Indexed OCR Text
Pages 541-560
٥٤١ كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ الله وَّه / بَابُ مَا جَاءَ فِي العَمَلِ فِي أَيَّامِ العَشْرِ وَرِوَايَةُ الْأَعْمَشِ أَصَحُ وَأَوْصَلُ إِسْنَاداً. قَالَ: وَسَمِعْتُ [أَبَا بَكْرٍ] مُحَمَّدَ بْنَ أَبَانٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ وَكِيعاً يَقُولُ: الْأَعْمَشُ أَحْفَظُ لإِسْنَادِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ مَنْصُورٍ . ٥٢- بَابُ مَا جَاءَ في العَمَلِ في أَيَّامِ العَشْرِ [ت٥٢، ٥٢٢] [٧٥٧] (٧٥٧) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِم - وَهُوَ ابْنُ أَبِي عِمْرَانَ البَطِينُ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ مُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله وَّهِ: (مَا مِنْ أَيَّامِ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى الله مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ العَشْرِ) فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله، قوله: (ورواية الأعمش أصح، وأوصل إسنادًا) والحديث أخرجه مسلم من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، وأخرجه أبو داود أيضًا من هذه الطريق. ٥٢- باب ما جاء في العَمَلِ في أيَّامِ العَشْرِ أي: عشر ذي الحجة. [٧٥٧] قوله: (وهو ابن أبي عمران البَطِين) بفتح الموحدة، هو: لقب مسلم بن أبي عمران، لُقِّب بذلك؛ لعظم بطنه؛ ذكره الحافظ. قوله: (ما من أيام) ((من)) زائدة. (العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر) أي: العشر الأول من ذي الحجة. وفي حديث جابر في صحيحي أبي عوانة وابن حبان(١): ((ما من أَيَّامٍ أَفْضَلُ عندَ الله من أَيَّامٍ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ))؛ كذا في ((الفتح)). قال الطيبيُّ: ((العمل)) مبتدأ، و((فيهن)) متعلق به، والخبر ((أحب))، والجملة خبر ((ما))، أي: واسمها ((أيام))، و((من)) الأولى زائدة، والثانية متعلقة بـ ((أفعل)) وفيه حذف، كأنه قيل: ليس العمل في أيام سوى العشر أحب إلى الله من العمل في هذه العشر. قال ابن الملك: لأنها أيام زيارة بيت الله، والوقت إذا كان أفضل كان العمل الصالح فيه أفضل، وذكر السيد: اختلف العلماء في هذه العشر، والعشر الأخير من رمضان، فقال (١) أبو عوانة. حديث (٢٤٣٠)، وابن حبان. حديث (٣٨٥٣). ٥٤٢ كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَهَ بَابُ مَا جَاءَ فِي العَمَلِ فِي أَيَّامِ العَشْرِ وَلَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ◌ِّهِ: ((وَلَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ الله، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ)). [خ: ٩٦٩، د: ٢٤٣٨، جه: ١٧٢٧، حم: ٦٤٦٩، مي: ١٧٧٣]. وَفِي البَابِ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، وَجَابِرٍ . قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاس حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. [٧٥٨] (٧٥٨) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعِ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا مَسْعُودُ بْنُ وَاصِلٍ، بعضهم: هذه العشر أفضل لهذا الحديث. وقال بعضهم: عشر رمضان أفضل للصوم والقدر. والمختار: أن أيام هذه العشر أفضل ليوم عرفة، وليالي عشر رمضان أفضل لليلة القدر؛ لأن يوم عرفة أفضل أيام السنة، وليلة القدر أفضل ليالي السنة؛ ولذا قال: ((ما من أَيَّامِ)) ولم يقل: من ليال؛ كذا في ((الأزهار))، وكذا في ((المرقاة)). (ولا الجهاد في سبيل الله) أي: أفضل من ذلك (إلا رجل) أي: إلا جهاد رجل. (فلم يرجع من ذلك) أي: مما ذكر من نفسه وماله. (بشيء) أي: كصرف ماله ونفسه في سبيل الله؛ فيكون أفضل من العامل في أيام العشر، أو مساويًا له. قوله: (وفي الباب عن ابن عمر) أخرجه أبو عوانة في ((صحيحه))(١). (وأبي هريرة) أخرجه الترمذي وابن ماجه(٢) . (وعبد الله بن عمرو) لم أقف على من أخرجه(٣). (وجابر) أخرجه أبو عوانة وابن حبان في ((صحيحيهما))(٤). قوله: (حديث ابن عباس حديث حسن غريب صحيح) وأخرجه البخاري وأبو داود وابن ماجه. [٧٥٨] قوله: (حدّثنا أبو بكر بن نافع البصري) اسمه: محمد بن أحمد بن نافع العبدي، مشهور بكنيته، صدوق، من صغار العاشرة. (حدثنا مسعود بن واصل) الأزرق البصري صاحب السابري، لين الحديث، من التاسعة. (١) أبو عوانة. حديث (٢٤٢٨، ٢٤٣١). (٢) الترمذي، كتاب الصوم. حديث (٧٥٨)، وابن ماجه، كتاب الصيام. حديث (١٧٢٨). (٣) أحمد. حديث (٦٤٦٩). (٤) أبو عوانة. حديث (٢٤٣٠)، وابن حبان. حديث (٣٨٥٣). ٥٤٣ كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي العَمَلِ فِي أَيَّامِ العَشْرِ عَنْ نَهَّاسِ بْنِ فَهْم، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَيه قَالَ: ((مَا مِنْ أَيَّامَ أَحَبُّ إِلَى اللهِ أَنْ يُتَعَبَّدَ لَهُ فِيهَا مِنْ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ، يَعْدِلُ صِيَامُ كُلِّ يَوْمٍ مِنْهَا بِصِيَامٍ سَنَةٍ، وَقِيَامُ كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْهَا بِقِيَامِ لَيْلَةِ القَدْرِ)). [ضعيف، نهاس ضعيف، ومسعود لين الحديث، جه: ١٧٢٨]. قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّ مِنْ حَدِيثٍ مَسْعُودِ بْنِ وَاصِلٍ، عَنِ النََّّاسِ. (عن نهاس) بتشديد الهاء ثم مهملة. (بن قَهم) بفتح القاف وسكون الهاء، البصري ضعيف، من السادسة. قوله: (ما) بمعنى ((ليس)). (من أيام) ((من) زائدة، و((أيام)) اسمها. (أحب إلى الله) بالنصب؛ على أنه خبرها، وبالفتح صفتها، وخبرها ((ثابتة)). وقيل: بالرفع على أنه صفة (أيام)) على المحل، والفتح: على أنها صفتها على اللفظ. وقوله: (أن يتعبد) في محل رفع بتأويل المصدر على أنه فاعل ((أحب)). وقيل: التقدير: لأن يتعبد؛ أي: يفعل العبادة ((له)) أي: لله. (فيها) أي: في الأيام. (من عشر ذي الحجة) قال الطيبيُّ: قيل: لو قيل: ((أن يتعبد)) مبتدأ و((أحب)) خبره، و((من)) متعلق بـ((أحب)) يلزم الفصل بين ((أحب)) ومعموله بأجنبي، فالوجه: أن يقرأ ((أحب)) بالفتح؛ ليكون صفة ((أيام))، و(أن يتعبد)) فاعله، و((من)) متعلق بـ ((أحب))، والفصل ليس بأجنبي؛ وهو كقوله: ما رأيت رجلاً أحسن في عينه الكحل من عين زيد، وخبر ((ما)) محذوف؛ أقول: لو جعل ((أحب)) خبر ((ما))، و((أن يتعبد)) متعلقًا بـ ((أحب)) بحذف الجار؛ أي: ما من أيام أحب إلى الله؛ لأن يتعبد له فيها من عشر ذي الحجة، لكان أقرب لفظًا ومعنى؛ أما اللفظ: فظاهر، وأما المعنى: فلأن سوق الكلام لتعظيم الأيام، والعبادة تابعة لها لا عكسه، وعلى ما ذهب إليه القائل يلزم العكس مع ارتكاب ذلك التعسف. (يعدل)) بالمعلوم، وقيل: بالمجهول؛ أي: يسوي. ((صيام كل يوم منها)) أي: ما عدا العاشر. وقال ابن الملك: أي: من أول ذي الحجة إلى يوم عرفة. (بصيام سنة) أي: لم يكن فيها عشر ذي الحجة؛ كذا قيل. والمراد: صيام التطوع، فلا يحتاج إلى أن يقال: لم يكن فيها أيام رمضان. قوله: (هذا حديث غريب ... إلخ) وأخرجه ابن ماجه، وهذا حديث ضعيف؛ لأن في ٥٤٤ كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَّهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي صِيَامٍ سِنَّةٍ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ قَالَ: وَسَأَلْتُ مُحَمَّداً عَنْ هَذَا الحَدِيثِ، فَلَمْ يَعْرِفْهُ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ مِثْلَ هَذَا. وَقَالَ: قَدْ رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنِ النَّبِّ وَلِ مُرْسَلًا، شَيْءٌ مِنْ هَذَا. وَقَدْ تَكَلَّمَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ فِي نَهَّاسِ بْنِ قَهْمِ، مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ. ٥٣- بَابُ مَا جَاءَ فيْ صِيَامٍ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَؤَالٍ [ت٥٣، ٥٣٢] [٧٥٩] (٧٥٩) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َله: ((مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِنَّا مِنْ شَوَّالٍ فَذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ)) - [م: ١١٦٤، د: ٢٤٣٣، جه: ١٧١٦، حم: ٢٣٠٢٢، مي: ١٧٥٤] . وَفِي البَابِ: عَنْ جَابِرٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةً، وَثَوْبَّانَ. سنده مسعود بن واصل، وهو لين الحديث. وفيه: نحاس بن قهم، وهو ضعيف؛ كما عرفت. ٥٣- باب ما جاء في صِيَامٍ سِتَّةِ أَيَّامٍ من شَؤَّالٍ [٧٥٩] قوله: (من صام رمضان ثم أتبعه) بهمزة قطع؛ أي: جعل عقبه في الصيام. (بست من شوال) وفي رواية مسلم: ((سِتَّا من شَوَّالٍ)). قال النووي: هذا صحيح. ولو كان ((ستة)) بالهاء جاز أيضًا. قال أهل اللغة: يقال: صمنا خمسًا وستًّا، وخمسة وستة، وإنما يلتزمون إثبات الهاء في المذكر، إذا ذكروه بلفظه صريحًا؛ فيقولون: صمنا ستة أيام، ولا يجوز: ست أيام، فإذا حذفوا الأيام جاز الوجهان. ومما جاء حذف الهاء فيه من المذكر إذا لم يذكر بلفظه قوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] أي: عشرة أيام. انتهى. (فذلك صيام الدهر) لأن الحسنة بعشر أمثالها، فرمضان بعشرة أشهر، والستة بشهرين. قال النووي: وقد جاء هذا في حديث مرفوع في كتاب النسائي. قوله: (وفي الباب عن جابر، وأبي هريرة، وثوبان) وفي الباب أيضًا: عن البراء بن عازب وابن عباس وعائشة. ٥٤٥ كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهـ / بَابُ مَا جَاءَ فِي صِيَامِ سِنَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدِ اسْتَحَبَّ قَوْمٌ صِيَامَ سِنَّةٍ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ بِهَذَا الحَدِيثِ. قَالَ ابْنُ المُبَارَكِ: هُوَ حَسَنٌ، هُوَ مِثْلُ صِيَامٍ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ . قال ميرك في تخريج أحاديث هؤلاء الصحابة : أما حديث جابر: فرواه الطبراني (١) وأحمد والبزار والبيهقي وأما حديث أبي هريرة: فرواه البزار والطبراني (١) وإسنادهما حسن. وقال المنذري: أحد طرقه عند البزار صحيح. وأما حديث ثوبان: فرواه ابن ماجه والنسائي وابن خزيمة في ((صحيحه))، وابن حبان(٣)، ولفظه عند ابن ماجه: ((مَنْ صَامَ سِتَّةَ أَيَّامٍ بعدَ الفِظْرِ كان كصِيَامِ السَّنَةِ)) ﴿مَن جَلَّمَ بِاَلْسَنَّةِ فَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهًا﴾ [الأنعام: ١٦٠]. وأما لفظ البقية: فقريب منه. وأما حديث ابن عباس: فرواه الطبراني(٤) وأحمد والبزار والبيهقي. وأما حديث عائشة: فرواه الطبراني (٥) أيضًا؛ كذا في ((المرقاة)). قلت: وأما حديث البراء بن عازب: فرواه الدارقطني .. قوله: (حديث أبي أيوب حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجه. قوله: (وقد استحب قوم صيام ستة أيام من شوال بهذا الحديث) وهِذا هِو الحق. قال النووي: فيه دلالة صريحة لمذهب الشافعي وأحمد وداود وموافقيهم في استحباب صوم هذه الستة. (١) أحمد. حديث (١٣٨٩٠)، والبزار (٤٩٦/١ - كشف). حديث (١٠٦٢)، والطبراني في «الأوسط)). حديث (٣١٩٢)، والبيهقي في ((الكبرى)). حديث (٨٢١٥). (٢) البزار (٤٩٥/١- كشف). حديث (١٠٦٠)، والطبراني في «الأوسط)) (٧٦٠٧)، وقال الهيثمي في ((المجمع)) (١٨٤/٣): رواه الطبراني في ((الأوسط)) وفيه من لم أعرفه. وقال أيضًا في ((المجمع)) (١٨٣/٣): رواه البزار وله طرق رجال بعضها رجال الصحيح. (٣) ابن ماجه، كتاب الصيام. حديث (١٧١٥)، والنسائي في ((الكبرى)) (٢٨٦٠)، وابن خزيمة. حديث (٢١١٥)، وابن حبان. حدیث (٣٦٣٥). (٤) الطبراني في ((الأوسط)). حديث (٨٦٢٢)، قال الهيثمي في ((المجمع)) (١٨٤/٣): وفيه مسلمة بن علي الخشني وهو ضعيف. (٥) الطبراني في ((الأوسط)) (٦٩٥٩). ٥٤٦ كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَّهَ لَ بَابُ مَا جَاءَ فِي صِيَامٍ سِنَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ قَالَ ابْنُ المُبَارَكِ: وَيُرْوَى فِي بَعْضِ الحَدِيثِ: وَيُلْحَقُ هَذَا الصِّيَامُ بِرَمَضَانَ، وَاخْتَارَ ابْنُ المُبَارَكِ أَنْ تَكُونَ سِنَّةَ أَيَّامٍ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ، أَنَّهُ قَالَ: إِنْ صَامَ سِنَّةَ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ مُتَفَرِّقاً فَهُوَ جَائِزٌ. قَالَ أَبُو عِيسَى: وَقَدْ رَوَى عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمِ وَسَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ [هَذَا الحَدِيث] عَنْ عُمَرَ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ هَذَّا. وقال مالك وأبو حنيفة: يكره ذلك. قال مالك في ((الموطأ)): ما رأيت أحدًا من أهل العلم يصومها. قالوا: فيكره لئلا يظن وجوبه. ودليل الشافعي وموافقيه هذا الحديث الصحيح الصريح. وإذا ثبتت السُّنة لا تترك لترك بعض الناس أو أكثرهم أو كلهم لها. وقولهم: ((قد يظن وجوبها)) ينتقض بصوم يوم عرفة وعاشوراء وغيرهما من الصوم المندوب. انتهى كلام النووي. قلت: قول من قال بكراهة صوم هذه الستة باطل مخالف لأحاديث الباب؛ ولذلك قال عامة المشايخ الحنفية بأنه لا بأس به. قال ابن الهمام: صوم ست من شوال عن أبي حنيفة وأبي يوسف كراهته، وعامة المشايخ لم يروا به بأسًا. انتهى. قوله: (ويُرْوى) بصيغة المجهول، ونائب فاعله هو قوله: (ويلحق هذا الصيام برمضان)؛ كذا في بعض الحواشي. قلت: لم أقف أنا على الحديث الذي روي فيه هذا اللفظ، نعم قد وقع في حديث ثوبان: (مَنْ صَامَ سِتََّ أَيَّامٍ بعدَ الفِظْرِ كان كصِيَامِ السَّنَةِ)(١). والظاهر المتبادر من البعدية: هي البعدية القريبة. (واختار ابن المبارك أن تكون ستة أيام من أول الشهر) أي: من أول شهر شوال متوالية. (وقد روي عن ابن المبارك أنه قال: إن صام ستة أيام ... متفرقًا فهو جائز) قال النووي: قال أصحابنا: والأفضل أن تصام الستة متوالية عقب يوم الفطر؛ فإن فرقها أو أخرها عن أوائل الشهر إلى أواخره، حصلت فضيلة المتابعة؛ لأنه يصدق أنه أتبعه ستًّا من شوال. انتهى. (١) ابن ماجه، كتاب الصيام. حديث (١٧١٥)، وأحمد. حديث (٢٢٤٦٥). ٥٤٧ كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِنَّهَ / بَابُ مَا جَاءَ فِي صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَرَوَى شُعْبَةُ، عَنْ وَرْقَاءَ بْنِ عُمَرَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ هَذَا الحَدِيثَ، وَسَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ هُوَ: أَخُو يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ أَهْلِ الحَدِيثِ فِي سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ. حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الجُعْفِيُّ، عَنْ إِسْرَائِيلَ أَبِي مُوسَى، عنِ الحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، قَالَ: كَانَ إِذَا ذُكِرَ عِنْدَهُ صِيَامُ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ، فَيَقُولُ: وَالله لَقَدْ رَضِيَ الله بِصِيَامِ هَذَا الشَّهْرِ عَنِ السَّنَةِ كُلُّهَا. [صَحِيح الإسناد مقطوع]. ٥٤- بَابُ مَا جَاءَ في صَوْمٍ ثَلَاثَةٍ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ [ت٥٤، ٥٤٢] [٧٦٠] (٧٦٠) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ أَبِي الرَّبِيع، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: عَهِدَ إِلَيَّ النَّبِيُّ ◌َّهِ ثَلَاثَةً: أَلَّا أَنَامَ إِلَّا عَلَى وِتْرٍ، قلت: الظاهر هو: ما نقل النووي عن أصحابه؛ فإن الظاهر المتبادر من لفظ: ((بعد الفطر)) المذكور في حديث ثوبان المذكور هي البعدية القريبة. والله تعالى أعلم. قوله: (وقد تكلم بعض أهل الحديث في: سعد بن سعيد من قبل حفظه) قال الحافظ في ((التقريب)): سعد بن سعيد بن قيس بن عمرو الأنصاري أخو يحيى، صدوق سيئ الحفظ، من الرابعة. انتهى. فإن قلت: كيف صحَّح الترمذي حديث سعد بن سعيد المذكور مع تصريحه؛ فإنه قد تكلم فيه بعض أهل الحديث من قبل حفظه. قلت: الظاهر: أن تصحيحه لتعدد الطرق، وقد تقدم في المقدمة أنه قد يصحح الحديث لتعدد طرقه، على أنه لم يتفرد به سعد بن سعيد، بل تابعه صفوان بن سليم؛ كما تقدم. ٥٤- باب ما جاء في صَوْمٍ ثَلاثَةٍ من كُلِّ شَهْرٍ [٧٦٠] قوله: (عهد إلي رسول الله ◌َ﴿) أي: أوصى. وفي رواية الشيخين: أَوْصَانِي خليلي. (ثلاثة) أي: ثلاثة خصال. (أَلَّا أنام إلا على وتر) قال الحافظ: فيه: استحباب تقدم الوتر على النوم؛ وذلك في حق من لم يثق بالاستيقاظ، ويتناول من يصلي بين النومين. وهذه الوصية لأبي هريرة ورد مثلها لأبي الدرداء فيما رواه مسلم، ولأبي ذر فيما رواه النسائي. انتهى كلام الحافظ. ٥٤٨ كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ الله وَّهِ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي صَوْمِ ثَلَاثَةٍ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَصَوْمَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَأَنْ أُصَلِّيَ الضُّحَى. [خ: ١١٧٨، م: ٧٢١، ن: ١٦٧٦، د: ١٤٣٢، حم: ٧٦٦٨، مي: ١٤٥٤]. [٧٦١] (٧٦١) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ بَسَّامِ يُحَدِّثُ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((يَا أَبَا ذَرِّ، إِذَا صُمْتَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّام، فَصُمْ: ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبِعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ)). [ن: ٢٤٢٣، حم: ٢٠٩٢٦]. قال الشيخ عبد الحق في ((اللمعات)): لعله اكتفى لأبي هريرة بأول الليل؛ لأنه كان يحفظ أحاديث رسول الله وَّه ويستحضر ملفوظاته، وكان يمضي جزءًا كثيرًا من الليل فيه، وذلك أفضل؛ لأن الاشتغال بالعلم أفضل من العبادة، وهو السبب في الوصية له بأن يوتر قبل أن ينام. انتهى كلام الشيخ. قلت: ويمكن أن يكون لسبب آخر؛ كما هو في الوصية لأبي الدرداء ولأبي ذر ﴿ًّا، والله تعالى أعلم. (وصوم ثلاثة أيام من كل شهر) قال الحافظ: الذي يظهر أن المراد بها: البيض. (وأن أصلي الضحى) زاد أحمد في رواية: ((كل يوم)). وفي رواية للبخاري بلفظ: ((وركعتي الضحى)). قال ابن دقيق العيد: لعله ذكر الأقل الذي يوجد التأكيد بفعله، وفي هذا دلالة على استحباب صلاة الضحى، وأن أقلها ركعتان. قال الحافظ في ((الفتح)): حكى شيخنا الحافظ أبو الفضل بن الحسين في ((شرح الترمذي)) أنه اشتهر بين العوام؛ أن من صلى الضحى، ثم قطعها يعمى؛ فصار كثير من الناس يتركونها أصلًا لذلك، وليس لما قالوه أصل، بل الظاهر: أنه مما ألقاه الشيطان على ألسنة العوام؛ ليحرمهم الخير الكثير، لاسيما ما وقع في حديث أبي ذر انتهى. وحديث أبي هريرة المذكور لم يحكم عليه الترمذي بشيء، هو حديث صحيح، وأخرجه الشيخان . [٧٦١] قوله: (سمعت يحيى بن بَسَّام) بفتح الموحدة، وتشديد السين المهملة، وآخره میم. قوله: (فصم ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة) هي أيام الليالي البيض. ٥٤٩ كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَهَ / بَابُ مَا جَاءَ فِي صَوْمِ ثَلاثَةٍ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَفِي البَابِ: عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، وَعَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، وَقرَّةَ بْنِ إِيَاسِ المُزنِيِّ، وَعَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي عَقْرَبٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ، وَقَتَادَةَ بْنِ مِلْحَانَ، قوله: (وفي الباب عن أبي قتادة) أخرجه مسلم(١) وفيه: (ثَلاثٌ من كُلِّ شَهْر، ورَمَضَانُ إلى رَمَضَانَ؛ فهذا صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ». (وعبد الله بن عمرو) أخرجه الشيخان(٢)، وفيه: ((ثلاثةُ أَيَّامٍ من كُلِّ شَهْرٍ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ، صُمْ كُلَّ شَهْرٍ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ واقْرَأُ الْقُرْآنَ في كُلِّ شَهْرٍ)). (وقرة بن إياس المزني) أخرجه أحمد(٣) بإسناد صحيح عنه مرفوعًا: ((صِيَامُ ثَلاثَةٍ أَيَّامٍ من كُلِّ شَهْرٍ صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ وإِفْطَارِهِ)). وأخرجه أيضًا البزار والطبراني وابن حبانَ في «صحیحه))؛ كذا في ((الترغيب)). (وعبد الله بن مسعود) قال: كان رسول الله له يصوم من غرة كل شهر ثلاثة أيام، وقلما كان يفطر يوم الجمعة. أخرجه الترمذي والنسائي، وأخرجه أبو داود(٤) إلى ثلاثة أيام، وصحَّحه ابن خزيمة. (وأبي عقرب) لينظر من أخرج حديثه(٥) . (وابن عباس) أخرجه النسائي (٦). (وعائشة) أخرجه مسلم والترمذي(٧) في هذا الباب. (وقتادة بن ملحان) بكسر الميم. وقيل: بفتحها، ولم أقف على من أخرج حديثه(٨). (١) مسلم، كتاب الصيام. حديث (١١٦٢). (٢) البخاري، كتاب الصيام. حديث (١٩٨٠)، ومسلم، كتاب الصيام. حديث (١١٥٩). (٣) أحمد. حديث (١٥١٦٧)، والبزار. حديث (٢٨٠٤ - زخار)، والطبراني في «الكبير» (٢٦/١٩) (٥٣)، وابن حبان. حديث (٣٦٥٢)، قال الهيثمي في ((المجمع)) (١٩٦/٣): ورجال أحمد رجال الصحيح. (٤) الترمذي، كتاب الصوم. حديث (٧٤٢)، والنسائي، كتاب الصيام. حديث (٢٣٦٨)؛ وأخرجه أيضًا أبو داود، كتاب الصوم. حديث (٢٤٥٠)، وابن حبان. حديث (٣٦٤٥). (٥) أحمد. حديث (١٨٥٧٢)، والنسائي، كتاب الصيام. حديث (٢٤٣٣، ٢٤٣٤)، والطبراني في ((الكبير)) (٢٢/ ٣١٦). حديث (٧٩٨)، والبيهقي في ((الكبرى)). حديث (٢٧٤٠)، و((شعب الإيمان)). حديث (٣٨٧٩) مطولًا . (٦) لم أقف عليه في السنن، ووجدته عند الحاكم مطولًا. حديث (٤١٦٥)، وقال الهيثمي في ((المجمع)) (١٩٦/٣): رواه البزار ورجاله رجال الصحيح. (٧) مسلم، كتاب الصيام. حديث (١١٦٠)، والترمذي، كتاب الصوم. حديث (٧٦٣). (٨) أحمد. حديث (١٩٨٠٥)، وأبو داود، كتاب الصوم. حديث (٢٤٤٩)، والنسائي، كتاب الصيام. حديث (٢٤٣٢، ٢٤٣٠)، وابن ماجه، كتاب الصيام. حديث (١٧٠٧). ٥٥٠ كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَّهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي العَاصِ، وَجَرِيرٍ . قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَبِي ذَرِّ حَدِيثٌ حَسَنٌّ. وَقَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ الحَدِيثِ، أَنَّ مَنْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ كَانَ كَمَنْ صَامَ الدَّهْرَ. [٧٦٢] (٧٦٢) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَاصِم الْأَحْوَلِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِِّ: ((مَنْ صَامَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ». فَأَنْزَلَ الله عَزَّ وَجَلَّ تَصْدِيقَ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ: ﴿مَنْ جَّةَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] الْيَوْمُ بِعَشْرَةٍ أَيَّام. [جه: ١٧٠٨]. قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ رَوَى شُعْبَةُ هَذَا الحَدِيثَ، عَنْ أَبِي شَمْرٍ، وَأَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَلِ. (وعثمان بن أبي العاص) أخرجه النسائي والبيهقي(١). (وجرير) أخرجه النسائي(٢). وقال الحافظ: إسناده صحيح. قوله: (حديث أبي ذر حديث حسن) وأخرجه النسائي، وصحَّحه ابن حبان؛ كذا في ((المرقاة)). [٧٦٢] قوله: (فذلك صيام الدهر) وذلك لأن الحسنة بعشر أمثالها، فيعدل صيام الثلاثة الأيام من كل شهر صيام الشهر كله؛ فيكون كمن صام الدهر. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه ابن ماجه. قوله: (عن أبي شِمْرٍ) بكسر الشين المعجمة، وسكون الميم: الضبعي، مقبول من الرابعة. (١) النسائي، كتاب الصيام. حديث (٢٤١١)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)). حديث (٣٥٧٣). (٢) النسائي، كتاب الصيام. حديث (٢٤٢٠). ٥٥١ كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهَ بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الصَّوْمِ [٧٦٣] (٧٦٣) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، أَحْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ يَزِيدَ الرِّشْكِ، قَالَ: سَمِعْتُ مُعاذَةَ، قَالَتْ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَكَانَ رَسُولُ اللهِ وٌَّ يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قُلْتُ: مِنْ أَيِّهِ كَانَ يَصُومُ؟ قَالَتْ: كَانَ لَا يُبَالِي مِنْ أَيِّهِ صَامَ. [م: ١١٦٠، د: ٢٤٥٣، جه: ١٧٠٩]. قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. قَالَ: وَيَزِيدُ الرِّشْكُ هُوَ: يَزِيدُ الضُّبَعْيُّ، وَهُوَ: يَزِيدُ بْنُ الْقَاسِم، وَهُوَ: القَسَّامُ، وَالرِّشْكُ هُوَ: القَسَّامُ بِلُغَةِ أَهْلِ البَصْرَةِ. ٥٥- بَابُ مَا جَاءَ في فَضْلِ الصَّوْمِ [ت٥٥٢،٥٥] [٧٦٤] (٧٦٤) حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى الْقَزَّازُ البَصري، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهُ: ((إِنَّ رَبَّكُمْ يَقُولُ: [٧٦٣] قوله: (قالت: نعم) أي: وهذا أقل ما كان يقتصر عليه. (قلت: من أيه كان يصوم؟) أي: من أي يوم. وفي رواية مسلم: ((من أَيِّ أيام الشهر)). (كان لا يبالي من أَيِّهِ صَامَ) . وفي رواية مسلم: ((لم يكن يبالي من أي أيام الشهر يصوم)). قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم. قوله: (ويزيد الرِّشْك) بكسر الراء، وسكون الشين المعجمة. (هو يزيد الضُّبَعِيُّ) بضم المعجمة، وفتح الموحدة بعدها عين مهملة. قال في ((الخلاصة)): يزيد بن أبي يزيد الضُّبَعِي مولاهم أبو الأزهر البصري الذارع القسام الرِّشْك، عن: مطرف بن الشِّخِّير، وعنه: شعبة ومَعْمَر، وثّقه أبو حاتم، وله في البخاري فرد حدیث. ٥٥- باب ما جاء في فَضْلِ الصَّومِ [٧٦٤] قوله: (القَزَّاز) بفتح القاف، وشدة الزاي الأولى. قال في ((القاموس)): القز: الإبريسم، والقزاز كـ ((كتان)): بائع القز. ٥٥٢ كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَهَ بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الصَّوْمِ كُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشْرٍ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِئَةٍ ضِعْفٍ، وَالصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ مِنَ النَّارِ، وَلَخَلُوفُ فَم الصَّائِمِ أَظْيَبُ عِنْدَ الله مِنْ رِيحِ المِسْكِ، وَإِنْ جَهِلَ عَلَى أَحَدِكُمْ جَاهِلٌ وَهُوَ صَائِمٌ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ)). [خ بنحوه: ١٨٩٤، م بنحوه: ١١٥١، ن: ٢٢١٤، د مختصراً: ٢٣٦٣، جه: ١٦٣٨ و ١٦٩١، حم: ٩٠٩٩، طا: ٦٨٩ و٦٩٠، مي: ١٧٦٩ و ١٧٧٠ و١٧٧١]. قوله: (كل حسنة بعشر أمثالها) أي: تضاعف بعشر أمثالها. (إلى سبع مئة ضعف) بكسر الضاد؛ أي: مثل. (والصوم لي) وفي رواية الشيخين: ((كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إلى سَبْع مِئةٍ ضِعفٍ إلَّا الصَّوْمَ فإنَّهُ لِي ... إلخ)). قال الحافظ في ((الفتح)): قد اختلف العلماء في المراد بقوله تعالى: ((الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ)) مع أن الأعمال كلها له، وهو الذي يجزي بها على أقوال. ثم ذكر الحافظ عشرة أقوال، ثم قال: وأقرب الأقوال التي ذكرتها إلى الصواب الأول والثاني. وأنا أذكر ها هنا هذين القولين، ومن شاء الوقوف على باقيها، فليرجع إلى ((الفتح)): فالقول الأول: أن الصوم لا يقع فيه الرياء؛ كما يقع في غيره. قال أبو عبيد في ((غريبه)): قد علمنا أن أعمال البر كلها لله، وهو الذي يجزي بها، فنرى - والله أعلم - أنه إنما خص الصيام؛ لأنه ليس يظهر من ابن آدم بفعله، وإنما هو شيء في القلب، ويؤيد هذا التأويل قوله وَليٍ: (ليس في الصِّيَامِ رِيَاءٌ))، حدثنيه شبابة، عن عقيل، عن الزهري فذكره؛ يعني: مرسلًا. قال: وذلك لأن الأعمال لا تكون إلا بالحركات إلا الصوم، فإنما هو النية التي تخفى عن الناس. هذا وجه الحديث عندي. انتهى، قال الحافظ: وقد روى الحديث المذكور البيهقي في ((الشعب)) (١) من طريق عقيل، وأورده من وجه آخر عن الزهري موصولًا، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. وإسناده ضعيف، ولفظه: ((الصِّيَامُ لا رِيَاءَ فيه)). قال الله عز وجل: ((هُوَ لِي وأنا أَجْزِي به)). وهذا لو صح لكان قاطعًا للنزاع. قال الحافظ: معنى النفي في قوله: ((لا رِيَاءَ فِي الصَّومِ)): أنه لا يدخله الرياء بفعله، وإن كان قد يدخله الرياء بالقول؛ كمن يصوم، ثم يخبر بأنه صائم؛ فقد يدخله الرياء من هذه (١) البيهقي في ((الشعب)) (٣٥٩٣). 1 ٥٥٣ كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَّهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الصَّوْمِ وَفِي البَابِ: عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَسَهْلٍ بْنِ سَعْدٍ، وَكَعْبٍ بْنِ عُجْرَةَ، وَسَلَامَةَ بْنِ قَيْصَرٍ، وَبَشِيرِ ابنِ الخَصَاصِيَّةِ، الحيثية، فدخول الرياء في الصوم إنما يقع من جهة الإخبار؛ بخلاف بقية الأعمال، فإن الرياء قد يدخلها بمجرد فعلها . وثانيها: أن المراد بقوله: ((وأنا أَجْزِي به)): أني أنفرد بعلم مقدار ثوابه، وتضعيف حسناته، وأما غيره من العبادات، فقد اطلع عليها بعض الناس. قال القرطبي: معناه: أن الأعمال قد كشفت مقادير ثوابها للناس، وأنها تضاعفت من عشرة إلى سبع مئة إلى ما شاء الله إلا الصيام؛ فإن الله يثيب عليه بغير تقدير. ويشهد لهذا السياق الرواية الأخرى؛ يعني: رواية ((الموطأ))، وكذلك رواية الأعمش عن أبي صالح؛ حيث قال: ((كلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الحَسَنَةُ بِعَشْرٍ أَمْثَالِها إلى سَبْعِ مئةٍ ضِعْفٍ إِلَى مَا شَاءَ الله، قال الله: إِلَّ الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لي وأنا أَجْزِي به)) (١). أي: أجازي عليه جزاء كثيرًا من غير تعيين لمقداره؛ وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنََّا يُؤَنَّ الصَّبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]. انتهى. والصابرون: الصائمون في أكثر الأقوال. انتهى ما في ((الفتح)). قوله: (وفي الباب عن معاذ بن جبل، وسهل بن سعد، وكعب بن عجرة، وسلامة بن قيصر، وبشير بن الخصاصية) أما حديث معاذ بن جبل: فأخرجه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه(٢)؛ كلهم من رواية أبي وائل عن معاذ. والحديث طويل، وفيه: «الصَّوْمُ جُنَّةٌ». وذكر المنذري هذا الحديث الطويل في باب: الصمت. وأما حديث سهل بن سعد: فأخرجه البخاري ومسلم (٣) وغيرهما. وأما حديث كعب بن عجرة: فأخرجه الحاكم(٤) عنه قال: قال رسول الله بَّهِ: ((احْضُرُوا المِنْبَرَ)). فحضرنا، فلما ارتقى درجة قال: ((آمِينَ)). فلما ارتقى الدرجة الثانية قال: ((آمِينَ)). فلما ارتقى الدرجة الثالثة قال: ((آمِينَ)). فلما نزل قلنا: يا رسول الله، لقد سمعنا منك اليوم (١) مسلم، كتاب الصيام. حديث (١١٥١). (٢) أحمد. حديث (٢١٥١١)، والترمذي، كتاب الإيمان. حديث (٢٦١٦)، والنسائي، كتاب الصوم. حديث (٢٢٢٤)، وابن ماجه، كتاب السنة (من المقدمة). حديث (٧٢). (٣) البخاري، كتاب الصوم. حديث (١٨٩٦)، ومسلم، كتاب الصيام. حديث (١١٥٢). (٤) الحاكم. حديث (٧٢٥٦) وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، والبيهقي في ((شعب الإيمان)). حديث (١٥٧٢). ٥٥٤ كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الصَّوْمِ وَاسْمُ بَشِيرٍ: زَحْمُ بْنُ مَعْبَدٍ، وَالخَصَاصِيَّةُ هِيَ أُمُّهُ. قَالَ أَبُو عِيسَى: وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. [٧٦٥] (٧٦٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرِ العَقَدِيُّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: ((فِي الجَنَّةِ بَابٌ يُدْعَى الرَّيَّان شيئًا ما كنا نسمعه؟ قال: ((إنَّ جِبْرِيلَ عَرَضَ لي فقال: بَعُدَ مَنْ أدْركَ رمَضانَ فلم يُغْفَر له، قلت: آمِين، فلما رَقِيتُ الثانيةَ قال: بَعُدَ مَن ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عليكَ، فقلتُ: آمِينَ. فَلَمَّا رَقِيتُ الثَّالِئَةَ قال: بَعُدَ مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ الكِبَرُ عِنْدَهُ أو أَحَدَهُما فلم يُدْخِلاهُ الجَنَّةَ، قُلْتُ: آمِینَ». قال الحاكم: صحيح الإسناد. وأما حديث سلامة بن قيصر: فأخرجه أبو يعلى والبيهقي (١) عنه؛ أن رسول الله وَّلةٍ قال: ((مَنْ صَامَ يَوْمًا ابْتِغَاءَ وَجْهِ الله بَعَّدَهُ الله من جَهَنَّمَ كَبُعْدِ غُرَابٍ طارَ وهو فَرٌْ حَتَّى ماتَ هَرِمًا))؛ كذا في ((الترغيب)). لكن فيه سلمة بن قيصر بغير الألف. وقال المنذري بعد ذكر هذا الحديث: ورواه الطبراني؛ فسماه: ((سلامة)) بزيادة ألف، وفي إسناده عبد الله بن لهيعة (٢) . انتهى. وأما حديث بشير بن الخصاصية: فلينظر من أخرجه(٣). قوله: (واسم بشير: زحم) بالزاي، وسكون الحاء المهملة. [٧٦٥] قوله: (في الجنة باب يدعى) أي: يسمى. (الريان) بفتح الراء، وتشديد التحتانية، وزن: فعلان، من: الري اسم علم، باب من أبواب الجنة؛ يختص بدخول الصائمين منه. وهو مما وقعت المناسبة بين لفظه ومعناه؛ لأنه مشتق من الرِّيِّ، وهو مناسب لحال الصائمين. قال القرطبي: اكتفي بذكر الري عن الشبع؛ لأنه يدل عليه من حيث إنه يستلزمه. (١) أبو يعلى. حديث (٩٢١)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)). حديث (٣٥٩٠). (٢) لكنه من رواية عبد الله بن وهب عنه. (٣) أحمد. حديث (٢١٤٤٧، ٢١٤٤٨). ٥٥٥ كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهـ / بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الصَّوْمِ يُدْعَى لَهُ الصَّائِمُونَ، فَمَنْ كَانَ مِنَ الصَّائِمِينَ دَخَلَهُ، وَمَنْ دَخَلَهُ لَمْ يَظْمَأُ أَبْداً)). [خ بنحوه: ١٨٩٦، م بنحوه: ١١٥٢، ن بنحوه: ٢٢٣٦، جه: ١٦٤٠، حم: ٢٢٣١٥]. قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. [٧٦٦] (٧٦٦) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سُهَيْلٍ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ حِينَ يُفْطِرُ، وَفَرْحَةٌ حِينَ يَلْقَى رَبَّهُ)). [خ مطولاً: ١٩٠٤، م مطولاً: ١١٥١، ن مطولاً: ٢٢١٢، جه مطولاً: ١٦٣٨، حم مطولاً: ٨٣٤٥، مي مطولاً: ١٧٦٩]. قَالَ أَبُو عِيسَى: وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. قال الحافظ: أو لأنه أشق على الصائم من الجوع. انتهى. وفي رواية الشيخين: ((في الجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ منها بابٌ يُسَمَّى الرَّيَّان)). (يدعى له الصائمون) وفي رواية الشيخين: ((لا يَدْخُلُهُ إلَّا الصَّائِعُونَ)). (ومن دخله لم يظمأ أبدًا) وفي رواية النسائي وابن خزيمة(١): (مَنْ دَخَلَ شَرِبَ، ومَنْ شَرِبَ لم يَظْمَأْ أَبَدًا)). قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه الشيخان. [٧٦٦] قوله: (فرحة حين يفطر) قال القرطبي: معناه: فرحة بزوال جوعه وعطشه؛ حيث أبيح له الفطر، وهذا الفرح طبعي، وهو السابق للفهم. وقيل: إن فرحه بفطره إنما هو من حيث إنه تمام صومه، وخاتمة عبادته، وتخفيف من ربه، ومعونة على مستقبل صومه. (١) النسائي، كتاب الصيام. حديث (٢٢٣٦)، وابن خزيمة. حديث (١٩٠٢). ٥٥٦ كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِّهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي صَوْمِ الدَّهرِ ٥٦- بَابُ مَا جَاءَ في صَوْمِ الدَّهْرِ [ت٥٦، ٥٦٢] [٧٦٧] (٧٦٧) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَعْبَدٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ بِمَنْ صَامَ الدَّهْرَ؟ قَالَ: ((لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ)) أَوْ: ((لَمْ يَصُمْ وَلَمْ يُفْطِرْ)). [حم: ٢٢١٤٤]. وَفِي البَابِ: عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، وَعَبْدِ الله بْنِ الشِّخِّيرِ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَأَبِي مُوسَى. ٥٦- باب ما جاء في صَوْمِ الدّهْرِ [٧٦٧] قوله: (قال: لا صام ولا أفطر، أو: لم يصم ولم يفطر) هو شك من أحد رواته. قال في ((اللمعات)): اختلفوا في توجيه معناه: فقيل: هذا دعاء عليه كراهة لصنيعه، وزجرًا له عن فعله. والظاهر: أنه إخبار؛ فعدم إفطاره ظاهر، وأما عدم صومه فلمخالفته السنة. وقيل: لأنه يستلزم صوم الأيام المنهية وهو حرام. وقيل: لأنه يتضرر، وربما يفضي إلى إلقاء النفس إلى التهلكة، وإلى العجز عن الجهاد، والحقوق الآخر. انتهى. ٩ قوله: (وفي الباب عن عبد الله بن عمرو) أخرجه الشيخان(١)، وفيه: ((لا صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ» مرتین. (وعبد الله بن الشخير، وعمران بن حصين) قال في ((التلخيص)): ولأحمد وابن حبان(٢) عن عبد الله بن الشخير: (مَنْ صَامَ الأَبَدَ فلا صَامَ ولا أَفْطَرَ)). وعن عمران بن حصين(٣) نحوه. انتهى. و (أبي موسى) أخرجه ابن حبان (٤) وغيره بلفظ: ((مَنْ صَامَ الدَّهْرَ ضُيِّقَتْ عليه جَهَنَّمَ هكذا))، وعقد تسعين؛ كذا في ((التلخيص)). (١) البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء. حديث (٣٤١٨)، ومسلم، كتاب الصيام. حديث (١١٥٩). (٢) أحمد. حديث (١٥٨٨٨)، وابن حبان. حديث (٣٥٨٣). (٣) أحمد. حديث (١٩٣٢٤)، والنسائي، كتاب الصيام. حديث (٢٣٧٩). (٤) ابن حبان. حديث (٣٥٨٤). ٥٥٧ كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ الله وََّ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي صَوْمِ الدَّهْرِ قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةً حَدِيثٌ حَسَنٌّ. وَقَدْ كَرِهَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ صِيَاءَ الدَّهْرِ، وَأَجَازَهُ قَوْمٌ آخَرُونَ، وَقَالُوا: إِنَّمَا يَكُونُ صِيَامُ الدَّهْرِ إِذَا لَمْ يُفْطِرْ يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَومَ الأَضْحَى وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ، فَمَنْ أَفْطَرَ هَذِهِ الْأَيَّامِ فَقَدْ خَرَجَ مِنْ حَدِّ الكَرَاهِيَةِ، وَلَا يَكونُ قَدْ صَامَ الدَّهْرَ كُلَّهُ، مَكَذَا رُوِيّ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِيِّ. وَقَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ نَحْواً مِنْ هَذَا، وَقَالَا: لَا يَجبُ أَنْ يُفْطِرَ أَيَّاماً غَيْرَ هَذِهِ الخَمْسَةِ الْأَيَّامِ الَّتِي نَهَى رَسُولُ اللهِوَّهِ عَنْهَا: يَوْمِ الفِظْرِ وَيَوْمِ الْأَصْحَى وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ. وقال في ((الفتح)): أخرجه أحمد والنسائي وابن خزيمة وابن حبان. قوله: (حديث أبي قتادة حديثٌ حسن) وأخرجه مسلم مطولًا . قوله: (وقد كره قوم من أهل العلم صيام الدهر ... ، وقالوا: إنما يكون صيام الدهر إذا لم يفطر يوم الفطر، ويوم الأضحى، وأيام التشريق ... إلخ) . قال النووي في شرح مسلم: واختلف العلماء فيه: فذهب أهل الظاهر إلى منع صيام الدهر؛ لظواهر هذه الأحاديث. قال القاضي وغيره: وذهب جماهير العلماء إلى: جوازه إذا لم يصم الأيام المنهي عنها؛ وهي العيدان والتشريق. ومذهب الشافعي وأصحابه: أن سرد الصيام إذا أفطر العيد والتشريق لا كراهة فيه، بل هو مستحب بشرط أَلَّا يلحق به ضرر، ولا يفوت حقًّا؛ فإن تضرر أو فوت حقًّا فمكروه. واستدلوا بحديث حمزة بن عمرو، وقد رواه البخاري ومسلم(١) أنه قال: يا رسول الله، إني أسرد الصوم، أفأصوم في السفر؟ فقال: ((إِنْ شِئْتَ فَصُمْ)). وهذا لفظ رواية مسلم؛ فأقره وَّل على سرد الصيام، ولو كان مكروهًا لم يقره لا سيما في السفر. وقد ثبت عن ابن عمر بن الخطاب؛ أنه كان يسرد الصيام، وكذلك أبو طلحة وعائشة وخلائق من السلف. (١) البخاري، كتاب الصوم. حديث (١٩٤٢)، ومسلم، كتاب الصيام. حديث (١١٢١). (٢) البخاري، كتاب الصوم. حديث (١٩٧٧)، ومسلم، كتاب الصيام. حديث (١١٥٩). ٥٥٨ كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي سَرْدِ الصَّوْمِ ٥٧- بَابُ مَا جَاءَ في سَرْدِ الصَّوْمِ [ت٥٧، ٥٧٢] [٧٦٨] (٧٦٨) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ صِيَامِ النَّبِيِّ وَلِّ؟ قَالَتْ: كَانَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ قَدْ صَامَ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ قَدْ أَفْطَرَ. قَالَتْ: وَمَا صَامَ رَسُولُ اللهِ وَهِ شَهْراً كَامِلًا إِلَّا رَمَضَانَ. [خ: ١٩٦٩، م: ١١٥٦، ن: ٢٣٤٨، د: ٢٤٣٤، جه بنحوه: ١٧١٠، حم: ٢٤٤٦، طا: ٦٨٨، مي: ١٧٤٣]. وأجابوا عن حديث: ((لا صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ))(١) بالأجوبة: أحدها : أنه محمول على حقيقته؛ بأن يصوم معه العيدين والتشريق؛ وبهذا أجابت عائشة رضيًا . والثاني: أنه محمول على مَنْ تضرر به، أو فوت به حقًّا. ويؤيده: أن النهي كان خطابًا لعبد الله بن عمرو بن العاص. وقد ذكر مسلم عنه أنه عجز في آخر عمره، وندم على كونه لم يقبل الرخصة. قالوا: فنَهى ابن عمرو؛ لعلمه بأنه سيعجز، وأقر حمزة بن عمرو؛ لعلمه بقدرته بلا ضرر. والثالث: أن معنى ((لا صام)): أنه لا يجد من مشقته ما يجدها غيره، فيكون خبرًا لا دعاءً. انتهى كلام النووي. قلت: في الاستدلال بأحاديث جواز سرد الصوم على جواز صيام الدهر عندي نظر. ٥٧- باب ما جاء في سَرْدِ الصَّوم أي: توالیه وتتابعه. [٧٦٨] قوله: (حتى نقول: قد صام) وفي رواية مسلم: ((قَدْ صَامَ، قَدْ صَامَ)) بتكرار لفظ: ((قَدْ صَامَ)). (حتى نقول: قد أفطر) وفي رواية مسلم: ((قَدْ أَفْطَرَ، قَدْ أَفْطَرَ)). وفي رواية للشيخين: ((كان رسول الله وَلا يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم)). وهذه الرواية مفسرة لرواية الباب. (وما صام رسول الله وَّ ر شهرًا كاملًا إلا رمضان) وإنما لم يستكمل غير مضان لئلا يظن وجوبه؛ قاله النووي. ٥٥٩ كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وََّ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي سَرْدِ الصَّوْمِ وَفِي الْبَابِ: عَنْ أَنَسٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [٧٦٩] (٧٦٩) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ صَوْمِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: كَانَ يَصُومُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى نَرَى أَنَّهُ لَا يُرِيدُ أَنْ يُفْطِرَ مِنْهُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَرَى أَنَّهُ لَا يُرِيدُ أَنْ يَصُومَ مِنْهُ شَيْئًاً، وَكُنْتَ لَا تَشَاءُ أَنْ تَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ مُصَلِّياً إِلَّا رَأَيْتَهُ مُصَلِّياً، وَلَا نَائِماً إِلَّا رَأَيْتَهُ نَائِماً. [خ: ١١٤١، م بنحوه: ١١٥٨، ن بنحوه: ١٦٢٦، حم: ١١٦٠١]. قوله: (وفي الباب عن أنس) أخرجه البخاري والترمذي(١). (وابن عباس) أخرجه الشيخان والترمذي(٢). قوله: (حديث عائشة حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم، وأخرجه هو والبخاري بلفظ آخر. [٧٦٩] قوله: (كان يصوم من الشهر) أيامًا كثيرة. (حتى يُرى) بصيغة المجهول؛ أي: حتى يظن. وفي رواية للبخاري: ((حتى نظن)). (أن يفطر منه) أي: من الشهر. (وكنت لا تشاء أن تراه من الليل مصليًا ... إلخ). وفي رواية للبخاري(٣): ((ما كنت أحب أن أراه من الشهر صائمًا إلا رأيته، ولا مفطرًا إلا رأيته، ولا من الليل قائمًا إلا رأيته، ولا نائمًا إلا رأيته)). قال الحافظ في ((الفتح)): يعني: أن حاله في التطوع بالصيام والقيام كان يختلف؛ فكان تارة يقوم من أول الليل، وتارة في وسطه، وتاره من آخره؛ كما كان يصوم تارة من أول الشهر، وتارة من وسطه، وتارة من آخره؛ فكان من أراد أن يراه في وقت من أوقات الليل قائمًا، أو في وقت من أوقات الشهر صائمًا، فراقبه المرة بعد المرة، فلا بد أن يصادفه قام أو صام على وَفْقِ ما أراد أن يراه. هذا معنى الخبر، وليس المراد: أنه كان يسرد الصوم، ولا أنه كان يستوعب الليل قيامًا. انتهى. (١) البخاري، كتاب الجمعة. حديث (١١٤١)، والترمذي، كتاب الصوم. حديث (٧٦٩). (٢) البخاري، كتاب الصوم. حديث (١٩٧١)، ومسلم، كتاب الصيام. حديث (١١٥٧). (٣) البخاري، كتاب الصوم. حديث (١٩٧٢). ٥٦٠ كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ الله وَّهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي سَرْدِ الصَّوْمِ قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [٧٧٠] (٧٧٠) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ مِسْعَرٍ وَسُفْيَانَ، عَنْ حَبِيبٍ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي العَبَّاسِ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (أَفْضَلُ الصَّوْمِ صَوْمُ أَخِي دَاوُدَ، كَانَ يَصُومُ يَوْماً وَيُفْطِرُ يَوْماً، وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى)). [خ: ١٩٧٩، م: ١١٥٩، ن: ٢٤٠٠، د بنحوه: ٢٤٢٧، حم: ٦٤٩٨]. وَقَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَأَبُو العَبَّاسِ هُوَ: الشَّاعِرُ المَكِّيُّ الْأَعْمَى، وَاسْمُهُ: السَّائِبُ بْنُ فَرُّوخَ. قَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: أَفْضَلُ الصِّيَامِ أَنْ تَصُومَ يَوْماً وَتُفْطِرٍ يَوْماً، وَيُقَالُ: هَذَا هُوَ أَشَدُّ الصِّيَامِ. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) تقدم تخريجه. [٧٧٠] قوله: (ولا يفر إذا لاقى) أي: العدو. وزاد النسائي(١) من طريق محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة: ((وإذا وَعَدَ لم يُخْلِفْ)). قال الحافظ: ولم أرها من غير هذا الوجه، ولها مناسبة بالمقام، وإشارة إلى أن سبب النهي: خشيته أن يعجز عن الذي يلزمه؛ فيكون كمن وعد فأخلف؛ كما أن في قوله: ((ولا يفر إذا لاقى)) إشارة إلى حكمة صوم يوم وإفطار يوم. قال الخطابي: محصل قصة عبد الله بن عمرو: أن الله تعالى لم يتعبد عبده بالصوم خاصة، بل تعبده بأنواع من العبادات، فلو استفرغ جهده لقصر في غيره؛ فالأولى الاقتصاد فيه؛ ليستبقي بعض القوة لغيره. وقد أشير إلى ذلك بقوله - عليه الصلاة والسلام - في داود عليه السلام: ((وكان لا يفر إذا لاقى))؛ لأنه كان يتقوى بالفطر لأجل الجهاد. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه؛ باختلاف الألفاظ. قوله: (قال بعض أهل العلم: أفضل الصيام أن يصوم يومًا، ويفطر يومًا. ويقال: هذا هو أشد الصيام) قال الحافظ: وذهب جماعة منهم المتولي من الشافعية إلى: أن صيام داود أفضل؛ وهو ظاهر الحديث، بل صريحه ويترجح من حيث المعنى أيضًا؛ بأن صيام الدهر قد (١) النسائي، كتاب الصيام. حديث (٢٣٩٣).