Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
كتاب البيوع عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ الْبَيِّعَان بِالخِيارِ مَا لَم يَتَفَرَّقَا
وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، وَسَمُرَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ
عَّاسٍ، حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
(وعبد الله بن عمرو)(١) وأخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي وأحمد. (وسمرة)(٢)
أخرجه النسائي. (وأبي هريرة)(٣) أخرجه أبو داود (وابن عباس) (٤) أخرجه ابن حبان والحاكم
والبيهقي. وفي الباب أيضًا عن جابر أخرجه البزار والحاكم وصححه(٥).
قوله: (حديث ابن عمر حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان.
قوله: (وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق وقالوا: الفرقة بالأبدان لا بالكلام) وبه قال
ابن عمر - ظه - وأبو برزة الأسلمي، قال الحافظ في ((الفتح)): ولا يعرف لهما مخالف من
الصحابة. انتهى.
وهو قول شريح والشعبي وطاوس وعطاء وابن أبي مليكة، ونقل ابن المنذر القول به
أيضًا عن سعيد بن المسيب والزهري وابن أبي ذئب من أهل المدينة، وعن الحسن البصري
والأوزاعي وابن جريج وغيرهم. وبالغ ابن حزم فقال: لا نعلم لهم مخالفًا من التابعين إلا
النخعي وحده، ورواية مكذوبة عن شريح. والصحيح عنه القول به. كذا في ((فتح الباري)).
قلت: هذا القول هو الظاهر الراجح المعول عليه، وقد اعترف صاحب ((التعليق
الممجد)) من الحنفية بأنه أولى الأقوال، حيث قال: ولعل المنصف الغير المتعصب يستيقن
بعد إحاطة الكلام من الجوانب في هذا البحث أن أولى الأقوال هو ما فهمه الصحابيان
الجليلان - يعني: ابن عمر وأبا برزة الأسلمي - ﴿ - وفهم الصحابي إن لم يكن حجة لكنه
أولى من فهم غيره بلا شبهة، وإن كان كل من الأقوال مستندًا إلى حجة. انتهى كلامه.
(وقد قال بعض أهل العلم: معنى قول النبي # ما لم يتفرقا يعني الفرقة بالكلام) وهو
قول إبراهيم النخعي. وبه قال المالكية إلا ابن حبيب والحنفية كلهم. قال ابن حزم: لا نعلم
(١) أخرجه الترمذي، كتاب البيوع. حديث (١٢٤٧)، وأبو داود، كتاب الإجارة، حديث (٣٤٥٦)، والنسائي
كتاب البيوع، حديث (٤٤٨٣)، وأحمد، حديث (٦٧٢١).
(٢) أخرجه النسائي، كتاب البيوع. حديث (٤٤٨١).
(٣) أخرجه الترمذي، كتاب البيوع. حديث (١٢٤٨)، وأبو داود، كتاب البيوع. حديث (٣٤٥٨).
(٤) أخرجه الحاكم (١٧/٢)، حديث (٢١٧٥) وصححه، ووافقه الذهبي وابن حبان (٢٨٢/١١). حديث (٩٤/٤)،
والبيهقي (٥/ ٢٧٠). حديث (١٠٢٢٠).
(٥) انظر ((تلخيص الحبير)) (٢٠/٣).

٤٨٢
كتاب البيوع عن رسول الله ﴿ / باب مَا جَاءَ الْبَيِّعَانِ بِالخِيارِ مَا لَم يَتَفَرَّقَا
وَمَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ ◌َّهِ: إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ، مَعْنَاهُ أنْ يَخَيِّرَ البَائِعُ المُشْترِيَ بَعْدَ
إِيجَابِ البَيْعِ، فَإِذَا خَيَّرَهُ فاخْتَارَ البَيْعَ، فَلَيْسَ لَهُ خِيَارٌ بَعْدَ ذلِكَ في فَسْخِ البَيْعِ، وإن
لَمْ يَتَفَرَّقَا، هكَذَا فَسَّرَهُ الشَّافِعِيُّ وغَيْرُه، ومِمَّا يُقَوِّي قَوْلَ مَن يَقُولُ: الفُرْقَةُ بِالأَبْدَانِ
لا بِالكَلام، حدِيثُ عَبدِ الله بنِ عَمْرٍو عنِ النَّبِيِّ ◌َِّ.
لهم سلفًا إلا إبراهيم وحده، ورواية مكذوبة عن شريح، والصحيح عنه القول به. قال الإمام
محمد في ((مُوَّئه)): وتفسيره عندنا على ما بلغنا عن إبراهيم النخعي أنه قال: المتبايعان
بالخيار ما لم يتفرقا عن منطق البيع إذا قال البائع: قد بعتك فله أن يرجع ما لم يقل الآخر قد
اشتريت، وإذا قال المشتري: قد اشتريت بكذا وكذا له أن يرجع عن قوله اشتريت ما لم يقل
البائع: قد بعت. وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا، انتهى ما في ((الموطإ)).
وقد أطال صاحب ((التعليق الممجد)) هاهنا الكلام وأجاد وأجاب عن كل ما تمسك به
الحنفية، فعليك أن ترجع إليه.
(ومعنى قول النبي (8 $: إلا بيع الخيار. معناه أن يخير البائع المشتري بعد إيجاب البيع.
فإذا خيره فاختار البيع ... إلخ) قد اختلف العلماء في المراد بقوله: إلا بيع الخيار، فقال
الجمهور وبه جزم الشافعي: هو استثناء من امتداد الخيار إلى التفرق.
والمراد أنهما إن اختارا إمضاء البيع قبل التفرق. فقد لزم البيع حينئذٍ وبطل اعتبار
التفرق، فالتقدير: إلا البيع الذي جرى فيه التخاير.
قال النووي: اتفق أصحابنا على ترجيح هذا التأويل، وأبطل كثير منهم ما سواه.
وغلطوا قائله.
ورواية الليث ظاهرة جدًّا في ترجيحه، قيل: هو استثناء من انقطاع الخيار بالتفرق.
وقيل: المراد بقوله: أو يخير أحدهما الآخر، أي: فيشترطا الخيار مدة معينة، فلا
ينقضي الخيار بالتفرق، بل يبقى حتى تمضي المدة. حكاه ابن عبد البر عن أبي ثور ورجح
الأول بأنه أقل في الإضمار، وفيه أقوال أخرى ذكرها الحافظ في ((الفتح)).

٤٨٣
كتاب البيوع عن رسول الله ﴿ / باب مَا جَاءَ الْبَيِّعَانِ بِالخِيارِ مَا لَم يَتَفَرَّقَا
١٢٤١] (١٢٤٧) أَخْبَرَنَا بِذلِكَ قُتَيْبَةُ، عَن سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بنُ سَعدٍ عنِ ابنِ
عَجْلانَ، عَن عَمْرٍو بنِ شُعَيْبٍ، عَن أبيهٍ، عَن جَدِّهِ، أنَّ رَسُوْلَ الله ◌ِ هِ قَالَ: ((الْبَيِّعَانِ
بالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، إلّا أنْ تَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ، ولا يَحِلُّ لَهُ أنْ يُفَارِقَ صَاحِبَهُ خَشْيَةَ
أنْ يَسْتَقِيلَهُ)). [ن: ٤٤٩٥، د: ٣٤٥٦، حم: ٦٦٨٢].
[١٢٤٧] قوله: (إلا أن تكون صفقة خيار) بالرفع على أن تكون ((كان)) تامة، والتقدير:
إلا أن توجد أو تحدث صفقة خيار، وبالنصب على أن كان ناقصة واسمها مضمر وخبرها
صفقة خيار، والتقدير: إلا أن تكون الصفقة صفقة خيار. والمراد أن المتبايعين إذا قال
أحدهما لصاحبه: اختر إمضاء البيع أو فسخه فاختار أحدهما؛ تم البيع وإن لم يتفرقا. قاله
الشوكاني.
وقال القاري في ((المرقاة)): والمعنى أن المتبايعين ينقطع خيارهما بالتفرق إلا أن يكون
البيع بيعًا شرط فيه الخيار. وتفسير القاري هذا خلاف ما فسر به الشوكاني وكلاهما محتمل.
وقد تقدم اختلاف أهل العلم في تفسير إلا بيع الخيار وقال الطّبي: الإضافة في صفقة خيار
للبيان، فإن الصفقة يجوز أن تكون للبيع أو للعهد. انتهى.
وقال في ((النهاية)): إن أكبر الكبائر أن تقاتل أهل صفقتك، هو أن يعطي الرجل الرجل
عهده وميثاقه ثم يقاتله؛ لأن المتعاهدين يضع أحدهما يده في يد الآخر كما يفعل المتبايعان،
وهي المرة من التصفيق باليدين. انتهى.
(ولا يحل) أي: في الورع، قاله القاري. (له) أي: لأحد المتعاقدين. (أن يفارق
صاحبه) أي: بالبدن (خشية أن يستقيله) بالنصب على أنه مفعول له، واستدل بهذا القائلون
بعدم ثبوت خيار المجلس. قالوا: لأن في هذا الحديث دليلًا على أن صاحبه لا يملك
الفسخ إلا من جهة الاستقالة. وأجيب: بأن الحديث حجة عليهم لا لهم. ومعناه لا يحل له
أن يفارقه بعد البيع خشية أن يختار فسخ البيع، فالمراد بالاستقالة فسخ النادم منهما للبيع،
وعلى هذا حمله الترمذي وغيره من العلماء، قالوا: ولو كانت الفرقة بالكلام لم یکن له خيار
بعد البيع، ولو كان المراد حقيقة الاستقالة لم تمنعه من المفارقة؛ لأنها لا تختص بمجلس
العقد. وقد أثبت في أول الحديث الخيار، ومده إلى غاية التفرق. ومن المعلوم أن من له
الخيار لا يحتاج إلى الاستقالة فتعين حملها على الفسخ. وحملوا نفي الحل على الكراهة؛
لأنه لا يليق بالمروءة وحسن معاشرة المسلم، لا أن اختيار الفسخ حرام. انتهى.

٤٨٤
كتاب البيوع عن رسول الله {# / باب
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَمَعْنَى هذَا، أنْ يُفَارِقَهُ بِعْدَ البَيْع، خَشِيَةَ أنْ
يَسْتَقِيلَهُ، ولَوْ كانَتِ الفُرْقَةُ بِالكلام، ولمْ يكُنْ لَهُ خِيارٌ بَعْدَ البَيْعِ، لَمْ يَكُنْ لِهذَا
الحَدِيثِ مَعنى، حَيْثُ قَالَ وَلِهِ: ((وَلاَ يَحِلُّ لَهُ أنْ يُفَارِقَهُ خَشْيَةَ أنْ يَسْتَقِيلَهُ)).
٢٧ - باب [ت٢٧، م٢٧]
[١٢٤٨] (١٢٤٨) حَدَّثَنَا نَصْرُ بنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو أحْمَدَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بِنُ أَيُّوبَ
وهو البجليُّ الكوفيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أبَا زُرْعَةَ بنَ عَمْرو بنِ جريرٍ يُحَدِّثُ عَن أبي هُرَيْرَةَ،
عنِ النَّبِيِّ وَ ﴿ قَالَ: ((لا يَتَفَرَقَنَّ عَن بَيْع إلَّا عَن تَرَاضٍ)). [٥: ٣٤٥٨، حم بنحوه: ١٠٥٣٩].
قلت: الأمر كما قال الشوكاني. وبهذا اندفع قول القاري في ((المرقاة)) بأنه دليل صريح
لمذهبنا؛ لأن الإقالة لا تكون إلا بعد تمام العقد. ولو كان له خيار المجلس لما طلب من
صاحبه الإقالة، ووجه الاندفاع ظاهر من كلام الشوكاني. وبكلامه أيضًا صحة قول المظهر
بأن المراد من الاستقالة طلب الفسخ لا حقيقة الإقالة، وهي دفع العاقدين البيع بعد لزومه
بتراضيهما، أي: لا ينبغي للمتقي أن يقوم من المجلس بعد العقد ويخرج من أن يفسخ العاقد
الآخر البيع بخيار المجلس؛ لأن هذا يشبه الخديعة. انتهى. ووجه صحة كلامه أيضًا ظاهر
من كلام الشوكاني.
(هذا حديث حسن) قال في ((المنتقى)) بعد ذكره: رواه الخمسة إلا ابن ماجه. ورواه
الدارقطني وفي لفظ: حتى يتفرقا من مكانهما(١).
قوله: (ومعنى هذا أن يفارقه ... إلخ) وكذا قال غير الترمذي من أهل العلم كما عرفت
في كلام الشوكاني.
٢٧ - باب
[١٢٤٨] قوله: (سمعت أبا زرعة بن عمرو) بن جرير البجلي الكوفي روى عن جده
جرير وأبي هريرة، من ثقات علماء التابعين.
قوله: (لا يتفرقن عن بيع إلا عن تراض). وفي رواية أبي داود. (لا يفترقن اثنان إلا عن
تراض). قال الطيبي: قوله عن تراض صفة مصدر محذوف والاستثناء متصل، أي: لا يتفرقن
اثنان إلا تفرقًا صادرًا عن تراض. انتهى.
(١) أخرجه الدار قطني (٥٠/٣)، حديث (٢٠٧).

٤٨٥
كتاب البيوع عن رسول الله /# / باب
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حدِيثٌ غَرِيبٌ.
[١٢٤٩] (١٢٤٩) حَدَّثَنَا عَمْرُو بنُ حَفْصِ الشّيْبَانيُّ، حَدَّثَنَا ابنُ وَهْبٍ عنِ ابن
جُرَيجٍ، عَن أبي الزُّبَيْرِ عَن جَابِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ وَهُ خَّرَ أَعْرَابِيًّا بَعْدَ الْبَيْعِ، وَهَذَا حَدِيثٌ
حسنٌ غَرِيبٌ. [جه بنحوه: ٢١٨٤].
قال القاري: المراد بالحديث - والله تعالى أعلم - أنهما لا يتفرقان إلا عن تراض بينهما
فيما يتعلق بإعطاء الثمن وقبض المبيع وإلا فقد يحصل الضرر والضرار، وهو منهي في
الشرع، أو المراد منه أن يشاور مريد الفراق صاحبه ألك رغبة في المبيع؟ فإن أريد الإقالة
أقاله، فيوافق الحديث الأول، يعني الحديث الآتي في هذا الباب. وهذا نهي تنزيه للإجماع
على حل المفارقة من غير إذن الآخر ولا علمه. انتهى. وقال: قال الأشرف: وفيه دليل على
ثبوت خيار المجلس لهما وإلا فلا معنى لهذا القول. انتهى.
قلت: قد فهم راوي الحديث عن أبي هريرة منه ثبوت خيار المجلس وهو أبو زرعة بن
عمرو ففي ((سنن أبي داود)): حدّثنا محمد بن حاتم الجرجرائي قال مروان الفزاري: أخبرنا
عن يحيى بن أيوب قال كان أبو زرعة إذا بايع رجلًا خيره، قال: ثم يقول: خيرني فيقول:
سمعت أبا هريرة يقول الحديث(١).
قوله: (هذا حديث غريب) وأخرجه أبو داود وسكت عنه. قال المنذري وأخرجه
الترمذي ولم يذكر أبا زرعة، وقال: هذا حديث غريب. انتهى كلام المنذري.
قلت: قد ذکر الترمذي أبا زرعة لکنه لم یذکر قوله الذي ذكره أبو داود في روايته.
[١٢٤٩] قوله: (خير أعرابيًا بعد البيع) أي: بعد تحققه بالإيجاب والقبول. قال الطيبي:
ظاهره يدل على مذهب أبي حنيفة؛ لأنه لو كان خيار المجلس ثابتًا بالعقد كان التخيير عبئًا .
والجواب: أن هذا مطلق يحمل على المقيد كما سبق في الحديث الأول من الباب.
انتھی.
أراد بالحديث الأول حديث ابن عمر: المتبايعان كل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا
إلا بيع الخيار.
قوله: (وهذا حديث حسن غريب) وقال صاحب ((المشكاة)) بعد ذكر هذا الحديث: رواه
(١) أخرجه أبو داود، كتاب البيوع. حديث (٣٤٥٨).

٤٨٦
كتاب البيوع عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ فِيمَنْ يُخْدَعُ في البَيْعِ
٢٨- باب مَا جَاءَ فِيمَنْ يُخْدَعُ في البَيْعِ [ت٢٨، ٢٨٢]
[١٢٥٠] (١٢٥٠) حَدَّثَنَا يُوسُفُ بنُ حَمَّادِ البَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا عِبْدُ الأعَلى بنُ
عَبْدِ الأعْلَى عَن سَعِيدٍ، عَن قَتَادَةَ، عَن أَنَسٍ، أنَّ رَجُلًا كَانَ في عُقْدَتِهِ ضَعْفٌ، وَكانَ
يُبَايِعُ، وَأن أهْلَهُ أتَوُا النَّبِيَّ وَّهِ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله احْجُرْ عَلَيْهِ، فَدَعَاهُ نبِيُّ الله ◌َّلـ
فَنَهَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله إنِّي لا أصْبرُ عَنِ البَيْعِ، فَقَالَ: ((إذَا بَايَعْتَ فَقُل: هَاءَ وَهَاءَ
وَلا خِلابَةَ)). [خ بنحوه: ٢١١٧، م بنحوه: ١٥٣٣، ن: ٤٤٩٧، د: ٣٥٠١، جه: ٢٣٥٤، حم: ١٢٨٦٣].
الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح غريب. وقال القاري: و((حسن)) غير موجود في
بعض النسخ.
٢٨ - باب مَا جَاءَ فِيمَنْ يُخْدَعُ في البَيعِ
[١٢٥٠] قوله: (أن رجلاً كان في عقدته) قال في ((النهاية)) أي: في رأيه ونظره في
مصالح نفسه. انتهى. وكان اسم ذلك الرجل حبان بن منقذ بفتح الحاء المهملة والموحدة
الثقيلة (ضعف) أي: كان ضعيف العقل والرأي. (أحجر عليه) بضم الجيم أمر من الحجر
وهو المنع من التصرف ومنه حجر القاضي على الصغير والسفيه إذا منعهما من التصرف من
مالهما. كذا في ((النهاية)).
(فنهاه) أي: عن المبايعة. (فقل هاء وهاء) تقدم ضبطه وتفسيره في باب الصرف (ولا
خلابة) بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام، أي: لا خديعة ولا لنفي الجنس، أي لا خديعة
في الدين؛ لأن الدين النصيحة.
قال النووي: واختلف العلماء في هذا الحديث فجعله بعضهم خاصًّا في حقه، وأن
المغابنة بين المتبايعين لازمة، لا خيار للمغبون بسببها سواء قلت أو كثرت. وهذا مذهب
الشافعي وأبي حنيفة وآخرين وهي أصح الروايتين عن مالك. وقال البغداديون من المالكية:
للمغبون الخيار لهذا الحديث بشرط أن يبلغ الغبن ثلث القيمة، فإن كان دونه فلا. والصحيح
الأول؛ لأنه لم يثبت أن النبي ◌ّل﴿ أثبت له الخيار، وإنما قال له: قل: لا خلابة، أي: لا
خديعة، ولا يلزم من هذا ثبوت الخيار؛ ولأنه لو ثبت أو أثبت له الخيار كانت قضية عين لا
عموم لها، فلا ينفذ منه إلى غيره إلا بدليل. انتهى.

٤٨٧
كتاب البيوع عن رسول الله ◌َ﴿﴿ / باب مَا جَاءَ في المُصَرَّاة
قَالَ أبُو عِيْسَى: وفِي البَابِ عَنِ ابنِ عمَرَ.
وحَدِيثُ أنَسِ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غِرِيبٌ، وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ عِنْدَ بَعْضٍ
أهْلِ العِلْمِ، وَقَالُوا: الحَجْرُ عَلَى الرَّجلِ الحُرِّ في البَيْعِ وَالشِّرَاءِ إذَا كانَ ضَعِيفَ
العَقْلِ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ، وإِسْحَاقَ، وَلَمْ يَرَ بَعْضُهُمْ أنْ يُحْجَرَ عَلَى الحُرِّ البَالِغِ.
٢٩ - باب مَا جَاءَ في الْمُصَرَّاة [ت٢٩، ٢٩٢]
[١٢٥١] (١٢٥١) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا وَكيعٌ عَنِ حَمَّادِ بنِ سَلَمَةَ، عَن
مُحَمَّدٍ بنِ زِيَادٍ عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((مَنِ اشْتَرَى مُصَرَّاةً فَهُوَ بالخِيَارِ
إِذَا حَلَبَهَا ،
قوله: (وفي الباب عن ابن عمر)(١) أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.
قوله: (حديث أنس حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه
وسكت عنه أبو داود والمنذري. قوله: (والعمل على هذا الحديث عند بعض أهل العلم.
وقالوا: الحجر على الرجل الحر ... إلخ) واستدلوا بحديث أنس المذكور، وجه
الاستدلال: أن أهل ذلك الرجل الذي كان في عقدته ضعف لما قالوا: يا رسول الله، احجر
عليه. لم ينكر عليهم، فلو كان الحجر على الحر البالغ لا يصح لأنكر عليهم. واستدل أيضًا
بهذا الحديث من لم يقل بالحجر على الحر البالغ بأنه (58 8* لم يحجر على ذلك الرجل، فلو
كان الحجر على الحر البالغ جائزًا لحجر على ذلك ومنعه من البيع، فتأمل.
٢٩ - باب مَا جَاءَ فيِ المُصَرَّاةِ
اسم مفعول من التصرية، قال في ((النهاية)): المصراة الناقة أو البقرة أو الشاة يصرى
اللبن في ضرعها، أي: يجمع ويحبس. انتهى. يعني لتبلغ كذلك ويغتر بها المشتري ويظن
أنها لبون فيزيد في الثمن.
[١٢٥١] قوله: (فهو بالخيار إذا حلبها) وفي رواية للشيخين: بعد أن يحلبها. قال
الحافظ: ظاهر الحديث أن الخيار لا يثبت إلا بعد الحلب، والجمهور على أنه إذا علم
(١) أخرجه البخاري، كتاب البيوع. حديث (٢١١٧)، ومسلم، كتاب البيوع. حديث (١٥٣٣)، وأبو داود، كتاب
البيوع. حديث (٣٥٠٠) والنسائي، كتاب البيوع. حديث (٤٤٨٤).

٤٨٨
كتاب البيوع عن رسول الله ◌َ﴿﴿ / باب مَا جَاءَ في الْمُصَرَّاة
إِنْ شَاءَ رَدَّهَا ورَدَّ مَعَها صَاعًا مِن تَمْرٍ)). [خ: ٢١٤٨، م: ١٥٢٤، ن: ٤٥٠٠، د: ٣٤٤٥،
حم: ٧٦٤١، طا بنحوه: ١٣٩١].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وفي البَابِ عَن أَنَسٍ وَرَجُلٍ مِن أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َرِ.
[١٢٥٢] (١٢٥٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بنُ خالِدٍ
عَن مُحَمَّدٍ بنِ سِيرِينَ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، عنِ النَّبِيِّ وَلِ قَالَ: ((مَنِ اشْتَرَى مُصرَّةً فَهُوَ
بِالخِيَارِ ثَلاثَةَ أيَّام، فإنْ رَدَّهَا رَدَّ مَعَهَا صَاعًا من طَعَامِ، لا سَمْرَاءَ))،
بالتصرية ثبت له الخيار ولو لم يحلب، لكن لما كانت التصرية لا تعرف غالبًا إلا بعد الحلب
ذكر قيدًا في ثبوت الخيار، فلو ظهرت التصرية بغير الحلب فالخيار ثابت. (إن شاء ردها ورد
معها صاعًا من تمر) أي: عوضًا عن لبنها؛ لأن بعض اللبن حَدَثَ في ملك المشتري، وبعضه
كان مبيعًا، فلعدم تمييزه امتنع رده ورد قيمته: فأوجب الشارع صاعًا قطعًا للخصومة من غير
نظر إلى قلة اللبن وكثرته. كذا في ((المرقاة)).
قوله: (وفي الباب عن أنس)(١) أخرجه أبو يعلى.
(ورجل من أصحاب النبي {8})(٢) أخرجه أحمد بإسنادصحيح. وفي الباب أيضًا عن ابن
عمر (٣) أخرجه أبو داود والطبراني، وعن عمر بن عوف المزني أخرجه البيهقي في
((الخلافيات)). كذا في ((فتح الباري)).
[١٢٥٢] قوله: (فهو بالخيار ثلاثة أيام) فيه دليل على امتداد الخيار هذا المقدار، فتقيد
بهذه الرواية الروايات القاضية بأن الخيار بعد الحلب على الفور، كما في قوله: ((بعد أن
يحلبها».
(فإن ردها رد معها صاعًا من طعام لا سمراء) قال الحافظ: تحمل الرواية التي فيها
الطعام على التمر. وقد روى الطحاوي(٤) من طريق أيوب عن ابن سيرين أن المراد بالسمراء
الحنطة الشامية.
(١) أخرجه أبو يعلى (١٥٤/٥). حديث (٢٧٦٧).
(٢) أخرجه أحمد. حديث (١٨٣٤٠).
(٣) أخرجه أبو داود، كتاب البيوع. حديث (٣٤٤٦)، والطبراني في «الأوسط)) (٣٥/٧). حديث (٦٧٧١).
(٤) أخرجه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٩/٤).

٤٨٩
كتاب البيوع عن رسول الله ﴿ / باب مَا جَاءَ في الْمُصَرَّاة
ومعنى قوله: ((لا سمراء)): يعني: لا بُرَّ. [م: ١٥٢٤، ن: ٤٥٠١، د: ٣٤٤٤، جه: ٢٢٣٩، حم:
١٠٢٠٨، مي: ٢٥٥٣].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذَا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وَالعمَلُ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ عِنْدَ
أصْحَابِنَا، مِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وإِسْحَاقُ.
وروى ابن أبي شيبة وأبو عوانة من طريق هشام بن حسان عن ابن سيرين: لا سمراء
يعني الحنطة، وروى ابن المنذر من طريق ابن عون عن ابن سيرين أنه سمع أبا هريرة يقول:
لا سمراء تمر ليس ببر. فهذه الروايات تبين أن المراد بالطعام التمر. ولما كان المتبادر إلى
الذهن أن المراد بالطعام القمح نفاه بقوله لا سمراء (١). انتهى.
قوله: (معنى لا سمراء: لا بر) بضم الموحدة وتشديد الراء وهي الحنطة.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم.
قوله: (والعمل على هذا الحديث عند أصحابنا منهم الشافعي وأحمد وإسحاق) قال
الحافظ في ((الفتح)): قد أخذ بظاهر هذا الحديث - يعني: حديث أبي هريرة المذكور -
جمهور أهل العلم وأفتى به ابن مسعود وأبو هريرة ولا مخالف لهم من الصحابة، وقال به من
التابعين ومن بعدهم من لا يحصى عدده، ولم يفرقوا بين أن يكون اللبن الذي احتلب قليلًا
أو كثيرًا. ولا بين أن يكون التمر قوت تلك البلد أم لا .
وخالف في أصل المسألة أكثر الحنفية وفي فروعها أكثرون. أما الحنفية فقالوا: لا يرد
بعيب التصرية ولا يجب رد صاع من التمر، وخالفهم زفر فقال بقول الجمهور إلا أنه قال:
يتخير بين صاع تمر أو نصف صاع بر، وكذا قال ابن أبي ليلى وأبو يوسف في رواية، إلا
أنهما قالا: لا يتعين صاع التمر بل قيمته.
واعتذر الحنفية عن الأخذ بحديث المصراة بأعذار شتى، فمنهم من طعن في الحديث
بكونه من رواية أبي هريرة ولم يكن كابن مسعود وغيره من فقهاء الصحابة، فلا يؤخذ بما
رواه مخالفًا للقياس الجلي، وهو كلام آذى قائله به نفسه، وفي حكايته غنى عن تكلف الرد
عليه، وقد ترك أبو حنيفة القياس الجلي لرواية أبي هريرة وأمثاله كما في الوضوء بنبيذ التمر،
ومن القهقهة في الصلاة وغير ذلك.
(١) انظر ((فتح الباري)) (٤/ ٣٦٤).

٤٩٠
كتاب البيوع عن رسول اللّه ◌َإ﴿ / باب مَا جَاءَ في المُصَرَّاة
وأظن أن لهذه النكتة أورد البخاري حديث ابن مسعود عقب حديث أبي هريرة إشارة منه
إلى أن ابن مسعود قد أفتى بوفق حديث أبي هريرة، فلولا أن خبر أبي هريرة في ذلك ثابت
لما خالف ابن مسعود القياس الجلي في ذلك، وقد اختص أبو هريرة بمزيد من الحفظ لدعاء
رسول الله ﴾ له.
ثم مع ذلك لم ينفرد أبو هريرة برواية هذا الأصل فقد أخرجه أبو داود من حديث ابن
عمر - ظُبه - وأخرجه الطبراني من وجه آخر عنه، وأبو يعلى من حديث أنس، وأخرجه
البيهقي في ((الخلافيات)) من حديث عمرو بن عوف المزني، وأخرجه أحمد من رواية رجل
من الصحابة لم يسم، وقال ابن عبد البر: هذا الحديث مجمع على صحته وثبوته من جهة
النقل، واعتل من لم يأخذ به بأشياء لا حقيقة لها، ومنهم من قال: هو حديث مضطرب لذكر
التمر فيه تارة والقمح أخرى، واللبن أخرى واعتباره بالصاع تارة وبالمثل أو المثلين تارة
وبالإناء أخرى.
والجواب: أن الطرق الصحيحة لا اختلاف فيها، والضعيف لا يعل به الصحيح.
ومنهم من قال: وهو معارض لعموم القرآن كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا
عُوفِيْتُم بِهِءٌ﴾ [النحل: ١٢٦] وأجيب بأنه من ضمان المتلفات لا العقوبات، والمتلفات تضمن
بالمثل وبغير المثل.
ومنهم من قال: هو منسوخ، وتعقب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، ولا دلالة على
النسخ مع مدعيه. كذا في ((فتح الباري)) وقد بسط الحافظ فيه الكلام في هذا المقام بسطًا
حسنًا وأجاد.
وقال الحافظ ابن القيم في ((أعلام الموقعين)): المثال العشرون: رد المحكم الصحيح
الصريح في مسألة المصراة بالمتشابه من القياس، وزعمهم أن هذا يخالف الأصول فلا يقبل،
فيقال: الأصول كتاب الله وسنة رسوله وإجماع أمته والقياس الصحيح الموافق للكتاب والسنة،
فالحديث الصحيح أصل بنفسه فكيف يقال: الأصل يخالف نفسه؟ هذا من أبطل الباطل،
والأصول في الحقيقة اثنان لا ثالث لهما: كلام الله وكلام رسوله، وما عداهما فمردود إليهما،
فالسنة أصل قائم بنفسه والقياس فرع، فكيف يرد الأصل بالفرع؟ وقد تقدم بيان موافقة حديث
المصراة للقياس، وإبطال قول من زعم أنه خلاف القياس ويالله العجب؛ كيف وافق الوضوء
بالنبيذ المشتد للأصول حتى قبل؟ وخالف خبر المصراة للأصول حتى رد؟ انتهى.

٤٩١
كتاب البيوع عن رسول الله وَلي / باب مَا جَاءَ في المُصَرَّة
قلت: قد أطال الحافظ ابن القيم في هذا الكتاب في إبطال قول من زعم أنه خلاف
القياس فعليك أن ترجع إليه.
تنبيه: قال صاحب ((العرف الشذي)): أما ما ذكر صاحب ((المنار)) وغيره من أن حديث
المصراة يرويه أبو هريرة وهو غير فقيه، ورواية الذي ليس بفقيه غير معتبر إذا كانت خلاف
القياس، والقياس يقتضي بالفرق بين اللبن القليل والكثير، ولبن الناقة أو الشاة أو البقرة
وغيرها من الأقيسة، فأقول: إن مثل هذا قابل الإسقاط من الكتب فإنه لا يقول به عامل،
وأيضًا هذه الضابطة لم ترد عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ولكنها منسوبة إلى عيسى بن
أبان. انتهى كلام صاحب ((العرف الشذي)) بلفظه.
قلت: وكذلك كثير من الضوابط والمسائل المذكورة في كتب الحنفية المنسوبة إلى الإمام
أبي حنيفة قابلة للإسقاط من الكتب الحنفية؛ فإنها لم ترد عنه رحمه الله، بل هي منسوبة إليه
بلا دليل، وشأنه أعلى وأجل أن يقول بها .
تنبيه آخر: قال صاحب ((العرف الشذي)»: أول من أجاب الطحاوي فعارض الحديث
وأتى بحديث الخراج بالضمان وسنده قوي، أقول: إن هذا الجواب ليس بذاك القوي. انتهى
كلام صاحب ((العرف الشذي)) بلفظه. ثم بسط في تضعيف جواب الطحاوي هذا وتوهينه.
قلت: لا شك في أن جواب الطحاوي هذا ضعيف وواه، وقد زعم الطحاوي رحمه الله
أن حديث الخراج بالضمان(١) ناسخ لحديث المصراة، وهذا زعم فاسد. قال الحافظ في
((الفتح)): وقيل إن ناسخه حديث الخراج بالضمان، وهو حديث أخرجه أصحاب ((السنن)) عن
عائشة، ووجهة الدلالة منه أن اللبن فضلة من فضلات الشاة، ولو هلكت لكان من ضمان
المشتري، فكذلك فضلاتها تكون له فكيف يغرم بدلها للبائع، حكاه الطحاوي أيضًا. وتعقب
بأن حديث المصرَّاة أصلح منه باتفاق، فكيف يقدم المرجوح على الراجح؟ ودعوى كونه بعده
لا دليل عليها وعلى التنزيل، فالمشتري لم يؤمر بغرامة ما حدث في ملكه بل بغرامة اللبن
الذي ورد عليه العقد ولم يدخل في العقد، فليس بين الحديثين على هذا تعارض. انتهى كلام
الحافظ .
وقال قبل هذا ما لفظه: ومنهم من قال هو منسوخ وتعقب بأن النسخ لا يثبت
(١) أخرجه الترمذي، كتاب البيوع. حديث (١٢٨٥).

٤٩٢
كتاب البيوع عن رسول الله ﴿﴿ / باب مَا جَاءَ في اشْتراط ظهْرِ الدَّابِ عِنْدَ البيع
٣٠- باب مَا جَاءَ في اشتراط ظهْرِ الدَّابةِ عِنْدَ البيْع [ت٣٠، م٣٠]
[١٢٥٣] (١٢٥٣) حَدَّثَنَا ابنُ أبي عُمَرَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَن زَكَرِيًّا، عنِ الشَّعْبي،
عَن جَابِرِ بنِ عبدِ الله، أنَّهُ بَاعَ مِنَ النَّبِيِّ بَّهِ بَعِيرًا، واشْتَرطَ ظَهْرَهُ إِلَى أَهْلِهِ. [خ مطولًا:
٢٩٦٧، م مطولًا: ٧١٥، د بنحوه: ٣٥٠٥].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وقَدْ رُوِيَ مِن غَيْرٍ وَجْهٍ عَن جَابٍ، وَالعَمَلُ عَلَى هذَا عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلمِ مِن
أصْحَابِ النَّبِيِّ نَّهِ وَغَيْرِهِم: يَرَوْنَ الشَّرْطَ في البَيْعِ جَائِزًا، إذَا كانَ شرْطًا وَاحِدًا،
وهو قَوْلُ أحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ. وقَالَ بَعْضُ أهْلِ العلمِ: لا يَجُوزُ الشَّرْطُ فِي الْبَيْعِ، وَلا
يَتِّمُّ الْبَيْعُ إِذَا كَانَ فِيهِ شَرْطٌ.
بالاحتمال، ولا دلالة على النسخ مع مدعيه؛ لأنهم اختلفوا في الناسخ، ثم ذكر الحافظ
الأحاديث التي زعموا أنها ناسخة وأجاب عنها جوابًا شافيًا، إن شئت الوقوف عليها فارجع
إلى ((فتح الباري)).
٣٠- باب ما جاء في اشْتِراطٍ ظَهرِ الدَّابَّةِ عندَ البَيْعِ
[١٢٥٣] قوله: (واشترط ظهره إلى أهله) وفي رواية لـ ((الصحيحين)) واستثنيت حملانة
إلى أهلي بضم الحاء المهملة والمراد الحمل عليه.
قال الشوكاني: وهو يدل على جواز البيع مع استثناء الركوب. وبه قال الجمهور،
وجوزه مالك إذا كانت مسافة السفر قريبة وحدَّها بثلاثة أيام. وقال الشافعي وأبو حنيفة
وآخرون: لا يجوز ذلك سواء قلَّت المسافة أو كثرت، واحتجوا بحديث النهي عن بيع
وشرط، وحديث النهي عن الثنيا. وأجابوا عن حديث الباب بأنه قصة عين تدخلها
الاحتمالات. ويجاب بأن حديث النهي عن بيع وشرط مع ما فيه من المقال هو أعم من
حديث الباب مطلقًا فيبنى العام على الخاص. وأما حديث النهي عن الثنيا فقد تقدم تقييده
بقوله: إلا أن يعلم. انتهى كلام الشوكاني. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه
الشيخان.

٤٩٣
كتاب البيوع عن رسول الله ◌َ# / باب ما جاء في الانْتِفَاعِ بالرَّهْن
٣١- باب ما جاء في الانْتِفَاعِ بالرَّهْن [٣١٥، ٣١٢]
[١٢٥٤] (١٢٥٤) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ويُوسُفُ بنُ عِيسى قالا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَن
زَكَرِيًّا، عَن عَامِرٍ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((الظهْرُ يُرْكَبُ إذَا كَانَ
مَرْهُونَا، ولَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ إذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَب وَيَشْرَبُ، نَفَقَتُهُ».
[خ: ٢٥١١، د: ٣٥٢٦، جه: ٢٤٤٠، حم: ٩٧٦٠].
٣١ - باب ما جاء في الانتِفَاعِ بالزَّهْنِ
أي: بالشيء المرهون.
[١٢٥٤] قوله: (الظهر يركب) بصيغة المجهول، وكذلك يشرب وهو خبر بمعنى الأمر.
والمراد من الظهر ظهر الدابة، وقيل: الظهر الإبل القوي، يستوي فيه الواحد والجمع
(ولبن الدر) بفتح المهملة وتشديد الراء، مصدر بمعنى الدارة أي: ذات الضرع. وقوله: لبن
الدر من إضافة الشيء إلى نفسه، كقوله تعالى: ﴿وَحَبَّ اٌلَْصِيدِ﴾ [قَ: ٩]. قاله الحافظ.
(وعلى الذي يركب ويشرب نفقته) أي: كائنًا من كان، هذا ظاهر الحديث. وفيه حجة
لمن قال يجوز للمرتهن الانتفاع بالرهن إذا قام بمصلحته ولو لم يأذن له المالك. وهو قول
أحمد وإسحاق، وطائفة قالوا: أينتفع المرتهن من الرهن بالركوب والحلب بقدر النفقة ولا
ينتفع بغيرهما لمفهوم الحديث.
وأما دعوى الإجمال فيه فقد دل بمنطوقه على إباحة الانتفاع في مقابلة الإنفاق، وهذا
يختص بالمرتهن؛ لأن الحديث وإن كان مجملًا لكنه يختص بالمرتهن؛ لأن انتفاع الراهن
بالمرهون لكونه مالك رقبته لا لكونه منفقًا عليه، بخلاف المرتهن.
وذهب الجمهور إلى أن المرتهن لا ينتفع من المرهون بشيء. وتأولوا الحديث لكونه ورد
على خلاف القياس من وجهين: أحدهما: التجويز لغير المالك أن يركب ويشرب بغير إذنه،
والثاني: تضمينه ذلك بالنفقة لا بالقيمة.
قال ابن عبد البر: هذا الحديث عند جمهور الفقهاء يرده أصول مجمع عليها وآثار ثابتة
لا يختلف في صحتها. ويدل على نسخه حديث ابن عمر: لا تحلب ماشية امرئ بغير إذنه:
رواه البخاري(١). انتهى.
(١) أخرجه البخاري، كتاب اللقطة. حديث (٢٤٣٥).

٤٩٤
كتاب البيوع عن رسول الله 18َ / باب ما جاء في الانْتِفَاعِ بالرَّهْن
وقال الشافعي: يشبه أن يكون المراد من رهن ذات در وظهر لم يمنع الراهن من درها
وظهرها، فهي محلوبة ومركوبة له كما كانت قبل الرهن. واعترضه الطحاوي(١) بما رواه
هشيم عن زكريا في هذا الحديث، ولفظه: إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها.
الحديث، قال: فتعين أن المراد المرتهن لا الراهن، ثم أجاب عن الحديث بأنه محمول على
أنه كان قبل تحريم الربا فلما حرم الربا ارتفع ما أبيح في هذا للمرتهن، وتعقب بأن النسخ لا
يثبت بالاحتمال، والتاريخ في هذا متعذر، والجمع بين الأحاديث ممكن.
وقد ذهب الأوزاعي والليث وأبو ثور إلى حمله على ما إذا امتنع الراهن من الإنفاق على
المرهون فيباح حينئذ للمرتهن الإنفاق على الحيوان حفظًا لحياته ولإبقاء المالية فيه، وجعل
له في مقابلة نفقته الانتفاع بالركوب أو بشرب اللبن، بشرط ألا يزيد قدر ذلك أو قيمته على
قدر علفه، وهي من جملة مسائل الظفر. كذا أفاد الحافظ في ((فتح الباري)).
قلت: حمل الحديث على ما إذا امتنع الراهن من الإنفاق على المرهون خلاف الظاهر.
وقال في ((سبل السلام)): إنه تقييد للحديث بما لم يقيد به الشارع. وأما قول ابن عبد البر يدل
على نسخه حديث ابن عمر: لا تحلب ماشية امرئ بغير إذنه. ففيه ما قال الحافظ في جواب
الطحاوي من أن النسخ لا يثبت بالاحتمال، والتاريخ في هذا متعذر، والجمع بين الحديثين
ممکن.
وقال في ((السبل)): أما النسخ فلا بد له من معرفة التاريخ على أنه لا يحمل عليه إلا إذا
تعذر الجمع، ولا تعذر هنا إذ يخص عموم النهي بالمرهونة. انتهى. وأما قوله بأن الحديث
يرده أصول مجمع عليها وآثار ثابتة، ففيه إن هذا الحديث أيضًا أصل من أصول الشريعة.
والجمع بين هذا الأصل وتلك الأصول المجمع عليها وتلك الآثار الثابتة التي أشار إليها
ممكن. وأما قول الجمهور بأن الحديث ورد على خلاف القياس من وجهين إلخ. ففيه ما قال
الحافظ ابن القيم في ((أعلام الموقعين)). ومن ذلك قول بعضهم: إن الحديث الصحيح وهو
قوله الرهن مركوب ومحلوب، وعلى الذي يركب ويحلب النفقة على خلاف القياس فإنه جوز
لغير المالك أن يركب الدابة ويحلبها وضمنه ذلك بالنفقة لا بالقيمة، فهو مخالف للقياس من
وجهين، والصواب ما دل عليه الحديث.
(١) أخرجه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٩٩/٤).

٤٩٥
كتاب البيوع عن رسول الله وَ﴿ / باب ما جاء في الانْتِفَاعِ بالرَّهْن
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذَا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
لا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إلَّا مِن حدِيثٍ عَامر الشَّعْبي، عَن أبي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ رَوَى غَيْرُ
وَاحِدٍ هذَا الحَدِيثَ عنِ الأعْمَشِ، عَن أبي صَالِحٍ، عَن أبي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا، والعَمَلُ
وقواعد الشريعة وأصولها لا تقتضي سواه. فإن الرهن إذا كان حيوانًا محترمًا في نفسه
بحق الله سبحانه، وكذلك فيه حق الملك، وللمرتهن حق الوثيقة. وقد شرع الله سبحانه
الرهن مقبوضًا بيد المرتهن فإذا كان بيده فلم يركبه ولم يحلبه ذهب نفعه باطلًا، وإن مكن
صاحبه من ركوبه خرج عن يده وتوثيقه، وإن كلف صاحبه كل وقت أن يأتي يأخذ لبنه شق
عليه غاية المشقة، ولا سيما مع بعد المسافة، وإن كلف المرتهن بيع اللبن وحفظ ثمنه للراهن
شق عليه. فكان مقتضى العدل والقياس ومصلحة الراهن والمرتهن والحيوان أن يستوفي
المرتهن منفعة الركوب والحلب، ويعوض عنهما بالنفقة، ففي هذا جمع بين المصلحتين
وتوفير الحقين، فإن نفقة الحيوان واجبة على صاحبه. والمرتهن إذا أنفق عليه أدى عنه واجبًا
وله فيه حق فله أن يرجع ببدله، ومنفعة الركوب والحلب تصلح أن تكون بدلًا، فأخذها خير
من أن تهدر على صاحبها باطلًا. ويلزم بعوض ما أنفق المرتهن، وإن قيل للمرتهن لا رجوع
لك كان في ذلك إضرار به، ولم تسمح نفسه بالنفقة على الحيوان، فكان ما جاءت به الشريعة
هو الغاية التي ما فوقها في العدل والحكمة والمصلحة شيء يختار. ثم ذكر ابن القيم كلامًا
حسنًا مفيدًا من شاء الوقوف عليه فليرجع إلى ((الأعلام)).
وقال القاضي الشوكاني في ((النيل)): ويجاب عن دعوى مخالفة هذا الحديث الصحيح
للأصول بأن السنة الصحيحة من جملة الأصول فلا ترد إلا بمعارض أرجح منها بعد تعذر
الجمع. وعن حديث ابن عمر بأنه عامّ وحديث الباب خاص فيبنى العام على الخاص،
والنسخ لا يثبت إلا بدليل يقضي بتأخر الناسخ على وجه يتعذر معه الجمع، لا بمجرد
الاحتمال مع الإمكان. انتهى كلام الشوكاني.
فالحاصل أن حديث الباب صحيح محكم ليس بمنسوخ ولا يرده أصل من أصول
الشريعة، ولا أثر من الآثار الثابتة. وهو دليل صريح في جواز الركوب على الداية
المرهونة بنفقتها وشرب لبن الدر المرهونة بنفقتها. وهو قول أحمد وإسحاق كما ذكره
الترمذي. وأما قياس الأرض المرهونة على الدابة المرهونة والدر المرهونة، فقياس مع
الفارق، هذا ما عندي والله تعالى أعلم.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة إلا مسلمًا والنسائي. قوله: (والعمل

٤٩٦
كتاب البيوع عن رسول الله ﴿ / باب ما جاء في الانْتِفَاعِ بالرَّهْن
عَلَى هذَا الحديث عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ، وهُوَ قَوْلُ أحْمَدَ وَإِسْحَاقَ. وقالَ بَعْضُ
أهْلِ العلمِ: لَيْسَ لَهُ أنْ يَنْتَفِعَ مِنَ الرَّهْنِ بِشَيْءٍ.
على هذا عند بعض أهل العلم وهو قول أحمد وإسحاق) قالا: ينتفع المرتهن من الرهن
بالركوب والحلب بقدر النفقة ولا ينتفع بغيرهما، لمفهوم الحديث. قال الطيبي: وقال أحمد
وإسحاق: للمرتهن أن ينتفع من المرهون بحلب وركوب دون غيرهما، ويقدر بقدر النفقة،
واحتجا بهذا الحديث. ووجه التمسك به أن يقال: دل الحديث بمنطوقه على إباحة الانتفاع
في مقابلة الإنفاق، وانتفاع الراهن ليس كذلك؛ لأن إباحته مستفادة له من تملك الرقبة لا من
الإنفاق وبمفهومه على أن جواز الانتفاع مقصور على هذين النوعين من المنفعة، وجواز
انتفاع غير مقصور عليهما. فإذًا المراد أن للمرتهن أن ينتفع بالركوب والحلب من المرهون
بالنفقة، وإنه إذا فعل ذلك لزمه النفقة. انتهى.
قلت: قول أحمد وإسحاق هو الظاهر الموافق لحديث الباب. وقد قال به طائفة أيضًا
كما عرفت في كلام الحافظ. وقد قال: بجواز انتفاع الركوب وشرب اللبن بقدر العلف
إبراهيم النخعي أيضًا. قال الإمام البخاري في (صحيحه))(١): وقال المغيرة عن إبراهيم:
تركب الضالة بقدر علفها والرهن مثله. انتهى. قال الحافظ في ((الفتح)): قوله والرهن مثله في
الحكم المذكور، وقد وصله سعيد بن منصور بالإسناد المذكور ولفظه: الدابة إذا كانت
مرهونة تركب بقدر علفها وإذا كان لها لبن يشرب منه بقدر علفها، ورواه حماد بن سلمة في
((جامعه)) عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم، ولفظه: إذا ارتهن شاة شرب المرتهن من
لبنها بقدر ثمن علفها، فإن استفضل من اللبن بعد ثمن العلف فهو ربا. انتهى.
(وقال بعض أهل العلم ليس له) أي: للمرتهن (أن ينتفع من الرهن) أي: من الشيء
المرهون (بشيء) أي: بشيء من الانتفاع. وهو قول الجمهور، واستدلوا بحديث أبي هريرة
مرفوعًا: ((لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه)). رواه الشافعي
والدار قطني(٢) وقال: هذا إسناد حسن متصل. كذا في ((المنتقى)).
قال الشوكاني: قوله: ((له غنمه وعليه غرمه)). فيه دليل لمذهب الجمهور؛ لأن الشارع قد
جعل الغنم والغرم للراهن، ولكنه قد اختلف في وصله وإرساله ورفعه ووقفه، وذلك مما
يوجب عدم انتهاضه لمعارضة ما في ((صحيح البخاري)) وغيره. انتهى.
(١) أخرجه البخاري، كتاب الرهن، باب الرهن مركوب ومحلوب.
(٢) أخرجه الدار قطني (٣٢/٣). حديث (١٢٥)، والشافعي في مسنده (١٤٨/١).

٤٩٧
كتاب البيوع عن رسول الله ﴿ / باب مَا جَاءَ في شِرَاءِ القِلادَةِ وَفِيها ذَهبٌ وَخَرَزٌ
٣٢- باب مَا جَاءَ في شِرَاءِ القِلادَةِ وَفِيها ذَهبٌ وَخَرَزٌ [٣٢٥، ٣٢٣]
[١٢٥٥] (١٢٥٥) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَن أبي شُجَاعِ سَعِيدِ بنِ يَزِيدَ عَن
خَالِدِ بنِ أبي عِمْرانَ، عَن حَنَشِ الصَّنْعَانِي، عَن فَضَالَةَ بنِ عُبَيْدٍ، قَالَ: اشْتَرَيْتُ يَوْمَ
خَيْبَرَ قِلادَةً باثْنَي عَشَرَ دِينارًا، فِيها ذَهَبٌ وَخَرزٌ، فَفَصَّلْتُهَا، فَوَجَدْتُ فِيها أكْثَرَ مِن
اثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِنَّهِ فَقَالَ: ((لا تُبَاعُ حَتَّى تُفَصَّلَ)). [م: ١٥٩١،
د: ٣٣٥٢، ن: ٤٥٨٧، حم: ٢٣٤٤٢].
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا ابْنُ المُبارَكِ عَن أبي شُجَاعٍ سَعِيدٍ بنِ يَزِيدَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ،
نَحْوَهُ، قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ،
قلت: حديث أبي هريرة الذي استدل به الجمهور قد بسط الكلام فيه الحافظ ابن حجر
في ((التلخيص)) من شاء الوقوف عليه فليرجع إليه.
٣٢ - باب مَا جَاءَ في شراء القِلادة وفيها ذهب وخرز
قال في القاموس: الخرز محركة الجوهر وما ينظم، وقال في الصراح: خرزة بفتحتين
مهره خرازات الملك وجواهر تاجه. والقلادة بكسر القاف ما يقلد في العنق. وقال في
(الصراح)): قلادة بالكسر كردن بند وجمیل.
[١٢٥٥] قوله: (عن حنش) بفتح الحاء المهملة والنون الخفيفة بعدها معجمة ابن
عبد الله، ويقال ابن علي بن عمرو السبائي، ثقة من الثالثة، كذا في ((التقريب)). (عن فضالة)
بفتح الفاء (بن عبيد) بالتصغير (ففصلتها) من التفصيل، أي: ميزت ذهبها وخرزها بعد العقد
(فوجدت فيها) أي: في القلادة (لا تباع) أي: القلادة بعد هذا نفي بمعنى النهي (حتى
تفصل) بصيغة المجهول أي: تميز، والحديث رواه أبو داود بلفظ أن النبي ولفي أتي بقلادة
فيها ذهب وخرز ابتاعها من رجل بتسعة دنانير، أو سبعة دنانير، فقال النبي ◌َّهو: ((لا حَتى
تميز بينه وبينه)). فقال: إنما أردت الحجارة فقال النبي ◌َّلفي: ((لا حَتى تميز بينهما)). قال:
فرده حتی میز بينهما .
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي. قال الحافظ في
(((التلخيص)): وله عند الطبراني في ((الكبير)) طرق كثيرة جدًّا في بعضها قلادة فيها خرز
وذهب، وفي بعضها ذهب وجوهر، وفي بعضها خرز وذهب، وفي بعضها خرز معلقة

٤٩٨
كتاب البيوع عن رسول اللّه ◌َإ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي شِرَاءِ القِلادَةِ وَفِيهَا ذَهبٌ وَخَرَزٌ
والعَمَلُ عَلَى هذَا عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ مِن أصْحَابِ النَّبِيِّ نَّهِ وَغَيْرِهِمْ: لَمْ يَرَوْا أنْ
يُبَاعَ السَّيْفُ مُحَلَّى، أوُ مِنْطَقَةٌ مُفَضَّضَةٌ، أوْ مِثْلُ هذَا، بِدَرَاهِمَ حَتَّى يُمَيَّزَ وَيُفَصَّلَ،
وَهُوَ قَوْلُ ابنِ المُبَارَكِ، والشَّافِعِي، وأحْمَدَ، وإِسْحَاقَ. وقَدْ رَأَخَّصَ بَعْضُ أهْلِ العلمِ
فِي ذَلِكَ مِن أَصْحَابِ النَّبِّ وَِّ وَغَيْرِهِمْ.
بذهب، وفي بعضها باثني عشر دينارًا، وفي أخرى بتسعة دنانير، وفي أخرى بسبعة دنانير،
وأجاب البيهقي عن هذا الاختلاف بأنها كانت بيوعًا شهدها فضالة.
قال الحافظ: والجواب المسدَّد عندي أن هذا الاختلاف لا يوجب ضعفًا، بل المقصود
من الاستدلال محفوظ لا اختلاف فيه، وهو النهي عن بيع ما لم يفصل، وأما جنسها وقدر
ثمنها فلا يتعلق به في هذه الحالة ما يوجب الحكم بالاضطراب، وحينئذ فينبغي الترجيح بين
رواتها، وإن كان الجميع ثقات فيحكم بصحة رواية أحفظهم وأضبطهم، ويكون رواية الباقين
بالنسبة إليه شاذة. وهذا الجواب هو الذي یجاب به في حديث جابر وقصة جمله ومقدار
ثمنه. انتهى كلام الحافظ.
قوله: (والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي وَّلفيه وغيرهم لم يروا أن
يباع سيف محلى) أي: بالفضة (أو منطقة) بكسر الميم، في الفارسية كمربند (مفضضة) اسم
مفعول من التفضیض. قال في ((الصراح)): تفضیض سیم کوفت وسیم اندودكردن (وهو قول
ابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق) وهو منقول عن عمر بن الخطاب وابنه وجماعة من
السلف وهو الظاهر. (وقد رخص بعض أهل العلم في ذلك من أصحاب النبي وَ لفي وغيرهم)
وقالت الحنفية: إنه يجوز إذا كان الذهب المنفرد أكثر من الذي في القلادة ونحوها لا مثله
ولا دونه.
قال النووي في «شرح مسلم) في هذا الحديث: إنه لا يجوز بيع ذهب مع غيره بذهب حتى
يفصل فيباع الذهب بوزنه ذهبًا ويباع الآخر بما أراد، وكذا لا تباع فضة مع غيرها بفضة، وكذا
الحنطة مع غيرها بحنطة، والملح مع غيره بملح، وكذا سائر الربويات. بل لا بد من فصلها،
وسواء كان الذهب في الصورة المذكورة أو لا قليلًا أو كثيرًا، وكذلك في باقي الربويات.
وهذه هي المسألة المشهورة في كتب الشافعي وأصحابه وغيره المعروفة بمسألة مد عجوة،
وصورتها باع مد عجوة ودرهمًا بمد عجوة أو بدرهمين لا يجوز لهذا الحديث. وهذا منقول
عن عمر بن الخطاب ◌ُبه وابنه وجماعة من السلف، وهو مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق

٤٩٩
كتاب البيوع عن رسول اللّه ◌َ!# / باب مَا جَاءَ في اشْتَرَاطِ الوَلاءِ وَالزَّجْرِ عَن ذلِك
٣٣- باب مَا جَاءَ في اشْترَاطِ الوَلاءِ وَالزَّجْرِ عَن ذلِك [ت٣٣، ٣٣٢]
[١٢٥٦] (١٢٥٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ عَن مَنْصُورٍ، عَن إِبْرَاهِيمَ، عنِ الأسْوَدِ، عَن عَائِشَةَ، أنهَا أَرَادَتْ أنْ تَشْتَرِي
بَرِيرَةَ، فَاشْتَرِطُوا الوَلاءَ، فَقَالَ النبيُّ ◌َلِّ:
ومحمد بن عبد الحكم المالكي. وقال أبو حنيفة والثوري والحسن بن صالح: يجوز بيعه بأكثر
مما فيه من الذهب، ولا يجوز بمثله ولا بدونه. وقال مالك وأصحابه وآخرون يجوز بيع
السيف المحلى بذهب وغيره مما هو في معناه بما فيه ذهب. فيجوز بيعه بالذهب إذا كان
الذهب في المبيع تابعًا لغيره، وقدروه بأن يكون الثلث فما دونه. قال: وأجابت الحنفية بأن
الذهب فيها كان أكثر من اثني عشر درهمًا وقد اشتراها باثني عشر دينارًا. قالوا: ونحن لا
نجيز هذا وإنما نجيز البيع إذا باعها بذهب أكثر مما فيها، فيكون ما زاد من الذهب المنفرد في
مقابل الخرز ونحوه مما هو مع الذهب المبيع فيصیر کعقدين. وأجاب الطحاوي بأنه إنما نهی
عنه لأنه كان في بيع الغنائم لئلا يغبن المسلمون في بيعها .
قال النووي: ودليل صحة قولنا وفساد التأويلين - يعني: جواب الحنفية وجواب
الطحاوي - أن النبي ◌َ ﴿ قال: ((لا يباع حتى يفصل)). وهذا صريح في اشتراط فصل أحدهما
عن الآخر في البيع، وأنه لا فرق بين أن يكون الذهب المبيع به قليلًا أو كثيرًا، وأنه لا فرق
بين بيع الغنائم وغيرها. انتهى كلام النووي.
وقال صاحب ((السبل)): وأجاب المانعون بأن الحديث فيه دلالة على علة النهي، وهي
عدم الفصل، حيث قال لا يباع حتى يفصل، وظاهره الإطلاق في المساوي وغيره، فالحق
مع القائلين بعدم الصحة. ولعل وجه حكم النهي هو سد الذريعة إلى وقوع التفاضل في
الجنس الربوي، ولا يكون إلا بتمييزه بفصل واختيار المساواة بالكيل والوزن وعدم الكفاية
بالظن في التغليب. انتهى.
٣٣ - باب مَا جَاءَ في اشْتِراطِ الولاء والزَّجْرِ عن ذلِكَ
[١٢٥٦] قوله: (أرادت أن تشتري بريرة) بوزن فعيلة مشتقة من البرير، وهو ثمن الأراك.
وقيل: إنها فعيلة من البر بمعنى مفعولة كمبرورة، أو بمعنى فاعلة كرحيمة هكذا وجهه
القرطبي، والأول أولى؛ لأنه ◌َّ﴿ غير اسم جويرية وكان اسمها برة وقال: ﴿فَلَا تُرَّكُوا

٥٠٠
كتاب البيوع عن رسول الله ﴿ / باب مَا جَاءَ في اشْتَرَاطِ الوَلاءِ وَالزَّجْرِ عَن ذلِك
((اشْتَرِيهَا، فَإِنَّمَا الوَلاءُ لِمَنْ أعْطَى الثَّمَنَ، أَوْ لِمَنْ ولِيَ النِّعْمَةَ)). [خ: ٦٧٦٠، م: ١٥٠٤،
ن: ٢٦١٣، د: ٢٩١٦، جه: ٢٠٧٦، حم: ٢٤٣١٨، طا: ١٥٢٠، مي: ٢٢٨٩].
قَالَ: وفي البابِ عنِ ابنِ عُمرَ.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: حَدِيثُ عَائِشَةَ، حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، والعَمَلُ عَلَى هذَا عِنْدَ
أهْلِ العِلْم، قَالَ: ومَنْصُورُ بنُ المُعْتَمِرِ يُكَنى أبَا عَتَّبٍ. حَدَّثَنَا أبُو بَكْرِ العَظَّارُ
البَصْرِيُّ عَن عَلِي بْنِ المَدِينِي قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: إذَا حُدِّثْتَ عَن
مَنْصُورٍ
[النجم: ٣٢] فلو كانت بريرة من البر لشاركتها في ذلك، وكانت بريرة لناس من
آنُسَكُمْ﴾
الأنصار كما وقع عند أبي نعيم، وقيل: لناس من بني هلال. قاله ابن عبد البر. ويمكن
الجمع. وكانت تخدم عائشة قبل أن تعتق كما في حديث الإفك وعاشت إلى خلافة معاوية،
وتفرست في عبد الملك بن مروان أنه يلي الخلافة فبشرته بذلك. وروى هو ذلك عنها كذا
في ((الفتح)).
(اشتريها فإنما الولاء لمن أعطى الثمن) أي: لمن اشترى وأعتق. قال في ((اللمعات)):
قد يتوهم أن هذا متضمن للخداع والتغرير؛ فكيف أذن رسول الله عليه لأهله بذلك؟ والجواب
أنه كان جهلاً باطلًا منهم فلا اعتذار بذلك، وأشكل من ذلك ما ورد في بعض الروايات:
((خذيها واشترطي الولاء لهم فإن الولاء لمن أعتق)). والجواب أن اشتراطه لهم تسليم لقولهم
الباطل بإرخاء العنان دون إثباته لهم. انتهى.
قلت: قد ذكر الحافظ في ((الفتح)) في دفع هذا الإشكال وجوهًا عديدة بالبسط فعليك أن
تطالعه .
(أو لمن ولي النعمة) أي: المعتق قوله: (وفي الباب عن ابن عمر) أخرجه البخاري
والنسائي وأبو داود(١). قوله: (حديث عائشة حديث حسن صحيح) أخرجه البخاري ومسلم
(وقال) أي: أبو عيسى (منصور بن المعتمر يكنى أبا عتاب) بفتح المهملة وشدة الفوقانية
وبالموحدة (إذا حدثت) بصيغة المجهول (عن منصور) أي: ابن المعتمر، يعني: إذا حدثك
(١) أخرجه البخاري، كتاب الفرائض، حديث (٦٧٥٧)، والنسائي، كتاب البيوع، حديث (٤٦٤٤)، وأبو داود،
کتاب الفرائض، حدیث (٢٩١٥).