Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ كتاب فضائل الجهاد عن رسول الله وَل ◌َو / باب مَا جَاء فيمَن يُقَاتِلُ رِيَاءً وللُّنْيَا قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد رَوَى مالكُ بْنُ أنَسٍ، وسُفْيَانٌ الثَّوْرِيُّ، وَغَيْرٌ واحِدٍ مِنَ الأئِمَّةِ هذا عَن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، ولا نَعْرِفُهُ إلَّا مِن حَدِيثٍ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ الأنْصَارِيِّ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ: يَنْبَغِي أَنْ نَضَعَ هَذَا الحَدِيثَ فِي كُلِّ بَابٍ. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة. قال الحافظ: إن هذا الحديث متفق على صحته، أخرجه الأئمة المشهورون إلا ((الموطأ))، ووهم من زعم أنه في ((الموطأ)) مغترًّا بتخريج الشيخين له، والنسائي من طريق مالك. انتهى. قلت: قال السيوطي في ((شرح الموطأ)) في رواية محمد بن الحسن، عن مالك أحاديث يسيرة زائدة على سائر ((الموطآت)) منها حديث: ((إنَّما الأعمالُ بالنيّة ... )) الحديث، وبذلك يتبين قول من عزا روايته إلى ((الموطأ))، ووهم من خطّأه في ذلك انتهى. تنبيه: قد تواتر النقل عن الأئمة في تعظيم قدر هذا الحديث، قال أبو عبد الله: ليس في أخبار النبي ◌َّلر شيء أجمع، وأغنى، وأكثر فائدة من هذا الحديث. واتفق عبد الرحمن بن مهدي، والشافعي فيما نقله البويطي عنه، وأحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وأبو داود، والترمذي، والدارقطني، وحمزة الكناني على أنه ثلث الإسلام. ومنهم من قال: ربعه. واختلفوا في تعيين الباقي. وقال ابن مهدي أيضًا: يدخل في ثلاثين بابًا من العلم. وقال الشافعي: يدخل في سبعين بابًا. ويحتمل أن يريد بهذا العدد المبالغة. وقال عبد الرحمن بن مهدي أيضًا: ينبغي أن يُجعل هذا الحديثُ رأسَ كلِّ باب. ووجه البيهقي كونه ثلث العلم: بأن كسب العبد يقع بقلبه، ولسانه، وجوارحه، فالنية أحد أقسامها الثلاثة، وأرجحها؛ لأنها قد تكون عبادةً مستقلةً، وغيرها يحتاج إليها، ومن ثَمَّ ورد(١): ((نية المؤمن خير من عمله، فإذا نظرت إليها كانت خير الأمرين))، وكلام الإمام أحمد يدل على أنه أراد بكونه ثلث العلم: أنه أحد القواعد الثلاث التي تُردُّ إليها جميع الأحكام عنده؛ وهي هذا. ((ومنْ عملَ عملاً ليسَ عليهِ أمرُنَا فهُوَ رَدِّ)(٢). ((وَالحلالُ بَيِّنٌ، والحَرَامُ بيِّنٌ))(٣). (١) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٥٩٤٢) من حديث سهل بن سعد مرفوعاً. وقال الهيثمي (٦١/١): ورجاله موثقون إلا حاتم بن عباد بن دينار الجرشي لم أر من ذكر له ترجمة. (٢) مسلم، كتاب الأقضية. حديث (١٧١٨). (٣) البخاري، كتاب الإيمان. حديث (٥٢)، ومسلم، كتاب المساقاة. حديث (١٥٩٩). ٢٨٢ كتاب فضائل الجهاد عن رسول الله وَالقر / باب ما جاء في فَضلِ الغُدُوِّ والرَّوَاحِ في سبيلِ الله ١٧ - باب ما جاء في فَضلِ الغُدُوِّ والزَّوَاحِ في سبيلِ الله [ت ١٧، م ١٧] [١٦٤٨] (١٦٥١) حَدَّثَنَا عليُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا إسماعيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَن حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّرِ قَالَ: (لَغَدْوَة في سَبِيلِ الله، أوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وما فيها، ولَقَابُ قَوْسِ أحَدِكُم، أو مَوضِعُ يَدِهِ في الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وما فيها، وَلَوْ أَنَّ امْرأةً مِن نِسَاءِ أهْلِ الجَنَّةِ اطَلَعَتْ إلى الأرضِ، لأضَاءتْ ما بَيْنَهُمَا، ولملأت ما بَيْنَهُما رِيحًا، ولنصِيفُهَا على رأسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وما فيها)). [خ: ٢٧٩٦، م: ١٨٨٢، جه: ٢٧٥٧، حم: ١١٩٤١]. تنبيه آخر: اعلم أن هذا الحديث المبارك يستأهل أن يفرد لشرحه جزء مبسوط بجميع فوائده، وما يستنبط منه من الأحكام وغير ذلك، وقد أطنب في شرحه شراح البخاري؛ كالحافظ ابن حجر، والعيني، وغيرهما إطنابًا حسنًا مفيدًا، وإني قد اقتصرت الكلام في شرحه على ما لا بد منه، فعليك أن تراجع شروح البخاري. ١٧ - باب مَا جَاءَ في فَضْلِ الغُدُوِّ والرَّوَاحِ في سَبِيلِ الله أي: الجهاد. [١٦٤٨] قوله: (لَغَدوةٌ في سبيل الله، أو رَوحةٌ) قال الحافظ: الغَدوةُ بالفتح: المرة الواحدة من الغدو؛ وهو الخروج في أي وقت كان من أول النهار إلى انتصافه. والرَّوحَةُ: المرة الواحدة من الرواح؛ وهو الخروج في أي وقت كان من زوال الشمس إلى غروبها . (خير من الدنيا وما فيها) قال ابن دقيق العيد: يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون من باب تنزيل المغيب منزلة المحسوس، تحقيقًا له في النفس؛ لكون الدنيا محسوسة في النفس مستعظمة في الطباع، فلذلك وقعت المفاضلة بها، وإلا فمن المعلوم أن جميع ما في الدنيا لا يساوي ذرة مما في الجنة. والثاني: أن المراد: أن هذا القدر من الثواب خير من الثواب الذي يحصل لمن لو حصلت له الدنيا كلها، لأنفقها في طاعة الله تعالى. قال الحافظ: ويؤيد الثاني ما رواه ابن المبارك(١) في ((كتاب الجهاد)) من مرسل الحسن (١) عبد الله بن المبارك في ((الجهاد)). حديث (١٤). ٢٨٣ كتاب فضائل الجهاد عن رسول الله وَّو / باب ما جاء في فَضلِ الغُدُوِّ والرَّوَاحِ في سبيلِ الله قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ صحيحٌ. [١٦٤٩] (١٦٤٨) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا العَظَّافُ بْنُ خالِدِ المَخْزُومِيُّ، عَن أبي حَازِمٍ، عَن سَهْلِ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((غدْوَةٌ في قال: بعث رسول الله وَّل جيشًا فيهم عبد الله بن رواحة، فتأخر؛ ليشهد الصلاة مع النبي ◌َّل فقال له النبي ◌َّهُ: ((والذي نفسي بيدهِ لو أنفقتَ ما في الأرضِ ما أدركتَ فضلَ غدوتِهِم)). والحاصل: أن المراد تسهيل أمر الدنيا، وتعظيم أمر الجهاد، وأن من حصل له من الجنة قدر سوط يصير كأنه حصل له أمر عظيم من جميع ما في الدنيا، فكيف بمن حصل منها أعلى الدرجات. والنكتة في ذلك أن سبب التأخير عن الجهاد الميل إلى سبب من أسباب الدنيا، فنبه هذا المتأخر أن هذا القدر اليسير من الجنة أفضل من جميع ما في الدنيا . (ولَقَابُ قوس أحدِكم) أي: قدره، والقاب بالقاف، وآخره موحدة معناه: القدر. وقيل: القاب: ما بين مقبض القوس وسِيتِهِ. وقيل: ما بين الوتر والقوس، وقيل: المراد بالقوس هنا: الذراع الذي يقاس به، وكأن المعنى: بيان فضل قدر الذراع من الجنة (أو موضع يده) شك من الراوي، أي: مقدار يده (خير من الدنيا وما فيها) أي: من إنفاقها فيها لو ملكها، أو نفسها لو ملكها؛ لأنه زائل لا محالة (أطلعت إلى الأرض) أي: أشرفت عليها، ونظرت إليها (لأضاءت ما بينهما) أي: ما بين المشرق والمغرب، أو ما بين السماء والأرض، وما بين الجنة والأرض، وهو الأظهر، لتحقق ذكرهما في العبارة صريحًا، قاله القاري. (ولملأَتْ ما بينهما ريحًا) أي: طيبة (ولنصيفها) بفتح النون، وكسر الصاد المهملة بعدها تحتانية ساكنة، ثم فاء هو: الخمار بكسر المعجمة، وتخفيف الميم. (على رأسها) قيد به؛ تحقيرًا له بالنسبة إلى خمار البدن جميعه (خير من الدنيا وما فيها) أي: فكيف الجنة نفسها، وما بها من نعيمها . قوله: (هذا حديث صحيح) وأخرجه أحمد، والشيخان، وابن ماجه. [١٦٤٩] قوله: (حدثنا العطاف بن خالد المخزومي) قال في ((التقريب)): عطاف بتشديد الطاء ابن خالد بن عبد الله بن العاص المخزومي أبو صفوان المدني، صدوق، يهم، من السابعة، مات قبل مالك. انتهى. (عن أبي حازم) هو: ابن دينار. قوله: (غدوة) وعند البخاري: ((الروحة والغدوة))، وعند ابن ماجه: ((غدوة أو روحة)). ٢٨٤ كتاب فضائل الجهاد عن رسول الله وَّر / باب ما جاء في فَضلِ الغُدُوِّ والرَّوَاحِ في سبيلِ الله سَبِيلِ الله خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيْهَا، وَمَوْضِعُ سَوْطِ في الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيْهَا)). [خ: ٢٧٩٤، م: ١٨٨١، ن: ٣١١٨، جه: ٢٧٥٦، حم: ١٥١٣٢، مي: ٢٣٩٨] . قَالَ أبُو عِيْسَى: وفي البابِ: عَن أبي هُرَيْرَةَ، وابنِ عَبَّاسٍ، وأبي أيُّوبَ، وأَنَسٍ؛ وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. [١٦٥٠] (١٦٤٩) حَدَّثَنَا أبو سَعِيدِ الأشَجُّ، حَدَّثَنَا أبو خَالِدِ الأحْمَرُ، عَن ابنِ عَجْلَانَ، عَن أبي حَازِمٍ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وََّ، والحَجَّاجُ عَن الحَكَمِ، عَن (وموضع سوط في الجنة) خص السوط؛ لأن من شأن الراكب إذا أراد النزول في منزل أن يلقي سوطه قبل أن ينزل معلِّمًا بذلك المكانَ؛ لئلا يسبقه إليه أحد. قوله: (وفي الباب: عن أبي هريرة، وابن عباس، وأبي أيوب، وأنس) . أما حديث أبي هريرة: فأخرجه الترمذي(١) في هذا الباب، وأما حديث ابن عباس فأخرجه أيضًا الترمذي (٢) في هذا الباب. وأما حديث أبي أيوب: فأخرجه أحمد، ومسلم، والنسائي(٣). وأما حديث أنس: فقد رواه الترمذي(٤)؛ وهو أول أحاديث الباب، فلعله أشار إلى ما أخرجه أحمد، والشيخان، وابن ماجه(٥) عنه بلفظ: ((غدوَةٌ في سبيلِ الله، أو روحَةٌ فيهِ خيرٌ من الدُّنيا وما فيها)). قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان، وغيرهما. [١٦٥٠] قوله: (والحجاج عن الحكم) يحتمل أن يكون عطفًا على ((ابن عجلان))؛ فیکون لأبي خالد الأحمر شیخان. أحدهما: ابن عجلان، وهو روى عن أبي حازم، عن أبي هريرة. (١) الترمذي، كتاب فضائل الجهاد. حديث (١٦٥٠). (٢) الترمذي كتاب فضائل الجهاد، حديث (١٦٤٩). (٣) أحمد. حديث (٢٣٠٧٥)، ومسلم، كتاب الإمارة. حديث (١٨٨٣)، والنسائي، كتاب الجهاد. حديث (٣١١٩). (٤) الترمذي، كتاب فضائل الجهاد. حديث (١٦٥١). (٥) أحمد. حديث (١٢١٩١)، والبخاري، كتاب الجهاد والسير. حديث (٢٧٩٢)، ومسلم، كتاب الإمارة. حديث (١٨٨٠)، وابن ماجه، كتاب الجهاد. حديث (٢٧٥٧، ٢٨٢٤). ٢٨٥ كتاب فضائل الجهاد عن رسول اله ويّر / باب ما جاء في فَضلِ الغُدُوِّ والرَّوَاحِ في سبيلِ الله مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِّنََّ قَالَ: ((غَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ الله أوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وما فِيهَا)). [م: ١٨٨٢]. قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَأَبُو حَازِمِ الَّذِي رَوَى عَنْ سَهْلٍ بْنِ سَعْدٍ، هُوَ: أَبُو حَازِمِ الزَّاهِدُ، وَهُوَ: مَدَنِيٍّ، وَاسْمُهُ: سَلَّمَةُ بْنُ دِينَارٍ، وَأَبُو حَازِمِ هذا الَّذِي رَوَى عَنْ أَبِّي هُرَيْرَةَ هُوَ: أَبُو حَازِمِ الأشْجَمِيُّ الكُوفِيُّ، وَاسْمُهُ: سَلْمَانُ، وَهُوَ مَوْلَى عَزَّةَ الأشْجَمِيَّةِ. [١٦٥١] (١٦٥٠) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ أسْبَاطَ بْنِ مُحمَّدٍ القُرشيُّ الكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا أبي، عَن مِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَن سَعِيدِ بْنِ أبِي هِلَالٍ، والثاني: الحجاج، وهو روى عن الحكم عن مقسم، عن ابن عباس. ويحتمل أن يكون عطفًا على أبي خالد الأحمر، فيكون لأبي سعيد الأشج شيخان: أحدهما: أبو خالد. والثاني: الحجاج، فليتأمل. والحجاج هذا هو: ابن دينار الواسطي. قال في ((التقريب)): لا بأس به، وله ذكر في مقدمة مسلم، من السابعة. انتهى. والحكم هو: ابن عتيبة الكندي الكوفي، ثقة، ثبت، فقيه، إلا أنه ربما دلس، من الخامسة. قوله: (هذا حديث حسن غريب) . أما حديث أبي هريرة: فأخرجه الشيخان، وابن ماجه (١)، وأما حديث ابن عباس: فقال العيني في ((العمدة)) بعد ذكر هذا الحديث من طريق مقسم عن ابن عباس، ونقل تحسينه: انفرد بإخراجه الترمذي. [١٦٥١] قوله: (عن سعيد بن أبي هلال) قال في ((التقريب)): سعيد بن أبي هلال الليثي مولاهم، أبو العلاء المصري، قيل: مدني الأصل، وقال ابن يونس: بل نشأ بها، صدوق، لم أر لابن حزم في تضعيفه سلفًا، إلا أن الساجي حكى عن أحمد أنه اختلط، من السادسة. انتھی. وقد وقع في ((النسخة الأحمدية)) المطبوعة في (الهند)): عن سعد بن أبي هلال؛ وهو غلط فاحش؛ فإنه ليس في الرجال من اسمه: سعد بن أبي هلال. (١) البخاري، كتاب الجهاد والسير، حديث (٢٧٩٣)، ومسلم، كتاب الإمارة، حديث (١٨٨٢). ٢٨٦ كتاب فضائل الجهاد عن رسول الله وَله / باب ما جاء في فَضلِ الغُدُوِّ والرَّوَاحِ في سبيلِ الله عَن ابن أبي ذُبَابٍ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ مِن أصْحَابِ رَسُولِ اللهِ وَل بِشِعْبٍ فيهِ عُيَيْنَةٌ مِن مَاء عَذْبَةٌ فأعْجَبَتْهُ لِطِيِهَا، فَقَالَ: لَو اعْتَزَلْتُ الناسَ فَأَقَمْتُ في هذا الشِّعْبِ وَلَنْ أَفْعَلَ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ رَسُولِ اللهِوَ، فَذَكَرَ ذلكَ لِرَسُولِ اللهِوَّهِ فَقَالَ: ((لا تَفْعَلْ فإنَّ مُقَامَ أحَدِكُمْ فِي سَبيلِ الله أفْضَلُ مِن صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ سَبْعِينَ عامًا، (عن ابن أبي ذباب) هو: عبد الله بن عبد الرحمن بن الحارث بن سعد بن أبي ذباب؛ بضم المعجمة، وموحدتين، ثقة، من الثالثة. قوله: (مرَّ رجل من أصحاب النبي ◌َِّ بشِعب) قال في ((القاموس)): الشِّعبُ بالكسر: الطريق في الجبل، ومسيل الماء في بطن أرض، أو ما انفرج بين الجبلين. انتهى. والظاهر: أن المراد هنا: هو المعنى الأخير. (فيه عيينة) تصغير ((عين)) بمعنى المنبع: (من ماء) قال الطيبي: صفة ((عيينة))، جيء بها مادحة؛ لأن التنكير فيها يدل على نوع ماءٍ صافٍ تروق بها الأعين، وتبهج به الأنفس. (عذبة) بالرفع صفة ((عيينة)) وبالجر على الجوار؛ أي: طيبة، أو طيِّبٌ ماؤها. قال الطيبي: ((وعذبة)) صفة أخرى مميزة؛ لأن الطعم الألذ سائغ في المريء، ومن ثَمَّ أعجب الرجل، وتمنى الاعتزال عن الناس. (فأعجبته) أي: العيينة، وما يتعلق بها من المكان (فقال) أي: الرجل (لو اعتزلت الناس) (لو)) للتمني، ويجوز أن تكون ((لو)) امتناعية. وقوله: (فأقمت في هذا الشعب) عطف على ((اعتزلت))، وجواب ((لو)) محذوف؛ أي: لكان خيرًا لي (فذكر ذلك) أي: ما خطر بقلبه (فقال: لا تفعل) نهي عن ذلك؛ لأن الرجل صحابي، وقد وجب عليه الغزو، فكان اعتزاله للتطوع معصية، لاستلزامه تركَ الواجب، ذكره ابن الملك تبعًا للطيبي. (فإن مقام أحدكم) قال القاري: بفتح الميم، أي: قيامه. وفي نسخة يعني: من ((المشكاة)) بضمها، وهي: الإقامة، بمعنى: ثبات أحدكم. (في سبيل الله) أي: بالاستمرار في القتال مع الكفار، خصوصًا في خدمة سيد الأبرار. (أفضل من صلاته في بيته) يدل على أن طلبه كان مفضولًا لا محرمًا (سبعين عامًا) قال القاري: المراد: به الكثرة لا التحديد، فلا ينافي ما ورد أن رسول الله وََّ قال: ((مقَامُ ٢٨٧ كتاب فضائل الجهاد عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاء أيُّ النَّاسِ خَيْر ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ الله لَكُمْ، ويُدْخَلَكُمُ الجَنَّةَ؟ اغْزُوا في سَبِيلِ الله، مَن قَاتَلَ في سَبِيلِ الله فوَاقَ نَاقَةٍ، وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ)). [حم: ١٠٤٠٧]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حَسَنٌ. ١٨- باب مَا جَاء أيُّ النَّاسِ خَيْر [ت ١٨، م ١٨] [١٦٥٢] (١٦٥٢) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا ابنُ لَهِيعَةَ، عَنِ بُكَيْرِ بْنِ عبد الله بْنِ الأَشَجِّ، عَن عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ قَالَ: ((ألا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ؟ رَجُلٌ مُمْسِكٌ بِعَنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ الله، ألا أُخْبِرُكُمْ بِالَّذِي يَتْلُوهُ؟ الرَّجُلِ في الصَّفِّ في سبيلِ الله أفضلُ عندَ الله من عبادةِ الرَّجلِ ستِّينَ سنةً))، رواه الحاكم(١) عن عمران بن حصين، وقال: على شرط البخاري. ورواه ابن عدي، وابن عساكر(٢) عن أبي هريرة - رزڅته - ولفظه: ((قیامُ أحدگُم ... )) انتهى. (ألا) بالتخفيف للتنبيه (تحبون أن يغفر الله لكم) أي: مغفرة تامة (يدخلكم الجنة) أي: إدخالًا أوليًا (اغزوا في سبيل الله) أي: داوموا على الغزو في دينه تعالى (من قاتل في سبيل الله فُواق ناقة) قال في ((القاموس)): الفُواقُ: كـ((غراب)) هو: ما بين الحلبتين من الوقت، ويفتح، أو ما بين فتح يدك، وقبضها على الضرع. انتهى. وقال في ((المجمع)): هو ما بين الحلبتين؛ لأنها تحلب، ثم تترك سريعة تُرضع الفصيل، لتدر، ثم تحلب. انتهى. قوله: (هذا حديث حسن) وأخرجه الحاكم(٣)، وقال: صحيح على شرط مسلم، ورواه أحمد(٤) من حديث أبي أمامة أطول منه، إلا أنه قال: ((ولمقَامُ أحدِكُم في الصَّفِّ خير من صلاتهِ ستِّينَ سنَةً))، كذا في ((الترغيب)). ١٨ - باب مَا جَاءَ أيُّ النَّاسِ خَيْرٌ [١٦٥٢] قوله: (رجل ممسك بعنان فرسه) وفي رواية: ((آخذٌ برأسٍ فرسهِ». (بالذي يتلوه) وفي رواية: ((بالَّذي يليهٍ)). (١) الحاكم. حديث (٢٣٨٣) وصححه على شرط البخاري، ووافقه الذهبي. (٢) ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)). حديث (٤٤٤/٢٢). (٣) الحاكم. حديث (٢٣٨٢) وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. (٤) أحمد. حديث (٢١٧٨٨). ٢٨٨ كتاب فضائل الجهاد عن رسول اللّه وَالتِ / باب مَا جَاء أيُّ النَّاسِ خَيْر رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ فِي غُنَيْمَةٍ له يُؤَدِّي حَقَّ الله فيها، ألا أُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ النَّاسِ؟ رَجُلٌ يُسْألُ باللهِ ولا يُعْطِي بِهِ)). [ن: ٢٥٦٨، طا: ٩٧٦، مي: ٢٣٩٥]. قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ مِن هذا الوجْهِ، ويُرْوَى هذا الحديثُ مِن غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَن النبيِّ وَّ. (رجل معتزل في غنيمة له) تصغير: ((غنم)) وهو مؤنث سماعي، ولذلك صغرت بالتاء، والمراد: قطعة غنم. قال النووي: في الحديث دليل لمن قال بتفضيل العُزلة على الخلطة، وفي ذلك خلاف مشهور. فمذهب الشافعي، وأكثر العلماء: أن الاختلاط أفضل، بشرط رجاء السلامة من الفتن. ومذهب طوائفٍ من الزهاد: أن الاعتزال أفضل، واستدلوا بالحديث، وأجاب الجمهور بأنه محمول على زمان الفتن، والحروب، أو فيمن لا يسلم الناس منه، ولا يصبر عن أذاهم، وقد كانت الأنبياء - صلوات الله عليهم - وجماهير الصحابة، والتابعين والعلماء، والزهاد مختلطين، ويحصلون منافع الاختلاط، كشهود الجمعة، والجماعة، والجنائز، وعيادة المريض، وحِلَقِ الذكر، وغير ذلك. انتهى. (رجل يُسألُ بالله، ولا يعطي به) هذا يحتمل الوجهين: أحدهما: أن قوله: ((يسأل)) بلفظ المجهول، وقوله: ((يعطي)) على بناء المعلوم، أي: شر الناس من يسأل منه صاحب حاجة؛ بأن يقول أعطني لله، وهو يقدر، ولا يعطي شيئًا، بل يرده خائبًا . والثاني: أن يكون قوله: ((يسأل)) على بناء المعلوم، وقوله: ((لا يعطى)) على بناء المفعول، أي: يقول أعطني بحق الله، ولا يعطى. قال في ((المجمع)): هذا مشكل، إلا أن يتهم السائل بعدم استحقاقه. وقال الطيبي: الباء كالباء في: كتبت بالقلم؛ أي: يسأل بواسطة ذكر الله، أو للقسم، والاستعطاف؛ أي: بقول السائل: أعطوني شيئًا بحق الله. وهذا مشكل، إلّا أن يكون السائل متهمًا بحق الله، ويظن أنه غير مستحق. انتهى. قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه النسائي، وابن حبان في ((صحيحه))(١)، ورواه مالك (٢) عن عطاء بن يسار مرسلًا؛ كذا في ((الترغيب)). (١) ابن حبان، حديث (٦٠٤)، وأخرجه الحاكم، حديث (٢٣٧٩) وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، والبيهقي في «الكبرى» (١٨٢٨٤). (٢) مالك، كتاب الجهاد، حديث (٩٥٦). ٢٨٩ كتاب فضائل الجهاد عن رسول الله ◌َّ / باب مَا جَاء فِيمَنْ سَألَ الشَّهَادَة ١٩ - باب مَا جَاء فِيمَنْ سَألَ الشَّهَادَة [ت ١٩، م ١٩] [١٦٥٣] (١٦٥٣) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَسْكَرِ البَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا القَاسِمُ بْنُ كَثِيرٍ المصريُّ، حَدَّثَنَا عبدُ الرَّحمنِ بْنُ شُرَيْح، أنَّهُ سَمِعَ سَهْلَ بْنَ أبي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ يُحَدِّثُ عَن أبيهِ، عَن جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ وَ قَالَ: ((مَن سَأَلَ الله الشَّهَادَةَ مِن قَلْبِهِ صَادِقًا بَلَّغَهُ الله مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وإنْ مَاتَ على فِرَاشِهِ)). [م: ١٩٠٩، ن: ٣١٦٢، د: ١٥٢٠، جه: ٢٧٩٧، مي: ٢٤٠٧]. قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثُ سهل بْنِ حنيف حديث حسنٌ غريبٌ، لا نعرِفُهُ إلَّا ١٩ - باب مَا جَاءَ فِيمنْ سَأَلَ الشَّهَادَةَ [١٦٥٣] قوله: (حدثنا القاسم بن كثير) بن النعمان الإسكندري أبو العباس القاضي، صدوق، من العاشرة. (حدثنا عبد الرحمن بن شريح) بن عبد الله المعافري، أبو شريح الإسكندراني، ثقة، فاضل، لم يصب ابن سعد في تضعيفه، من السابعة. (أنه سمع سهل بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف) الأنصاري المدني، نزيل ((مصر))، ثقة، من الخامسة، مات بـ ((الإسكندرية)) (يحدث عن أبيه) أي: أبي أمامة بن سهل بن حنيف، واسمه: أسعد. وقيل: سعد معروف بكنيته، معدود في الصحابة، له رؤية، ولم يسمع من النبي ◌ّ (عن جده) أي: سهل بن حنيف بن واهب الأنصاري الأوسي، صحابي، من أهل بدر، واستخلفه عليٍّ على ((البصرة)) ومات في خلافته. قوله: (من سأل الله الشهادة) أي: الموت شهيدًا (بلغه) بتشديد اللام؛ أي: أوصله ؛. منازل الشهداء) مجازاةً له على صدق طلبه (وإن مات على فراشه) بكسر أوله، أي: ولو مات غير شهيد؛ فهو في حكم الشهداء، وله ثوابهم. قال المناوي: لأن كلَّ منهما نوى خيرًا، وفعل مقدوره، فاستويا في أصل الأجر، انتهى. قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم(١). (١) الحاكم. حديث (٢٤١٢)، وقال: على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. ٢٩٠ كتاب فضائل الجهاد عن رسول الله وَلَه / باب مَا جَاء فِيمَنْ سَألَ الشَّهَادَة مِن حديثِ عبدِ الرَّحمنِ بْنِ شُرَيْح، وقد رَوَاهُ عبدُ الله بْنُ صَالحِ عَن عبدِ الرَّحمنِ بْنِ شُرَيْحٍ، وعبدُ الرَّحمنِ بْنُ شُرَيْحٍ يُكْنَى: أَبَا شُرَيْحٍ، وهو إسْكَنَّدَرَانِيٌّ، وفي البابِ: عَن مُعَاذٍ بْنِ جَبَلٍ . [١٦٥٤] (١٦٥٤) حَدَّثَنَا أحمدُ بْنُ مَنِيع، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجِ، عَن سُلَيْمانَ بْنِ مُوسى، عَنِ مالِكِ بْنِ يخَامِرَ السَّكْسَكِيِّ، عَن مُعَاذٍ بْنِ جَبَلٍ، عَنِ النَّبِيِّ بََّ قَالَ: ((من سَأَلَ الله القَتْلَ في سَبِيلِهِ صَادِقًا مِن قَلْبِهِ، أعْطَاهُ الله أجْرَ الشَّهَادَةِ)). [ن بنحوه: ٣١٤١، د بنحوه: ٢٥٤١، حم: ٢١٦٠٥]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. قوله: (وقد رواه عبد الله بن صالح) بن محمد بن مسلم الجهني أبو صالح المصري، كاتب الليث، صدوق، كثير الغلط، ثبت في كتابه، وكانت فيه غفلة، من العاشرة، قاله في ((التقریب)). وقال في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمته: روى عن أبي شريح عبد الرحمن بن شريح وغيره، وروى له أبو داود، والترمذي، وابن ماجه بواسطة الحسن بن علي الخلال. قوله: (وفي الباب عن معاذ بن جبل) قد أخرج الترمذي حديثه في هذا الباب، فلعله أشار إلى ما روى أبو داود(١) عنه مرفوعًا: ((مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ الله فُوَاقَ ناقة فَقَدْ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ سَأَلَ اللهِ الْقَتْلَ من نَفْسِهِ صَادِقًا ثُمَّ مَاتَ أَوْ قُتِلَ، فَإِنَّ لَهُ أَجْرَ شَهِيدٍ)) الحديث. [١٦٥٤] قوله: (عن سليمان بن موسى) الأموي، مولاهم، الدمشقي، الأشدق، صدوق، فقيه، في حديثه بعض لين، وخولط قبل موته بقليل، من الخامسة. (عن مالك بن يخامر) بفتح التحتانية، والمعجمة، وكسر الميم (السكسكي) الحمصي، صاحب معاذ، مخضرم، ويقال: له صحبة، كذا في ((التقريب)). قوله: (من سأل الله القتل في سبيله) أي: الشهادة (صادقًا من قلبه) قيد به؛ لأنه معيار الأعمال، ومفتاح بركاتها (أعطاه الله أجر الشهيد) أي: وإن لم يقتل في سبيله. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه النسائي، والحاكم (٢)، كذا في ((الفتح)). (١) أبو داود، كتاب الجهاد. حديث، حديث (٢٥٤١). (٢) الحاكم. حديث (٢٤١٠)، وقال: على شرط الشيخين وقال الذهبي: بل هو منقطع فلعله من الناسخ. ٢٩١ كتاب فضائل الجهاد عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاء في المُجَاهِدِ والنَّاكِحِ والمكاتب ٢٠ - باب مَا جَاء في المُجَاهِدِ والنَّاكِحِ والمكاتب، وعَوْنِ الله إيَّاهُم [ت ٢٠، ٢٠٢] [١٦٥٥] (١٦٥٥) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَن ابنِ عَجْلَانَ، عَن سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: (ثَلَاثَةٌ حَقُّ على الله عَوْنُهُم: المُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ الله، والمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الأَدَاء، والنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ العَفَافَ)». [ن: ٣١٢٠، جه: ٢٥١٨] . قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ. [١٦٥٦] (١٦٥٧) حَدَّثَنَا أحمدُ بْنُ مَنِيع، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجِ، عَن سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، عَن مالِكِ بْنِ يخَامِرَ، عَن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَلِّ قَالَ: (مَن قَاتَلَ في سَبِيلِ الله - مِن رَجُلٍ مُسْلِمٍ - فُوَاقَ نَاقَةٍ وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، ومَنْ جُرِحَ جُرْحًا في سَبِيلِ الله أو نُكِبَ نَكْبَةً ٢٠ - باب مَا جَاءَ في الْمُجَاهِدِ وَالنَّاكِحِ وَالْمُكَاتَبِ وَعَوْنِ الله إِيَّاهُمْ [١٦٥٥] قوله: (ثلاثة حقٌّ على الله عونهم) أي: ثابت عنده إعانتهم، أو واجب عليه بمقتضى وعده معاونتهم (المجاهد في سبيل الله) أي: بما يتيسر له الجهاد من الأسباب والآلات (والمكاتب الذي يريد الأداء) أي: بدل الكتابة (والناكح الذي يريد العفاف) أي: العفة من الزنا، قال الطيبي: إنما آثر هذه الصيغة، إيذانًا بأن هذه الأمور الشاقة التي تفدح الإنسان، وتقصم ظهره، لولا أن الله - تعالى - يعينه عليها لا يقوم بها، وأصعبها العفاف؛ لأنه قمع الشهوة الجبلية المركوزة فيه، وهي مقتضى البهيمية النازلة في أسفل السافلين، فإذا استعف، وتداركه عون الله تعالى، ترقى إلى منزلة الملائكة، وأعلى عليين. قوله: (هذا حديث حسن) وأخرجه أحمد، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان في ((صحيحه))، والحاكم(١)، وقال: صحيح على شرط مسلم. [١٦٥٦] قوله: (ومن جُرح) بصيغة المجهول (مُجُرْحًا) بضم الجيم، وبالفتح هو المصدر، أي: جراحة كائنة (في سبيل الله) بسلاح من عدو (أو نكب) بصيغة المجهول، أو أصيب (نكبة) بالفتح، أي: حادثة فيها جراحة من غير العدو، فـ((أو)) للتنويع، قيل: الجرح والنكبة (١) ابن حبان. حديث (٤٠٣٠)، والحاكم حديث (٢٨٥٩) وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. ٢٩٢ كتاب فضائل الجهاد عن رسول اللّه ◌َّه / باب مَا جَاء فيمن يُكْلَمُ في سَبِيلِ الله فإنها تَجِيءُ يَوْمَ القِيَامَةِ كأغْزَرِ ما كَانَت، لَوْنُهَا الزَّعْفَرَانُ، ورِيحُهَا كالمسْكِ)). هذا حديثٌ صحيحٌ. [ت: ٣١٤١، د: ٢٥٤١، حم: ٢١٦٠٥] . ٢١ - باب مَا جَاء فيمن يُكْلَمُ في سَبِيلِ الله [ت ٢١، م٢١] [١٦٥٧] (١٦٥٦) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عبدُ العزيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَن سُهَيْلِ بْنِ أبي صَالِحٍ، عَن أبيه، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ : ((لا يُكلَمُ كلاهما واحد. وقيل: الجرح ما يكون من فعل الكفار، والنكبة الجراحة التي أصابته من وقوعه من دابته، أو وقوع سلاح عليه . قال القاري: هذا هو الصحيح. وفي ((النهاية)): نكبت أصبعه؛ أي: نالتها الحجارة، والنكبة: ما يصيب الإنسان من الحوادث. (فإنها) أي: النكبة التي فيها الجراحة. (تجيء يوم القيامة) قال الطيبي: قد سبق شيئان: الجرح، والنكبة، وهي ما أصابه في سبيل الله من الحجارة، فأعاد الضمير إلى النكبة، دلالة على أن حكم النكبة إذا كان بهذه المثابة، فما ظنك بالجرح بالسنان والسيف، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْفِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا﴾ [التوبة: ٣٤] انتهى. قال القاري: أو يقال: إفراد الضمير باعتبار أن مؤداهما واحد، وهي المصيبة الحادثة في سبيل الله؛ فهي تظهر وتتصور (كأغزر ما كانت) أي: كأكثر أوقات أكوانها في الدنيا . قال الطيبي: الكاف زائدة، و((ما)) مصدرية، والوقت مقدر؛ يعني: حينئذ تكون غزارة دمه أبلغ من سائر أوقاته. انتهى. (لونها الزعفران، وريحها كالمسك) كل منهما تشبيه بليغ . قوله: (هذا حديث صحيح) وأخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان في (صحيحه)، والحاكم(١)، وقال: صحيح على شرطهما، كذا في ((الترغيب)). ٢١ - باب مَا جَاءَ فيِ فَضْلٍ مَنْ يُكْلَمُ في سَبِيلِ الله [١٦٥٧] قوله: (لا يُكْلَم) بضم أوله، وسكون الكاف، وفتح اللام؛ أي: يجرح. (١) ابن حبان. حديث (٤٦١٨)، والحاكم حديث (٢٣٨٢) وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. ٢٩٣ كتاب فضائل الجهاد عن رسول الله وَ له / باب مَا جَاء أيُّ الأعْمَال أفْضَلُ؟ أحَدٌ في سَبِيلِ الله - والله أعْلَمُ بِمَنْ يُكلَمُ في سَبِيلِهِ - إلَّا جاء يَوْمَ القِيَامَةِ اللَّوْنُ لَوْن الدَّمِ، والرِّيْحُ ريحُ المِسْكِ)). [خ: ٢٣٧، م: ١٨٧٦، ن: ٣١٤٧، جه: ٢٧٩٥، حم: ٧١١٧، طا: ٩٩٩، مي: ٢٤٠٦] . قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وقد رُوِيَ مِن غَيْرِ وَجْهٍ عَن أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َهِ . ٢٢ - باب مَا جَاء أيُّ الأعْمَالِ أفْضَلُ؟ [ت ٢٢، م٢٢] [١٦٥٨] (١٦٥٨) حَدَّثَنَا أبو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَن مُحمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا (أحد في سبيل الله) قال السيوطي: أي: سواء مات صاحبه منه، أم لا، كما يؤخذ من رواية الترمذي. (والله أعلم بمن يكلم في سبيله) جملة معترضة بين المستثنى والمستثنى منه. قال النووي: هذا تنبيه على الإخلاص في الغزو، وأن الثواب المذكور فيه إنما هو لمن أخلص فيه، وقاتل لتكون كلمةُ الله هي العليا . قالوا: وهذا الفضل - وإن كان ظاهره أنه في قتال الكفار - فيدخل فيه من خرج في سبيل الله في قتال البغاة، وقطاع الطريق، وفي إقامة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ونحو ذلك (إلا جاء يوم القيامة اللون لون الدم، والريح ريح المسك) وفي رواية مسلم: ((إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحِ رِيحُ مِسْكٍ)). قال النووي: قوله ◌َّين : ((وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ)) هو بفتح الياء والعين، وإسكان المثلثة بينهما، ومعناه: يجري متفجرًا؛ أي: كثيرًا، قال: والحكمة في مجيئه يوم القيامة كذلك؛ أن يكون معه شاهد فضيلته، وبذله نفسه في طاعة الله تعالى. انتهى. قوله: (هذا حديث صحيح) وأخرجه الشيخان، والنسائي. ٢١ - باب مَا جَاءَ أَّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ [١٦٥٨] قوله: (حدثنا عبدة) هو: ابن سليمان الكلابي، أبو محمد الكوفي (عن محمد بن عمرو) بن علقمة بن وقاص الليثي المدني. ٢٩٤ كتاب فضائل الجهاد عن رسول الله وَّه / باب مَا ذُكِرَ أنَّ أبْوَابَ الجَنَّةِ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ أبو سَلَمَةَ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ وَّةَ: أَيُّ الأَعْمَالِ أفْضَلُ، وَأيُّ الأَعْمَالِ خَيْرٌ؟ قَالَ: ((إيمانٌ بالله ورَسُولِهِ))، قيلَ: ثُمَّ أيُّ شَيْءٍ؟ قَالَ: ((الجهَادُ سنَامُ العَمَلِ))، قيلَ: ثُمَّ أيُّ شَيْء يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: ((ثُمَّ حَجِّ مَبْرُورٌ)). [خ: ٢٦، م: ٨٣، ن: ٢٦٢٣، حم: ٧٥٣٦، مي: ٢٣٩٣] . قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، قد روِيَ مِن غَيْرٍ وَجْهٍ عَن أبي هُرَيْرَةَ، عَن النبيِّ ◌ِّهِ. ٢٣ - باب مَا ذُكِرَ أنَّ أبْوَابَ الجَنَّةِ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ [ت ٢٣، م ٢٣] [١٦٥٩] (١٦٥٩) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضُّبَعِيُّ، عَن أبي عِمْرَانَ الجَوْنِيِّ، عَن أبي بَكْرِ بْنِ أبي مُوسَى الأشْعَرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي بِحَضْرَةِ العَدُوِّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِّلـ: قوله: (إيمان) التنكير: للتفخيم (قيل: ثم أي شيء؟ قال: الجهاد سنام العمل) وفي رواية البخاري (١): قيل: ثم ماذا؟ قال: ((الجِهَادُ فِي سَبِيل الله))، وهو ظاهر. وأما رواية الترمذي هذه: فالظاهر أن الجواب فيها محذوف، وأقيم دليله مقامه، والتقدير: قيل: ثم أي شيء؟ قال: ((الجهاد في سبيل الله، فإنه سنام العمل)). هذا ما عندي. والله أعلم. وسنام كل شيء: أعلاه. (ثم حج مبرور) قال في ((النهاية)): الحج المبرور هو الذي لا يخالطه شيء من المآثم. وقيل هو: المقبول المقابل بالبر، وهو الثواب، بَرَّ حجُّه، وبُرَّ حجُّه، وبرَّ الله حجَّه، وأبره بِرًّا بالكسر، وإبرارًا. انتهى. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان، والنسائي. ٢٣ - باب مَا ذُكِرَ أَنَّ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ تَحْتَ ظلالِ السُّيُوفِ [١٦٥٩] قوله: (بِحضْرَةٍ العدو) قال النووي: هو بفتح الحاء، وضمها، وكسرها ثلاث لغات، ويقال أيضًا: ((بِحَضَرٍ)) بفتح الحاء، والضاد، بحذف الهاء. انتهى. (١) البخاري، كتاب الإيمان. حديث (٢٦). ٢٩٥ كتاب فضائل الجهاد عن رسول الله وَله / باب مَا جَاء أيُّ النَّاسِ أفْضَل؟ ((إِنَّ أبْوَابَ الجَنَّةِ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ))، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ رَتُّ الهَيْئَةِ: أأنْتَ سَمِعْتَ هذا من رَسُولِ اللهِ وَّهِ يَذْكُرُهُ؟ قَالَ: نَعَم، فَرَجَعَ إلى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أقْرَأ عَلَيْكُمُ السَّلَامَ، وَكَسَرَ جَفْنَ سَيْفِهِ، فَضَرَبَ بِهِ حَتَّى قُتِلَ. [م: ١٩٠٢، حم: ١٩٠٤٤]. قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ صحيح غريبٌ، لا نَعْرِفُهُ إلَّا مِن حديثٍ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمانَ الضُّبعي، وأبو عِمْرَانَ الجَوْنِيُّ اسْمُهُ: عبدُ المَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ، وأبو بَكْرِ بْن أبي مُوسَى قَالَ: أحمدُ بْنُ حَنْبلٍ: هُوَ اسْمُهُ. ٢٤ - باب مَا جَاء أيُّ النَّاسِ أفْضَل؟ (ت ٢٤، م ٢٤] [١٦٦٠] (١٦٦٠) حَدَّثَنَا أبو عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم، عَن الأوْزَاعِيِّ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَن عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْئِيِّ، عَن أبي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ وَّرِ أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: (إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف) قال النووي في ((شرح مسلم)): قال العلماء: معناه: أن الجهاد وحضور معركة القتال؛ طريق إلى الجنة، وسبب لدخولها . وقال المناوي: هو كناية عن الدنو من العدو في الحرب، بحيث تعلوه السيوف؛ بحيث يصير ظلها عليه يعني: الجهاد طريق إلى الوصول إلى أبوابها بسرعة، والقصد الحث على الجهاد. (رث الهيئة) قال في ((النهاية)): متاع رَتّ؛ أي: خَلِقٌ بالٍ. (فرجع) أي: الرجل (إلى أصحابه) أي: من أهل رحله (قال: أقرأ عليكم السلام) أي: سلام مودع (وكسر جفن سيفه) هو بفتح الجيم، وإسكان الفاء، وبالنون، وهو غمده. (فضرب به حتى قتل) وفي رواية مسلم: ((ثُمَّ كَسَرَ جَفْنَ سَيْفه فَأَلْقَاهُ ثُمَّ مَشَى بِسَيْفِهِ إِلَى الْعَدُوِّ، فَضَرَبَ بِهِ حَتَّى قُتِلَ)). قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أحمد، ومسلم. قوله: (هو اسمه) يعني اسمه كنيته. ٢٤ - باب مَا جَاءَ أَّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ [١٦٦٠] قوله: (أي: الناس أفضل؟) قال القاضي: هذا عام مخصوص، وتقديره: هذا من أفضل الناس، وإلا فالعلماء أفضل، وكذا الصديقون؛ كما جاءت به الأحاديث. ٢٩٦ كتاب فضائل الجهاد عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاء أيُّ النَّاسِ أَفْضَل؟ ((رَجُلٌ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ الله))، قالوا: ثُمَّ مَن؟ قَالَ: ((ثُمَّ مُؤْمِنٌ في شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَتَّقِي رَبَّهُ وَيَدَعُ النَّاسَ من شَرِّهِ)). قَالَ أبُو عِيْسَى: (رجل) وفي رواية الشيخين: ((مُؤْمِنٌ)) بدل ((رجل)). قال الحافظ: وكان المراد بالمؤمن: من قام بما تعين عليه القيام به، ثم حصل هذه الفضيلة، وليس المراد: من اقتصر على الجهاد، وأهمل الواجبات العينية، وحينئذ يظهر فضل المجاهد؛ لما فيه من بذل نفسه، وماله الله تعالى؛ ولما فيه من النفع المتعدي، وإنما كان المؤمن المعتزل يتلوه في الفضيلة؛ لأن الذي يخالط الناس لا يسلم من ارتكاب الآثام، فقد لا يفي هذا بهذا، وهو مقيد بوقوع الفتن. انتهى. (يجاهد في سبيل الله) زاد الشيخان: ((بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ)). (ثم مؤمن) وفي رواية لمسلم: (ثُمَّ رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ)). (في شعب من الشعاب) قال النووي: الشِّعْبُ: ما انفرج بين الجبلين، وليس المراد: نفس الشعب [خصوصًا]، بل المراد: الانفراد والاعتزال، وذكر الشعب مثالًا؛ لأنه خَالٍ عن الناس غالبًا . قال الحافظ: وفي الحديث فضل الانفراد؛ لما فيه من السلامة من الغيبة واللغو، ونحو ذلك. وأما اعتزال الناس أصلًا؛ فقال الجمهور: محل ذلك عند وقوع الفتن؛ كما سيأتي بسطه في الفتن، ويؤيد ذلك رواية بعجة بن عبد الله، عن أبي هريرة مرفوعًا: ((يَأْتِي على النَّاسِ زَمَانٌ يَكُونُ خَيْرُ النَّاسِ فِيهِ مَنْزِلَةٌ مَنْ أَخَذَ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، يَطْلُبُ المَوْتَ فِي مَظَانِهِ، وَرَجُلٌ فِي شِعْبٍ من هَذِهِ الشِّعَابِ يُقِيمُ الصَّلاةَ، وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَيَدَعُ النَّاسَ إِلَّ من خَيْرٍ)). أخرجه مسلم، وابن حبان(١) من طريق أسامة بن زيد الليثي عن بعجة. قال ابن عبد البر: إنما وردت هذه الأحاديث بذكر الشعب والجبل؛ لأن ذلك في الأغلب يكون خاليًا من الناس، فكل موضع يبعد عن الناس، فهو داخل في هذا المعنى. انتھی . (يتقي ربّه) أي: يخافه فيما أمر ونهى (ويدع) أي: يترك (الناس من شره) فلا يخاصمهم، ولا ينازعهم في شيء. (١) مسلم، كتاب الإمارة. حديث (١٨٨٩)، وابن حبان. حديث (٤٦٠٠). ٢٩٧ كتاب فضائل الجهاد عن رسول الله وَّ / باب فِي ثَوَابِ الشَّهِيْدِ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. [خ: ٢٧٨٦، م: ١٨٨٨، ن: ٣١٠٥، د بنحوه: ٢٤٨٥، جه: ٣٩٧٨، حم: ١١٤٢٨] . ٢٥ - باب في ثَوَابِ الشَّهِيْدِ [ت ٢٥، م ٢٥] [١٦٦١] (١٦٦٣) حَدَّثَنَا عبدُ الله بْنُ عبدِ الرَّحمنِ، حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الوَلِيدِ، عَن بَحِيرِ بْنِ سَعيدٍ، عَن خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَن المِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيَكْرِبَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (للشَّهِيدِ عندَ الله سِتُّ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ في أولِ دَفْعَةٍ، ویرَی قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، والشيخان، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم(١)، بإسناد على شرطهما، ولفظه: قال: عن النبي ◌َّ أنه سئل: أي المؤمنين أكمل إيمانًا؟ قال: ((الَّذِي يُجاهِدُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، وَرَجُلٌ يَعْبُدُ الله فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعابٍ وَقَدْ كَفَى النَّاسَ شَرَّهُ))؛ كذا في ((الترغيب)). ٢٥ - باب في ثَوَابِ الشَّهِيدِ [١٦٦١] قوله: (حدثنا نعيم بن حماد) بن معاوية بن الحارث الخزاعي، أبو عبد الله المروزي، نزيل ((مصر))، صدوق، يخطئ كثيرًا، فقيه، عارف بالفرائض، من العاشرة. وقد تتبع ابن عدي ما أخطأ فيه، وقال: باقي حديثه مستقيم؛ كذا في ((التقريب)). (عن بَحِير) بكسر المهملة (بن سعيد) السحولي، كنيته: أبو خالد الحمصي، ثقة ثبت، من السادسة. وقد وقع في النسخة الأحمدية المطبوعة: عن بحير بن سعد؛ وهو غلط؛ فإنه ليس في الرجال من اسمه: بحير بن سعد. قوله: (للشهيد عند الله ستُّ خصالٍ) لا يوجد مجموعها لأحد غيره (يغفر له) بصيغة المجهول (في أول دُفْعة) بضم الدال المهملة، وسكون الفاء هي: الدَّفْقَةُ من الدم، وغيره؛ قاله المنذري؛ أي: تمحى ذنوبه في أول صَبَّةٍ من دمه. وقال في ((اللمعات)): الدَّفْعَةُ بالفتح: المرة من الدفع، وبالضم: الدُّفْعَةُ من المطر، والرواية في الحديث بوجهين، وبالضم أظهر؛ أي: يغفر للشهيد في أول صبة من دمه (ويُرَى) (١) الحاكم. حديث (٢٣٩٠) وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. ٢٩٨ كتاب فضائل الجهاد عن رسول الله وََّ / باب فِي ثَوَابِ الشَّهِيْدِ مَفْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، ويُجَارُ مِن عَذَابِ القَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنَ الفَزَعِ الأَكْبَرِ، وَيُوضَعُ على رأسِهِ تَاجُ الوَقَارِ، اليَاقُوتَةُ مِنْهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وما فيها، ويُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنَ الحُورِ العِينِ وَيُشَفَّعُ في سَبْعِينَ مِن أَقَارِبِهِ)). [جه: ٢٧٩٩، حم: ١٦٧٣٠]. قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ. بضم أوله على أنه من الإراءة، ويفتح (مقعده) منصوب على أنه مفعول ثانٍ، والمفعول الأول نائب فاعل، أو على أنه مفعول به، وفاعله مستكن في ((يرى)) وقوله: (من الجنة) متعلق به. قال القاري: وينبغي أن يحمل قوله: ((ويرى مقعده)) على أنه عطف، تفسير لقوله: ((يغفر له))؛ لئلا تزيد الخصال على ست؛ ولئلا يلزم التكرار في قوله. (ويجار من عذاب القبر) أي: يحفظ ويؤمن، إذ الإجارة مندرجة في المغفرة إذا حملت على ظاهرها، روى (يأمن من الفزع الأكبر) قال القاري: فيه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] قيل: هو عذاب النار. وقيل: العرض عليها. وقيل: هو وقت يؤمر أهل النار بدخولها. وقيل: ذبح الموت، فييأس الكفار عن التخلص من النار بالموت. وقيل: وقت إطباق النار على الكفار. وقيل: النفخة الأخيرة؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِ الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَمَن فِىِ الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: ٨٧]. انتهى. (ويوضع على رأسه تاج الوقار) أي: تاج هو سبب العزة والعظمة. وفي ((النهاية)): التاج: ما يصاغ للملوك من الذهب والجواهر (الياقوتة منها) أي: من التاج، والتأنيث باعتبار أنه علامة العز والشرف، أو باعتبار أنه مجموع من الجواهر وغيرها . (ويزوج) أي: يعطى بطريق الزوجية (اثنتين وسبعين زوجة) في التقييد بالثنتين والسبعين إشارة إلى أن المراد به: التحديد، لا التكثير، ويحمل على أن هذا أقل ما يعطى، ولا مانع من التفضل بالزيادة عليها؛ قاله القاري. (من الحور العين) أي: نساء الجنة، واحدتها: حوراء؛ وهي الشديدة بياض العين، الشديدة سوادها، والعين جمع: عيناء؛ وهي الواسعة العين (ويشفّع) بفتح الفاء المشددة على بناء المجهول؛ أي: يقبل شفاعته. قوله: (هذا حديث صحيح غريب) وأخرجه ابن ماجه. ٢٩٩ كتاب فضائل الجهاد عن رسول الله وَ﴿ / باب فِي ثَوَابِ الشَّهِيْدِ [١٦٦٢] (١٦٦١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَار، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَام، حَدَّثَنِي أبي عَن قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أنسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَا مِن أحَدٍ مِن أهلِ الجنَّةِ يَسُرُّهُ أن يَرْجِعَ إلى الدُّنْيَا غَيْرُ الشَّهيدِ، فَإِنَّهُ يُحِبُّ أن يَرْجِعَ إلى الدُّنْيَا يَقُولُ: حَتَّى أُقْتَلَ عَشْر مَرَّاتٍ فِي سَبِيْلِ الله مِمَّا يَرَى ممَّا أعْطَاهُ اللهُ مِنَ الكَرَامَةِ)). قَالَ أبو عِيسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. [خ: ٢٧٩٥، م: ١٨٧٧، ن بنحوه: ٣١٦٠، حم: ١١٥٩٢، مي بنحوه: ٢٤٠٩]. [١٦٦٢] قوله: (غير الشهيد) قال النووي: اختلف في سبيل تسميته شهيدًا، فقال النضر بن شميل: لأنه حيٌّ؛ فإن أرواحهم شهدت، وحضرت دار السلام، وأرواح غيرهم إنما تشهدها يوم القيامة. وقال ابن الأنباري: إن الله تعالى وملائكته - عليهم الصلاة والسلام - يشهدون له بالجنة. وقيل: لأنه شهد عند خروج روحه ما أعد الله - تعالى - [له] من الثواب والكرامة. وقيل: لأن ملائكة الرحمة یشهدونه، فيأخذون روحه. وقيل: لأنه شهد له بالإيمان، وخاتمة الخير بظاهر حاله. وقيل: لأن عليه شاهدًا بكونه شهيدًا؛ وهو الدم. وقيل: لأنه ممن يشهد على الأمم يوم القيامة بإبلاغ الرسل الرسالة إليهم، وعلى هذا القول يشاركهم غيرهم في هذا الوصف. انتهى. (فإنه يحب أن يرجع إلى الدنيا يقول: حتى أقتل عشر مرات) وفي رواية الشيخين(١): (فَإِنَّهُ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ)). (مما يرى مما أعطاه الله من الكرامة) وفي رواية لمسلم(٢): ((لِمَا يَرَى من فَضْلٍ الشَّهَادَةِ». قال ابن بطال: هذا الحديث أجل ما جاء في فضل الشهادة، قال: وليس من أعمال البر ما تبذل فيه النفس غير الجهاد؛ فلذلك عظم فيه الثواب. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان. (١) البخاري، كتاب الجهاد والسير. حديث (٢٨١٧)، ومسلم، كتاب الإمارة. حديث (١٨٧٧). (٢) مسلم، كتاب الجهاد والسير. حديث (١٨٧٧). ٣٠٠ كتاب فضائل الجهاد عن رسول الله وَله/ باب مَا جَاءَ فِي فَضْلِ المُرَابِطِ [١٦٦٣] (١٦٦٢) حَدَّثَنَا مُحمَّد بْنُ بشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَر، حَدَّثَنَا شعبةُ، عن قتادَةَ، عَن أنسٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ: نحوه بمعنَاه. قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ٢٦ - باب مَا جَاءَ في فَضْلِ الْمُرَابِطِ [ت ٢٦، م٢٦] [١٦٦٤] (١٦٦٤) حَدَّثَنَا أبو بَكْرِ بْنُ أبي النَّضْرِ، حَدَّثَنَا أبو النَّضْرِ البَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا عبدُ الرَّحمنِ بْنُ عبدِ الله بْنِ دِينَارٍ، عَن أبي حَازِمٍ، عَن سَهْلٍ بْنِ سَعْدٍ؛ أنَّ رَسُوْلَ اللهِوَ ◌ّهِ قَالَ: ((رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ الله خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عليها، وَمَوْضِعُ سَوطِ أحَدِكُم في الجَنَّةِ خَيرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَليها، ولروْحَةٌ يَرُوحُهَا العَبْدُ في سَبِيلِ الله، أو لغَدْوَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَليها)). هذا حديثٌ صحيحٌ. [خ: ٢٧٩٤، م: ١٨٨١، ن: ٣١١٨، جه: ٢٧٥٦، حم: ١٥١٣٢، مي: ٢٣٩٨]. [١٦٦٥] (١٦٦٥) حَدَّثَنَا ابنُ أبي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ، قَالَ: مَرَّ سَلْمَانُ الفَارِسِيُّ ٢٦ - باب مَا جَاءَ في فَضْلِ الْمُرَابِطِ [١٦٦٤] قوله: (رباط يوم) أي: ارتباط الخيل في الثغر، والمقام فيه. قال في ((النهاية)): الرباط في الأصل: الإقامة على جهاد العدو بالحرب، وارتباط الخيل وإعدادها، والمرابطة: أن يربط الفريقان خيولَهم في ثَغر كلِّ منهما مُعِدٌّ لصاحبه؛ فسمِّيَ المقامُ في الثغور رباطًا؛ فيكون الرباط مصدر: رابطت؛ أي: لازمت. انتهى. قوله: (هذا حديث صحيح) وأخرجه البخاري، ومسلم وغيرهما؛ كذا في ((الترغيب)). وقال المناوي: وهم من عزاه لمسلم. [١٦٦٥] قوله: (مر سلمان الفارسي) أبو عبد الله، ويقال له: سلمان الخير، أصله من ((أصبهان)). وقيل: من ((رامهرمز)) من أول مشاهده ((الخندق))، مات سنة أربع وثلاثين. يقال: بلغ ثلاث مئة سنة؛ كذا في ((التقريب)). وقال في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمته: قال أبو عبد الله بن منده: وكان أدرك وصي عيسى ابن مريم - عليه الصلاة والسلام - فيما قيل، وعاش مئتين وخمسين سنة، أو أكثر.