Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
كتاب النذور والأيمان عن رسول الله وَ ل ◌َو / باب مَا جَاء في الاستِثْنَاءِ في الَيَمِين
[١٥٣٢] (١٥٣٢) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ موسى، حَدَّثَنَا عبدُ الرزاقِ، أخْبَرَنَا مَعْمَرٌ،
عَن ابنِ طاوسٍ، عَن أبيه، عَن أبي هُرَيْرَةَ؛ أنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَِّ قَالَ: ((مَن حَلَفَ على
يمين فَقَالَ: إنْ شَاء الله، لَمْ يحَثْ)). [جه: ٢١٠٤].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: سألْتُ محمدَ بْنَ إسماعيلَ عَن هذا الحديثِ؟ فقال: هذا حديثٌ
خَطَأٌ ؛ أخْطَأ فيه عبدُ الرزّاقِ، اختَصَرَهُ مِن حديثٍ مَعْمَرٍ، عَن ابن طاوسٍ، عَن أبيهِ،
عَن أبي هريرةَ، عَن النبيِّ وَِّ قَالَ: ((إنَّ سُلَيْمانَ بْنَ داودَ قَالَ: لأطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ على
سَبْعِينَ امرأةً، تَلِدُ كُلُّ امرأةٍ غُلَامًا، فطافَ عليهنَّ فَلَم تَلِد امرأةٌ مِنْهُنَّ،
[١٥٣٢] قوله: (لأطوفن) اللام: جواب القسم، وهو مَحذوفٌ، أي: والله لأطوفنَّ،
ويؤيده قوله في آخره: ((لم يحنث)) كما في رواية؛ لأنَّ الحنث لا يكون إلا عن قسم، والقسَمُ
لا بد له من مُقْسَمٍ به.
(على سبعين امرأة) قد وقع في روايات هذا الحديث: اختلاف كثير في العدد، ذكرها
الحافظ في ((الفتح))، وقال بعد ذكرها ما لفظه: فَمُحصَّلُ الروايات ستون، وسبعون،
وتسعون، وتسع وتسعون، ومئة، والجمع بينها: أن الستين كُنَّ حرائرٍ، ومَا زاد عليهن كُنَّ
سَراريَّ، أو بالعكس، وأما السبعون: فللمبالغة، وأما تسعون والمئة، فكنَّ دون المئة، وفوقَ
التسعينَ: فمن قال: تسعون. ألقى الكسر، ومن قال: مئة جبره.
وأما قول بعض الشراح: ليس في ذكر القليل نفيُّ الكثير، وهو من مفهوم العدد، وليس
بحجة عند الجمهور، فليس بكاف في هذا المقام، وذلك أن مفهوم العدد مُعتبرٌ عند کثیرین.
وقد حكى وهب بن منبه في ((المبتدا)): أنه كان لسُليمان ألفُ امرأةٍ، ثلاثُ مئَة مَهِيرةٍ،
وسبعُ مِئَة سُرِّيَّةِ.
ونحو ما أخرج الحاكم في ((المستدرك)) (١)، من طريق أبي معشر، عن محمد بن كعب
قال: إنَّهُ كان لسُليمانَ ألفُ بيتٍ من قواريرَ، فيها ثلاثُ مئةِ صريحةٍ، وسبعُ مئةِ سُرِّيَّةِ. انتهى.
(تلد كل امرأة غلامًا) وفي رواية للبخاري(٢): ((تَحمِلُ كُلُّ امرأةٍ فَارِسًا يُجاهِدُ في
سبيلِ الله))، (فطاف عليهن) أي: جامعهن.
(١) الحاكم (٤١٤١).
(٢) البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء. حديث (٣٤٢٤).

١٢٢
كتاب النذور والأيمان عن رسول الله وَلَ / باب مَا جَاء في كَرَاهِيَةِ الحَلِفِ بغيرِ الله
إلَّا امرأةٌ نِصْفَ غُلَام))، فقالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((لَوْ قَالَ: إن شاء الله لكَانَ كَمَا قَالَ))
هكذا رُوي عن عبد الرزاقِ، عَن مَعْمَرٍ، عَن ابن طاوس، عَن أبِيهِ هذا الحديث
بِطُولِهِ، وقال: ((سَبْعِينَ امرأةً)). وقد رُويَ هذا الحديثُ مِن غيرِ وجهٍ، عَن أبي هريرةَ،
عَن النبيِّ وَلِّ قَالَ: (قَالَ سُليمانُ بْنُ داودَ: لأطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ على مائةِ امرأةٍ)).
٨- باب مَا جَاء في كَرَاهِيَةِ الحَلِفِ بغيرِ الله [ت ٨، م ٨]
[١٥٣٣] (١٥٣٣) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا سفيانُ، عَن الزُّهْرِيِّ، عَن سالم، عَن
أبِيهِ، سَمِعَ النبيُّ وَّةِ عُمَرَ، وهو يَقُولُ: وأبي وأبي، فَقَالَ: ((ألا إنَّ الله يَنْهَاكُمْ أنْ
تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ)) فَقَالَ عُمَرُ: فَوَالله ما حَلَفْتُ به بعدَ ذلك
قوله: (إلا امرأة نصف غلام) وفي رواية للبخاري: ((إلَّا واحدةٌ ساقطًا أحدُ شقَّيهِ))، (لو
قال: إن شاء الله؛ لكان كما قال)، وفي رواية للبخاري(١): ((لو قال إن شاءَ الله؛ لم
يحنَث))، وفي هذه الرواية: «لأطُوفنَّ هذهِ اللَّيلة بتسعينَ امرأةٍ، كُلٌّ تلد غُلامًا يُقاتلُ في
سبيل الله، فقال له صاحبه - قال سفيان: يعني: الملك - قل: إن شاءَ الله فنسيَ ... ))
الحديث. قال في ((الفتح)): قوله: ((لو قال: إن شاءَ الله لم يحنث)). قيل: هو خاص بسُليمانَ
عليه السلام، وأنه لو قال في هذه الواقعة: إن شاء الله؛ حصل مقصوده. وليس المراد: أن
كل من قالها وقع ما أراد ويؤيد ذلك: أنَّ موسى - عليه السلام - قالها عند ما وعَد الخَضِرَ أنه
يصبر عما يراه منه، ولا يسأله عنه، ومع ذلك فلم يصبِرْ، كما أشار إلى ذلك في الحديث
الصحيح (٢): لودِدنا لو صَبَرَ حتَّى يقُصَّ الله عليه من أمرهما، وقد قالها الذّبيح فوقع في قوله
عليه السلام: ﴿سَتَجِدُنِىّ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّبِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢] فصبر حتى فداه الله بالذبح.
قوله: (لأطوفن الليلة على مئة امرأة) رواه أحمد، وأبو عوانة كما في ((الفتح)).
٨- باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَة الحِلْفِ بِغَيْر الله
[١٥٣٣] قوله: (وهو يقول: وأبي وأبي) الواو: للقسم، يعني: يقسم بأبيه، ويقول:
وأبي وأبي، (فقال ألا) - بالتخفيف - للتنبيه.
(إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم)، قال العلماء: السُّ في النَّهي عن الحلف بغير الله؛
(١) البخاري، كتاب النكاح. حديث (٥٢٤٢).
(٢) أخرجه البخاري في ((صحيحه))، كتاب العلم. حديث (١٢٢).

١٢٣
كتاب النذور والأيمان عن رسول الله وَّ / باب مَا جَاء في كَرَاهِيَةِ الحَلِفِ بغيرِ الله
ذَاكِرًا ولا آثِرًا. [خ: ٦١٠٨، م: ١٦٤٦، ن: ٣٧٧٥، د: ٣٢٥٠، جه: ٢٠٩٤، حم: ١١٣، طا: ١٠٣٧،
مي: ٢٣٤١] .
قَالَ: وفي البابِ: عَن ثابتِ بْنِ الضَّحَّاكِ، وابن عباسٍ، وأبي هُرَيْرَةَ، وقُتَيْلةَ،
وعبدِ الرَّحمنِ بْنِ سَمُرَةَ.
أن الحلف بشيء يقتضي تعظيمه، والعظمةُ - في الحقيقة - إنَّما هي لله وحده، وظاهرُ
الحديث: تخصيص الحلف بالله خاصة، لكن قد اتفق الفقهاء: على أن اليمين تنعقد بالله
وذاته وصفاته العليَّة، واختلفوا في انعقادها ببعضٍ الصِّفاتِ، وكأنَّ المراد بقوله بـ((الله)):
الذات لا خصوص لفظ ((الله))، وأما اليمين بغير ذلك؛ فقد ثبت المنع فيها، وهل المنع
للتحريم؟ قولان عند المالكية؛ كذا قال ابن دقيق العيد، والمشهور عندهم الكرَاهَةُ،
والخلاف أيضًا عند الحنابلة، لكن المشهور - عندهم - التحريم، وبه جزم الظَّاهريةُ، وجمهور
أصحابه على أنه للتَّنزيه، كذا في ((الفتح)).
(ذاكرًا ولا آثرًا) - بالمد وكسر المثلثة - أي: حاكيًا عن الغير؛ أي: ما حلفتُ بها ولا
حكيتُ ذلك عن غيري، ويدل عليه: ما وقع في رواية عقيل، عن ابن شهاب عند مسلم (١) :
ما حلفتُ بها منذُ سمعتُ رسولَ الله ◌َّهُ ينهى عنها، ولا تكلمتُ بها.
وقد استشكل هذا التفسير، لتصدير الكلام بـ ((حلفتُ))، والحاكي عن غيره لا يسمَّى
حالفًا. وأجيب: باحتمال أن يكون العامل فيه محذوفًا، أي: ولا ذكرتها آثرًا عن غيري، أو
يكون ضمَّن ((حلفتُ)) معنى ((تكلَّمتُ))، ويقويه رواية عقيل.
قوله: (وفي الباب عن ثابت بن الضحاك، وابن عباس، وأبي هريرة، وقتيلة،
وعبد الرحمن بن سمرة) أما حديث ثابت بن الضحاك: فأخرجه الشيخان(٢).
وأما حديث ابن عباس: فلينظر من أخرجه(٣) .
وأما حديث أبي هريرة: فأخرجه النسائي(٤) مرفوعًا: ((لا تحلفُوا إلا بالله، ولا تحلفُوا
إلَّا وأنتُم صادِقُونَ)).
(١) مسلم، كتاب الأيمان. حديث (١٦٤٦).
(٢) البخاري، كتاب الأيمان والنذور. حديث (٦٦٥٢)، ومسلم، كتاب الإيمان، حديث (١١٠).
(٣) أخرجه أبو يعلى في ((مسنده)). حديث (٢٣٣٦)، والطبراني في «الكبير» (١١٧٤٠)، وقال الهيثمي (١٧٣/٨):
رواه أبو يعلى وأحمد ورجالهما رجال الصحيح.
(٤) النسائي، كتاب الأيمان والنذور. حديث (٣٧٦٩).

١٢٤
كتاب النذور والأيمان عن رسول الله وَّ / باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ الحَلِفِ بغيرِ الله
قال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
قَالَ أبُو عِيْسَى: قَالَ أبو عُبَيْدٍ: مَعْنَى قولهِ: ولا آثرًا: أي لم آثُرْهُ عَن غيرِي،
يقولُ: لَمْ أذْكُرْهُ عَن غيرِي.
[١٥٣٤] (١٥٣٤) حَدَّثَنَا هنَّادٌ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَن عُبَيْدِ الله بْنِ عُمَرَ، عَن نافِعٍ،
عَن ابن عُمَر؛ أنَّ رَسُوْلَ اللهِوَّهِ أَدْرَكَ عُمَرَ وهو في رَكْبٍ، وهو يَحْلِفُ بِأَبِيهِ، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِوَّةِ: ((إنَّ الله يَنْهَاكُمْ أنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، لِيَحْلِفْ حَالِفٌ بالله أو ليَسكُت)).
[خ: ٦١٠٨، م: ١٦٤٦، د: ٣٢٤٩].
وأما حديث ((قتيلة))، - وهي: قتيلة بالمثناة والتصغير - بنت صيفي الأنصارية أو الجهنية،
صحابية من المهاجرات، فأخرجه أحمد، والنسائي(١) عنها: أنَّ يُهُوديًا أتى النَّبِيَّ وَّ فقال:
إنكم تندِّدونَ وإنَّكُمْ تُشركونَ، تقولونَ ما شاءَ الله وشئتَ، وتقولون: والكعبة، فأمرهُمُ النَّبيُّ
وَ* إذا أرادُوا أن يحلفُوا أن يقولُوا: ((وربِّ الكعبَةِ)). ويقول أحدهم: «ما شاءَ الله ثُمَّ شئتَ)).
قوله: (وهذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه الشيخان.
قوله: (قال أبو عبيد) هو: إمامٌ مشهورٌ، له تصانيف نافعة: منها: ((غريب الحديث)).
قال الحافظ: اسمه: القاسم بن سلام البغدادي، الإمام المشهور، ثقة فاضل مصنف،
من العاشرة، ولم أر له في الكتب حديثًا مستندًا، بل من أقواله في شرح الغريب، يقول: (لا
آثره عن غيري) أي: لا أنقله عن غيري.
قال في ((الصراح)): الأثر نقل كردن سخن، ومنه: حديث مأثور، أي: ينقله خلفٌ عن سلفٍ.
[١٥٣٤] قوله: (أدرك عمر وهو في ركب)، وفي رواية البخاري: ((وهُو يَسِير في ركبٍ))
وفي ((مسند يعقوب بن شيبة))، من طريق ابن عباس، عن عمر: ((بينما أنا راكبٌ أسير في غزاةٍ
مع رسولِ الله ◌َِّ، (وهو يحلف بأبيه) زاد في رواية: ((وكانتْ قُريشٌ تحلفُ بآبائها)).
(ليحلف حالف بالله أو ليسكت) في هذا الحديث من الفوائد: الزَّجرُ عن الحلف
بغير الله، وإنما خص في حديث عمر بالآباء، لوروده على سببه المذكور، أو خص، لكونهِ
كان غالبًا عليه، لقوله في الرواية الأخرى: وكانتْ قريشٌ تحلفُ بآبائها، ويدل على التعميم
قوله: ((مَن كانَ حالفًا، فلا يحلفْ إلا بالله)).
(١) أحمد. حديث (٢٦٥٥٣)، والنسائي، كتاب الأيمان والنذور. حديث (٣٧٧٣).

١٢٥
كتاب النذور والأيمان عن رسول الله وَّ / باب مَا جَاء في كَرَاهِيَةِ الحَلِفِ بغيرِ الله
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
[ت ٩، م ٩]
[١٥٣٥] (١٥٣٥) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أبو خالدِ الأحمرُ، عَن الحسنِ بْنِ
عُبَيْدِ الله، عَن سَعْدٍ بْنِ عُبَيْدَةَ؛ أنَّ ابنَ عُمَرَ سَمِعَ رجلًا يَقُولُ: لا والكعبةِ، فَقَالَ ابنُ
عُمرَ: لا يُحْلَفُ بِغَيْرِ الله؛ فإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِنَّهِ يقول: ((مَن حَلَفَ بِغَيْرِ الله
فَقَد كَفَرَ أو أشْرَكَ)».
وأما ما ورد في القرآن من القسم بغير الله؛ ففيه جوابان:
أحدهما: أن فيه حذفًا، والتقدير: وربِّ الشَّمس ونحوه.
الثاني: أن ذلكم يختصُّ بالله، فإذا أراد تعظيمَ شيءٍ من مَخلوقاتهِ؛ أقسم به، وليس لغيره
ذلك.
وأما ما وقع مما يُخالفُ ذلك كقوله ◌ِّه للأعرابيّ: أفلحَ وأبيهِ إن صدقَ.
فأجيب عنه: بأن ذلك كان قبل النهي، أو بأنها كلمة جارية على اللسان، لا يقصدُ بها
الحلفُ، كما جرى على لسانِهم: عقرَى حلقى، وما أشبه ذلك، أو فيه إضمار اسم الرَّبِّ
کأنه قال: وربّ أبيه. وقيل: هو خاص، ویحتاج إلى دليل.
وحكى السهيلي عن بعض مشايخه أنه قال: هو تصحيفٌ، وإنما كان: والله، قصرت
اللامان. واستنكر القرطبي هذا، وقال: إنه يجزم الثقة بالروايات الصحيحة، وأقوى الأجوبة
الأولان، قاله الحافظ في ((الفتح))، وقد بسط الكلام فيه، وأحاديث الباب تدل على أن
الحلفَ بغير الله لا ينعقد؛ لأن النهي يدل على فساد المنهي عنه، وإليه ذهب الجمهور.
وقال بعض الحنابلة: إنَّ الحلفَ بنبيِّنا وَِّ ينعقد وتجب الكفارة.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان.
[١٥٣٥] قوله: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) كذا وقع في بعض النسخ بلفظ:
((أو))، وكذا ذكره الحافظ في ((الفتح)) نقلًا عن ((جامع الترمذي)) بلفظ: أو وقع في بعضها:
وأشرك بـ((الواو))، وكذا ذكره الحافظ في ((التلخيص)) نقلًا عن الترمذي بـ ((الواو)).
وقال الحافظ في ((الفتح)): والتعبير بقوله: ((فقدْ كفَرَ أو أشرَكَ)) للمبالغة في الزَّجرِ،
والتغليظ في ذلك، وقد تمسك به من قال بتحريم ذلك.

١٢٦
كتاب النذور والأيمان عن رسول الله وََّ / باب مَا جَاء في كَرَاهِيَةِ الحَلِفِ بغيرِ الله
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ.
وَفُسِّرَ هذا الحديثُ عندَ بعضِ أهلِ العِلْمِ؛ أنَّ قولَه: فقد كَفَرَ أو أشْرَكَ على
التَّغْلِيظِ؛ والحُجَّةُ في ذلك حديثُ ابنِ عُمَرَ؛ أنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ سَمِعَ عُمَرَ يقولُ:
وأبي وأبي، فقال: ((أَلَا إِنَّ الله يَنْهَاكُمْ أنْ تَحْلِفُوا بآبَائِكم)). وحديثُ أبي هُريرَة عَن
النبيِّ وََّ أنه قَالَ: ((مَن قَالَ فِي حَلِفِهِ: واللات والعُزَّى فَلْيَقُلْ: لا إلهَ إلَّ الله)).
قوله: (هذا حديث حسن) قال الحافظ في ((الفتح)): وصححه الحاكم (١) .
وقال في ((التلخيص)): قال البيهقي: لم يسمعه سعد بن عبيدة من ابن عمر، قال
الحافظ: قد رواه شعبة عن منصور عنه قال: كنت عند ابن عمر. ورواه الأعمش، عن سعد،
عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن ابن عمر. انتهى.
(من قال في حلفه: باللات والعزى) صنمَانِ معروفَانٍ في الجاهلية، (فليقل: لا إله
إلا الله) .
قال الحافظ: وإنما أمر الحالف - بذلك - بقول: لا إله إلا الله، لكونه تعاطى صورة
تعظیم الصنم، حیث حلف به.
قال جمهور العلماء: من حَلَفَ باللات والعُزَّى أو غيرهما من الأصنام، أي: قال: إن
فعلتُ كذا فأنَا يهوديٌّ، أو نصرانيٌّ، أو بريءٌ من الإسلام، أو من النَّبِّ ◌َّ؛ لم تنعقد يمينُه،
وعليهِ أن يستغفرَ الله، ولا كفَّارة عليه، ويستحب أن يقول: لا إله إلا الله.
وعن الحنفية، تجب الكفارة، إلا في مثل قوله: أنَا مبتدٌ، أو بريءٌ منَ النَّبِيِّ ◌َّ.
واحتج بإيجاب الكفارة على المظاهر، مع أن الظّهارَ مُنكرٌ من القول وزور، كما قال الله
تعالى، والحلف بهذه الأشياء منكر. وتعقب بهذا الخبر؛ لأنه لم يذكر فيه إلا الأمر بـ((لا إله
إلا الله))، ولم يذكر فيه كفارة، والأصل: عدمُها، حتى يقام الدليل.
وأما القياسُ على الظهار فلا يصح؛ لأنهم لم يوجبوا فيه كفارة الظهار، واستثنوا أشياء
لم يوجبُوا فيها كفَّارةً أصلًا، مع أنه منكر من القول. انتهى. وحديث أبي هريرة - هذا -
أخرجه الشيخان.
(١) الحاكم. حديث (٧٨١٤)، وقال: على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.

١٢٧
كتاب النذور والأيمان عن رسول الله وَل ◌َه / باب ما جاء فيمَن يَحْلِفُ بالمشْي ولا يَسْتِطِيع
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا مِثْلُ ما رُوِيَ عَنِ النبيِّ وَلِّ أنّهُ قَالَ: ((الرِّيَاء شِرْكٌ)). وقد فَسَّرَ
بَعْضُ أهلِ العِلْم هذه الآيةَ: ﴿فَن كَانَ يَرْجُوْ لِقَآءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف: ١١٠]
الآية، قَالَ: لا يُرَائِي.
٩- باب ما جاء فيمَن يَخْلِفُ بالمشْي ولا يَسْتطِيع [ت ١٠، م ١٠]
[١٥٣٦] (١٥٣٦) حَدَّثَنَا عبدُ القُدُّوسِ بْنُ مُحَمَّدٍ العظَّارُ البصريُّ، حَدَّثَنَا
عَمْرُو بْنُ عَاصمٍ، عَن عمرانَ القطانِ، عَن حُمَيْدٍ، عَن أنسٍ قَالَ: نَذَرَتِ امْرَأةٌ أنْ
تَمْشِيَ إلى بَيْتِ الله، فَسُئِلَ نبِيُّ الله وََّ عَنِ ذلكَ؟ فَقَالَ: ((إنَّ الله لَغَنِيٌّ عَن مَشْيهَا،
مُرُوهَا فَلْتَرْكَبْ)). [خ: ١٨٦٦، م: ١٦٤٤].
قَالَ: وفي البابِ: عَن أبي هُرَيْرَةَ، وعُقْبَةَ بْنِ عامٍ، وابن عباسٍ.
(الرياء شرك) روى ابن ماجه، من حديث معاذ بن جبل: أنَّ يسيرَ الرِّياءِ شرٌ ...
الحديث، (وقد فسر بعض أهل العلم هذه الآية: ﴿فَن كَانَ يَرَحُواْ لِقَاءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا وَلَا
يُشْرِكِ بِعِبَادَةِ رَيِّهِ أَحَدَا﴾ [الكهف: ١١٠] الآية قال: لا يُرائي) يعني: أن المراد من الشرك في هذه
الآية؛ الرياءُ، وأطلقَ الشرك على الرياء، تغليظًا ومُبالغةً في الزَّجر عنه.
٩ - باب مَا جَاءَ في مَنْ يَخْلفُ بِالمَشْيِ وَلا يَستَطيعُ
[١٥٣٦] قوله: (عن عمران القطان) هو: عمران بن داوار - بفتح الواو، بعدها راء -
أبو العوام، البصري، صدوق يهم، ورمي برأي الخوارج.
قوله: (مروها فلتركب) فيه دليل على: أنَّ من نَذرَ أن يمشيَ إلى بيت الله، وفيه تعذيبه
نفسه؛ فعليه أن يتُكَ المشي ویرکب، وأما قوله: ((وفيه تعذيبه نفسه)). فيدل عليه حديث أنس
الآتي.
قوله: (وفي الباب عن أبي هريرة، وعقبة بن عامر، وابن عباس) أما حديث أبي هريرة:
فلينظر من أخرجه(١) .
(١) أحمد. حديث (٨٦٤٢)، ومسلم، كتاب النذر، حديث (١٦٤٣)، وابن ماجه كتاب الكفارات، حديث
(٢١٣٥).

١٢٨
كتاب النذور والأيمان عن رسول الله وَ﴿ / باب ما جاء فيمَن يَحْلِفُ بالمشْي ولا يَسْتَطِيع
قَالَ أبُو عِيْسَى: حديثُ أنس حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ من هذا الوجهِ؛ والعمل
على هذا عند بعضٍ أهلِ العِلْمِ، وقالُوا: إذا نذَرَت امرأةٌ أن تمشِي، فَلْتَرْكَب وَلْتُهْدِ شاةً.
[١٥٣٧] (١٥٣٧) حَدَّثَنَا أبو موسى مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا خالدُ بْنُ الحارِثِ،
حَدَّثَنَا حمِيْدٌ، عَن ثابتٍ، عَن أنسٍ، قَالَ: مَرَّ النَّبِيِّ بِّهِ بِشْخٍ كبيرٍ يُهادى بينَ ابْنَيْهِ،
فَقَالَ: ((ما بَالُ هذا؟)) قالوا: يَا رَسُولَ الله! نَذَرَ أنْ يَمْشِي، قَالَ: ((إنَّ الله تعالى لَغَنِيٌّ
عَن تَعْذِيبٍ هذا نَفْسَهُ))، قَالَ: فَأَمَرَهُ أنْ يَرْكَبَ. [خ: ١٨٦٥، م: ١٦٤٢، ن: ٣٨٦٢،
د: ٣٣٠١، حم: ١١٦٢٧].
وأما حديث عقبة بن عامر: فأخرجه الشيخان(١) وغيرهما، وأخرجه الترمذي - أيضًا -
فيما يأتي، وأما حديث ابن عباس: فأخرجه أحمد، وأبو داود(٢) عنه، قال: جاءت امرأة إلى
النَّبِيِّ نَّهِ فقالت: يا رسولَ الله، إن أُختي نَذَرَت أن تَحُجَّ ماشيةً، فقال: ((إنَّ الله لا يصنعُ
بشقاءِ أختكٍ شيئًا، لتخرج راکبةً، ولتُكفِّر عن یمینھا)). والحديث ۔ هذا ۔ سكت عنه أبو داود،
والمنذري، ورجاله رجال الصحيح.
قوله: (وحديث أنس حديث حسن صحيح غريب)، وأخرج الشيخان معناه.
قوله: (والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وقالوا: إذا نذرت المرأة أن تمشي
فلتركب ولتُهْدِ شاة) قد وقع في حديث عكرمة، عن ابن عباس - في قصة أخت عقبة بن عامر
عند أحمد -: ((فلتركَب، ولتُهدِ بدنةً)) وفي لفظ عند أبي داود (٣): ((فأمَرَهَا النَّبيُّ ◌ََّ أن تَركَبَ
وتهديَ هديًا))، وقد بسط الكلام ــ هاهنا - الشوكاني في ((النيل))، من شاء الوقوف عليه
فليرجع إلى ((النيل)).
[١٥٣٧] قوله: (يهادى) بصيغة المجهول (بين ابنيه) أي يمشي بين ابنيه معتمدًا عليهما
من ضعفه (فقال: ما بال هذا)؟ أي: ما حال هذا الشيخ؟ (قالوا: نذر يا رسول الله، أن
يمشي) وللنسائي في رواية: ((نَذَرَ أنْ يمشِيَ إلى بيتِ الله)).
(إن الله لغني عن تعذيبٍ هذا نفسَه) ((هذا)): فاعل المصدر، و((نفسه)): مفعوله، (فأمره أن
يركب) أي: لعجزه عن المشي.
(١) البخاري، كتاب الحج. حديث (١٨٦٦)، ومسلم، كتاب النذر. حديث (١٦٤٤)، والترمذي (١٥٤٤).
(٢) أحمد. حديث (٢١٣٥)، وأبو داود، كتاب الأيمان والنذور. حديث (٣٢٩٥).
(٣) أبو داود، كتاب الأيمان والنذور. حديث (٣٢٩٦).

١٢٩
كتاب النذور والأيمان عن رسول الله وَالّ / باب في كراهيّةِ النَّذر
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المِثَنَّى، حَدَّثَنَا ابنُ أبي عَدِيٌّ، عَن حُمَيْدٍ، عَن أنسٍ؛ أنَّ
رَسُولَ اللهِ وَلِّ رأى رجلًا، فَذَكّرَ: نحوَه.
١٠- باب في كَراهيَةِ النَّذر [ت ١١، م ١١]
[١٥٣٨] (١٥٣٨) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عبدُ العزيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ العَلَاءِ بْنِ
عبدِ الرَّحمنِ، عَن أبِيهِ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَةِ: ((لا تَنْذِرُوا، فإنَّ
النَّذْرَ لا يُغْنِي مِنَ القَدَرِ شيئًا؛ وإنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ)). [خ: ٦٦٩٤، م: ١٦٤٠،
ن: ٣٨١٤، د: ٣٢٨٨، جه: ٢١٢٣، حم: ٧٢٥٥].
قوله: (هذا حديث صحيح) أخرجه الجماعة إلا ابن ماجه.
١٠ - باب في كراهية النَّذْرِ
[١٥٣٨] قوله: (لا تنذروا) بضم الذال وكسرها، (فإن النذر لا يغني) أي: لا يدفع، أو
لا ينفع، (من القَدَر) - بفتحتين - أي: من القضاء السماوي (شيئًا) فإن المقدر لا یتغیر (وإنما
يُستخرج به) أي: بسبب النذر (من البخيل) لأن غير البخيل يعطي باختياره بلا واسطة النذر.
قال القاضي: عادة الناس: تعليق النذور على حُصولِ المنَافِع، ودفع المضارِّ؛ فنهى
عنه، فإن ذلك فعل البخلاء؛ إذ السَّخيُّ إذا أراد أن يتقرَّب إلى الله - تعالى - استعجلَ فيه وأتى
به في الحال، والبخيلُ لا تُطاوعُهُ نفسه بإخراج شيء من يده، إلا في مُقابلةٍ عوضٍ يستوفى
أولًا فيلتزمه في مُقابلة ما سيحصل له، ويعلّقُهُ على جلب نفعٍ، أو دفع ضُرِّ، وذلك لا يغني
عن القدر شيئًا، أي: نذرٌ لا يسوقُ إليه خيرًا لم يقدر له، وَلا يردُّ شرًّا قُضِيَ عليه، ولكن
النَّر قَد يُوافقُ القدرَ، فيخرج من البخيل ما لولاهُ لم يكنْ يُريدُ أن يُخرِجَهُ.
وقال الخطابي: معنى نهيه عن النذر: إنَّما هو التأكيد لأمره، وتحذير التهاون به بعد
إيجابه، ولو كان معناهُ الزجر عنه حتى يفعل؛ لكان في ذلك إبطالُ حُكمهِ وإسقاطٌ لُزومِ الوفاء
به، إذ صار معصيةً، وإنما وجه الحديث: أنه أعلمهم أن ذلك أمرٌ لا يجلب لهم في العاجل
نفعًا، ولا يصرفُ عنهم ضُرًّا، ولا يردُّ شيئًا قضاه الله تعالى، يقول: فلا تنذرُوا على أنكم
تدركُونَ بالنَّذر شيئًا لم يُقدِّرِ الله لكُم، أو تصرفون عن أنفسكم شيئًا جرى القضاءُ به عليكم،
وإذا فعلتم ذلك فأخرجوا عنه بالوفاء، فإن الذي نذرتُمُوهُ لازمٌ لكُم.
قال الطيبي: تحريره: أنه علل النهي بقوله: ((فإنَّ النَّذر لا يُغني من القدرِ»، ونبَّه به على

١٣٠
كتاب النذور والأيمان عن رسول الله وَظله / باب فى كَراهيَةِ النّذر
قَالَ: وفي البابِ: عَن ابنِ عُمَر.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: حديثُ أبي هريرةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ؛ والعملُ على هذا عندَ
بعضِ أهلِ العِلْمِ من أصحابِ النبيِّ وَ ◌ِّ وغيرِهم؛ كَرِهُوا النَّذْرَ، وقال عبدُ الله بْنُ
المبارَكِ: معنى الكراهيةِ في النَّذْرِ في الطاعَةِ والمعصيةِ، وإنْ نَذَرَ الرجلُ بالطَّاعَةِ،
فوَقَى به، فَلَهُ فِيهِ أجْرٌ، ويُكْرَهُ له النَّذْرُ.
أن النذر المَنهيَّ عنه هو: النَّذرُ المُقيَّد، الذي يُعتقدُ أنه يغني عن القدر بنفسه - كما زعموا -
وكم نرى في عهدنا جماعةً يعتقدون ذلك، لما شاهدوا من غالب الأحوال حصولَ المطالب
بالنَّذر.
وأما إذا نذر، واعتقدَ أن الله - تعالى - هُو الذي يُسهِّلُ الأمورَ، وهو الضَّارُّ والنَّافِعُ،
والنذور كالذَّرائع والوسائل؛ فيكون الوفاء بالنذر طاعةً، ولا يكون منهيًّا عنه، كيف وقد
مدح الله تعالى - جل شأنه - الخيرَةَ من عباده بقوله: ﴿يُوفُونَ بِلنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧] و﴿إِ نَذَرْتُ
لَكَ مَا فِ بَطْنِى مُحَرًَّا﴾ [آل عمران: ٣٥] وأما معنى: ((وإنما يستخرج به من البخيل)) فإن الله -
تعالى - يُحبُّ البذلَ والإنفاقَ، فمن سمحت أريحتُهُ - فذلك وإلا - فشرع النذور، ليستخرج به
من مال البخيل. انتهى.
قوله: (وفي الباب عن ابن عمر) أخرجه الجماعة(١) إلا الترمذي، ولفظه: نَهَى رسُولُ الله
وَه عن النَّذر وقال: ((إنَّه لا يرُدُّ شيئًا، وإنَّما يُستخْرِجُ به من البخيلِ)).
قوله: (حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة إلا أبا داود.
قوله: (والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي وَّ وغيرهم: كرهوا
النذر) قال الخطابي: هذا باب من العلم غريبٌ، وهو: أن ينهى عن فعل شيء، حتى إذا فعل
كان واجبًا، وقد ذهب أكثر الشافعية، ونُقلَ عن نصِّ الشافعيّ: أنَّ النَّذر مكروهٌ، وكذا عن
المالكية، وجزم الحنابلة بالكراهة. وقال النووي: إنه مُستحبٌّ، صرح بذلك في ((شرح
المهذب))، وروى ذلك عن القاضي حسين والمتولي والغزالي. وجزم القرطبي في ((المفهم))
بحمل ما ورد في الأحاديث من النَّهي على نذرِ المجازاة، فقال: هذا النهي محله: أن يقول -
(١) البخاري، كتاب الأيمان والنذور. حديث (٦٦٩٣)، ومسلم، كتاب النذر. حديث (١٦٣٩)، وأبو داود كتاب
الأيمان والنذور. حديث (٣٢٨٧)، والنسائي كتاب الأيمان والنذور. حديث (٣٨٠٣)، وابن ماجه كتاب
الكفارات، حدیث (٢١٢٢).

١٣١
كتاب النذور والأيمان عن رسول الله وَل﴿و / باب مَا جَاء في وفاءِ النَّذْرِ
١١- باب مَا جَاء في وفاءِ النَّذِّرِ [ت ١٢، م ١٢]
[١٥٣٩] (١٥٣٩) حَدَّثَنَا إسحاقُ بْنُ منصورٍ، أخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سعيدِ القَطَّانُ،
عَن عُبَيْدِ الله بْنِ عُمَر، عَن نافعٍ، عَن ابنِ عمَر، عَن عُمَر، قَالَ: قلت: يَا رَسُولَ الله!
إِنِّي كنتُ نَذَرْتُ أنْ أعْتَكِفَ لَيْلَةً في المسجدِ الحَرَام في الجاهِليَّةِ، قَالَ: ((أوفٍ
بِنَذْرِكَ)). [خ: ٢٠٣٢، م: ١٦٥٦، د: ٣٣٢٥، جه: ١٧٧٢، حم: ٢٥٧، مي: ٢٣٣٣].
قَالَ: وفي البابِ: عَن عبدِ الله بْنِ عَمْرٍو وابن عباسٍ.
مثلًا - إن شَفى الله مريضي؛ فعليَّ صدقةٌ، ووجه الكراهةِ: أنه لما وقفَ فعلُ القُربةِ المذكورةِ
على حُصُول الغَرَض المذكور- ظهر أنه لم يَتَمَّض له نيَّةُ التَّقُّب إلى الله بما صدر منه، بل
سَلَكَ فيها مَسلكَ المُعَارَضَة، ويوضحه: أنه لو لم يُشفَ مرِيضُهُ؛ لم يتصدق بما علَّقه على
شفائهِ، وهذه حالةُ البخيلِ، فإنه لا يُخرجُ من مالهِ شيئًا إلا بعوضِ عاجلٍ يزيد على ما أخرَجَ
غالبًا. وهذا المعنَى هو المُشارُ إليه بقوله: ((وإنَّما يُستخرجُ به منَ البخيلِ)) قال: وقد ينضم
إلى هذا اعتقادُ جاهلٍ يُظُن أن النَّذر يوجبُ حُصولَ ذلك الغرض، أو أن الله - تعالى - يفعلُ
معه ذلك الغرضَ لأجلِ ذلكَ النَّذرٍ، وإليهما الإشارة في الحديث بقوله: «فإِنَّهُ لا يردُّ شيئًا)»
والحالة الأولى: تقارِبُ الكفرَ، والثانية: خطأُ صريحٌ.
قال الحافظ: بل تقرب من الكفر. ثم نقل القرطبي عن العلماء: حَملَ النهي الوارد في
الخبر على الكراهة، قال: والذي يظهر لي: أنه على التَّحريم في حقِّ من يُخافُ عليه ذلك
الاعتقاد الفاسد، فيكون إقدامه على ذلك محرمًا، والكراهَة في حقِّ من لم يعتقد ذلك.
قال الحافظ: وهو تفصيل حسنٌّ، ويؤيده قصة ابن عمر - راوي الحديث - في النهي عن
النذر، فإنها في نذرِ المجازاة. انتهى.
١١ - باب مَا جَاءَ في وَفَاءِ الَّذْرِ
[١٥٣٩] قوله: (أوف بنذرك) زاد البخاري في رواية: فاعتكفْ ليلةً.
قوله: (وفي الباب عن عبد الله بن عمرو، وابن عباس) أما حديث عبد الله بن عمرو:
فأخرجه أبو داود(١) .
(١) أبو داود، كتاب الأيمان والنذور. حديث (٣٣١٢).

١٣٢
كتاب النذور والأيمان عن رسول الله وََّ / باب مَا جَاء في وفاءِ النَّذْرِ
قَالَ أبُو عِيْسَى: حديثُ عُمرَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وقد ذهبَ بعضُ أهلِ العِلْمِ
إلى هذا الحديثِ، قالوا: إذا أسْلَمَ الرجُلُ وعليه نَذْرُ طاعَةٍ، فَلْيَفٍ بِهِ،
(١)
وأما حديث ابن عباس: فأخرجه ابن ماجه
قوله: (وحديت عمر حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان.
قوله: (وفد ذَهب بعض أهل العلم إلى هذا الحديث) قال الشوكاني: في حديث عمر -
رَُبه - دليل على أنه يجبُ الوفاءُ بالنذر من الكافر متى أسلمَ، وقد ذهب إلى هذا بعض
أصحاب الشافعيِّ.
وعند الجمهور: لا ينعقدُ نذرُ الكافرِ، وحديث عمر حُجَّةٌ عليهم، وقد أجابوا عنه: بأن
النبي ◌َّ لما عَرَفَ بأن عُمرَ قد تبرع بفعل ذلك، أذنَ لهُ بهِ؛ لأن الاعتكافَ طاعةٌ، ولا يخفى
ما في هذا الجواب من المخالفة للصَّواب.
وأجاب بعضهم: بأنه ◌َّ أمره بالوفاء استحبابًا لا وجوبًا .
ويرد: بأن هذا الجواب لا يصلحُ لمن ادَّعى عدمَ الانعقاد. انتهى.
واستدل بقوله: فاعتكفْ ليلةً على جواز الاعتكاف بغير صومٍ؛ لأن الليلَ ليس بوقت
صومٍ، وقد أمره وَّةِ أن يفيّ بنذرٍ على الصفة التي أوجبها.
وتُعقِّبَ: بأن في رواية لمسلم: (يومًا)) بدل ((ليلة))، وقد جمع ابن حبان(٢) وغيره: بأنْ
نَذَرَ اعتكاف يوم وليلة، فمنْ أطلقَ ((ليلة)) أراد بيومها، ومن أطلق ((يومًا)) أراد بليلته.
وقد ورد الأمر بالصوم في رواية أبي داود، والنسائي بلفظ: أنَّ النَّبيَّ ◌َّ قال له:
((اعتكف وصُم)) أخرجه أبو داود، والنسائي(١) من طريق عبد الله بن بديل، ولكنه ضعيف،
وقد ذكر ابن عدي والدارقطني : أنه تفرد بذلك عن عمرو بن دينار.
قال في ((الفتح)): ورواية من روى: ((يومًا)) شاذة، وقد وقع في رواية سليمان بن بلال
عند البخاري: ((فاعتكفَ ليلةً))؛ فدل على أنه لم يزد على نذره شيئًا، وأن الاعتكاف لا
صومَ فيه، وأنه لا يُشترطُ له حدٌّ مُعيَّنٌ.
(١) ابن ماجه، كتاب الكفارات. حديث (٢١٣٠).
(٢) انظر ((صحيح ابن حبان)) (٤٣٨١).
(٣) أبو داود، كتاب الصوم. حديث (٢٤٧٤)، والنسائي في ((الكبرى)) (٣٣٥٥)، والدارقطني (٢٠٠/٢) (٩)،
وابن عدي (٢١٣/٤).
(٤) البخاري، كتاب الاعتكاف. حديث (٢٠٤٢).

١٣٣
كتاب النذور والأيمان عن رسول الله وَاه / باب مَا جَاء كيف كانَ يمينُ النبيِّ وَله
وقَالَ بعضُ أهلِ العِلْم من أَصْحَابِ النبيِّ وَّهِ وغيرِهم: لا اعتِكَافَ إلَّا بِصَوْمٍ، وقال
آخَرُونَ مِن أهلِ العِلْم: ليس على المُعْتَكِفِ صَوْمٌ، إلَّا أن يُوجِبَ على نَفْسِهِ صَوْمًا؛
واحْتَجُوا بحديثٍ عُمَرَ؛ أنَّهُ نَذَرَ أنْ يَعْتَكِفَ لَيْلَةً في الجاهِليةِ، فأمَرَهُ النبيُّ ◌َّه
بالوَفَاءِ؛ وهو: قولُ أحمدَ، وإسحاقَ.
١٢- باب مَا جَاء كيف كانَ يمينُ النبيِّ وَلِ﴾ [ت ١٣، م ١٣]
[١٥٤٠] (١٥٤٠) حَدَّثَنَا عليُّ بْنُ حُجْرٍ، أَخْبَرَنَا عبدُ الله بْنُ المبارَكِ، وعبدُ الله بْنُ
جَعْفَرٍ، عَن موسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَن سالمِ بْنِ عبدِ الله، عَن أبيهِ، قَالَ: كثيرًا ما كَانَ
رَسُولُ اللهِ وَلَّهِ يَحْلِفُ بِهَذِهِ اليَمِينِ: ((لا وَمُقَلِّبِ القُلُوبِ)). [خ: ٦٦٢٨، ن: ٣٧٧١،
د: ٣٢٦٣، جه: ٢٠٩٢، حم: ٥٣٤٥، مي: ٢٣٥٠] .
(وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي (وَّر وغيرهم: لا اعتكافَ إلا بصوم) وهو قول
أبي حنيفة، ومالك، والثوري، والأوزاعي. واستدلوا على ذلك بحديث عائشة قالت: السُّنَّةُ
على المعتكفِ أَلَّا يُعُودَ مريضًا ... الحديث، وفيه: ولا اعتكافَ إلَّا بصومٍ، أخرجه
أبو داود(١)، وفي الحديث كلام.
(وقال آخرون من أهل العلم: ليس على المعتكف صوم ... إلخ) وأجابوا عن حديث
عائشة - المذكور - بما فيه من الكلام.
قال الشوكاني: وهذا هو الحق، لا كما قال ابن القيم: إن الرَّاجح الذي عليه جُمهورُ
السَّلفَ: أن الصوم شرطٌ في الاعتكاف، وقد روي عن علي وابن مسعود: أنه ليس على
المُعتكفِ صومٌ إلا أن يوجبه على نفسه، ويدل على ذلك حديث ابن عباس: أن النبي وَّ
قال: ((ليسَ على المُعتكفِ صيامٌ إلَّا أنْ يجعلهُ على نفسهِ)) رواه الدارقطني(٢). وقال: رفعه
أبو بكر السوسي، وغيره لا يرفعه. وأخرجه الحاكم، ـ مرفوعًا - وقال: صحيح الإسناد.
١٢ - باب مَا جَاءَ كَيفَ كَانَ يَمِينُ النَّبِيِّ ◌ِّ
[١٥٤٠] قوله: (لا ومقلب القلوب) ((لا)): لنفي الكلام السابق، و((مقلب القلوب)» هو:
(١) أبو داود: كتاب الصيام. حديث (٢٤٧٣).
(٢) الدارقطني (٢١٩٩). حديث (٣)، والحاكم (١٦٠٣) وقال: صحيح الإسناد.

١٣٤
كتاب النذور والأيمان عن رسول الله ◌َّ / باب ما جاء في ثوابٍ مَن أَعْتَقَ رقَبة
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
١٣- باب ما جاء في ثوابٍ مَن أَعْتَقَ رقَبة [ت ١٤، ٢ ١٤]
[١٥٤١] (١٥٤١) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَن ابنِ الهادِ، عَن عُمَرَ بْنِ عليٍّ بْنِ
الحسينِ بْنِ عليٍّ بْنِ أبي طالب، عَن سعيدِ بْنِ مَرْجانَةَ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ الله ◌َّهُ يَقُولُ: ((مَن أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً،
المقسَمُ به، والمراد بـ((تقليب القلوب)»: تقليب أحوالها لا تقليب ذواتها، وفيه: جوازٌ
تسميةِ الله بما ثبت من صفاتهِ، على وجه يليقُ بهِ.
قال القاضي - أبو بكر ابن العربي -: في الحديث جواز الحلف بأفعال الله - تعالى - إذا
وصفَ بها، ولم يذكر اسمهُ تعالی.
وفرَّق الحنفية بين القدرة والعلم فقالوا: إن من حلفَ بقدرة الله تعالى انعقدتْ يمينُهُ، وإن
حلف بعلم الله - تعالى - لم تنعقد؛ لأن العلم يعبر به عن المعلوم، كقوله تعالى: ﴿هَلْ
عِندَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوُ لَنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨] والجواب: أنه - هنا - مجازٌ إن سُلِّمَ أن المراد به:
المعلوم، والكلامُ إنما هو في الحقيقة.
قال الراغب: تقليبُ الله القلوبَ والأبصارَ - صرفُها عن رأي إلى رأيٍ، قال: ويعبر
بالقلب عن المعاني التي تختص به من الروح والعلم والشجاعة.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة إلا مسلمًا .
١٣ - باب مَا جَاءَ في ثوَابٍ مَنْ أَعْتَقَ رَقبَةً
ذكر الترمذي في هذا الباب حديث أبي هريرة، في ثواب العتق، ثم عقد ـ فيما بعد - بابًا
آخر بلفظ: ((بابُ ما جاءَ في فضلٍ من أعتقَ))، وذكر فيه حديث أبي أمامة - رَّته - في فضل
العتق، والظاهر: أن في هذا تكرارًا بلا فائدة، ولو عقدَ واحدًا من هذينِ البابينِ، وأورد فيه
هذين الحديثين كما فَعلَ صاحب ((المنتقى))؛ لكان أحسنَ.
[١٥٤١] قوله: (عن عمر بن علي بن الحسين) بن علي بن أبي طالب الهاشمي المدني،
صدوق فاضل: (عن سعيد بن مرجانة) هو ابن عبد الله - على الصحيح - ومرجانة: أمُّهُ،
حجازي، وزعم الذهلي أنه: ابن يسار، ثقة فاضل، من الثالثة.
قوله: (من أعتق رقبة مؤمنة) هذا مُقيِّدٌ لباقي الروايات المطلقة، فلا يَستحقُّ الثَّوابَ
المذكور إلا من أعتق رقبة مؤمنة.

١٣٥
كتاب النذور والأيمان عن رسول الله وَل﴿ / باب ما جاء في ثوابٍ مَن أعْتَقَ رقَبة
أَعْتَقَ الله منهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنَ النَّارِ، حَتَّى يَعْتِقَ فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ)). [خ: ٢٥١٧،
م: ١٥٠٩، حم: ١٠٤٢٢].
قَالَ: وفي البابِ عَن عائشةَ، وعمرِو بْنِ عَبَسَةَ، وابن عباسٍ، وواثِلَةَ بْنِ
الأسْقَعِ، وأبي أُمَامَة، وعقبةَ بْنِ عامٍ، وكَعْبٍ بْنِ مُرَّةَ.
(أعتق الله) من باب المشاكلة، والمراد: أنجاهُ الله، (منه) أي: من المُعتِق - بالكسر -
(بكل عضو منه) أي: من المُعتَقِ - بالفتح - والمعنى: أنجى الله - تعالى - بكل عضو من
المعتَق - بالفتح - عضوًا من المعتِقِ - بالكسر - من النار.
(حتى يعتق) أي: الله سبحانه وتعالى (فرجه) - بالنصب - أي: فرج المُعتق - بالكسر-
(بفرجه) أي: بفرج المُعتَق - بالفتح ..
واستشكله ابن العربي فقال: الفرج لا يتعلق به ذنب يوجب النار إلا الزِّنا، فإن حُمل
على ما يُتعاطى من الصَّغائر كالمفاخذةِ؛ لم يشكل عتقه من النار بالعتقٍ، وإلا فالزِّنا كبيرة لا
تُكفّر إلَّا بالثَّوبةِ، قال: فيحتمل أن يكون المراد: أن العتق يرجح عند المؤازاة، بحيثُ يكون
مُرجِّحًا لحسناتِ المُعتِقِ تَرجيحًا يُوازِي سيِّئةَ الزِّنا. انتهى.
قال الحافظ: ولا اختصاص لذلك بالفرج، بل يأتي في غيره من الأعضاء كاليد في
الغصب - مثلاً - انتھی.
قوله: (وفي الباب عن عائشة، وعمرو بن عبسة، وابن عباس، وواثلة بن الأسقع،
وأبي أمامة، وكعب بن مرة، وعقبة بن عامر) وأما حديث عائشة: فلينظر من أخرجه (١).
وأما حديث عمرو بن عبسة - بفتح العين المهملة والموحدة والسين المهملة - فأخرجه
أبو داود(٢). وأما حديث ابن عباس: فلينظر من أخرجه (٣).
وأما حديث واثلة: فأخرجه الحاكم(٤).
وأما حديث أبي أمامة: فأخرجه الترمذي(٥) وسيأتي.
(١) أخرجه ابن حبان في ((صحيحه)) (٤٣١١).
(٢) أبو داود، كتاب العتق. حديث (٣٩٦٦).
(٣) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (١٠٦٤٠).
(٤) الحاكم. حديث (٢٨٤٣) قال الذهبي: صحيح.
(٥) الترمذي، كتاب النذور والأيمان عن رسول الله. حديث (١٥٤٧).

١٣٦
كتاب النذور والأيمان عن رسول الله وَّرَ / باب ما جاء في الرَّجُلِ يَلْظُمُ خَادِمَه
قَالَ أبُو عِيْسَى: حديثُ أبي هُرَيْرَةَ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ مِن هذا
الوجهِ، وابنُ الهادِ اسمُهُ: يزيدُ بْنُ عبدِ الله بْن أُسامَةَ بْنِ الهَادِ، وهو مدنيٌّ ثِقَةٌ، قد
رَوَى عنه مالكُ بْنُ أنسٍ، وغيرُ واحدٍ مِن أهلِ العِلْمِ.
١٤ - باب ما جاء في الرَّجُلِ يَلْطُمُ خَادِمَه [ت ١٥، م ١٥]
[١٥٤٢] (١٥٤٢) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا المحَارِبِيُّ، عَن شُعْبَةَ، عَن حُصَيْنٍ، عَن
هلالِ بْنِ يسَافٍ، عَن سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنِ المُزَنِيِّ، قَالَ: لَقَدْ رَأيْتُنَا سَبْعة إخْوَةٍ مَا لِنَا خَادِمٌ إلَّا
وَاحِدَةٌ، فَلَطَمَهَا أَحَدُنَا، فأمرَنا النَّبِيُّ وَلِّ أن نُعْتِقَهَا. [م: ١٦٥٨، د: ٥١٦٦، حم: ١٥٢٧٦].
قَالَ: وفي البابِ عَن ابنِ عُمَرَ.
وأما حديث كعب بن مرة: فأخرجه أحمد وأبو داود (١).
وأما حديث عقبة بن عامر: فأخرجه الحاكم(٢).
قوله: (حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه)، وأخرجه
البخاري، ومسلم.
قوله: (وهو مدنيٌّ ثقة) قال الحافظ: ثقةٌ مكثِرٌ.
١٤ - باب في الرَّجُلِ يَنْطِمُ خَادِمَهُ
[١٥٤٢] في ((القاموس)): اللَّطمُ ضربُ الخدِّ وصفحةِ الجسدِ بالكفّ - مفتوحة - لطمهُ
يلطمُهُ، وفي ((الصراح)): لطم طابنجه زون من باب: ضَرَبَ يَضربُ.
(ما لنا خادم إلا واحدة) لفظ الخادم: يُطلقُ على الغلام والجارية.
قال في ((القاموس)): خدمَهُ يخدمُهُ ويخدِمُهُ خدمةً، فهو: خادمٌ، وهي: خادمٌ وخادمَةٌ،
(فأمرنا النبي وَّر أن نعتقها) فيه: حث على الرفق بالمماليك، وأجمع المسلمون على أن
عتقه بهذا ليس بواجب، وإنما هو مندوب، كفَّارةُ ذنبهِ فيه، وإزالةُ إثم ظُلمهِ، قاله الطيبي.
قوله: (وفي الباب عن ابن عمر) أخرجه مسلم(٣) عنه مرفوعًا: (مَنْ ضَرَبَ غُلامًا لهُ حَدًّا
لم يأتِهِ، أو لطَمَّهُ؛ فإنَّ كَفَّارتَهُ أنْ يعتِقَهُ».
(١) أحمد. حديث (١٧٥٩٧)، وأبو داود، كتاب العتق. حديث (٣٩٦٦).
(٢) الحاكم. حديث (٢٨٤١) وصححه، ووافقه الذهبي.
(٣) مسلم، كتاب الأيمان. حديث (١٦٥٧).

١٣٧
كتاب النذور والأيمان عن رسول الله وَلّ / باب مَا جَاء فِي كَرَاهِيَةِ الحَلفِ بِغَيْرٍ مَِّّةِ الإسْلامِ
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وقد رَوَى غيرُ واحدٍ هذا الحديثَ، عَن حُصَيْنِ بْنِ عبدِ الرَّحمنِ؛ فَذَكَرَ بعضُهم
في الحديثِ، قال: لَطَمَهَا على وَجْهِهَا .
١٥- باب مَا جَاء في كَرَاهِيَةِ الحَلفِ بِغَيْرٍ مِلَّةِ الإسْلامِ [ت ١٦، م ١٦]
[١٥٤٣] (١٥٤٣) حَدَّثَنَا أحمدُ بْنُ مَنِيع، حَدَّثَنَا إسحاقُ بْنُ يوسفَ الأزْرَقُ، عَن
هِشَامِ الدَّسْتوائيِّ، عَن يَحْيَى بْنِ أبي كثيرٍ، عَن أبي قِلَابَةَ، عَن ثابتِ بْنِ الضَّحَّاكِ،
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَه: ((مَن حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإسلام كاذبًا، فهو كما قَالَ)).
[خ: ١٣٦٣، م: ١١٠، ن: ٣٧٨٠، د: ٣٢٥٧، جه: ٢٠٩٨، حم: ١٥٩٥٠].
قوله: (وهذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه مسلم من طرق.
١٥ - باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَة الحَلفِ بِغِيْرِ ملَّةِ الإسْلامِ
في بعض النسخ: باب ما جاء في كراهية الحلف بغير ملة الإسلام، وفي بعضها: باب
ما جاء فيمن حَلف بملة غيرِ مَّة الإسلام.
[١٥٤٣] قوله: (عن ثابت بن الضحاك) هو: أبو يزيد الأنصاري الخزرجي، كان ممن
بايع تحت الشجرة في بيعة ((الرضوان)) وهو صغير، ومات في فتنة ابن الزبير.
قوله: (من حلف بملَّة) - بكسر الميم، وتشديد اللام - الدين والشريعة، وهي نكرة في
سياق الشرط، فتعُمُّ جميع المللِ كاليهودية والنصرانية، والدهرية ونحوها، (غيرِ الإسلام) -
بالجر - صفة ملة ((كاذبًا)) أي: في حلفه.
(فهو كما قال) قال في ((الفتح)): يحتمل أن يكون المراد بهذا الكلام: التهديد والمبالغة
في الوعيد لا الحكم؛ كأن قال: فهو مُستحِقٌّ مثلَ عذاب من اعتقد ما قال، ونظيره: من ترك
الصلاة فقد كفَرَ، أي: استوجَبَ عقوبة من كفر.
وقال ابن المنذر: ليس على إطلاقه في نسبتهِ إلى الكفرِ، بل المراد: أنه كاذبٌ كذبَ
المعظّم لتلك الجهة.
وقال: اختلف فيمن قال: أكفُرُ بالله - ونحوه - إن فعلتُ، ثُمَّ فعلَ؛ فقال ابن عباس،
وأبو هريرة، وعطاء، وقتادة، وجمهور فقهاء الأمصار: لا كفَّارة عليهِ، ولا يكونُ كافرًا، إلا
إِنْ أضمَرَ ذلك بقلبهِ.

١٣٨
كتاب النذور والأيمان عن رسول الله وَّ / باب مَا جَاء فِي كَرَاهِيَةِ الحَلفِ بِغَيْرِ مِلَّةِ الإسْلام
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وقال الأوزاعي، والثوري، والحنفية، وأحمد، وإسحاق: هو يمينٌ وعليه الكفَّارةُ.
قال ابن المنذر: والأوَّلُ أصحُ، لقوله وَّهَ: ((من حَلَفَ باللَّاتِ والعُزَّى؛ فليقل: لا إله
إلا الله))، ولم يذكر كفارة، زاد غيره: وكذا قال: ((مَنْ حلفَ بملَّةٍ سِوَى الإسلامِ فهوَ كمَا
قالَ)) فأرَادَ التَّغليظَ في ذلك حتى لا يجترئَ أحدٌ عليه.
قال ابن دقيق العيد: الحلف بالشيء حقيقة هو: القَسَمُ به، وإدخال بعض حروف القسم
عليه، كقوله: والله، وقد يطلق على التعليق بالشيء يمينٌ، كقولهم: من حلفَ بالطَّلاقِ،
فالمراد تعليق الطلاق، وأطلق عليه الحلفُ؛ لمُشابهتهِ لليمين في اقتضاءِ الحنثِ أو المنعِ،
وإذا تقرَّرَ ذلك؛ فيحتمل أن يكون المراد: المعنى الثاني، لقوله: ((كاذبًا))، والكذبُ يدخَّلُ
القضيَّةَ الإخباريَّة، التي يقع مقتضاها تارةً، ولا يقع أخرى، وهذا بخلاف قولنا: ((والله)) وما
أشبهه، فليس الإخبار بها عن أمر خارجي، بل هي لإنشاء القسم، فتكون صورة الحلف - هنا
۔ علی وجھین:
أحدهما: أن تتعلق بالمستقبل، كقوله: إن فَعَلَ كذا فهو يهودِي.
والثاني: تتعلق بالماضي، كقوله: إن كان كاذبًا فهو يهوديٌّ، وقد يتعلق بهذا: من لم ير
فيه الكفارة، لكونه لم يذكر فيه كفارة، بل جعَلَ المرتب على كذبه قوله: فهو كما قالَ. قال:
ولا يكفر في صورة الماضي إلا إن قصَدَ التعظيمَ، وفيه خلاف عند الحنفية؛ لكونه تنجيزًا
معنّى، فصارَ كما لو قال: هو يَهُوديٌّ.
ومنهم من قال: إذا كان لا يعلم أنه يمين؛ لم يكفُر، وإن كان يعلم أنَّه يكفر بالحنث به؛
كفَر؛ لكونه رضي بالكفر، حيث أقدم على الفعل.
وقال بعض الشافعية: ظاهر الحديث: أنه يحكم عليه بالكفر إذا كان كاذبًا .
والتحقيق: التفصيل: فإن اعتقد تعظيم ما ذكر - كفَر، وإن قصَدَ حقيقة التَّعليقِ؛ فينظرُ:
فإن كان أرادَ أن يكون مُتَّصِفًا بذلك؛ كفر؛ لأن إرادةَ الكفر كفرٌ، وإن أراد البعدَ عن ذلك؛
لم يكفر، لكن هل يحرم عليه ذلك أو يكره تنزيهًا؟ الثاني: هو المشهور، كذا في ((النيل)).
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة إلا أبا داود.

١٣٩
كتاب النذور والأيمان عن رسول الله وَال﴿ / باب
وقد اختلفَ أهلُ العلم في هذا إذا حَلَفَ الرَّجلُ بمَّةٍ سِوَى الإِسْلَامِ، فَقَالَ: هو
يَهُودِيٌّ أو نَصْرَانِيٍّ إن فَعَلَ كذا وكذا، فَفَعَلَ ذَلِكَ الشَّيء، فقالَ بعضُهم: قد أتَى
عظيمًا، ولا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ؛ وهو: قولُ أهلِ المدينةِ، وبه: يقولُ مالكُ بْنُ أَنَسٍ، وإلى
هذا القولِ ذَهبَ أبو عُبَيْدٍ، وقال بعضُ أهلِ العلمِ مِن أصحاب النبيِّ وَّهِ والتَّابعينَ
وغيرِهم: عليه في ذلك الكَفَّارَةُ، وهو قولُ سفيانَ، وأحمدَ، وإسحاقَ.
١٦ - باب [ت ١٧، م ١٧]
[١٥٤٤] (١٥٤٤) حَدَّثَنَا محمودُ بْنُ غَيْلانَ، حَدَّثَنَا وكيعٌ عَن سفيانَ عَن يَحْيَى بْنِ
سعيدٍ عَنِ عُبَيْدِ الله بْنِ زُحَرِ عَن أبي سعيدِ الرُّعَيْنِيِّ عَن عبدِ الله بْنِ مالكِ اليَحْصِيِّ
عَن عُقبةَ بْنِ عامٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! إنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أنْ تَمْشِي إلى البيتِ
حافِيَةً غير مُخْتَمِرَةٍ. فَقَالَ النبيُّ ◌َلَ: ((إنَّ الله لا يَصْنَعُ بِشَقَاءٍ أُخْتِكَ شيئًا، فَلْتَرْكَبْ
ولْتَخْتَمِرْ وَلْتَصُمْ ثلاثَةَ أَيَّام)). [ضعيف، عبيد الله، ضعّفه أحمد، ووثقه غيره، ن: ٣٨٢٤، د: ٣٢٩٣،
جه: ٢١٣٤، حم: ١٦٨٤٠، مي: ٢٣٣٤].
١٦- بابٌ
[١٥٤٤] قوله: (عن عبيد الله بن زَحرٍ) - بفتح الزاي، وسكون المهملة - الضمري،
مولاهم الإفريقي، صدوق يخطئ من السادسة.
(عن أبي سعيد الرُّعيني) - براء مضمومة، وعين مهملة مصغرًا - اسمه: جُعثُلٌ - بضم
الجيم والمثلثة، بينهما مهملة ساكنة - ابن هاعان - بتقديم الهاء - القِتبَاني - بكسر القاف،
وسكون المثناة بعدها موحدة - المصري: صدوق، فقيه، من الرابعة.
(عن عبد الله بن مالك اليَحصبيّ) - بفتح التحتانية، وسكون المهملة، وفتح الصاد
المهملة، بعدها موحدة - مصري صدوق، من الثالثة.
قوله: (إلى البيت) أي: إلى بيتِ الله (حافيةً) أي: غير منتعلة (إن الله لا يصنع بشقاء
أختك) - بفتح الشين - أي: بتَعَبها ومَشقّتهَا (شيئًا) أي: من الصنع، فإنه منزه من رفع الضرر
وجلب النفع، (فلتركب ولتختمر)، وفي رواية الشيخين: ((لِتَمشِ ولتَركَبْ)) قال الحافظ في
((الفتح)): وإنما أمر الناذر في حديث أنس أن يركبَ جزمًا، وأمر أخت عقبة أن تمشيَ وأنْ

١٤٠
كتاب النذور والأيمان عن رسول الله بَّهَ/ باب مَا جَاء في قضاءِ النَّذْر عَن المَيِّت
قَالَ: وفي البابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ، والعملُ على هذا عندَ أهلِ العِلْمِ، وهو قولُ
أحمدَ وإسحاقَ.
١٧ - باب [ت ١٨، م ١٨]
[١٥٤٥] (١٥٤٥) حَدَّثَنَا إسحاقُ بْنُ منصورٍ، حَدَّثَنَا أبو المُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا
الأوزاعيُّ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَن حُمَيْدِ بْنِ عبدِ الرَّحمنِ عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّ: (مَن حَلَفَ مِنْكُمْ فَقَالَ في حَلِفِه: واللَّات والعُزَّى؛ فَلْيَقُلْ: لا إلهَ
إِلَّا الله. ومن قَالَ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ، فَلْيَتَصَدَّقْ)). [خ: ٤٨٦٠، م: ١٦٤٧، ن: ٣٧٨٤، د: ٣٢٤٧،
جه: ٢٠٩٦، حم: ٨٠٢٦].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وأبو المُغِيرةِ: هو الخَوْلانِيُّ
الحمْصِيُّ، واسمُهُ: عبدُ القُدُّوسِ بْنُ الحَجَّاجِ.
١٨- باب مَا جَاء في قضاءِ النَّذْر عَن الميِّت [ت ١٩، م ١٩]
[١٥٤٦] (١٥٤٦) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَن ابنِ شِهَابٍ، عَن عُبَيْدِ الله بْنِ
عبدِ الله بْنِ عُثْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ اسْتَفْتَى رسول اللهِوَّ فِي نَذْر
كَانَ على أُمِّهِ تُؤُفَِّتْ قَبْلَ أنْ تَقْضِيَهُ؛ فَقَالَ النبيُّ وَ لَّ: ((اقْضِ عنها)). [خ: ٢٧٦١،
م: ١٦٣٨، ن: ٣٨٢٦، د: ٣٣٠٧، جه: ٢١٣٢، حم: ١٨٩٦، طا. ١٠٢٥].
تركبَ؛ لأن الناذر في حديث أنس كان شيخًا ظاهرَ العجزِ، وأختُ عقبة لم توصف بالعجزِ،
فكأنه أمرها أن تمشيَ إن قدرتْ، وتركبَ إن عجزتْ. انتهى.
قلت: حديث أنس الذي أشار إليه الحافظ، قد مرَّ في ((باب من يحلفُ بالمشي، ولا يستطيع)).
١٨ - باب مَا جَاءَ في قَضَاءِ النَّذْرِ عَنِ المَيِّتِ
[١٥٤٦] قوله: (اقضِهِ عنها) فيه دليل على قضاء الحقوق الواجبة عن الميت. وقد ذهب
الجمهور إلى: أنَّ منْ ماتَ وعليه نذرٌ ماليٍّ، فإنه يجب قضاؤُهُ من رأس ماله، وإن لم يُوصِ،
إلَّا إن وقع النذر في مرض الموت، فيكون من الثلث.