Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
كتاب الجنائز عن رسول الله وَل﴿ / بابٌ آخَرُ فِي فَضْلِ التَّعْزِيَة
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَمَا أَرَى إِسْنَادَهُ بِمُتَّصِلٍ.
٧٥- بابٌ آخَرُ في فَضْلِ التَّعْزِيَة [ت٧٥، م٧٤]
١٠] (١٠٧٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ حَاتِمِ المُؤدِّبُ، حَدَّثَنَا يونُسُ بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ:
حَدَّثَتْنَا أُمُّ الأَسْوَدِ عَن مُنْيَةَ ابنة عُبِيْدٍ بنِ أبي بَرْزَةَ، عَن جَدِّها أبي بَرْزَةَ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِوَِّ: ((مَن عَزَّى تَكْلَى، كُسِيَ بُرْدًا في الجَنَّةِ)). [ضعيف].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديث غريب، وليس إسنادُه بالقويِّ.
المرأة في الإسلام، والحرية، والصَّلاح، والنسب، وحسن الكسب، والعمل؛ قاله القاري.
قوله: (هذا حديث غريب، وما أرى إسناده متصلًا) وأخرجه ابن ماجه صفحة ١٠٨،
والحاكم، وابن حبان(١).
قال ميرك: رجاله ثقات. والظاهر أن إسناده متصل. قال الحافظ الزيلعي في ((نصب
الراية)) بعد ذكر هذا الحديث عن ((جامع الترمذي)) ما لفظه: أخرجه الحاكم في ((المستدرك))
في النكاح، وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. انتهى.
إلا أني وجدته قال: عن سعيد بن عبد الرحمن الجمحي، عوض سعيد بن عبد الله
الجهني، فلينظر. انتهى.
٧٥ - بَابٌ آخَرُ في فَضْلِ التَّعْزِيَةِ
[١٠٧٦] قوله: (حدثتنا أم الأسود) الخزاعية، ويقالُ: الأسلمية، ثقة من السابعة. (عن
منية) بضم الميم وبسكون النون بعدها تحتانية (ابنة عبيد) بالتصغير.
قال الحافظ في ((التقريب)): لا يعرف حالها، من الرابعة.
قوله: (من عزى ثكلى) بفتح المثلثة مقصور. المرأة التي فَقَدَتْ وَلدَهَا. (كسي) بصيغة
المجهول، أي: ألبس (بردًا) أي: ثوبًا عظيمًا؛ مكافأة على تعزيتها.
قال المناوي في ((شرح الجامع الصغير)): لا يعزي المرأة الشابة إلا زوجها أو محرمها. انتهى.
قوله: (هذا حديث غريب، وليس إسناده بالقوي)؛ لأن فيه منية بنت عبيد، وهي مجهولة
كما عرفت.
(١) أخرجه الحاكم (١٧٦/٢)، حديث (٢٦٨٦) وصححه، ووافقه الذهبي، والبيهقي (١٣٢/٧)، حديث (١٣٥٣٥).

١٨٢
كتاب الجنائز عن رسول الله رَّه / باب مَا جَاءَ في رَفْعِ الْيَدَيْنِ عَلَى الجَنَازَة
٧٦- باب مَا جَاءَ في رَفْعِ اليَدَيْنِ عَلَى الجَنَازَة [ت ٧٦، ٧٥٢]
[١٠٧٧] (١٠٧٧) حَدَّثَنَا القَاسِمُ بنُ دِينَارِ الكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا إسمَاعِيلُ بنُ أَبَانَ
الوَرَّاقُ عَنِ يَحْيَى بنِ يَعْلَى الأسْلَمِي، عَن أبِي فَرْوَةَ يَزِيدَ بنِ سِنَانٍ عَن زَيْدٍ - وهو ابنُ
أبي أُنَيْسَةَ - عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَن سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبٍ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَلَه
كَبَّرَ عَلَى جَنَازَةٍ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ في أولِ تَكَبِيرَةٍ، وَوَضَعَ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذَا حَدِيثٌ غَريبٌ لا نَعْرِفُهُ إلَّا مِن هذَا الوَجْهِ. وَاخْتَلَفَ أهْلُ
العِلْم في هذَا، فَرأى أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ مِن أصْحَابِ النَّبِيِّ نَّهِ وَغَيْرِهِمْ، أنْ يَرْفَعَ
الرَّجُلُ يَدَيْهِ في كُلِّ تَكْبِيرَةٍ، عَلَى الجَنَازَةِ، وهو قَوْلُ ابن المُبَارَكِ، والشَّافِعِي،
وأحْمدَ، وَإِسْحَاقَ.
٧٦ - باب مَا جَاءَ في رَفْعِ اليَدَيْنِ عَلَى الْجَنَازَةِ
[١٠٧٧] قوله: (حدثنا القاسم بن دينار الكوفي) ثقة من الحادية عشرة (أخبرنا
إسماعيل بن أبان الوراق) ثقة، تُكلم فيه للتشيع. (عن يحيى بن يعلى الأسلمي) الكوفي،
شيعي ضعيف، من التاسعة (عن أبي فروة يزيد بن سنان) الرهاوي، ضعيف، من كبار السابعة
(عن زيد بن أبي أنيسة) بالتصغير، ثقة.
قوله: (فرفع يديه في أول تكبيرة، ووضع اليمنى على اليسرى) فيه دليل لمن قال برفع
اليدين في التكبيرة الأولى دون التكبيرات الباقية، والحديث ضعيف، قوله: (هذا حديث
غريب). وأعله ابن القَّان في كتابه بأبي فروة، ونقل تضعيفه عن أحمد، والنسائي، وابن
معين، والعقيلي، قال: وفيه علة أخرى، وهو أن يحيى بن يعلى الراوي، عن أبي فروة هو
وأبو زكريا القطواني الأسلمي، هكذا صرح به عند الدارقطني، وهو ضعيف.
قلت: قال ابن حبان في أبي فروة: كثير الخطأ لا يعجبني الاحتجاج به إذا وافق
الثقات، فكيف إذا انفرد؟ ثم نقل عن ابن معين؛ أنه قال: ليس بشيء؛ كذا في ((نصب
الراية)).
قوله: (وهو قول ابن المبارك، والشافعي وأحمد، وإسحاق) واستدل لهم بحديث ابن
عمر - رَضُّه -: ((أَنَّ النَّبِيَّ وَّهَ كَانَ إِذَا صَلَّى عَلَى الْجَنَازِ رَفَعَ يَدَيْهِ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ، وَإِذَا انْصَرَفَ

١٨٣
كتاب الجنائز عن رسول الله وَاهِ / باب مَا جَاءَ في رَفْعِ اليَدَيْنِ عَلَى الجَنَازَة
وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: لا يَرْفَعُ يَدَيْهِ إلَّا في أولِ مَرَّةٍ، وهو قَوْلُ الثَّوْرِي وأهْلِ
الكُوفَةِ. وذُكِرَ عَنِ ابنِ المُبَارَكِ أنَّهُ قَالَ - في الصَّلاةِ عَلَى الجَنَازَةِ -: لا يَقْبِضُ بَيَمِينه
عَلَى شِمَالهِ.
وَرَأى بَعْضُ أهلِ العِلْمِ: أنْ يَقْبِضَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، كما يَفْعَلُ فِي الصَّلاةِ.
قَالَ أبُو عِيْسَى: يَقْبِضُ أحَبُّ إِلَيَّ.
سَلَّم))، أخرجه الدارقطني في ((علله)) (١) عن عمر بن شيبة: حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا
يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره، وقال: هكذا ... رفعه عمر بن شيبة
وخالفه جماعة، فرووه عن يزيد بن هارون موقوفًا، وهو الصواب، ولم يرو البخاري في
كتابه ((المفرد)»، في رفع اليدين شيئًا في هذا الباب، إلا حديثًا موقوفًا على ابن عمر، وحديثًا
موقوفًا على عمر بن عبد العزيز - ﴿ه - كذا في ((نصب الراية)).
قلت: لم أجد حديثًا مرفوعًا صحيحاً في هذا الباب.
قوله: (وقال بعض أهل العلم: لا يرفع يديه إلا في أول مرة، وهو قول الثوري، وأهل
الكوفة) واستدل لهم بحديث الباب، وقد عرفت أنه ضعيف، واستدل لهم أيضًا بحديث ابن
عباس(٢): ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عَلَى الْجَنَازَةِ فِي أَوَّلِ تَكْبِيرَةٍ، ثُمَّ لا يَعُودُ)).
أخرجه الدارقطني في ((سننه)) عن الفضل بن السكن، حدثنا هشام بن يوسف، حدثنا معمر،
عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس ... فذكره وسكت عنه، لكن أعلَّه العقيلي(٣) في
كتابه بالفضل بن السكن، وقال: إنه مجهول؛ كذا في ((نصب الراية)).
قلت: قال الذهبي في ((الميزان)): الفضل بن السكن الكوفي عن هشام بن يوسف لا
يُعْرَفُ، وضعفه الدار قطني. انتهى.
(١) ذكره الدارقطني في ((العلل)) (٤٠٩/١٢) حديث (٢٧٧٦)، وفيه ((شبة)) بدل ((شيبة)).
(٢) أخرجه الدارقطني (٧٥/٢). حديث (٣).
(٣) أخرجه العقيلي (٤٤٩/٣) في ترجمة الفضل بن السكن (١٥٠٠).

١٨٤
كتاب الجنائز عن رسول الله وَه / باب مَا جَاءَ عنِ النَّبِيِّ أنَّه قال: نَفْس المؤمن مُعَلَّقَةٌ بِدَينِهِ
٧٧- باب مَا جَاءَ عنِ النَّبِيِّ بِ أَنَّه قال:
((نَفْس المؤمن مُعَلَّقَةٌ بِدَينِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ)) [ت٧٧، ٧٦٢]
[١٠٧٨] (١٠٧٨) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بنُ غَيْلانَ، حَدَّثَنَا أبُو أُسَامَةَ عَن زَكَرِيًّا بنِ
أبي زَائِدَةَ، عَن سَعْدِ بنِ إِبْرَاهِيمَ، عَن أبي سَلَمَةَ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (نَفْسُ المُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ)). [جه: ٢٤١٣، حم: ٩٣٨٧،
مي: ٢٥٩١].
٧٧ - مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﴿ أَنَّهُ قَالَ: (إِنَّ نَفْسَ المُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بدينه حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ))
[١٠٧٨] قوله: (نفس المؤمن معلقة) قال السيوطي: أي: محبوسة عن مقامها الكريم،
وقال العراقي: أي: أمرها موقوف لا حكم لها بنجاة ولا هلاك، حتى ينظر: هل يقضى ما
عليها من الدين، أم لا؟ انتهى.
وسواء ترك الميت وفاء أم لا؛ كما صرح به جمهور أصحابنا، وَشَذَّ الماوردي فقال: إن
الحديث محمولٌ على مَنْ يخلف وفاء؛ كذا في ((قوت المغتذي)).
وقال الشوكاني في ((النيل)): ((فيه الْحَثُّ للورثة على قضاء دَيْنِ الميتِ، والإخبار لهم بأن
نفسه معلقة بدیْنِهِ حتی یقضی عنه. وهذا مقید بمن له مال یقضى منه دينه.
وأما مَنْ لا مال له، ومات عازمًا على القضاء، فقد ورد في الأحاديث ما يدلُّ على
أن الله تعالى يقضي عنه، بل ثبت أن مجرد محبة المديون عند موته للقضاء؛ موجبة لتولِّي الله
سبحانه لقضاء دينه، وإن كان له مال؛ ولم يقض منه الورثة.
أخرج الطبراني(١) عن أبي أمامة مرفوعًا: ((مَنْ دَانَ بِدَيْن فِي نَفْسِهِ وَفَاؤهُ وَمَاتَ تَجَاوَزَ الله
عَنْهُ، وَأَرْضَى غَرِيمَهُ بِمَا شَاءَ. وَمَنْ دَانَ بِدَيْنٍ، وَلَيْسَ فِي نَفْسِهِ وَفَاؤهُ وَمَاتَ، اقْتَصَّ الله
لِغَرِيمِهِ مِنْهُ يومِ الْقِيَامَةِ)). وأخرج أيضًا(٢) من حديث ابن عمر: ((الدَّيْنُ دَيْنَانِ: فَمَنْ مَاتَ وَهُو
يَنْوِي قَضَاءَهُ فَأَنَا وَلِيُّهُ، ومَنْ مَاتَ وَلَا يَنْوِي قَضَاءَهُ، فَذَلِكَ الَّذِي يُؤْخَذُ من حَسَنَاتِهِ، لَيْسَ
(١) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٨/ ٢٤٠). حديث (٧٩٣٧).
(٢) قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (٣٧/٤): رواه الطبراني في ((الكبير)) وفيه محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني
وهو ضعيف.

١٨٥
كتاب الجنائز عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاءَ عنِ النَّبِيِّ أنَّه قال: نَفْس المؤمن مُعَلَّقَةٌ بِدَينِ
يَوْمئذٍ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ)). وأخرج أيضًا من (١) حديث عبد الرحمن بن أبي بكر: ((يُؤْتَى بِصَاحِب
الدَّيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ الله فِيمَا أَتْلَفْتَ أَمْوَالَ النَّاسِ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ إِنَّكَ تَعْلَمُ إِنَّهُ أَتَى عَلَيَّ
إِمَّا حَرْقٌ، وَإِمَّا غَرَقٌ، فيقول: فإِنِّي سَأَقْضِي عَنْكَ الْيَوْمَ فَيَقْضِي عَنْهُ)). وأخرج أحمد،
وأبو نُعَيْم في ((الحلية))، والبزار والطبراني(٢) بلفظ: ((يُدْعَى بِصَاحِبِ الدَّيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى
يُوقَفَ بَيْنَ يَدَي الله عَزَّ وَجَلَّ، فَيَقُول: يَا ابْنَ آدَمَ فِيمَ أَخَذْتَ هذَا الَّيْنَ؟ وَفيمَ ضَيَّعْتَ حُقُوقَ
النَّاس؟ فَيَقُولُ: يا رَبِّ، إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي أَخَذْتُهُ فَلَمْ آكُلْ وَلَمْ أَشْرَبْ، وَلَمْ أُضَيِّعْ وَلَكِنْ أَتَى عَلَى
يَدَيَّ إِمَّا حَرْقٌ، وَإِمَّا سَرْقٌ، وَإِمَّا وَضِيعَةٌ. فَيَقُولُ الله: صَدَقَ عَبْدِي، وَأَنَا أَحَقُّ مَنْ قَضَى
عَنْكَ، فَيَدْعُو الله بِشَيْءٍ فَيَضِعُهُ فِي كَفَّةٍ مِيزَانِهِ، فَتُرَجَّحُ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ، فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ،
بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ». هكذا ذكر الشوكاني هذه الأحاديث بغير الإسناد، ولم يتكلم عليها بشيء من
الصحة والضعف، ثم ذكر حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا
أَذَّى الله عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِثْلَافَهَا أَتْلَفَهُ الله)). أخرجه البخاري(٣)، ثم ذكر حديث
ميمونة(٤): ((مَا من مُسْلِمٍ يدَانُ دَيْنًا، يَعْلَمُ الله أَنَّهُ يُرِيدُ أدَاءَهُ إِلَّا أَدَّى الله عَنْهُ فِي الدُّنْيا
والآخِرَةِ).
قال: أخرج الحاكم(٥) بلفظ: ((مَنْ تَدَايَنَ بِدَيْنٍ فِي نَفْسِهِ وَفَاؤهُ، ثُمَّ مَاتَ تَجَاوَزَ الله عَنْهُ،
وَأَرَضَى غَرِيمَهُ بِما شَاءً)). ثم قال: وقد ورد أيضًا ما يدلُّ على أن منْ مَاتَ من المسلمين
مديونًا، فَدَيْنُهُ على مَنْ إليه ولاية أمور المسلمين، يقضيه عنه من بيت مالهم، وإن كان له مال
کان لورثته.
أخرج البخاري(٦) من حديث أبي هريرة: ((مَا من مُؤْمِنٍ إِلَّا وَأَنَا أَوْلَى بِهِ فِي الدُّنْيا
والآخِرَةِ، اقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿الَِّىُّ أَوْلَ بِلْمُؤْمِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ مَاتَ،
(١) ذكره المتقي الهندي في ((الكنز)) (١٥٥١٢).
(٢) أخرجه أحمد. حديث (١٧١٠)، والبزار (٢٣٩/٦). حديث (٢٢٧٣)، وأبو نعيم (١٤١/٤) في ترجمة
شريح بن الحارث الكندي.
(٣) أخرجه البخاري، في كتاب الاستقراض. حديث (٢٣٨٧).
(٤) أخرجه ابن ماجه، كتاب الأحكام. حديث (٢٤٠٨).
(٥) أخرجه الحاكم (٢٨/٢). حديث (٢٢٠٦) قال الذهبي: بشر متروك.
(٦) أخرجه البخاري، كتاب الاستقراض. حديث (٢٣٩٩).

١٨٦
كتاب الجنائز عن رسول الله وَله / باب مَا جَاءَ عنِ النَّبِيِّ أنَّه قال: نَفْس المؤمن مُعَلَّقَةٌ بِدَينِ
[١٠٧٩] (١٠٧٩) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ بِشَارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مَهْدِيٌّ، حَدَّثَنَا
إبرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عَن أبِيه، عَن عُمَرَ بنِ أبي سَلَمَةَ، عَن أبِيهِ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، عنِ
النَّبِيِّ قَالَ: ((نَفْسُ المُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ».
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذَا حدِيثٌ حسنٌ، وَهُوَ أَصَحُّ مِنَ الأوَّلِ.
آخر کتاب الجنائز
وَتَرَكَ مَالًا؛ فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانُوا، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنَا أَوْ ضِيَاعًا، فَلْيَأْتِنِي فَأَنَا مَوْلَاهُ)). وأخرج
أحمد، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه(١) من حديث آخر: ((مَنْ تَرَكَ مَالَا فَلَأَهْلِهِ، وَمَنْ تَرَكَ
دَيْنَا أَوْ ضِيَاعًا فَإِلَيَّ وَعَلَيَّ، وَأَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ)).
قال الشوكاني: وفي معنى ذلك عدة أحاديث ثبتت عنه وَّر؛ أنه قالها بعد أن كان يمتنعُ
من الصلاة على المديون، فلما فتح الله عليه البلاد، وكثرت الأموال، صَلَّى على مَنْ مَاتَ
مديونًا. وقضى عنه، وذلك مشعرٌ بأَنَّ من مات مديونًا استحقَّ أن يُقْضى عنه دينهُ من بيت مال
المسلمين. وهو أحد المصارف الثمانية، فلا يسقط حقه بالموت، ودعوى من ادعى
اختصاصه ◌َ لّ بذلك ساقطة، وقياس الدلالة ينفي هذه الدعوى في مثل قوله وَ له: ((وَأَنَا وَارِثُ
مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ، أَعْقِلُ عَنْهُ وَأَرِثُهُ)). أخرجه أحمد، وابن ماجه، وسعيد بن منصور،
والبيهقي (٢). وهم لا يقولون: إن ميراث من لا وارث له مختصٌّ برسول الله وَلـ
وقد أخرج الطبراني(٣) من حديث سلمان ما يدلُّ على انتفاء هذه الخصوصية المدعاة،
ولفظه: ((مَنْ ترك مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ، وعَلَى الْوُلَاةِ من بَعْدِي مِن بَيْتِ الْمَال)).
[١٠٧٩] قوله: (هذا حديث حسن) وأخرجه أحمد، وابن ماجه قال الشوكاني: رجال
إسناده ثقات، إلا عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن؛ وهو صدوق يخطئ. انتهى.
(١) أخرجه مسلم، كتاب الجمعة. حديث (٨٦٧)، والنسائي، كتاب صلاة العيدين. حديث (١٥٧٨)، وابن
ماجه، المقدمة. حديث (٥٥) وأحمد. حديث (١٣٧٤٤).
(٢) أخرجه ابن ماجه، كتاب الفرائض. حديث (٢٧٣٨)، وأحمد. حديث (١٦٧٥٣)، وسعيد بن منصور (١/
٩٢)، حديث (١٧٢)، والبيهقي (٢١٤/٦). حديث (١١٩٨٩).
(٣) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٦/ ٢٤٠). حديث (٦١٠٣).

١٨٧
كتاب النكاح عن رسول الله وَّ ر باب مَا جَاءَ في فَضْلِ التَّزْوِيجِ وَالحَثِّ عَلَيْه
صَلى الله
وَعَلَيلة
(٩) كتاب النكاح عن رسول الله
١- باب مَا جَاءَ في فَضْلِ التَّزْوِيجِ وَالحَثِّ عَلَيْه [ت١، ١٢]
[١٠٨٠] (١٠٨٠) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بنُ وَكِيعِ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بنُ غِيَاتٍ، عَنِ
الحجَّاجِ، عَن مَكْحُولٍ، عَن أبي الشِّمَالِ، عَن أبي أيُّوبَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله
وَل: ((أرْبَعٌ مِن سُنَنِ المُرسَلِينَ:
صَلى الله
وَسَلم
٩ - كتاب النكاح عن رَسُولِ الله
١ - باب مَا جَاءَ في فَضْلِ التَّزْوِيجِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِ
قال القاري في ((المرقاة): قيل: هو مشترك بين الوَظْءِ والعقد اشتركًا لفظيًّا.
وقيل: حقيقة في العقد مجاز في الوطء، وقيل: بقلبه، وعليه مشايخنا. انتهى.
قلت: قال الحافظ في ((الفتح)): النكاح في اللغة: الضم والتداخل، وفي الشرع حقيقة
في العقد، مجاز في الوَظْءِ على الصحيح.
والحجة في ذلك: كثرة وروده في الكتاب والسنة للعقد، حتى قيل: إنه لم يرد في القرآن
إلا للعقد.
قال: وقيل: مقول بالاشتراك على كل منهما، وبه جَزَمَ الزجاجي، وهذا الذي يترجّحُ في
نظري، وإن كان أكثر ما يستعمل في العقد. انتهى.
[١٠٨٠] - (حدثنا حفص بن غياث) بكسر الغين المعجمة الكوفي القاضي، ثقة فقيه،
تغير حفظه قليلًا في الآخر، (عن أبي الشمال) بن ضباب بكسر المعجمة وبموحدتين
مجهول؛ كذا في ((الخلاصة)) و((التقريب)).
وقال في ((الميزان)): حدث عنه مكحول بحديث: أربع من سنن المرسلين لا يُعْرَفُ إلا
بهذا الحديث؛ قاله أبو زرعة.
قوله: (أربع) أي: أربع خصال (من سنن المرسلين) أي: فعلًا وقولًا. يعني: التي
فعلوها وحثُّوا عليها. وفيه تغليب؛ لأن بعضهم كعيسى ما ظهر منه الفعل في بعض الخصال
وهو النكاحُ، قاله القاري في (المرقاة)). وقال المناوي في ((شرح الجامع الصغير)): المراد أن

١٨٨
كتاب النكاح عن رسول اللّه وَل﴿ / باب مَا جَاءَ في فَضْلِ التَّزْوِيج وَالحَثِّ عَلَيْه
الحَيَاءُ والتَّعَطُرِ وَالسِّواكُ وَالنِّكَاحُ)). [ضعيف حم: ٢٣٠٦٩].
قَالَ: وفي البابٍ عَن عُثْمانَ، وثَوْبَانَ،
الأربع من سُننٍ غالب الرسل، فـ (نوح)) لم يختتن، و((عيسى)) لم يتزوج. انتهى. (الحياء)
قال العراقي: وقع في روايتنا بفتح الحاء المهملة، وبعدها ياء مثناة من تحت، وصحفه
بعضهم بكسر الحاء، وتشدید النون.
وقال ابن القيم في ((الهدي)): روى في ((الجامع)) بالنون والياء أي: الحناء والحياء،
وسمعتُ أبا الحَجَّاج الحافظ يقول: الصواب: الختان، وسقطت النون من الحاشية. كذلك
رواه المحاملي عن شيخ الترمذي؛ كذا في ((قوت المغتذي))، وأورد الخطيب التبريزي هذا
الحديث في ((المشكاة)) نقلاً عن الترمذي، هكذا: ((أرْبَعٌ من سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ: الْحَيَاءُ،
ويروى: الْخِتَانُ والتعطرُّ .. إلخ)).
قال القاري: في ((المرقاة)): قال الطيبي: اختصر المظهر كلام التوربشتي، وقال: في
الحياء ثلاث روايات: بالحاء المهملة والياء التحتانية، يعني به: ما يقتضي الحياءُ من الدينِ،
كستر العورة، والتنزه عما تأباه المروءةُ، ويذمه الشرعُ من الفواحش وغيرها، لا الحياء
الجبلي نفسه، فإنه مشترك بين الناس. وإنه خلق غريزي لا يدخل في جملة السنن. وثانيها :
الختان بخاء معجمة وتاء فوقها نقطتان، وهي من سنةِ الأنبياء من لدن إبراهيم - عليه الصلاة
والسلام - إلى زمن نبينا محمد بَّه. وثالثها: الحناء بالحاء المهملة والنون المشددة. وهذه
الرواية غير صحيحة، ولعلها تصحيف؛ لأنه يحرم على الرجال خضاب اليد والرِّجْلِ تشبهًا
بالنساء. وأما خضاب الشَّعْرِ به، فلم يكن قبل نبيِّنا وَّةِ، فلا يصحُّ إسناده إلى المرسلين.
انتهى ما في ((المرقاة)).
(والتعطر) أي: استعمال العطر وهو الطَّيبُ.
قوله: (وفي الباب عن عثمان)(١) بن عفان - رُبه - مرفوعًا: ((مَنْ كَانَ مِنْكُمْ ذَا طَوْلٍ
فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَا، فَالصَّوْمُ لَهُ وِجَاء)).
(وثوبان)(٢) أخرجه الترمذي، والروياني، ورجاله ثقات. إلا أن فيه انقطاعًا، كذا في
(١) أخرجه النسائي، كتاب الصيام. حديث (٢٢٤٣)، وأحمد. حديث (٤١٣).
(٢) أخرجه الترمذي، كتاب تفسير القرآن. حديث (٣٠٩٤).

١٨٩
كتاب النكاح عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ في فَضْلِ التَّزْوِيجِ وَالحَثِّ عَلَيْه
وابنٍ مَسْعُودٍ، وعَائِشَةَ، وَعِبْدِ الله بنِ عَمْرٍو، وأبي نجيح، وجَابِرِ، وعَكَّافٍ.
((التلخيص)). (وابن مسعود) (١) أخرجه الجماعة (وعن عائشة)(٢) أخرجه ابن ماجه بلفظ:
((النِّكَاحُ من سُنَّتِي؛ فَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِسُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ... )) الحديث، وفي إسناده: عيسى بن
ميمون وهو ضعيف: (وعبد الله بن عمرو)(٣) بن العاص. أخرجه النسائي، وابن ماجه،
والبيهقي بلفظ: ((إِنَّ لِكُلِّ عَمَل شرة، وَلِكُلِّ شرة فترة، فمَن كَانَ فَترته إِلَى سُنَّتِي فَقَد اهْتَدَى،
وَمَنْ كَانَ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ)).
(وجابر)(٤) أخرجه الجماعة بلفظ: إن النبي ◌َّهِ قال له: ((يَا جَابِرُ، تَزَوَّجْتَ بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا؟))
قالَ: ثَيِّبًا ... الحديث. وأخرجه عبد الرزاق في ((الجامع)) عن جابر(٥) مرفوعًا ((أيُّما شَابٌ
تَزَوَّجَ فِي حَدَاثة سِنَّه، عَجَّ شَيْطَانُهُ عَصَمَ مِنِّي دِينَهُ)) (وعكاف) قال في ((القاموس)): عكاف
كشداد بن وداعة الصحابي. انتهى. وقال الحافظ في ((تعجيل المنفعة)): عكاف بن وداعة
الهلالي، يقال: ابن بسر التميمي، أخرج حديثه أبو علي بن السكن، والعقيلي في ((الضعفاء))
والطبراني، في ((مسند الشاميين))(٦) من طريق برد بن سنان عن مكحول عن غضيف بن
الحارث عن عطية بن بسر المازني عن عكاف بن وداعة الهلالي. وأخرج أبو يعلى في
(«مسنده))(٧) وابن منده في ((المعرفة)) من طريق بقية بن الوليد عن معاوية بن يحيى عن
سليمان بن موسى عن مكحول عن غضيف بن الحارث عن عطية بن بسر المازني قال: ((جَاءً
(١) أخرجه البخاري، كتاب النكاح. حديث (٥٠٦٥)، ومسلم، كتاب النكاح. حديث (١٤٠٠)، والنسائي، كتاب
الصيام. حدیث (٢٢٣٩) والترمذي، کتاب النكاح. حدیث (١٠٨١)، وأبو داود، كتاب النكاح. حدیث
(٢٠٤٦)، وابن ماجه، كتاب النكاح. حديث (١٨٤٥).
(٢) أخرجه ابن ماجه، كتاب النكاح. حديث (١٨٤٦).
(٣) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٣٩٩/٣). حديث (٣٨٧٨) ولم أقف عليه عند النسائي وابن ماجه بهذا
اللفظ، وقد أخرجه النسائي، كتاب النكاح. حديث (٣٢٣٢)، وابن ماجه، كتاب النكاح. حديث
(١٨٥٥) بنحوه.
(٤) أخرجه البخاري، كتاب النكاح. حديث (٥٠٧٩)، ومسلم، كتاب الرضاع. حديث (٧١٥)، والترمذي، كتاب
النكاح. حديث (١١٠٠)، النسائي، كتاب النكاح. حديث (٣٢١٩)، وأبو داود، كتاب النكاح. حديث
(٢٠٤٨)، وابن ماجه، كتاب النكاح. حديث (١٨٦٠).
(٥) أخرجه الطبراني في «الأوسط)) (٣٧٥/٤). حديث (٤٤٧٥).
(٦) أخرجه الطبراني في ((مسند الشاميين)) (٣٦٣/٤). حديث (٣٥٦٧)، والعقيلي (٣٥٥/٣) في ترجمة عطية بن
بسر (١٣٩٠).
(٧) أخرجه أبو يعلى (٢٦٠/١٢). حديث (٦٨٥٦).

١٩٠
كتاب النكاح عن رسول الله وَّهِ / باب مَا جَاءَ في فَضْلِ التَّزْوِيج وَالحَثِّ عَلَيْهِ
قَالَ أبُو عِيْسَى: حدِيثُ أبي أيُّوبَ، حديثٌ حسنٌ غَرِيبٌ.
حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بنُ خِدَاشِ البغداديُّ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بنُ العَوَّامِ، [عن الحجاج] عَن
مَكْحُولٍ، عَن أبي الشِّمالِ، عَن أبي أيُّوبَ، عنِ النَّبِيِّ، نَحْوَ حدِيثٍ خَفصٍ.
قَالَ أبُو عِيْسَى: وَرَوَى هذَا الحَديثَ هُشَيمٌ، ومُحَمَّدُ بنُ يَزِيدَ الوَاسِطِيُّ،
وأبُو مُعَاوِيَةَ، وغَيْرُ وَاحِدٍ، عنِ الحَجَّاجِ، عَن مَكْحُولٍ، عَن أبي أيُّوبَ، وَلَمْ يَذْكُرُوا
فِيهِ عَن أبي الشِّمالِ. وحَدِيثُ حَقْصٍ بِنِ غِيَاثٍ وَعبَّادِ بنِ العَوَّامِ أَصَحُ.
[١٠٨١] (١٠٨١) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بنُ غَيْلانَ، حَدَّثَنَا أبُو أحْمَدَ الزُّبيريُّ، حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ عَنِ الأعْمَشِ، عَن عُمَارَةَ بنِ عُمَيْرٍ، عَن عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ يَزِيدَ، عَن عَبْدِ الله
بنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ بَّهِ ونَحْنُ شَبَابٌ، لا نَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ، فَقَالَ : ..
عَكَّافُ بْنُ وَدَاعَةَ الْهِلَالِيُّ إِلَى رَسُولِ الله ◌ِهِ، فَقَالَ: يَا عَكَّافُ، أَلَكَ زَوْجَةٌ؟ قالَ: لَا. قالَ:
وَلَا جَارِيَةٌ؟ قَالَ: لَا. قَالٍ: وَأَنْتَ صَحِيحٌ مُوسرٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، الْحَمْدُ للهِ. قَالَ: ((فَأَنْتَ إِذَنْ
من إِخْوَانِ الشَّيَاطِينِ: إِمَّا أَنْ تَكُونَ من رُهْبَانِ النَّصَارَى، فَأَنْتَ مِنْهُمْ. وَإِمَّا أَنْ تكُونَ مِنَّا،
فَاصْنَعْ كَمَا نَصْنَعُ؛ فَإِنَّ من سُنَّتِنَا النِّكَاحَ. شِرَارُكُمْ عُزَّابُكُمْ. وَيْحَكَ يَا عَكَّافُ، تَزَوَّجُ ... ))
الحديث. ثم ذكر الحافظ طرقًا أخرى، ثم قال: ولا يخلو طريق من طرقه من ضعف.
انتھی.
قوله: (حديث أبي أيوب حديث حسن غريب) في تحسين الترمذي هذا الحديث نظر؛
فإنه قد تفرد به أبو الشمال، وقد عرفت أنه مجهول، إلا أن يقال: إن الترمذي عرفه، ولم
يكن عنده مجهولًا، أو يقال: إنه حسنه لشواهده، فروى نحوه عن غير أبي أيوب.
قال الحافظ في ((التلخيص)) - بعد ذكر حديث أبي أيوب هذا -: رواه أحمد والترمذي،
ورواه ابن أبي خيثمة، وغيره من حديث مليح بن عبد الله، عن أبيه، عن جده(١) نحوه.
ورواه الطبراني(٢) من حديث ابن عباس. انتهى.
[١٠٨١] قوله: (ونحن شباب) على وزن سَحَاب جمع شَابٍّ، قال الأَزْهَرِي: لم يجمع
فاعل على فعال غيره (لا نقدر على شيء) أي: من المال. وفي رواية البخاري: لَا نَجِدُ شَيْئًا
(١) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٢٩٣/٢٢). حديث (٧٤٩).
(٢) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (١٨٦/١١). حديث (١١٤٤٥).

١٩١
كتاب النكاح عن رسول الله وَلي / باب مَا جَاءَ في فَضْلِ التَّزْوِيجِ وَالحَثِّ عَلَيْه
(يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ! عَلَيْكُمْ بِالبَاءَةِ، فَإِنَّهُ أَغَضُ لِلْبَصَرِ وأخْصَنُ لِلْفَرْجِ، فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ
مِنْكُمُ البَاءَةَ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فإنَّ الصَّوْمَ لَهُ وِجَاءٌ)). [خ: ٥٠٦٥، م: ١٤٠٠، ن: ٢٢٣٨،
د: ٢٠٤٦، جه: ١٨٤٥، حم: ٤٠١٣، مي: ٢١٦٥].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ.
- (يا معشر الشباب) المعشر: جماعة يشملهم وصف، وخصهم بالخطاب؛ لأن الغالب وجود
قوة الداعي فيهم إلى النكاح (عليكم بالباءَةِ) بالهمزة وتاء التأنيث ممدودًا.
قال النووي: فيها أربع لغات: الفصيحة المشهورة ((البآءة)) بالمد والهاء.
والثانية: ((الباءة)» بلا مد.
والثالثة: ((الباء)) بالمد بلا هاء. والرابعة: الباهة بهاءين بلا مد، وأصلها في اللغة:
الجماع، مشتقة من المباءة وهي المنزل، ومنه مباءة الإبل وهي مواطنها. ثم قيل لعقد
النكاح: باءة؛ لأن مَنْ تزوج امرأة بَوَّأها منزلًا .
قال واختلف العلماء في المراد بـ((الباءة)) هنا على قولين يرجعان إلى معنى واحد:
أصحهما: أن المراد: معناه اللغوي وهو الجماع، فتقديره: من استطاع منكم الجماع،
لقدرته على مؤنه وهي مؤن النكاح فليتزوج، ومن لم يستطيع الجماع لعجزه عن مؤنه فعليه
بالصوم؛ ليدفع شهوته.
والقول الثاني: أن المراد هنا بـ ((الباءة)) مؤن النكاح، سُمِّيت باسم ما يُلازمها، والذي
حمل القائلين بهذا قوله: ((وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّومِ)).
قالوا: والعاجز عن الجماع لا يحتاجُ على الصوم لدفع الشهوة، فوجب تأويل ((الباءة))
على المؤن. انتهى كلام النووي ملخصًا.
(فإنه) أي: التزوج (أغض للبصر) أي: أخفض وأدفع لعين المتزوِّج عن الأجنبية من
غض طرفه، أي: خفضه وكفه (وأحصن) أي: أحفظ. (للفرج) أي: عن الوقوع في الحرام.
(فإن الصوم له وِجَاءٌ) بكسر الواو وبالمد، أي: كسر لشهوته، وهو في الأصل رض
الخصيتين ودقهما لتضعف الفحولة. فالمعنى: أن الصوم يقطع الشهوة، ويدفع شر المني
کَالْوِ جَاءِ .
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم.

١٩٢
كتاب النكاح عن رسول اللّه لَّه / باب مَا جَاءَ في النَّهْي عَنِ التََّتَل
حَدَّثَنَا الحَسَنُ بنُ عَلَيِّ الخَلالُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَن
عمَارَةَ، نحْوَهُ.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وَقَدْ رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ الأعْمَشِ بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَ هذَا،
وَرَوَى أَبُو مُعَاوِيةَ والمُحَارِبِيُّ، عَنِ الأعْمَشِ، عَن إِبْرَاهِيمَ، عَن عَلْقَمَةَ، عَن عَبْدِ الله،
عنِ النَّبِيِّ، نَحْوَهُ.
قَالَ أبُو عِيْسَى: كِلاهُما صَحِيحٌ.
٢- باب مَا جَاءَ في النَّهْي عَنِ التَّبَتل [ت٢، ٢٢]
[١٠٨٢] (١٠٨٢) حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامِ الرِّفَاعِيُّ وَزَيْدُ بنُ أخْزَمَ الطَّائِيُّ وإِسْحَاقُ بنُ
قوله: (وروى أبو معاوية والمحاربي عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله ..
إلخ) أخرج البخاري هذا الحديث في ((صحيحه)) (١) بهذا السند. وبالسند المتقدِّم كليهما.
وإبراهيم هذا هو النخعيُّ، والمحاربي هذا هو: عبد الرحمن بن محمد بن زياد أبو محمد
الکوفي، لا بأس به.
تنبيه: استدل بهذا الحديث بَعْضُ المالكية على تحريم الاستمناءُ؛ لأنه أرشد عند العجز
عن التزويج إلى الصَّوم الذي يقطع الشهوة، فلو كان الاستمناء مباحًا لكان الإرشاد إليه
أسهل. وتعقب دعوى كونه أسهل؛ لأن الترك أسهلُ من الفعل، وقد أباح الاستمناء طائفة من
العلماء. وهو عند الحنابلة، وبعض الحنفية؛ لأجل تسكين الشهوة؛ كذا في ((فتح الباري)).
قلت: في الاستمناء ضرر عظيم على المستمني، بأي وجه كان. فالحق أن الاستمناء
فعل حرام لا يجوز ارتكابه، لا لغرض تسكين الشَّهوة، ولا لغرض آخر، ومن أباحه لأجل
التسكين فقد غفل غفلة شديدة، ولم يتأمل فيما فيه من الضرر. هذا ما عندي. والله تعالى
أعلم.
٢ - باب مَا جَاءَ في النَّهْي عَنِ الثَّبَثُّلِ
هو في الأصل: الانقطاع، والمراد به هنا: الانقطاع عن النساء، وترك التزوج.
[١٠٨٢]
(١) أخرجه البخاري، كتاب الصوم، حديث (١٩٠٥).

١٩٣
كتاب النكاح عن رسول اللّه وَّهِ / باب مَا جَاءَ في الَّهْي عَنِ التَّبَتلِ
إبْرَاهِيم الصَّوَّافُ البَصْرِيُّ، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بنُ هِشَامٍ عَن أَبِيهِ، عَن قَتَادَةَ، عَنِ
الحَسَنِ، عَن سَمُرَةَ: أنَّ النَّبِيَّ وَِّ نهَى عَنِ التَّبَتَّلِ [ن: ٣٢١٦، جه: ١٨٤٩، حم: ٢٤١٣٧،
مي: ٢١٦٨] .
قَالَ أبُو عِيْسَى: وَزَادَ زَيْد بنُ أخْزَمَ في حَدِيثِهِ وَقَرأْ قَتَادَةُ ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن
قَبْلِكَ وَحَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَجًا وَذُرِّيَّةٌ﴾ [الرعد: ٣٨].
قَالَ: وفي البابِ عَن سَعْد، وأنَسٍ بنِ مَالِكِ،
قوله: (نهى عن التبتل) قال الجزري في ((النهاية)): التبتل: الانقطاع عن النساء، وترك
النكاح. وامرأة بتُولُ: منقطعة عن الرجال، لا شهوة لها فيهم. وبها سميت مريم أم المسيح -
عليهما السلام - وسميت الفاطمة البتول؛ لانقطاعها عن نساء زمانها فضلًا ودينًا وحسبًا.
وقيل: لانقطاعها عن الدنيا إلى الله تعالى. انتهى.
قوله: (ولقد أرسلنا رُسُلًا من قبلك ... إلخ) يعني: أن النكاح من سنة المرسلين، فلا
ينبغي ترگُهَا أصلًا.
وقد استدلَّت عائشةُ بهذه الآية على منع التبتل، روى النسائي(١) عن سعد بن هشام؛ أنه
دخل على أم المؤمنين عائشة، قال: قلت: إني أريد أن أسألك عن التبتل، فما ترين فيه؟
قالت: فلا تفعل. أما سمعت الله عَزَّ وجَلَّ يقولُ: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَحَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَجًا
ج
[الرعد: ٣٨]، فلا تبتل.
وذريّة
قوله: (وفي الباب عن سعد)(٢) بن أبي وقاص أخرجه الطبراني، وفيه: ((أَنَّ الله أَبْدَلَنَا
بِالرَّهْبَانِيَّةِ الْحَنَيَفِيَّةَ السَّمْحَة))؛ كذا في ((النيل)). (وأنس بن مالك)(٣) أخرجه أحمد بلفظ: ((أَنَّ
النبيَّ ◌َِّ كَانَ يَأْمُرُ بِالْبَاءَةِ، وَيَنْهَى عَنِ التَّبَتُّلِ نَهْيًا شديدًا. ويقول: تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الولود؛
فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأَنْبِيَاءَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ)).
وأخرجه أيضًا ابن حبان وصححه، وذكره في ((مجمع الزوائد» في موضعين، وحسَّن
(١) أخرجه النسائي، كتاب النكاح. حديث (٣٢١٦).
(٢) لم أقف عليه عند الطبراني عن سعد وإنما هو عن سعيد بن العاص، وأما حديث سعد بن أبي وقاص فقد
أخرجه الترمذي، كتاب النكاح. حديث (١٠٨٣).
(٣) أخرجه أحمد. حديث (١٢٢٠٢)، وابن حبان. حديث (٣٣٨/٩). حديث (٤٠٢٨).

١٩٤
كتاب النكاح عن رسول الله بَّهِ / باب مَا جَاءَ في التَّهْي عَنِ التََّتَل
وعَائِشَةَ، وابنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: حدِيثُ سَمُرَةَ، حدِيثٌ حسنٌّ غِرِيبٌ، وَرَوَى الأَشْعَثُ بنُ
عَبْدِ المَلِكِ هَذَا الحَدِيثَ عَنِ الحَسَنِ، عَن سَعْدِ بنِ هِشَامٍ، عَن عَائِشَةَ، عنِ النَّبِيِّ
﴿مِّ نَحْوَهُ، وَيُقَالُ: كِلا الحَدِينَيْنِ صَحِيحٌ.
[١٠٨٣] (١٠٨٣) حَدَّثَنَا الحَسَنُ بنُ عَليِّ الخَلالُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ قَالُوا: أْبَرَنَا
عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ، عَن سَعِيدٍ بنِ المُسَيِّبِ، عن سَعْد بن
أبي وَقَّاصٍ، قَالَ: رَدَّ رَسُولُ اللهِّهَ عَلَى عُثمانَ بنِ مَظْعُونِ التَّبَثُلَ، ولوْ أذِنَ لَهُ
لاخْتَصَيْنَا. [خ: ٥٠٧٤، م: ١٤٠٢، ن: ٣٢١٢، جه: ١٨٤٨، حم: ١٥١٧، مي: ٢١٦٧].
إسناده في أحدهما؛ كذا في ((النيل)). (وعائشة)(١) أخرجه النسائي بلفظ حديث الباب.
(وابن عباس)(٢) أخرجه أحمد، وأبو داود، والحاكم، والطبراني مرفوعًا بلفظ: ((لا
صَرُورَةَ فِي الإِسْلَامِ».
قال الحافظُ في ((التلخيص)): وهو من رواية عطاء عن عكرمة عنه، ولم يقع منسوبًا،
فقال ابن طاهر: هو ابن وراز وهو ضعيف، لكن في رواية الطبراني(٣) ابن أبي الخوار وهو
موثق. انتهى.
قوله: (حديث سمرة حديث حسن غريب) فيه: أن في سماع الحسن عن سمرة خلافًا
مشهورًا .
[١٠٨٣] قوله: (رد رسول الله وَّفي على عثمان بن مظعون التبتل) أي: لم يأذن له حين
استأذنه، بل نهاه عنه.
قال النووي: وهذا عند أصحابنا محمول على مَنْ تَاقَتْ نفسه ووجد مؤنه. (ولو أذن له
لاختصينا) أي: لجعل كُلٌّ منا نفسه خَصيًّا؛ كيلا يحتاج إلى النساء.
قال الطيبي: كان الظاهر أن يقول: ولو أذن له لتبتلنا. ولكنه عدل عن هذا الظاهر إلى
(١) أخرجه النسائي، كتاب النكاح. حديث (٣٢١٣).
(٢) أخرجه أحمد. حديث (٢٨٤٠)، وأبو داود، كتاب المناسك. حديث (١٧٢٩)، والحاكم (٦١٧/١). حديث
(١٦٤٤)، والطبراني في ((الكبير)) (٢٣٤/١١). حديث (١١٥٩٥).
(٣) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٢٣٤/١١). حديث (١١٥٩٥).

١٩٥
كتاب النكاح عن رسول الله وٍَّ / باب مَا جَاءَ في التَّهْي عَنِ التَبَتَل
قوله: لاختصينا؛ لإرادة المبالغة، أي: لبالغنا في التبتل حتى يفضي بنا الاختصاء. ولم يرد
به حقيقة الاختصاء؛ لأنه حرام.
وقيل: بل هو على ظَاهِرِهِ، وكان ذلك قبل النهي عن الاختصاءِ. ويؤيده توارد استئذان
جماعة من صحابة النبي ◌َّر في ذلك؛ كأبي هريرة، وابن مسعود، وغيرهما؛ كذا في ((فتح
الباري)). قال النووي: وهذا محمول على أنهم كانوا يظنون جواز الاختصاء باجتهادهم، ولم
يكن ظنهم هذا موافقًا؛ فإن الاختصاء في الآدمي حرام، صغيرًا كان أو كبيرًا.
قال البغوي: وكذا يحرم خصاء كل حيوان لا يُؤكل، وأما المأكول فيجوز خصاؤه في
صغره، ويحرم في كبره. انتهى.
قلت: يدل على عدم جواز خصاءِ البهائم مطلقًا، صغيرة كانت أو كبيرة، مأكولة كانت
أو غير مأكولة؛ ما أخرجه البزار(١).
قال الشوكاني في ((النيل)) بإسناد صحيح من حديث ابن عباس: أن النبي ◌َّ نهى عن
صبر الروح، وعن إِخْصَاء البهائم نَهْيًا شديدًا. وأخرجه أيضًا البيهقي في ((سننه الكبرى))(٢).
ويؤيد هذا الحديث ما رواه أحمد، والطحاوي(٣) بإسناد ضعيف عن ابن عمر قال: نَهَى
رَسُولُ اللهِوَّهِ عَنْ إِخْصَاء الْخَيْلِ وَالْبَهَائِمِ، ثم قال ابن عمر: فيها نَمَاءُ الخَلْقِ.
قال الشوكاني في ((النيل)) تحت هذا الحديث: فيه دليل على تحريم خصي الحيوانات.
وقول ابن عمر: فيها نماء الخلق. أي: زيادته، إشارة على أن الخصي تنمو به الحيوانات،
ولكن ليس كل ما كان جالبًا لنفع يكون حلالًا، بل لا بد من عدم المانع وإيلام الحيوان،
هاهنا مانع؛ لأنه إيلام لم يأذن به الشارع بل نهى عنه. انتهى كلام الشوكاني.
وقد استدل بعض الصحابة والتابعين على عدم جواز إخصاء البهائم بقوله تعالى:
﴿ وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِيَنَّهُمْ وَلَمُرَنَّهُمْ فَيُبَتِكُنَّ مَاذَانَ اْلْأَنْعَمِ وَلَّهَُهُمْ فَيُغَيْرُنَ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء:
١١٩] قال الحافظ ابن كثير في ((تفسيره)) ﴿وَلَّمُهَنَّهُمْ فَيُغَيِّرُكَ خَلْقَ اَللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩] قال ابن
عباس: يعني بذلك خصي الدواب، وكذا روي عن ابن عمر، وأنس، وسعيد بن المسيب،
(١) لم أقف عليه.
(٢) أخرجه البيهقي (٢٤/١٠). حديث (١٩٥٧٥).
(٣) أخرجه أحمد. حديث (٤٧٥٥)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٣١٧/٤).

١٩٦
كتاب النكاح عن رسول الله ◌َّهِ / باب مَا جَاءَ في النَّهْي عَنِ الَّبَتَلِ
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذَا حدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وعكرمة، وأبي عياض، وقتادة، وأبي صالح، والثوري. وقد ورد في حديث النهي عن ذلك.
انتھی.
وقيل: المراد بتغيير خلق الله في هذه الآية: تغيير دين الله. ففي ((تفسير ابن كثير)): وقال
ابن عباس في رواية عنه، ومجاهد، وعكرمة، وإبراهيم النخعي، والحسن، وقتادة،
والحكم، والسدي، والضحاك، وعطاء الخراساني: ﴿وَلَّمَُّّهُمْ فَلَيُغَيْرُكَ خَلْقَ اَللَّهِّ﴾ [النساء:
١١٩] يعني: دين الله عز وجل، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلّينِ حَنِيفَأْ فِطْرَتَ الَّهِ اَلَّتِىِ
فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]، على قول من جعل ذلك أمرًا، أي: لَا تُبدِّلوا
فطرة الله، ودعوا الناس إلى فطرتهم. انتهى.
قلت: لو تأملت وتدبرت في الآيتين؛ ظهر لك أن المرادَ بتغيير خلق الله في الآية
الأولى: هو تغيير الصورة، وأن المراد بتبديل خلق الله في الآية الثانية: هو تبديلُ دين الله.
ويدل على أن المراد بتغيير خلق الله في الآية الأولى هو تغيير الصورة؛ ما أخرجه البخاري
ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود (١) قال: ((لَعَنَ الله الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ،
وَالْمُتَنَّمِّصَاتِ، وَالْمُتَفَلِّجَاتٍ لِلْحُسْنِ، الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ الله ... )) الحديث.
وقد استدل من قال بجواز إخصاء البهائم بما ورد من أن رسول الله وَّهُ ضَخَّى بكبْشَيْنَ
مَوْجوءَیْن.
قالوا: لو كان إخصاء الحيوان المأكول حرامًا؛ لما ضحى بالكبش الموجوء ألبتة، وفي
هذا الاستدلال نظر؛ كما لا يخفى على المتأمل. وقد بسطت الكلام في هذه المسألة في
رسالتي: ((إرشاد الهائم إلى حكم إخصاء البهائم)).
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان.
(١) أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن. حديث (٤٨٨٦)، ومسلم، كتاب اللباس والزينة. حديث (٢١٢٥).

١٩٧
كتاب النكاح عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاءَكم مَن تَرْضَوْنَ دِينهُ فَزَوِّجُوه
٣- باب مَا جَاءَكُم مَن تَرْضَوْنَ دِينُهُ فَزَوُِّجُوه [ت٣، ٣٠]
[١٠٨٤] (١٠٨٤) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الحَمِيدِ بنُ سُلَيمَانَ عَن ابنِ عَجْلانَ،
عَنِ ابنِ وَثِيمَةَ النَّصْرِيِّ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِذَا خَطَبَ إلَيْكُمْ
مَن تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ، فَزَوِّجُوهُ، إلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وفَسَادٌ عِرِيضُ))
[جه: ١٩٦٧].
٣ - باب مَا جَاءَكَمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ فَزَوْجُوهُ
[١٠٨٤] قوله: (حدثنا عبد الحميد بن سليمان) الخزاعي أبو عمر المدني، نزيل
((بغداد))، ضعيف من الثامنة، (عن ابن وثيمة) بفتح واو وكسر مثلثة، وسكون ياءٍ اسمه: زفر
الدمشقي، مقبول من الثالثة.
قوله: (إذا خطب إليكم) أي: طلب منكم أن تُزَوِّجُوهُ امرأة من أولادكم وأقاريكم (من
ترضون) أي: تستحسنون (دينه) أي: ديانته. (وخلقه) أي: معاشرته. (فزوجوه) أي: إياها
(إلا تفعلوا) أي: إن لم تزوجوا مَنْ تَرْضَوْنَ دينه وخلقه، وترغبوا في مجرد الحسب
والجمال، أو المال. (وفساد عريض) أي: ذو عرض، أي: كبير، وذلك لأنكم إن لم
تزوجوها إلا من ذي مال أو جاه، ربما يبقى أكثر نسائكم بلا أزواج، وأكثر رجالكم بلا
نساء، فيكثر الافتتانُ بالزنا، وربما يلحق الأولياء عار، فتهيج الفتن والفساد، ويترتب عليه
قطعُ النسب، وقلة الصلاح والعقَّة.
قال الطيبي: وفي الحديث دليل لمالك، فإنه يقول: لا يراعى في الكفاءة إلا الدِّين
وَحْدَهُ.
ومذهب الجمهور: أنه يُراعى أربعة أشياء: الدين، والحرية، والنسب، والصنعة، فلا
تزوج المسلمة من كافر، ولا الصالحة من فاسق، ولا الحرة من عبد، ولا المشهورة النسب
من الخامل، ولا بنت تاجر أو من له حرفة طيبة ممن له حرفة خبيثة أو مكروهة، فإن رضيَتِ
المرأةُ أو وليها بغير كُفْءٍ؛ صَحَّ النكاح، كذا في ((المرقاة)).

١٩٨
كتاب النكاح عن رسول الله وَّر / باب مَا جَاءَكم مَن تَرْضَوْنَ دِينِهُ فَزَوُجُوه
قَالَ: وفي البابِ عَن أبي حَاتِمِ المُزَنِي، وَعَائِشَةَ.
قَالَ أبُو عِيْسَى: حديثُ أبي هُرَيْرَةَ، قَدْ خُولِفَ عِبْدُ الحَمِيدِ بنُ سُلَيمانَ في هذا
الحديثِ، وَرَوَاهُ اللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ عَن ابنِ عَجْلانَ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، عنِ النَِّّ وَِّ، مُرْسَلًا.
قَالَ أبُو عِيْسَى: قَالَ مُحَمَّد: وحديثُ اللَّيْثِ أشبَهُ، وَلَمْ يَعُدَّ حديثَ عِبْدِ الحَمِيدِ
مَحْفُوظًا .
[١٠٨٥] (١٠٨٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ عَمْرٍو السَّواقِ البَلِيُّ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بنُ
إِسْمَاعِيلَ عَن عَبْدِ اللهِ بنِ مُسْلِم بنِ هِرْمُزَ، عَن مُحَمَّدٍ، وَسَعِيدٍ ابْنَ عَبَيْدٍ عَن أبي حَاتِم
المُزَنِي، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ بَّهَ: ((إِذَا جَاءَكُمْ مَن تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوْهُ، إِلَّا
تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ)). قَالُوا: يَا رَسُولَ الله! وَإِنْ كَانَ فِيهِ؟ قَالَ: ((إِذَا
جَاءكُمْ مَن تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فأنكحوهُ)) ثَلاثَ مَرَّاتٍ.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ،
قوله: (وفي الباب عن أبي حاتم المزني)(١). أخرجه الترمذي، (وعائشة)(٢) أَنَّ:
أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وكان ممن شهد بدرًا مع النبي وَّ تبنى سالمًا،
وأنكحه ابنة أخيه الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهو مولى امرأة من الأنصار. وأخرجه البخاري،
والنسائي، وأبو داود.
قوله: (مرسلًا) أي: منقطعًا بعدم ذكر ابن وثيمة.
قوله: (ولم يعد حديث عبد الحميد محفوظًا) لأنه ضعيف، وأما الليث بن سعد ثقة
ثبت.
[١٠٨٥] قوله: (وإن كان فيه) أي: شيء من قلة المال أو عدم الكفاءة.
قوله: (هذا حديث حسن غريب) في سنده عبد الله بن مسلم بن هرمز وهو ضعيف، إلا
أنه قد تأيد بحديث أبي هريرة المذكور قبله.
(١) أخرجه الترمذي، كتاب النكاح. حديث (١٠٨٥).
(٢) أخرجه البخاري، كتاب النكاح. حديث (٥٠٨٨)، والنسائي، كتاب النكاح. حديث (٣٢٢٣)، وأبو داود،
کتاب النكاح. حديث (٢٠٦١).

١٩٩
كتاب النكاح عن رسول الله وَلغيره / باب مَا جَاءَ أن المرأة تُنْكَحُ عَلَى ثَلاث خِصَال
وأبو حاتم المُزَنِيُّ لَهُ صُحْبَةٌ، وَلا نَعْرِفُ لَهُ عنِ النَّبِيِّ وَِّ غَيْرَ هذَا الحديثَ.
٤- باب مَا جَاءَ أن المرأة تُنْكَحُ عَلَى ثَلاث خِصَال [ت٤، ٤٢]
[١٠٨٦] (١٠٨٦) حَدَّثَنَا أحْمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ بنِ مُوسَى، أخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بنُ يُوسُفَ
الأزْرَقُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الملكِ بن أبي سليمان عَن عَطَاءٍ، عن جَابِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّ
قَالَ: ((إنَّ المَرْأةَ تُنْكَحُ عَلَى دينهَا ومَالِهَا وجَمَالِهَا، فَعَلَيْكَ بِذَاتِ الدِّينِ، تَرِبَتْ
يَدَاكَ)). [خ بنحوه: ٥٠٩٠، م: ٧١٥، ن: ٣٢٢٦، د بنحوه: ٢٠٤٧، جه بنحوه: ١٨٥٨، مي بنحوه:
٢١٧٠، حم: ١٣٨٢٥].
قوله: (وأبو حاتم المزني له صحبة) وقيل: لا صحبة له؛ كذا في ((التقريب)).
٤ - باب مَا جَاءَ: أَنَّ المَرْأَةَ تُنْكَحُ عَلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ
[١٠٨٦] قوله: (تنكح) بصيغة المجهول. (على دينها) أي: لأجل دينها فـ ((على)) بمعنى
(اللام)؛ لما في ((الصحيحين))(١): ((تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأَرْبَعِ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، ولِجَمَالِها،
وَلِدِينِهَا)) الحديث (فعليك بذات الدين) قال القاضي - رحمه الله -: من عادة الناس أن يرغبوا
في النساء، ويختاروها لإحدى الخصال، واللائق بذوي المروءات، وأرباب الديانات، أن
يكون الدين مطمح نظرهم فيما يأتون ويذرون، لا سيما فيما يدوم أمره، ويعظم خطره.
انتھی.
وقد وقع في حديث عبد الله بن عمر، وعند ابن ماجه، والبزار، والبيهقي(٢) رفعه: ((لَا
تَوَّجُوا النِّسَاءَ لَحُسنِهِنَّ؛ فَعَسَى حُسْنُهُنَّ أَنْ يُرْدِيَهُنَّ، وَلَا تَوَّجُوهُنَّ لِأَمْوَالِهِنَّ؛ فَعَسى أَمْوَالُهُنَّ
أن تُطْغِيَهُنَّ، وَلكِنْ تَزَوَّجُوهُنَّ عَلَى الدّينِ، وَلِأَمَةٌ سَوْدَاءُ ذَاتُ دينٍ أَفْضَل)).
(تربت يداك) قال الجزري: في ((النهاية)) يقال: ترب الرجل إذا افتقر، أي: لصق
بالتراب، وأترب إذا استغنى. وهذه الكلمة جارية على ألسنة العرب، لا يريدون بها الدعاء
على المخاطب، ولا وقوع الأمر به. قال: وكثيرًا ترد للعرب ألفاظٌ ظاهرها الذم، وإنما
يريدون بها المدح؛ كقولهم: لا أب لك، ولا أم لك، ولا أرض لك. ونحو ذلك. انتهى.
(١) أخرجه البخاري، كتاب النكاح، حديث (٥٠٩٠)، ومسلم، كتاب الرضاع، حديث (١٤٦٦).
(٢) أخرجه ابن ماجه، كتاب النكاح. حديث (١٨٥٩)، والبيهقي (٧/ ٨٠). حديث (١٣٢٤٧)، والبزار (٤١٣/٦).
حدیث (٢٤٣٨).

٢٠٠
كتاب النكاح عن رسول الله وَلجر / باب مَا جَاءَ في النَّظَرِ إلى المَخْطوبَة
قَالَ: وفي البابِ عَن عَوفِ بنِ مَالِكٍ، وعَائِشَةَ، وعَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو،
وأبي سَعِيدٍ.
قَالَ أبُو عِيْسَی: حدیثُ جابرٍ، حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
٥- باب مَا جَاءَ في النَّظَرِ إلى المَخْطوبَة [ت٥، ٥٢]
[١٠٨٧] (١٠٨٧) حَدَّثَنَا أحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا ابنُ أبي زَائِدَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي
عَاصِمُ بنُ سُلَيمانَ، هو الأحْوَلُ، عَن بَكْرِ بنِ عَبْدِ الله المُزْنِيِّ، عَنِ المُغِيرَةِ بنِ
شُعْبَةَ، أَنَّهُ خَطَبَ امْرأةً، فَقَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((انْظُرْ إِلَيْهَا، فَإِنَّهُ أَحْرَى أنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا)).
[ن: ٣٢٣٥، جه: ١٨٦٦، حم: ١٧٦٧١، مي: ٢١٧٢].
قوله: (وفي الباب عن عوف بن مالك(١)، وعائشة)(٢) لينظر من أخرج حديثهما.
(وعبد الله بن عمرو) (٣) أخرجه ابن ماجه، وتقدم لفظُه وأخرجه أيضًا البزار والبيهقي.
(وأبي سعيد)(٤) أخرجه الحاكم، وابن حبان بلفظ: ((تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى إِحْدَى ثَلاثٍ خِصَالٍ:
جَمَالِها، وَدِينِهَا، وَخُلُقِهَا؛ فَعَلَيْكَ بِذاتِ الدِّينَ وَالْخُلُقِ)).
قوله: (حديث جابر حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم.
٥ - باب مَا جَاءَ في النَّظَرِ إِلَى المَخْطُوبَةِ
[١٠٨٧] قوله: (فإنه) أي: النظر إليها (أحرى) أي: أجدر وأولى وأنسب (أن يؤدم
بينكما) أي: بأن يؤلف ويوفق بينكما، قال ابن الملك: يقال: أدَم الله بينكما يَأْدِمُ أَدْمًا
بالسكون [أي]: أصلح وألف، وكذا آدَمَ. في ((الفائق)): الأدم، والإيدام: الإصلاحُ
والتوفيقُ، من أدم الطعام وهو إصلاحه بالإدام، وجعله موافقًا للطاعم. والتقدير: يؤدم به.
فالجارُ والمجرورُ أُقيم مقام الفاعل، ثم حذف، أو نزل المتعدي منزلة اللازم، أي: يوقع
الأدم بينكما، يعني: يكون بينكما، الألفة والمحبة؛ لأن تزوجها إذا كان بعد معرفة، فلا
(١) قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٢٥٤/٤): رواه البزار (٧/ ١٧١). حدیث (٢٧٣٦) وفیه یزید بن عياض وهو
متروك.
(٢) أخرجه الحاكم (١٧٤/٢). حديث (٢٦٧٩).
(٣) أخرجه ابن ماجه، كتاب النكاح. حديث (١٨٥٩)، والبيهقي (٧/ ٨٠). حديث (١٣٢٤٧).
(٤) أخرجه ابن حبان (٣٤٥/٩). حديث (٤٠٣٧)، والحاكم (١٧٤/٢). حديث (٢٦٨٠) وصححه، ووافقه الذهبي.