Indexed OCR Text
Pages 721-740
٧٢١ كِتَابُ الحَجِّ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الطَّوَافٍ عُرْيَاناً إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَلَا يَجْتَمِعُ المُسْلِمُونَ وَالمُشْرِكُونَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا، وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ نَّهِ عَهْدٌ فَعَهْدُهُ إِلَى مُدَّتِهِ، وَمَنْ لَا مُدَّةَ لَهُ فَأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ. [حم: ٥٩٥، مي: ١٩١٩]. . (ولا يطوف بالبيت عريانًا) استدل به على أن الستر التي أَمَّر النبي ◌َّ فيها أبا بكر شرط لصحة الطواف؛ وهو مذهب الجمهور. وذهبت الحنفية إلى: أنه ليس بشرط؛ فمن طاف عريانًا عند الحنفية أعاد ما دام بـ((مكة))، فإن خرج لزمه دم. وذكر ابن إسحاق في سبب هذا الحديث: أن قريشًا ابتدعت قبل الفيل أو بعده ألا يطوف بالبيت أحد ممن يقدم عليهم من غيرهم أول ما يطوف إلا في ثياب أحدهم، فإن لم يجد طاف عريانًا، فإن خالف وطاف بثيابه ألقاها إذا فرغ ثم لم ينتفع بها، فجاء الإسلام فهدم ذلك كله، ولا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم هذا. وفي حديث أبي هريرة الذي أشار إليه الترمذي: ألا يحج بعد العام مشرك. قال العيني: إن النبي ◌َّ أمر بالنداء بذلك حين نزلت: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسَُّ فَلَا يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] والمراد بالمسجد الحرام هنا: الحرم كله، فلا يمكن مشرك من دخول الحرم بحال، وكذلك لا يمكن أهل الذمة من الإقامة بعد ذلك؛ لقوله وَهُ: ((أَخْرِجُوا الْيَهُودَ والنَّصَارَى مِن جَزِيرَةِ العَرَبِ))(١)؛ قاله في مرض موته ◌َِّ. انتهى. (ومن كان بينه وبين النبي وَ﴿ عهد فعهده إلى مدته، ومن لا مدة له فأربعة أشهر) قال الحافظ في ((الفتح)): استدل بهذا على أن قوله تعالى: ﴿فَسِيحُواْ فِىِ الْأَرْضِ أَرْبَعَةً أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢] يختص بمن لم يكن له عهد مؤقت، أو لم يكن له عهد أصلًا، وأما من له عهد مؤقت فهو إلى مدته. فروى الطبري من طريق ابن إسحاق قال: هم صنفان: صنف كان له عهد دون أربعة أشهر؛ فأمهل إلى تمام أربعة أشهر، وصنف كانت له مدة عهده بغير أجل؛ فقصرت على أربعة أشهر. ثم ذكر الحافظ كلامًا نافعًا من شاء الوقوف عليه، فليرجع إلى تفسير سورة براءة من «فتح الباري». (١) البخاري، كتاب الجزية. حديث (٣١٦٨)، ومسلم، كتاب الوصية. حديث (١٦٣٧). ٧٢٢ كِتَابُ الحَجِّ عَنْ رَسُولِ الله ◌َِّ / بَابُ مَا جَاءَ فِي دُخُولِ الكَعْبَةِ قَالَ: وَفِي الْبَابِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ عَلِيٍّ حَدِيثٌ حَسَنٌ. [٨٧٢] (٨٧٢) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ وَنَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْرُ عُبَيْنَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، نَحْوَهُ، وَقَالَا: زَيْدُ بْنُ يُثَيْعِ، وَهَذَا أَصَحُ. قَالَ أَبُو عِيسَى: وَشُعْبَةُ وَهِمَ فِيهِ، فَقَالَ: زَيْدُ بْنُ أُثَيْلٍ . ٤٥- بَابُ مَا جَاءَ في دُخُولِ الكَعْبَةِ [ت٤٥، ٤٥٢] [٨٧٣] (٨٧٣) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: خَرَجَ النَّبِيُّ نَّهِ مِنْ عِنْدِي وَهُوَ قَرِيرُ العَيْنِ قوله: (وفي الباب عن أبي هريرة) أخرجه الشيخان(١)، وفيه: ((ألا يَحُجَّ بعد العَامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفَنَّ بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ)). قوله: (حديث علي حديث حسن) وأخرجه سَعيد بن منصور والنسائي والطبري؛ قاله الحافظ في ((الفتح)). [٨٧٢] قوله: (وقالا: زيد بن يثيع) بالتحتانية المضمومة، وفتح المثلثة مصغرًا. (فقال: زيد بن أُثيل) بضم الهمزة، وفتح المثلثة، وسكون التحتانية، وباللام. ٤٥ - باب ما جاء في دُخُولِ الكَعْبَةِ [٨٧٣] قوله: (حدثنا ابن أبي عمر) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني نزيل (مكة))، صدوق صنف ((المسند))، وكان لازم ابن عيينة، لكن قال أبو حاتم: فيه غفلة، من العاشرة، روى عن فضيل بن عياض وأبي معاوية وخلق، وعنه: م ت ق، وثقه ابن حبان. وقال أبو حاتم: صدوق حدث بحديث موضوع عن ابن عيينة. قال البخاري: مات سنة (٢٤٣) ثلاث وأربعين ومئتين؛ كذا في ((التقريب)) و((الخلاصة)). (وهو قرير العين) كناية عن السرور والفرح. قال في ((النهاية)): وفي حديث الاستسقاء: ((لو رآكَ لقرَّتْ عيناه)) أي: لسر بذلك وفرح، وحقيقته: أبرد الله دمعة عينيه؛ لأن دمعة الفرح (١) البخاري، كتاب الحج. حديث (١٥١٧)، ومسلم، كتاب الحج. حديث (٢٤٠١). ٧٢٣ كِتَابُ الحَجِّ عَنْ رَسُولِ اللهِوَ رَ بَابُ مَا جَاءَ فِي دُخُولِ الكَعْبَةِ طَيِّبُ النَّفْسِ، فَرَجَعَ إِليَّ وَهُوَ حَزِينٌ، فَقُلْتُ لَهُ، فَقَالَ: (إِنِّي دَخَلْتُ الكَعْبَةَ، وَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ فَعَلْتُ، إِنِّي أَخَافُ أَنْ أَكُونَ أَتْعَبْتُ أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي)). [فِهِ ضعفـ قال فِيهِ أحمد: منكر الحديث، وقال يحيى: ليس بالقوي، وكذا قال أبو داود. د بنحوه: ٢٠٢٩، جه: ٣٠٦٤، حم: ٢٤٥٣٥]. والسرور باردة. وقيل: معنى أقرَّ الله عينيك: بلغك أمنيتك حتى ترضى نفسك، وتسكن عينك، فلا تستشرف إلى غيره. انتهى. (فقلت له) أي: استفسرت وجه الحزن. (ووددت أني لم أكن فعلت ... إلخ) . وفي رواية أبي داود (١): ((ولو اسْتَقْبَلْتُ مِن أَمْرِي ما اسْتَدْبَرْتُ مَا دَخَلْتُها، إنِّي أَخَافُ أَنْ أَكُونَ قَدْ شققت على أُمَّتي)). قال الشوكاني في ((النيل)): في هذا الحديث دليل على أن النبي وَّر دخل الكعبة في غير عام الفتح؛ لأن عائشة لم تكن معه فيه، إنما كانت معه في غيره، وقد جزم جمع من أهل العلم أنه لم يدخل فيه إلا عام الفتح، وهذا الحديث يرد عليهم، وقد تقرر أن النبي وَلي لم يدخل البيت في عمرته؛ فتعين أن يكون دخله في حجته، وبذلك جزم البيهقي. وقد أجاب البعض عن هذا الحديث: بأنه يحتمل أن يكون ولو قال ذلك لعائشة بـ((المدينة)) بعد رجوعه من غزوة الفتح؛ وهو بعيد جدًّا. وفيه: أيضًا دليل على أن دخول الكعبة ليس من مناسك الحج؛ وهو مذهب الجمهور. وحكى القرطبي عن بعض العلماء: أن دخولها من المناسك. وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن دخولها مستحب، ويدل على ذلك ما أخرج ابن خزيمة والبيهقي(٢) من حديث ابن عباس: ((مَنْ دَخَلَ البَيْتَ دَخَلَ في جَنَّةٍ، وَخَرَجَ مَغْفُورًا له»، وفي إسناده: عبد الله بن المؤمل؛ وهو ضعيف، ومحل استحبابه ما لم يؤذ أحدًا بدخوله. انتھی. قلت: ويدل على استحبابه حديث ابن عمر في الباب الآتي. (١) أبو داود، كتاب المناسك. حديث (١٧٣٤). (٢) ابن خزيمة. حديث (٣٠١٣)، والبيهقي في ((الكبرى)). حديث (٩٥٠٦)، قال الهيثمي (٢٩٣/٣): وفيه عبد الله ابن المؤمل، وثقه ابن سعد وغيره وفيه ضعف. ٧٢٤ كِتَابُ الحَجِّ عَنْ رَسُولِ اللهَِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّلَاةِ فِي الكَعْبَةِ قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ٤٦- بَابُ مَا جَاءَ في الصَّلاَةِ في الكَعْبَةِ [ت٤٦، ٤٦٢] [٨٧٤] (٨٧٤) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ بِلَالٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ صَلَّى فِي جَوْفِ الكَعْبَةِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاس: لَمْ يُصَلِّ وَلَكِنَّهُ كَبَّرَ. [ن: ٢٩١٣، حم: ٢٣٤٠٢]. قَالَ: وَفِي البَابِ: عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أبو داود وابن ماجه أيضًا. ٤٦ - باب ما جاء في الصَّلاةِ في الكَعْبَةِ [٨٧٤] قوله: (قال ابن عباس: لم يصل، ولكنه كبر) . وفي رواية لمسلم(١) عن ابن عباس يقول: أخبرني أسامة بن زيد؛ أن النبي ◌ّ لما دخل البيت دعا في نواحيه كلها، ولم يصل فيه، الحديث. وقال النووي: أجمع أهل الحديث على الأخذ برواية بلال؛ لأنه مثبت، فمعه زيادة علم، فوجب ترجيحه، والمراد: الصلاة المعهودة ذات الركوع والسجود، ولهذا قال ابن عمر: ونسيت أن أسأله كم صلى؟ وأما نفي أسامة: فسببه أنهم لما دخلوا الكعبة، أغلقوا الباب، واشتغلوا بالدعاء، فرأى أسامة النبي * يدعو، ثم اشتغل أسامة بالدعاء في ناحية من نواحي البيت، والنبي وَّ في ناحية أخرى وبلال قريب منه، ثم صلى النبي ◌َّير فرآه بلال؛ لقربه، ولم يره أسامة؛ لبعده واشتغاله مع خفة الصلاة وإغلاق الباب، وجاز له نفيها عملًا بظنه، وأما بلال فحققها فأخبر بها. انتهى كلام النووي. قوله: (وفي الباب عن أسامة بن زيد) أخرجه أحمد في ((مسنده))، وابن حبان في (صحيحه))(٢) من طريق أبي الشعثاء، عن ابن عمر، أخبرني أسامة بن زيد؛ أن النبي وَل صلى في الكعبة بين الساريتين، ومكثت معه عمرًا لم أسأله كم صلى. (١) مسلم، كتاب الحج. حديث (١٣٣٠). (٢) أحمد. حديث (٤٢٣٤)، وينظر ((صحيح ابن حبان)) (٣٢٠٥، ٣٢٠٨). ٧٢٥ كِتَابُ الحَجِّ عَنْ رَسُولِ الله ◌َّهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّلَاةِ فِي الكَعْبَةِ وَالفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَعُثْمانَ بْنِ طَلْحَةَ، وَشَيْئَةَ بْنِ عُثْمَانَ. قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ بِلَالٍ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ، لَا يَرَوْنَ بِالصَّلَاةِ فِي الْكَعْبَةِ بَأْساً. وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ النَّافِلةِ فِي الكَعْبَةِ، وَكَرِهَ أَنْ تُصَلَّى المَكْتُوبَة فِي الکَعْبَةِ. قال الزيلعي في تخريجه بعد ذكره: هذا سند صحیح. انتهى. وروى مسلم في ((صحيحه)) عن أمامة خلاف هذا؛ كما تقدم. (والفضل بن عباس) أخرجه أحمد وإسحاق بن راهويه في ((مسنديهما))، والطبراني في ((معجمه))(١)، بلفظ: أن رسول الله وَّي لم يصل في الكعبة، ولكنه لما دخلها وقع ساجدًا بين العمودين، ثم جلس يدعو؛ كذا في ((نصب الراية)). (وعثمان بن طلحة) أخرجه أبو داود والبيهقي وأحمد والضياء(٢) ، عن امرأة من بني سليم، عن عثمان بن طلحة؛ كذا في ((شرح سراج أحمد)). (وشيبة بن عثمان) أخرجه ابن عساكر(٣) عن عبد الرحمن الزجاج: قال أتيت شيبة بن عثمان، فقلت: يا أبا عثمان، زعموا أن النبي ◌َّف دخل الكعبة فلم يصل. فقال: كذبوا وأبي، لقد صلى بين العمودين، ثم ألصق بهما بطنه وظهره؛ كذا في (شرح سراج أحمد)). قوله: (وقال مالك بن أنس: لا بأس بالصلاة النافلة في الكعبة) كذا أطلق الترمذي عن مالك جواز النافلة، وقيده بعض أصحابه بغير الرواتب، وما تشرع فيه الجماعة؛ قاله الحافظ في ((الفتح)). (وكره أن تُصَلَّى المكتوبة في الكعبة) وروي عنه المنع، وكذا عن أحمد؛ لقوله تعالى: ﴿فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَةٌ﴾ [البقرة: ١٤٤] أي: قبالته، ومن فيه مستدبر لبعضه. (١) أحمد. حديث (١٧٠٥)، والطبراني في «الكبير» (١٨/ ٢٧٠) (٦٧٩)، قال الهيثمي في ((المجمع)) (٢٩٣/٣): رواه أحمد ورجاله ثقات، وقال أيضًا (٢٩٣/٣): رواه أحمد وروى الطبراني معناه في ((الكبير)) ورجال أحمد رجال الصحيح. ٠ (٢) أبو داود، كتاب المناسك. حديث (١٧٣٠)، والبيهقي في ((الكبرى)) (٤٠٩٥)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)» (٢١٣٥). (٣) ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢٥٠/٢٣). ٧٢٦ كِتَابُ الحَجِّ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي كَسْرِ الكَعْبَة وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا بَأْسَ أَنْ تُصَلَّى المَكْتُوبَةُ، وَالتَّطَوُُّ فِي الْكَعْبَةِ لأَنَّ حُكْمَ النَّافِلَةِ وَالمَكْتُوبَةِ فِي الطَّهَارَةِ وَالقِبْلَةِ سَوَاءٌ. ٤٧- بَابُ مَا جَاءَ في كَسْرِ الكَعْبَة [ت٤٧، ٤٧٢] [٨٧٥] (٨٧٥) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ قَالَ لَهُ: حَدِّثْنِي بِمَا كَانَتْ تُفْضِي إِلَيْكَ أُمُّ المُؤْمِنِينَ - يَعْنِي عَائِشَة ◌ِ فَقَالَ: حَدَّثَتْنِي أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ لهَا: وأما جواز النافلة فيه: فإنه يسامح في النافلة ما لا يسامح في الفريضة. (وقال الشافعي: لا بأس أن تُصَلَّى المكتوبة والتطوع في الكعبة) وبه قال الحنفية، وهو مذهب الجمهور. قال الحافظ في ((فتح الباري)): وفيه أي: في حديث بلال استحباب الصلاة في الكعبة، وهو ظاهر في النفل، ويلتحق به الفرض؛ إذ لا فرق بينهما في مسألة الاستقبال؛ وهو قول الجمهور. انتهى. وقال النووي في ((شرح مسلم)): ودليل الجمهور: حديث بلال، وإذا صحت النافلة صحت الفريضة؛ لأنهما في الموضع سواء في الاستقبال في حال النزول، وإنما يختلفان في الاستقبال في حال السير في السفر. انتهى. قال الحافظ: وعن ابن عباس لا تصح الصلاة داخلها مطلقًا، وعلله بأنه يلتزم من ذلك استدبار بعضهما، وقد ورد الأمر باستقبالها فیحمل على استقبال جميعها؛ وقال به بعض المالكية والظاهرية والطبري. انتهى. قلت: والظاهر هو ما قال به الجمهور، وهو أقوى المذاهب في هذا الباب. والله تعالى أعلم. ٤٧- باب ما جاء في کَسْرِ الکَعْبَةِ أي: هدمها . [٨٧٥] قوله: (إن ابن الزبير) يعني: عبد الله بن الزبير الصحابي المشهور. (قال له) أي: للأسود. (بما كانت تفضي إليك) أي: تسر إليك. ٧٢٧ كِتَابُ الحَجِّ عَنْ رَسُولِ اللهِّهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي كَسْرِ الكَعْبَة (لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِالجَاهِلِيَّةِ، لَهَدَمْتُ الكَعْبَةَ وَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ)). فَلَمَّا مَلَكَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، هَدَمَهَا وَجَعَلَ لَهَا بَابَيْنِ. [خ: ١٢٦، م: ١٣٣٣، ن: ٢٩٠٢، د: ٢٠٢٨، حم: ٢٤٩١٠، طا: ٨١٣، مي: ١٨٦٨]. قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وفي رواية للبخاري: ((قال لي ابن الزبير: كانت عائشة تسر إليك كثيرًا، فما حدثتك في الكعبة)). (لولا أن قومك حديثو عهد) بالإضافة. وقال المطرزي: لا يجوز حذف الواو في مثل هذا، والصواب: حديثو عهد، كذا في ((فتح الباري)). وقال السيوطي في ((حاشية النسائي)): ويمكن أن يوجه بأن لفظ ((القوم)) مفرد لفظًا، وجمع معنى، فروعي إفراد اللفظ في جانب الخبر، كما روعي اللفظ في إرجاع الضمير في قوله تعالى: ﴿كِنَا الْجََّيَّنِ ءَانَتْ﴾ [الكهف: ٣٣] حيث أفرد ((آتت)). انتهى. قال الجزري في ((النهاية)): الحديث ضد القديم، والمراد به: قرب عهدهم بالكفر، والخروج منه، والدخول في الإسلام، وأنه لم يتمكن الدين في قلوبهم، فلو هدمت الكعبة وغيرتها ربما نفروا من ذلك. انتهى. (وجعلت لها بابين) أي: بابًا شرقيًّا، وبابًا غربيًّا. (فلما ملك ابن الزبير، هدمها وجعل لها بابين) أحدهما: يدخل منه، والآخر: يخرج منه. وروى مسلم في ((صحيحه)) قصة هدمها وبنائها مطولًا . قال النووي: قال العلماء: بني البيت خمس مرات: بنته الملائكة، ثم إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ثم قريش في الجاهلية، وحضر النبي ◌َّ هذا البناء، وله خمس وثلاثون سنة. وقيل: خمس وعشرون. وفيه: سقط على الأرض حين رفع إزاره، ثم بناه ابن الزبير، ثم الحجاج بن يوسف، واستمر إلى الآن على بناء الحجاج. وقيل: بني مرتين أخريين أو ثلاثًا . قال العلماء: ولا يغير عن هذا البناء. وقد ذكروا أن هارون الرشيد سأل مالك بن أنس عن هدمها، وردها إلى بناء ابن الزبير؛ للأحاديث المذكورة في الباب، فقال مالك: نشدتك الله يا أمير المؤمنين ألَّ تجعل هذا البيت لعبة للملوك لا يشاء أحد إلا نقضه وبناه، فتذهب هيبته من صدور الناس. انتهى. ٧٢٨ كِتَابُ الحَجِّ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ / بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّلَاةِ فِي الحِجْرِ ٤٨- بَابُ مَا جَاءَ في الصَّلاَةِ في الحِجْرِ [ت٤٨، ٤٨٢] [٨٧٦] (٨٧٦) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِيِهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَدْخُلَ الْبَيْتَ فَأُصَلِّي فِيهِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِيَدِي فَأَدْخَلَنِي الحِجْرَ، فَقَالَ: ((صَلِّي فِي الحِجْرِ إِنْ أَرَدْتِ دُخُولَ البَيْتِ، فَإِنَّمَا هُوَ قِطْعَةٌ مِنَ البَيْتِ، قال الحافظ: ويستفاد من هذا الحديث ترك المصلحة لأَمْنٍ الوقوع في المفسدة، ومنه: ترك إنكار المنكر خشية الوقوع في أنكر منه، وأن الإمام يسوس رعيته بما فيه إصلاحهم، ولو کان مفضولا ما لم یکن محرمًا. انتهى. ٤٨- باب ما جاء في الصَّلاةِ في الحِجْرِ بكسر المهملة، وسكون الجيم، وهو معروف على صفة نصف الدائرة؛ كذا في ((فتح الباري)). وقال في ((القاموس)): الحِجْرُ بالكسر: العقل، وما حواه الحطيم المدار بالكعبة شرفها الله تعالى من جانب الشمال. انتهى. وقال في ((النهاية)): الحِجْرُ بالكسر: اسم الحائط المستدير إلى جانب الكعبة الغربي. انتهى. قلت: في قوله: ((الغربي)) نظر؛ كما لا يخفى. [٨٧٦] قوله: (عن علقمة بن أبي علقمة، عن أبيه، عن عائشة) كذا في نسخ الترمذي، وفي رواية أبي داود: عن علقمة، عن أمه، عن عائشة. وفي رواية النسائي: عن أمه، عن أبيه، عن عائشة. بزيادة: عن أمه، عن أبيه. قوله: (فإنما هو قطعة من البيت) هذا ظاهره أن الحجر كله من البيت، وكذا قوله في رواية عائشة عند البخاري(١)، قالت: سألت النبي وَ لّ عن الجدار؛ أمن البيت هو؟ قال: نعم، وبذلك كان يفتي ابن عباس؛ كما رواه عبد الرزاق(٢)، عن أبيه، عن مرثد بن شرحبيل قال: سمعت ابن عباس يقول: لو وليت من البيت ما ولي ابن الزبير؛ لأدخلت الحجر كله في البيت؛ فلم يطاف به إن لم يكن من البيت؟ (١) البخاري، كتاب الحج. حديث (٢٣٧٤). (٢) عبد الرزاق في ((المصنف)) (٨٩٨٦). ٧٢٩ كِتَابُ الحَجِّ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي فضلِ الحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَالرُّكْنِ وَالمَقَامِ وَلَكِنْ قَوْمُكِ اسْتَقْصَرُوهُ حِينَ بَنَوْا الكَعْبَةَ، فَأَخْرَجُوهُ مِنَ البَيْتِ)). [د: ٢٠٢٨، حم: ٢٣٨٦٣]. قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَعَلْقَمَةُ بْنُ أَبِي عَلْقَمَةَ هُوَ: عَلْقَمَةُ بْنُ بِلَالٍ. ٤٩- بَابُ مَا جَاءَ في فضلِ الحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَالرُّكْنِ وَالْمَقَامِ (ت٤٩، ٤٩٢] [٨٧٧] (٨٧٧) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَطِّ: ((نَزَلَ الحَجَرُ الْأَسْوَدُ مِنَ الجَنَّةِ وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضاً مِنَ اللَّبَنِ، فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ)). [ن مختصراً: ٢٩٣٥، حم: ٢٧٩٢]. وقد ذكر الحافظ في ((الفتح)) روايات أخرى تدل بإطلاقها على أن الحجر كله من البيت، ثم قال: وهذه الروايات كلها مطلقة، وقد جاءت روايات أصح منها مقيدة، منها لمسلم من طريق أبي قزعة، عن الحارث بن عبد الله، عن عائشة: (حَتَّى أَزِيدَ فيه مِنَ الحِجْرَ))(١). وله من وجه آخر عن الحارث عنها: فإن بدا لقومك أن يبنوه بعدي، فهلمي لأريك ما تركوا منه، فأراها قريبًا من سبعة أذرع(٢). وله من طريق سعد بن ميناء، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة: وزدت فيها الحجر ستة أذرع(٣)، ثم ذكر روايات مقيدة أخرى غير هذه الروايات، ثم حقق أن الروايات المطلقة محمولة على المقيدة. وقد بسط الكلام فيه وأجاد. قوله: (ولكن قومك استقصروه) أي: قصروه عن تمام بنائه؛ لقلة النفقة. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أبو داود والنسائي أيضًا. (وعلقمة بن أبي علقمة هو علقمة بن بلال) قال المنذري: وعلقمة هذا هو مولى عائشة، تابعي مدني، احتج به البخاري ومسلم، وأمه: حكى البخاري وغيره أن اسمها: مرجانة. انتهى. ٤٩ - باب ما جاء في فَضْلِ الحَجَرِ الأَسْوَدِ والرُّكْنِ والمَقَامِ [٨٧٧] قوله: (وهو أشد بياضًا من اللبن) جملة حالية. (فسودته خطايا بني آدم) قال في (١) مسلم، كتاب الحج. حديث (١٣٣٣). (٢) مسلم، كتاب الحج. حديث (١٣٣٣). (٣) المصدر السابق. ٧٣٠ كِتَابُ الحَجِّ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي فضلِ الحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَالرُّكْنِ وَالمَقَامِ ((المرقاة)): أي: صارت ذنوب نبي آدم الذين يمسحون الحجر سببًا لسواده، والأظهر حمل الحديث على حقيقته، إذ لا مانع نقلًا ولا عقلًا. وقال بعض الشراح من علمائنا - يعني: الحنفية -: هذا الحديث يحتمل أن يراد به المبالغة في تعظيم شأن الحجر، وتفظيع أمر الخطايا والذنوب، والمعنى: أن الحجر لما فيه من الشرف والكرامة واليُمْنِ والبركة شارك جواهر الجنة، فكأنه نزل منها، وأن خطايا بني آدم تكاد تؤثر في الجماد فتجعل المبيض منه أسود، فكيف بقلوبهم. أو لأنه من حيث إنه مكفر للخطايا محاء للذنوب، كأنه من الجنة، ومن كثرة تحمله أوزار بني آدم، صار كأنه ذو بياض شديد، فسودته الخطايا . ومما يؤيد هذا: أنه كان فيه نقط بيض، ثم لا زال السواد يتراكم عليها حتى عمها. وفي الحديث: إذا أَذْنَبَ العَبْدُ نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ، فإذا أذنبَ نُكتَتْ فيه نكتةٌ أُخْرَى، وهكذا حَتَّى يَسْوَدَّ قَلْبُهُ جَمِيعَهُ ويصير ممن قال فيهم: ﴿كَّ بَلِّ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤](١). والحاصل: أن الحجر بمنزلة المرآة البيضاء في غاية من الصفاء، ويتغير بملاقاة ما لا يناسبه من الأشياء حتى يسود لها جميع الأجزاء، وفي الجملة: الصحبة لها تأثير بإجماع العقلاء. انتهى كلام القاري. قال الحافظ ابن حجر: واعترض بعض الملحدين على هذا الحديث، فقال: كيف سودته خطايا المشركين، ولم تبيضه طاعات أهل التوحيد؟ وأجيب بما قال ابن قتيبة: لو شاء الله لكان ذلك، وإنما أجرى الله العادة، بأن السواد يصبغ ولا ينصبغ، على العكس من البياض. وقال المحب الطبري: في بقائه أسود عبرة لمن له بصيرة، فإن الخطايا إذا أثرت في الحجر الصلد، فتأثيرها على القلب أشد. قال: وروي عن ابن عباس: إنما غيره بالسواد لئلا ينظر أهل الدنيا إلى زينة الجنة، فإن ثبت فهذا هو الجواب. قال الحافظ ابن حجر: أخرجه الحميدي في ((فضائل مكة)) بإسناد ضعيف. انتهى. (١) الترمذي، كتاب التفسير. حديث (٣٣٣٤)، والنسائي في ((الكبري)) (١٠٢٥١)، وابن ماجه، كتاب الزهد. حدیث (٤٢٤٤). ٧٣١ كِتَابُ الحَجِّ عَنْ رَسُولِ اللهِوَّهَ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي فضلِ الحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَالرُّكْنِ وَالمَقَّامِ قَالَ: وَفِي البَابِ: عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، وَأَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسِ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. قوله: (وفي الباب عن عبد الله بن عمرو) أخرجه الترمذي في هذا الباب، وأخرجه أحمد، وصححه ابن حبان (١) ، وسيجيء الكلام عليه. (وأبي هريرة) أخرجه ابن ماجه (٢) عنه قال: قال رسول الله وَّهِ: ((مَنْ نَاوَضَ الحَجَرَ الأَسْوَدَ فَكَأَنَّما يُفَاوِضُ يَدَ الرَّحْمنِ)). وفي «فضائل مكة) للجندي من حديث ابن جريج، عن محمد بن عباد بن جعفر، عن ابن عباس: إن هذا الركن الأسود هو يمين الله في الأرض، يصافح به عباده مصافحة الرجل أخاه. ومن حديث الحكم بن أبان عن عكرمة عنه زيادة: فمن لم يدرك بيعة رسول الله وَ و ثم استلم الحجر، فقد بايع الله ورسوله. وقال المحب الطبري: والمعنى: كونه يمين الله - والله أعلم - كل ملك إذا قدم عليه قبلت يمينه، ولما كان الحاج والمعتمر أول ما يقدمان يسن لهما تقبيله؛ نزل منزلة يمين الملك يده ولله المثل الأعلى، ولذلك من صافحه كان عند الله عهد؛ كما أن الملك يعطي العهد بالمصافحة؛ كذا في ((عمدة القاري)). واعلم: أن لابن عباس حديثًا آخر في فضل الحجر الأسود عند الترمذي(٣) رواه في أواخر كتاب الحج مرفوعًا بلفظ: ((والله لَيَبْعَثَنَّهُ الله يَوْمَ القِيَامَةِ له عَيْنَانِ ... إلخ)). قوله: (حديث ابن عباس حديث حسن صحيح) قال الحافظ في ((الفتح)): وفيه: عطاء بن السائب، وهو صدوق، لكنه اختلط، وجرير ممن سمع منه بعد اختلاطه، لكن له طريق أخرى في ((صحيح ابن خزيمة))؛ فيقوى بها. وقد رواه النسائي(٤) من طريق حماد بن سلمة، عن عطاء مختصرًا، ولفظه: ((الحَجَرُ الأَسْودُ مِنَ الجَنَّةِ))، وحماد ممن سمع من عطاء قبل الاختلاط. (١) الترمذي، كتاب الحج. حديث (٨٠٤)؛ وأخرجه أحمد. حديث (٦٧٠٥)، وابن حبان. حديث (٣٧١٠). (٢) ابن ماجه، كتاب المناسك. حديث (٢٩٥٧). (٣) الترمذي، كتاب الحج. حديث (٨٨٤). (٤) النسائي، كتاب مناسك الحج. حديث (٢٩٣٥). ٧٣٢ كِتَابُ الحَجِّ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ رَ بَابُ مَا جَاءَ فِي فضلِ الحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَالرُّكْنِ وَالمَقَامِ [٨٧٨] (٨٧٨) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع، عَنْ رَجَاءٍ أَبِي يَحْيَى، قَالَ: سَمِعْتُ مُسَافِعاً الحَاجِبَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ الله بْنَ عَمْرِو، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله وَيُّه يَقُولُ: ((إِنَّ الرُّكْنَ وَالمَقَامَ ياقُوتَتَانِ مِنْ يَاقُوتِ الجَنَّةِ طَمَسَ الله نُورَهُمَا، وَلَوْ لَمْ يَظْمِسْ نُورَهُمَا، لَأَضَاءَتَا مَا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ)). [حم: ٦٩٦١]. قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا يُرْوَى عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو مَوْقُوفاً قَوْلُهُ. وَفِيهِ: عَنْ أَنَسٍ أَيْضًا، وَهُوَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وفي ((صحيح ابن خزيمة))(١) أيضًا عن ابن عباس مرفوعًا: ((إِنَّ لهذا الحَجَرِ لِسَانًا وشَفَتَيْنِ يَشْهَدَانِ لِمَن اسْتَلَمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَقٌّ))، وصححه أيضًا ابن حبان والحاكم، وله شاهد من حديث أنس عند الحاكم أيضًا. انتهى ما في ((الفتح)). [٨٧٨] قوله: (إن الركن والمقام) أي: الحجر الأسود، ومقام إبراهيم. (ياقوتتان من ياقوت الجنة) المراد به: الجنس، فالمعنى: أنهما من يواقيت الجنة. (طمس الله نورهما) أي: أذهبه. قال القاري: أي: بمساس المشركين لهما، ولعل الحكمة في طمسهما ليكون الإيمان غيبيًّا لا عينيًّا. (ولو لم يطمس) على بناء الفاعل، ويجوز أن يكون على بناء المفعول. (لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب) أي: لأنارتاه. قوله: (وفيه عن أنس أيضًا) أخرجه الحاكم(٢)؛ كما ستقف عليه. (وهو حديث غريب) وأخرجه أيضًا ابن حبان من طريق رجاء بن صبيح والحاكم، ومن طريقه البيهقي (٣)؛ كذا في ((الترغيب)). وقال الحافظ في ((الفتح)) بعد ذكر هذا الحديث مرفوعًا: أخرجه أحمد والترمذي، وصگّحه ابن حبان، وفي إسناده [رجاء] أبو يحيى وهو ضعيف. قال الترمذي: حديث غريب، ويروى عن عبد الله بن عمرو موقوفًا . وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: وقفه أشبه، والذي رفعه ليس بقوي. انتهى. (١) ابن خزيمة. حديث (٢٧٣٦)، وابن حبان. حديث (٣٧١١)، والحاكم. حديث (١٦٨٠) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وله شاهد صحيح. (٢) الحاكم (١٦٧٨). (٣) الحاكم. حديث (١٦٧٧)، والبيهقي في ((الشعب)) (٤٠٣٠). ٧٣٣ كِتَابُ الحَجِّ عَنْ رَسُولِ الله ◌َِّ / بَابُ مَا جَاءَ فِي الخُروُجِ إِلَى مِنِّى وَالْمُقَامِ بِهَا ٥٠- بَابُ مَا جَاءَ في الخُروُجِ إِلَى مِنَّى وَالْمُقَامِ بِهَا [ت٥٠٢،٥٠] [٨٧٩] (٨٧٩) حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ الأَجْلَحِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ وَهُ بِمِنَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ وَالمَغْرِبَ وَالعِشَاءَ وَالفَجْرَ، ثُمَّ غَدَا إِلَى عَرَفَاتٍ. [جه بنحوه: ٣٠٠٤، حم بنحوه: ٢٧٦١، مي بنحوه: ١٨٧١ ]. قَالَ أَبُو عِيسَى: وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ قَدْ تَكَلَّمُوا فِيهِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ. [٨٨٠] (٨٨٠) حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ الأَجْلَحِ، عَنِ ٥٠ - باب ما جاء في الخُرُوجِ إلى مِنى والُقَام بها بضم الميم من الإقامة. و((منى)) موضع بين ((مكة)) و((المزدلفة))، حدها من جهة المشرق: (بطن المسيل)) إذا هبطت من ((وادي محسر))، ومن جهة المغرب ((جمرة العقبة))؛ ذكره النووي في ((التهذيب))، وقال في ((المجمع)): سمي به؛ لما يمنى فيه من الدماء؛ أي: يراق وهي لا تنصرف، وتكتب بالياء إن قصد بها البقعة، ويصرف ويكتب بالألف بتأويل موضع. انتهى. [٨٧٩] قوله: (صلى بنا رسول الله وَ ﴿ بمنى) أي: يوم التروية؛ وهو اليوم الثامن من ذي الحجة. (ثم غدا) من: الغدو؛ وهو: المشي أول النهار؛ أي: سار غدوة بعد طلوع الشمس؛ لما في حديث جابر الطويل: ثم مكث قليلًا حتى طلعت الشمس. (إلى عرفات) بفتحتين قال النووي: اسم لموضع الوقوف، سمي به؛ لأن آدم عرف حواء هناك. وقيل: لأن جبريل عرف إبراهيم المناسك هناك. قوله: (وإسماعيل بن مسلم قد تَكَلَّمُوا فيه) إسماعيل بن مسلم هذا هو: أبو إسحاق البصري المجاور المكي الفقيه، ضعفه ابن المبارك. وقال أحمد: منكر الحديث؛ كذا في ((الخلاصة))، وحديث ابن عباس هذا أخرجه ابن ماجه أيضًا . [٨٨٠] قوله: (حدثنا عبد الله بن الأجلح) بتقديم الجيم على الحاء المهملة. ٧٣٤ كِتَابُ الحَجِّ عَنْ رَسُولِ اللهِِّ / بَابُ مَا جَاءَ فِي الخُروُجِ إِلَى مِنِى وَالْمُقَامِ بِهَا الأَعْمَشِ، عَنِ الحَكْمِ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ صَلَّى بِمِنَّى الُهْرَ وَالفَجْرَ، ثُمَّ غَدَا إِلَى عَرَفَاتٍ. [٥: ١٩١١]. قَالَ: وَفِي الْبَابِ: عَنْ عَبْدِ الله بْنِ الزُّبَيْرِ، وَأَنَسٍ. قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ مِقْسَمِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ المَدِينِي: قَالَ يَحْيَى: قَالَ شُعْبَةُ: لَمْ يَسْمَعِ الحَكَمِّ مِنْ مِقْسَمٍ إِلَّا خَمْسَةَ أَشْيَاءَ، وَعَدَّهَا وَلَيْسَ هَذَا الحَدِيثُ فِيمَا عَدَّ شُعْبَةُ. قوله: (وفي الباب عن عبد الله بن الزبير) أخرجه الحاكم في ((المستدرك))(١)؛ بلفظ: قال: ((من سنة الحج أن يصلي الإمام الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح بـ ((منى))، ثم يغدو إلى ((عرفة))، حتى إذا زالت الشمس خطب الناس ثم صلى الظهر والعصر جميعًا))؛ كذا في ((شرح سراج أحمد)). (وأنس رَُّبه) أخرجه البخاري(٢) عن عبد العزيز بن رفيع قال: سألت أنس بن مالك قلت: أخبرني بشيء عقلته عن النبي ◌َّو؛ أين صلى الظهر والعصر يوم التروية؟ قال: بـ((منى)) ... الحديث. وفي الباب عن جابر في الحديث الطويل في صفة الحج عند مسلم (٣): فلما كان يوم التروية توجهوا إلى ((منى))، فأهلوا بالحج، وركب رسول الله وَّة فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ... الحديث. وفي الباب أيضًا عن ابن عمر، أخرجه ابن ماجه(٤) مرفوعًا، وأخرجه مالك موقوفًا . قوله: (وليس هذا الحديث فيما عد شعبة) فعلى هذا يكون هذا الحديث منقطعًا، ولكن له شواهد صحیحة؛ كما عرفت. (١) الحاكم (١٦٩٥)، وقال: على شرط الشيخين، وعنه البيهقي في ((الكبرى)) (٩٢٨٥). (٢) البخاري، كتاب الحج. حديث (١٧٦٣). (٣) مسلم، كتاب الحج. حديث (١٢١٨). (٤) ابن ماجه، كتاب المناسك. حديث (٣٠٠٥). ٧٣٥ كِتَابُ الحَجِّ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِ / بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ مِنَّى مُنَاُ مَنْ سَبَقَ ٥١- بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ مِنَّى مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ [ت٥١، ٥١٢] [٨٨١] (٨٨١) حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبَانٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ إِسْرَائِيل، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ أُمِّهِ مُسَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ الله، أَلَا نَبْنِي لَكَ بناءً يُظِلَّكَ بِمِنَّى؟ قَالَ: ((لا، مِنَّى مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ)). [فِيهِ ضعف، ((مسيكة)) لا تعرف بعدالة ولا جرح كما قال ابن خزيمة، وإبراهيم صدوق لين الحفظ. د: ٢٠١٩، جه: ٣٠٠٦، حم: ٢٥٠١٤، مي: ١٩٣٧]. قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ٥١ - باب ما جاء أَنَّ مِنىْ مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ [٨٨١] قوله: (عن يوسف بن ماهك) بفتح هاء ويكاف، ترك صرفه، وعند الأصيلي مصروف؛ كذا في ((المغني))، ثقة من الثالثة. (عن أمه مسيكة) بالتصغير، المكية لا يعرف حالها، من الثالثة؛ كذا في ((التقريب))، ذكرها الذهبي في ((الميزان)) في المجهولات. قوله: (ألا نبني لك بناء) وفي رواية لابن ماجه: ((بيتًا)). (قال: لا) أي: لا تبنوا لي بناء بـ((منى))؛ لأنه ليس مختصًّا بأحد، إنما هو موضع العبادة من الرمي، وذبح الهدي والحلق ونحوها، فلو أجيز البناء فيه لكثرت الأبنية وتضيق المكان، وهذا مثل الشوارع ومقاعد الأسواق. وعند أبي حنيفة: أرض الحرم موقوفة، فلا يجوز أن يملكها أحد. (منى) مبتدأ. (مناخ من سبق) خبر مبتدأ، والمناخ بضم الميم: موضع إناخة الإبل. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه ابن ماجه والحاكم(١). ومدار هذا الحديث على مسيكة، وهي مجهولة؛ كما عرفت. (١) الحاكم. حديث (١٧١٤) وصححه على شرط مسلم. ٧٣٦ كِتَابُ الحَجِّ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ بِمِنَّى ٥٢- بَابُ مَا جَاءَ في تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ بِمِنَّى (ت٥٢، ٥٢٢] [٨٨٢] (٨٨٢) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَخْوَصِ، عَنْ إِسْرَائِيل، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ بَ بِمِنَّى، آمَنَ مَا كَانَ النَّاسُ وَأَكْثَرَهُ رَكْعَتَينٍ. [خ: ١٠٨٣، م: ٦٩٦، ن: ١٤٤٤، دبنحوه: ١٩٦٥]. قَالَ: وَفِي الْبَابِ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَنَسٍ. ٥٢ - باب مَا جَاءَ في تَقْصِيرِ الصَّلاةِ بِمِنى [٨٨٢] قوله: (آمن ما كان الناس) قال في ((مجمع البحار)): بمد همزة أفعل من: الأمن ضد الخوف. و((ما)) مصدرية؛ أي: صلى بنا والحال أنا أكثر أكواننا في سائر الأوقات أمنًا من غير خوف، وإسناد الأمن إلى الأوقات مجاز. انتهى. وقال أبو الطيب في ((شرح الترمذي)): المقصود من هذا الكلام وأمثاله واضح؛ أي: حين كان الناس أكثر أمنًا وعددًا، لكن تطبيقه على قواعد العربية خفي، والأقرب أن ((ما)) مصدرية، و((كان)) تامة، و(آمن)) منصوب على الظرفية بتقدير مضاف، وموصوفه مقدر من جنس المضاف إليه، كما هو المشهور في اسم التفضيل، و((أكثره)) عطف على ((آمن)) وضميره لما أضيف إليه ((آمن))، والتقدير: زمان كون هو آمن أكوان الناس وزمان كون هو أكثر أكوان الناس عددًا، ونسبة الأمن والكثرة إلى الكون مجازية، فإنهما وصفان للناس حقيقة، فرجع بالنظر إلى الحقيقة إلى زمانٍ وحينٍ كان الناس فيه آمن وأكثر؛ وعلى هذا فنصب (آمن)) و((أكثر)) على الظرفية بتقدير المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه. انتهى. قوله: (عن ابن مسعود) أخرجه البخاري ومسلم، وقد ذكر الترمذي لفظه فيما بعد. (وابن عمر) قال: صلى رسول الله وَّه بـ((منى)) ركعتين، وأبو بكر بعده، وعمر بعد أبي بكر، وعثمان صدرًا من خلافته، ثم إن عثمان صلى بعد أربعًا، فكان ابن عمر إذا صلى مع الإمام صلى أربعًا وإذا صلاها وحده صلى ركعتين. أخرجه الشيخان. (وأنس) قال: خرجنا مع رسول الله وَّ ر من ((المدينة)) إلى ((مكة))، فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى ((المدينة))، قيل له: أقمتم بـ ((مكة)) شيئًا؟ قال: ((أقمنا بها عشرًا))، أخرجه الشيخان. ٧٣٧ كِتَابُ الحَجِّ عَنْ رَسُولِ الله ◌َِّ / بَابُ مَا جَاءَ فِي تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ بِمِنَّى قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ حَارِثَةٌ بْنِ وَهْبٍ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ وَّهِ بِمِنَّى رَكْعَتينٍ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ، وَمَعَ عُمَرَ، وَمَعَ عُثْمَانَ رَكْعَتَيْنِ صَدْراً مِنْ إِمَارَتِهِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ بِمِنّى لأَهْلِ مَّةَ، فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: لَيْسَ لأَهْلٍ مََّةَ أَنْ يَقْصُرُوا الصَّلَاةَ بِمِنَّى، إِلَّ مَنْ كَانَ بِمِنَى مُسَافِراً، وَهُوَ قَوْلُ ابْنٍ ◌ُرَيْجٍ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدِ القَطَّانِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا بَأْسَ لَأَهْلٍ مَثَّةَ أَنْ يَقْصُرُوا الصَّلَاةَ بِمِنَّى، وَهُوَ قَوْلُ الأَوْزَاعِيِّ، وَمَالِكِ، وَسُفْيَانَ بْن عُنَّيْنَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ. قوله: (حديث حارثة بن وهب حديث حسن صحيح) أخرجه الشيخان. قوله: (وروي عن ابن مسعود أنه قال: صليت مع النبي (وَ﴿ بمنى ركعتين ... إلخ) رواه الشيخان. قوله: (إلا من كان بمنى مسافرًا) استثناء منقطع؛ أي: ليس لأهل ((مكة)) أن يقصروا الصلاة بـ((منى)) لكن من كان بـ((منى)) مسافرًا فهو يقصرها، ويحتمل الاتصال؛ أي: إلا من كان منهم نازلًا بـ ((منى)) مسافرًا بأن خرج على نية السفر، أو رجع من السفر، ونزل بها قبل دخوله ((مكة)). (وهو قول ابن جريج وسفيان الثوري ويحيى بن سعيد القطان والشافعي وأحمد وإسحاق) وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وحجتهم: أن المسافة التي بين ((مكة)) و((منى)) لا يقصر فيها الصلاة، والقصر بـ((منى)) ليس لأجل النسك، بل للسفر. (وهو قول الأوزاعي ومالك وسفيان بن عيينة وعبد الرحمن بن مهدي) وحجتهم أن القصر بـ ((منى)) للنسك، وليس لأجل السفر: قال بعض المالكية: لو لم يجز لأهل ((مكة)) القصر بـ(منى)) لقال لهم النبي ◌َّ: ((أتموا وليس بين مكة ومنى مسافة القصر))، فدل على أنهم قصروا للنسك، وأجيب: بأن الترمذي روى من حديث عمران بن حصين؛ أنه وَّ كان يصلي بـ((مكة)) ركعتين ويقول: ((يا أَهْلَ مَكَّةَ ٧٣٨ كِتَابُ الحَجِّ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ بَابُ مَا جَاءَ فِي الُّقُوفِ بِعَرَفَاتٍ وَالدُّعَاءِ بِهَا ٥٣- بَابُ مَا جَاءَ في الوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ وَالدُّعَاءِ بِهَا [ت٥٣، ٥٣٢] [٨٨٣] (٨٨٣) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الله بْنِ صَفْوَانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ شَيْبَانَ، قَالَ: أَتَانَا ابْنُ مِرْبَعِ الْأَنْصَارِيّ وَنَحْنُ وُقُوفٌ بِالمَوْقِفِ، مَكَاناً يُبَاعِدُهُ عَمْرٌو، فَقَالَ: إِّي رَسُولُ رَسُولِ اللهِ وَهِ إِلَيْكُمْ يَقُولُ: أَتِمُوا فإنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ)) (١)، وكأنه ترك إعلامهم بذلك بـ ((منى)) استغناء بما تقدم بـ((مكة)). قال الحافظ ابن حجر: وهذا ضعيف؛ لأن الحديث من رواية علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف، ولو صح فالقصة كانت في الفتح، وقصة ((منى)) في حجة الوداع، وكان لا بد من بيان ذلك لبعد العهد. انتهى كلام الحافظ. قال الخطابي في ((المعالم)): ليس في قوله: ((صلى بنا ركعتين)) دليل على أن المكي يقصر الصلاة بـ(منى))؛ لأن رسول الله وَ ال كان مسافرًا بـ (منى)) فصلى صلاة المسافر، ولعله لو سأل رسول الله وَ له عن صلاته لأمره بالإتمام، وقد يترك رسول الله وم له بيان بعض المأمور في بعض المواطن اقتصارًا على ما تقدم من البيان السابق، خصوصًا في مثل هذا الأمر الذي هو من العلم الظاهر العام؛ وكان عمر بن الخطاب يصلي بهم فيقصر، فإذا سلم التفت إليهم وقال: أتموا يا أَهل (مكة))؛ فإنا قوم سفر. انتهى (٢). ٥٣ - باب ما جاءَ في الوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ وَالدُّعَاءِ بِهَا [٨٨٣] قوله: (أتانا ابن مربع الأنصاري) بكسر الميم، وسكون الراء، وفتح الموحدة صحابي رَظَر ◌ُّه، وسيجيء ما في اسمه من الاختلاف. (مکانًا) أي: في مكان؛ كما في رواية أبي داود. (يباعده عمرو) أي: يباعد ذلك المكان عمرو بن عبد الله من موقف الإمام؛ يعني: (١) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (١٢٢٩). (٢) لم يذكر الشارح في الباب أحاديث ابن مسعود وابن عمر وأنس: أما حديث عبد الله بن مسعود؛ فأخرجه البخاري، كتاب تقصير الصلاة. حديث (١٠٨٤)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها. حديث (٦٩٥). وأما حديث عبد الله بن عمر؛ فأخرجه البخاري، كتاب الحج. حديث (١٦٥٥)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها. حديث (٦٩٤). = ٧٣٩ كِتَابُ الحَجِّ عَنْ رَسُولِ اللهِ وََّ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي الوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ وَالدُّحَاءِ بِهَا ((كُونُوا عَلَى مَشَاعِرِكُمْ فَإِنَّكُمْ عَلَى إِرْثٍ مِنْ إِرْثِ إِبْرَاهِيمَ)). [ن: ٣٠١٤، د: ١٩١٩، جه: ٣٠١١، حم: ١٦٧٨٢]. قَالَ: وَفِي الْبَابِ: عَنْ عَلِيٍّ، وَعَائِشَةَ، وَجُبَيْرِ بْنِ مُظْعِمٍ، وَالشَّرِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ الثَّقَفِيِّ. قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ ابن مِرْبَعِ الْأَنْصَارِيّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا يجعله بعيدًا بوصفه إياه بالبعد. والمباعدة بمعنى التبعيد. وهذا قول الراوي عن عمرو بن عبد الله، وهو: عمرو بن دينار. (كونوا على مشاعركم) جمع: مشعر، يريد بها: مواضع النسك، سميت بذلك؛ لأنها معالم العبادات. (على إرث من إرث إبراهيم) علة للأمر بالاستقرار والتثبت على الوقوف في مواقفهم القديمة، علل ذلك بأن موقفهم موقف إبراهيم ورثوه منه، ولم يخطئوا في الوقوف فيه عن سنته؛ فإن ((عرفة)) كلها موقف، والواقف بأي جزء منها آتٍ بسنته متبع لطريقته، وإن بعد موقفه عن موقف النبي ◌َّ؛ قاله الطيبيّ. قوله: (وفي الباب عن علي) أخرجه البيهقي وضعَّفه، والترمذي(١) كما سيذكر، وابن خزيمة والمحاملي في ((الدعاء))، وابن أبي الدنيا في ((الأضاحي))، وابن النجار؛ كذا في ((شرح سراج أحمد)). (وعائشة) أخرجه الشيخان(٢). (وجبير بن مطعم) أخرجه الشيخان(٣) أيضًا. (والشريد بن سويد الثقفي) لينظر من أخرج حديثه (٤) . قوله: (حديث ابن مربع الأنصاريّ حديث حسن صحيح) وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه. = وأما حديث أنس؛ فأخرجه البخاري، كتاب تقصير الصلاة. حديث (١٠٨١)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها. حديث (٦٩٣). (١) البيهقي في ((الكبرى)) (٩٢٨٧)، والترمذي، كتاب الحج. حديث (١٨٨٥). (٢) البخاري، كتاب تفسير القرآن. حديث (٤٥٢٠)، ومسلم، كتاب الحج. حديث (١٢١٩). (٣) البخاري، كتاب الحج. حديث (١٦٦٤)، ومسلم، كتاب الحج. حديث (١٢٢٠). (٤) أحمد. حديث (١٨٩٧١). ٧٤٠ كِتَابُ الحَجِّ عَنْ رَسُولِ اللهِ وََّ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي الُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ وَالدُّعَاءِ بِهَا مِنْ حَدِيثِ ابْنٍ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمرِو بْنِ دِينَارٍ، وَابْنُ مِرْبَعِ اسْمُهُ: يَزِيدُ بْنُ مِرْبَعٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ لَهُ هَذَا الحَدِيثُ الوَاحِدُ. [٨٨٤] (٨٨٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الصَّنْعَانِيُّ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الظُّفاوِيُّ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَتْ قُرَيْشٌ وَمَنْ كَانَ عَلَى دِينِها - وَهُمُ الحُمْسُ - يَقِفُونَ بِالمُزْدَلِفَةِ، يَقُولُونَ: نَحْنُ قَطِينُ الله، وَكَانَ مَنْ سِوَاهُمْ يَقِفُونَ بِعَرَفَةَ، فَأَنْزَلَ الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ قوله: (وابن مربع اسمه: يزيد بن مربع) قال الحافظ في ((التقريب)): زيد بن مربع بن قيظي صحابي، أكثر ما يجيء مبهمًا، وقيل: اسمه: يزيد، وقيل: عبد الله. انتهى. [٨٨٤] قوله: (حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني) بمفتوحة، وسكون نون، وبعين مهملة فألف فنون أخرى، نسبة إلى ((صنعاء)) ((اليمن)) وإلى ((صنعاء)) ((دمشق))؛ كذا في ((المغني)). (الطفاوي) بضم مهملة، وخفة فاء وواو؛ كذا في ((المغني)). قوله: (وهم الحُمْس) بضم مهملة، وسكون ميم فمهملة. قال في ((القاموس)): الحمس: الأمكنة الصلبة، جمع: أحمس، ولقب به قريش وكنانة وجديلة ومن تابعهم في الجاهلية؛ لتحمسهم في دينهم، أو لالتجائهم بالحَمْسَاءِ، وهي الكعبة. انتھی. وقال الحافظ في ((الفتح)): والأحمس في كلام العرب: الشديد، وسموا بذلك؛ لما شددوا على أنفسهم، وكانوا إذا أهلوا بحج أو عمرة لا يأكلون لحمًا، ولا يضربون وبرًا ولا شعرًا، وإذا قدموا ((مكة)) وضعوا ثيابهم التي كانت عليهم. وقيل: سموا حمسًا بالكعبة، لأنها حَمْسَاء حجرها أبيض يضرب إلى السواد، والأول أشهر وأكثر، وأنه من التحمس، وهو التشدد. انتهى كلامه ملخصًا. (ويقولون: نحن قطين الله) قال في ((القاموس)): قطن قطونًا: أقام، وفلانًا خدمه؛ فهو قاطن، والجمع: قطان وقاطنة وقطين. انتهى. وقطين الله على حذف المضاف، أي: سكان بيت الله. (﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ﴾) أي: ادفعوا يا قريش، وأصله: أفيضوا أنفسكم، فحذف المفعول.