبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَليّ وَطَلْحَةَ وَجَابِرٍ وَابْنِ عُمَرَ وَزَيْد بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: سمعت ابن أبي عمر يقول: سمعت ابن عيينة يقول: محمد بْنُ عجلان كان ثقة مأمونًا في الحديثِ. قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ مِن هَذَا الوَجْهِ، وَالصُّنَابِيُّ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُسَيْلَةَ أَبُو عَبْدِ الله. وقدْ رُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّهُ سُئِلَ عَن قَوْلِ ضرورة، أو لا يحتمله عقول العامة، أو خشيت مضرته على قائله أو سامعه، لا سيما ما يتعلق بأخبار المنافقين والإمارة، وتعيين قوم وصفوا بأوصاف غير مستحسنة، وذم آخرين ولعنهم. انتهى. (وقد أحيط بنفسي) معناه: قربت من الموت، وأيست من النجاة والحياة، قال صاحب ((التحرير)): أصل الكلمة في الرجل يجتمع عليه أعداؤه، فيقصدونه، ويأخذون عليه جميع الجوانب؛ بحيث لا يبقى له في الخلاص مطمع، فيقال: أحاطوا به، أي: أطافوا به من جوانبه، ومقصوده: قَرُبَ موتي، (حرم الله عليه النار) أي: الخلود فيها كالكفار. قوله: (وفي الباب عن أبي بكر وعمر وعثمان ... إلخ) أما حديث عمر(١)، وحديث طلحة فأخرجهما أبو نعيم في ((الحلية))، وأما حديث عثمان، فأخرجه مسلم(٢)، وأما حديث جابر(٣) وحديث ابن عمر(٤)، فأخرجهما الدارقطني في ((العلل))، وأما أحاديث أبي بكر(٥) وعلي وزيد بن خالد(٦)، فلينظر من أخرجها . قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه مسلم. (١) أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٩٦/٢). (٢) مسلم، كتاب الإيمان، حديث (٢٦). (٣) أورده الهيثمي في المجمع (٢٤/١) وقال: وفي إسناده مساتير، ومحمد بن أبي ليلى سيء الحفظ. (٤) أخرجه الطبراني في «الأوسط))، حديث (٨٦٥)، وقال الهيثمي (١٨٢): رواه الطبراني في ((الأوسط))، وفيه يحيى بن المتوكل، وقد ضعفه جمهور الأئمة، ووثقه ابن معين في رواية وضعفه في رواية أخرى. (٥) أبو يعلى، حديث (١٩)، وقال الهيثمي (١٥/١): وفي إسناده كوثر، وهو متروك. (٦) أخرجه الطبراني في ((الكبير))، حديث (٥٢٦٢) وقال الهيثمي (١٨/١): ورجاله موثوقون. ٤٣٦ كتاب الإيمان عن رسول الله ﴿ / باب مَا جَاءَ فيمَنْ يَمُوتُ وهُوَ يَشْهَدُ أن لَا إِلَهَ إِلَّ الله النبيِّ وَّهِ: ((مَن قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّ الله، دَخَلَ الجَنَّةَ))، فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ هَذَا في أولِ الإسْلَام قَبْلَ نُزُولِ الفَرَائِضِ وَالأَمْرِ وَالنَّهْي)). قَالَ أَبُو عِيْسَى: وَوَجْهُ هَذَا الحَدِيثِ عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ: أنَّ أهْلَ التَّوْحِيدِ سَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، وَإِنْ عُذِّبُوا بِالنَّارِ بِذُنُوبِهِمْ؛ فَإِنَّهُمْ لَا يُخَلَّدُونَ فِيَ النَّارِ. قوله: (فقال: إنما كان هذا في أول الإسلام، قبل نزول الفرائض والأمر والنهي) قال القاضي عياض: حُكي عن جماعة من السلف - منهم ابن المسيب - أن هذا كان قبل نزول الفرائض، والأمر والنهي، وقال بعضهم: هي مجملة تحتاج إلى شرح، ومعناه: من قال الكلمة وأدى حقها وفريضتها. وهذا قول الحسن البصري. وقيل: إن ذلك لمن قالها عند الندم والتوبة، ومات على ذلك، وهذا قول البخاري. ذكر النووي كلام القاضي هذا في ((شرح المسلم))، ثم قال: وما حكاه عن ابن المسيب وغيره، ضعيفٌ، بل باطلٌ؛ وذلك لأن راوي أحد هذه الأحاديث أبو هريرة، وهو متأخر الإسلام، أسلم عام خيبر، سنة سبع بالاتفاق، وكانت أحكام الشريعة مستقرة، وأكثر هذه الواجبات كانت فروضها مستقرة، وكانت الصلاة والزكاة والصيام وغيرها من الأحكام قد تقرر فرضها، وكذا الحج، على قول مَنْ قال: فُرض سنة خمس أو ست، وهما أرجح من قول من قال: سنة تسع. (ووجه هذا الحديث عند بعض أهل العلم أن أهل التوحيد سيدخلون الجنة، وإن عذبوا في النار بذنوبهم، فإنهم لا يخلدون في النار) قال النووي: اعلم أن مذهبَ أهل السنة، وما عليه أهل الحق من السلف والخلف، أن من مات موحدًا دَخَلَ الجنة قطعًا على كل حال، فإن كان سالمًا من المعاصي - كالصغير والمجنون الذي اتصل جنونه بالبلوغ، والتائب توبة صحيحة من الشرك، أو غيره من المعاصي، إذا لم يحدث معصية بعد توبته، والموفق الذي لم يبتل بمعصية أصلًا ــ فكل هذا الصنف يدخلون الجنة، ولا يدخلون النار أصلًا، لكنهم يردونها على الخلاف المعروف في الورود، والصحيح: أن المراد به: المرور على الصراط، وهو منصوب على ظهر جهنم، عافانا الله منها ومن سائر المكروه. وأما من كانت له معصية كبيرة، ومات من غير توبة، فهو في مشيئة الله تعالى، فإن شاء عفا عنه، وأدخله الجنة أولًا ، وجعله كالقسم الأول، وإن شاء عذبه بالقدر الذي يريده سبحانه، ثم يدخله الجنة، فلا يَخْلُدُ في النار أحدٌ مات على التوحيد، ولو عمل من المعاصي ما عمل؛ كما أنه لا يدخل الجنة ٤٣٧ كتاب الإيمان عن رسول الله وَ ﴿ / باب مَا جَاءَ فيمَنْ يَمُوتُ وهُوَ يَشْهَدُ أن لَا إِلَهَ إِلَّا الله وقدْ رُوِيَ عَن عبد الله بْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي ذَرِّ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله وَابنِ عَبَّاسٍ وَأبي سعيد الخُدْرِيِّ وَأَنَسِ بْنِ مالك عَن النبيِّ وَِّ أنه قَالَ: ((سَيَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ مِن أهْلِ التَّوْحِيدِ وَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ». هَكَذَا رُوي عَن سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَغَيْرٍ وَاحِدٍ مِنَ التَّابِعِينَ، وقد رُويَ من غير وجه عَن أبي هُرَيْرَةَ عَن النبيِّ نَّهِ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿رُبَمَا يَوَدُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢] قالُوا: إذا أُخْرِجَ أهْلُ التَّوْحِيدِ مِنَ النَّارِ وَأدْخِلُوا الجَنَّةَ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ. [٢٦٣٩] (٢٦٣٩) حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، أْبَرَنَا عَبْدُ الله بن المبارك، عَن لَيْثِ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ يَحْيَى، عَن أبي عَبْدِ الرَّحمنِ المُعَافِرِيِّ، ثُمَّ الحُبُلِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الله بْنَ عَمْرِو بْنِ العَاصي، يقول: قال رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((إنَّ الله سَيُخَلِّصُ رَجُلًا مِن أُمَّتِي عَلَى رُؤُوسِ الخَلَائِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ، أحدٌ مات على الكفر، ولو عمل من أعمال البر ما عمل، هذا مختصر جامع لمذهب أهل الحق في هذه المسألة. وقد تظاهرتْ أدلةُ الكتاب والسنة وإجماع مَنْ يعتد به على هذه القاعدة، وتواترت بذلك نصوصٌ تحصل العلم القطعي، فإذا تقررت هذه القاعدة، حمل عليها جميع ما ورد من أحاديث الباب وغيره، فإذا ورد حديث في ظاهره مخالفةٌ لها، وَجَبَ تأويله عليها؛ ليجمع بين نصوص الشرع. انتهى. (عن النبي وَ ﴿﴿ قال: سيخرج قوم من النار من أهل التوحيد ويدخلون الجنة) ذكر الترمذي هذا الحديث لتأييد قول بعض أهل العلم في تفسير قول النبي وَله: ((مَنْ قَالَ: لا إِلهَ إِلا الله دَخَلَ الْجَنَّةَ))، (وهكذا روي عن سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي ... إلخ) روى الحافظ ابن جرير في ((تفسيره)) بعض هذه الآثار بأسانيده. [٢٦٣٩] قوله: (حدثني عامر بن يحيى) المعافري، أبو خنيس بمعجمة ونون مصغرًا، ثقة، من السادسة. قوله: (إن الله سيخلص) بتشديد اللام، أي: يميز ويختار، (رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة) وفي رواية ابن ماجه (١): ((يُصَاحُ بِرَجُلٍ من أُمَّتِي يَوْمَ القيامةِ عَلَى رؤوس (١) ابن ماجه، كتاب الزهد، حديث (٤٣٠٠). ٤٣٨ كتاب الإيمان عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ فيمَنْ يَمُوتُ وهُوَ يَشْهَدُ أن لَا إِلَهَ إِلَّا الله فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلًا، كُلُّ سِجِلٌّ مِثْلُ مَدّ البَصَرِ، ثُمَّ يَقُولُ: أتُنْكِرُ مِن هَذَا شَيْئًا؟ أظَلَمَكَ كَتَبَتِي الحافِظُونَ؟ فَقُولُ: لا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: أفَلَكَ عُذْرٌ؟ فَيَقُولُ: لا يَا رَبِّ! فَيَقُولُ: بَلَى، إنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً، فَإِنَّهُ لا ◌ُلْمَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ، فَتخْرِجُ بِطَاقَةٌ فِيهَا أشْهَدُ أنْ لا إِلَهَ إلَّا الله، وَأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولُ: احْضُرْ وَزْنَكَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ! مَا هَذِهِ البِطَاقَةُ مَع هَذِهِ السِّجِلَّات؟ الخلائِق)) (فينشر) بضم الشين المعجمة، أي: فيفتح، (تسعة وتسعين سجلًا)، بكسرتين فتشديد، أي: كتابًا كبيرًا، (كل سجل مثل مد البصر) أي: كل كتاب منها طوله وعرضه مقدار ما يمتد إليه بصر الإنسان، (ثم يقول) أي: الله سبحانه وتعالى، (أتنكر من هذا) أي: المكتوب، (أظلمك كَتَّبَتِي)، بفتحات: جمع كاتب، والمراد: الكرام الكاتبون، (الحافظون) أي: لأعمال بني آدم، (فيقول: أفلك عذر؟) أي: فيما فعلته، من كونه سهوًا أو خطأً أو جهلًا، ونحو ذلك، (فيقول: بلى) أي: لك عندنا ما يقوم مقام عذرك، (إن لك عندنا حسنة) أي: واحدة عظيمة مقبولة، وفي رواية ابن ماجه: ((ثُمَّ يَقُولُ: أَلَكَ عن ذلك حسنة، فَيَهَابُ الرجلُ فيقول: لا، فيقول: بلى، إنَّ لك عندنا حَسَنَاتٍ)). (فيخرج)، بصيغة المجهول المذكر، وفي رواية ابن ماجه: ((فتخرج له))، (بطاقة) قال في ((النهاية)): البطاقة: رقعة صغيرة يثبت فيها مقدار ما تجعل فيه، إن كان عينًا، فوزنه أو عدده، وإن کان متاعًا فثمنه. قيل: سميت بذلك لأنها تشد بطاقة من الثوب، فتكون الباء حينئذٍ زائدة، وهي كلمة كثيرة الاستعمال بمصر. وقال في ((القاموس)): البطاقة : - ككتابة -: الرقعة الصغيرة المنوطة بالثوب التي فيها رقم ثمنه سُمِّيَتْ بذلك لأنها تشد بطاقة من هدب الثوب. (فيها) أي: مكتوب في البطاقة، (أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) قال القاري: يحتمل أن الكلمة هي أول ما نطق بها، ويحتمل أن تكون غير تلك المرة مما وقعت مقبولة عند الحضرة، وهو الأظهر في مادة الخصوص من عموم الأمة، (احضر وزنك) أي: الوزن الذي لك، أو وزن عملك، أو وقت وزنك، أو آلة وزنك، وهو الميزان؛ ليظهر لك انتفاء الظلم، وظهور العدل، وتحقق الفضل، (فيقول: يا رب، ما هذه البطاقة) أي: الواحدة، (مع هذه السجلات؟) أي: الكثيرة، وما قدرها بجنبها ومقابلتها، ٤٣٩ كتاب الإيمان عن رسول الله وَله / باب مَا جَاءَ فيمَنْ يَمُوتُ وهُوَ يَشْهَدُ أن لَا إِلَهَ إِلَّا الله فَقَالَ: إِنَّكَ لا تُظْلَمُ، قَالَ: فَتُوْضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كِفَّةٍ وَالبِطَاقَةُ في كفَّةٍ، فَطَاشَتِ السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَتِ البِطَاقَةُ، فلا يَثْقُلُ مَعَ اسْم الله شَيْءٌ)). [جه: ٤٣٠٠، حم: ٦٩٥٥]. قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيْعَةَ عَن عَامِرِ بْنِ يَحْيَى، بهذا الإسْنَادِ نَحْوَهُ. [بمعناه: والبطاقة: القطعة] (فقال: فإنك لا تظلم) أي: لا يقع عليك الظلم، لكن لا بد من اعتبار الوزن؛ كي يظهر أن لا ظلم علیك، فاحضر الوزن. قيل: وجه مطابقة هذا جوابًا لقوله: ما هذه البطاقة؟ أن اسم الإشارة للتحقير؛ كأنه أنكر أن يكون مع هذه البطاقة المحقرة موازنة لتلك السجلات، فرد بقوله: ((إنك لا تظلم بحقيرة))، أي: لا تحقر هذه؛ فإنها عظيمة عنده سبحانه؛ إذ لا يَثْقُلُ مع اسم الله شيءٌ، ولو ثقل عليه شيءٌ لظلمت، (قال: فتوضع السجلات في كفَّة) بكسر فتشديد، أي: فردة من زوجي الميزان، ففي ((القاموس)): الكفة - بالكسر -: من الميزان معروف، ويُفتح، (والبطاقة) أي: وتوضع، (في كفة) أي: في أخرى، (فطاشت السجلات) أي: خفت، (وثقلت البطاقة) أي: رجحت، والتعبير بالمضي لتحقق وقوعه، (ولا يثقل) أي: ولا يرجح ولا يغلب (مع اسم الله شيء) والمعنى: لا يقاومه شيءٌ من المعاصي، بل يترجح ذِكْرُ الله تعالى على جميع المعاصي. فإن قيل: الأعمال أعراضٌ، لا يمكن وزنها، وإنما توزن الأجسام، أجيب: بأنه يوزن السجل الذي كتب فيه الأعمال، ويختلف باختلاف الأحوال، أو أن الله يجسم الأفعال والأقوال، فتوزن، فتثقل الطاعات، وتطيش السيئات؛ لثقل العبادة على النفس، وخفة المعصية عليها؛ ولذا وَرَدَ: ((حُفَّتِ الجنَّةُ بِالمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهوَاتِ)). قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه ابن ماجه، وابن حبان في ((صحيحه))، والحاكم، والبيهقي، وقال الحاكم(١): صحيح على شرط مسلم. كذا في ((الترغيب)). (١) ابن حبان، حديث (٢٢٥) والحاكم (٩) وصحَّحه ووافقه الذهبي. وأخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان))، حدیث (٢٨٣). ٤٤٠ كتاب الإيمان عن رسول الله ﴿ / باب مَا جَاءَ في اقْتِرَاقِ هذِهِ الأمَّة ١٨- باب مَا جَاءَ في افْتِرَاقِ هذِهِ الأمَّة [ت١٨، ١٨٢] [٢٦٤٠] (٢٦٤٠) حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ أبُو عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَن مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَن أبِي سَلَمَةَ عَن أبي هُرَيْرَةَ، أنَّ رَسُوْلَ اللهِوَّهِ قَالَ: ((تَفَرَّقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ، أوِ اثْنَتَيْنٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَالنَّصَارَى مِثْلَ ذَلِكَ، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةٌ)). [ جه: ٣٩٩١، حم: ٢٧٥١٠، د: ٤٥٩٦]. ١٨ - باب [ما جاء في] افتراق هذه الأمة [٢٦٤٠] قوله: (تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، أو اثنتين وسبعين فرقة) شَكّ من الراوي، ووقع في حديث عبد الله بن عمرو الآتي: ((وَإِنَّ بني إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة)) من غير شَكِّ، (والنصارى مثل ذلك) أي: أنهم أيضًا تفرقوا على إحدى وسبعين فرقة، أو اثنتين وسبعين فرقة، (وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة) المراد، من ((أمتي)): أمة الإجابة، وفي حديث عبد الله بن عمرو الآتي: ((كُلُّهُمْ في النَّارِ إِلا مِلَّةٌ واحدةٌ»، وهذا من معجزاته وَّر؛ لأنه أخبر عن غيب وَقَعَ. قال العلقمي: قال شيخُنا: أَلَّفَ الإمامُ أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي في شرح هذا الحديث كتابًا، قال فيه: قد علم أصحاب المقالات أنه وَ ﴿ لم يرد بالفرقِ المذمومةِ المختلفين في فروع الفقه من أبواب الحلال والحرام، وإنما قصد بالذم مَنْ خالف أهل الحق في أصول التوحيد، وفي تقدير الخير والشر، وفي شروط النبوة والرسالة، وفي موالاة الصحابة، وما جرى مجرى هذه الأبواب؛ لأن المختلفين فيها قد كفر بعضهم بعضًا، بخلاف النوع الأول؛ فإنهم اختلفوا فيه من غير تكفيرٍ ولا تفسيقٍ للمخالف فيه، فيرجع تأويل الحديث في افتراق الأمة إلى هذا النوع من الاختلاف، وقد حدث في آخر أيام الصحابة خلافُ القدرية، من معبد الجهني وأتباعه، ثم حدث الخلاف بعد ذلك شيئًا فشيئًا، إلى أن تكاملت الفرق الضالة اثنتين وسبعين فرقة، والثالثة والسبعون هم أهل السنة والجماعة، وهي الفرقة الناجية. انتهى باختصار يسير.