Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١
كتاب صفة الجنة عن رسول الله وَ﴿ه / باب مَا جَاءَ فِي صِفَةٍ غُرَفِ الجَنَّة
عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةٍ عَدْنٍ)). [خ: ٤٨٨٠، م: ١٨٠، جه: ١٨٦، حم: ١٩٠٧٩، مي: ٢٨٢٢].
وإيجازها، ومنه قوله تعالى: ﴿جَنَاحَ الذَّلِّ﴾ [الإسراء: ٢٤]، فمخاطبة النبي وَّ لهم برداء
الكبرياء على وجهه ونحو ذلك من هذا المعنى، ومن لم يفهم ذلك تاه، فمن أجرى الكلام
على ظاهره، أفضى به الأمر إلى التجسيم، ومن لم يتضح له، وعلم أن الله منزه عن الذي
يقتضيه ظاهرها، إما أن يكذب نقلتها، وإما أن يأولها، كأن يقال: استعار لعظيم سلطان الله،
وكبريائه، وعظمته، وهيبته، وجلاله المانع إدراك أبصار البشر مع ضعفها لذلك رداء
الكبرياء، فإذا شاء تقوية أبصارهم وقلوبهم، كشف عنهم حجاب هيبته وموانع عظمته. انتهى
ملخصًا .
وقال الكرماني ما حاصله: إن رداءَ الكبرياءِ مانعٌ عن الرؤية، فكأنَّ في الكلام حذفًا،
تقديره بعد قوله: ((إلا رداء الكبرياء)): ((فإنه يمن عليهم برفعه، فيحصل لهم الفوز بالنظر
إليه))، فكأن المراد، أن المؤمنين إذا تبوأوا مقاعدهم من الجنة، لولا ما عندهم من هيبة ذي
الجلال، لما حال بينهم وبين الرؤية حائلٌ، فإذا أراد إكرامهم، حفهم برأفته، وتفضل عليهم
بتقويتهم على النظر إليه سبحانه.
قال الحافظ: ثم وجدتُ في حديث صهيب في تفسير قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْمُسْفَ
وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، ما يدل على أن المراد برداء الكبرياء في حديث أبي موسى: الحجاب
المذكور في حديث صهيب، وأنه سبحانه يكشف لأهل الجنة إكرامًا لهم، والحديث عند
مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن خزيمة، وابن حبان، ولفظ مسلم: أن النبي وَافِ قال:
(إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الجَنَّةِ الجنةَ يقول الله عزَّ وجلَّ: تريدون شيئًا أزيدُكم؟ فيقولون: أَلَمْ تُبَيِّضْ
وُجُوهَنَا وَتُدْخِلنَا الجَنَّةَ، قَالَ: فَيَكْشِفُ لَهُم الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْهُ، ثم
تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْمُسْنَ وَزِيَادَةٌ﴾)) [يونس: ٢٦]، أخرجه مسلم عقب حديث
أبي موسى، ولعله أشار إلى تأويله به، وقال القرطبي في ((المفهم)): الرداء: استعارةٌ كَنَّى بها
عن العظمة، كما في الحديث الآخر: ((الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي))، وَلَيْسَ المرادُ
الثياب المحسوسة، لكن المناسبة أن الرداء والإزار لَمَّا كانا متلازمين للمخاطب من العرب،
عبر عن العظمة والكبرياء بهما، ومعنى حديث الباب: أن مقتضى عزة الله واستغنائه، أن لا
يراه أحد، لكن رحمته للمؤمنين اقتضت أن يريهم وجهه، كمالًا للنعمة، فإذا زال المانعُ،
فعل منهم خلاف مقتضی الکبریاء، فکأنه رفع عنهم حجابًا كان يمنعهم. انتهى.
(على وجهه) حال من ((رداء الكبرياء))، (في جنة عدن) راجع إلى القوم، وقال عياض:
٢٨٢
كتاب صفة الجنة عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ في صِفَةِ دَرَجَاتِ الجَنَّة
وَبَهذَا الإِسْنَادِ عَنِ النَّبِيِّ نَلِ قَالَ: ((إنَّ في الجَنَّةِ لخيمةً مِن دُرَّةٍ مُجَوَّفَةٍ، عَرْضُهَا
◌ِتُّونَ مِيْلًا، فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا أهْلٌ مَا يَرَوْنَ الآخَرِينَ يَطُوفُ عَلَيْهِم المُؤْمِنُ)).
[خ: ٤٨٧٩، م: ٢٨٣٨].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَأبُو عِمْرَانُ الجُونِيُّ اسْمُهُ:
عَبْدُ المَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مُوسَى، قَالَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لَا يُعْرَفُ
اسْمُهُ، وَأَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ اسْمُهُ: عَبْدُ الله بْنُ قَيْسٍ وَأبو مالك الأشْعري اسمه:
سعد بْنُ طارق بْنُ أشیم.
٤- باب مَا جَاءَ في صِفَةٍ دَرَجَاتِ الجَنَّة [ت٤، ٤٢]
[٢٥٢٩] (٢٥٢٩) حَدَّثَنَا عَبَّاسُ العَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أُخْبَرَنَا إِسْرَائِيل
عَن مُحمَّدٍ بْنِ جُحَادَةَ، عَن عَطَاء، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ: ((في
الجَنَّةِ مِائَةُ دَرَجَةٍ مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ
معناه راجع إلى الناظرين، أي: وهم في جنة عدن، لا إلى الله، فإنه لا تحويه الأمكنة
سبحانه وتعالى، وقال القرطبي: متعلقٌ بمحذوفٍ في موضع الحال من القوم، مثل: كائنين
في جنة عدن.
قوله: (إن في الجنة لخيمةً) أي: عظيمةً، (مجوفة) أي: واسعة الجوف، (عرضها) وفي
رواية: ((طولها))، ويتحصل بالروايتين أن طولها وعرضها، كل واحد منهما ستون ميلًا، (في
كل زاوية) أي: من الزوايا الأربع، (منها) أي: من تلك الخيمة، (أهل) في رواية مسلم:
((أهل للمؤمن))، (لا يرون) أي: ذلك الأهل، وجُمِعَ باعتبار معناه، (الآخرين) أي: الجمع
الآخرين من الأهل الكائنين في زاوية أخرى، (يطوف عليهم) أي: يدور على جميعهم،
(المؤمن) قيل: إن المعنى: يُجامع المؤمن الأهل، وأن الطواف هنا كنايةٌ عن المجامعة.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان(١)، وغيرهما.
٤ - باب ما جاء في صفة درجات الجنة
[٢٥٢٩] قوله: (في الجنة مئة درجة) قال ابن الملك: المرادُ بالمئة ههنا: الكثرةُ،
(١) مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، حديث (٢٨٣٨)
٢٨٣
كتاب صفة الجنة عن رسول الله وَّ / باب مَا جَاءَ في صِفَةِ دَرَجَاتِ الجَنَّة
مِائَةُ عَام)). [حم: ٢١٥٨٢].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حسنٌ غريبٌ.
[٢٥٣٠] (٢٥٣٠) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ وَأحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ البَصْرِيُّ قالا: حَدَّثَنَا
عبدُ العزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَن زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ عَن عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، أنَّ
رَسُوْلَ اللهِ وَّ﴿ قَالَ: ((مَن صَامَ رَمَضَانَ وَصَلَّى الصَّلَواتِ وَحَجَّ البَيْتَ، - لا أدْرِي
أذكَر الزَّكَاةَ أَمْ لَا-، إلَّا كَانَ حَقًّا عَلَى الله أنْ يَغْفِرَ لَهُ إِنْ هَاجَرَ في سَبِيلِ الله أوْ
مكثَ بِأَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ بِهَا))، قَالَ مُعَاذٌ: ألا أُخْبِرُ بِهَذا النَّاسَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ:
((ذَرِ النَّاسَ يَعْمَلُونَ
وبالدرجة المرقاة، قال القاري: الأظهر أن المراد بالدرجات المراتب العالية، قال تعالى:
﴿لَّمْ دَرَجَتُ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنفال: ٤] أي: ذوو درجات، بحسب أعمالهم من الطاعات، كما
أن أهل النار أصحاب دركات متسافلة لقدر مراتبهم في شدة الكفر، كما يشير إليه قوله
سبحانه: ﴿إِنَّ الُْفِقِينَ فِ الذَّرّكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]، (مئة عام) أي: مسيرة مئة
عام، قال المناوي: وفي رواية: ((خمسمئة)) وفي أخرى أكثر وأقل، ولا تعارض لاختلاف
السير في السرعة والبطء، والبينُ ذكر تقريبًا للأفهام.
قوله: (هذا حديث حسن غريب) قال المنذري في ((الترغيب)) - بعد ذكر هذا الحديث -:
رواه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب، والطبراني في ((الأوسط))، إلا أنه قال: ((ما بين
كل درجتين مسيرة خمسمئة عام). انتهى.
[٢٥٣٠] قوله: (لا أدري أذكر الزكاة أم لا) الظاهر أن قائل: لا أدري، هو عطاء بن
يسار، وفاعل ((ذكر)) هو معاذ بن جبل، (إلا كان). كذا في النسخ الموجودة بزيادة ((إلا))،
قبل ((كان))، ولا يستقيم معناها ههنا، فهي زائدة، وقد تكون هي زائدة، كما في قول
الشاعر: [من الطويل].
عَلَى الْخَسْفِ أَوْ نَرْمِي بِهَا بَلَدًا قَفْرَا
خَرَاجِيجُ مَا تَنْفَكُ إِلَّا مُنَاخَةً
كذا في ((القاموس))، وقد روى أحمد هذا الحديث في ((مسنده))، ولم يقع في روايته لفظ
إلّا، (حقًّا على الله) أي: بوعده الصادق، (ألا أخبر بها الناس؟) حتى يفرحوا بهذه البشارة،
(ذر الناس) أي: اتركهم بلا بشارة، (يعملون) أي: يجتهدون في زيادة العبادة، ولا يتكلون
٢٨٤
كتاب صفة الجنة عن رسول الله وَ ﴿ / باب مَا جَاءَ في صِفَةِ دَرَجَاتِ الجَنَّة
فَإِنَّ في الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ مَا بَيْنَ كلِّ دَرَجَتَيْنٍ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَالفِرْدَوْسُ
أعْلَى الجَنَّةِ وَأوْسَطُهَا وَفَوْقَ ذَلِكَ عَرْشُ الرَّحمنِ، وَمِنْهَا تُفَجَّرُ أَنْهَارُ الجَنَّةِ، فَإِذَا
سَأَلْتُمُ الله فَسَلُوهُ الفِرْدَوْسَ)). [حم: ٢٢١٨٧].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هكَذَا رُوِيَ هذا الحديثُ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ عَن زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ،
عَن عَطَاءِ بْنِ يَسَار عن مُعاذِ بنِ جَبَل، وهذا عندي أصَحّ من حديثٍ همَّام عن زيدِ بنِ
على هذا الإجمال، (فإن في الجنة مئة درجة) قال القاري: يمكن أن يُرَادَ به الكثرة، لما ورد
من رواية البيهقي (١)، عن عائشة ﴿ّا : - مرفوعًا -: ((عَدَدُ دَرَج الْجَنَّةِ، عَدَدُ آي الْقُرْآنِ، فَمَن
دَخَلَ الْجَنَّةَ مِن أَهْلِ الْقُرْآنِ، فَلَيْسَ فَوْقَهُ دَرَجَةٌ))، ويمكن أن يُقال: في الجنة مئةُ درجة لكلِّ
واحد من أهلها، فيكون بيان أقل ما يكون فيها من أنواع السعة، وأصناف النعمة،
(والفردوس) قال الحافظ: الفردوس: هو البستان الذي يجمع كل شيء.
وقيل: هو الذي فيه العنب، وقيل: هو بالرومية، وقيل: بالقبطية، وقيل: بالسريانية، وبه
جزم أبو إسحاق الزجاج. انتهى.
وقال في ((القاموس)): الفردوس: الأودية التي تنبت ضروبًا من النبت، والبستان يجمع كل ما
يكون في البساتين، يكون فيه الكروم، وقد يؤنث، عربية، أو رومية نقلت، أو سريانية. انتهى.
(أعلى الجنة وأوسطها) أي: أعدلها وأفضلها وأوسعها وخيرها. ذكره السيوطي، قال
الطيبي: النكتة في الجمع بين الأعلى والأوسط، أنه أراد بأحدهما الحسي، وبالآخر
المعنوي، فإن وسط الشيء أفضله وخياره، وإنما كان كذلك؛ لأن الأطراف يتسارع إليها
الخلل، والأوساط محمية محفوظة، وقال ابن حبان: المراد بالأوسط: السعة، وبالأعلى:
الفوقية، (ومنها) أي: من الفردوس، (تفجر) بصيغة المجهول، أي: تشقق وتجري، (أنهار
الجنة) أي: أصول الأنهار الأربعة، من الماء، واللبن، والخمر، والعسل، (فإذا سألتم الله)
أي: الجنة، (فاسألوه) وفي بعض النسخ ((فسلوه)) بالتخفيف، والنقل، أي: فاطلبوا منه،
(الفردوس)؛ لأنه أفضلها وأعلاها.
قوله: (هكذا روي هذا الحديث عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار
عن معاذ بن جبل، وهذا عندي أصح) وأخرجه البخاري، من طريق هلال بن علي عن
عطاء بن يسار عن أبي هريرة.
(١) البيهقي في ((شعب الإيمان))، حديث (١٩٩٨).
٢٨٥
كتاب صفة الجنة عن رسول اللّه ◌َ ﴿ / باب مَا جَاءَ في صِفَةِ دَرَجَاتِ الجَنَّة
أسلَم عن عطاء بن يسار، عَن عُبَادَة بْنِ الصَّامِتِ، وَعَطَاءٌ لم يُدْرِكْ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ،
وَمُعَاذٌ قَدِيمُ المَوْتِ، مَاتَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ.
[٢٥٣١] (٢٥٣١) حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ،
أُخْبَرَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنَا زَيدُ بْنُ أُسْلَمَ، عَن عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، أَنَّ
رَسُوْلَ اللهِ وَِّ قَالَ: ((في الجَنَّةِ مِائَةُ دَرَجَةٍ مَا بَيْنَ كلِّ دَرَجَتَيْنٍ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ
وَالأَرْضِ، وَالفِرْدَوْسُ أعْلَاهَا دَرَجَةٌ، وَمِنْهَا تُفَجَّرُ أنْهَارُ الجَنَّةِ الأَرْبَعَةُ، وَمِنْ فَوْقها
يَكُونُ العَرْشُ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ الله فَسَلُوهُ الفِرْدَوْسَ)). [حم: ٢٧٦٢٦].
حَدَّثَنَا أحمدُ بْنُ مَنِيع، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ،
نحوَهُ.
قال الحافظ في ((الفتح)): رواه زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، فاختلف عليه، فقال
هشام بن سعد وحفص بن ميسرة والدراوردي: عنه، عن عطاء، عن معاذ بن جبل، أخرجه
الترمذي، وابن ماجه، وقال همام: عن زيد، عن عطاء، عن عبادة بن الصامت، أخرجه
الترمذي، والحاكم، ورجح رواية الدراوردي وَمَنْ تابعه، على رواية همام، ولم يتعرض
الرواية هلال، مع أن بين عطاء بن يسار ومعاذ انقطاعًا. انتهى.
[٢٥٣١] قوله: (والفردوس) أي: الجنة المسماة بالفردوس، المذكور في القرآن في قوله
تعالى: ﴿﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أُوْلَكَ هُمُ الْوَرِقُونَ (٣) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾
[المؤمنون: ١٠، ١١]، (أعلاها) أي: أعلى سائر الجنان، (ومنها) أي: من جنة الفردوس، (تفجر
أنهار الجنة الأربعة) بالرفع: صفة لـ ((أنهار))، وهي أنهار الماء، واللبن، والخمر، والعسل،
المذكورة في القرآن، و: ﴿فِهَا أَتْهَرٌ مِّن مٍَّ غَيْرِ مَاسِنٍ وَأَتْهَرٌ مِّنِ لَّبٍَ لَّمْ يَغَّرْ ◌َعْمُهُ، وَأَنْهَرٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةِ
لِلشَِّبِينَ وَأَنْهَرٌ مِنْ عَلٍ مُّعَلَى﴾ [محمد: ١٥]، (ومن فوقها يكون العرش) يدل هذا على أن
الفردوس فوق جميع الجنان، ولذا قال رَّه: تعليمًا للأمة، وتعظيمًا للهمة: (فإذا سألتم الله
فاسألوه الفردوس) وفي بعض النسخ: ((فسلوه)) بالتخفيف، وحديث عبادة هذا أخرجه أحمد،
وابن أبي شيبة، والحاكم(١).
(١) ابن أبي شيبة (٣٥٢١١) الحاكم، حديث (٢٦٧) وصحَّحه ووافقه الذهبي.
٢٨٦
كتاب صفة الجنة عن رسول الله وَ﴿ / باب في صِفَةِ نِسَاءِ أهْلِ الجَنَّةِ
[٢٥٣٢] (٢٥٣٢) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا ابنُ لَهِيعَةَ عَن دَرَّاجِ عَن أبِي الهَيثَم عَن
أبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ بَِّ قَالَ: ((إنَّ في الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ لَوْ أنَّ العَالَمِينَ اجْتَمَعُوا فِي
إِحْدَاهُنَّ لَوَسِعَتْهُمْ)). [ضعيف، دراج في حديثه عن أبي الهيثم ضعف، وفي السند أيضًا ابن لهيعة].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَديثٌ غريبٌ.
٥- باب في صِفَةِ نِسَاءِ أهْلِ الجَنَّةِ [ت٥، ٥٢]
[٢٥٣٣] (٢٥٣٣) حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ، حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي المَغْرَاءِ،
أَخْبَرَنَا عُبَيْدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَن عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَن عَبْدِ الله بْنِ
مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ بَِّ قَالَ: ((إنَّ المَرأةَ مِن نِسَاءِ أهْلِ الجَنَّةِ لَيُرَى بَيَاضُ سَاقِهَا مِن
وَرَاءِ سَبْعِينَ حُلَّةً، حَتَّى يُرَى مُخُّهَا وَذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ - تعالى - يَقُولُ: ﴿كَأَنَهُنَّ الْيَاقُوتُ
وَاُلْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٥٨] فَأَمَّا اليَاقُوتُ فَإِنَّهُ حَجَرٌ لَوْ أَدْخَلْتَ فِيهِ سِلْكًا، ثُمَّ اسْتَصْفَيْتَهُ
لِأُرِيَتَهُ مِن وَرَائِهِ)). [عطاء، صدوق اختلط].
حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا عُبَيْدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَن عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ،
عَن عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ نحْوَهُ.
[٢٥٣٢] قوله: (لو أن العالمين) بفتح اللام، أي: جميع الخلق اجتمعوا جميعًا،
(لوسعتهم) أي: لكفتهم، لِسَعَتِهَا المفرطة، التي لا يعلمها إلا الله تعالى.
قوله: (هذا حديث غريب) وأخرجه ابن حبان من وجه آخر وصححه. قاله القاري.
٥ - باب مَا جَاءَ في صِفَةِ نِسَاءِ أَهْلِ الجنَّةِ
[٢٥٣٣] قوله: (أخبرنا فروة بن أبي المغراء) بفتح الميم، والمد، واسم أبيه: معد
يكرب الكندي، يُكَنَّى: أبا القاسم، كوفي، صدوق، من العاشرة، (أخبرنا عبيدة) بفتح أوله،
وكسر الموحدة.
قوله: (ليرى) بصيغة المجهول، (مخها) بالضم: نقي العظم والدماغ، (كأنهن الياقوت)
أي: صفاء، (والمرجان) أي: اللؤلؤ بياضًا، قال في ((القاموس)): المرجان: صغار اللؤلؤ،
(ثم استصفيته) المراد باستصفاء الياقوت هنا: جعله صافيًا ونقيًا من الكدورةِ ونحوِهَا مما
يكدره، وحديث ابن مسعود هذا أخرجه أيضًا ابن أبي الدنيا، وابن حبان في ((صحيحه)).
٢٨٧
كتاب صفة الجنة عن رسول الله وَ﴿ / باب في صِفَةِ نِسَاءِ أهْلِ الجَنَّةِ
[٢٥٣٤] (٢٥٣٤) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَن عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَن
عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَن عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، عن النبيِ نَّهَ نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ وَلَمْ يَرْفَتْهُ.
وَهذا أصحُ مِن حَدِيثٍ عُبَيْدَةَ بْنِ حُمَيْدٍ، وَهَكَذَا رَوَى جَرِيرٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَن
عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، وَلَمْ يَرْفَعُوهُ. حَدَّثَنَا قتيبة، حَدَّثَنَا جريرٌ عَن عطاءِ بْنِ السَّائبِ نَحْوَ
حَدِيْث أبي الأحْوَصِ وَلَم يَرْفَعهُ أصحَابُ عطاءٍ وهَذَا أُصَخُ.
[٢٥٣٥] (٢٥٣٥) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكيع، حَدَّثَنَا أبي عَن فُضَيْلٍ بْنِ مَرْزُوق عَن
عَطيَّةَ عَن أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ وَِّ، قَالَ: ((إِنَّ أوَّلَ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يَوْمَ القِيَامَةِ
ضَوْءُ وُجُوْهِهِمْ عَلَى مِثْلٍ ضَوْءِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، وَالزُّمْرَةُ الثَّانِيَةُ عَلَى مِثْلٍ أحْسَنٍ
كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ في السَّمَاءِ، لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ، عَلَى كُلِّ زَوْجَةٍ سَبْعُونَ حُلَّةً يُرَى
مُخُّ سَاقِهَا مِن وَرَائِهَا)). [حم: ١٠٧٤٢].
[٢٥٣٥] قوله: (إن أول زمرة) أي: جماعة، وهم الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-
(على مثل ضوء القمر ليلة البدر) أي: وجوههم على مثل ضوء القمر ليلة البدر، (والزمرة
الثانية) وهم الأولياء، والصلحاء على اختلاف مراتبهم في الضياء، (على كلِّ زوجة سبعون
حلة)؛ بضم حاء وتشديد لام، ولا تطلق غالبًا إلا على ثوبين، (يرى) أي: يبصر، (مخ
ساقها) أي: مخ عظام ساق كل زوجة، (من ورائها) أي: من فوق حللها السبعين؛ لكمال
لطافة أعضائها وثيابها .
قال القاري: والتوفيق بينه وبين خبر: ((أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْ لَهُ ثِنْتَانِ وَسَبْعُوْنَ زَوْجَةً،
وَثَمَانُونَ أَلْف خَادِم))، بأن يقال: يكون لكل منهم زوجتان موصوفتان بأن يرى مخ ساقها من
ورائها، وهذا لا ينافي أن يحصل لكل منهم كثير من الحور العين الغير البالغة إلى هذه
الغاية. كذا قيل، والأظهر: أنه تكون لكلِّ زوجتان من نساء الدنيا، وأن أدنى أهل الجنة من
له ثنتان وسبعون زوجة في الجملة، يعني: ثنتين من نساء الدنيا، وسبعين من الحور العين.
انتھی.
وقال الحافظ في ((الفتح)): قوله: ولكل واحد منهم زوجتان، أي: من نساء الدنيا، فقد
روى أحمد من وجه آخر عن أبي هريرة مرفوعًا في ((صفة أدنى أهل الجنة منزلة)): ((وإن له من
الحور العین لاثنتين وسبعين زوجة، سوی أزواجه في الدنیا»، وفي سنده شهر بن حوشب،
٢٨٨
كتاب صفة الجنة عن رسول الله وَ﴿ / باب في صِفَّةِ نِسَاءِ أهْلِ الجَنَّةِ
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ.
[٢٥٣٥م] حدَّثَنَا العَبَّاسُ بنُ محمَّدٍ أخبَرَنا عُبِيدُ الله بنُ مُوسى، أخبرَنا شَيبانُ عَن
فِراسٍ، عن عَطيَّةً عن أبي سعيدِ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِّ نَّهِ قال: ((أوَّلُ زُمْرَةٍ تدخُلُ الجنَّةَ
على صُورَةِ القَمَرِ ليلةَ البَدْرِ، والثانيةُ على لونِ أحسَنِ كَوكَبٍ دريٍّ في السَّماءِ، لِكُلِّ
رَجُلٍ مِنْهُم زَوجَتَانِ، عَلى كُلِّ زَوْجَةٍ سبعونَ حُلَّةً، يبدُو مُخُّ سَاقِهَا مِن وَرائِهَا. هذا
حديثٌ حسنٌ صَحِيحٌ.
وفيه مقال، ولأبي يعلى في حديث الصور الطويل، من وجه آخر، عن أبي هريرة في حديث
مرفوع: ((فَيَدْخُلُ الرَّجُلُ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِمَّا يُنْشِئُ الله، وَزَوْجَتَيْنٍ من وَلَدِ آدَمَ)).
قال: والذي يظهر: أن أقلَّ ما لكل واحد منهم زوجتان، وقد أجاب بعضُهم باحتمال أن
تكون التثنية نظيرًا لقوله: ﴿ََّانِ﴾ ﴿وعينان﴾ ونحو ذلك، أو المراد تثنية التكثير والتعظيم،
نحو: لبيك وسعديك، ولا يخفى ما فيه. انتهى ملخصًا.
قلت: روى البخاري(١) في ((صحيحه)) في ((صفة أهل الجنة)) عن أبي هريرة مرفوعًا:
(أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَلِجُ الْجَنَّة، صُورَتُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ)) الحديث، وفيه: ((ولكل واحد
منهم زوجتان))، ورواه من طريق آخر، وفيه: ((لِكُلِّ امْرِئٍ زَوْجَتَانِ من الحور العين))، فقول
الحافظ وغيره في تفسير قوله: ((ولكل واحد منهم زوجتان)) أي: من نساء الدنيا، ليس
بصحيح، فإن الروايات يفسر بعضها بعضًا، فالظاهر أن أقلَّ ما لكل واحد منهم زوجتان،
كما قال الحافظ. والله تعالى أعلم.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد(٢).
[٢٥٣٥م] قوله: (على لون أحسن كوكب دري) قال في ((النهاية)): الْگوگبُ الدري:
الشديد الإنارة، كأنه نسب إلى الدر، تشبيهًا به لصفائه، وقال الفراء: هو عند العرب العظيم
المقدار، وقيل: هو أحد الكواكب الخمسة السيارة. انتهى. (يبدو) أي: يظهر.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد.
(١) البخاري، كتاب بدء الخلق، حديث (٣٢٤٥).
(٢) أحمد، حديث (١٠٧٤٢).
٢٨٩
كتاب صفة الجنة عن رسول الله وَ ﴿ / باب مَا جَاءَ في صِفَةِ جِمَاعِ أهْلِ الجَنَّة
٦- باب مَا جَاءَ في صِفَةِ جِمَاعِ أهْلِ الجَنَّة [ت٦، ٦٢]
[٢٥٣٦] (٢٥٣٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَمَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ قالا: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ
الطَّيَالِسِيُّ عَنِ عِمْرَانَ القَطَّانِ، عَن قتادة عَن أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((يُعْطَى
المُؤمِنُ في الجَنَّةِ قُوَّةَ كَذَا وَكَذَا مِنَ الجِمَاعِ))، قيلَ: يَا رَسُولَ الله! أَوَ يُطِيقُ ذَلِكَ؟
قَالَ: ((يُعْطَى قُوَّةَ مِائَةٍ).
وفي البابِ عَنِ زَيْدِ بْنِ أُرْقَمَ.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ صحيحٌ غريبٌ لَا نَعْرِفُهُ مِن حَدِيثٍ قَتَادَةَ عَن أُنَسٍ
إلَّا مِن حَدِيثٍ عِمْرَانَ القَطَّانِ.
٦ - باب ما جاء في صفة جماع أهل الجنة
[٢٥٣٦] قوله: (يعطي المؤمن في الجنة قوة كذا وكذا من الجماع) قال في ((اللمعات))
أي: قوة جماع كذا وكذا من النساء، فكذا وكذا: كناية عن عدد النساء، کعشرين وثلاثين
مثلًا، فافهم. انتهى.
وقيل: كناية عن مرات الجماع، كعشرين مرة أو ثلاثين أو أربعين أو مئة، ونحوها.
(أو يطيق ذلك؟) بفتح الواو، أي: يعطى تلك القوة، ويستطيع ذلك المقدار، والإشارة
إلى مضمون قوله: ((كذا وكذا من الجماع))، (يعطى قوة مئة) أي: مئة رجل، والمعنى: فإذا
کان کذلك فهو يطيق ذلك.
قوله: (وفي الباب عن زيد بن أرقم)(١)، قال: جاء رجل من أهل الكتاب إلى النبي ◌َّيه
فقال: يا أبا القاسم، تَزْعُمُ أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ؟ قال: ((نعم، والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ
بِيَدِهِ، إِنَّ أَحَدَهُمْ لَيُعْطَى قُوَّةَ مَئَة رَجُلٍ فِي الأْلِ وَالشُّرْبٍ وَالْجِمَاعِ)). قال: فإِنَّ الذي يأكلُ
وَيَشْرَبُ تكونُ له الحاجةُ، وليس في الجنةِ أذَّى، قال: ((تَكُون حَاجَةُ أَحَدِمِمْ، رَشْحًا يَفِيضُ
من جُلُودِهِمْ كَرَشْحِ الْمِسْكِ، فَيَضْمُرُ بَظْنُهُ)). أخرجه أحمد، والنسائي، قال المنذري: ورواته
محتج بهم في الصحيح، قال: ورواه ابن حبان في ((صحيحه))، والحاكم، ثم ذكر لفظهما.
قوله: (هذا حديث صحيح غريب) وأخرجه ابن حبان في ((صحيحه)).
(١) أحمد حديث (١٨٧٨٣) والنسائي في ((الکبری))، حديث (١١٤٧٨) وابن حبان، حديث (٧٤٢٤).
٢٩٠
كتاب صفة الجنة عن رسول الله وَ ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي صِفَةِ أهْل الجَنَّة
٧- باب مَا جَاءَ في صِفَةِ أهْل الجَنَّة [ت٧، ٧٢]
[٢٥٣٧] (٢٥٣٧) حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، أخْبَرَنَا عبد الله بْنُ المُبَارَكِ، أخْبَرَنَا
مَعْمَرٌ عَن هَمَّام بْنِ مُنَبِّهِ عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: ((أوَّلُ زُمْرَةٍ تَلِجُ
الجَنَّةَ صُورَتُهُمْ عَلَى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، لا يَبْصُقُون فيها وَلا يَمْتَخِطُونَ، وَلا
يَتَغَوَُّونَ، آنيَتُهُمْ فِيهَا الذَّهَبُ، وَأمْشَاطُهُمْ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَمَجَامِرُهُمْ مِنَ
الأُلُوَّةِ
٧ - باب ما جاء في صفة أهل الجنة
[٢٥٣٧] قوله: (تلج الجنة) من الولوج، أي: تدخل، (صورتهم على صورة القمر ليلة
البدر). أي: في الإضاءة، (لا يبصقون) قال في ((القاموس)): البصاق، كغراب، والبساق
والبزاق: ماء الفم إذا خرج منه، وما دام فيه فهو ريق، وبصق بزق. انتهى.
(ولا يمتخطون) وفي بعض النسخ: ((ولا يتمخطون))، أي: ليس في أنفهم من المياه
الزائدة والمواد الفاسدة، ليحتاجوا إلى إخراجها، ولأن الجنة مساكن طيبة للطيبين، فلا
يلائمها الأدناس والأنجاس، قال ابن الجوزي: لما كانت أغذية أهل الجنة في غاية اللطافة
والاعتدال، لم يكن فيها أذى، ولا فضلة تستقذر، بل يتولد عن تلك الأغذية أطيب ريح
وأحسنه، (آنيتهم فيها من الذهب، وأمشاطهم من الذهب والفضة).
وفي رواية للبخاري: ((آنِيَتُهُمْ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَأَمْشَاطُهُمْ مِنَ الذَّهَبِ)).
قال الحافظ: وكأنه اكتفى في الموضعين بذكر أحدهما عن الآخر، فإنه يحتمل أن يكون
الصنفان لكل منهم، ويحتمل أن يكون أحد الصنفين لبعضهم، والآخر للبعض الآخر، ويؤيده
حديث أبي موسى مرفوعًا: ((جَتَّتَانِ من ذَهَبٍ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ من فِضَّةٍ، آنِيَتُهُمَا
وَمَا فِيهِمَا)) الحديث متفق عليه، ويؤيد الأول، ما أخرجه الطبراني(١) بإسناد قوي عن أنس
مرفوعًا: ((إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ دَرَجَةً لمَن يَقُومُ عَلَى رَأْسِهِ عَشْرَةُ آلافِ خَادِمِ، بِيَدِ كُلِّ وَاحِدٍ
صَحْفَتَانِ، وَاحِدَةٌ من ذَهَبٍ، وَالأْرَى من فِضَّةٍ)) الحديث. انتهى.
والأمشاط، جمع مشط، بتثليث الميم، والأفصح ضمها: آلة يمتشط بها .
(ومجامرهم من الألوة) قال في ((النهاية)): المجامر، جمع مِجْمر ومُجْمر، فالمجمر
(١) الطبراني في ((الأوسط))، حديث (٧٦٧٤).
٢٩١
كتاب صفة الجنة عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي صِفَةِ أهْل الجَنَّة
وَرَشِحُهُمُ المِسْكُ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ يُرَى مُخُّ سُوْقِهِمَا من وَرَاءِ اللَّحْمِ مِنَ
الحُسْنِ،
بكسر الميم: هو الذي يوضع فيه النار للبخور، والمجمر، بالضم: الذي يتبخر به، وأعد له
الجمر، وهو المراد في هذا الحديث، أي: أن بخورهم بالألوة، وهو العود. انتهى.
وفي رواية للبخاري: ((وَوَقُودُ مَجَامِرِهِم الألوة))، فعلى هذه الرواية المجامر جمع مجمر
بكسر الميم، أي: ما يوقد به مباخرهم الألوة، وهي بفتح الهمزة، ويجوز ضمها وبضم اللام
وتشديد الواو، وحكى ابن التين كسر الهمزة وتخفيف الواو، والهمزة، أصليةٌ وقيل: زائدة.
قال النووي: هو العود الهندي، وقد يقال: إن رائحة العود إِنَّما تفوحُ بوضعه في النار،
والجنَّةُ لا نار فيها، ويُجاب باحتمال أن يشتعل بغير نار، بل بقوله: كن، وإنما سميت مجمرة
باعتبار ما كان في الأصل، ويحتمل أن يشتعل بنار لا ضرر فيها ولا إحراق، أو يفوح بغير
اشتعال.
وقال القرطبي: قد يُقال: أيُّ حاجة لهم إلى المشط، وهم مرد، وشعورهم لا تتسخ،
وأيّ حاجة لهم إلى البخور، وريحهم أطيب من المسك، قال: ويجاب بأن نعيم أهل الجنة
من أكل وشرب وكسوة وطيب، ليس عن ألمٍ جوعٍ أو ظمٍ أو عريٍ أو نتن، وإنما هي لَذَّات
متتالية، ونِعَمِّ متوالية، والحكمة في ذلك أنهم ينعمون بنوع ما كانوا يتنعمون به في الدنيا .
وقال النووي: مذهب أهل السنة أن تَتَغُّمَ أهل الجنة على هيئة تَنَغُّم أهل الدنيا إلا ما
بينهما من التفاضل في اللذة، ودل الكتاب والسنة على أن نعيمهم لا انقطاع له. كذا في
((الفتح)).
(ورشحهم) أي: عرقهم، (المسك) أي: رائحة المسك، والمعنى: رائحة عرقهم رائحة
المسك، فهو تشبيه بليغ، (ولكلِّ واحد منهم زوجتان) وفي رواية للبخاري(١): ((ولكل امرئٍ
زوجتان من الحور العين)»، قال الطيبي: الظاهر أن التثنية للتكرير لا للتحديد؛ كقوله تعالى:
﴿ثُمَّ أَرْجِعِ الْصَرَ كََِّّ﴾ [الملك: ٤]؛ لأنه قد جاء أن للواحد من أهل الجنة العدد الكثير من الحور
العين، وقد تقدم الكلام في هذا، في ((باب صفة نساء أهل الجنة)).
(من الحسن) قال الطيبي - رحمه الله -: هو تتميم؛ صونًا من توهم ما يتصور في تلك
(١) البخاري، كتاب بدء الخلق، حديث (٣٢٥٤).
٢٩٢
كتاب صفة الجنة عن رسول الله ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي صِفَةِ أهْل الجَنَّة
لا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ وَلا تَبَاغُضَ، قُلُوبُهُمْ قَلْبُ رَجُلٍ وَاحِدٍ يُسَبِّحونَ اللّهَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا)).
[خ: ٣٢٤٥، م: ٢٨٣٤، جه: ٤٣٣٣، حم: ٧١١٢].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ صحيحٌ، والألُوَّةُ: هو العُودُ.
[٢٥٣٨] (٢٥٣٨) حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، أَخْبَرَنَا ابنُ المُبَارَكِ، أُخْبَرَنَا ابنُ لَهِيعَةَ،
عَن يَزِيدَ بْنِ أبي حَبِيبٍ، عَن دَاوُدَ بْنِ عَامِرِ بْنِ سَعد بْنِ أبي وَقَّاصٍ عَن أبِيهِ عَن
جَدِّهِ، عَنِ النَّبِّ وَّهِ قَالَ: ((لَوْ أَنَّ مَا يُقِلُّ ◌ُفُرٌ مِمَّا في الجَنَّةِ
الرؤية مما ينفر عنه الطبع، والحسن: هو الصفاء، ورقة البشرة، ونعومة الأعضاء، (لا
اختلاف بينهم ولا تباغض)؛ قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِ صُدُورِهِم مِّنْ عِلّ إِخْوَنَا عَلَى سُرُرٍ
مُنَفَبِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]، (قلوبهم قلب رجل واحد) أي: في الاتفاق والمحبة، (يسبحون الله
بكرة وعشيًّا) قال الحافظ: أي: قدرهما، قال القرطبي: هذا التسبيح ليس عن تكليف
وإلزام، وقد فسره جابر في حديثه عند مسلم (١)، بقوله: ((يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ والتَّكْبِيرَ، كَمَا
يُلْهَمُونَ النَّفَسَ))، ووجه التشبيه: أن تنفس الإنسان لا کلفة علیه فيه، ولا بد له منه، فجعل
تنفسهم تسبيحًا، وسببه أن قلوبهم تنورت بمعرفة الرب سبحانه وامتلأت بحبه، ومن أحب
شيئًا أكثر من ذكره، وقد وقع في خبر ضعيف: ((أَنَّ تَحْتَ الْعَرْشِ سِتَارَةٌ مُعَلَّقَةٌ فِيهِ، ثُمَّ
تُطْوَى، فَإِذَا نُشِرَتْ، كَانَتْ عَلَامَةَ الْبُكُورِ، وَإِذَا ◌ُوِيَتْ، كَانَتْ عَلامَةَ الْعَشيّ)). انتهى. وقال
الطيبي : - رحمه الله -: يراد بهما الديمومة، كما تقول العرب: أنا عند فلان صباحًا
ومساءً، لا يقصد الوقتين المعلومين، بل الديمومة. انتهى.
قوله: (هذا حديث صحيح) وأخرجه الشيخان.
[٢٥٣٨] قوله: (عن داود بن عامر بن سعد بن أبي وقاص) الزهري، المدني، ثقة، من
السادسة، (عن أبيه) أي: عامر بن سعد بن أبي وقاص، الزهري، المدني، ثقة، من الثالثة،
(عن جده) أي: سعد بن أبي وقاص.
قوله: (لو أن ما يقل)، بضم الياء، وكسر القاف، وتشديد اللام، أي: يحمله، (ظفر)
بضمتين ويسكن الثاني، قال الطيبي: (ما)): موصولة، والعائد محذوف، أي: ما يقله، وقال
القاضي: أي: قدر ما يستقل بحمله ظفر ويحمل عليها، (مما في الجنة) أي: من نعيمها،
(١) مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها، حديث (٢٨٣٥).
٢٩٣
كتاب صفة الجنة عن رسول الله وَ ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي صِفَةٍ ثِيَابِ أهْلِ الجَنَّة
بَدَا لَتَزَخْرَفَتْ لَهُ مَا بَيْنَ خَوَافِقِ السمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَوْ أنَّ رَجُلًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ الطَّلَعَ
فَبَدَا أَسَاوِرُهُ لَطَمَسَ ضَوْءَ الشَّمْسِ كَمَا تَظْمِسُ الشَّمْسُ ضَوْءَ النُّجُومِ)). [حم: ١٤٥٢]
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ بِهَذَا الإِسْنَادِ إِلَّ مِن حَدِيثِ ابنِ
لَهِيْعَةَ، وَقَدْ رَوَى يَحْيَى بْنُ أيُّوبَ هَذَا الحَدِيثَ عَنِ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ، وَقَالَ: عَن
عُمَرَ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبي وَقَّاصٍ عَن النبيِّ ◌َِّ.
٨- باب مَا جَاءَ في صِفَةٍ ثِيَاب أهْلِ الجَنَّة [ت٨، ٨٢]
[٢٥٣٩] (٢٥٣٩) حَدَّثَنَا مُحمدُ بْنُ بَشَّارٍ وَأَبُو هِشَامِ الرِّفَاعِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا
مُعَاذُ بْنُ هِشَام، عَن أبِيهِ عَن عَامِرٍ الأَحْوَلِ، عَن شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَن أبي هُرَيْرَةَ،
(بدا) أي: ظهر في الدنيا للناظرين، (لتزخرفت) أي: تزينت (له) أي: لذلك المقدار وسببه،
(ما بين خوافق السموات والأرض)، وقال القاضي: الخوافق، جمع خافقة: وهي الجانب،
وهي في الأصل الجوانب التي تخرج منها الرياح من الخفقان، ويقال: الخافقان: المشرق
والمغرب، قال الطيبي: وتأنيث الفعل؛ لأن ما ((بين)) بمعنى الأماكن كما في قوله تعالى:
﴿أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ [البقرة: ١٧]، في وجه، (اطلع) بتشديد الطاء، أي: أشرف على أهل
الدنيا، (فبدا) أي: ظهر (أساوره)، جمع أسورة، جمع سوار، والمراد: بعض أساوره، ففي
((الترغيب)): ((فبدا سواره))، (لطمس) أي: محا ضوء أساوره، (ضوء الشمس)، بالنصب على
المفعولية.
قوله: (هذا حديث غريب)، وأخرجه ابن أبي الدنيا .
قوله: (وقد روى يحيى بن أيوب) هو الغافقي، (عن عمر بن سعد بن أبي وقاص)،
المدني، نزيل الكوفة، صدوق، لكن مقته الناس لكونه كان أميرًا على الجيش الذين قَتَلُوا
الحسين بن علي، من الثانية، قتله المختار سنة خمس وستين أو بعدها، وَوَهِمَ من ذكره في
الصحابة، فقد جزم ابن معين بأنه وُلد يوم ماتَ عمر بن الخطاب. كذا في ((التقريب))، (عن
النبي { (*)، وهذا مرسل.
٨- باب ما جاء في صفة ثياب أهل الجنة
[٢٥٣٩] قوله: (عن أبيه) أي: هشام بن أبي عبد الله بن سنبر، كنيته: أبو بكر البصري،
الدستوائي، ثقة، ثبت، وقد رمي بالقدر، من كبار السابعة، (عن عامر الأحول) قال في
٢٩٤
كتاب صفة الجنة عن رسول الله وَه / باب مَا جَاءَ فِي صِفَةِ ثِيَابِ أهْلِ الجَنَّة
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ بَّهِ: ((أهْلُ الجَنَّةِ جُرْدٌ مُرْدٌ كُحْلٌ، لا يَفْنَى شَبَابُهُمْ، وَلا تَبْلَى
ثِيَابُهُمْ)). [حم: ٧٨٧٤، مي: ٢٨٢٦].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
[٢٥٤٠] (٢٥٤٠) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ عَن عَمْرِو بْنِ
الحَارِثِ، عَن دَرَّاجِ أبي السَّمْحِ، عَن أبِي الهَيثَم، عَن أبي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ وََّ في
قَوْلِهِ: ﴿وَفُرُشِ مَّرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] قَالَ: ((ارْتِفَاعُهَا لَكَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ مَسِيرَةً
خَمْسِمائَةٍ سَنَةٍ)). [ضعيف، رشدين ضعيف، وكذا دراج عن أبي الهيثم حم: ٢٧٥١٥].
((التقريب)): عامر بن عبد الواحد الأحول، البصري، صدوق، يخطئ، من السادسة، وهو
عامر الأحول الذي يروي عن عائذ بن عمرو المزني الصحابي. انتهى.
قوله: ( أهل الجنة جرد)، بضم جيم، وسكون راء، جمع أجرد: وهو الذي لا شعر
على جسده، وضده الأشعر، (مرد)، جمع: أمرد، وهو غلام لا شعر على ذقنه، وقد يراد به
الحسن؛ بناء على الغالب (كحلى)، بفتح الكاف، فَعْلَى بمعنى فَعيل، أي: مكحول، وهو
عين في أجفانها سواد، خلقةً. كذا قيل، وقال في ((النهاية)): الكحلُ بفتحتين: سواد في
أجفان العین خلقة، والرجل أکحل وکحیل وکحلی، جمع کحیل، (لا يفنى شبابهم)، بل كل
منهم في سن ابن ثلاث وثلاثين دائمًا، (ولا تبلى ثيابهم) أي: لا يلحقها البلى، أو لا يزال
عليهم الثياب الجدد.
قوله: (هذا حديث حسن غريب)، وأخرجه الدارمي.
[٢٥٤٠] قوله: (قال) أي: النبي ◌َّر: (ارتفاعها) أي: ارتفاع فرش الجنة، وقيل:
ارتفاع الدرجة التي فرشت الفرش المرفوعة فيها، وهو مبتدأ، وخبره قوله: ((لكما بين السماء
والأرض)).
(مسيرة خمسمئة عام)، بدل من ((ما)) قبله، أو بيان له، والمعنى: إن ارتفاع الفرش
المفروشة في الجنة مثل مسافة ما بين السماء والأرض، أي: مسافة خمسمئة عام، وروى
الترمذي(١) هذا الحديث بهذا الإسناد في تفسير سورة الواقعة، ولفظه: ((ارْتِفَاعُهَا كَمَا بَيْنَ
السَّمَاءِ وَ الأَرْضِ وَ مَسِيْرَةُ مَا بَيْنهمَا خمسمئةٍ عامٍ))، ومعناه ظاهر، أي: ارتفاع الفرش
(١) الترمذي، تفسير القرآن، حديث (٣٢٩٤).
٢٩٥
كتاب صفة الجنة عن رسول الله وَّفه / باب مَا جَاءَ فِي صِفَةِ ثِمَارِ أهل الجَنَّة
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حديثٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ إِلَّ مِن حَدِيثٍ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ،
وَقَالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الحَدِيثِ: إنَّ مَعْنَاهُ أنَّ الفُرُشَ في الدَّرَجَاتِ،
وَبَيْنَ الدَّرَجَاتِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ.
٩- باب مَا جَاءَ في صِفَةِ ثِمَارٍ أهل الجَنَّة [ت٩، ٩٢]
[٢٥٤١] (٢٥٤١) حَدَّثَنَا أبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرِ عَن مُحمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ
عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّد بْنِ عَبْدِ الله بْنِ الزُّبَيْرِ عَن أبِيهِ عَن عائشة عن أسْمَاءَ بِنْتِ أبي بَكْرٍ،
قَالَت: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلّهِ يقول: وَذُكِرَ له سِدْرَةُ المُنْتَهَى
المفروشة في الجنة مثل مسيرة ما بين السماء والأرض، ومسيرة ما بين السماء والأرض
مسيرة خمسمئة عام، فارتفاع الفرش المفروشة في الجنة مسيرة خمسمئة عام، فمعنى اللفظ
الذي ذكره هنا، واللفظ الذي ذكره في التفسير واحدٌ.
(هذا حديث غريب)، وأخرجه أحمد، والنسائي وابن أبي الدنيا .
قال المنذري: ورواه ابن حبان في ((صحيحه))، والبيهقي، وغيرهما، من حديث ابن
وهب أيضًا، عن عمرو بن الحارث، عن دراج. انتهى، (وقال بعض أهل العلم في تفسير
هذا الحديث: معناه أن الفرش في الدرجات، وبين الدرجات كما بين السماء والأرض)،
هذا المعنى موافق للمعنى الثاني الذي ذكرناه، أي: ارتفاع الدرجة التي فرشت الفرش
المرفوعة فيها .
وقال التوربشتي رحمه الله: قول من قال: المراد منه ارتفاع الفرش المرفوعة في
الدرجات، وما بين كل درجتين من الدرجات كما بين السماء والأرض، هذا القول أوثقُ،
وذلك لما في الحديث: ((أَنَّ لِلْجَنَّةِ مِئَةَ دَرَجَةٍ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنٍ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ
وَالْأَرْضِ». انتهى.
٩- باب ما جاء في صفة ثمار الجنة
[٢٥٤١] قوله: (عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير) بن العوام، المدني، ثقة، من
الخامسة، (عن أبيه) أي: عباد بن عبد الله بن الزبير بن العوام، كان قاضي مكة زمن أبيه،
وخليفته إذا حج، ثقة، من الثالثة.
قوله: (وذكر سدرة المنتهى)، قيل: هي شجرة نبق في السماء السابعة، عن يمين
٢٩٦
كتاب صفة الجنة عن رسول الله ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي صِفَةِ ثِمَارِ أهل الجَنَّة
قَالَ: ((يَسِيرُ الراكِبُ فِي ظِلِّ الفَنَنِ مِنْهَا مِائَةَ سَنَةٍ، أَوْ يَسْتَظِلُّ بِظِلُّهَا مِائَةُ رَاكِبٍ - شَكَّ
يَحْيَى -، فِيهَا فَرَاشُ الذَّهَبِ، كَأَنَّ ثَمَرَهَا القِلَالُ)). [محمد بن إسحاق، مدلس].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.
العرش، ثمرها كقلال هجر، ووقع ذكر سدرة المنتهى في حديث المعراج عند الشیخین،
ولفظ البخاري (١): (ثُمَّ رُفِعْتُ إِلَى سِدْرَةِ المُنْتَهَى، فإِذا نَبْقُهَا مِثْلُ قَلالِ هَجَرٍ، وَإِذَا وَرَقُهَا مِثْلُ
آذان الفِيَلَةِ».
قال الحافظ: وقع بيان سبب تسميتها سدرة المنتهى في حديث ابن مسعود عند مسلم(٢)،
ولفظه: لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللهِوَ﴿ِ قال: ((انتُهِي بِي إِلَى سِدْرَةِ المُنْتَهَى، وَهِيَ فِي السَّمَاء
السَّادِسَةِ وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يَعْرُجُ مِنَ الأَرْضِ، فيقبضُ مِنْهَا، وَإِلَيْهَا ينتهي مَا يَهْبِطُ، فيقبضُ
مِنْهَا)).
وقال النووي: سميت سدرة المنتهى؛ لأن علم الملائكة ينتهي إليها، ولم يجاوزها أحدٌ
إلا رسول الله جل﴾. انتهى.
(قال) أي: النبي وَل﴾ (يسير الراكب) أي: المجد، (في ظل الفنن)، محركة، أي:
الغصن، وجمعه الأفنان، ومنه قوله تعالى: ﴿ذَوَاتَآَ أَقْنَاٍ﴾ [الرحمن: ٤٨]، ويُقال ذلك للنوع،
وجمعه فنون؛ كذا حققه الراغب، (منها) أي: من السدرة، (أو يستظل بظلها مئة راكب)،
(أو) للشك، (شك يحيى) أي: ابن عباد المذكور في السند فيها، أي: في سدرة المنتهى،
والمعنى: فيما بين أغصانها، أو عليها بمعنى فوقها مما يغشاها، (فراش الذهب)، بفتح
الفاء، جمع فراشة: وهي التي تطير وتتهافت في السراج، قيل: هذا تفسير قوله تعالى: ﴿إِذْ
يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم: ١٦]، ومنه أخذ ابن مسعود؛ حيث فسر ﴿مَا يَغْشَى﴾ بقوله:
(يغشاها فراش من ذهب))، قال البيضاوي: وذكر الفراش وقع على سبيل التمثيل؛ لأن من
شأن الشجر أن يسقط عليها الجراد، وشبهه وجعلها من الذهب؛ لصفاء لونها وإضاءتها في
نفسها. انتهى، قال الحافظ: ويجوز أن يكون من الذهب حقيقة، ويخلق فيه الطيران،
والقدرة صالحةٌ لذلك. انتهى. (كأن ثمرها القلال) بكسر القاف، جمع القلة، أي قلال هجر
في الكبر.
(١) البخاري، كتاب المناقب، حديث (٣٨٨٧).
(٢) مسلم، كتاب الإيمان، حديث (١٧٣).
٢٩٧
كتاب صفة الجنة عن رسول الله 18 / باب مَا جَاءَ فِي صِفَةٍ طَيْرِ الجَنَّة
١٠- باب مَا جَاءَ في صِفَةٍ طَيْرِ الجَنَّة [ت١٠، ١٠٢]
[٢٥٤٢] (٢٥٤٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أخْبَرَنَا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ، عَن
مُحمَّدِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ مُسْلِمٍ، عَن أَبِيهِ عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ وَّ
ما الكَوْثَرُ؟ قَالَ: ((ذَاكَ نَهْرُ أعْطَانِيهِ اللهُ - يَعْنِي فِي الجَنَّةِ - أشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ
وَأَحْلَى مِنَ العَسَلِ، فِيهَا طَيْرٌ أَعْنَاقُهَا كَأَعْنَاقِ الجُزُرِ)). قَالَ عُمَرُ: إِنَّ هَذِهِ لَنَاعِمَةٌ،
قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أكَلَتُهَا أنعمُ مِنْهَا)).
١٠- باب ما جاء في صفة طير الجنة
[٢٥٤٢] قوله: (أخبرنا عبد الله بن مسلمة) بن قعنب القعني، الحارثي، أبو عبد الرحمن،
البصري، أصله من المدينة، وسكنها مدة، ثقة، عابد، من صغار التاسعة، (عن محمد بن
عبد الله بن مسلم) بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري، المدني، ابن أخي الزهري،
صدوق، له أوهام، من السادسة، ( عن أبيه) أي: عبد الله بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن
شهاب بن الحارث بن زهرة، الزهري، المدني، كنيته: أبو محمد، أخو الزهري الإمام،
ثقة، من الثالثة، مات قبل أخيه.
قوله: (ذاك نهر أعطانيه الله)، وفي ((صحيح مسلم))(١)، من طريق المختار بن فلفل، عن
أنس: ((بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ النبيِّوَ﴿ إِذْ غَفَا إِغْفَاءَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّمًا، فقلنا: مَا أضْحَكَكَ
يَا رَسُولَ الله؟ قال: ((نَزَلَتْ عَلَيَّ سُوْرَةٌ))، فَقَرَأَ: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّ أَعْطَيْنَكَ
اَلْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] إلى آخرها، ثم قال: ((أَتَدْرُوْنَ مَا الكَوْثَرُ؟)) قلنا: الله ورسولُهُ أعلمُ،
قال: (فَإِنَّهُ نَهَرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّي، عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ، هُوَ حَوْضٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ)) الحديث.
(يعني في الجنة)، هذا قول الراوي، وروى الحاكم(٢) عن أنس مرفوعًا: ((الكَوْثَرُ: نَهَرٌ
أَعْطَانِيهِ الله فِي الْجَنَّةِ، تُرَابُهُ مِسْكٌ، أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ، وَ أَحْلَى مِنَ العَسَلِ)) الحديث، (فيه)
أي: في ذلك النهر، أو في أطرافه، (طير أعناقها كأعناق الجزر)، بضم الجيم والزاي،
جمع جزور: وهو البعير، (إن هذه) أي: الطير؛ فإنه يذكر ويؤنث، (الناعمة) أي: سمان
مترفة؛ كذا في ((النهاية))، (أكلتها)، ضبط في النسخة الأحمدية بفتح الهمزة والكاف واللام،
(١) مسلم، كتاب الصلاة، حديث (٤٠٠).
(٢) الحاكم، حديث (٣٩٧٨) وقال الذهبي: أخرجه مسلم.
٢٩٨
كتاب صفة الجنة عن رسول الله وَّهِ / باب مَا جَاءَ فِي صِفَةِ خَيْلِ الجَنَّة
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. وَمُحمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ مُسْلِمٍ هُوَ ابنُ
أخِي ابنِ شِهَابِ الزُّهْرِيِّ، وعبدُ الله بْنُ مسلم قد رَوَى عَن ابنِ عمر وأنس بْنِ مالك.
١١- باب مَا جَاءَ في صِفَةِ خَيْلِ الجَنَّة [ت١١، ١١٢]
[٢٥٤٣] (٢٥٤٣) حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ قَالَ: أخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ عليٍّ،
حَدَّثَنَا المَسْعُودِيُّ عَنِ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْتَدٍ، عَن سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَن أَبِيهِ: أنَّ رَجُلًا
سَأَلَ النبيَّ نَّهِ فَقَالَ: يَا رَسُول الله! هَلْ في الجَنَّةِ مِن خَيْلٍ؟ قَالَ: ((إنِ اللهُ أَدْخَلَكَ
الجَنَّةَ فَلا تَشَاءُ أنْ تُحْمَلَ فِيهَا عَلَى فَرَسٍ مِن يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ يَطِيرُ بِكَ في الجَنَّةِ
وبمد الهمزة، وكسر الكاف، فعلى الأول: جمع آكل، اسم فاعل، كطلبة جمع طالب،
والمعنى: من يأكلها، وعلى الثاني: مؤنث آكل، وصيغة الواحد المؤنث قد تستعمل
للجماعة.
قوله: (هذا حديث حسن)، وأخرجه أحمد(١) بإسناد جيد، ولفظه: ((إِنَّ طَيْرَ الْجَنَّةِ كَأَمْثَالٍ
البُخْتِ، تَرْعَى فِي شَجَرِ الجَنَّةِ))، فقال أبو بكر: يا رسولَ الله، إِنَّ هذه الطيرَ ناعمةٌ، فقال:
((أَكَلَتُّهَا أنعم منها)) قالها ثلاثًا، ((وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَأْكُلُ مِنْهَا)). كذا في ((الترغيب)).
١١- باب ما جاء في صفة خيل الجنة
قال في ((القاموس)): الخيل: جماعة الأفراس، لا واحد له، أو واحدُهُ خائل؛ لأنه
يختال. انتهى.
[٢٥٤٣] قوله: (أخبرنا عاصم بن علي) بن عاصم بن صهيب، الواسطي، أبو الحسن
التيمي مولاهم، صدوق، ربما وهم، من التاسعة، (عن سليمان بن بريدة) بن الحصيب
الأسلمي، المروزي، قاضيها، ثقة، من الثالثة.
قوله: (إن الله)، بكسر الهمزة، وسكون النون؛ على أن ((إن)) شرطية، ثم كسر للالتقاء،
قال الطيبي: ((الله)): مرفوع بفعل يفسره ما بعده، وهو: (أدخلك الجنة)، ولا يجوز رفعه على
الابتداء؛ لوقوعه بعد حرف الشرط، وقوله: (فلا تشاء أن تحمل فيها)، جواب الشرط، أي:
فلا تشاء الحمل في الجنة، (على فرس من ياقوتة حمراء تطير)، بصيغة المؤنث، والضمير
پرجع إلى فرس.
(١) أحمد، حديث (١٢٨٩٨).
٢٩٩
كتاب صفة الجنة عن رسول الله وَل﴿ / باب مَا جَاءَ فِي صِفَةِ خَيْلِ الجَنَّة
حَيْثُ شِئْتَ)). قَالَ: وَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! هَلْ في الجَنَّةِ مِن إِلٍ؟ قَالَ:
فَلَمْ يَقُلْ لَهُ مثل مَا قَالَ لصَاحِبِهِ قَالَ: ((إِنْ يُدْخِلْكَ اللهُ الجَنَّةَ، يَكَنْ لَكَ فِيهَا مَا
اشْتَهَتْ نَفْسُكَ ولذَّتْ عَيْنُكَ)). [حم: ٢٢٤٧٣].
قال في ((القاموس)): الفرس: للذكر والأنثى، (حيث شئت) أي: طيرانه بك، (إلا
فعلت)، لا يوجد هذا اللفظ في بعض نسخ الترمذي، وأورد صاحب ((المشكاة)) هذا الحديث
نقلًا عن الترمذي مع هذا اللفظ، قال القاري في شرح قوله: ((إلّا فعلت)) بصيغة المخاطب
المذكر المعلوم، والمعنى: إن تشأ تفعله، وفي نسخة - يعني من ((المشكاة)) - على بناء
المجهول، أي: حملت عليها وركبت، وفي أخرى بتاء التأنيث الساكنة، فالضمير للفرس،
أي: حملتك، قال القاضي رحمه الله: تقدير الكلام: إن أدخلك الجنة، فلا تشاء أن تحمل
على فرس كذلك إلّا حملت عليه، والمعنى: أنه ما من شيء تشتهيه الأنفس إلا وتجده في
الجنة، کیف شاءت، حتی لو اشتهت أَنْ ترکب فرسًا على هذه الصفة لوجدته وتمگَّنت منه،
ويحتمل أن يكون المراد: إن أدخلك الله الجنة، فلا تشاء أن يكون لك مركب من ياقوتة
حمراء، يطير بك حيث شئت، ولا ترضى به فتطلب فَرَسًا من جنس ما تجده في الدنيا حقيقة
وصفةً، والمعنى: فيكون لك من المراكب ما يغنيك عن الفرس المعهود، ويدل على هذا ما
جاء في الرواية الأخرى، وهو: (إِنْ أُدْخِلْتَ الجَنَّةَ أُتِيتَ بِفَرَسٍ من يَاقُوتَةٍ لَهُ جَنَاحَانِ،
فَحُمِلْتَ عَلَيْهِ))، ولعله وَلي لما أراد أن يبين الفرق بين مراكب الجنة ومراكب الدنيا، وما
بينهما من التفاوت على التصوير والتمثيل، مثل فرس الجنة في جوهره، بما هو عندنا أثبت.
الجواهر وأدومها وجودًا، وأنصعها لونًا، وأصفاها جوهرًا، وفي شدة حركته وسرعة انتقاله
بالطير، وأكد ذلك في الرواية الأخرى بقوله: ((جناحان))، قال الطيبي: الوجه الأول: ذَهَبَ
إليه الشيخ التوربشتي، وتقدير قوله: ((إلا حملت)) يقتضي أن يروى قوله: ((إلا فعلت)) على
بناء المفعول، فإنه استثناء مفرغ، أي: لا تكون بمطلوبك إلا مسعفًا، وإذا ترك على بناء
الفاعل، كان التقدير: فلا تكون بمطلوبك إلَّا فائزًا.
والوجه الثاني: من الوجهين السابقين قريبٌ من أسلوب الحكيم، فإن الرجل سأل عن
الفرس المتعارف في الدنيا، فأجابه وي ليه بما في الجنة، أي: اترك ما طلبته؛ فإنك مستغن عنه
بهذا المركب الموصوف. انتهى.
(قال) أي: بريدة، (فلم يقل له ما قال لصاحبه) أي: مثل مقوله لصاحبه كما سبق، بل
أجابه مختصرًا، (فقال: إن يدخلك الله الجنة، يكن لك فيها ما اشتهت نفسك، ولذت عينك)
٣٠٠
كتاب صفة الجنة عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي صِفَةِ خَيْلِ الجَنَّة
حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نصر، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله بْنُ المُبَارَكِ، عَن سُفْيَانَ عَن عَلْقَمَةَ بْنِ
مرتدٍ عَن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ سَابِطٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َهِ نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ، وَهذا أصُ من حَدِيثٍ
المَسْعُودِيِّ.
[٢٥٤٤] (٢٥٤٤) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَمُرَةَ الأَحْمَسِيُّ، حَدَّثَنَا
أبُو مُعَاوِيَةَ، عَن وَاصِلٍ - هو ابن السَّائِبِ - عَن أبي سَوْرَةَ عَن أبي أيُّوبَ، قَالَ:
أَتَى النبيَّ وَّهِ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! إنِّي أُحِبُّ الخَيْلَ، أفي الجَنَّةِ خَيْلٌ؟ قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِنْ أُدْخِلْتَ الجَنَّةَ أُتِيتَ بِفَرَسٍ مِن يَاقُوتَةٍ لَهُ جَنَاحَانِ فَحُمِلْتَ عَلَيْهِ،
ثُمَّ طَارَ بِكَ حَيْثُ شِئْتَ)).
أي: وجدت عينك لذيذة، قال في ((القاموس)): لَذَّه وبِهِ لَذَاذًا، ولذاذةً: وجده لذيذًا. انتهى،
وفيه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيدِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُرُّ﴾ [الزخرف: ٧١].
قوله: (هذا أصح من حديث المسعودي) أي: حديث سفيان، وهو الثوري، عن
علقمة بن مرثد، عن عبد الرحمن بن سابط، عن النبي # مرسلًا، أصح من حديث
المسعودي، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه متصلًا؛ وهذا لأن سفيان
أوثق وأتقن من المسعودي.
[٢٥٤٤] قوله: (حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة الأحمسي)، بمهملتين: أبو جعفر
السراج، ثقة، من العاشرة، ( عن واصل بن السائب) الرقاشي، أبي يحيى البصري،
ضعيف، من السادسة، (عن أبي سورة)، بفتح أوله، وسكون الواو بعدها راء، الأنصاري،
ابن أخي أبي أيوب، ضعيف، من الثالثة.
قوله: (إني أحب الخيل) أي: في الدنيا، (إن أدخلت)، بالبناء للمفعول، وفتح التاء،
(الجنة) أي: إن أدخلك الله تعالى إياها، (أتيت) أي: جئت (بفرس من ياقوتة)، قال
القاري: قيل: أراد الجنس المعهود مخلوقًا من أنفس الجواهر، وقيل: إن هناك مركبًا من
جنس آخر يغنيك عن المعهود، كما مر، والأخير أظهر؛ لقوله: (له جناحان)، يطير بهما،
كالطائر، (فحملت عليه)، بصيغة المجهول، أي: أُرْكِبْتَه، والمُرْكِبُ: الملائكةُ، (ثم طار)
أي: ذلك الفرس، (بك حيث شئت)، ومقصود الحديث أن ما من شيء تشتهيه النفس في
الجنة إلَّا تَجِدُهُ فيها، حتى لو اشتهى أن يركب فرسًا وجده بهذه الصفة.