Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١
كتاب الإيمان عن رسول الله وَار / باب ما جاء في اسْتِكمَالِ الإيمَان وَزيادته ونقْصَانه
[٢٦١٣] (٢٦١٣) حَدَّثَنَا أبُو عَبْدِ الله هُرَيْمُ بْنُ مِسْعَرِ الأَزْدِيُّ الترْمِذِيُّ، حَدَّثَنَا
عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَن سُهَيْلِ بْنِ أبي صَالحِ، عَن أبِيهِ عَن أبي هُرَيْرَةَ، أنَّ
رَسُوْلَ الله وَّهِ خَطَبَ النَّاسَ فَوَعَظَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: ((يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ! تَصَدَّقْنَ فَإِنَّكُنَّ أَكْثَرُ
أَهْلِ النَّارِ))، فَقَالَت امْرَأةٌ مِنْهُنَّ: وَلِمَ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (لِكَثْرَةِ لَعْنِكُنَّ))، يَعْنِي
وَكُفْرِكُنَّ العَشِيرَ قَالَ: ((وَمَا رَأيْتُ مِن نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ
[٢٦١٣] قوله: (حدثنا أبو عبد الله بن هريم) بضم الهاء، وفتح الراء مصغرًا، (ابن
مسعر) بكسر الميم، وسكون السين، وفتح العين المهملتين، (الأزدي الترمذي) مقبول، من
العاشرة.
قوله: (خطب الناس) وفي حديث أبي سعيد عند الشيخين(١): ((خَرَجَ رسولُ اللهِصَلّ في
أضحى، أو فطر إلى المصلى، فَمَرَّ على النساءِ، فقال: يَا مَعْشَرَ النساءِ تَصَدَّقْنَ ... إلخ))،
(ثم قال: يا معشر النساء) أي: جماعتهن، والخطاب عام، غلبت الحاضرات على الغُيَّبِ،
قال أهل اللغة: المعشر: هم الجماعة الذين أمرهم واحد، أي: مشتركون، وهو اسم
يتناولهم، كالإنس معشر، والجن معشر، والأنبياء معشر، والنساء معشر، ونحو ذلك،
وجمعه: معاشر، (تصدقن) أمرٌ لهن، أي: أعطين الصدقة، (ولم ذاك) أصله ((لما)) حذفت
ألف ((ما)) الاستفهامية بدخول حرف الجر عليها؛ تخفيفًا، واللام متعلقة بمقدر بعدها،
والواو: إما للعطف على مقدر قبله، والتقدير: فقالت: كيف يكون ذاك، ولأي شيء نكون
أكثر أهل النار؟ أو زائدة؛ ليدل على أنه متصل بما قبله، لا سؤال مستقل بنفسه، منقطع عما
قبله، (لكثرة لعنكن) اللعن: هو الدعاء بالإبعاد من رحمة الله تعالى، (يعني: وكفركن
العشير) هذا قول بعض الرواة، وفي حديث أبي سعيد: ((تُكْثِرِنَ اللعنَ، وتكفرن العشير)).
قال النووي: العشير - بفتح العين، وكسر الشين - وهو في الأصل المعاشر، مطلقًا،
والمراد هنا: الزوج. انتهى.
وكفران العشير: جحد نعمته، وإنكارها، أو سترها بترك شكرها، واستعمال الكفران في
النعمة والكفر في الدين أکثر.
(من ناقصات عقل ودين) صفة موصوف محذوف، أي: ما رأيت أحدًا من ناقصات،
(١) البخاري، كتاب الحيض، حديث (٣٠٤) ومسلم، كتاب صلاة العيدين، حديث (٨٨٩).
٤٠٢
كتاب الإيمان عن رسول اللّه ◌َا﴿ / باب ما جاء في اسْتِكمَالِ الإيمَان وَزيادته ونقْصَانه
أَغْلَبَ لِذَوِي الأَلْبَابِ وَذَوِي الرَّأي مِنْكُنَّ))، قَالَت امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ: وَمَا نقصانُ دينِها
وعقلِها؟ قَالَ: ((شَهَادَةُ امْرأْتَيْنٍ مِنْكُنَّ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ، وَنُقْصَانُ دِينِكُنَّ: الحَيْضَةُ،
تَمْكُثُ إحْدَاكُنَّ الثَّلَاثَ وَالأَرْبَعَ لَا تُصَلَّي)). [خ بنحوه: ٣٠٤، م: ٨٠].
وفي الباب عَن أبي سَعِيدٍ وَابنِ عُمَرَ.
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسن صحيحٌ من هذا الوجه.
(أغلب لذوي الألباب) أي لذوي العقول، والألباب: جمع اللب، وهو العقل الخالص من
شوب الهوى، وفيه مبالغة؛ لأنه إذا كان ذو اللب والرأي مغلوبًا، فَغَيْرُهُ أولى، (منكن) متعلق
بـ((أغلب))، (وما نقصان عقلها ودينها؟) كأنه خفي عليها ذلك حتى سألت عنه، (قال: شهادة
امرأتين منكن بشهادة رجل) وفي حديث أبي سعيد: ((أَلَيْسَ شَهَادَةُ المرأةِ مِثْلَ نِصْفٍ شَهَادَةٍ
الرّجل؟)) قال الحافظ: أشار بقوله: ((مثل نصف شهادة الرجل)) إلى قوله تعالى: ﴿فَرَجُلٌ
وَأَمْرَأَتَانِ مِمَن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]؛ لأن الاستظهار بأخرى مؤذنٌ بقلة ضبطها،
وهو مشعر بنقص عقلها، (ونقصان دينكن الحيضة) بفتح الحاء، (فتمكث إحداكن الثلاث
والأربع) أي: ثلاث ليال مع أيامها، أو أربع ليال مع أيامها، (لا تصلي) أي: ولا تصوم،
وفي حديث أبي سعيد: ((أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ، وَلَمْ تَصُمْ؟))، قلن: بلى، قال: ((فذلك
من نقصان دينها)).
قال النووي: وأما وصفه ◌َّيه النساء بنقصان الدين لتركهن الصلاة والصوم في زمن
الحيضٍ، فقد يستشكل معناه، وليس بمشكل، بل هو ظاهرٌ، فإن الدين والإيمان والإسلام
مشتركة في معنى واحدٍ كما قدمناه في مواضع، وقد قدمنا أيضًا في مواضع أن الطاعات
تُسَمَّى إيمانًا ودينًا، وإذا ثبت هذا، علمنا أن من كثرت عبادته زاد إيمانه ودينه، ومن نقصت
عبادته نقص دينه. انتهى.
قوله: (وفي الباب عن أبي سعيد وابن عمر) أما حديث أبي سعيد، فقد تقدم تخريجه آنفًا(١).
وأما حديث ابن عمر، فأخرجه مسلم(٢) نحو حديث أبي سعيد وأبي هريرة.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم.
(١) البخاري، كتاب الحيض، حديث (٣٠٤) مسلم، كتاب صلاة العيدين، حديث (٨٨٩).
(٢) مسلم، كتاب الإيمان، حديث (٨٠).
٤٠٣
كتاب الإيمان عن رسول الله وَ﴿ / باب ما جاء في اسْتِكمَالِ الإيمَان وَزيادته ونقْصَانه
[٢٦١٤] (٢٦١٤) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَن سُفْيَانَ عَن سُهَيْلٍ بْنِ
أبي صَالحِ عَن عَبْدِ الله بْنِ دِينَارٍ، عَن أبي صَالحِ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَالَ: ((الإِيمَانُ بِضْعٌ وسَبْعُونَ بَابًا، أَدْناَهَا إمَاطَةُ الأَذى عَنِ الطَّرِيقِ،
وَأَرْفَعُهَا قوْلُ: لا إلَهَ إلّا اللهُ)). [خ: ٩، م: ٣٥، ن: ٥٠٢٠، د: ٤٦٧٦، جه: ٥٧، حم: ٨٧٠٧].
[٢٦١٤] قوله: (الإيمان بضع وسبعون بابًا) وفي روايات الشيخين: ((شعبة)) مكان ((بابًا))،
فالمراد بالباب هنا الشعبة، وهي القطعة من الشيء، والمراد الخصلة أو الجزء. قاله
الحافظ، والبضع بكسر الباء: هو ما بين الثلاث إلى التسع، أو إلى الخمس، أَوْ ما بين
الواحد إلى الأربع، أو من أربع إلى تسع، أو هو سبع. كذا في ((القاموس)).
اعلم: أنه وقع في هذه الرواية: ((بضع وسبعون))، ووقع في رواية البخاري في ((كتاب
الإيمان)): ((بضع وستون)) وفي رواية لمسلم: ((بضع وسبعون))، وفي أخرى له: ((بضع
وسبعون، أو بضع وستون بالشكّ، ووقع في الرواية الآتية: ((أربعة وستون)).
قال الحافظ: وَأَمَّا رواية الترمذي بلفظ: ((أربع وستون)) فمعلولةٌ، وعلى صحتها لا
تخالف رواية البخاري، وترجيح رواية: ((بضع وسبعون)) لكونها زيادة ثقةٍ؛ كما ذكره
الحليمي، ثم عياض لا يستقيم؛ إذ الذي زادها لم يستمر على الجزم بها، لاسيما مع اتحاد
المخرج، وقد رجح ابن الصلاح الأقلّ؛ لكونه المتيقن.
(فأدناها) أي: أقربها منزلة، وأدونها مقدارًا ومرتبة، بمعنى أقربها تناولًا، وأسهلها
تواصلًا، من الدنو بمعنى القرب، فهو ضد فلان بعيد المنزلة، أي: رفيعها، أو من الدناءة،
أي: أقلها فائدة؛ لأنها دفع أدنى ضرر، (إماطة الأذى) أي: تنحيته وإبعاده، والمراد
بالأذى: كلُّ ما يؤذي من حجر ومدر، أو شوك أو غيره، (وأرفعها قول: لا إله إلا الله) وفي
رواية مسلم: ((أفضلها)) مكان ((أرفعها))، قال القاضي: قد نَبَّهَوَ ﴿ على أن أفضلها التوحيد
المتعين على كل أحد، والذي لا يصح شيء من الشعب إلَّا بعد صحته، وأدناها ما يتوقع
ضرره بالمسلمين، من إماطة الأذى عن طريقهم، وبقي بين هذين الطريقين أعداد، لو تكلف
المجتهد تحصيلها بغلبة الظن، وشدة التتبع لأمكنه، وقد فعل ذلك بعض من تقدم، وفي
الحكم بأن ذلك مراد النبي ◌ّله* صعوبة، ثم إنه لا يلزم معرفة أعيانها، ولا يقدح جهل ذلك
في الإيمان؛ إذ أن أصول الإيمان وفروعه معلومة محققة، والإيمان بأنها هذا العدد واجب
في الجملة. انتهى.
٤٠٤
كتاب الإيمان عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ ((أن الحَيَاء مِنَ الإيمانِ))
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وَهَكَذَا رَوَى سُهَيْلُ بْنُ أبي صَالحِ
عَن عَبْدِ الله بْنِ دِينَارٍ، عَن أبي صَالحِ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، وَرَوَى عِمَارَة بْنُ غَزِيَّةَ هَذَا
الحَدِيثَ عَن أبي صَالحِ عَن أبي هُرَيْرَةَ عَن النبيِّ نَّهِ قَالَ: ((الإيمَانُ أَرْبَعَةٌ وَسِتُّونَ
بَابًا)). [شاذ بهذا اللفظ].
قال: حَدَّثَنَا بِذَلِكَ قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مُضَر عَنِ عِمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ عَن أَبِي صَالحٍ،
عَن أبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِِّ.
٧- باب مَا جَاءَ ((أن الحَيَاء مِنَ الإيمانِ)) [ت٧، م٧]
[٢٦١٥] (٢٦١٥) حَدَّثَنَا ابنُ أبي عُمَرَ وَأحْمَدُ بْنُ مَنِيع، المَعْنَى وَاحِدٌ، قالا:
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَن سَالِم عَن أَبِيه، أنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَّهِ مَرَّ بِرَجُلٍ
وَهُوَ يَعِظُ أخَاهُ في الحَيَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَطِّ: ((الحَيَاءُ مِنَ الإيمَانِ)). [خ: ٢٤،
م: ٣٦، جه: ٥٨، ن: ٥٠٤٨، د: ٤٧٩٥، حم: ٥١٦١، طا: ١٦٧٩].
وقد صنف في تعيين هذه الشعب جماعةٌ منهم: الإمام أبو عبد الله الحليمي، صنف فيها
كتابًا سماه ((فوائد المنهاج))، والحافظ أبو بكر البيهقي، وسماه ((شعب الإيمان))، والشيخ عبد
الجليل أيضًا سماه ((شعب الإيمان))، وإسحاق بن القرطبي، وسماه ((كتاب النصائح))، والإمام
أبو حاتم وسماه ((وصف الإيمان وشعبه)). قاله العيني.
وقال الحافظ في ((الفتح)): ولم يتفق من عد الشعب على نمط واحد، وأقربها إلى
الصواب: طريقة ابن حبان، لكن لم نقف على بيانها من كلامه، وقد لخصت مما أورده ما
أذكره، ثم ذكره الحافظ بقوله: ((وهو أن هذه الشعب تتفرع عن أعمال القلب، وأعمال
اللسان، وأعمال البدن، فأعمال القلب فيها المعتقدات، والنيات، وتشتمل على أربع
وعشرين خصلة ... )) إلخ.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة.
٧- باب ما جاء أن الحَيَاءَ من الإِيمَانِ
تقدم تفسير الحياء لغةً وشرعًا في ((باب الحياء)) من ((أبواب البر والصلة)).
[٢٦١٥] قوله: (وهو يعظ أخاه في الحياء) أي: ينصح، أو يخوِّف، أو يذكِّر. كذا
٤٠٥
كتاب الإيمان عن رسول الله وَلا﴿ / باب مَا جَاءَ فِي حُرْمَةِ الصَّلاةِ
قَالَ أحمدُ بْنُ مَنِيع في حَدِيثِهِ: ((إنَّ النبيَّ وَلِهِ سَمِعَ رَجُلًا يَعِظُ أخَاهُ في الحَيَاءِ».
قَالَ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وفي البابِ عَن أبي هُرَيْرَةَ وأبي بكرة
وأبي أمامة .
٨- باب مَا جَاءَ في حُزْمَةِ الصَّلاةِ [ت٨، ٨٢]
[٢٦١٦] (٢٦١٦) حَدَّثَنَا ابنُ أبي عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مُعَاذِ الصَّنْعَانِيُّ عَن
شرحوه، والأولى أن يشرح بما جاء عند البخاري(١) في ((الأدب))، ولفظه: ((يُعَاتِبُ أَخَاهُ في
الحياءِ، يقول: إِنَّكَ لَتَسْتَحِي، حَتَّى كأنه يقولُ: قد أضرَّ بِكَ)). انتهى، ويحتمل أن يكون
جمع له العتاب والوعظ، فذكر بعض الرواة ما لم يذكره الآخر، لكن المخرج متحد،
فالظاهر أنه من تصرف الراوي، بحسب ما اعتقد أن كل لفظ منهما يقوم مقام الآخر، و((في))
سببية، فكأن الرجل كان كثير الحياء، فكان ذلك يمنعه من استيفاء حقوقه، فعاتبه أخوه على
ذلك، فقال له النبي ◌َّ﴾: ((دَعْهُ)): أي: اتركه على هذا الخلق السَّني، ثم زاد في ذلك ترغيب
الحكمة؛ بأنه من الإيمان، وإذا كان الحياء يمنع صاحبه من استيفاء حق نفسه، جر له ذلك
تحصيل أجر ذلك الحق، لا سيما إذا كان المتروك له مستحقًّا. كذا في ((الفتح)) (الحياء من
الإيمان) أي: بعضه، أو من شعبه. قاله القاري، وقد ذكر النووي كلامًا نافعًا مفيدًا فيما
يَتَعَلَّقُ بالحياء، ونقلناه عن ((شرح مسلم))، في ((باب الحياء)»، فعليك أن تطالعه.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
قوله: (وفي الباب عن أبي هريرة) أخرجه الترمذي (٢) في ((باب الحياء)).
٨- باب ما جاء في حرمة الصلاة
[٢٦١٦] قوله: (حدثنا عبد الله بن معاذ) بن نشيط، بفتح النون بعدها معجمة،
الصنعاني، صاحب معمر، صدوق، تحامل عليه عبد الرزاق، من التاسعة.
(١) البخاري في ((الأدب المفرد))، حديث (٦٠٢).
(٢) الترمذي، كتاب البر والصلة، حديث (٢٠٠٩).
ولم يذكر المصنف في الباب حديث أبي بكرة وأبي أمامة، أما حديث أبي بكرة، فأخرجه البخاري في ((الأدب
المفرد» حدیث (١٣١٤) وابن ماجه، كتاب الزهد، حديث (٤١٨٤).
وأما حديث أبي أمامة: فأخرجه أحمد، حديث (٢١٨٠٩) والترمذي، كتاب البر والصلة، حديث (٢٠٢٧).
٤٠٦
كتاب الإيمان عن رسول الله وَ﴿ ر باب مَا جَاءَ فِي حُرْمَةِ الصَّلاةِ
مَعْمَرٍ عَن عَاصِمٍ بْنِ أبي النُّجُودِ عَن أبي وَائِلٍ عَن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ
النبيِّ بَّهِ فِي سَفَرٍ، فَأَصْبَحْتُ يَوْمًا قَرِيبًا مِنْهُ وَنَحْنُ نَسِيرُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله!
أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُني الجَنَّةَ وَيُبَاعِدُنِي عنِ النَّارِ، قَالَ: (لَقَدْ سَأَلْتَنِي عَن عَظِيمٍ وَإِنَّهُ
لَيَسِيرٌ عَلَى مَن يَسَّرَهُ الله عَلَيْهِ: تَعْبُدُ الله وَلا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي
الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ البَيْتَ))، ثُمَّ قَالَ: ((ألا أدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الخَيْرِ؟:
الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ المَاءُ النَّارَ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ مِن جَوفِ
اللَّيْلِ))، قَالَ:
قوله: (قال: كنت مع النبي ◌َّ﴿ في سفر، فأصبحت يومًا قريبًا منه ونحن نسير) وفي
رواية قال: ((بينما نحن نَخْرُجُ مع رسولِ اللهِ وَّهِ في غزوة تبوك، وقد أصابنا الحَرُّ، فتفرق
القومُ، فإذا رسولُ الله ◌َّهِ أقربهم مِنِّي، فَدَنَوْتُ منه، وقلت)): (أخبرني بعمل يدخلني الجنة)
برفع يدخل، على أنه صفة ((عمل))، إما مخصصة، أو مادحة، أو كاشفة، فإن العمل إذا لم
يكنْ بهذه الحيثية، كأنه لا عمل، وقيل: بالجزم، وفيه تكلّفٌ.
(عن عظيم) أي: عن عمل عظيم فعلُهُ على النفوس، (وإنه ليسير) أي: هين وسهلٌ،
(على من يسره الله) أي: جعله سهلًا، (تعبد الله) إما بمعنى الأمر - وكذا ما بعده - وإما خبر
مبتدأ محذوف؛ تعويلًا على أقوى الدليلين، أي: هو أن تعبد، أي: العمل الذي يدخلك
الجنة عبادتك الله، بحذف ((أن))، أو تنزيل الفعل منزلة المصدر، وعدل عن صيغة الأمر؛
تنبيهًا على أن المأمور كأنه متسارع إلى الامتثال، وهو يخبر عنه إظهارًا لرغبته في وقوعه،
وفصله عن الجملة الأولى لكونه بيانًا أو استئنافًا، (ألا أدلك على أبواب الخير) أي: الطرق
الموصلة به، (الصوم جنة) بضم الجيم: الترس، أي: مانع من النار، أو من المعاصي بكسر
الشهوة، وضعف القوة، وقال في ((النهاية)): ((الصوم جنة))، أي: يقي صاحبه ما يؤذيه من
الشهوات، والجنة: الوقاية. انتهى.
(والصدقة تطفئ الخطيئة) من الإطفاء، أي: تذهبها، وتمحو أثرها، أي: إذا كانت
متعلقة بحق الله تعالى، وإذا كانت من حقوق العباد، فتدفع تلك الحسنة إلى خصمه عوضًا
عن مظلمته، (وصلاة الرجل من جوف الليل) مبتدأ خبره محذوف، أي: كذلك، يعني:
تطفي الخطيئة، أو: هي من أبواب الخير، والأول أظهر، قال القاضي: وقيل: الأظهر أن
٤٠٧
كتاب الإيمان عن رسول الله وَليه / باب مَا جَاءَ فِي حُرْمَةِ الصَّلاةِ
ثُمَّ تَلا ﴿نَتَجَانَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٦-١٧] ثَمَّ
قَالَ: ((ألا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الأَمْرِ كُلِّهِ وَعَمُودِهِ وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ)). قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ الله!
قَالَ: ((رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلَامُ، وَعَمودُهُ الصَّلَاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الجِهَادُ))، ثُمَّ قَالَ: ((ألا
أُخْبِرُكَ بِمِلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ»، قُلْتُ: بَلَى يَا نبي الله، فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ، قَالَ: ((كُفَّ عَلَيْكَ
هَذَا))، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ الله!
يقدر الخبر، وهو: ((شعار الصالحين))، كما في ((جامع الأصول)). ذكره القاري، (ثم تلا)
أي: قرأ رسول الله وَليهِ، (﴿نَتَجَانَى جُنُوبُهُمْ﴾) أي: تتباعد، (﴿عَنِ الْمَضَاجِع)) أي: المفارش
والمراقد، (﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾) بالصلاة، والذكر، والقراءة، والدعاء، (حتى بلغ ﴿يَعْمَلُونَ﴾) بقية
فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُ مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءُ بِمَا
الآية: ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ
كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٦، ١٧]، (ألا أخبرك برأس الأمر كله) أي: بأصل كل أمر، (وعموده)،
بفتح أوله، أي: ما يقوم ويعتمد عليه، (وذروة سنامه) بكسر الذال، وهو الأشهر، وبضمها،
وحكي فتحها: أعلى الشيء، والسنام بالفتح: ما ارتفع من ظهر الجمل قريب عنقه، (قال:
رأس الأمر) أي: أمر الدين، (الإسلام) يعني: الشهادتين، وهو من باب التشبيه المقلوب؛ إذ
المقصود تشبيه الإسلام برأس الأمر؛ ليشعر بأنه من سائر الأعمال بمنزلة الرأس من الجسد
في احتياجه إليه، وعدم بقائه دونه، (وعموده الصلاة) يعني: الإسلام هو أصل الدين إلَّا أنه
ليس له قوة وكمال، كالبيت الذي ليس له عمود، فإذا صلى، وداوم قوي دينه، ولم يكن له
رفعة، فإذا جاهد حصل لدينه رفعة، وهو معنى قوله: (وذروة سنامه الجهاد) وفيه إشعار إلى
صعوبة الجهاد، وعلو أمره، وتفوقه على سائر الأعمال، والجهاد: من الجهد بالفتح، وهو
المشقة، أو بالضم: وهو الطاقة؛ لأنه يبذل الطاقة في قتال العدو عند فعل العدو مثل ذلك،
(ألا أخبرك بملاك ذلك كله)، الملاك ما به إحكام الشيء وتقويته، من مَلَكَ العجينَ، إذا
أحسن عجنه وبالغ فيه، وأهل اللغة يكسرون الميم ويفتحونها؛ والرواية بالكسر، وذلك إشارةٌ
إلى ما ذكر من أول الحديث إلى هنا من العبادات، وأكده بقوله: ((كله))؛ لئلا يظن خلاف
الشمول، أي: بما تقوم به تلك العبادات جميعها، (فأخذ) أي: رسول الله وَ ظله، (بلسانه)
الباء: زائدة، والضمير راجع إلى رسول الله وَّةٍ، (قال: كف) الرواية بفتح الفاء المشددة،
أي: امنع، (هذا) إشارة إلى اللسان، أي: لسانك المشافه له، وتقديم المجرور على
المنصوب للاهتمام به، وتعديته بـ((على)) للتضمين، أو: بمعنى: ((عن))، وإيراد اسم الإشارة
٤٠٨
كتاب الإيمان عن رسول اللّه ◌َ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي حُرْمَةِ الصَّلاةِ
وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: ((ثَكِلَتْكَ أُمُّك يَا مُعَاذ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ في
النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ، أوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ، إلَّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ)). [جه: ٣٩٧٣].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
[٢٦١٧] (٢٦١٧) حَدَّثَنَا ابنُ أبي عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنِ وَهْبٍ، عَن عَمْرِو بْنِ
الحَارِثِ عَن دَرَّاج
لمزيد التعيين أو للتحقير، وهو مفعول ((كف))، وإنما أخذ عليه الصلاة والسلام بلسانه وأشار
إليه من غير اكتفاء بالقول؛ تنبيهًا على أن أمر اللسان صعب، والمعنى: لا تتكلم بما لا
يعنيك؛ فإن من كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه، كثرت ذنوبه، ولكثرة الكلام مفاسد لا
تحصی.
(وإنا لمؤاخذون) بالهمز ويبدل، أي: هل يؤاخذنا ويعاقبنا أو يحاسبنا ربنا، (بما نتكلم
به) يعني: بجميعه؛ إذ لا يخفى على معاذ المؤاخذة ببعض الكلام، (ثكلتك) بكسر الكاف،
أي: فقدتك، وهو دعاء عليه بالموت، على ظاهره، ولا يراد وقوعه، بل هو تأديب وتنبيه من
الغفلة، وتعجيب وتعظيم للأمر، (وهل يكب)، بفتح الياء، وضم الكاف -: من كبه، إذا
صرعه على وجهه، بخلاف أكب، فإن معناه: سقط على وجهه، وهو من النوادر، وهو
عطف على مقدر، أي: هل تظن غير ما قلت، وهل يكب (الناس) أي: يلقيهم، ويسقطهم،
ويصرعهم، (على وجوههم أو على مناخرهم) شَكٍّ من الراوي، والمنخر - بفتح الميم، وكسر
الخاء، وفتحها -: ثقب الأنف. والاستفهام للنفي، خصَّهما بالكب؛ لأنهما أول الأعضاء
سقوطًا، (إلا حصائد ألسنتهم) أي: محصوداتها، شَبَّهَ ما يتكلم به الإنسان بالزرع المحصود
بالمنجل، وهو من بلاغة النبوة، فكما أن المنجل يقطع ولا يميز بين الرطب واليابس،
والجيد والرديء، فكذلك لسان بعض الناس يتكلم بكل نوع من الكلام، حسنًا وقبيحًا،
والمعنى: لا يكب الناس في النار إلا حصائد ألسنتهم من: الكفر، والقذف، والشتم،
والغيبة، والنميمة، والبهتان، ونحوها، والاستثناء مفرغ، وهذا الحكم وارد على الأغلب،
أي: على الأكثر؛ لأنك إذا جربت لم تجد أحدًا حفظ لسانه عن السوء، ولا يصدر عنه شيء
یوجب دخول النار إلَّا نادرًا .
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه.
[٢٦١٧] قوله: (عن عمرو بن الحارث) الأنصاري، مولاهم المصري، (عن دراج) بفتح
٤٠٩
كتاب الإيمان عن رسول الله وَ﴿﴿ / باب مَا جَاءَ فِي حُرْمَةِ الصَّلاةِ
أبِي السَّمْحِ عَن أبي الهَيْثم، عَن أبي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ: ((إِذَا رأيْتُمُ الرَّجُلَ
يَتَعَاهَدُ المَسْجِدَ فَاشْهَدُوا لَهُ بالإيمَانِ، فَإِنَّ الله تعالى يَقُولُ: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْ
ءَامَنَ بِاَللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَ الزَّكَوَةَ﴾ [التوبة: ١٨])) الآية. [ضعيف، رواية
دراج عن أبي الهيثم ضعيفة: جه ٨٠٢، حم: ٢٧٣٢٥، مي: ١٢٢٣].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
الدال المهملة، وشدة الراء آخره جيم، (أبي السمح) بمهملتين، الأولى مفتوحة والميم
ساكنة، قيل: اسمه: عبد الرحمن، ودراج لقب، السهمي، مولاهم المصري، القاص،
صدوق في حديثه عن أبي الهيثم، ضعف، من الرابعة.
قوله: (إذا رأيتم الرجل يتعاهد المسجد) أي: يخدمه ويعمره، وقيل: المراد التردد إليه
في إقامة الصلاة وجماعته، وهذا هو التعهد الحقيقي، وهو عمارته صورة، (فاشهدوا له
بالإيمان) أي: بأنه مؤمن، قال الطيبي: التعهد والتعاهد: الحفظ للشيء، وورد في بعض
الروايات وهي رواية للترمذي: ((يعتاد)) بدل ((يتعاهد))، وهو أقوى سندًا، وأوفق معنى؛
لشموله جميع ما يناط به المسجد من العمارة، واعتياد الصلاة، وغيرها، ألا ترى إلى ما
أشهد به النبي ﴿ بقوله: ((فاشهدوا له))، أي: اقطعوا له القول بالإيمان؛ لأن الشهادة قول
صدر عن مواطأة القلب على القطع. وقال ابن حجر: بل التعهد أولى؛ لأنه مع شموله لذلك
يشمل تعهدها بالحفظ، والعمارة، والكنس، والتطبيب، وغير ذلك، كما يدل عليه استشهاده
عليه السلام بالآية الآتية. كذا في ((المرقاة)).
قلت: رواية الترمذي التي فيها: ((يعتاد)) أخرجها هو في ((التفسير)).
(﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ﴾﴾ [التوبة: ١٨]، أي: بإنشائها، أو ترميمها، أو إحيائها بالعبادة،
والدروس، قال صاحب ((الكشاف)): عمارتها: كنسها، وتنظيفها، وتنويرها بالمصابيح،
وتعظيمها، واعتيادها للعبادة والذكر، وصيانتها عما لم تبن له المساجد من حديث الدنيا،
فضلًا عن فضول الحديث. انتهى.
قوله: (هذا حديث حسن غريب)، وأخرجه ابن ماجه، والدارمي، وابن خزيمة،
والحاكم (١) وقال: صحيح، وقال الذهبي: في إسناده دراج، وهو كثير المناكير، نقله ميرك
عن التخريج.
(١) ابن خزيمة، حديث (١٥٠٢) والحاكم، حديث (٧٧٠) وقال: صحيح الإسناد. وقال الذهبي: درَّاج كثير المناكير.
٤١٠
كتاب الإيمان عن رسول الله وَّ﴿ / باب مَا جَاءَ في تَرْكِ الصَّلاةِ
٩- باب مَا جَاءَ في تَرْكِ الصَّلاةِ [ت٩، م٩]
[٢٦١٨] (٢٦١٨) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عَن الأعْمَشِ، عَن
أبي سُفْيَانَ، عَن جَابِرٍ، أنَّ النَّبِيَّ وَ لَ قَالَ: ((بَيْنَ الكُفْرِ وَالإيمانِ تَرْكُ الصَّلَاةِ)).
[م: ٨٢، جه: ١٠٧٨، د: ٤٦٧٨، حم: ١٤٥٦١، مي: ١٢٣٣].
[٢٦١٩] (٢٦١٩) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أسْبَاطُ بْنُ مُحمَّدٍ، عَن الأَعْمَشِ بهذَا
الإِسْنَادِ، نحْوَهُ وقالَ: ((بَيْنَ العَبْدِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ أوِ الكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ».
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وَأَبُو سُفْيَانَ اسْمُهُ: طَلْحَةُ بْنُ نَافِعِ.
٩- باب ما جاء في ترك الصلاة
[٢٦١٨] قوله: (أخبرنا جرير) بن عبد الحميد، (وأبو معاوية) اسمه: محمد بن خازم
الضرير الكوفي.
قوله: (بين الكفر والإيمان ترك الصلاة) أي: ترك الصلاة وَصْلَةٌ بين الكفر والإيمان،
قال ابن الملك: متعلقُ ((بين)) محذوفٌ، تقديره: تركها وصلة بينه وبينه، وقال بعضهم: قد
يقال لما يوصل الشيء إلى الشيء، من شخص أو هدية: هو بينهما، وقال الطيبي: ((ترك
الصلاة)) مبتدأ، والظرف المقدم خبره، والظاهر أن فعل الصلاة هو الحاجز بين العبد
والكفر.
[٢٦١٩] قوله: (بين العبد وبين الشرك، أو الكفر ترك الصلاة). كذا وقع في نسخ
الترمذي: ((أو الكفر)) بلفظ ((أو))، ووقع في رواية مسلم: ((والكفر)) بالواو، قال النووي:
هكذا هو في جميع الأصول من ((صحيح مسلم)): ((الشرك والكفر)) بالواو، وفي مخرج
أبي عوانة الإسفراييني، وأبي نعيم الأصبهاني: ((أو الكفر)) بـ ((أو))، ولكل واحد منهما وجه،
ومعنى بينه وبين الشرك ترك الصلاة، أن: الذي يمنع من كفره كونه لم يترك الصلاة، فإذا
تركها لم يبق بينه وبين الشرك حائل، بل دخل فيه، ثم إن الشرك والكفر قد يطلقان بمعنى
واحد، وهو الكفر بالله تعالى، وقد يفرق بينهما، فيخص المشرك بعبدة الأوثان وغيرها من
المخلوقات، مع اعترافهم بالله تعالى، ككفار قريش، فيكون الكفر أعم من الشرك.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن
ماجه .
٤١١
كتاب الإيمان عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ في تَرْكِ الصَّلاةِ
٢٠] (٢٦٢٠) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَن سُفْيَانَ عَن أبي الزُّبَيْرِ عَن
جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلّهِ: (بَيْنَ العَبْدِ وَبَيْنَ الكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ)). [م: ٨٢].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وَأَبُو الزُّبَيْرِ اسْمُهُ: مُحمَّدُ بْنُ
مُسْلِمٍ بْنِ تَدْرُسَ، [اشتهر بالتدليس].
[٢٦٢١] (٢٦٢١) حَدَّثَنَا أبُو عَمَّارِ الحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ وَيُوسُفُ بْنُ عِيسَى، قالا:
حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ مُوسَى عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ. قالا: ح وحَدَّثَنَا أبُو عَمَّارِ الحسَنُ بْنُ
حُرَيْثٍ وَمَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ قَالا: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ أَبِهِ قَالَ: ح
وَحَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الحَسَنِ الشَّقِيقيِّ ومَحمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قالا: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بُْ
الحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، عَن الحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَن عَبْدِ الله بْنِ بُرَيْدَةَ عَن أبِيه قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((العَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ)). [جه: ١٠٧٩،
ن: ٤٦٢، حم: ٢٢٤٢٨].
[٢٦٢٠] قوله: (وأبو الزبير اسمه: محمد بن مسلم بن تَدْرُس) بفتح المثناة، وسكون
الدال المهملة، وضم الراء.
[٢٦٢١] قوله: (ويوسف بن عيسى) أبو يعقوب المروزي، (أخبرنا الفضل بن موسى)
السيناني، المروزي، (عن الحسين بن واقد) المروزي ... ، (أخبرنا علي بن الحسين بن
واقد) المروزي، صدوق، يهم، من العاشرة، (وحدثنا محمد بن علي بن الحسن الشقيقي)
المروزي، ثقة، صاحب حديث، من الحادية عشرة، (أخبرنا علي بن الحسن بن شقيق)
أبو عبد الرحمن المروزي.
قوله: (العهد الذي بيننا وبينهم) يعني المنافقين، (الصلاة) أي: هو الصلاة، بمعنى أنها
الموجبة لحقن دمائهم، كالعهد في حق المعاهدين، (فمن تركها فقد كفر) أي: فإذا تركوها،
برئت منهم الذمة، ودخلوا في حكم الكفار فنقاتلهم كما نقاتل مَنْ لا عهد له، قال القاضي:
ضمير الغائب - يعني في قوله: ((وبينهم)) - للمنافقين، شبه الموجب لإبقائهم وحقن دمائهم
بالعهد المقتضي لإبقاء المعاهد، والكف عنه، والمعنى: أن العمدة في إجراء أحكام الإسلام
عليهم تشبههم بالمسلمين في حضور صلاتهم، ولزوم جماعتهم، وانقيادهم للأحكام
الظاهرة، فإذا تركوا ذلك كانوا هم والكفار سواء.
٤١٢
كتاب الإيمان عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ في تَرْكِ الصَّلاةِ
وفي الباب عَن أنَسٍ وَابنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.
[٢٦٢٢] (٢٦٢٢) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ عَنِ الجُرَيْرِيِّ عَن
عَبْدِ الله بْنِ شَقِيقِ العُقَيْلِيِّ، قَالَ: كَانَ أصْحَابُ مُحمَّدٍ نَّهِ لا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنَ الأَعْمَالِ
قال التوربشتي: ويؤيد هذا المعنى قوله عليه الصلاة والسلام لما استؤذن في قتل
المنافقين: ((أَلَا إِّي نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ المُصَلِّينَ)).
قيل: يمكن أن يكون ضمير الغائبين عامًّا فيمن بَايَعَ رَسُولَ اللهِ وََّ، سواء كان منافقًا، أو
لا، يدل عليه قوله وَّهِ لأبي الدرداء: ((لَا تَتْرُكْ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مَتَعَمِّدًا، فَمَنْ تَرَكَهَا مُتَعَمِّدًا فَقَدْ
بَرِقَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ)).
قوله: (وفي الباب عن أنس وابن عباس) أما حديث أنس، فأخرجه الطبراني(١) في
((الأوسط)) بإسناد لا بأس به، ولفظه: ((مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ كَفَرَ جَهَارًا))، ورواه
محمد بن نصر في كتاب ((الصلاة)) ولفظه: ((سمعتُ رسولَ اللهِ وَله يقولُ: بَيْنَ العَبْدِ وَالكُفْرِ -
أو الشِّركِ - تَرْكُ الصَّلَاةِ، فَإِذَا تَرَكَ الصَّلَاةَ فَقَدْ كَفَرَ))، ورواه ابن ماجه(٢)، عن يزيد الرقاشي،
عنه، عن النبيِ وَّه قال: ((لَيْسَ بين العبدِ والشركِ إلَّا تركُ الصلاةِ، فإذا تَرَكَهَا فقد أَشْرَكَ)).
وأما حديث ابن عباس، فأخرجه أبو يعلى(٣) بإسناد حسن، ولفظه: ((عُرَى الإسلام، وقواعِدُ
الدِّينِ ثَلَاثَةٌ، عَلَيْهِنَّ أُسُسُ الإسلامِ، مَنْ تَرَكَ وَاحِدةً مِنْهُنَّ فهو بها كافرٌ، حلالُ الدم: شهادةُ
أنْ لا إله إِلَّ الله، والصلاة المكتوبة، وصوم رمضان)). كذا في ((الترغيب)).
قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن
ماجه، وابن حبان في ((صحيحه))، والحاكم(٤) في ((مستدركه))، وقال: صحيح، ولا نعرف له
علة.
[٢٦٢٢] قوله: (لا يرون) من الرأي، أي: لا يعتقدون، (من الأعمال) ((صفة)) لقوله:
(١) الطبراني في «الأوسط))، حديث (٣٣٤٨). وقال الهيثمي (٢٩٥/١): ورجاله موثوقون إلا محمد بن أبي داود
فإني لم أجد من ترجمه، وقد ذكر ابن حبان في ((الثقات)) محمد بن أبي داود البغدادي، فلا أدري هو هذا أم لا .
(٢) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، حديث (١٠٨٠).
(٣) أبو يعلى، حديث (٢٣٤٩) وقال الهيثمي (٤٨/١): وإسناده حسن.
(٤) ابن حبان، حديث (١٤٥٤) والحاكم، حديث (١١) وصحَّحه ووافقه الذهبي.
٤١٣
كتاب الإيمان عن رسول الله لَ﴿ / باب مَا جَاءَ في تَرْكِ الصَّلاةِ
تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلَاةِ.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: سمعت أبا مصعبٍ المدنيَّ يقول: من قَالَ: الإيمان قولٌ
يُستتابُ، فإن تَاب وإلَّا ضُرِبت عُنُقُهُ.
((شيئًا)) (تركه كفر) صفة ثانية له، (غير الصلاة) استثناء، والمستثنى منه الضمير الراجع إلى
((شيئًا)). قاله الطيبي، والمراد ضمير ((تركه))، ثم الحصر يفيد أن ترك الصلاة عندهم كان من
أعظم الوزر، وأقرب إلى الكفر. قاله القاري.
: قلت: بل قول عبد الله بن شقيق هذا بظاهره يدل على أنَّ أصحابَ رسولِ الله وَلفيه كانوا
يعتقدون أن ترك الصلاة كفر، والظاهر من الصيغة أن هذه المقالة اجتمع عليها الصحابة؛ لأن
قوله: ((كان أصحاب رَسُول الله وَّر)) جمع مضاف، وهو من المشعرات بذلك، وأثر عبد الله
بن شقيق هذا أخرجه الحاكم أيضًا، وصححه على شرطهما، وذكره الحافظ في ((التلخيص))،
ولم يتكلم عليه. قال الشوكاني في ((النيل))- في ((باب حجة مَنْ كَفَّرَ تارِكَ الصلاة)): ولا
خلاف بين المسلمين في كُفْرٍ من ترك الصلاة منكرًا بوجوبها، إلّا أن يكون قريب عهد
بالإسلام، أو لم يخالط المسلمين مدة يبلغه فيها وجوب الصلاة، وإن كان تركه لها تَكَاسُلًا
مع اعتقاده لوجوبها - كما هو حال كثير من الناس - فقد اخْتَلَفَ الناس في ذلك.
فذهبت العترة والجماهير من السلف والخلف - منهم مالك، والشافعي - إلى أنه لا
يكفر، بل يفسق، فإن تاب وإلا قتلناه حَدًّا؛ كالزاني المحصن، ولكنه يقتل بالسيف، وذهب
جماعة من السلف إلى أنه يكفر، وهو مروي عن علي بن أبي طالب - عليه السلام -، وهو
إحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل، وبه قال عبد الله بن المبارك، وإسحاق بن راهويه، وهو
وجه لبعض أصحاب الشافعي، وذهب أبو حنيفة وجماعةٌ من أهل الكوفةِ، والمزني صاحب
الشافعي إلى أنه لا يكفر ولا يقتل، بل يعزر، ويحبس حتى يصلي.
احتج الأولون على عدم كفره بقولِ الله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ إِه وَيَغْفِرُ مَا
دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وبما سيأتي من الأحاديث في ((باب حجة مَنْ لَمْ يُكَفِّرْ تارك
الصلاة ولم يقطع عليه بخلود))، كحديث عبادة بن الصامت: ((خمسُ صلواتٍ كَتَبَهُنَّ الله على
العبادِ، مَنْ أَتَى بِهِنَّ لم يضيع منهنَّ شيئًا استخفافًا بِحَقِّهِنَّ، كان له عند الله عهدٌ أَنْ يُدخلَهُ
الجَنَّة، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ، فليس له عند الله عهدٌ، إن شاء عَذَّبه، وإن شاءَ غَفَرَ لَهُ)). رواه
أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه(١) .
(١) أحمد، حديث (٢٢١٨) وأبو داود، كتاب الصلاة، حديث (١٤٢٠) والنسائي (٤٦١) وابن ماجه (١٤٠١).
٤١٤
کتاب الإیمان عن رسول الله {#/* / باب
١٠ - باب [ت١٠، م١٠]
[٢٦٢٣] (٢٦٢٣) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيِثُ عَن ابنِ الهَادِ، عَن مُحَمَّدِ بْنِ
واحتجوا على قتله بقوله تعالى: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُوا الصَّلَوَةَ وَءَاتَّوْاْ الزَّكَوَةَ فَخَلُواْ سَبِيلَهُمْ﴾
[التوبة: ٥]، وبقوله وَّه: ((أُمِرْتُ أَنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يقولوا: لَا إِله إِلَّ الله، ويُقيموا الصَّلاةَ،
ويُؤْتوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مني دماءهم وأموالهم، إلَّا بحقها)) الحديث، متفق
عليه، وتأولوا قوله وَّهِ: (بَيْنَ العَبْدِ وَبَيْنَ الكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ))، وسائر أحاديث الباب، على أنه
مستحق بترك الصلاة عقوبة الكافر، وهي القتل، أو أنه محمول على المستحل، أو على أنه
قد يؤول به إلى الكفر، أو على أن فعله فعل الكفار.
واحتج أهل القول الثاني بأحاديث الباب.
واحتج أهل القول الثالث على عدم الكفر بما احتج به أهل القول الأول، وعلى عدم
القتل بحديث: ((لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلاثٍ)) وَليس فيه الصَّلَاةُ.
والحق: أنه كافر يقتل، أما كفره، فلأن الأحاديث قد صحت أن الشارع سمى تارك
الصلاة بذلك الاسم، وجعل الحائل بين الرجل وبين إطلاق هذا الاسم عليه هو الصلاة،
فترْكُهَا مقتض لجواز الإطلاق، ولا يلزمنا شيء من المعارضات التي أوردها الأولون؛ لأنا
نقول: لا يمنع أن يكون بعض أنواع الكفر غير مانع من المغفرة واستحقاق الشفاعة، كَكُفْر
أهل القبلة ببعض الذنوب التي سماها الشارع كفرًا، فلا ملجئ إلى التأويلات التي وقع الناس
في مضيقها، وأما أنه يُقتل؛ فلأن حديث: ((أمرتُ أن أُقَاتِلَ النَّاسَ)) يقضي بوجوب القتل؛
لاستلزام المقاتلة له، وكذلك سائر الأدلة المذكورة في الباب الأول، ولا أوضح من دلالتها
على المطلوب، وقد شرط الله في القرآن التخلية بالتوبة، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة،
فقال: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ فَخَلُواْ سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، فلا يخلّى من لم يقم
الصلاة. انتهى كلام الشوكاني مختصرًا ملخصًا .
قلت: لو تأملت في ما حققه الشوكاني في تارك الصلاة من أنه كافر، وفي ما ذهب إليه
الجمهور من أنه لا يكفر، لعرفت أنه نزاع لفظي؛ لأنه كما لا يخلد هو في النار، ولا يحرم
من الشفاعة عند الجمهور، كذلك لا يخلد هو فيها، ولا يحرم منها عند الشوكاني أيضًا.
١٠ - باب
[٢٦٢٣] قوله: (عن ابن الهاد) اسمه: يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، الليثي،
أبو عبد الله، المدني، ثقة، مكثر، من الخامسة.
٤١٥
كتاب الإيمان عن رسول الله (3/ 3 / باب
إبْرَاهِيمَ بْنِ الحَارِثِ، عَن عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبي وقَّاص، عَنْ العَبَّاسِ بْنِ
عَبْدِ المُطَّلِبِ، أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ: مَن رَضِيَ بِالله.
رَبَّ، وَبَالإسْلَامِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا)). [م: ٣٤، حم: ١٧٨١].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
[٢٦٢٤] (٢٦٢٤) حَدَّثَنَا ابنُ أبي عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ عَن أيُّوبَ عَن
أبِي قِلَابَةَ، عَن أنَسٍ، أنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((ثَلَاثُ مَن كُنَّ فِيه وَجَدَ بِهِنَّ طَعْمَ
الإيمَانِ:
قوله: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله) قال صاحب ((التحرير)): معنى رضيت بالشيء:
قنعت به، واكتفيت به، ولم أطلب معه غيره، فمعنى الحديث: لم يطلب غير الله تعالى، ولم
يَسْعَ في غير طريق الإسلام، ولم يسلك إلا بما يوافق شريعة محمد وَّةٍ، ولا شك في أن من
كانت هذه صفته، فقد خالطت حلاوة الإيمان قلبه، وذاق طعمه، وقال القاضي عياض:
معنی الحدیث: صح إيمانه، واطمأنت به نفسه، وخامر باطنه؛ لأن رضاه بالمذكورات دليلٌ
لثبوت معرفته، ونفاذ بصيرته، ومخالطة بشاشته قلبه؛ لأن من رضي أمرًا سهل عليه، فكذا
المؤمن إذا دخل قلبه الإيمان سهل عليه طاعات الله تعالى ولذت له، (ربًّا) بالنصب على
التمييز، وكذا أخواته.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، ومسلم.
[٢٦٢٤] قوله: (عن أيوب) هو ابن أبي تميمة السختياني.
قوله: (ثلاث) مبتدأ، والجملة الشرطية خبره، وجاز مع أنه نكرة؛ لأن التقدير: خصال
ثلاث، (وجد بهن) أي: بسبب وجودهن، (طعم الإيمان) بفتح الطاء، أي: لذاته، وفي
رواية لمسلم: ((حلاوة الإيمان))، قال العلماء: معنى حلاوة الإيمان: استلذاذه الطاعات،
وتحمله المشاق في رضى الله ورسوله ويّي وإيثار ذلك على عرض الدنيا، ومحبة العبد لله
سبحانه وتعالى بفعل طاعته، وترك مخالفته، وكذا محبة رَسُول اللهِ وَهـ
قال القاضي عياض: هذا الحديث بمعنى حديث: ((ذَاقَ طَعْمَ الإِيْمَانِ مَنْ رَضِيَ باللهِ
رَبًّا ... إلخ))، وذلك أنه لا تصح محبة الله -تعالى- ورسوله حقيقة، وحب الآدمي في الله
ورسوله ◌َ، وكراهته الرجوع في الكفر إلَّا لمن قوي بالإيمان يقينه، واطمأنت به نفسه،
وانشرح له صدره، وخالط لحمه ودمه، وهذا هو الذي وجد حلاوته.
٤١٦
کتاب الإیمان عن رسول الله ## / باب
مَن كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأنْ يُحِبَّ المَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلَّا للهِ، وَأنْ
يَكْرَهَ أنْ يَعُودَ في الكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ، كَمَا يَكْرَهُ
قال: والحب في الله من ثمرات حب الله، وأضل المحبة الميل إلى ما يوافق المحب، ثم
الميل قد يكون لما يستلذه الإنسان ويستحسنه، كحسن الصورة والصوت والطعام ونحوها، وقد
يستلذه بعقله للمعاني الباطنة، كمحبة الصالحين، والعلماء، وأهل الفضل مطلقًا، وقد يكون
لإحسانه إليه ودفعه المضار والمكاره عنه، وهذه المعاني كلها موجودة في النبي بَّ؛ لما جمع
من جمال الظاهر والباطن، وكمال خلال الجلال وأنواع الفضائل، وإحسانه إلى جميع
المسلمين بهدايته إياهم إلى الصراط المستقيم، ودوام النعيم، والإبعاد من الجحيم.
وقد أشار بعضهم إلى أن هذا متصور في حق الله تعالى؛ فإن الخير كله منه سبحانه
وتعالى، قال مالك وغيره: المحبة في الله تعالى من واجبات الإسلام.
(من كان) لا بد من تقدير مضاف قبله؛ لأنه إما بدل، أو بيان، أو خبر مبتدأ محذوف،
هو ((هي))، أو ((هن))، أو ((إحداها))، أي: محبة من كان، (الله ورسوله)، برفعهما، (أحب
إليه) بالنصب؛ على أنه خبر ((كان))؛ (مما سواهما) يعم ذوي العقول وغيرهم من: المال،
والجاه، وسائر الشهوات، (وأن يحب المرء) أي: وثانيتها أن يحب المرء، وفي رواية
لمسلم(١): ((مَنْ كَانَ يُحِبُّ المَرْءَ)) (لا يحبه إلا لله) استثناء مفرغ، أي: لا يحبه لغرض
وعرض وعوض، ولا يشوب محبته حظ دنيوي ولا أَمر بشري، بل محبته تكون خالصة لله
تعالى، فيكون متصفًا بالحب في الله، وداخلًا في المتحابين لله، والجملة حالٌ من الفاعل،
أو المفعول، أو منهما، (وأن يكره) أي: ثالثتها: أن يكره، (أن يعود في الكفر) أي: يرجع
أو يتحول، وقيل: أن يصير؛ بدليل تعديته بـ ((في)) على حد: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَ فِى مِلَتِنَا﴾ [إبراهيم:
١٣]، فيشمل من لم يسبق له كفر أيضًا، ولا ينافيه قوله: (بعد إذ أنقذه منه) أي: أخلصه،
ونجاه من الكفر؛ لأن ((أنقذ بمعنى)): حفظ بالعصمة ابتداءً، بأن يولد على الإسلام، ويستمر
بهذا الوصف على الدوام، أو بالإخراج من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان، أو لا يشمله،
ولكنه مفهوم من طريق المساواة، بل الأولى. قاله القاري.
وقال النووي: قوله: ((يعود)) أو ((يرجع)) معناه: يصير، وقد جاء العود والرجوع بمعنى
الصيرورة. انتهى.
(١) مسلم، كتاب الإيمان، حديث (٤٣).
٤١٧
كتاب الإيمان عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ لَا يَزْنِي الزَّانِي وَهُوَ مُؤمِن
أنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ)). [خ: ١٦، م: ٤٣، جه: ٤٠٣٣، ن: ٥٠٠٤، حم: ١١٥٩١].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وَقَدْ رَوَاهُ قَتَادَةُ عَن أَنَس بن مالك
عَن النبيِّ ◌َادِ.
١١- باب مَا جَاءَ لَا يَزْنِي الزَّانِي وَهُوَ مُؤْمِن [ت١١، ١١٢]
[٢٦٢٥] (٢٦٢٥) حَدَّثَنَا أحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الأعْمَشِ
عَن أبِي صَالحِ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ: ((لا يَزْنِي الزَّانِي حِيْنَ
يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِيْنَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ،
(أن يقذف)، بصيغة المجهول، أي: يلقى.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، والشيخان، والنسائي، وابن ماجه.
١١- باب ما جاء: لا يزني الزاني وهو مؤمن
[٢٦٢٥] قوله: (لا يزني الزاني وهو مؤمن) الواو: للحال، قال النوويّ: هذا الحديث
مما اختلف العلماء في معناه، فالقول الصحيح الذي قاله المحققون: أن معناه لا يفعل هذه
المعاصي وهو كاملُ الإيمان، وهذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء، ويراد نفي
كماله، ومختاره كما يقال: لا علم إلا ما نفع، ولا مال إلَّا الإبل، ولا عيش إلا عيش
الآخرة، وإنما تأولناه على ما ذكرناه؛ لحديث أبي ذر وغيره: ((مَنْ قَالَ: لَا إِله إلَّا الله، دَخَلَ
الجَنَّةَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ))، وحديث عبادة بن الصامت الصحيح المشهور: ((أَنَّهُمْ بايعوه وِّلـ
على أن لا يسْرِقُوا، ولا يزنوا، ولا يعصوا ... )) إلى آخره، ثم قال لهم وَّرِ: ((فَمَنْ وَقَّى
منكم فَأَجْرُهُ عَلَى الله، وَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَارَتُهُ، وَمَنْ فَعَلَ، وَلَمْ
يُعَاقَبْ فَهُوَ إِلَى الله، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ)). فهذان الحديثان مع نظائرهما في
الصحيح، مع قول الله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ إِ، وَيَغْفُرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَهُ﴾
[النساء: ٤٨]، مع إجماع أهل الحق على أن الزاني، والسارق، والقاتل، وغيرهم من أصحاب
الكبائر - غير الشرك - لا يكفرون بذلك، بل هم المؤمنون ناقصو الإيمان، إن تابوا سقطت
عقوبتهم، وإن ماتوا مصرين على الكبائر كانوا في المشيئة، فإن شاء الله تعالى عفا عنهم،
وأدخلهم الجنة أولًا، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبهم، ثم أدخلهم الجنة، فكل هذه الأدلة تضطرنا إلى تأويل
هذا الحديث وشبهه، وتأول بعضُ العلماءِ هذا الحديث على من فعل ذلك مستحلًا، مع علمه
٤١٨
كتاب الإيمان عن رسول الله ◌َ﴿ / باب مَا جَاءَ لَا يَزْنِي الزَّانِ وَهُوَ مُؤْمِن
وَلَكِنِ الثَّوْبَة مَعْرُوضَةً)). [خ: ٢٤٧٥، م: ٥٧، جه: ٣٩٣٦، د: ٤٦٨٩، ن: ٤٨٨٦، حم: ٢٧٤١٩،
مي: ٢١٠٦].
وفي البابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وعَائِشَةَ وعَبْدِ الله بْنِ أبي أَوْفَى.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: حَدِيثُ أبي هُرَيْرَةَ، حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، غريبٌ مِن هَذا
بورود الشرع بتحريمه، وحُكِي عن ابن عباس ظُبه: أن معناه ينزع منه نور الإيمان، وفيه
حديث مرفوع، وذهب الزهري إلى أن هذا الحديث، وما أشبهه، يؤمن بها وتُمُّ على ما
جاءت، ولا يخاض في معناها، وأنا لا نعلم معناها، وقال: أمروها كما أمرها من قبلكم.
انتھی کلام النووي مختصرًا .
قلت: قال البخاري في ((صحيحه)): وقال ابن عباس: ينزع عنه نور الإيمان في الزنا،
قال الحافظ: وصله أبو بكر ابن أبي شيبة، في كتاب ((الإيمان))، من طريق عثمان بن
أبي صفية، قال: كان ابن عباس يَدْعُو غلمانه غلامًا غلامًا، فيقول: أَلَا أزوجك، ما عبد
يزني إلَّا نزع الله منه نور الإيمان، وقد روي مرفوعًا أخرجه أبو جعفر الطبري، من طريق
مجاهد عن ابن عباس: سَمِعْتُ النَّبِيِّ نَّهِ يقول: ((مَنْ زنى نَزَعَ الله نُورَ الإِيمَانِ من قَلْبِهِ، فَإِنْ
شَاءَ أَنْ يَرُدَّهُ إِلَيْهِ رَدَّهُ))، وله شاهد من حديث أبي هريرة عند أبي داود.
(ولكن التوبة معروضة) زاد مسلم في رواية: ((بعده))، والمعنى: لكن التوبة تعرض عليه،
فإن تاب، تاب الله عليه.
قوله: (وفي الباب عن ابن عباس، وعائشة، وعبد الله بن أبي أوفى) أما حديث ابن
عباس فأخرجه البخاري(١).
وأما حديث عائشة، فلينظر من أخرجه(٢).
وأما حديث عبد الله بن أبي أوفى، فأخرجه ابن أبي شيبة(٣).
قوله: (حديث أبي هريرة حسن غريب صحيح) وأخرجه الشيخان، وأبو داود،
والنسائي.
(١) البخاري، كتاب الحدود، حديث (٦٧٨٢).
(٢) أحمد، حديث (٢٤٥٥٧) وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢٤٠٧١).
(٣) ابن أبي شيبة. (٢٤٠٧٣).
٤١٩
كتاب الإيمان عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاءَ لَا يَزْنِي الزَّانِي وَهُوَ مُؤْمِن
الوَجْهِ، وَقَدْ رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَةَ، عَن النبيِّ ◌َّهِ قَالَ: ((إذَا زَنَى العَبْدُ خَرَجَ مِنْهُ
الإِيمَانُ، فَكَانَ فَوْقَ رَأْسِهِ كَالظُّلَّةِ، فَإِذَا خَرَجَ مِن ذَلِكَ العَمَلِ، عَادَ إلَيْهِ الإيمَانُ».
وقد رُوي ◌َعَن أبِي جَعْفَر مُحمَّدٍ بْنِ عَلِي أَنَّهُ قَالَ في هَذا: خرج من الإيمَانِ إلَى
الإسْلامِ.
وقدْ رُوِيَ مِن غَيْرِ وَجْهٍ عَن النبيِّ بَّهِ أَنَّهُ قَالَ في الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ: ((مَن أَصَابَ مِن
ذَلِكَ شَيْئًا فأقِيمَ عَلَيْهِ الحَدُّ، فَهُوَ كَفَّارَةُ ذَنْبِهِ، وَمَنْ أصَابَ مِن ذَلِكَ شَيْئًا فَسَتَرَ اللهُ
عَلَيْهِ فَهُوَ إِلَى الله، إنْ شَاءَ عَذَّبَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ)).
قوله: (وقد روي عن أبي هريرة عن النبي 8 8$ قال: إذا زنى) أي: أخذ وشرع في الزنا،
(العبد) أي: المؤمن، (خرج منه الإيمان) أي: نوره وكماله، أو يصير كأنه خرج؛ إذ لا يمنع
إيمانه عن ذلك؛ كما لا يمنع من خرج منه الإيمان، أو أنه من باب التغليظ في الوعيد، قال
التوربشتي: هذا من باب الزجر والتهديد، وهو كقول القائل لمن اشتهر بالرجولية والمروءة،
ثم فعل ما ينافي شيمته: عُدِمَ عنه الرجولية والمروءة؛ تعييرًا وتنكيرًا؛ لينتهي عما صنع،
واعتبارًا وزجرًا للسامعين ولطفًا بهم، وتنبيهًا على أن الزنا من شيم أهلِ الكفر وأعمالهم،
فالجمع بينه وبين الإيمان كالجمع بين المتنافيين، وفي قوله ◌َ ﴿: ((فَكَانَ فَوْقَ رَأْسِهِ؛ كالظُّلَّةِ))
وهو أول سحابة تظل، إشارة إلى أنه، وإن خالف حكم الإيمان، فإنه تحت ظله، لا يزول
عنه حکم الإیمان، ولا یرتفع عنه اسمه.
(عاد إليه الإيمان) قيل: هذا تشبيه المعنى بالمحسوس بجامع معنوي وهو الإشراف على
الزوال، وفيه إيماءٌ بأن المؤمن في حالة اشتغاله بالمعصية، يصير كالفاقد للإيمان، لكن لا
يزول حكمه واسمه، بل هو بعد في ظل رعايته، وكنف بركته، إذا نصب فوقه كالسحابة
تظله، فإذا فرغ من معصيته عاد الإيمان إليه، وحديث أبي هريرة هذا ذكره الترمذي معلقًا،
ووصله أبو داود في ((سننه))، والبيهقي، والحاكم، وقال: صحيح على شرطهما، ووافقه
الذهبي .
قوله: (وروي عن أبي جعفر محمد بن علي) بن الحسين بن علي بن أبي طالب،
المشهور بالباقر، (أنه قال: في هذا خروج عن الإيمان إلى الإسلام) يعني: أنه جعل الإيمان
أخص من الإسلام، فإذا خرج من الإيمان بقي في الإسلام، وهذا يوافق قول الجمهور: أن
المراد بالإيمان هنا كماله، لا أصله. قاله الحافظ.
٤٢٠
كتاب الإيمان عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ لَا يَزْنِي الزَّانِ وَهُوَ مُؤْمِن
رَوَى ذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَالِبٍ وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ وَخُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ عَن النبيِّ وَّهِ.
[٢٦٢٦] (٢٦٢٦) حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ أبي السَّفَرِ واسمه: أحمَدُ بْنُ عَبْدِ الله
الهَمدَانِيُّ الكوفيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحمَّدٍ عن يُونُسَ بْنِ أبي إِسْحَاقَ، عَن
أبي إسْحَاقَ الهَمَدَانِيِّ عَن أبي جُحَيْفَةَ عَن عَلِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((مَن أصَابَ
حَدَّا فَعُجِّل عُقُوبَتُهُ في الدُّنْيَا، فاللهُ أعْدَلُ مِن أنْ يُثَنِّي عَلَى عَبْدِهِ العُقُوبَةَ في الآخِرَةِ،
وَمَنْ أَصَابَ حَدًّا فَسَتَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ وَعَفَا عَنْهُ، فَاللهُ أكْرَمُ مِن أَنْ يَعُودَ إلى شَيءٍ قَدْ عَفَا
عَنْهُ)). [فيه ضعف، أبو إسحاق، مدلّس، وأبو عبيدة ليس بالقوي: جه: ٢٦٠٤].
وقوله: (روى ذلك علي بن أبي طالب، وعبادة بن الصامت، وخزيمة بن ثابت، عن
النبي 18) تقدم تخريج أحاديث هؤلاء الصحابة ، في ((باب ما جاء: إن الحدود كفارة
لأهلها)).
[٢٦٢٦] قوله: (حدثنا أبو عبيدة بن أبي السفر أحمد بن عبد الله الهمداني) اعلم أنه قد
وقع في النسخة الأحمدية: حدثنا أبو عبيدة بن أبي السفر: حدثنا أحمد بن عبد الله
الهمداني؛ بزيادة لفظ: ((حدثنا)) بين ابن أبي السفر، وأحمد، وهذا غلط صريح، والصواب
حذف لفظ ((حدثنا))؛ لأن أحمد بن عبد الله الهمداني هو اسم أبي عبيدة بن أبي السفر.
(أخبرنا الحجاج بن محمد المصيصي) الأعور.
قوله: (من أصاب حدًّا) أي: ذنبًا يوجب الحد، فأقيم المسبب مقام السبب، ويجوز أن
يراد بالحد المحرم من قوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اَللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، أي: تلك محارمه،
ذكره الطيبي، (فعجل) بصيغة المجهول، أي: فقدم، (أن يثنى) بتشديد النون، أي: يكرر،
(فستره الله عليه) قال الترمذي في ((باب: إن الحدود كفارة لأهلها)): قال الشافعي: وأُحِبُّ
لمن أصاب ذنبًا، فستره الله علیه أن يستر على نفسه، ويتوب فيما بينه وبين ربه، وكذلك روي
عن أبي بكر، وعمر، أنهما أَمَرًا أن يستر على نفسه. انتهى.
قلت: روى محمد في ((الموطأ)) عن سعيد بن المسيب: أَنَّ رَجُلًا من أسلم أَتَى أبا بكر،
فقال: إِنَّ الآخر قد زَنَى، قال له أبو بكر: هَلْ ذَكَرْتَ هذا لأحدٍ غيري؟ قال: لا، قال
أبو بكر: تب إلى الله عزَّ وجلَّ واستترْ بسترِ الله؛ فإن الله يقبل التوبة عن عباده، قال سعيد:
فلم تقر به نفسه حتى أتى عمر بن الخطاب، فقال له كما قال لأبي بكر، فقال له عمر كما
قال أبو بكر ... إلخ.