Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨١ كتاب الفتن عن رسول الله وَلَوَ / باب مَا جَاء في الخِلَافَةِ ((مَن أَهَانَ سُلْطَانَ الله في الأرْضِ، أهَانَهُ اللهُ)). [حم: ١٩٩٢٠]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. ٤٨- باب مَا جَاء في الخِلاَفَةِ [ت ٤٨، م ٤٨] [٢٢٢٥] (٢٢٢٥) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عِبْدُ الرَّزَّاقِ، أخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَن سَالِم بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عُمَر، عَن أبِيهِ، قَالَ: قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ: لَوِ اسْتَخْلَفْتَ؟ قَالَ: إِنْ أسْتَخْلِفْ فَقَدِ اسْتَخْلَفَ أَبُو بَكْرٍ، وَإِنْ لَمْ أَسْتَخْلِفْ لَمْ يَسْتَخْلِفْ رَسُولُ الله ◌َلَزِ. [خ: ٧٢١٨، م: ١٨٢٣، د: ٢٩٣٩، حم: ٣٠١]. يحتمل كونها محرمة من الحرير، وكونها رقاقًا، لا محرمة؛ لكن لكونها ثياب المتنعمين نسبه إلى الفسق؛ تغليظًا؛ وهو الظاهر؛ ولذا رده أبو بكرة بقوله: (من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله) أي: من أهان من أعزه الله، وألبسه خلعة السلطنة أهانه الله. و((في الأرض)) متعلق بسلطان الله؛ تعلقها في قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِفَةٌ فِ الْأَرْضِ﴾ [ص: ٢٦] والإضافة في ((سلطان الله))، إضافة تشريف، ((كبيت الله)) و((ناقة الله)). ويحكى عن جعفر الصادق مع سفيان الثوري ((وعلى جعفر جبة خز دكناء)) فقال له: يا ابن رسول الله: ليس هذا من لباسك؛ فحسر عن ردن جبته؛ فإذا تحتها جبة صوف بيضاء يقصر الذيل عن الذيل والردن عن الردن؛ فقال: يا ثوري: لبسنا هذا لله، وهذي لكم؛ فما كان لله أخفيناه، وما كان لكم أبديناه. ذكره صاحب ((جامع الأصول)) في كتاب ((مناقب الأولياء))، والدكناء؛ بالدال المهملة: تأنيث الأدكن؛ وهو: ثوب مغبر اللون. ذكره الطيبي. قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه النسائي. ٤٨ - بَابُ مَا جَاءَ في الْخِلافَةِ [٢٢٢٥] قوله: (لو استخلفت) ((لو)) للتمني، أو جوابه محذوف؛ أي: لكان خيرًا (إن أستخلف فقد استخلف أبو بكر، وإن لم أستخلف لم يستخلف رسول الله(وَ 38) قال النووي في ((شرح مسلم)): حاصله: أن المسلمين أجمعوا على أن الخليفة؛ إذا حضرته مقدمات الموت، وقبل ذلك يجوز له الاستخلاف ويجوز له تركه؛ فإن تركه فقد اقتدى بالنبي وَ الزل في هذا؛ وإلا فقد اقتدى بأبي بكر. وأجمعوا على انعقاد الخلافة بالاستخلاف، وعلى انعقادها بعقد أهل الحل والعقد لإنسان؛ إذا لم يستخلف الخليفة. وأجمعوا على جواز جعل الخليفة ٤٨٢ كتاب الفتن عن رسول الله وَل﴿ه / باب مَا جَاء في الخِلَافَةِ قَالَ أَبُو عِيْسَى: وَفِي الحَدِيثِ قِصَّةٌ، وَهذَا حديثٌ صَحِيحٌ، قَدْ رُوِيَ مِن غَيْرِ وَجْهٍ عَن ابْنِ عُمَرَ . الأمر شورى بين جماعة؛ كما فعل عمر بالستة. وأجمعوا على أنه يجب على المسلمين نصب خليفة، ووجوبه بالشرع، لا بالعقل. وأما ما حكي عن الأصم أنه قال: لا يجب. وعن غيره: أنه يجب بالعقل، لا بالشرع فباطلان. أما الأصم فمحجوج بإجماع من قبله، ولا حجة له في بقاء الصحابة بلا خليفة في مدة التشاور يوم السقيفة، وأيام الشورى بعد وفاة عمر ظه؛ لأنهم لم يكونوا تاركين لنصب الخليفة؛ بل كانوا ساعين في النظر في أمر من يعقد له. وأما القائل الآخر ففساد قوله ظاهر؛ لأن العقل لا يوجب شيئًا، ولا يحسنه، ولا يقبحه؛ [و] إنما يقع ذلك بحسب العادة، لا بذاته. وفي هذا الحديث دليل أن النبي وَ لو لم ينص على خليفة؛ وهو إجماع أهل السنة وغيرهم. قال القاضي: وخالف في ذلك بكر ابن أخت عبد الواحد؛ فزعم أنه نص على أبي بكر. وقال ابن راوندي: نص على العباس. وقالت الشيعة والرافضة: على علي. وهذه دعاوي باطلة، وجسارة على الافتراء، ووقاحة في مكابرة الحس؛ وذلك لأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعوا على اختيار أبي بكر، وعلى تنفيذ عهده إلى عمر، وعلى تنفيذ عهد عمر بالشورى، ولم يخالف في شيء من هذا أحد، ولم يدع علي، ولا العباس، ولا أبو بكر وصية في وقت من الأوقات، وقد اتفق علي والعباس على جميع هذا من غير ضرورة مانعة من ذكر وصية لو كانت؛ فمن زعم أنه كان لأحد منهم وصية فقد نسب الأمة إلى اجتماعها على الخطأ، واستمرارها عليه؛ وكيف يحل لأحد من أهل القبلة أن ينسب الصحابة إلى المواطأة على الباطل في كل هذه الأحوال؟ ولو كان شيء لنقل؛ فإنه من الأمور المهمة. انتھی . قوله: (وفي الحديث قصة طويلة) أخرجها مسلم في ((صحيحه)) في أوائل كتاب ((الإمارة)). قوله: (هذا حديث صحيح) وأخرجه الشيخان(١). (١) البخاري، كتاب الأحكام. حديث (٧٢١٨)، وتقدم ذكر مسلم. ٤٨٣ كتاب الفتن عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاء في الخِلَافَةِ [٢٢٢٦] (٢٢٢٦) حَدَّثَنَا أحمدُ بْنُ مَنيع، حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَشْرَجُ بْنُ نُبَاتَةَ، عَن سَعِيدٍ بْنِ جُمْهَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَفِينَةُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله وَّهِ: ((الخِلَافَةُ فِي أُمَّتِي ثَلاثُونَ سَنَةٌ، ثُمَّ مُلْكٌ بَعْدَ ذَلِكَ)). [حم: ٢١٤١٢]. [٢٢٢٦] قوله: (أخبرنا سريج بن النعمان) بمهملة، وراء، وجيم مصغرًا: ابن مروان الجوهري، أبو الحسن، البغدادي، أصله من خراسان، ثقة، يهم قليلًا، من كبار العاشرة (حدثنا حشرج بن نباتة) بضم النون، ثم الموحدة، ثم المثناة؛ الأشجعي، أبو مكرم، الواسطي، أو الكوفي، صدوق، يهم، من الثامنة (عن سعيد بن جمهان) بضم الجيم، وإسكان الميم: الأسلمي، كنيته: أبو حفص؛ البصري، صدوق، له أفراد، من الرابعة (حدثني سفينة) مولى رسول الله وَ لا يكنى: أبا عبد الرحمن. يقال: كان اسمه: مهران، أو غير ذلك؛ فلقب سفينة؛ لكونه حمل شيئًا كبيرًا في السفر؛ مشهور، له أحاديث؛ كذا في ((التقريب)). وقال في ((تهذيب التهذيب)): قال حماد بن سلمة، عن سعيد بن جمهان، عن سفينة: كنا مع النبي ◌َّ في سفر، وكان إذا أعيى بعض القوم ألقى عليّ سيفه، ألقى عليّ ترسه؛ حتى حملت من ذلك شيئًا كثيرًا؛ فقال النبي ◌ََّ: ((أَنْتَ سَفِينَةُ)). انتهى. قوله: (الخلافة في أمتي ثلاثون سنة) وفي رواية أبي داود (١): ((خِلافَةُ النُّبُوَّةِ ثَلاثُونَ سَنَةً)). قال العلقمي: قال شيخنا؛ يعني: الحافظ السيوطي: لم يكن في الثلاثين بعده وَّ إلا الخلفاء الأربعة، وأيام الحسن. قال العلقمي: بل الثلاثون سنة، هي: مدة الخلفاء الأربعة؛ كما حررته؛ فمدة خلافة أبي بكر: سنتان وثلاثة أشهر وعشرة أيام، ومدة عمر: عشر سنين وستة أشهر وثمانية أيام، ومدة عثمان: إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهرًا وتسعة أيام. ومدة خلافة علي: أربع سنين وتسعة أشهر وسبعة أيام. هذا هو التحرير؛ فلعلهم ألغوا الأيام وبعض الشهور. وقال النووي في ((تهذيب الأسماء)): مدة خلافة عمر: عشر سنين وخمسة أشهر وإحدى وعشرين يومًا، وعثمان اثنتي عشرة سنة إلا ست ليال، وعلي خمس سنين؛ وقيل خمس سنين إلا أشهرًا، والحسن نحو سبعة أشهر. انتهى كلام النووي. والأمر في ذلك سهل. هذا آخر كلام العلقمي. (ثم ملك بعد ذلك) قال المناوي: أي: بعد انقضاء زمان خلافة النبوة يكون ملكًا؛ لأن (١) أبو داود، كتاب السنة. حديث (٤٦٤٦). ٤٨٤ كتاب الفتن عن رسول اللهرَِّ / باب مَا جَاء في الخِلَافَةِ ثُمَّ قَالَ لِي سَفِينَةُ: أمْسِكْ خِلَافَةَ أبي بَكْرٍ وَخِلَافَةَ عُمَرَ وَخِلَافَةَ عُثمانَ، ثُمَّ قَالَ لي: أمسِْ خِلَافَةَ عَلِيٍّ، قَالَ: فَوَجَدْنَاهَا ثَلاثِينَ سَنَةً، قَالَ سَعِيدٌ: فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ بَنِي أُمَيَّةَ يَزْعِمُونَ أنَّ الخِلَافَةَ فِيهِمْ، قَالَ: كَذَبُوا بَنُو الزَّرِقَاءِ، بَلْ هُمْ مُلُوهٌ من شَرِّ المُلُوكِ. قَالَ أبُو عِيْسَى: وفي البابِ: عَن عُمَر وعَلِيٍّ، قَالَا: لَمْ يَعْهَدِ النَّبيُّ وَلّ في الخِلَافَةِ شَيْئًا . اسم الخلافة إنما هو لمن صدق عليه هذا الاسم بعمله للسنة. والمخالفون ملوك، لا خلفاء؛ وإنما تسموا بالخلفاء؛ لخلفهم الماضي. وأخرج البيهقي) في ((المدخل)) عن سفينة أن: أول الملوك: معاوية تعلّته . والمراد بخلافة النبوة: هي الخلافة الكاملة؛ وهي منحصرة في الخمسة، فلا يعارض الحديث: ((لا يَزَالُ هَذَا الدِّينُ قَائِمًا حَتَّى يَمْلِكَ اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً)) لأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مُطْلَقُ الْخِلافَةِ، والله أعلم. انتهى كلامه محصلًا. (أمسك عليك خلافة أبي بكر) أي: اضبط الحساب، عاقدًا أصابعك. وفي رواية أبي داود٢ُ): ((أَمْسِكْ عَلَيْكَ أَبَا بَكْرٍ سَنَتَيْنِ، وَعُمَرُ عَشْرًا، وَعُثْمَانُ اثْنَيْ عَشَرَ، وَعَلِيٍّ كذا)) ولفظ أحمدُ) في ((مسنده): ((قَالَ سَفِينَةُ: أَمْسِكْ خِلافَةَ أَبِي بَكْرٍ رَّهُ سَنَتَيْنٍ، وَخِلافَةُ عُمَرَ نَّهِ عَشْرُ سِنِينَ، وَخِلافَةُ عُثْمَانَ رَوُلْهِ اثْنَيْ عَشَرَ سَنَةً، وَخِلافَةُ عَلِيِّ بَّهِ سِتُّ سِنِينَ)) (فقلت له) أي: لسفينة (قال) أي: سفينة (كذبوا بنو الزرقاء) هو من باب: أكلوني البراغيث. والزرقاء: امرأة من أمهات بني أمية. قاله في ((فتح الودود)). (بل هم: ملوك من شر الملوك) وفي رواية أبي داود): ((قُلْتُ لِسَفِينَةَ: إِنَّ هَؤلاءِ يَزْعُمُونَ أَنَّ عَلِيًّا لَمْ يَكُنْ بِخَلِيفَةٍ. قَالَ: كَذَبَتْ اسْتَاهُ بَنِي الزَّرْقَاءِ)) يعني: بني مروان. قوله: (وفي الباب عن عمر، وعلي قالا: لم يعهد) أي: لم يوص. أما حديث عمر: فأخرجه الترمذي) بعد هذا. وأما حديث علي: فأخرجه أحمد، والبيهقي في ((دلائل (١) المدخل إلى السنن الكبرى (٣٠). (٢) أبو داود، كتاب السنة. حديث (٤٦٤٦). (٣) أحمد. حديث (٢١٤١٢، ٢١٤٢١). أبو داود، كتاب السنة. حديث (٤٦٤٦). (٤) (٥) ليس ثمة حديث لعمر (٦) أحمد (١٢٥٩) مختصرًا، والبيهقي في ((الدلائل)) (٣١٦٣) واللفظ له. ٤٨٥ كتاب الفتن عن رسول الله ◌َّة / باب مَا جَاء أنَّ الخُلَفَاء مِن قُرَيْشٍ إلَى أنْ تَقُومَ السَّاعَةُ وَهَذَا حديثٌ حسنٌ، قد رَوَاهُ غَيْرُ واحِدٍ، عَن سَعِيدٍ بْنِ جِمْهَانَ، وَلَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِن حَديثِ سَعیدِ بْنِ جمهانَ. ٤٩- باب مَا جَاء أنَّ الخُلَفَاء مِن قُرَيْشٍ إِلَى أنْ تَقُومَ السَّاعَةُ [ت ٤٩، م ٤٩] [٢٢٢٧] (٢٢٢٧) حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ البَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ حَبِيبٍ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الله بْنَ أبي الهُذَيْلِ يَقُولُ: كَانَ نَاسٌ مِن رَبِيعَةَ عِنْدَ عَمْرِو بْنِ العَاصِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِن بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ : النبوة)) بسند حسن، عن عمرو بن سفيان قال: ((لَمَّا ظَهَرَ عَلِيٍّ يَوْمَ الْجَمَلِ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِلَّ رَسُولَ اللهِوََّ لَمْ يَعْهَدْ إِلَيْنَا فِي هَذِهِ الإِمَارَةِ شَيْئًا حَتَّى رَأَيْنَا مِنَ الرَّأْيِ أَنْ نَسْتَخْلِفَ أَبَا بَكْرٍ، فَأَقَامَ وَاسْتَقَامَ حَتَّى مَضَى سَبِيلُهُ، ثُمَّ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَأَى مِنَ الرَّأْيِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ عُمَرَ؛ فَأَقَامَ وَاسْتَقَّامَ حَتَّى ضَرَبَ الدِّينِ بِجِرَانِهِ، ثُمَّ إِنَّ أَقْوَامًا طَلَبُوا الدُّنْيَا فَكَانَت أُمُور يَقْضِي الله فِيهَا)). وأخرج الحاكم في ((المستدرك)) وصححه [و] البيهقي(١) في ((الدلائل)) عن أبي وائل قال: ((قِيلَ لِعَلِيٍّ: أَلا تَسْتَخْلِفُ عَلَيْنَا؟ قَالَ: مَا اسْتَخْلَفَ رَسُولُ اللهِنَّهِ فَأَسْتَخْلِفْ، وَلَكِنْ إِنْ يُرِدِ الله بِالنَّاسِ خَيْرًا فَسَيَجْمَعَهُمْ بَعْدِي عَلَى خَيْرِهِمْ كَمَا جَمَعَهُمْ بَعْدَ نَبِّهِمْ عَلَى خَيْرِهِمْ)). قوله: (هذا حديث حسن) وأخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي(٢) . قال الحافظ في ((الفتح)) بعد ذكر هذا الحديث: أخرجه أصحاب السنن، وصححه ابن حبان، وغيره. ٤٩ - بابُ مَا جَاءَ أَنَّ الْخُلَفَاءَ من قُرَيْشٍ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ [٢٢٢٧] قوله: (حدثنا حسين بن محمد) بن أيوب؛ الذارع، السعدي، أبو علي، البصري، صدوق، من العاشرة (عن حبيب بن الزبير) بن مشكان، الهلالي، أو الحنفي؛ الأصبهاني، أصله من البصرة، ثقة، من السادسة (سمعت عبد الله بن أبي الهذيل) الكوفي؛ كنيته: أبو المغيرة، ثقة، من الثانية. (١) الحاكم. حديث (٤٤٦٧) وصححه، ووافقه الذهبي، والبيهقي في ((الدلائل)) (٣١٦٤)، وما بين الحاصرتين زيادة يقتضيها السياق. (٢) النسائي في ((الكبرى)) (٨١٥٥)، والباقي تقدم ذكرهم، وأخرجه ابن حبان في صحيحه (٦٩٤٣). ٤٨٦ كتاب الفتن عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاء أنَّ الخُلَفَاء مِن قُرَيْشٍ إلَى أنْ تَقُومَ السَّاعَةُ لَنْتَهِيَنَّ قُرَيْشٌ أوْ لَيَجْعَلَنَّ اللهُ هَذَا الأَمْرَ فِي جُمْهُورٍ مِنَ العَرَبِ غَيْرِهِمْ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ العَاصِ: كَذَبْتَ؛ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلَ يَقُولُ: ((قُرَيْشٌ وُلَاءُ النَّاسِ في الخَيْرِ وَالشَّرِّ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ)). [حم: ١٧٣٥٢]. قوله: (لتنتهين قريش) أي: من الفسق والعصيان (أو ليجعلن الله هذا الأمر) أي: الرياسة، والخلافة (غيرهم) أي: غير قريش (قريش ولاة الناس في الخير والشر) أي: في الجاهلية والإسلام، ويستمر ذلك (إلى يوم القيامة) فالخلافة فيهم ما بقيت الدنيا؛ ومن تغلب على الملك بالشوكة لا ينكر أن الخلافة فيهم. قال النووي في ((شرح مسلم)): هذه الأحاديث؛ يعني: أحاديث أبي هريرة، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن مسعود التي رواها مسلم في ((باب الخلافة في قريش وأشباهها)) دليل ظاهر أن الخلافة مختصة بقريش، لا يجوز عقدها لأحد من غيرهم. وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن الصحابة؛ وكذلك بعدهم، ومن خالف فيه من أهل البدع؛ فهو محجوج بإجماع الصحابة والتابعين؛ فمن بعدهم بالأحاديث الصحيحة. قال القاضي: اشتراط كونه قرشيًّا؛ هو مذهب العلماء كافة. قال: وقد احتج به أبو بكر، وعمر رؤيته على الأنصار يوم السقيفة؛ فلم ينكره أحد. قال القاضي: وقد عدها العلماء في مسائل الإجماع، ولم ينقل عن أحد من السلف فيها قول، ولا فعل يخالف ما ذكرنا؛ وكذلك من بعدهم في جميع الأعصار. قال: ولا اعتداد بقول النظام، ومن وافقه من الخوارج، وأهل البدع أنه يجوز كونه من غير قريش، ولا بسخافة ضرار بن عمرو في قوله: إن غير القرشي؛ من: النبط، وغيرهم يقدم على قرشي؛ لهوان خلعه إن عرض منه أمر. وهذا الذي قاله؛ من باطل القول، وزخرفه مع ما هو عليه من مخالفة إجماع المسلمين. وأما قوله وَّهَ: ((النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ»، فمعناه: في الإسلام، والجاهلية؛ كما هو مصرح به في الرواية الأولى؛ يعني: رواية أبي هريرة: ((النَّاسُ تَبَعْ لِقُرَيْشٍ فِي هَذَا الشَّأْنِ مُسْلِمُهُمْ لِمُسْلِمِهِمْ وَكَافِرُهُمْ لِكَافِرِهِم؛ لأَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ رؤسَاءَ الْعَرَبِ وَأَصْحَابَ حَرَمِ [الله] وَأَهْلَ حَجِّ بَيْتِ الله، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَنْتَظِرُ إِسْلامَهُمْ، فَلَمَّا أَسْلَمُوا وَفُتِحَتْ مَكَّةُ تَبِعَهُمُ النَّاسُ وَجَاءَتْ وُفُودُ الْعَرَبِ من كُلِّ جِهَةٍ، وَدَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِ الله أَفْوَاجًا، وَكَذَلِكَ فِي الإِسْلامِ هُمْ أَصْحَابُ الْخِلافَةِ وَالنَّاسُ تَبَعٌ لَهُمْ) وَبَيَّنَ وَّةِ أن هذا الحكم مستمر إلى آخر الدنيا؛ ما بقي من الناس اثنان. وقد ظهر ما قاله النبي وَّل، فمن زمنه وَل ٤٨٧ كتاب الفتن عن رسول الله وَّهَ / باب مَا جَاء أنَّ الخُلَفَاء مِن قُرَيْشٍ إلَى أنْ تَقُومَ السَّاعَةُ قَالَ أَبُو عِيْسَى: وفي البابِ عَن ابنِ مَسْعُودٍ وابنِ عُمَر وَجَابٍِ، إلى الآن الخلافة في قريش، من غير مزاحمة لهم فيها، وتبقى كذلك ما بقي اثنان؛ كما قال ﴾ انتھی. وقال الحافظ في ((الفتح)): ويحتاج من نقل الإجماع إلى تأويل ما جاء عن عمر من ذلك؛ فقد أخرج أحمد (١)، عن عمر بسند رجاله ثقات أنه قال: ((إِنْ أَدْرَكَنِي أَجَلِي، وَأَبُو عُبَيْدَةَ حَيٍّ، اسْتَخْلَفْتُهُ)) فذكر الحديث وفيه: ((فَإِنْ أَدْرَكَني أَجَلِي وقد مات أبو عبيدة استَخْلَفْتُ معاذ بن جبلٍ)) الحديث. ومعاذ بن جبل؛ أنصاري، لا نسب له في قريش؛ فيحتمل أن يقال: لعل الإجماع انعقد بعد عمر على اشتراط أن يكون الخليفة قرشيًّا، أو تغير اجتهاد عمر في ذلك. وأما ما احتج به من لم يعين الخلافة في قريش من تأمير عبد الله بن رواحة، وزيد بن حارثة، وأسامة، وغيرهم في الحروب، فليس من الإمامة العظمى في شيء؛ بل فيه أنه يجوز للخليفة استنابة غير القرشي في حياته. انتهى. فإن قلت: ما وجه الجمع بين الأحاديث التي تدل على اختصاص الخلافة بقريش، وبين حديث أنس بن مالك، عند أحمد، والبخاري، والنسائي(٢) مرفوعًا: ((اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِن اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبةٌ)) وحديث أم الحصين، عند مسلم(٣) مرفوعًا: ((إِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ مُجَدَّعٌ يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ الله فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا)). قلت: المراد من هذين الحديثين، وما في معناهما: أن الإمام الأعظم؛ إذا استعمل العبد الحبشي على إمارة بلد مثلًا؛ وجبت طاعته، وليس فيه أن العبد الحبشي يكون هو الإمام الأعظم. قال الخطابي: وقد يضرب المثل بما لا يقع في الوجود؛ يعني: وهذا من ذاك، أطلق العبد الحبشي مبالغة في الأمر بالطاعة؛ وإن كان لا يتصور شرعًا أن يلي ذلك. قوله: (وفي الباب عن ابن عمر، وابن مسعود، وجابر) أما حديث ابن عمر: فأخرجه أحمد، والشيخان (٤)، ولفظه عند مسلم: ((لا يَزَالُ هَذَا الأَمْرُ فِي قُرَيْشٍ مَا بَقِيَ مِنَ النَّاسِ (١) أحمد. حديث (١٠٩). (٢) أحمد. حديث (١١٧١٦)، والبخاري، كتاب الأحكام. حديث (٧١٤٢)، والنسائي في ((الكبرى)) (٧٨١٥). (٣) مسلم، كتاب الحج. حديث (١٢٩٨). (٤) أحمد. حديث (٤٨١٧)، والبخاري، كتاب المناقب. حديث (٣٥٠١)، ومسلم (١٨٢٠). ٤٨٨ کتاب الفتن عن رسول الله ێچ / بابٌ وهذَا حدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحيحٌ. ٥٠- بابٌ [ت ٥٠، م ٥٠] [٢٢٢٨] (٢٢٢٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ العَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا أبو بَكْرِ الحَنَفيُّ، عَن عَبْدِ الحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَن عُمَرَ بْنِ الحَكَم، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَةِ: ((لا يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى يَمْلِكَ رَجُلٌ مِنَ المَوَالِي يُقَالُ لَهُ: جَهْجَاهُ)). [م: ٢٩١١]. اثْنَانٍ)). قال الحافظ ابن حزم في ((المحلى)) بعد ذكر هذا الحديث: هذه اللفظة لفظة الخبر؛ فإن كان معناه: الأمر فحرام أن يكون الأمر في غيرهم أبدًا؛ وإن كان معناه معنى الخبر؛ كلفظه فلا شك في أن من لم يكن من قريش؛ فلا أمر له، وإن ادعاه فعلى كل حال؛ فهذا خبر يوجب منع الأمر عمن سواهم. انتهى. وأما حديث ابن مسعود فأخرجه مسلم(١) بنحو حديث ابن عمر. وأما حديث جابر؛ وهو ابن عبد الله: فأخرجه مسلم(٢)، ولفظه: ((النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ». قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه أحمد. قال المناوي: بإسناد صحيح. قوله: (عن عمر بن الحكم) بن رافع بن سنان المدني، الأنصاري، حليف الأوس، ثقة، من الثالثة . ٥٠ - بَابٌ [٢٢٢٨] قوله: (لا يذهب الليل والنهار) أي: لا ينقطع الزمان، ولا تأتي القيامة (حتى يملك رجل من الموالي) أي: على سبيل التغلب، لا بشورى أهل الحل والعقد. فهذا الحديث لا يخالف الأحاديث القاضية بأن الخلافة في قريش. والموالي؛ بفتح الميم: جمع المولى؛ أي: المماليك. والمعنى: حتى يصير حاكم على الناس (يقال له: جهجاه) قال النووي: هو بفتح الجيم، وإسكان الهاء. وفي بعض النسخ؛ يعني: نسخ مسلم ((الْجَهْجَهَا)) بهائين. وفي بعضها ((الْجَهْجَا)) بحذف الهاء التي بعد الألف؛ والأول هو المشهور. انتهى. (١) مسلم، كتاب الإمارة. حديث (١٨٢٠). (٢) مسلم، كتاب الإمارة. حديث (١٨١٩). ٤٨٩ كتاب الفتن عن رسول الله وَّة / باب مَا جَاء في الأئمَّةِ المُضِلِينَ قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. ٥١- باب مَا جَاء في الأئمَّةِ الُضِلِّينَ [ت ٥١، م٥١] [٢٢٢٩] (٢٢٢٩) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيْدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَن أيُّوبَ، عَن أبي قلَابَةَ، عَن أبي أسْمَاءِ الرَّحَبِيِّ، عَن ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((إِنَّمَا أخَافُ عَلَى أُمَّتِي الأئمَّةَ المُضِلِّينَ، قَالَ: وقال رسولُ اللهِ وَله: ((لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِن أُمَّتِي عَلَى الحَقِّ ظَاهِرِينَ، لا يَضُرُّهُمْ مَن خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أمْرُ الله)). [م: ١٩٢٠، د مطولًا: ٤٢٥٢، جه مطولًا: ٣٩٥٢، حم: ٢١٨٨٨]. قَالَ أبُو عِيْسَى: وهذَا حديثٌ حسنٌ صَحِيحٌ، سَمِعْت مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ المَدِينِيِّ يَقُولُ: وَذَكَرَ هَذَا الحَدِيثَ عَنِ النَّبِّ وَهِ: ((لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أمَّتِي ظَاهِرِينَ، عَلَى الحَقِّ)) فَقَالَ عَلِيٍّ: هُمْ أهْلُ الحَدِيثِ. قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه مسلم في ((أشراط الساعة)). ٥١ - بَابُ مَا جَاءَ في الأئِمَّةِ الْمُضِلِّينَ [٢٢٢٩] قوله: (إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين) أي: داعين إلى البدع والفسق، والفجور (على الحق) خبر لقوله: (لا تزال) أي: ثابتين على الحق؛ علمًا وعملًا (ظاهرين) أي: غالبين على الباطل؛ ولو حجة. قال الطيبي: يجوز أن يكون خبرًا بعد خبر، وأن يكون حالًا من ضمير الفاعل في (ثابتين)) أي: ثابتين على الحق؛ في حالة كونهم غالبين على العدو (لا يضرهم من خذلهم) أي لثباتهم على دينهم (حتى يأتي أمر الله) متعلق بقوله: ((لا تزال)) قال في ((فتح الودود)): أي: الريح التي يقبض عندها روح كل مؤمن ومؤمنة. انتهى. قوله: (هذا حديث صحيح) وأخرجه مسلم، وابن ماجه بدون ذكر: ((إِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي أَئِمَّةً مُضِلِّينَ)). وأخرجه أبو داود مطولًا. ٤٩٠ كتاب الفتن عن رسول الله ﴿ ﴿﴿ / باب مَا جَاء في المَهْدِيِّ ٥٢- باب مَا جَاء في المَهْدِيِّ [ت ٥٢، م ٥٢] ٥٢ - بابُ مَا جَاءَ في الْمَهْدِيِّ اعلم: أن المشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الأعصار أنه لا بد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت يؤيد الدين، ويظهر العدل، ويتبعه المسلمون، ويستولي على الممالك الإسلامية، ويسمى بـ ((المهدي))، ويكون خروج الدجال، وما بعده من أشراط الساعة الثابتة في الصحيح على أثره، وأن عيسى عليه السلام ينزل من بعده؛ فيقتل الدجال، أو ينزل معه فيساعده على قتله، ويأتم بالمهدي في صلاته. وخرّج أحاديث المهدي جماعة من الأئمة: منهم: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والبزار، والحاكم، والطبراني، وأبو يعلى الموصلي؛ وأسندوها إلى جماعة من الصحابة مثل: علي، وابن عباس، وابن عمر، وطلحة، وعبد الله بن مسعود، وأبي هريرة، وأنس، وأبي سعيد الخدري، وأم حبيبة، وأم سلمة، وثوبان، وقرة بن إياس، وعلي الهلالي، وعبد الله بن الحارث بن جزء طيه، وإسناد أحاديث هؤلاء بين صحيح، وحسن، وضعيف. وقد بالغ الإمام المؤرخ عبد الرحمن بن خلدون المغربي في ((تاريخه)) في تضعيف أحاديث المهدي كلها؛ فلم يصب؛ بل أخطأ، وما روي مرفوعًا من رواية محمد بن المنكدر عن جابر: ((مَنْ كَذَّبَ بِالْمَهْدِيِّ فَقَدْ كَفَرَ)). فموضوع. والمتهم فيه: أبو بكر الإسكاف، وربما تمسك المنكرون لشأن المهدي بما روي مرفوعًا أنه قال: ((لا مَهْدِيَّ إِلَّا عِيْسَى ابْنَ مَرْيَمَ)). والحديث ضعفه البيهقي، والحاكم(١)، وفيه: أبان بن صالح؛ وهو متروك الحديث والله أعلم؛ كذا في ((عون المعبود)). قلت: الأحاديث الواردة في خروج الإمام المهدي كثيرة جدًّا؛ ولكن أكثرها ضعاف، ولا شك في أن حديث عبد الله بن مسعود الذي رواه الترمذي في هذا الباب لا ينحط عن درجة الحسن، وله شواهد كثيرة من بين حسان، وضعاف. فحديث عبد الله بن مسعود هذا؛ مع شواهده وتوابعه، صالح للاحتجاج بلا مرية؛ فالقول بخروج الإمام المهدي وظهوره هو القول الحق والصواب، والله تعالى أعلم. وقال القاضي الشوكاني في ((الفتح الرباني)): الذي أمكن الوقوف عليه من الأحاديث (١) الحاكم. حديث (٨٣٦٣) وضعفه. ٤٩١ كتاب الفتن عن رسول الله وَل﴿ / باب مَا جَاء في المَهْدِيِّ [٢٢٣٠] (٢٢٣٠) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ أسْبَاطِ بْنِ مُحَمَّدِ القُرَشِيُّ الكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَن عَاصِمُ بْنِ بَهْدَلَةَ، عَن زِرِّ، عَن عَبْدِ الله، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((لا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَمْلِكَ العَرَبَ رَجُلٌ من أهْلِ بَيْتِي يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي)). [د: ٤٢٨٢]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: وفي البَابِ: عَن عَلِيٍّ، وَأبِي سَعِيدٍ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَأبِي هُرَيْرةَ، الواردة في المهدي المنتظر: خمسون حديثًا وثمانية وعشرون أثرًا، ثم سردها مع الكلام عليها، ثم قال: وجميع ما سقناه بالغ حد التواتر؛ كما لا يخفى على من له فضل اطلاع. انتھی . [٢٢٣٠] قوله: (عن عبد الله) هو: ابن مسعود رضيعنه . قوله: (لا تذهب الدنيا) أي: لا تفنى، ولا تنقضي (حتى يملك العرب) قال في ((فتح الودود)): خص العرب بالذكر؛ لأنهم الأصل، والأشراف. انتهى. وقال الطيبي: لم يذكر العجم؛ وهم مرادون أيضًا؛ لأنه إذا ملك العرب، واتفقت كلمتهم، وكانوا يدًا واحدةً قهروا سائر الأمم، ويؤيده حديث أم سلمة؛ يعني: المذكور في ((المشكاة)) في الفصل الثاني من باب ((أشراط الساعة)) وفيه: ((وَيَعْمَلُ فِي النَّاسِ بِسُنَّةِ نَبِيِّهِمْ وَيُلْقِي الإِسْلامَ بِجِرَانِهِ فِي الأرْضِ فَيَلْبَثُ سَبْعَ سِنِينَ ثُمَّ يُتَوَفِى وَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ)). قال القاري: ويمكن أن يقال: ذكر العرب؛ لغلبتهم في زمنه؛ أو لكونهم أشرف، أو هو من باب الاكتفاء، ومراده العرب والعجم؛ كقوله تعالى: ﴿سَرَبِيلَ تَفِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أي: والبرد، والأظهر أنه اقتصر على ذكر العرب؛ لأنهم كلهم يطيعونه بخلاف العجم؛ بمعنى: ضد العرب؛ فإنه قد يقع منهم خلاف في إطاعته. انتهى. (رجل من أهل بيتي) هو: الإمام المهدي (يواطئ) أي: يوافق، ويطابق. قوله: (وفي الباب عن علي، وأبي سعيد، وأم سلمة، وأبي هريرة) أما حديث علي: فأخرجه أبو داود(١)، من طريق أبي إسحاق قال: ((قَالَ عَلِيُّ ◌َهِ وَنَظَرَ إِلَى ابْنِهِ الْحَسَنِ فَقَالَ: إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ كَمَا سَمَّاهُ النَّبِيُّ وَّهِ، وَسَيَخْرُجُ من صُلْبِهِ رَجُلٌ يُسَمَّى بِاسْمِ نَبِيِّكُمْ وَلَهِ يُشْبِهُهُ فِي الْخَلْقِ وَلا يُشْبِهُهُ فِي الْخُلُقِ)). قال المنذري: هذا منقطع، أبو إسحاق السبيعي رأى عليًّا (١) أبو داود، كتاب المهدي. حديث (٤٢٩٠). ٤٩٢ كتاب الفتن عن رسول الله وَله / باب مَا جَاء في المَهْدِيِّ وهذا حديثٌ حسنٌ صَحِيحٌ. [٢٢٣١] (٢٢٣١) حَدَّثَنَا عَبْدُ الجَبَّارِ بْنُ العَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الجَبَّارِ العَطَّارُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَن عَاصِمٍ، عَن زِرِّ، عَن عَبْدِ الله، عَنِ النَّبِيِّ وَلِقَالَ: ((يَلِي رَجُلٌ مِن أَهْلِ بَيْتِي يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي)) عليه: السلام رؤية. وأما حديث أبي سعيد: فأخرجه أبو داود (١) عنه مرفوعًا: ((الْمَهْدِيُّ مِنِّي، أَجْلَى الْجَبْهَةِ أَقْنَى الأَنْفِ يَمْلأُ الأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجُورًا وَيَمْلِكُ سَبْعَ سِنِينَ)). قال المنذري: في إسناده عمران القطان، وهو: أبو العوام: عمران بن داود القطان، البصري، استشهد به البخاري، ووثقه عفان بن مسلم، وأحسن عليه الثناء يحيى بن سعيد القطان، وضعفه يحيى بن معين، والنسائي. انتهى. وفي ((الخلاصة)): وقال أحمد: أرجو أن يكون صالح الحديث. انتهى. وله حديث آخر أخرجه الترمذي في هذا الباب. وأما حديث أم سلمة: فأخرجه أبو داود، وابن ماجه (٢) عنها مرفوعًا: ((الْمَهْدِيُّ من عِتْرِي من وَلَدِ فَاطِمَةَ)). وقد بسط المنذري الكلام في إسناد هذا الحديث. ولأم سلمة حديث آخر في هذا الباب؛ كما عرفت. وأما حديث أبي هريرة: فأخرجه الترمذي (٣) في هذا الباب. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أبو داود، وسكت عنه هو، والمنذري، وابن القيم. وقال الحاكم: رواه الثوري، وشعبة، وزائدة، وغيرهم من أئمة المسلمين، عن عاصم قال: وطرق عاصم، عن زر، عن عبد الله، كلها صحيحة؛ إذ عاصم إمام من أئمة المسلمين. انتهى. وقلت: وعاصم هذا هو: ابن أبي النجود. واسم أبي النجود: بهدلة، أحد القراء السبعة. قال الحافظ في ((التقريب)): عاصم بن بهدلة؛ وهو: ابن أبي النجود؛ بنون، وجيم؛ الأسدي، مولاهم، الكوفي، أبو بكر، المقرئ، صدوق، له أوهام، حجة في القراءة، وحديثه في ((الصحيحين)) مقرون، من السادسة. انتهى. [٢٢٣١] قوله: (يواطئ اسمه اسمي) وفي رواية أبي داود: ((يُوَطِئُ اسْمُهُ اسْمِي وَاسْمُ (١) أبو داود، كتاب المهدي. حديث (٤٢٨٥). (٢) أبو داود، كتاب المهدي. حديث (٢٤٨٤)، وابن ماجه. حديث (٤٠٨٦). (٣) الترمذي، كتاب الفتن. حديث (٢٢٣١). ٤٩٣ کتاب الفتن عن رسول الله ێچ / بابٌ قَالَ عَاصِمٌ: وَأَنَا أَبُو صَالحٍ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: ((لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إلَّا يومٌ، لَطَوَّلَ اللهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ حَتَّى يَلِيَ)). قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذَا حَدِيث حَسَنٌ صَحِيحٌ. ٥٣- بابٌ [ت ٥٣، م ٥٣] [٢٢٣٢] (٢٢٣٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحمدُ بْنُ جَعْفَرِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ زَيدًا العَمِّيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ أبَا الصِّدِّيقِ النَّاجِيَّ يُحَدِّثُ عَن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قَالَ: خَشِينَا أنْ يَكُونَ بَعْدَ نَبِّنَا حَدَثٌ، فَسَألْنَا نَبِيَّ الله ◌ِ فَقَالَ: ((إنَّ فِي أَمَّتِي المَهْدِيَّ يَخْرُجُ يَعِيشُ خَمْسًا أوْ سَبْعًا أَوْ تِسْعًا)) - زَيدُ الشَّاكُ - قَالَ: قُلْنَا: وَمَا أَبِيهِ اسْمَ أَبِي))، فيكون محمد بن عبد الله. وفيه رد على الشيعة؛ حيث يقولون: المهدي الموعود هو: القائم المنتظر؛ وهو: محمد بن الحسن العسكري. قوله: (قال عاصم: وأخبرنا أبو صالح ... إلخ) هذا متصل بالإسناد السابق (لطول الله ذلك اليوم حتى يلي) أي: رجل من أهل بيتي؛ يواطئ اسمه اسمي. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) حديث عاصم، عن زر، عن عبد الله: أخرجه الترمذي (١) قبل هذا بأطول منه؛ كما عرفت، وحديث عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: أخرجه ابن ماجه (٢). ٥٣ - بَابٌ [٢٢٣٢] قوله: (سمعت أبا الصديق) بتشديد الدال المكسورة (الناجي) بالنون، والجیم، بصري، ثقة، من الثالثة. قوله: (خشينا أن يكون بعد نبينا حدث) بفتح الحاء، والدال المهملتين. قال في ((النهاية)): الحدث: الأمر الحادث، المنكر الذي ليس بمعتاد، ولا معروف في السنة. انتهى. (يعيش خمسًا، أو سبعًا، أو تسعًا زيد الشاك) أي: الشك من زيد، وفي رواية، عن أبي سعيد عن أبي داود (٣): ((وَيَمْلِكُ سَبْعَ سِنِينَ)) من غَيْرِ شَكٌّ، وكذلك في حديث (١) الترمذي، كتاب الفتن. حديث (٢٢٣٠). (٢) ابن ماجه، كتاب الجهاد. حديث (٢٧٧٩). (٣) أبو داود، کتاب المهدي. حدیث (٤٢٨٥). ٤٩٤ كتاب الفتن عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاء في نُزُولٍ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عليه السلام ذَاكَ؟ قَالَ: سِنِينَ، قَالَ: ((فَيَجِيءُ إِلَيْهِ رَجُلٌ، فَيَقُولُ: يَا مَهْدِيُّ، أعْطِنِي أعْطِنِي، قَالَ: فَيَحْثِي لَهُ فِي ثَوْبِهِ ما استطَاعَ أنْ يَحْمِلَهُ)). [جه بنحوه: ٤٠٨٣] . قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وقدْ رُوِيَ من غَيْرِ وَجْهٍ، عَن أَبِي سَعِيدٍ، عَن النَّبِّ ◌َّةِ، وأبُو الصِّدِّيقِ النَّاجِيُّ اسْمُهُ: بَكْرُ بْنُ عَمْرٍو، وَيُقَالُ: بَكْرُ بْنُ قَيْسٍ. ٥٤- باب مَا جَاء في نُزُولِ عِيسَى ابنِ مَرْيَمَ - عليه السلام - [ت ٥٤، ٢ ٥٤] [٢٢٣٣] (٢٢٣٣) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَن ابنِ شِهَابٍ، عَن سَعِيدٍ بْنِ المُسَيَّبِ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، أنَّ رَسُوْلَ اللهِلَ ◌ّهِ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُوشِكَنَّ أنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا فَكْسِرُ الصَّلِيبَ، أم سلمة عنده (١) بلفظ: ((فَيَلْبَثُ سَبْعَ سِنِينَ)) من غَيْرِ شَكٍّ، فقول الجازم مقدم على قول الشاك (أعطني أعطني) التكرير للتأكيد، ويمكن أن يقال: أعطني مرة بعد أخرى، لما تعود من كرمه وإحسانه (قال) أي: النبي ◌َ ل ◌ّ (فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمله) أي: يعطيه قدر ما يستطيع حمله؛ وذا لكثرة الأموال، والغنائم، والفتوحات، مع سخاء نفسه. قوله: (هذا حديث حسن) في إسناده زيد العمي؛ وهو: ضعيف، وأخرجه أحمد أيضًا. ٥٤ - بابُ مَا جَاءَ في نُزُولٍ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ يعني: في آخر الزمان. [٢٢٣٣] قوله: (والذي نفسي بيده) فيه: الحلف في الخبر، مبالغة في تأكيده (ليوشكن) بكسر المعجمة؛ أي: ليقربن؛ أي: لا بد من ذلك سريعًا (أن ينزل فيكم) أي: في هذه الأمة؛ فإنه خطاب لبعض الأمة ممن لا يدرك نزوله (حكمًا) أي: حاكمًا. والمعنى: أنه ينزل حاكمًا بهذه الشريعة؛ فإن هذه الشريعة باقية، لا تنسخ؛ بل يكون عيسى حاكمًا من حكام هذه الأمة (مقسطًا) المقسط: العادل. بخلاف القاسط؛ فهو الجائر (فيكسر) أي: يهدم ويقطع (الصليب) قال في ((شرح السنة)) وغيره؛ أي: فيبطل النصرانية، ويحكم بالملة الحنيفية. وقال ابن الملك: الصليب في اصطلاح النصارى: خشبة مثلثة يدعون أن عيسى عليه الصلاة والسلام صلب على خشبة مثلثة على تلك الصورة، وقد يكون فيه صورة المسيح (١) أبو داود، كتاب المهدي. حديث (٤٢٨٦). ٤٩٥ كتاب الفتن عن رسول الله وََّ / باب مَا جَاء في نُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عليه السلام وَيَقْتُلُ الخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الجِزْيَةَ، وَيَقِيضُ المَالُ حَتَّى لا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ)). [خ: ٢٢٢٢، م: ١٥٥]. (ويقتل الخنزير) أي: يحرم اقتناءه، وأكله، ويبيح قتله. قال الحافظ في ((الفتح)): أي يبطل دين النصرانية، بأن يكسر الصليب حقيقة، ويبطل ما تزعمه النصارى من تعظيمه . (ويضع الجزية) قال الحافظ: المعنى: أن الدين يصير واحدًا؛ فلا يبقى أحد من أهل الذمة يؤدي الجزية. وقيل: معناه: أن المال يكثر؛ حتى لا يبقى من يمكن صرف مال الجزية له؛ فتترك الجزية؛ استغناء عنها . وقال عياض: يحتمل أن يكون المراد بوضع الجزية: تقريرها على الكفار؛ من غير محاباة، ويكون كثرة المال بسبب ذلك. وتعقبه النووي وقال: الصواب: أن عيسى لا يقبل إلا الإسلام. قال الحافظ: ويؤيده أن عند أحمد (١) من وجه آخر، عن أبي هريرة: ((وَتَكُونُ الدَّعوَةُ وَاحِدَةً)) . قال النووي: ومعنى وضع عيسى الجزية؛ مع أنها مشروعة في هذه الشريعة: أن مشروعيتها مقيدة بنزول عيسى؛ لما دل عليه هذا الخبر، وليس عيسى بناسخ لحكم الجزية؛ بل نبينا وَ﴾ هو المبين للنسخ؛ فإن عيسى عليه السلام يحكم بشرعنا؛ فدل على أن الامتناع عن قبول الجزية في ذلك الوقت هو: شرع نبينا محمد وَّ هر. (ويفيض المال) بفتح أوله، وكسر الفاء، وبالضاد المعجمة؛ أي يكثر، وينزل البركات، وتكثر الخيرات؛ بسبب العدل، وعدم التظالم؛ وتقيء الأرض أفلاذ كبدها كما جاء في الحديث الآخر، وتقل أيضًا الرغبات لقصر الآمال، وعلمهم بقرب القيامة؛ فإن عيسى عليه الصلوات والسلام علم من أعلام الساعة. وقال العلماء: الحكمة في نزول عيسى دون غيره من الأنبياء: الرد على اليهود في زعمهم أنهم قتلوه؛ فبين الله تعالى كذبهم، وأنه الذي يقتلهم، أو نزوله لدنو أجله؛ ليدفن في الأرض؛ إذ ليس لمخلوق من التراب أن يموت في غيرها، وقيل: إنه دعا الله؛ لما رأى صفة محمد وأمته، أن يجعله منهم؛ فاستجاب الله دعاءه وأبقاه حتى ينزل في آخر الزمان مجددًا لأمر الإسلام؛ فيوافق خروج الدجال؛ فيقتله. والأول أوجه. (١) أحمد. حديث (٨٨٧٧). ٤٩٦ كتاب الفتن عن رسول الله نَّهُ / باب مَا جَاء في الدَّجَّالِ قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حَديثٌ حَسنٌ صَحِيحٌ. ٥٥- باب مَا جَاء في الدَّجَالِ [ت ٥٥٢،٥٥] قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، والشيخان. ٥٥ - بابُ مَا جَاءَ في الدَّجَّالِ قال الحافظ في ((الفتح)): هو فعال؛ بفتح أوله، والتشديد من الدجل؛ وهو التغطية. وسمي الكذاب: دجالًا؛ لأنه يغطي الحق بباطله ويقال: دجل البعير بالقطران؛ إذا غطاه، والإناء بالذهب: إذا طلاه، وقال ابن دريد: وسمي دجالًا؛ لأنه يغطي الحق بالكذب وقيل: لضربه نواحي الأرض. يقال: دجل مخففًا، ومشددًا؛ إذا فعل ذلك. تنبيه: اشتهر السؤال عن الحكمة في عدم التصريح بذكر الدجال في القرآن؛ مع ما ذكر عنه من الشر، وعظم الفتنة به، وتحذير الأنبياء منه، والأمر بالاستعاذة منه؛ حتى في الصلاة. وأجيب بأجوبة: أحدها: أنه ذكر في قوله: ﴿يَوْمَ بَأْتِى بَعْضُ ءَايَتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِمَنُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِيَ إِيمَنِهَا خَيْرً قُلِ أَنَظِرُواْ إِنَّا مُنْنَظِرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] فقد أخرج الترمذي(١)، وصححه عن أبي هريرة رفعه: ((ثَلاثَةٌ إِذَا خَرَجْنَ لَمْ يَنْفَعْ نَفْسًا إِيمانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ من قَبْلُ: الدَّجَّالُ وَالدَّابَّةُ وَطُلُوعُ الشَّمْس من مَغْرِبِهَا)). الثاني: قد وقعت الإشارة في القرآن إلى نزول عيسى ابن مريم في قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، قَبْلَ مَوْنٌِ﴾ [النساء: ١٥٩] وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلِسَّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٦١] وصح أنه الذي يقتل الدجال، واكتفى بذكر أحد الضدين عن الآخر؛ ولكونه يلقب بالمسيح كعيسى؛ لكن الدجال مسيح الضلالة، وعيسى مسيح الهدى. الثالث: أنه ترك ذكره؛ احتقارًا، وتعقب بذكر يأجوج ومأجوج؛ وليست الفتنة بهم بدون الفتنة بالدجال والذي قبله، وتعقب بأن السؤال باق وهو: ما الحكمة في ترك التنصيص عليه؟ وأجاب شيخنا الإمام البلقيني بأنه: اعتبر كل من ذكر في القرآن من المفسدين؛ فوجد كل من ذكر إنما هم ممن مضى، وانقضى أمره؛ وأما من لم يجيء بعد؛ فلم يذكر منهم أحدًا. (١) الترمذي، كتاب تفسير القرآن عن رسول الله. حديث (٣٠٧٢). ٤٩٧ كتاب الفتن عن رسول الله ◌َّةُ / باب مَا جَاء في الدَّجَّالِ [٢٢٣٤] (٢٢٣٤) حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مُعَاوِيَةَ الجُمَحِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمةَ، عَن خَالِدِ الحَذَّاءِ، عَن عبدِ الله بْنِ شَقِيقٍ، عَن عَبْدِ الله بْنِ سُرَاقَةَ، عَن أبي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرَّاحِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ: ((إنهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيِّ بَعْدَ نُوح إلَّا قَدْ أَنْذَرَ الدَّجَّالَ قَومَهُ، وَإِنِّي أُنْذِرُكُمُوهُ))، فَوَصَفَهُ لَنَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ، فَقَالَ: ((لَّعَلَّهُ سَيُدْرِكُهُ بعضُ مَن رَآنِي أوْ سَمِعَ كلامِي))، قالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، فَكَيْفَ قلوبُنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: ((مِثْلُهَا، يَعْنِي اليَوْمَ أَوْ خَيْرٌ)). [فيه ضعف، عبد الله بن سراقة، ضعّفه ابن عدي، والعقيلي، وقال الذهبي: لا يعرف، ووثقه ابن حبان والعجلي د: ٤٧٥٦، حم: ١٦٩٤]. انتهى. وهذا ما ينتقض بيأجوج ومأجوج. وقد وقع في ((تفسير البغوي)) أن الدجال مذكور في القرآن في قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] وأن المراد بالناس هنا: الدجال من إطلاق الكل على البعض. وهذا؛ إن ثبت أحسن الأجوبة؛ فيكون من جملة ما تكفل النبي ◌َّلية ببيانه؛ كذا في ((الفتح)). [٢٢٣٤] قوله: (عن عبد الله بن سراقة) الأزدي البصري، وثقه العجلي، وقال البخاري: لا يعرف له سماع من أبي عبيدة، من الثالثة. قوله: (إنه) أي: الشأن (لم يكن نبيًّا بعد نوح إلا قد أنذر قومه الدجال) أي: خوفهم به. ويأتي في حديث ابن عمر بعد هذا: أن نوحًا قد أنذر قومه؛ فقوله ((بعد نوح)) في هذا الحديث ليس للاحتراز؛ ولذا قال صاحب ((فتح الودود)»: لعل إنذار من بعد نوح أشد وأكثر (وإني أنذركموه) أي: الدجال، ببيان وصفه؛ خوفًا عليكم من تلبيسه ومكره، (لعله سيدركه بعض من رآني) أي: على تقدير خروجه سريعًا. وقيل: دلَّ على بقاء الخضر. قلت: وستأتي مسألة حياة الخضر، وموته بعد عدة أبواب (أو سمع كلامي) ليس ((أو)) للشك من الراوي؛ بل للتنويع؛ لأنه لا يلزم من الرؤية السماع؛ وهو لمنع الخلوة؛ لإمكان الجمع وقيل: المعنى: أو سمع حديثي؛ بأن وصل إليه؛ ولو بعد حين. قاله القاري (فقال مثلها) أي: مثل قلوبكم الآن؛ وهو معنى قول الراوي (يعني) أي: يريد بالإطلاق: تقييد الكلام بقوله: (اليوم، أو خير) شك من الراوي. ويحتمل التنويع بحسب الأشخاص. قاله القاري. ٤٩٨ كتاب الفتن عن رسول الله وَّهُو / باب مَا جَاءَ فِي عَلامَةِ الدَّجَّالِ قَالَ أبُو عِيْسَى: وفي البابِ: عَن عَبْدِ الله بْنِ بُسْرٍ، وعبد الله بْنِ الحارث بْنِ جُزي، وعَبْدِ الله بْنِ مُغَفَّلٍ، وأبي هُرَيْرَةَ، وهذَا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، مِن حَدِيثِ أبي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرَّاحِ. لا نَعْرِفُهُ إلَّا مِن حَديثِ خَالدِ الحَذَّاءِ، وأبو عُبيدَةَ بنُ الجَرَّاحِ اسمُهُ: عامِرُ بنُ عَبدِ الله بنِ الجَرَّاحِ. ٥٦- باب مَا جَاءَ في عَلامَةِ الدَّجَّالِ [ت ٥٦، م ٥٦] [٢٢٣٥] (٢٢٣٥) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَن الزُّهْرِيِّ، عَن سَالم، عَن ابنِ عُمَر، قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ وَّهَ فِي النَّاسِ، فَأَثْنى عَلَى الله بمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ، فَقَالَ: ((إِنِّي لأَنْذِركُمُوهُ، وَمَا مِن نَبِيِّ إلَّ وَقَدْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ، وَلَقَدْ أَنْذَرَهُ نُوحٌ قَوْمَهُ، قلت: ليس ((أو)) للشك من الراوي؛ بل هو من قول رسول الله وَل، يدل عليه رواية أبي داود(١)؛ ففيها: قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، كَيْفَ قُلُوبُنَا يَوْمَئِذٍ، أَمِثْلُهَا الْيَوْمَ؟ قَالَ: ((أَوْ خَيْرٌ)). قوله: (وفي الباب عن عبد الله بن بسر، وعبد الله بن مغفل، وأبي هريرة) أما حديث عبد الله بن بسر: فأخرجه أبو داود، وابن ماجه(٢). وأما حديث عبد الله بن مغفل: فلينظر من أخرجه(٣). وأما حديث أبي هريرة: فأخرجه الشيخان(٤). قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أبو داود، وسكت عنه، وقال المنذري بعد نقل تحسين الترمذي: ذكر البخاري أن عبد الله بن سراقة لا يعرف له سماع من أبي عبيدة. ٥٦ - بابُ مَا جَاءَ في عَلامَةِ الدَّجَّالِ [٢٢٣٥] قوله: (ولقد أنذر نوح قومه) قد استشكل إنذار نوح قومه بالدجال؛ مع أن الأحاديث قد ثبتت أنه يخرج بعد أمور ذكرت، وأن عيسى يقتله بعد أن ينزل من السماء، (١) أبو داود، كتاب السنة. حديث (٤٧٥٦). (٢) أبو داود، كتاب الملاحم. حديث (٤٢٩٦)، وابن ماجه، كتاب الفتن. حديث (٤٠٩٣). (٣) أخرجه ابن حبان في صحيحه (٦٧٨١)، والطبراني في ((الأوسط)) (٤٥٨٠). (٤) البخاري، كتاب الفتن. حديث (٧٠٨١)، ومسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة. حديث (٢٨٨٦). ٤٩٩ كتاب الفتن عن رسول الله وَل﴿ه / باب مَا جَاءَ فِي عَلامَةِ الدَّجَّالِ وَلكِنِّي سَأَقُولُ لكم فِيهِ قَوْلًا لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ: تَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّ اللهَ لَيْسَ بأغْوَرَ)). [خ: ٧١٢٧، م: ١٦٩ حم: ٤٧٨٩]. قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَأْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ ثَابِتِ الأنْصَارِيُّ، أنّهُ أَخْبَرَهُ بعضُ أصحابِ النَّبِيِّ حَ: أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ قَالَ يَوْمَئِذٍ لِلنَّاسِ وهو يُحَذِّرُهُمْ فِتْنَته: ((تَعْلَمُونَ أنّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ حَتَّى يَمُوتَ، وَأَنَّهُ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ، يَقْرَؤُهُ مَن كَرِهَ عَمَلَهُ)). فيحكم بالشريعة المحمدية. والجواب: أنه كان وقت خروجه؛ أخفي على نوح، ومن بعده؛ فكأنهم أنذروا به، ولم يذكر لهم وقت خروجه؛ فحذروا قومهم من فتنته. ويؤيده قوله ◌َّ في بعض طرقه: ((إِنْ يَخْرُجِ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ)) فإنه محمول على أن ذلك كان قبل أن يتبين له وقت خروجه وعلاماته؛ فكان يجوز أن يخرج في حياته وَ *، ثم بين له بعد ذلك حاله، ووقت خروجه، فأخبر به، فبذلك تجتمع الأخبار (ولكن سأقول فيه قولًا لم يقله نبي لقومه) قيل: إن السر في اختصاص النبي ◌َّ ر بالتنبيه المذكور؛ مع أنه أوضح الأدلة في تكذيب الدجال؛ أن الدجال إنما يخرج في أمته، دون غيرها ممن تقدم من الأمم، ودل الخبر على أن علم كونه يختص خروجه بهذه الأمة كان طوي عن غير هذه الأمة؛ كما طوي عن الجميع علم وقت قيام الساعة (تعلمون أنه أعور، وإن الله ليس بأعور) إنما اقتصر على ذلك؛ مع أن أدلة الحدوث في الدجال ظاهرة؛ لكون العور أثر محسوس، يدركه العالم والعامي، ومن لا يهتدي إلى الأدلة العقلية؛ فإذا ادعى الربوبية؛ وهو ناقص الخلقة؛ والإله يتعالى عن النقص علم أنه كاذب. قوله: (فأخبرني عمر بن ثابت الأنصاري) الخزرجي؛ المدني، ثقة، من الثالثة، وأخطأ من عده في الصحابة. قوله: (قال يومئذٍ للناس؛ وهو بحذرهم فتنة: تعلمون أنه لن یری أحد منكم ربه حتى يموت) فيه: تنبيه على أن دعواه الربوبية كذب؛ لأن رؤية الله تعالى مقيدة بالموت، والدجال يدعي أنه الله، ويراه الناس مع ذلك. وفي هذا الحديث رد على من يزعم أنه يرى الله تعالى في اليقظة، تعالى الله عن ذلك، ولا يرد على ذلك رؤية النبي ود ليله ليلة الإسراء؛ لأن ذلك من خصائصه وَلير، فأعطاه الله تعالى في الدنيا القوة التي ينعم بها على المؤمنين في الآخرة (وأنه مكتوب بين عينيه كافر يقرأه من كره عمله) وفي رواية عند مسلم(١) من حديث أنس: (١) مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة. حديث (٢٩٣٣). ٥٠٠ كتاب الفتن عن رسول الله وَل ◌َه/ باب مَا جَاءَ فِي عَلامَةِ الدَّجَّالِ قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. [٢٢٣٦] (٢٢٣٦) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَن الزُّهْرِيِّ، عَن سَالم، عَن ابنِ عُمَرَ، أنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَ لِقَالَ: ((تُقَاتِلُكُم اليَهُودُ فَتُسَلَّطُونَ عَلَيْهِم حَتَّى يَقُولَ الحَجَرُ: يَا مُسْلِمُ هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائي فاقْتُلُهُ)). [خ: ٢٩٢٥، م: ٢٩٢١، حم: ٥٣٣٠]. قَالَ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ((مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ ثُمَّ ثَهَجَّاهَا ك ف ر يَقْرؤُهُ كُلُّ مُسْلِم)) فرواية الترمذي هذه أخص من رواية مسلم. وفي حديث أبي بكرة، عند أحمد (١): ((يَقْرَؤُهُ الأُمِّيُّ وَالْكَاتِبُ)) ونحوه في حديث معاذ، عند البزار. وفي حديث أبي أمامة، عند ابن ماجه (٢): ((يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ كَاتِبٍ وَغَيْرِ كَاتِبٍ))، ولأحمد (٣) عن جابر: ((مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ مُهَجَّاةٌ)). ومثله عند الطبراني، من حديث أسماء بنت عميس، وقوله: ((كل مؤمن من كاتب وغير كاتب))، إخبار بالحقيقة؛ وذلك أن الإدراك في البصر يخلقه الله للعبد كيف شاء، ومتى شاء؛ فهذا يراه المؤمن بغير بصره؛ وإن كان لا يعرف الكتابة، ولا يراه الكافر؛ ولو كان يعرف الكتابة. كما يرى المؤمن الأدلة بغير بصيرته، ولا يراها الكافر. فيخلق الله للمؤمن الإدراك دون تعلم؛ لأن ذلك الزمان تنخرق فيه العادات في ذلك. ويحتمل قوله: ((يَقْرَؤُهُ مَنْ كَرِهَ عَمَلَهُ)). أن يراد به: المؤمنون عمومًا. ويحتمل أن يختص ببعضهم؛ ممن قوي إيمانه. وقال النووي: الصحيح الذي عليه المحققون: أن الكتابة المذكورة حقيقة جعلها الله علامة قاطعة بكذب الدجال؛ فيظهر الله المؤمن عليها، ويخفيها على من أراد شقاوته؛ كذا في ((الفتح)). قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان. [٢٢٣٦] قوله: (فتسلطون عليهم) من التسليط؛ أي: تغلبون عليهم (حتى يقول الحجر .... إلخ) هذا من أشراط الساعة. روى مسلم (٤) عن أبي هريرة: أن رسول الله عَليه (١) أحمد. حديث (١٩٨٨٨)، والبزار (٢٣٠٣ - زخار). (٢) ابن ماجه، كتاب الفتن. حديث (٤٠٧٧). (٣) أحمد. حديث (١٤٥٣٧)، والطبراني في ((الكبير)) (١٥٧/٢٤) (٤٠٢) من حديث أسماء بنت عميس. (٤) مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة. حديث (٢٩٢٢).