Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهَ بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الصَّدَقَّة
إِلَّا أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً تَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ حَتَّى تكُونَ أَعْظَمَ
مِنَ الجَبَلِ، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ)). [خ: ١٤١٠، م: ١٠١٤، ن: ٢٥٢٤،
جه: ١٨٤٢، حم: ٧٥٧٨، طا: ١٨٧٤].
قَالَ: وَفِي الْبَابِ: عَنْ عَائِشَةَ، وَعَدِيِّ بْنِ حَاتِمِ، وَأَنَسٍ، وَعَبْدِ الله بْنِ أَبِي أَوْفَى،
وَحَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَبُرَيْدَةً.
ممنوع من التصرف فيه، والمتصدق به متصرف فيه، فلو قبل منه، لزم أن يكون الشيء مأمورًا
ومنھیًّا من وجه واحد، وهو محال. انتهى.
قوله: (إلا أخذها الرحمن بيمينه) وفي حديث عائشة عند البزار: ((فَيَتَلَّقَّاها الرَّحْمَنُ بِيَدِهِ»
قال في ((اللمعات)): المراد: حسن القبول، ووقوعها منه عز وجل موقع الرضا، وذكر
اليمين، للتعظيم والتشريف، وكلتا يدي الرحمن يمين. انتهى.
قال الزين بن المنير: الكناية عن الرضا والقبول بالتلقي باليمين؛ لتثبت المعاني المعقولة
من الأذهان، وتحقيقها في النفوس تحقيق المحسوسات؛ أي: لا يتشكك في القبول؛ كما لا
يتشكك من عاين التلقي للشيء بيمينه، لا أن التناول كالتناول المعهود، ولا أن المتناول به
جارحة. انتهى.
قلت: وسيجيء في هذا الباب ما هو الحق من أحاديث الصفات. (تربو) أي: تزيد.
(حتى تكون) أي: التمرة. (فلوه) بفتح الفاء، ويضم، وبضم اللام، وتشديد الواو؛ أي:
المهر؛ وهو ولد الفرس. (أو فَصِيلَهُ) ولابن خزيمة من طريق سعيد بن يسار عن أبي هريرة:
((فلوه))، أو قال: ((فصيله))، وهذا يشعر بأن ((أو)) للشك. قال الحافظ في ((الفتح)): قال
في ((القاموس)): الفصيل: ولد الناقة إذا فصل عن أمه، جمعه: فصلان بالضم والكسر،
وک«کتاب)).
وقال في ((النهاية)): لا رضاع بعد فصال؛ أي: بعد أن يفصل الولد عن أمه؛ وبه سمي الفصيل
من أولاد الإبل: فعيل بمعنى مفعول، وأكثر ما يطلق في الإبل، وقد يقال في البقر. انتهى.
قوله: (وفي الباب عن عائشة، وعدي بن حاتم، وأنس، وعبد الله بن أبي أوفى،
وحارثة بن وهب، وعبد الرحمن بن عوف، وبريدة) أما حديث عائشة: فأخرجه مسلم(١).
(١) أخرجه أحمد. حديث (٢٥٦٠٢).

٣٨٢
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ الله وَِّ / بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الصَّدَقَّة
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
[٦٦٢] (٦٦٢) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّد بْنُ العَلَاءِ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ
مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّد، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله
وَّهِ: ((إِنَّ اللهَ يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ وَيَأْخُذُهَا بِيَمِينِهِ فِيُرَبِّيهَا لِأَحَدِكُمْ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ مُهْرَهُ،
حَتَّى إِنَّ اللُّقْمَةَ لَتَصِيرُ مِثْلَ أُحُدٍ)).
وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ،
وأما حديث عدي بن حاتم: فأخرجه الشيخان، وأحمد، والترمذي، وابن ماجه(١) ؛
کذا في «شرح سراج أحمد».
وأما حديث أنس: فأخرجه الترمذي(٢) في هذا الباب.
وأما حديث عبد الله بن أبي أوفى: فلينظر من أخرجه (٣).
وأما حديث حارثة بن وهب: فأخرجه الشيخان، وأحمد، والنسائي(٤).
وأما حديث عبد الرحمن بن عوف: فأخرجه ابن سعد، وابن عدي في ((الكامل)) (٥)،
والطبراني في ((الأوسط)).
وأما حديث بريدة: فأخرجه مسلم(٦) .
قوله: (حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان.
[٦٦٢] قوله: (كما يربي أحدكم مهره) بضم الميم، وسكون الهاء، قال في ((القاموس)):
المهر بالضم: ولد الفرس، أو أول ما ينتج منه، ومن غيره: جمعه: أمهار، ومهار، ومهارة،
والأنثى: مهرة. (وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل: ﴿هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَأْخُذُ
(١) البخاري، كتاب الزكاة. حديث (١٤١٣)، ومسلم، كتاب الزكاة. حديث (١٠١٦)، وأحمد. حديث
(١٧٧٨٢)، والترمذي، كتاب صفة القيامة. حديث (٢٤١٥)، والنسائي، كتاب الزكاة. حديث (٢٥٥٢)، وابن
ماجه، كتاب الزكاة. حديث (١٨٤٣).
(٢) الترمذي، كتاب الزكاة. حديث (٦٦٣).
(٣) البخاري، كتاب الزكاة. حديث (١٤٩٧)، ومسلم، كتاب الزكاة. حديث (١٠٧٨).
(٤) البخاري، كتاب الزكاة. حديث (١٤١١)، ومسلم، كتاب الزكاة. حديث (١٠١١)، وأحمد. حديث
(١٨٢٥١)، والنسائي، كتاب الزكاة. حديث (٢٥٥٥).
(٥) ابن عدي في ((الكامل)) (١٣١/٥).
(٦) مسلم، كتاب الصيام. حديث (١١٤٩).

٣٨٣
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ اللهِّهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الصَّدَقَّة
وَيَأْخُذُ الصَّدَقَتِ﴾ [التوبة: ١٠٤] و﴿يَمْحَقُ اَللَّهُ الْرِّبَوَأْ وَيُرْبِىِ الصَّدَقَتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]. [زيادة:
((وتصديق ذلك .. )) ضعيفة، حم: ٩٧٣٨، مي: ١٦٧٥].
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ نَحْوِ هَذَا.
وَقَدْ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَمَا يُشْبِهُ هَذَا مِنَ الرِّوَايَاتِ
مِنَ الصِّفَاتِ وَنُزُولِ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، قَالُوا: قَدْ تَثْبُتُ
الرِّوَايَاتُ فِي هَذَا وَيُؤْمَنُ بِهَا وَلَا يُتَوَهَّمُ وَلَا يُقَالُ كَيْفَ؟.
هَكَذَا رُوِيَ عَنْ مَالِك بن أنس، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ المُبَارَكِ، أَنَّهُمْ
قَالُوا فِي هَذِهِ الأَحَادِيثِ: أَمِرُّوهَا بِلَا كَيْفٍ، وَهَكَذَا قَوْلُ أَهْلِ العِلْمِ مِنَ أَهْلِ السُّنَّةِ
وَالْجَمَاعَةِ،
الصَّدَقَتِ﴾). قال العراقي: في هذا تخليط من بعض الرواة والصواب: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ
يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ [التوبة: ١٠٤] الآية، وقد رويناه في كتاب: ((الزكاة)) ليوسف القاضي على
الصواب. انتهى.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وقد صرح بصحته المنذري في ((الترغيب)). (وقد روي
عن عائشة عن النبي (وَ ﴿ نحو هذا) تقدم لفظه، وتخريجه.
قوله: (وأمروها بلا كيف) بصيغة الأمر من: الإمرار؛ أي: أجروها على ظاهرها، ولا
تعرضوا لها بتأويل، ولا تحريف، بل فوضوا الكيف إلى الله سبحانه وتعالى.
(وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة) وهو الحق والصواب.
وقد صنف الحافظ الذهبي في هذا الباب كتابًا سماه: كتاب ((العلو للعلي الغفار في
إيضاح صحيح الأخبار وسقيمها))، وهو كتاب مفيد نفس نافع جدًّا، ذكر في أوله عدة آيات
من آيات الاستواء والعلو، ثم قال: فإن أحببت يا عبد الله الإنصاف، فقف مع نصوص
القرآن والسنة، ثم انظر ما قاله الصحابة والتابعون، وأئمة التفسير في هذه الآيات، وما حكوه
من مذاهب السلف. إلى أن قال:
فإننا على اعتقاد صحيح، وعقد متين من أن الله تعالى تقدس اسمه لا مثل له، وأن
إيماننا بما ثبت من نعوته كإيماننا بذاته المقدسة؛ إذ الصفات تابعة للموصوف، فنعقل وجود

٣٨٤
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَّهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الصَّدَقَّة
وَأَمَّا الْجَهِمِيَّةُ فَأَنْكَرَتْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ، وَقَالُوا: هَذَا تَشْبِيهُ.
وَقَدْ ذَكَرَ الله عزَّ وَجَلَّ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ اليَدَ وَالسَّمْعَ وَالبَصَرَ، فَتَأَوَّلَتِ
الْجَهِمِيَّةُ هَذِهِ الآيَاتِ فَفَسَّرُوهَا عَلَى غَيْرِ مَّا فَسَّرَ أَهْلُ العِلْمِ، وَقَالُوا: إِنَّ الله لَمْ يَخْلُقْ
آدَمَ بِيَدِهِ، وَقَالُوا: إِنَّ مَعْنَى اليَدِ هَا هُنَا القُوَّةُ.
وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: إِنَّما يَكُونُ التَّشْبِيهُ إِذَا قَالَ: يَدْ كَيَدٍ أَوْ مِثْلُ يَدٍ، أَوْ
سَمْعٌ كَسَمْعٍ أَوْ مِثْلُ سَمْعٍ، فَإِذَا قَالَ: سَمْعٌ كَسَمْعٍ أَوْ مِثْلُ سَمْعٍ فَهَذَا التَّشْبِهُ.
الباري، ونميز ذاته المقدسة عن الأشباه، من غير أن نعقل الماهية، فكذلك القول في صفاته
نؤمن بها، ونتعقل وجودها ونعلمها في الجملة؛ من غير أن نتعقلها، أو نكيفها، أو نمثلها
بصفات خلقه، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا .
فالاستواء كما قال مالك الإمام، وجماعة: معلوم، والكيف مجهول. ثم ذكر الذهبي
الأحاديث الواردة في العلو، واستوعبها مع بيان صحتها وسقمها، ثم ذكر بعد سرد الأحاديث
أقوال كثير من الأئمة، وحاصل الأقوال كلها: وهو ما قال: إن إيماننا بما ثبت من نعوته
كإيماننا بذاته المقدسة .. إلخ، ونقل عن الوليد بن مسلم قال: سألت الأوزاعي، ومالك بن
أنس، وسفيان الثوري، والليث بن سعد عن الأحاديث التي فيها الصفات؛ فكلهم قالوا لي:
أمروها كما جاءت بلا تفسير.
وإن شئت تفاصيل تلك الأقوال فارجع إلى كتاب ((العلو)).
قوله: (وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات ... إلخ) قال الحافظ في مقدمة ((الفتح)):
الجهمية: من ينفي صفات الله - تعالى - التي أثبتها الكتاب والسنة، ويقول: القرآن مخلوق.
(وقالوا: هذا تشبيه) وذهبوا إلى وجوب تأويلها .
(فتأولت الجهمية هذه الآيات، وفسروها على غير ما فسَّر أهل العلم) فتفسيرهم هذه
الآيات ليس إلا تحريفًا لها، فالحذر الحذر عن تأويلهم وتفسيرهم.
(وقالوا: إن الله لم يخلق آدم بيده، وقالوا: إنما معنى اليد القوة) فغرضهم من هذا
التأويل: هو نفي اليد لله تعالى ظنًّا منهم أنه لو كان له تعالى يد لكان تشبيهًا، ولم يفهموا أن
مجرد ثبوت اليد له تعالى ليس بتشبيه.
(وقال إسحاق بن إبراهيم) هو: إسحاق بن راهويه. (إنما يكون التشبيه إذا قال: يد
كيد .. إلخ) هذا جواب عن قول الجهمية.

٣٨٥
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الصَّدَقَة
وَأَمَّا إِذَا قَالَ كَمَا قَالَ الله تَعَالَى يَدٌ وَسَمْعٌ وَبَصَرٌ وَلَا يَقُولُ كَيْفَ، وَلَا يَقُولُ:
مِثْلُ سَمْعٍ وَلَا كَسَمْعٍ، فَهَذَا لَا يَكُونُ تَشِْيهاً وَهُوَ كَمَا قَالَ الله تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: ﴿لَيْسَ
كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
[٦٦٣] (٦٦٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا
صَدَقَةُ بْنُ مُوسَى، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ بِّهِ: أَيُّ الصَّوْمِ أَفْضَلُ بَعْدَ
رمَضَانَ؟ فَقَالَ: ((شَعْبَانُ لِتَعْظِيمِ رمَضَانَ))، قِيلَ: فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((الصَّدَقَةُ
فِي رَمَضَانَ)). [ضعيف].
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَصَدَقَةُ بْنُ مُوسَى لَيْسَ عِنْدَهُمْ بِذَاكَ
الْقَوِيِّ.
[٦٦٣] قوله: (حدثنا محمد بن إسماعيل) هو: الإمام البخاري. (حدثنا موسى بن
إسماعيل) المنقري مولاهم أبو سلمة التبوذكي البصري، روى عن جرير بن حازم، ومهدي بن
ميمون، وخلق، وروى عنه البخاري، وأبو داود، وروى الباقون عنه بواسطة الحسن بن
الحسن بن علي الخلال، ثقة، ثبت.
قوله: (قال: شعبان؛ لتعظيم رمضان) أي: صوم شعبان، ليطابق المبتدأ.
قال العراقي: يعارضه حديث مسلم(١) عن أبي هريرة: ((أَفْضَلُ الصِّيَامِ بعدَ شَهْرِ رَمَضَانَ
شَهْرُ الله المُحَرَّمُ)) وحديث أنس ضعيف، وحديث أبي هريرة صحيح، فيقدم عليه. انتهى.
وقال أبو الطيب السندي: ولا يعارضه حديث: ((أَفضَلُ الصِّيَامِ بعدَ رَمَضَانَ شَهْرُ الله
المُحَرَّمُ»؛ لجواز أن يكون أفضل الصيام بعد رمضان عند الإطلاق صيام المحرم، وعند
تعظيم رمضان صيام شعبان، ولعل المراد بتعظيم رمضان تعظيم صيامه، بأن تتعود النفس له؛
لئلا يثقل على النفس، فتكرهه طبعًا، ولئلا تخل بآدابه فجأة الصيام. انتهى.
ويأتي باقي الكلام في صوم شعبان في كتاب الصيام.
قوله: (وصدقة بن موسى ليس عندهم بذاك القوي) ضعَّفه ابن مَعين، والنَّسائي،
وغيرهما، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، وليس بقوي؛ كذا في ((الميزان))، وقال الحافظ:
صدوق، له أوهام.
(١) مسلم، كتاب الصيام. حديث (١١٦٣).

٣٨٦
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي حَقِّ السَّائِلِ
[٦٦٤] (٦٦٤) حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَم الْعَمِّيُّ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عِيسَى
الخَزَّازُ الْبَصْرِيُّ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَطِّ: ((إِنَّ الصَّدَقَةَ لَتُظْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، وَتَدْفَعُ عَنْ مِيتَةِ السُّوءِ)). [صَحِيحٌ
الشطر الأول منه].
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
٢٩ - بَابُ مَا جَاءَ في حَقِّ السَّائِلِ [ت٢٩، م٢٩]
[٦٦٥] (٦٦٥) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ،
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بُجَيدٍ، عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ بُجَيْدٍ - وَكَانَتْ مِمَّنْ بَايَعَ رَسُولَ اللهِ وَال ـ
أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ وَّةَ، إِنَّ الْمِسْكِينَ لَيَقُومُ عَلَى بَابِي فَمَا أَجِدُ لَهُ شَيْئاً أُعْطِيهِ
[٦٦٤] قوله: (حدثنا عقبة بن مكرم) بضم الميم، وسكون الكاف، وفتح الراء، ثقة، من
الحادية عشرة.
(أخبرنا عبد الله بن عيسى الخزاز) بمعجمات، ضعيف، من التاسعة. (عن يونس بن
عبيد) أحد الأئمة، من رجال الكتب الستة. (عن الحسن) هو: الحسن البصري.
قوله: (إن الصدقة لتطفئ غضب الرب) أي: سخطه على من عصاه. (وتدفع ميتة السوء)
بكسر الميم، وهي: الحالة التي يكون عليها الإنسان في الموت، والسوء بفتح السين ويضم.
قال العراقي: الظاهر: أن المراد بها: ما استعاذ منه النبي ◌َّ من الهدم، والتردي، والغرق،
والحرق، وأن يتخبطه الشيطان عند الموت، وأن يقتل في سبيل الله مدبرًا.
وقال بعضهم: هي موت الفجاءة، وقيل: ميتة الشهرة؛ كالمصلوب مثلًا. انتهى.
٢٩ - باب ما جاء في حَقِّ السَّائِلِ
[٦٦٥] قوله: (عن سعيد بن أبي هند (١)) الفزاري مولاهم، ثقة، من الثالثة. (عن
عبد الرحمن بن بجيد) بضم الموحدة، وفتح الجيم، مصغرًا، له رؤية، ذكره بعضهم في
الصحابة. (عن جدته: أم بجيد) يقال: إن اسمها: حواء، صحابية.
(١) كذا وقع عند المباركفوري: ((سعيد بن أبي هند))، والصواب: ((سعيد بن أبي سعيد)» كما في المتن، وهو
الموافق لمصادر التخريج، و((تحفة الأشراف)) (٦٩/١٣)، ثم إن سعيد بن أبي هند الفزاري ليست له رواية عن
عبد الرحمن بن بجيد، ولا روى عنه الليث بن سعد. انظر ((تهذيب الكمال)) (٩٣/١١).

٣٨٧
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ رَ بَابُ مَا جَاءَ فِي حَقِّ السَّائِلِ
إِيَّهُ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ الله ◌َّهِ: ((إِنْ لَمْ تَجِدِي شَيْئاً تُعْطِينَه إِيَّاهُ إِلَّا ظِلْفاً مُحْرَقاً فَادْفَعِيهِ
إِلَيْهِ فِي يَدِهِ». [ن: ٢٥٧٣، د: ١٦٦٧، حم: ٢٦٦٠٧، طا مختصراً: ١٧١٤].
قَالَ: وَفِي البَابِ: عَنْ عَلِيٍّ، وَحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي أُمَامَةَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أُمِّ بُجَيْدٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
قوله: (إلا ظلفًا) بكسر الظاء المعجمة، وإسكان اللام، وبالفاء: هو للبقر، والغنم،
کالحافر للفرس.
(محرقًا) اسم مفعول من: الإحراق، وقيد الإحراق، مبالغة في رد السائل بأدنى ما
يتيسر؛ أي: لا ترديه محرومًا بلا شيء مهما أمكن؛ حتى إن وجدت شيئًا حقيرًا؛ مثل:
الظلف المحرق أعطيه إياه.
وقال القاضي أبو بكر بن العربي في ((عَارِضَة الأحوذي)): اختلف في تأويله: فقيل: ضربه
مثلًا للمبالغة؛ كما جاء: ((مَنْ بَنَّى الله مَسْجِدًا ولو مِثْلَ مِفْحَصٍ قَطَاةٍ بَنَّى الله له بَيْتًا في الجَنَّةِ))(١).
وقيل: إن الظلف المحرق كان له عندهم قدرًا بأنهم يسحقونه، ويسفونه. انتهى.
قوله: (وفي الباب عن علي، وحسين بن علي، وأبي هريرة، وأبي أمامة) .
أما حديث علي: فأخرجه أبو داود(٢) بمثل حديث حسين بن علي الآتي، وفي سنده
رجل مجهول.
وأما حديث حسين بن علي: فأخرجه أيضًا أبو داود(٣) مرفوعًا بلفظ: ((للسَّائِلِ حَقٌّ وإِنْ
جاءَ على فَرَسٍ))، وإسناده حسن، إلا أنه مرسل، قال أبو علي بن السكن، وأبو القاسم
البغوي، وغيرهما: كل روايات حسين بن علي رَبُّه مراسيل؛ فهو مرسل صحابي، وجمهور
العلماء على الاحتجاج به.
وأما حديث أبي هريرة: فأخرجه الشيخان(٤) مرفوعًا بلفظ: ((لا تُحَقِّرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِها ولو
فرسِن شَاةٍ)، وأما حديث أبي أمامة: فلينظر من أخرجه(٥).
قوله: (حديث أم بجید حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، وأبو داود.
(١) أحمد. حديث (٢١٥٧).
(٢) أبو داود، كتاب الزكاة. حديث (١٦٦٦).
(٣) أبو داود، كتاب الزكاة. حديث (١٦٦٥).
(٤) البخاري، كتاب الأدب. حديث (٦٠١٧)، ومسلم، كتاب الزكاة. حديث (١٠٣٠).
(٥) الترمذي، كتاب فضائل الجهاد. حديث (١٦٢٧).

٣٨٨
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ الله وَّهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي إِعْطَاءِ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ
٣٠- بَابُ مَا جَاءَ في إِعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ [ت٣٠، ٣٠٢]
[٦٦٦] (٦٦٦) حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الخَلَّالُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنِ ابْنِ
المُبَارَكِ، [عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ]، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ
أُمَيَّةَ، قَالَ: أَعْطَانِي رَسُولُ اللهِ بَّهِ يَوْمَ حُنَيْنٍ، وَإِنَّهُ لَأَبْغَضُ الْخَلْقِ إِلَيَّ، فَمَا زَالَ
يُعْطِينِي حَتَّى إِنَّهُ لَأَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَيَّ. [م: ٢٣١٣، حم: ١٤٨٨٠].
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدَّثَنِي الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ بِهَذَا، أَوْ شِبْهِهِ فِي المَذَاكَرَةِ.
قَالَ: وَفِي الْبَابِ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ.
٣٠ - باب ما جاء في إِعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُم
قال ابن العربي: اختلف الناس في المؤلفة قلوبهم، هل كانوا مسلمين، لكن إسلامهم
كان يتوقع عليه الضعف، أو الذهاب، فأعطوا تثبيتًا .
وقيل: بل كانوا كفارًا أعطوا؛ استكفاء لشرهم؛ واستعانة للمجاهدين المحاربين بهم،
وهذا هو الصحيح، وعليه تدل الأخبار كلها. انتهى.
قلت: في قوله: ((وعليه تدل الأخبار كلها)) نظر ففي حديث أنس عند مسلم: ((فإني
أعطي رجالًا حديثي عهد بكفر أتألفهم ... الحديث)).
[٦٦٦] قوله: (حدثنا يحيى بن آدم) بن سليمان الكوفي أبو زكريا، مولى بني أمية، ثقة،
حافظ، فاضل، من كبار التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين.
(عن صفوان بن أمية) بن خلف بن وهب القرشي الجمحي المكي، صحابي، من
المؤلفة، مات أيام قَتْلٍ عثمان. (يوم حنين) كـ ((زبير)): موضع بين ((الطائف)) و((مكة)).
قوله: (بهذا أو شِبْهِه) كأن الترمذي لم يضبط لفظ حديث الحسن بن علي ضبطًا كاملًا؛
فلذلك قال هذا .
قوله: (وفي الباب عن أبي سعيد) أخرجه مسلم (١).
قلت: وفي الباب أيضًا عن أنس أخرجه أحمد(٢) بإسناد صحيح، وعن عمرو بن تغلب،
أخرجه أحمد، والبخاري(٣).
(١) مسلم، كتاب الزكاة. حديث (١٠٦٤).
(٢) أحمد. حديث (١١٦٤٠).
(٣) أحمد. حديث (٢٠١٤٩)، والبخاري، كتاب فرض الخمس. حديث (٣١٤٥).

٣٨٩
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ بَابُ مَا جَاءَ فِي إِعْطَاءِ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ صَفْوَانَ رَوَاهُ مَعْمَرٌ وَغَيْرُهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ
المسَيِّبِ، أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ، قَالَ: أَعْطَانِي رَسُولُ الله ◌ِ. وَكَأَنَّ هَذَا الحَدِيثَ
أَصَحُّ وَأَشْبَهُ، إِنَّمَا هُوَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي إِعْطَاءِ المؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، فَرَأَىِ أَكْثَرُ أَهْلِ العِلْمِ أَنْ لَا
يُعْطَوْا، وَقَالُوا: إِنَّمَا كَانُوا قَوْماً عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ وَّهِ، كَانَ يَتَأَلَّفُهُمْ عَلَى الإِسْلَامِ حَتَّى
أَسْلَمُوا، وَلَمْ يَرَوْا أَنْ يُعْطَوْا الْيَوْمَ مِنَ الزَّكَاةِ عَلَى مِثْلِ هَذَا المعْنَى، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ
الثَّوْرِيِّ، وَأَهْلِ الكُوفَةِ، وَغَيْرِهِمْ، وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.
قال الشوكاني في ((النيل)): وفي الباب أحاديث كثيرة. قال: وقد عَدَّ ابن الجوزي أسماء
المؤلفة قلوبهم في جزء مفرد، فبلغوا نحو الخمسين نفسًا. انتهى.
قوله: (رواه معمر وغيره، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، أن صفوان بن أمية ...
إلخ) أي: بلفظ: ((إن)) مكان لفظ: ((عن)). (وكأن هذا الحديث) أي: حديث معمر وغيره؛
بلفظ: أن صفوان بن أمية. (أصح وأشبه) من حديث يونس، بلفظ: عن صفوان بن أمية،
ويونس هذا هو: ابن يزيد الأيلي، قال الحافظ في ((التقريب)): ثقة، إلا أن في روايته عن
الزهري وَهْمًا قليلاً. (إنما هو سعيد بن المسيب أن صفوان بن أمية).
قال ابن العربي في ((العارضة)): الصحيح من هذا عن سعيد بن المسيب أن صفوان بن
أمية؛ لأن سعيدًا لم يسمع من صفوان شيئًا، وإنما يقول الراوي: فلان عن فلان إذا سمع
شيئًا، ولو حديثًا واحدًا؛ فيحمل سائر الأحاديث التي سمعها من واسطة عنه على العنعنة،
فأما إذا لم يسمع منه شيئًا، فلا سبيل إلى أن يحدث عنه لا بعنعنة ولا بغيرها. انتهى.
قوله: (فرأى أكثر أهل العلم ألا يعطوا ... إلخ) قال الزيلعي في ((نصب الراية)): روى
ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (١): حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن عامر الشعبي قال:
إنما كانت المؤلفة على عهد رسول الله وَ طاهر، فلما ولي أبو بكر به انقطعت. انتهى.
قال الحافظ في ((الدراية)): في إسناده جابر الجعفي، وأخرجه الطبراني، وأخرجه عن
الحسن نحوه، وروى الطبراني من طريق حبان بن أبي جبلة؛ أن عمر لما أتاه عيينة بن
حصين قال: الحق من ربكم؛ فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر؛ يعني: ليس اليوم مؤلفة.
(١) ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١٠٧٥٩).

٣٩٠
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وََّ بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمُتَصَدِّقِ يَرِثُ صَدَقَتَهُ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَنْ كَانَ الْيَوْمَ عَلَى مِثْلٍ حَالِ هَؤُلَاءِ، وَرَأَى الْإِمَامُ أَنْ يَتَأَلَّفَهُمْ
عَلَى الإِسْلَامِ فَأَعْطَاهُمْ، جَازَ ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
٣١- بَابُ مَا جَاءَ في الْمُتَصَدِّقِ يَرِثُ صَدَقَتَهُ [٣١٥، ٣١٢]
[٦٦٧] (٦٦٧) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ
عَطَاءٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنْتُ جَالِساً عِنْدَ النَّبِيِّ وَِّ إِذْ أَتَتْهُ
امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي كُنْتُ تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِجَارِيَةٍ وَإِنَّهَا مَاتَتْ، قَالَ:
((وَجَبَ أَجْرُكِ، وَرَدَّهَا عَلَيْكِ المِيرَاثُ)). قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّهَا كَانَ عَلَيْهَا صَوْمُ
شَهْرٍ، أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ:
(وقال بعضهم: من كان اليوم على مثل حال هؤلاء، ورأى الإمام أَنْ يتألفهم على الإسلام
فأعطاهم، جاز ذلك؛ وهو قول الشافعي) قال ابن العربي: قال قوم: إذا احتاج الإمام إلى
ذلك الآن، فعله؛ وهو الصحيح عندي؛ وبه قال الشافعي: وقد قال النبي ◌َِّ: ((بَدَأَ الإِسْلامُ
غَرِيبًا، وسَيَعُودُ غَرِيبًا)). فكل ما فعله النبي ◌َّ لحكمة، وحاجة، وسبب، فوجب أن السبب
والحاجة إذا ارتفعت، أن يرتفع الحكم، وإذا عادت أن يعود ذلك. انتهى.
وقال الشوكاني في ((النيل)): والظاهر: جواز التأليف عند الحاجة إليه، فإذا كان في زمن
الإمام قوم لا يطيعونه إلا للدنيا، ولا يقدر على إدخالهم تحت طاعته بالقسر والغلب، فله أن
يتألفهم، ولا يكون لفشو الإسلام تأثير؛ لأنه لم ينفع في خصوص هذه الواقعة. انتهى.
٣١ - باب ما جاء في الْمُتَصَدِّقِ يَرِثُ صَدَقَتَهُ
[٦٦٧] قوله: (قال: وجب أجرك) أي: بالصلة. (وردها عليك الميراث) النسبة
مجازية؛ أي: رد الله الجارية عليك بالميراث، وصارت الجارية ملكًا لك بالإرث، وعادت
إليك بالوجه الحلال. والمعنى: أنه ليس هذا من باب العود في الصدقة؛ لأنه ليس أمرًا
اختیاریًّا .
قال ابن الملك: أكثر العلماء على أن الشخص إذا تصدق بصدقة على قريبه، ثم ورثها؛
حلت له. وقيل: يجب صرفها إلى فقير؛ لأنها صارت حقًّا لله تعالى. انتهى. وهذا تعليل في
معرض النص؛ فلا يعقل؛ كذا في ((المرقاة)).

٣٩١
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ بَابُ مَا جَاءَ فِي المُتَصَدِّقِ يَرِثُ صَدَقَتَهُ
((صُومِي عَنْهَا)). قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّهَا لَمْ تَحُجَّ قَظُ، أَفَأَحُجُ عَنْهَا؟ قَالَ: ((نَعَمْ،
حُجِّي عَنْهَا)). [م: ١١٤٩، د: ٢٨٧٧، جه: ١٧٥٩ و٢٣٩٤، حم: ٢٢٤٤٧].
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
لَا يُعْرَفُ هَذَا مِنْ حَدِيثٍ بُرَيْدَةَ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَعَبْدُ الله بْنُ عَطَاءٍ ثِقَةٌ عِنْدَ
أَهْلِ الْحَدِيثِ.
وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ ثُمَّ وَرِثَهَا
حَلَّتْ لَهُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا الصَّدَقَةُ شَيْءٌ جَعَلَهَا لله، فَإِذَا وَرِثَهَا فَيَجِبُ أَنْ يَصْرِفَهَا فِي
مِثْلِهِ. وَرَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَزُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَطَاءٍ.
قوله: (صومي عنها) قال الطيبيُّ: جوَّز أحمد أن يصوم الولي عن الميت ما كان عليه من
قضاء رمضان، أو نذر، أو كفارة بهذا. ولم يجوِّز مالك، والشافعي، وأبو حنيفة. انتهى. بل
يطعم عنه وليه لكل يوم صاعًا من شعير، أو نصف صاع من بُرِّ عند أبي حنيفة؛ وكذا لكل
صلاة. وقيل: لصلوات كل يوم؛ كذا في ((المرقاة)).
قلت: ما قال أحمد هو ظاهر الحديث، ويجيء تحقيق هذه المسألة في موضعها.
قوله: (قال: نعم حجي عنها) أي: سواء وجب عليها، أم لا. أوصت به، أم لا. قال
ابن الملك: يجوز أن يحج أحد عن الميت بالاتفاق. (وعبد الله بن عطاء ثقة عند أهل
الحديث) ذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال الدوري عن ابن معين: عبد الله بن عطاء
صاحب ابن بريدة ثقة؛ كذا هو في ((تاريخ الدوري)) رواية أبي سعيد بن الأعرابي عنه.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم.
قوله: (وقال بعضهم: إنما الصدقة شيء جعلها الله، فإذا ورثها فيجب أن يصرفها في
مثله) قول هذا البعض تعليل في معرض النص، فلا يلتفت إليه، والحق هو ما ذهب إليه أكثر
أهل العلم.

٣٩٢
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَّةِ العَوْدِ فِي الصَّدَقَةِ
٣٢- بَابُ مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ العَوْدِ في الصَّدَقَةِ (ت٣٢، ٣٢٢]
[٦٦٨] (٦٦٨) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ
مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ فِي
سَبِيلِ اللهِ، ثُمَّ رَآهَا تُبَاعُ، فَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ بَّهِ: (لَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ)).
[خ: ١٤٨٩، م: ١٦٢١، ن: ٢٦١٦، د: ١٥٩٣، جه: ٢٣٩٠، حم: ٤٥٠٧، طا: ٦٢٤].
٣٢ - باب ما جاء في كَرَاهِيَةِ العَوْدِ في الصَّدَقَةِ
[٦٦٨] قوله: (حدّثنا هارون بن إسحاق الهمداني) بسكون الميم، الكوفي، أبو القاسم،
صدوق، من صغار العاشرة.
(أنه حمل على فرس في سبيل الله) المراد: أنه ملكه إياه، ولذلك ساغ له بيعه.
ومنهم من قال: كان عمر قد حبسه، وإنما ساغ للرجل بيعه؛ لأنه حصل فيه هزال، عجز
بسببه عن اللحاق بالخيل، وضعف عن ذلك، وانتهى إلى حالة عدم الانتفاع به. ويرجح
الأول قوله: ((لا تعد في صدقتك)) ولو كان حبسًا لعلله به؛ كذا في ((النيل)).
قوله: (ولا تعد في صدقتك) زاد الشيخان(١) في رواية: ((وإِنْ أَعْطَاكَ بِدِرْهَم؛ فإنَّ العَائِدَ
فِي صَدَقَتِهِ كالكَلْبٍ يَعُودُ فِي قَيْتِهِ».
قال ابن الملك: ذهب بعض العلماء إلى أن شراء المتصدق صدقته حرام؛ لظاهر
الحديث، والأكثرون على أنها كراهة تنزيه؛ لكون القبح فيه لغيره؛ وهو أن المتصدق عليه
ربما يسامح المتصدق في الثمن؛ بسبب تقدم إحسانه؛ فيكون كالعائد في صدقته في ذلك
المقدار الذي سومح. انتهى.
فإن قلت: هذا الحديث يعارضه حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: ((لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ إِلَّا
لِخَمْسَةٍ: لِعَامِلٍ عليها، أو رَجُلِ اشْتَرَاها بمالِه ... )) الحديث(٢)؛ فكيف الجمع بينهما؟
قلت: جمع بينهما مجمل حديث الباب على كراهة التنزيه.
وقال الشوكاني: الظاهر: أنه لا معارضة بين هذين الحديثين؛ فإن حديث عمر في صدقة
(١) البخاري، كتاب الهبة. حديث (٢٦٢٣)، ومسلم، كتاب الهبات. حديث (١٦٢٠).
(٢) أبو داود، كتاب الزكاة. حديث (١٦٣٧)، وابن ماجه، كتاب الزكاة. حديث (١٨٤١).

٣٩٣
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِّهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّدقةِ عَنِ المَيِّتِ
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
٣٣- بَابُ مَا جَاءَ في الصَّدقةِ عَنِ المَيِّتِ [ت٣٣، ٣٣٢]
[٦٦٩] (٦٦٩) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيع، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا زَكَرِيًّا بْنُ
إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ:
يَا رَسُولَ الله، إِنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ، أَفَيَنْفَعُهَا إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: ((نَعَمْ)) قَالَ: فَإِنَّ لِي
مَخْرَفاً فَأُشْهِدُكَ أَنِّي قَدْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا. [خ: ٢٧٧٠، ن: ٣٦٥٧، د: ٢٨٨٢، حم: ٣٤٩٤].
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَبِهِ يَقُولُ أَهْلُ الْعِلْمِ، يَقُولُونَ: لَيْسَ شَيْءٌ
يَصِلُ إِلَى المَيِّتِ إِلَّ الصَّدَقَةُ وَالدُّعَاءُ.
التطوع، وحديث أبي سعيد في صدقة الفريضة؛ فيكون الشراء جائزًا في صدقة الفريضة؛ لأنه
لا يتصور الرجوع فيها؛ حتى يكون الشراء مشبهًا له، بخلاف صدقة التطوع؛ فإنه يتصور
الرجوع فيها؛ فكره ما يشبهه؛ وهو الشراء. انتهى.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري، ومسلم.
٣٣ - باب ما جاء في الصَّدَقَةِ عَنِ المَيِّتِ
[٦٦٩] قوله: (أفينفعها إن تصدقت عنها) بكسر الهمزة على أنها شرطية، وفاعل ((ينفع))
ضمير راجع إلى التصدق المفهوم من الشرط، ولا يلزم الإضمار قبل الذكر؛ لأن قوله:
(أفينفعها)) في معنى جزاء الشرط؛ فكأنه متأخر عن الشرط رتبة. أو يقال: إن المرجع متقدم
حكمًا؛ لأن سوق الكلام دال عليه؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ﴾
[النساء: ١١] أي: أبوي الميت؛ قاله أبو الطيب السندي.
قوله: (فإن لي مَخْرَفًا) بفتح الميم: الحديقة من النخل، أو العنب، أو غيرهما.
(فأُشهدك) بصيغة المتكلم من الإشهاد. (به) أي: بالمخرف. (عنها) أي: عن أمي.
قوله: (هذا حديث حسن) وأخرجه البخاري، وأبو داود، والنسائي.
قوله: (وبه يقول أهل العلم. يقولون: ليس شيء يصل إلى الميت إلا الصدقة والدعاء)
أي: وصول نفعهما إلى الميت مجمع عليه، لا اختلاف بين علماء أهل السنة والجماعة.

٣٩٤
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّدقةِ عَنِ المَيِّتِ
وَقَدْ رَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ
مُرْسَلًا.
قَالَ: وَمَعْنَى قَوْلِهِ: إِنَّ لِي مَخْرَفاً يعْنِي: بُسْتَاناً.
واختلف في العبادات البدنية؛ كالصوم، والصلاة، وقراءة القرآن. قال القاري في ((شرح
الفقه الأكبر»: ذهب أبو حنيفة، وأحمد، وجمهور السلف - رحمهما الله - إلى وصولها.
والمشهور من مذهب الشافعي، ومالك عدم وصولها. انتهى.
وقال في ((المرقاة)): قال السيوطي في ((شرح الصدور)): اختلف في وصول ثواب القرآن
للميت: فجمهور السلف، والأئمة الثلاثة على الوصول. وخالف في ذلك إمامنا الشافعي؛
مستدلاً بقوله تعالى: ﴿وَأَن لَّْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] وأجاب الأولون عن الآية
بأوجه:
أحدها: أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَانََّنْهُمْ ذُرِيَّهُم بِإِبِمَنٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ﴾
[الطور: ٢١] الآية. أدخل الأبناء الجنة بصلاح الآباء.
الثاني: أنها خاصة بقوم إبراهيم، وموسى عليهما الصلاة والسلام. فأما هذه الأمة، فلها
ما سعت، وما سعى لها؛ قاله عكرمة.
الثالث: أن المراد بالإنسان هنا: الكافر. فأما المؤمن، فله ما سعى، وسعى له، قاله
الربيع بن أنس.
الرابع: ليس للإنسان إلا ما سعى من طريق العدل. فأما من باب الفضل، فجائز أن
یزیده الله ما شاء؛ قاله الحسين بن فضل.
الخامس: أن ((اللام)) في ((الإنسان)) بمعنى: ((على))؛ أي: ليس على الإنسان إلا ما
سعى، واستدلوا على الوصول بالقياس على الدعاء، والصدقة، والصوم، والحج، والعتق،
فإنه لا فرق في نقل الثواب بين أن يكون عن حج، أو صدقة، أو وقف، أو دعاء، أو قراءة.
وبما أخرج أبو محمد السمر قندي في فضائل: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ [الإخلاص: ١] عن علي
مرفوعًا: (مَنْ مَرَّ على المَقَابِرِ، وقَرَأَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ إِحْدَى عَشْرَةَ مَرَّةً، ثُمَّ وَهَبَ أَجْرَهُ
لِلِأَمْوَاتِ أُعْطِيَ مِنَ الأَجْرِ بِعَدَدِ الأَمْوَاتِ))(١). وبما أخرج أبو القاسم سعد بن علي الزنجاني
(١) (موضوع) ذكره المتقي الهندي في ((كنز العمال)) (٤٢٥٩٦). وقال العلامة الفتنّي في تذكرة الموضوعات
(٢٢٠/١): من نسخة عبد الله بن أحمد الموضوعة.

٣٩٥
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ الله وََّ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّدقةِ عَنِ المَيِّتِ
في ((فوائده) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّهِ: (مَنْ دَخَلَ المَقَابِرَ، ثُمَّ قَرَأْ فَاتِحَةٍ
الكِتَابِ، وقُلْ هو الله أَحَدٌ، وأَلْهَاكُم التَّكَاثُرُ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي جَعَلْتُ ثَوَابَ مَا قَرَأْتُ من كَلامِكَ
لِأَهْلِ المَقَابِرِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِنَاتِ، كانوا شُفَعَاءَ له إلى الله تعالى))(١).
وبما أخرج صاحب ((الخلال)) بسنده، عن أنس؛ أن رسول الله وَّ قال: ((مَنْ دَخَلَ
المَقَابِرَ فَقَرَأَ سُورَةَ يس، خَفَّفَ الله عنهم وكان له بِعَدَدِ مَنْ فيها حَسَنَاتٌ)).
وهذه الأحاديث وإن كانت ضعيفة، فمجموعها يدل على أن لذلك أَضْلًا، وأن المسلمين
ما زالوا في كل مصر وعصر يجتمعون ويقرؤون لموتاهم من غير نكير؛ فكان ذلك إجماعًا .
ذكر ذلك كله الحافظ شمس الدين بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي في جزء ألفه في
المسألة. انتهى ما في ((المرقاة)) بتقديم وتأخير.
قلت: قوله: ((فمجموعها يدل على أن لذلك أصلًا)) فيه تأمل؛ فلينظر: هل يدل
مجموعها على أن لذلك أصلًا أم لا؟ وليس كل مجموع من عدة أحاديث ضعاف يدل على
أن لها أصلًا. فأما قوله: ((وأن المسلمين مازالوا في كل مصر وعصر يجتمعون ويقرؤون
اجتماعهم، وقراءتهم
لموتاهم)) ففيه نظر ظاهر؛ فإنه لم يثبت عن السلف الصالحين
لموتاهم. ومن يدعي ثبوته، فعليه البيان بالإسناد الصحيح.
وقال الشوكاني في ((النيل)): ((والحق: أنه يخصص عموم الآية؛ يعني: آية ﴿لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ
إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] بالصدقة من الولد؛ وبالحج من الولد، ومن غير الولد أيضًا؛ وبالعتق
من الولد؛ لما ورد في هذا كله من الحديث.
وبالصلاة من الولد أيضًا؛ لما روى الدارقطني (٢)؛ أن رجلًا قال: يا رسول الله، إنه كان
لي أبوان أبرهما في حال حياتهما، فكيف لي بيرِّهما بعد موتهما؟ فقال ◌َ له: ((إنَّ مِنَ البِرِّ أَنْ
تُصَلِّيَ لهما مع صَلاتِكَ، وأَنْ تَصُومَ لهما مع صِيَامِكَ)).
قال: وبالصيام من الولد لهذا الحديث، ولحديث ابن عباس عند البخاري، ومسلم(٣)،
أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن أمي ماتت، وعليها صوم نذر؟ فقال: ((أَرَأَيْتِ لو كان على
أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ أكان يُؤَدِّي ذلكَ عنها؟)) قالت: نعم. قال: ((فَصُومِي)).
(١) لم أجده؛ ولينظر في إسناده.
(٢) ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١٢٠٨٤) بنحوه.
(٣) البخاري، كتاب الصوم. حديث (١٩٥٢)، ومسلم، كتاب الصوم. حديث (١١٤٧).

٣٩٦
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ رَ بَابٌ فِي نَفَقَةِ المَرَأَةِ مِن بَيْتِ زَوْجِهَا
٣٤- بَابٌ في نَفَقَةِ المَرأَةِ مِن بَيْتِ زَوْجِهَا [ت٣٤، ٣٤٢]
[٦٧٠] (٦٧٠) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشِ، حَدَّثَنَا شُرَحْبِيلُ بْنُ مُسْلِم
الخَوْلانِيُّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَلَ فِي خُطْبَتِهِ عَامَ حَجَّةٍ
الوَدَاعِ يَقُولُ: ((لَا تُنفِقُ امْرَأَةٌ شَيْئاً مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا)»، قِيلَ: يَا رَسُولَ الله،
وَلَا الطَّعَامُ؟ قَالَ: ((ذَلِكَ أَفْضَلُ أَمْوَالِنَا)). [د: ٣٥٦٥، جه: ٢٢٩٥، حم: ٢١٧٩١].
ومن غير الولد؛ لحديث: ((مَنْ ماتَ وعليه صِيَامٌ صامَ عنه وَلِيُّهُ)). متفق عليه من حديث
عائشة(١) .
قال: وبقراءة يس من الولد وغيره؛ لحديث: ((اقْرَؤُوا عَلَى مَوْتَاكُم يس))(٢).
قال: وبالدعاء من الولد وغيره؛ لحديث: ((أو وَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو له))(٣). ولحديث:
((اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُم وسَلُوا له التّثْبِيتَ))(٤). ولغير ذلك من الأحاديث، وبجميع ما يفعله الولد
لوالديه من أعمال البر؛ لحديث: ((وَلَدُ الإِنْسَانِ من سَعْيهِ))(٥).
وقد قيل: إنه يقاس على هذه المواضع التي وردت بها الأدلة غيرها، فيلحق الميت كل
شيء فعله غيره))؛ هذا تلخيص ما قاله الشوكاني في ((النيل)).
قلت: وحديث الدارقطني الذي ذكره الشوكاني ضعيف، لا يصلح للاحتجاج. وذكره
مسلم في مقدمة ((صحیحه))، وذكر وجه ضعفه.
٣٤ - باب ما جاء في نَفَقَةِ المَرْأَةِ من بَيْتِ زَوْچِها
[٦٧٠] قوله: (لا تنفق) نفي. وقيل: نهي. (إلا بإذن زوجها) أي: صريحًا، أو دلالة.
(قال: ذلك أفضل أموالنا) يعني: فإذا لم تجز الصدقة بما هو أقل قدرًا من الطعام بغير إذن
الزوج، فكيف تجوز بالطعام الذي هو أفضل؟!
(١) البخاري، كتاب الصوم. حديث (١٩٥٣)، ومسلم، كتاب الصيام. حديث (١١٤٧).
(٢) النسائي في ((الكبرى)) (١٠٩١٣)، وابن حبان. حديث (٣٠٠٢).
(٣) مسلم، كتاب الوصية. حديث (١٦٣١).
(٤) البيهقي في ((الكبرى)) (٤ / ٥٦).
(٥) أبو داود، كتاب الإجارة. حديث (٣٥٢٨)، والترمذي، كتاب الأحكام. حديث (١٣٥٨)، والنسائي، كتاب
البيوع. حديث (٤٤٤٩)، وابن ماجه، كتاب الإجارات. حديث (٢٢٩٠).

٣٩٧
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ رَ بَابٌ فِي نَفَقَةِ المَرَأَةِ مِن بَيْتِ زَوْجِهَا
وَفِي البَابِ: عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَأَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ،
وَعَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، وَعَائِشَةً پا.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌّ.
[٦٧١] (٦٧١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِّ وَِّ أَنَّهُ قَالَ:
(إِذَا تَصَدَّقَتِ المَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا كَانَ لَّهَا بِهِ أَجْرٌ، وَلِزَّوْجِ مِثْلُ ذَلِكَ،
قوله: (وفي الباب عن سعد بن أبي وقاص) أخرجه أبو داود(١)؛ بلفظ: قال: لما بايع
رسول الله وَّلتر النساء، قامت امرأة جليلة؛ كأنها من نساء مضر. فقالت: يا نبي الله، أنأكل
على آبائنا، وأبنائنا، وأزواجنا ما يحل لنا من أموالهم؟ قال: ((الرُّطَبُّ تَأْكُلْنَهُ وَتَهْدِينَهُ)).
(وأسماء بنت أبي بكر) أخرجه عبد الرزاق(٢)؛ بلفظ: أن أسماء بنت أبي بكر قالت: ما لي
شيء إلا ما يدخل عليَّ الزبير، أفأتصدق منه؟ فقال النبي ◌َِّ: ((أَنْفِقِي ولا تُوكِي فَيُوكَى عليكِ)).
(وأبي هريرة) أخرجه الشيخان(٣) مرفوعًا؛ بلفظ: ((إذا أَنْفَقَتِ المَرْأَةُ من كَسْبٍ زَوْجِهَا من
غيرِ أَمْرِهِ فلها نِصْفُ أَجْرِهِ».
(وعبد الله بن عمرو) لينظر من أخرجه(٤) . (وعائشة) أخرجه الشيخان، وأخرجه
الترمذي(٥) أيضًا في هذا الباب.
قوله: (حديث أبي أمامة حديث حسن) في سنده إسماعيل بن عياش الحمصي، صدوق
في روايته عن أهل بلده، مخلط في غيرهم. وقد روى هذا الحديث عن شرحبيل بن مسلم
الخولاني؛ وهو من أهلٍ بلده؛ فإنه شامي. قال في ((التقريب)) في ترجمته: صدوق، فيه لين.
وقال في ((الخلاصة)): وثَّقه العجلي وأحمد، وضعَّفه ابن معين.
[٦٧١] قوله: (إذا تصدقت المرأة من بيت زوجها) أي: بطيب نفس، غير مفسدة؛ كما
في الرواية الآتية. وفي رواية للبخاري: ((من طَعَامٍ بَيْتِها)).
(١) أبو داود، كتاب الزكاة. حديث (١٦٨٦).
(٢) عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٦٦١٤).
(٣) البخاري، كتاب البيوع. حديث (٢٠٦٦)، ومسلم، كتاب الزكاة. حديث (١٠٢٦).
(٤) لم أقف عليه.
(٥) البخاري، كتاب الزكاة. حديث (١٤٢٥)، ومسلم، كتاب الزكاة. حديث (١٠٢٤)، والترمذي، كتاب الزكاة.
حديث (٦٧١).

٣٩٨
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ ر بَابٌ فِي نَفَقَّةِ المَرَأَةِ مِن بَيْتِ زَوْجِهَا
وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَلَا يَنْقُصُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ أَجْرٍ صَاحِبِهِ شَيْئاً، لَهُ بِمَا كَسَبَ
وَلَهَا بِمَا أَنْفَقَتْ)). [خ: ١٤٢٥، م: ١٠٢٤، د: ١٦٨٥، جه: ٢٢٩٤، حم: ٢٤١٥٩].
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
[٦٧٢] (٦٧٢) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا المُؤَمِّلُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ
مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيهِ: ((إِذَا
أَعْطَتِ المَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا بِطِيبٍ نَفْسٍ غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، كَانَ لَهَا مِثْلُ أَجْرِهِ، لَهَا مَا
نَوَتْ حَسَناً، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ)).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ،
قوله: (وللخازن) أي: الذي كانت النفقة بيده. (له بما كسب) أي: للزوج بسبب كسبه،
وتحصيله. (ولها بما أنفقت) أي: وللزوجة بسبب إنفاقها. قال محيي السنة: عامة العلماء
على أنه لا يجوز لها التصدق من مال زوجها، بغير إذنه؛ وكذا الخادم. والحديث الدال على
الجواز أُخرج على عادة أهل ((الحجاز)) يطلقون الأمر للأهل، والخادم في التصدق، والإنفاق
عند حضور السائل، ونزول الضيف؛ كما قال عليه الصلاة والسلام: ((لا تُوعِي فَيُوعِيَ اللهُ
علیكِ»(١) . انتھی.
قوله: (هذا حديث حسن) وأخرجه البخاري، ومسلم.
[٦٧٢] قوله: (إذا أعطت المرأة من بيت زوجها) أي: أنفقت، وتصدقت. (غير مفسدة)
نصب على الحال؛ أي: غير مسرفة في التصدق. وهذا محمول على إذن الزوج لها بذلك:
صريحًا، أو دلالة. وقيل: هذا جارٍ على عادة أهل (الحجاز))؛ فإن عاداتهم أن يأذنوا
لزوجاتهم، وخدمهم بأن يضيفوا الأضياف، ويطعموا السائل؛ والمسكين، والجيران؛
فَحَرَّض رسول الله وَالرِ أمته على هذه العادة الحسنة، والخصلة المستحسنة؛ كذا في
((المرقاة)).
(كان لها مثل أجره) أي: للمرأة مثل أجر الزوج. (لها ما نَوَتْ حسنًا) حال من
الموصولة في قوله: ((ما نوت))؛ كذا في بعض الحواشي.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري، ومسلم.
(١) البخاري، كتاب الهبة. حديث (٢٥٩١)، ومسلم، كتاب الزكاة. حديث (١٠٢٩).

٣٩٩
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي صَدَقَةِ الفِظْرِ
وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثٍ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، وَعَمْرُو بْنِ مُرَّةَ لَا يَذْكُرُ فِي
حَدِيثِهِ: عَنْ مَسْرُوقٍ.
٣٥- بَابُ مَا جَاءَ في صَدَقَةِ الفِطْرِ [ت٣٥، ٣٥٢]
[٦٧٣] (٦٧٣) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ
أَسْلَمَ، عَنْ عِيَاضٍ بْنِ عَبْدِ الله، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ، قَالَ: كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ
- إِذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ الله ◌ِّهِ - صَاعاً مِنْ طَعَامِ، أَوْ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ
تَمْرٍ،
قوله: (وهو أصح من حديث عمرو بن مرة عن أبي وائل) أي: حديث منصور، عن
أبي وائل بذكر ((مسروق)) أصح من حديث عمرو بن مرة، عن أبي وائل بدون ذكر ((مسروق))؛
فإنه قد تابع منصورًا الأعمش في ذكر مسروق؛ كما في ((صحيح البخاري)).
٣٥- باب ما جاء في صَدَقَةِ الفِطْرِ
أي: من رمضان، فأضيفت الصدقة للفطر؛ لكونها تجب بالفطر منه. ويقال لها: زكاة
الفطر، وزكاة رمضان، وزكاة الصوم. وكان فرضها في السنة الثانية من الهجرة في شهر
رمضان قبل العيد بيومين؛ قاله القسطلاني.
[٦٧٣] قوله: (صاعًا من طَعَام، أو صاعًا ... من تمر) ظاهره المغايرة بين الطعام،
وبين ما ذكر بعده؛ وقد حكى الخطّبي أنّ المراد بالطعام هنا: الحنطة، وأنه اسم خاص له.
قال هو وغيره: قد كانت لفظة الطعام تستعمل في الحنطة عند الإطلاق؛ حتى إذا قيل: اذهب
إلى سوق الطعام، فُهِم منه سوق القمح. وإذا غلب العرف، نزل اللفظ عليه.
قال الحافظ في ((الفتح)): ((وقد رد ذلك ابن المنذر، وقال: ظن بعض أصحابنا أن قوله
في حديث أبي سعيد: ((صاعًا من طعام)) حجة لمن قال: ((صاع من حنطة)) وهذا غلط منه؛
وذلك أن أبا سعيد أجْملَ الطعامَ ثمَّ فسِّره، ثم أوردَ طريقَ حفص بن ميسرةَ عند البخاريِّ
وغيره، أنَّ أبا سعيد قال: كنا نُخرج في عهد النبي ◌َّه يوم الفطر صاعًا من طعام. قال
أبو سعيد: وكان طعامنا الشعير، والزبيب، والأقط، والتمر؛ وهي ظاهرة فيما قال.
قال الحافظ: وأخرج ابن خزيمة(١) من طريق فضيل بن غزوان، عن نافع، عن ابن عمر.
(١) ابن خزيمة. حديث (٢٤٠٦)، والطبراني في ((الأوسط)) (١٤٣٩).

٤٠٠
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ الله ◌َ / بَابُ مَا جَاءَ فِي صَدَقَّةِ الفِظْرِ
أَوْ صَاعاً مِنْ زَبِيبٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ أَقِطِ، فَلَمْ نَزَلْ نُخْرِجُهُ حَتَّى قَدِمَ مُعَاوِيَةُ المَدِينَةَ،
فَتَكَلَمَ فَكَانَ فِيمَا كَلَّمَ بِهِ النَّاسَ: إِنِّي لَأَرَى مُدَّيْنِ مِنْ سَمْرَاءِ الشَّامِ تَعْدِلُ صَاعاً مِنْ
تَمْرٍ .
قَالَ: فَأَخَذَ النَّاسُ بِذَلِكَ.
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَلَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ. [خ مختصراً: ١٥٠٦، م: ٩٨٥،
ن: ٢٥١١، د: ١٦١٦، جه: ١٨٢٩، حم: ١١٥٢٢، طا: ٦٢٨، مي: ١٦٦٣].
قال: ((لم تكن الصدقة على عهد رسول الله وَّله إلا التمر، والزبيب، والشعير، ولم تكن
الحنطة)».
ولمسلم(١) من وجه آخر عن عياض، عن أبي سعيد: ((كنا نخرج من ثلاثة أصناف صاعًا
من تمر، أو صاعًا من أقط، أو صاعًا من شعير))؛ وكأنه سكت عن الزبيب في هذه الرواية؛
لقلَّته بالنسبة إلى الثلاثة المذكورة. وهذه الطرق كلها تدل على أن المراد بالطعام في حديث
أبي سعيد: غير الحنطة)) انتهى.
وقال القاري في ((المرقاة)): قال علماؤنا: المراد بالطعام: المعنى العام؛ فيكون عطف
ما بعده عليه من باب عطف الخاص على العام. انتهى. (أو صاعًا من زبيب) أي: عنب
یا بس.
قال في ((الصراح)): زبيب مويز زبيبة يكي(٢). يقال: زبب فلان عنبه تزبيبًا. (أو صاعًا
من أقط) بفتح الهمزة، وكسر القاف. قال في ((النهاية)): هو لبن مجفف، يابس، مستحجر،
يطبخ به.
(حتى قدم معاوية المدينة) وفي رواية مسلم: حتى قدم معاوية حاجًّا، أو معتمرًا؛ فكلم
الناس على المنبر. وفي رواية ابن خزيمة: وهو يومئذ خليفة. (من سمراء الشام) أي: القمح
الشامي. (فأخذ الناس بذلك) المراد بالناس: الصحابة ظه. (قال أبو سعيد: فلا أزال
أخرجه؛ كما كنت أخرجه) وفي رواية لمسلم: فأنكر ذلك أبو سعيد، وقال: لا أخرج إلا ما
كنت أخرج في عهد رسول الله وَله .
(١) مسلم، كتاب الزكاة. حديث (٩٨٥).
(٢) كلمة فارسية بمعنى: واحد أو واحدة.