Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
كتاب الجنائز عن رسول الله وَّر / باب مَا جَاءَ في المِسْكِ للمَيِّت
١٦ - باب مَا جَاءَ في المِسْكِ للمَيِّت [ت١٦، م١٦]
[٩٩١] (٩٩١) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بنُ غَيْلانَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ وشَبَابَةُ قالا: حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ عَن خُلَيْدِ بن جَعْفَرٍ سَمِعَ أبا نَضْرَةَ يُحدِّث عَن أبي سَعِيْدِ الخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((أَظْيَبُ الطَّب المِسْكُ)). [م بنحوه: ٢٢٥٢، ن: ١٩٠٤، حم: ١٠٩١٨].
قَالَ أبُو عِيْسَی: هذا حديث حسن صحيح.
[٩٩٢] (٩٩٢) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بنُ وَكِيعِ، حَدَّثَنَا أبي عَن شُعْبَةَ عَن خُلَيْدٍ بنِ جَعْفَرٍ
عَن أبي نَضْرَةَ، عَن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ - نَّهِ - سُئِلَ عَنِ المِسْكِ فَقَالَ:
((هُوَ أْيَبُ طِيِكُمْ)). [د: ٣١٥٨].
١٦ - باب مَا جَاءَ في المِسْكِ لِلْمَيِّتِ
[٩٩٢] قوله: (حدثنا سفيان بن وكيع) بن الجراح الرواسي الكوفي أبو محمد.
قال البخاري: يتكلمون فيه.
وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: لين (حدثنا أبي) هو: وكيع بن الجراح أبو سفيان،
أحد الأئمة الأعلام، ثقة، حافظ.
(عن خليد) بالتصغير (بن جعفر) بن طريف الحنفي البصري، صدوق، لم يثبت أن ابن
معين ضعفه؛ قاله الحافظ.
قوله: (فقال: هو أطيب طيبكم) أي: أفضله؛ فهو أفخر أنواعه وسيدها، وتقديم العنبر
عليه خطأ، كما قال ابن القيم، ومطابقة الحديث للباب بأن من المعلوم أن الطيب سنة للميت
والمسك فرد من الطيب، بل هو من أفضل أفراده فهو أيضًا سنة له.
تنبيه: قال الحافظ الزيلعي في ((نصب الراية)) ص ٣٤٤ بعد ذكر هذا الحديث: أخرجه
مسلم في ((الطب))، وأخرجه أبو داود، والنسائي في ((الجنائز))، وبوبا عليه: باب: ((الطيب
للمیت))، قال: ولم أعرف مطابقته للباب. انتهى.
قلت: ليس في واحدة من نسخ أبي داود الموجودة عندنا: ((باب: الطيب للميت))، بل وقع
في جميعها باب: ((في المسك للميت))، ووقع في نسخة النسائي المطبوعة الموجودة عندنا :
((المسك)) وليس فيها لفظ: ((باب)) ولا لفظ: ((للميت))، فالحديث مطابق لتبويبها؛ كما عرفت.

٤٢
كتاب الجنائز عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ في المِسْكِ للمَيِّت
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، والعَمَلُ على هذا عِنْدَ بَعْضِ أهْلٍ
العِلْمِ، وهُوَ قَوْلُ أحمدَ وإِسْحَاقَ، وقد كَرِهَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ المِسْكَ لِلْمَيِّتِ، قَالَ:
وقد رَوَاهُ المُسْتَمِرُّ بنُ الرَّيَّانِ أَيْضًا عَن أبي نَضْرَةَ، عَن أبي سَعِيدٍ عنِ النَّبِيِّ نَِّ، قَالَ
عَلِيٍّ: قَالَ يَحْيَى بِنُ سَعِيدٍ: المُسْتَمِرُّ بنُ الرَّيَّانِ ثِقَةٌ، قَالَ يَحْتَى: خُلَيْدُ بنُ جَعْفَرِ ثِقَةٌ.
قوله: (وهو قول أحمد، وإسحاق) واستدل لهما بحديث الباب، وما أخرج الحاكم في
((المستدرك)) عن أبي وائل، قال: كان عند علي - رضي الله تعالى عنه - مسك؛ فأوصى أن
يحنط به، وقال: هو فضل حَنُوطِ رسول الله وَّه. انتهى. وسكت. ورواه ابن أبي شيبة في
((مصنفه)) ورواه البيهقي في ((سنته))(١).
قال النووي: إسناده حسن، وبما أخرج عبد الرزاق في ((مصنفه)) (٢) عن سلمان؛ أنه
استودع امرأته مسكًا فقال: إذا مت فطيبوني به، فإنه يحضرني خلق من خلق لا ينالون من
الطعام والشراب، يجدون الريح. انتهى.
قوله: (وقد كره بعض أهل العلم المسك للميت) لم أقف على وجه الكراهة، والحق هو
الجواز.
قوله: (وقد رواه المستمر بن الريان .. إلخ) بفتح الراء المهملة، وشدة التحتانية،
وأخرج روايته مسلم، وأبو داود، والنسائي(٣).
قوله: (قال علي) وهو: علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح السعدي مولاهم
أبو الحسن بن المديني البصري، ثقة، ثبت، إمام، أعلم أهل عصره بالحديث وعلله. (قال
يحيى بن سعيد) بن فروخ أبو سعيد القطان، أحد أئمة الجرح والتعديل.
(١) أخرجه الحاكم (٥١٥/١). حديث (١٣٣٧)، وابن أبي شيبة (٤٦١/٢). حديث (١١٠٣٦)، والبيهقي (٤٠٥/٣).
حدیث (٦٤٩٨).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٤١٥/٣)، حديث (٦١٤٢).
(٣) أخرجه مسلم، كتاب الألفاظ من الأدب. حديث (٢٢٥٢)، وأبو داود، كتاب الجنائز. حديث (٣١٥٨)،
والنسائي في كتاب الجنائز. حديث (١٩٠٦).

٤٣
كتاب الجنائز عن رسول الله وَ ل﴿ه / باب مَا جَاءَ في الغُسْلِ مِن غُسْلِ المَيِّت
١٧ - باب مَا جَاءَ في الغُسْلِ مِن غُسْلِ المَيِّت [ت١٧، م١٧]
[٩٩٣] (٩٩٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ بنِ أبي الشَّوَارِبِ، حَدَّثَنَا
عَبْدُ العَزِيزِ بنُ المُخْتَارِ عَن سُهَيْلٍ بن أبي صَالِحٍ عَن أبيهِ عَن أبي هُرَيْرَةَ، عنِ النَّبِيِّ
قَالَ: ((مِن غُسْلِهِ الغُسْلُ، ومِنْ حَمْلِهِ الوُضُوءُ)) - يَعْني المَيِّتَ -. [د بنحوه: ٣١٦١،
جه بنحوه: ١٤٦٣، حم بنحوه: ٧٦٣٢].
قَالَ: وفي الباب عَن عَلِي وعَائِشَةَ.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: حديثُ أبي هُرَيْرَةَ، حديثٌ حسنٌ، وقد رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَةً
١٧ - باب مَا جَاءَ في الْغُسْلِ من غُسْلِ الَيُتِ
[٩٩٣] قوله: (من غسله الغسل) وفي رواية أبي داود، من طريق عمرو بن عمير، عن
أبي هريرة بلفظ: ((مَنْ غَسَّلَ الْمَيِّتَ فَلْيَغْتَسِلْ وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأُ)) (يعني: الميت) هذا تفسير
من بعض الرواة للضمير المجرور في قوله: ((من غسله، ومن حمله)).
قوله: (وفي الباب عن علي)(١)، أخرجه أبو داود، والنسائي، وغيرهما، ولفظ أبي داود:
قال: قلت للنبي وَّهِ: إن عمك الشيخ الضال قد مات. قال: ((اذْهَبْ فَوارِ أَبَاكَ ثُمَّ لَا تُحْدِثَنَّ
شَيْئًا حَتَّى تَأْتِيني))، فَذَهبت فورايته، وجئته، فأمرني فاغتسلت، ودعا لي. انتهى.
قال الحافظ: مدار كلام البيهقي على أنه ضعيف، ولا یتبین وجه ضعفه. قال: وقع عند
ابن أبي شيبة في ((مصنفه))(٢) بلفظ: فقلت: إن عمك الشَّيخ الكافر قد مات، فما ترى فيه؟
قال: ((أَرَى أَنْ تُغَسِّلَهُ وَتَجِنَّهُ))؛ كذا في ((التلخيص)). و(عائشة)(٣)، أخرجه أبو داود، وغيره
بلفظ: أن النبي ◌َ﴿ كان يَغْتَسِلُ من أَرْبَعٍ: مِنَ الْجَنَابَةِ، وَيَومَ الْجُمُعَةِ، وَمِن الْحِجَامَةِ، ومِنْ
غُسْلِ الْمَيِّتِ، انتهى. والحديث ضعيف.
قوله: (حديث أبي هريرة حديث حسن) قال الحافظ في ((الفتح)): هو معلول؛ لأن
أبا صالح لم يسمعه من أبي هريرة.
(١) أخرجه أبو داود، كتاب الجنائز. حديث (٣٢١٤)، والنسائي، كتاب الجنائز. حديث (٢٠٠٦).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٣/٣). حديث (١١٨٤٨).
(٣) أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة. حديث (٣٤٨).

٤٤
كتاب الجنائز عن رسول الله وَيه / باب مَا جَاءَ في الغُسْلِ مِن غُسْلِ المَيِّت
مَوْقُوفًا، وقد اخْتَلَفَ أهْلُ العِلم في الذي يُغَسِّلُ المَيِّتَ؛ فقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِن
أصْحَابِ النبيِّ وَّهِ وَغَيْرِهِمْ: إذَا غَسَّلَ مَيَِّا، فَعَلَيْهِ الغُسْلُ.
وقَالَ بَعْضُهُمْ عَلَيْهِ الوُضُوءُ.
وقالَ مَالِكُ بنُ أنَسٍ: أسْتَحِبُّ الغُسْلَ مِن غُسْلِ المَيِّتِ، ولا أرَى ذَلِكَ وَاحِبًا،
وهَكَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وقالَ أحمدُ: مَن غَسَّلَ مَيَِّا أرْجُو ألا يَجِب عَليهِ الغُسْلُ، وأما
الوُضُوءُ فَأَقَلُّ مَا قِيلَ فِيهِ، وقالَ إِسْحَاقُ: لا بُدَّ مِنَ الوُضُوءِ، قَالَ:
وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: الصوابُ عن أبي هريرة موقوف. انتهى. وقال في
((التلخيص)) بعدما ذكر طرقًا عديدة لحديث أبي هريرة هذا ما لفظه: وفي الجملة هو بكثرة
طرقه - أسوأ أحواله - أن يكن حسنًا، فإنكار النووي على الترمذي تحسينه؛ معترض.
وقد قال الذهبي في ((مختصر البيهقي)): طرق هذا الحديث أقوى من عدة أحاديث، احتج
بها الفقهاء، ولم يعلوها بالوقف، بل قدموا رواية الرفع. انتهى.
قلت: الحق أن حديث أبي هريرة هذا - بكثرة طرقه وشواهده - لا ينزل عن درجة
الحسن، وقد صحح هذا الحديث ابن حبان، كما ذكره الحافظ في ((التلخيص)).
قوله: (فقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي - * وغيرهم: إذا غسل ميتًا فعليه
الغسل) أي: فالغسل عليه واجب، وروي ذلك عن علي، وأبي هريرة، واستدلُّوا على
الوجوب بحديث الباب، وما في معناه؛ فإنه بظاهره يدل على الوجوب. (وقال مالك بن
أنس: أستحب الغسل من غسل الميت، ولا أرى ذلك واجبًا، وهكذا قال الشافعي، وقال
أحمد: من غسل ميتًا أرجو ألّا يجب عليه الغسل) واستدل هؤلاء أيضًا بحديث الباب،
لكنهم حملوا الأمر فيه على الاستحباب؛ لحديث ابن عباس، قال: قال رسولُ الله الير:
((ليس عليكم في غسل ميتكم غسل إذا غسلتموه، إن ميتكم يموت طاهرًا، وليس بنجس،
فحسبكم أن تغسلوا أيديكم»(١) .
أخرجه البيهقي، وقد حسن الحافظ إسناده، وقال: فيجمع بينه وبين الأمر في حديث
(١) أخرجه الحاكم (٥٤٣/١)، حديث (١٤٢٦)، والبيهقي في ((الكبرى)) حديث (١٣٥٨)، وقال: روي هذا
مرفوعًا، ولا يصح رفعه. وبرقم (١٣٥٩).

٤٥
كتاب الجنائز عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاءَ في الغُسْلِ مِن غُسْلِ المَيِّت
وقد رُوِيَ عَن عَبدِ الله بنِ المُبَارَكِ؛ أنَّهُ قَالَ: لا يَغْتَسِلُ ولا يَتَوَضَّأُ مَن غَسَّل المَيِّت.
أبي هريرة، بأن الأمر على الندب، أو المراد بالغسل غسل الأيدي، كما صرح به في هذا،
انتهى، ولحديث ابن عمر(١) ﴿به، كنا نغسل الميت، فمنَّا من يغتسل، ومنَّا من لا يغتسل.
قال الحافظ في ((التلخيص)): إسناده صحيح، وهو يؤيد أن الأمر في حديث أبي هريرة
للندب، وهو أحسن ما جمع به بين مختلف هذه الأحاديث. انتهى.
ولحديث أسماء بنت عميس - امرأة أبي بكر الصديق مظ لته - أنها غسلت أبا بكر حين
تُوفي، ثم خرجت، فسألت من حضرها من المهاجرين، فقالت: إن هذا يوم شديد البرد،
وأنا صائمة، فهل عليَّ من غسل؟ قالوا: لا؟ رواه مالك في ((الموطأ))(٢).
قال الشوكاني في ((النيل)): وهو من الأدلة الدالة على استحباب الغسل دون وجوبه، وهو
أيضًا من القرائن الصَّارفة عن الوجوب، فإنه يبعد غاية البعد أن يجهل أهل ذلك الجمع الذين
هم أعيانُ المهاجرين والأنصار واجبًا من الواجبات الشرعية، ولعلَّ الحاضرين منهم [ذلك
الموقف] جل المهاجرين وأجلهم؛ لأن موت مثل أبي بكر حادث، لا يظن بأحد من
الصحابة الموجودين في ((المدينة)) أن يتخلف عنه، وهم في ذلك الوقت، لم يتفرقوا كما
تفرقوا من بعد. انتهى.
وقال فيه: والقول بالاستحباب هو الحق، لما فيه من الجمع بين الأدلة بوجه مستحسن. انتهى.
(وقد رُوِيَ عن عبد الله بن المُبَارَكِ، أنه قال: لَا يغتسل، ولا يتوضأ من غسل الميت)
استدل من ذهب إلى عدم استحباب الاغتسال من غسل الميت، بحديث ابن عباس المذكور،
وبحدیث أسماء بنت عميس المذكور، وأجابوا عن حديث الباب، بأنه ضعيف.
قال علي بن المديني، وأحمد بن حنبل: لا يصح في الباب شيء.
وقال الذهلي: لا أعلم فيه حديثًا ثابتًا، ولو ثبت للزمنا استعماله.
وقال الرافعي: لم يصحح علماء الحديث في هذا الباب شيئًا مرفوعًا.
وقد عرفت أن الحق؛ أن حديث الباب - بكثرة طرقه وشواهده - لا ينحط عن درجة
الحسن، وأجابوا أيضًا: بأن حديث الباب منسوخ، وقد جزم به أبو داود، ونقله عن أحمد،
وفيه: أن النسخ لا يثبت بالاحتمال، بل إذا وجد ناسخ صريح، وهو متأخر.
(١) أخرجه الدارقطني (٧٢/٢). حديث (٤).
(٢) أخرجه مالك في كتاب الجنائز. حديث (٥١٩).

٤٦
كتاب الجنائز عن رسول الله وَل﴿ / باب مَا يُسْتَحَبُّ مِنَ الأكْفَان
١٨ - باب مَا يُسْتَحَبُّ مِنَ الأكْفَان [ت١٨، ١٨٢]
[٩٩٤] (٩٩٤) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بنُ المُفَضَّلِ عَن عَبْدِ الله بنِ عُثمانَ بنِ
خُثَيْمِ عَن سَعِيدٍ بن جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((البَسُوا مِن
ثِيَابِكُمُ البَيَاضَ، فَإِنَّها مِن خَيْرِ ثِيَائِكُمْ، وكفّنُوا فِيها مَوْتَاكُمْ)). [جه: ٣٥٦٦، د: ٤٠٦١،
ن: ١٨٩٥، حم: ٢٤٧٥].
وفي البابِ عَن سَمُرَةَ وابنٍ عُمَرَ وعائشةً.
قَالَ أبُو عِيْسَى: حديثُ ابنِ عَبَّاسٍ، حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وهُوَ الذي يَسْتَحِبُّهُ
أهْلُ العِلْمِ،
١٨ - باب مَا يُسْتَحَبُّ مِنَ الأَكْفَانِ
[٩٩٤] قوله: (البسوا) بفتح الباء (من ثيابكم) ((من)) تبعيضية، أو بيانية مقدمة (البياض) أي:
ذات البياض ؛ (فإنها) أي: الثياب البيض (وكفنوا فيها موتاكم) قال القاري: الأمر فيه للاستحباب.
قال ابن الهمام: وأحبها البياضُ، ولا بأس بالبرد، والكتان للرجال، ويجوز للنساء
الحرير، والمزعفر والمعصفر، اعتبارًا للكفن باللباس في الحياة. انتهى.
قال النووي: استحباب التكفين في البياض مجمعٌ عليه.
قوله: (وفي الباب عن سَمُرَةَ)(١) أخرجه أحمد، والنسائي والترمذي. (وابن عمر)(٢)
أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (وعائشة)(٣) أخرجه الشيخان بلفظ: أن رسول الله وَ لَهُ كُفِّنَ في
ثلاثة أثواب يَمانِيَّةٍ، بيض سَحُولِيَّة ... إلخ.
وفي الباب أحاديث أخرى ذكرها الشوكاني في ((النيل)).
قوله: (حديث ابن عباس حديث حسن صحيح) أخرجه الخمسة إلا النسائي، كذا في
((المنتقى)) وصححه ابن القطان.
(١) أخرجه أحمد. حديث (١٩٦٤١)، والنسائي، كتاب الجنائز. حديث (١٨٩٦)، والترمذي، كتاب الأدب.
حدیث (٢٨١٠).
(٢) أخرجه ابن عدي (٣٣٢/٥) ترجمة عاصم بن هلال البارقي (١٣٨٣).
(٣) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز (١٢٦٤)، ومسلم، كتاب الجنائز. حديث (٩٤١).

٤٧
كتاب الجنائز عن رسول الله ﴿ / بَابٌ مِنْهُ
وقالَ ابنُ المُبَارَكِ: أحَبُّ إليَّ أنْ يُكَفَّنَ في ثِيَابِهِ الَّتِي كان يُصَلِّي فِيها، وقالَ أحمدُ
وإِسْحَاقُ: أَحَبُّ الِيَابِ إِلَيْنَا - أنْ يُكَفَّنَ فِيها - البَيَاضُ، ويُسْتَحَبُّ حُسْنُ الكَفَنِ.
١٩- بَابٌ مِنْهُ [ت١٩، م١٩]
[٩٩٥] (٩٩٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ بَشّارٍ، حَدَّثَنَا عُمرُ بنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بنُ
عَمَّارٍ عَنِ هِشَامِ بنِ حَسَّان عَن مُحَمَّدٍ بنِ سِيرِينَ عَن أبي قَتَادَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله
وَله: ((إذَا وَلِيَ أحَدُكُمْ أخَاهُ فَلْيُحسنْ كَفَنْهُ)). [جه: ١٤٧٤، م: ٩٤٣، ن: ١٨٩٤، د: ٣١٤٨،
حم: ١٤٥٧٥].
(وقال ابن المبارك: أحب إليَّ أن يكفن في ثيابه، التي كان يصلي فيها) لأنها ثياب عبادة
قد تعبد فيها .
وروى ابن سعد(١)، عن طريق القاسم بن محمد بن أبي بكر، قال أبو بكر: كَفِّنوني في
ثَوْبَيَّ اللَّذَيْنِ كنت أصلي فيهما، كذا في ((فتح الباري))، وفي ((تذكرة الحفاظ)) للذهبي.
قال الزهري: إن سعدًا لما احتضر دعا بخلق جبة صوف، وقال: كَفِّنُوني فيها، فَإِنِّي
قاتلت فيها يوم بدر، إنَّما خَبَّأْتُهَا لهذا.
قوله: (ويستحب حسن الكفن) يأتي بيان حُسْنِهِ في الباب الآتي.
١٩ - باب [منه]
[٩٩٥] قوله: (فليحسن) ضُبط بفتح الحاء، وإسكانها. قال النووي: كلاهما صحيح.
(كفنه) قال السيوطي في ((قوت المغتذي): المشهور في رواية هذا الحديث فتح الفاء،
وحكى بعضهم سكونها على المصدر. انتهى.
والمراد بإحسان الکفن: نظافته، ونقاؤه، وكثافته وستره، وتوسطه، وکونه من جنس
لباسه في الحياة لا أفخر منه ولا أحقر، وليس المراد بإحسانه: السرف فيه والمغالاة،
ونفاسته، لحديث علي - ﴿ه - مرفوعًا: (لَا تُغَالُوا فِي الْكَفَنِ، فَإِنَّهُ يُسْلَبُ سَلْبًا سَرِيعًا))(٢)
رواه أبو داود.
(١) أخرجه ابن سعد (٢٠٥/٣).
(٢) أخرجه أبو داود، كتاب الجنائز. حديث (٣١٥٤).

٤٨
كتاب الجنائز عن رسول الله وَ ﴿ / باب مَا جَاءَ في كَفَنِ النبيِّ ◌َلفول
وفیدٍ عَن جَابٍِ .
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، وقال ابنُ المُبَارَكِ: قَالَ سَلَّامُ بنُ
أبي مُطِيعٍ في قَوْلِهِ: ولْيُحَسِّنْ أحَدُكُمْ كَفَنَ أخِيهِ. قَالَ: هُوَ الصَّفَا وَلَيْسَ بالمُرْتَفِع.
٢٠ - باب مَا جَاءَ في كَفَنِ النبيِّ ◌َِ [ت٢٠، ٢٠٢]
[٩٩٦] (٩٩٦) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بنُ غِيَاثٍ، عَن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ، عَن
أبيهِ، عَن عَائِشَةَ، قَالَت: كُفِّنَ النبيُّ بَّهِ فِي ثَلاثةِ أَتْوَابٍ بِيضٍ يَمَانِيَّةٍ، لَيْسَ فيها
قَمِيصٌ ولا عِمَامَةٌ، قَالَ:
قوله: (وفيه عن جابر) أخرجه مسلم(١).
قوله: (قال سلام) بتشديد اللام، وسلاَّم هذا هو: شيخ ابن المبارك، ثقة، صاحب سنة،
في روايته عن قتادة ضعف، من السابعة؛ قاله الحافظ.
(هو الصفا) أي: النظيف.
(وليس بالمرتفع) أي: في الثمن.
٢٠ - باب مَا جَاءَ في كَمْ كُفِّنَ النَّبِيُّ وِّ؟
[٩٩٦] قوله: (يمانية) بتخفيف الياء، على اللغة الفصيحة المشهورة، وحکی سيبويه،
والجوهري، وغيرهما لغة في تشديدها. وجه الأول: أن الألف بدل من ياء النسبة، فلا
يجتمعان فيقال يمنية، أو يمانية بالتخفيف، وكلاهما نسبة إلى ((اليمن)).
(ليس فيها قميص، ولا عمامة) فيه دليلٌ على أن القميص ليس بمستحب في الكفن؛ وهو
قول الجمهور.
وقال مالك والحنفية باستحبابه.
وأجابوا عن قول عائشة - ﴿يٌّا - ليس فيها قميص، ولا عمامة: بأنه يحتمل نفي
وجودهما، ويحتمل أن يكون المراد: نفي المعدود، أي: الثلاثة خارجة عن القميص
والعمامة، وهما زائدان، وأن يكون معناه: ليس فيها قميص جديد، أو ليس فيها القميص
الذي غُسل فيه، أو ليس فيها قميص مَكْفُوف الأطراف.
(١) أخرجه مسلم، كتاب الجنائز. حديث (٩٤٣) ..

٤٩
كتاب الجنائز عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ في كَفَنِ النبيِّ ◌َِّ
فَذَكَرُوا لِعَائِشَةَ قَوْلَهُمْ: في ثَوْبَيْنِ وبُرْدِ حِبَرَةٍ فَقَالَت: قَدْ أُتِيَ بالْبُرْدِ، ولَكِنَّهُمْ رَدُّوهُ،
ولمْ يُكَفِّئُوهُ فيهِ. [خ بنحوه: ١٢٦٤، م بنحوه: ٩٤١، ن: ١٨٩٨، د بنحوه: ٣١٥١، جه: ١٤٦٩،
حم بنحوه: ٢٤١٠٤، طا بنحوه: ٥٢١].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
[٩٩٧] (٩٩٧) حَدَّثَنَا ابنُ أبِي عُمرَ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بنُ السَّرِيِّ عَن زَائِدَةَ عَن
عَبْدِ الله بنِ مُحَمَّدٍ بنِ عَقِيلٍ عَن جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله: أنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَّهِ كَفَّنَ حَمْزَةَ بنَ
عَبْدِ المُطَلِبٍ فِي نَمِرَةٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ. [حم: ١٤١١٢].
قَالَ: وفي البابِ عَن عَلِي
ويجاب: بأن الاحتمال الأول هو الظاهر، وما عداه متعسف، فلا يصار إليه، كذا في
(النيل)).
قوله: (فذكروا لعائشة قولهم: في ثوبين وبرد حبرة) - بكسر الحاء المهملة، وفتح
الموحدة - ما كان من البرود مخططًا .
وروى أبو داود(١) عن جابر؛ أن النبي وَّفي كفن في ثوبين وبُرْد حبرة، انتهى. قال الحافظ
في ((الفتح)): إسناده حسن، لكن روى مسلم، والترمذي من حديث عائشة؛ أنهم نزعوها
عنه. انتهى.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعةُ.
[٩٩٧] قوله: (كفن حمزة بن عبد المطلب) عم رسول الله في (في نمرة) - بفتح نون،
وكسر ميم - هي شملة فيها خُطُوط بيضٌ وسودٌ، أو بُرْدَةٌ من صُوفٍ تَلْبَسُهَا الأعرابُ، كذا في
(القاموس)). (في ثوب واحد) بدل من ((في نَمِرَةٍ).
وروى أحمد في ((مسنده) عن خباب، أن حمزة لم يوجد له كفن إلَّا بُرْدَةً مَلْحَاء، إِذَا جُعِلَتْ
عَلى قدميه قَلَصَتْ عن رأسه، حتى مُدَّتْ على رأسه، وَجُعِلَ على قدمه الإذخر(٢). انتهى.
قوله: (وفي الباب عن علي)(٣) أخرجه ابن أبي شيبة، وأحمد، والبزار، بلفظ: قال:
.(١) أخرجه أبو داود، كتاب الجنائز. حديث (٣١٥١)، ومسلم، كتاب الجنائز. حديث (٩٩٦).
(٢) أخرجه أحمد. حديث (٢٠٥٦٧).
(٣) أخرجه أحمد. حديث (٧٣٠)، وابن أبي شيبة (٤٦٥/٢). حديث (١١٠٨٤) والبزار (٢٤٥/٢). حديث (٦٤٦).

٥٠
كتاب الجنائز عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ في كَفَنِ النبيِّ ◌ِإلَّ
وابنِ عَبَّاسٍ وعَبْدِ الله بن مُغَفَّلٍ وابنٍ عُمَرَ.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: حديثُ عَائِشَةَ، حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وقد رُوِيَ في كَفَنِ النَّبِيِّ
وَ﴿ رِوَايَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ، وحديثُ عَائِشَةَ أصَحُّ الأحَادِيثِ التي رُوِيَتْ فِي كَفَنِ النَّبِّ بََّ،
والعَمَلُ على حديث عائشة عِنْدَ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ مِن أَصْحَابِ النبيِّ وَّهِ وغَيْرِهِمْ، قالَ
سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: يُكَفَّنُ الرَّجُلُ فِي ثَلاث أثْوَابٍ، إن شِئْتَ في قَمِيصٍ ولفَافَتَيْنٍ، وإِنْ
شِئْتَ في ثلاثٍ لَفَائِفَ، ويُجْزِئُ ثَوْبٌ وَاحِدٌ إِنْ لَمْ يَجِدُوا ثَوْبَيْنٍ، والثَّوْبَانِ يُجْزِيَانِ،
((كُفِّنَ النَّبِيُّ نَّهِ فِي سَبْعَةِ أَثْوَاب)). وفي إسناده: عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو سيئ
الحفظ، لا يصلح الاحتجاج بحديثه إذا خالف الثقات، كما هنا؛ كذا في ((النيل)) (وابن
عباس)(١)، أخرجه أحمد، وأبو داود، بلفظ: أن رسول الله بَّهِ كُفِّنَ في ثَلاثَةِ أَثْوَابٍ: قَميصِهِ
الَّذي مات فيه، وَحُلَّةٍ نَجْرانيَّةٍ: الحَلة ثوبان، وفي إسناده يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف،
كَبرَ فتغير، قاله الحافظ. (وعبد الله بن مغفل)(٢) لينظر من أخرجه. (وابن عمر). أخرجه
الحاكم بمعنى حديث عليٍّ المذكور(٣).
قوله: (حديث عائشة حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة.
(والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم) أي: عمل أكثر أهل العلم على أن يكفن الرجل في
ثلاثة أبواب، ليس فيها قميص ولا عمامة؛ وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل.
قال القاري في ((المرقاة)) نقلًا عن ((المواهب)): قال مالك، والشافعي، وأحمد: يستحب
أن يكون الثلاث لفائف، وليس فيها قميص ولا عمامة.
وقال الحنفية: الأثواب الثلاثة: إزار، وقميص، ولفافة. انتهى.
قوله: (يُجزئ ثوب واحد ..... إلخ) قال الحافظ في ((الفتح)): إن الثلاث في حديث
عائشة ليست شرطًا في الصحة، وإنما هو مستحب، وهو قول الجمهور.
واختلف فيما إذا شَعَّ بعض الورثة بالثاني، أو الثالث. والمرجح: أنه لا يلتفت إليه،
وأما الواحد الساتر لجميع البدن، فلا بد منه بالاتفاق. انتهى.
(١) أخرجه أحمد. حديث (١٩٤٣)، وأبو داود، كتاب الجنائز. حديث (٣١٥٣).
(٢) أخرجه الحاكم (٣/ ٦٧٠). حديث (٦٤٧٥).
(٣) لم أقف عليه.

٥١
كتاب الجنائز عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ في الطَّعامِ يُصْنَعُ لأهْلِ المَيِّت
والثَّلاثةُ لِمَنْ وَجَدوا أحَبُّ إِلَيْهِمْ، وهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وأحمدَ، وإِسْحَاقَ، قالُوا:
تُكَفَّنُ المَرأةُ فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ.
١
٢١ - باب مَا جَاءَ في الطَّعامِ يُصْنَعُ لأهْلِ المِيِّت [ت٢١، ٢١٢]
[٩٩٨] (٩٩٨) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بنُ مَنِيع وعَلِيُّ بنُ حُجْرٍ قالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بنُ عُبَيْنَةَ
عَن جَعْفَرِ بنِ خَالِدٍ عَن أبيهِ عَن عَبْدِ الله بنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: لمّا جَاءَ نَعْيُ جَعْفَرٍ قَالَ
النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((اصْنَعُوا لأَهْلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا، فإنَّهُ قَدْ جَاءهُمْ مَا يَشْغَلَهُمْ)). [ر: ٣١٣٢،
حم: ١٧٧٤، جه: ١٦١٠].
قوله: (وقالوا: تكفنُ المرأةُ في خمسة أثواب) لحديث ليلى بنت قائف الثقفية، قالت:
كُنْتُ فِيمَنْ غَسَّلَ أُمَّ كُلْتُوم - بِنْتَ رسول الله ◌ِ عند وفاتها، وكان أَوَّل مَا أَعْطَانا رَسُولُ الله
وَ﴿ الخفاء، ثُمَّ الدِّرْع، ثَم الخِمَارُ، ثم المِلْحَفَةُ، ثم أُدْرِجَتْ بَعْدَ ذَلِكَ في الثَّوْبِ الآخَرِ.
الحديث رواه أحمد، وأبو داود(١).
قال القاضي ابن العربي في ((العارضة)) قوله: في هذا الحديث: ((أم كلثوم)) وَهْمٌ، إنما
هي زينب؛ لأن أم كلثوم تُوفِّيت ورسول الله آلآ غائب بـ ((بدر)). انتهى.
٢١ - باب مَا جَاءَ في الطَّعَامِ يُصْنَعُ لأَهْلِ الَيَّتِ
[٩٩٨] قوله: (لما جاء نعي جعفر) أي: ابن أبي طالب، أي: خبر موته بمؤتة، وهي
موضع عند ((تبوك)) سنة ثمان. (ما يشغلهم) بفتح الياء والغين، وقيل: بضم الأول، وكسر
الثالث.
قال في ((القاموس)): شَغَلَهُ كمَنعه شَغْلًا ويُضَمُّ، وَأَشْغَلَهُ لغة جيّدةٌ، أو قليلةٌ، أو رَدِيئَةٌ،
والمعنى: جاءهم ما يمنعهم من الحزن، عن تهيئة الطعام لأنفسهم، فيحصل الهم والضرر،
وهم لا يشعرون.
قال الطيبي: دل على أنه يستحب للأقارب والجيران تهيئةُ طعام لأهل الميت. انتهى.
قال ابن العربي في ((العارضة)): والحديث أصل في المشاركات عند الحاجة، وصححه
الترمذي، والسنة فيه: أن يصنع في اليوم الذي ماتَ فيه؛ لقوله بَّهِ: ((فَقَدْ جَاءَهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ
(١) أخرجه أحمد. حديث (٢٦٥٩٤)، وأبو داود، كتاب الجنائز. حديث (٣١٥٧).

٥٢
كتاب الجنائز عن رسول الله وَا﴿ / باب مَا جَاءَ في الطَّعامِ يُصْنَعُ لأهْلِ المَيِّت
عَنْ حَالِهِمْ)) [فذهولهم عن حالهم] بحزن موت وليهم اقتضى أن يتكلف لهم عيشهم، وقد
كانت للعرب مشاركات ومواصلات في باب الأطعمة باختلاف الأسباب وفي حالات
اجتماعها. انتهى.
قال القاري: والمراد: طعام يشبعهم يومهم وليلتهم؛ فإن الغالب أن الحزن الشَّاغل عن
تناول الطعام، لا يستمرُّ أكثر من يوم، ثم إذا صنع لهم ما ذكر؛ سُنَّ أن يلَّ عليهم في
الأكل؛ لئلا يضعفوا بتركه استحياء، أو لفرط جزع. انتهى. وقال ابن الهمام: ويستحب
الجيران أهل الميت، والأقرباء الأباعد، تهيئةُ طعام يشبعهم يومهم وليلتهم لقوله ◌َطاهر:
((اصْنَعُوا لأَهْلِ جَعْفَر طَعَامًا)). وَقَالَ: يُكْرَهُ اتَّخَاذُ الضِّيافَةِ من أهْلِ المَيْتِ؛ لأنَّهُ شُرِّعَ فِي
السُّرورِ، لَا فِي الشُّرُورِ، وَهِيَ بِدْعَةٌ مُسْتقبحَة. انتهى.
وقال القاري: واصطناع أهل البيت الطعام؛ لأجل اجتماع الناس عليه بدعة مكروهة،
بل صَحَّ عن جرير - رَضُه -: كنا نعده من النِّيَاحَةِ، وهو ظاهر في التحريم. انتهى.
قلت: حديث جرير - ﴿له - أخرجه أحمد، وابن ماجه (١) بلفظ: قال: ((كُنَّا نعدُّ
الاجتماعَ إلى أهل الميت، وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة)). انتهى، وإسناده صحيح.
فإن قلت: حديث جرير هذا مخالف لحديث عاصم بن كليب، الذي رواه أبو داود(٢) في
(سننه)) بسندٍ صحيح عنه، عن أبيه، عن رجل من الأنصار قال: ((خرجنا مع رسول الله وَّل في
جنازة، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِوَّهِ وَهُوَ عَلَى القَبْرِ يُوصِي الحَافِرَ: أَوْسِعْ من قِبِلِ رَجْلَيْهِ، أَوْسِعْ مِن
قِبَلٍ رَأْسِهِ))، فلما رجع، استقبله داعي امرأته، فأجاب ونحن معه فَجِيءَ بالطعام، فوضع يده،
ثم وضعَ القوم فأكلوا ... )) الحديث. رواه أبو داود، والبيهقي في ((دلائل النبوة))، هكذا في
((المشكاة)) في باب: ((المعجزات))، فقوله: فلما رجع استقبله دَاعِي امرأته .... إلخ، نص
صريح في أن رسول الله يلي أجاب دعوة أهل البيت، واجتمع هو وأصحابه بعد دفنه وأكلوا،
فإن الضميرَ المجرور في ((امرأته)) راجعٌ إلى ذلك الميت؛ الذي خرج رسول الله وَّل في
جنازته، فما التوفيق بين هذين الحديثين المختلفين؟
قلت: قد وقع في ((المشكاة)) لفظ: ((دَاعِي امْرأَتِهِ)) بإضافة لفظ ((امرأة)) إلى الضمير، وهو
(١) أخرجه أحمد. حديث (٦٨٦٦)، وابن ماجه، كتاب ما جاء في الجنائز. حديث (١٦١٢).
(٢) أخرجه أبو داود، كتاب البيوع. حديث (٣٣٣٢)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) (٣١٠/٦).

كتاب الجنائز عن رسول الله وَله / باب مَا جَاءَ في النَّهْي عَن ضَرْبِ الخُدُودِ وَشَقِّ الجُيُوبِ عِنْدَ المُصِيبَة ٥٣
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح، وقد كَانَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ يَسْتَحِب
أنْ يُوَجَّه إلى أهْلِ المَيِّتِ شَيْءٌ لِشُغْلِهِمْ بالمُصِيبَةِ، وهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وجَعْفَرُ بنُ خَالِدٍ: هُوَ ابنُ سَارةَ، وهُوَ ثِقَةٌ رَوَى عَنْهُ ابنُ جُرَيْجِ.
٢٢ - باب مَا جَاءَ في النَّهْي عَن ضَرْبِ الخُدُودِ
وشَقِّ الجُيُوبِ عِنْدَ الْمُصِيبَة [ت:٢٢، ٢٢٢]
[٩٩٩] (٩٩٩) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بِنُ بَشّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عَن سُفْيَانَ قَالَ:
حَدَّثَنِي زُبَيْدٌ
ليس بصحيح، بل الصحيح، ((دَاعِي امْرَأَةٍ)) بغير الإضافة. والدليل عليه: أنه قد وقع في:
((سنن أبي داود)): ((داعي امرأةٍ)) بغير الإضافة، انتهى.
قال في ((عون المعبود)): دَاعِي امْرَأَةٍ؛ كذا وقع في النسخ الحاضرة، وفي ((المشكاة))
((داعي امرأته)) بالإضافة. انتهى.
وروى هذا الحديث الإمام أحمد في ((مسنده))(١) (٢٩٣/٥ ج/ ٥) وقد وقع فيه أيضًا:
((داعي امرأةٍ)) بغير الإضافة، بل زاد فيه بعد ((داعي امرأةٍ) لفظ: ((من قريش)) فلما ثَبَتَ أن
الصَّحِيحَ في حديث عاصم بن كليب هذا لفظ: ((دَاعِي امْرَأَةٍ)) بغير إضافة ((امرأة)) إلى الضمير،
ظهر أن حديث جرير المذكور ليس بمخالف لحديث عاصم بن كليب هذا. فتفكر. هذا ما
عندي. والله تعالى أعْلَمُ.
قوله: (هذا حديث حسن) وصححه ابن السكن، والحديث أخرجه أبو داود، وابن ماجه.
قوله: (وجعفر بن خالد هو ابن سارة) بمهملة؛ وخفة راء، وقيل: بشدته؛ كذا ذكر
صاحب ((المغني))، (وهو ثقة) ووثقه أيضًا أحمد، وابن معين، والنسائي، وغيرهم (روى عنه
ابن جريج) وابن عيينة.
قال البغوي: لا أعلم روى عنه غيرهما؛ كذا في (تهذيب التهذيب)).
٢٢ - باب مَا جَاءَ في الثَّهْي عَنْ ضَرْبِ الخُدُود .... إلخ
[٩٩٩] قوله: (حدثني زبيد) بزاي موحدة مصغرًا.
(١) أخرجه أحمد. حديث (٢٢٠٠٣).

٥٤ كتاب الجنائز عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ في النَّهْي عَن ضَرْبِ الخُدُودِ وشَقِّ الجُيُوبِ عِنْدَ المُصِيبَة
الأيَامِيُّ عَن إِبْرَاهِيمَ عَن مَسْرُوقٍ عَن عَبْدِ الله، عنِ النَّبِيِّ قَالَ: ((لَيْسَ مِنَّا مَن شَقَّ
الجُيُوبَ، وضَرَبَ الخُدُودَ، ودَعَا بِدَعْوَةِ الجَاهِلِيَّةِ)). [خ: ١٢٩٤، م: ١٠٣، ن: ١٨٥٩،
جه: ١٥٨٤، حم: ٣٦٥٠ ].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
(الأَيَامي) بفتح الهمزة، ويقال له: اليامي، بحذف الهمزة أيضًا.
قوله: (ليس منا) أي: من أهل سنتنا وطريقتنا، وليس المراد به، إخراجه عن الدِّينِ،
ولكن فائدة إيراده بهذا اللفظ: المبالغةُ في الردع عن الوقوع في مثل ذلك؛ كما يقول الرجل
لولده عند معاتبته: لست منك، ولست مني، أي: ما أنت على طريقتي.
وقيل: المعنى: ليس على ديننا الكامل، أي: أنه خرج من فَرْعٍ من فروع الدِّينِ، وإن
كان معه أصله، قال الحافظ في ((الفتح)): ويظهر لي أن هذا النفي يفسره التبرؤ المذكور في
حديث أبي موسى(١)؛ حيث قال: ((إِنَّ رَسُولَ اللهِّهِ بَرِيءٌ مِنَ الصَّالِقَةِ (٢)، والحالِقَةِ
والشَّاقَةِ)). وأصلُ البراءة: الانفصال من الشيء، وكأنه توعده بأَلَّا يدخله في شفاعته مثلًاً.
قال: وحكي عن سفيان؛ أنه كان يكره الخوض في تأويله، ويقول: ينبغي أن يمسك عن
ذلك؛ ليكون أوقع في النفوس، وأبلغ في الزجر. انتهى. (من شق الجيوب) جمع: جيب،
بالجيم والموحدة، وهو ما يفتح من الثوب، ليدخل فيه الرأس، والمراد بشقه: إِكْمَالُ فتحه
إلى آخره، وهو من علامات التسخّط. (وضرب الخدود) جمع الخد، خص الخد بذلك؛
لكونه الغالب في ذلك، وإلا فضرب بقية الوجه داخل في ذلك (ودعا بدعوة الجاهلية) أي:
بدعائهم. يعني: قال عند البكاء ما لا يجوز شرعًا، مما يقول به أهل الجاهلية، كالدعاء
بالويل والثبور، وكواكهفاه، واجبلاه.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري، ومسلم.
(١) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان. حديث (١٠٤).
(٢) الصلق: الصوت الشديد، يريد رفعه في المصائب، وعند الفجيعة بالموت ويدخل فيه النوح. ((النهاية)) (٢/ ٤٧).

٥٥
كتاب الجنائز عن رسول الله وَ﴿و / باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ النَّوْح
٢٣- باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ النَّوْحِ [ت٢٣، م٢٣]
[١٠٠٠] (١٠٠٠) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا قُرَّانُ بنُ تَمَّام، ومَرْوَان بنُ
مُعَاوِيَةً، ويزِيدُ بنُ هَارُونَ، عَن سَعِيدٍ بن عُبَيْدِ الطّائِيٌّ، عَن عَلِيٍّ بنِ رَبِيعَةَ الأسْدِيِّ،
قَالَ: مَاتَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ يُقَال لَهُ قَرَظَةُ بنُ كَعْبٍ فَنِيحَ عَلَيْهِ فَجَاءَ المغِيرَةُ بنُ شُعْبَةً
فَصَعِدَ المِنْبَرِ، فَحَمِدَ الله وأثْنَى عَلَيْهِ، وقالَ: مَا بَالُ النَّوْحِ في الإسْلامِ؟ أمَا إِنِّي
سَمِعْتُ رَسُولَ الله - نَّهِ - يَقُولُ: ((مَن نِيحَ عَلَيْه عُذِّبَ بمَا نِيحَ عَلَيْهِ)). [خ: ١٢٩١،
م: ٩٣٣، حم: ١٧٦٧٤].
وفي البابِ عَنِ عُمَرَ، وعَلِي، وأبي مُوسَى،
٢٣ - بَابُ مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ النَّوْحِ
[١٠٠٠] قوله: (قران) بضم أوله، وتشديد الراء، (بن تمام) بتشديد الميم الأول، ثقة.
قوله: (يقال له: قرظة) بفتح القاف والراء والظاء المُشَالة، أنصاري خزرجي، كان أحد
من وجهه عمر إلى ((الكوفة))، ليفقه الناس، وكان على يده فتح ((الري)) واستخلفه عَلِيٍّ على
((الكوفة))، وجزم ابن سعد، وغيره بأنه مات في خلافته، وهو قول مرجوح؛ لما ثبت في
(صحيح مسلم)) أن وفاته حيث كان المغيرةُ بن شعبة أميرًا على الكوفة، وكانت إمارة المغيرة
على ((الكوفة)) من قِبَلٍ معاوية من سنة إحدى وأربعين، إلى أن مات وهو عليها سنة خمسين،
كذا في ((فتح الباري)). (من نيح) مجهول ((ناح)) (بما نيح عليه) أي: ما دام نِيحَ عليه، وفي
رواية الصحيحين: ((مَنْ نِيجَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُعَذَّبُ بِما نِيحَ عليهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
قوله: (وفي الباب عن عمر - ته-)(١) أخرجه الشيخان، والترمذي، (وعلي)(٢) أخرجه
ابن أبي شيبة. (وأبي موسى)(٣)، أخرجه أحمد مرفوعًا بلفظ: ((الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُّكَاءِ الْحَيِّ، إِذَا
قَالَتِ النّائِحَةُ: وَاعَضُدَاهُ، وانَاصِرَاهُ، وَاكَاسِبَاهُ، جُبِذَ الْمَيِّتُ، وَقِيلَ لَهُ: أَنْتَ عضُدُها، أَنْتَ
ناصِرُهَا، أَنْتَ كَاسِبُهَا)). انتهى. أخرجه الترمذي.
(١) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز. حديث (١٢٨٨)، ومسلم، كتاب الجنائز. حديث (٩٢٧)، والترمذي، كتاب
الجنائز. حديث (١٠٠٢).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٦١/٣). حديث (١٢١٠٥).
(٣) أخرجه أحمد. حديث (١٩٢١٧)، والترمذي، كتاب الجنائز. حديث (١٠٠٣).

٥٦
كتاب الجنائز عن رسول الله وَّهَو / باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ النَّوْح
وقَيْسٍ بنِ عَاصِمٍ، وأبي هُرَيْرَةَ، وُنَادَة بنِ مَالِكِ، وأنَسٍ، وَأُمِّ عَطِيَّةَ، وسَمُرَةَ،
وأبي مَالِكِ الأشْعَرِيِّ.
قَالَ أبُو عِيْسَى: حديثُ المُغِيرَةِ، حديثٌ غريبٌ حسنٌ صحيحٌ.
[١٠٠١] (١٠٠١) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بنُ غَيْلانَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، أَنبَأَنَا شُعْبَةُ
والمَسْعُودِيُّ عَن عَلْقَمَةَ بنِ مَرْثَدٍ، عَن أبي الرَّبِيعِ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَالَ: ((أرْبَعِ فِي أُمَّتِي مِن أمْرِ الجَاهِلِيَّةِ،
(وقيس بن عاصم)(١)، أخرجه النسائي. (وأبي هريرة)(٢) أخرجه الترمذي، وأخرجه ابن
عدي من حديث الحسن عن أبي هريرة بلفظ: ((لَعَنَ رَسُولُ اللهِ وَِّ النَّائِحَةَ وَالْمُسْتَمِعةَ))، وهو
ضعيفٌ، ذكره الحافظ في ((التلخيص)). (وجنادة بن مالك)(٣)، أخرجه الطبراني، (وأنس) (٤)
وأخرج مسلم عن أنس، أن عمر قال لحفصة: أما علمت أن رسول الله وَّه قال: ((الْمُعَوَّلُ
عَلَيْهِ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ)) زَادَ ابنُ حبان: قالت: ((بلى))؛ كذا في ((التلخيص)). (وأم عطية)(٥)
أخرجه الشيخان، والنسائي. أخرجه البزار. (وسمرة)(٦) وأخرجه البزار أيضًا. (وأبي مالك
الأشعري)(٧). أخرجه أحمد، ومسلم مرفوعًا بلفظ: ((أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي من أَمْرَ الْجَاهِلِيَّةِ، لَا
يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ فِي الأَحْسَابِ، وَالطَّعْنِ فِي الأَنسَابِ، وَالاسْتِسْقَاء بِالنُّجُومِ، وَالنَِّاحَةُ))
الحديث. وفي الباب أحاديث كثيرة. مذكورة في ((عمدة القارئ)) صفحة ٩٥ ج٤.
قوله: (حديث المغيرة بن شعبة حديث غريب حسن صحيح) أخرجه الشيخان.
[١٠٠١] قوله: (أربع في أمتي) أي: خصالٌ أربعُ كائنة في أمتي، (من أمر الجاهلية)
(١) أخرجه النسائي، كتاب الجنائز. حديث (١٨١٥).
(٢) أخرجه الترمذي، كتاب الجنائز. حديث (١٠٠١)، وابن عدي (٢٩/٥) في ترجمة عمر بن يزيد (١١٩٩).
(٣) أخرجه الطبراني (٢٨٢/٢). حديث (٢١٧٨).
(٤) أخرجه مسلم، كتاب الجنائز. حديث (٩٢٧)، وابن حبان (٤٠٢/٧). حديث (٣١٣٢).
(٥) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز. حديث (١٣٠٦)، ومسلم، كتاب الجنائز. حديث (٩٣٦)، والنسائي، كتاب
البيعة. حديث (٤١٨٠) والبزار (٣٧٤/١). حديث (٢٥٢).
(٦) لم أقف عليه عند البزار، قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (١٥/٣) رواه البزار وأحمد؛ حديث (٢٠١٢٢)،
وفیه عمر بن إبراهيم العبدي وفيه كلام وهو ثقة.
(٧) أخرجه مسلم في كتاب الجنائز. حديث (٩٣٤)، وأحمد. حديث (٢٢٣٩٦).

٥٧
كتاب الجنائز عن رسول الله وَل﴿ / باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ النَّوْح
لَنْ يَدَعَهُنَّ النَّاسُ: النِّيَاحَةُ والطَّعْنُ فِي الأَحْسَابِ، والعَدْوَى - أجْرَبَ بَعِيرٌ فَأَجْرَبَ
مِائَةَ بَعِيرٍ، مَن أجْرَبَ البَعِيرَ الأوَّلَ ـ؟ والأنْوَاءُ: مُظْرِنَا بِنَوءِ كذَا وكذَا)). [م بنحوه:
٩٣٤، حم: ٩٥٦٢].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌّ.
أي: حال كونهن من أمور الجاهلية وخصالها. (لن يدعهن) بفتح الدال، أي: لن يتركهن
(النياحة) هي قول: واويلاه، واحسرتاه، والندبة: عَدُّ شمائل الميت؛ مثل: واشجاعاه،
واأسداه، واجبلاه؛ قاله القاري. (والطعن في الأحساب) جمع الحسب، وما يعده الرجل
من الخِصَالِ التي تكونُ فيه؛ كالشجاعة، والفصاحة، وغير ذلك، وقيل: الحسبُ ما يعده
الإنسان من مفاخرٍ آبائه.
قال ابن السكيت: الحسب، والكرم يَكُونَانِ في الرجلِ، وإن لم يكن لآبائه شرف،
والشرف والمجد لا يكونان إلا بالآباء. (والعدوى) بفتح العين المهملة وسكون الدال
المهملة. قال الجزري في ((النهاية)): هو: اسم من الإعْدَاءِ كالرَّغْوَى والبَقْوَى، من الإرْعاء
والإِبْقَاءِ، يقال: أَعْداه الدَّاءُ يُعْدِيه إِعْداءً، وهو أن يُصِيبه مثلُ ما بصاحِب الداء، وذلك أن
يكون ببعيرٍ جَرَبٌ مثلًا، فَتَّقى مُخَالطَتُه بِإِبل أخرى؛ حِذَارًا أن يَتَعَدَّى ما به من الجَرَب إليها،
فيُصيبها ما أصابه، وقد أبطله الإسلام؛ لأنهم كانوا يَظُنون أن المرضَ بنَفْسه يَتَعَدَّى،
فَأَعْلَمَهُم النَّبِيُّ ◌َِّ أنّه لَيْسَ الأَمْرُ كذلك، وإنما الله هو الذي يُمرض ويُنْزِل الداء.
(أجرب بعير) أي: صار ذا جرب (مَنْ أجرب البعير الأول؟) هذا رَدِّ عليهم أي: من أين
صارَ فيهم الجرب؟ (والأنواء مطرنا بنوء كذا وكذا) الأنواء جمع نوء.
قال النووي في ((شرح مسلم)) نقلًا عن الشيخ أبي عمرو بن الصلاح: ((النوء في أصله
ليس هو نَفْس الكوكبٍ، فإنه مصدر ((ناء» النجمُ ينوء نوءًا، أي: سقط وغاب، وقيل: نهض
وطلع.
وبيان ذلك: أن ثمانية وعشرين نجمًا معروفة المطالع، في أزمنة السنة كلها، وهي
المعروفة بمنازل القمر الثمانية والعشرين، يسقط في كل ثلاث عشرة ليلة منها نجم في
المغرب مع طلوع الفجر، ويطلع آخر يقابله في المشرق من ساعته، وكان أهل الجاهلية إذا
كان عند ذلك مطر، ينسبونه إلى السَّاقط الغارب منهما .
وقال الأصمعي: إلى الطالع منهما.

٥٨
كتاب الجنائز عن رسول الله وَّ/ باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ البُكَاءِ على المَيِّت
٢٤ - باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ البُكَاءِ على الميِّت [ت٢٤، ٢٤٢]
[١٠٠٢] (١٠٠٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بنُ أبي زِيَادٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بنُ إبرَاهِيمَ بنِ
سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أبي، عَن صَالحِ بنِ كَيْسَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَن سَالِمِ بنِ عَبْدِ الله، عَن
أبيهِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَابِ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((المَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أهْلِهِ
عَلَيْهِ)). [خ: ١٢٨٧، م: ٩٢٧، جه بنحوه: ١٥٩٣، ن: ١٨٤٧، د: ٣١٢٩، حم: ٢٥٠].
وفي البابٍ: عَن ابنِ عُمَرَ وعِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ .
قال أبو عبيد: ولم أسمع أحدًا ينسب النوء للسقوط إلا في هذا الموضع، ثم إن النجم
نفسه قد يسمى نوءًا تسمية للفاعل بالمصدر.
قال أبو إسحاق الزجاج في [بعض] ((أماليه)): الساقطة في المغرب هي الأنواء والطالعة
في المشرق هي البوارح)». انتهى كلام النووي.
٢٤ - باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيُتِ
[١٠٠٢] قوله: (الميت يعذب ببكاء أهله عليه) فيه دلالةٌ على أنه لا يجوز البكاء على
الميت؛ لأنه سبب لتعذيبه، وإليه ذهب بعضُ أهل العلم، كما ستعرف. وقد حكى النووي
إجماع العلماء - على اختلاف مذاهبهم - أن المراد بالبكاء الذي يعذب الميت عليه: هو
البكاء بصوت ونياحة، لا بمجرد دمع العين.
قوله: (وفي الباب عن ابن عمر، وعمران بن حصين) أما حديث ابن عمر(١): فأخرجه
الشيخان بمثل حديث عمر - ظه - ولأحمد، ومسلم عنه بلفظ: ((الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا
نِیجَ عَلَيْهِ)).
وأما حديث عمران بن حصين(٢) فأخرجه النسائي مرفوعًا بلفظ: ((الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِنِيَاحَةٍ
أهْلِهِ عَلَيْهِ ... )) الحديث.
(١) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز. حديث (١٣٠٤)، ومسلم، كتاب الجنائز. حديث (٩٢٧)، وأحمد. حديث
(٣٥٦).
(٢) أخرجه النسائي، كتاب الجنائز. حديث (١٨٥٤).

٥٩
كتاب الجنائز عن رسول الله وَإ﴿ / باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ البُكَاءِ على المَيِّت
قَالَ أَبُو عِيْسَى: حديثُ عُمَرَ، حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وقد كَرِهَ قَوْمٌ مِن أهْلِ العِلْمِ
البُكَاءَ عَلى المَيِّتِ قالُوا: الميِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أهْلِهِ عَلَيْهِ، وذَهَبُوا إلى هذا الحَدِيثِ،
وقالَ ابنُ المُبَارَكِ: أَرْجُو إِنْ كَانَ يَنْهَاهُمْ فِي حَيَاتِهِ، أن لا يَكُونَ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ.
قوله: (حديث عمر حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان.
قوله: (وقد كره قوم من أهل العلم البكاء على الميت، وقالوا: يعذب ببكاء أهله
عليه ... إلخ) وقد ذهب إلى هذا جماعة من السلف، منهم: عمر وابنه وروي عن أبي هريرة
أنه رد هذه الأحاديث، وعارضها بقوله تعالى: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْدَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨] وروى عنه
أبو يعلى(١)؛ أنه قال: تالله، لئن انطلق رجل مجاهد في سبيل الله فاستشهد فعمدت امرأته -
سفهًا وجهلًا - فبكت عليه؛ ليعذبن هذا الشهيدُ بذنب هذه السفيهة؟؛ وإلى هذا جنح جماعةٌ
من الشافعية، منهم: الشيخ أبو حامد، وغيره.
وذهب جمهور العلماء إلى تأويل هذه الأحاديث؛ لمخالفتها للعمومات القرآنية، وإثباتها
لتعذیب من لا ذنب له.
واختلفوا في التأويل: فذهب جمهورهم - كما قال النووي -: إلى تأويلها بمن أوصى بأن
يُبكى عليه؛ لأنه بسببه ومنسوب إليه، قالوا: وقد كان ذلك من عادة العرب كما قال طرفة بن
العبد: من [الطويل].
وَشُقِّي عَلَيَّ الجَيبَ يَا ابْنَةَ مَعْبَدٍ
إِذا مِتُّ فَابْكِيني بِمَا أنَا أَهْلُهُ
قال في ((الفتح)) واعترض بأن التعذيبَ بسبب الوصية يستحق بمجرد صدور الوصية،
والحديثُ دالٌّ على أنه إنما يقع عند وقوع الامتثال.
والجواب: أنه ليس في السياق حصر فلا يلزم من وقوعه عند الامتثال أَلَّا يقع إذا لم
يمتثلوا مثلًا. انتهى.
قلت: والحق هو ما ذهب إليه الجمهور، من تأويل هذه الأحاديث الصحيحة، ولا وَجْهَ
لردِها مع إمكان التأويل، ولهم تأويلات، بعضُها قريبة، وبعضها بعيدة، فتؤخذ القريبة وتُترك
البعيدة. وإن شئت الوقوف على هذه التأويلات، فارجع إلى ((فتح الباري)، وغيره من شُرُوحٍ
البخاري. (وقال ابن المبارك: أرجو إن كان ينهاهم في حياته أَلَّا يكون عليه من ذلك شيء).
وهذا هو رجائي؛ والله تعالى أعلم.
(١) أخرجه أبو يعلى (١٦٥/٣). حديث (١٥٩٢).

٦٠
كتاب الجنائز عن رسول الله وَليه / باب مَا جَاءَ في الرُّخْصَةِ في البُكَاءِ على المَيِّت
[١٠٠٣] (١٠٠٣) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بنُ حُجْرٍ، أخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بنُ عَمَّارٍ حَدَّثَنِي أْسِيدُ بنُ
أبي أسِيدٍ أنَّ مُوسَى بنِ أبي مُوسَى الأشْعَرِيِّ أخْبَرَهُ عَن أبيهِ، أنَّ رَسُوْلَ الله ◌َّهِ قَالَ:
((مَا مِن مَيِّتٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ بَاكِيهِ فَيَقُولُ: واجَبَلاهُ، واسَيِّدَاهُ، أو نَحْوَ ذَلِكَ، إِلَّا وُكِّلَ
بِهِ مَلَكَان يَلْهَزَانِهِ: أهَكَذَا كُنْت؟)). [جه بنحوه: ١٥٩٤].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديث حسن غريب.
٢٥ - باب مَا جَاءَ في الرُّخْصَةِ في البُكَاءِ على المَيِّت [ت٢٥، ٢٥٢]
[١٠٠٣] قوله: (حدثني أسيد بن أبي أسيد) بفتح الهمزة، وكسر السين فيهما، المراد:
أبو سعيد المديني، صدوق.
قوله: (ما من ميت) أي: حقيقي، أو مشرف على الموت (يموت) قال الطيبي: هو كقول
ابن عباس: يمرض المريض، أو تضل الضالة، فسمى المشارف للموت والمرض والضلال،
ميتًا ومريضًا وضالة، وهذه الحالةُ هي التي ظهرت على عبد الله بن رواحة. انتهى.
قلت: وقصة عبد الله بن رواحة، أخرجها البخاري، وقد ذكرتها في آخر هذا الباب.
(يلهزانه) بفتح الحاء، أي: يضربانه ويدفعانه.
وفي ((النهاية)) اللَّهْزُ: الضَّربُ بجمع الكَفِّ في الصَّدر، يقال: لهَزَهُ بالرُّمْحِ، أي: طَعَنه
في الصدر، (أهكذا كنت) أي: توبيخًا وتقريعًا .
قوله: (هذا حديث حسن غريب) قال الحافظ في ((التلخيص)): ورواه الحاكم
وصححه(١)، وشاهده في الصحيح عن النعمان بن بشير (٢) قال: أغمي على عبد الله بن
رواحة، فجعلت أخته تبكي، وتقول: واجبلاه، واكذا، واكذا، فلما أفاق قال: ما قلت شيئًا
إلا قيل لي: أنت كذا، فلما مات لم تَبَّكِ عليه.
٢٥ - باب مَا جَاءَ في الرُّخْصَةِ في الْبُكَاءَ عَلَى الَيَّتِ
أي: في الرخصة في البكاء الذي ليس به صوتٌ ولا نياحةٌ.
(١) أخرجه الحاكم (٥١١/٢). حديث (٣٧٥٥).
(٢) أخرجه البخاري، كتاب المغازي. حديث (٤٢٦٨).