Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الْاسْتِسْقَاءِ
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وحدیث اللیث عن یزید بن أَبِي حبيب: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
٣٩٥- بَابُ مَا جَاءَ في صَلَاةِ الْاسْتِسْقَاءِ [ت٢٧٨، ٤٣٢]
وأجيب: بما وقع التصريح في حديث معاذ بن جبل في ((الموطأ))(١) ولفظه: ((أن النبي
وَ﴿ أَخَخَرَ الصلاة في غزوة ((تبوك))؛ خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل، ثم خرج
فصلى المغرب والعشاء جَمْعًا (٢).
قال الشافعي في ((الأم)): قوله: ((دخل ثم خرج)) لا يكون إلا وهو نازل؛ فللمسافر أن
يجمع نازلًا ومسافرًا.
وقال ابن عبد البر: في هذا أوضح دليل على الرد على مَنْ قال: لا يجمع إلا من جَدَّ به
السير؛ وهو قاطع للالتباس. انتهى.
وحكى عياض: أن بعضهم أَوَّلَ قوله: ((ثم دخل))؛ أي: في الطريق ((ثم خرج)) عن
الطريق للصلاة، ثم استبعده ولا شك في بعده؛ وكأنه ﴿ فعل ذلك؛ لبيان الجواز، وكان
أكثر عادته ما دَلَّ عليه حديث أنس. والله أعلم. ومن ثَمَّ قال الشافعية: ترك الجمع أفضل.
وعن مالك رواية: أنه مكروه.
وفي هذه الأحاديث تخصيص لأحاديث الأوقات التي بَيَّنَها جبريل للنبي ◌َّ، وبينها
النبيُّ ◌َّهِ للأعرابي، حيث قال في آخرها: ((الوَقْتُ ما بين هَذَيْنٍ))؛ كذا في ((الفتح)).
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) ، وأخرجه البخاري، وأبو داود، والنسائي، وقد
أخرج المسند منه مسلم.
٣٩٥ - بابُ ما جاء في صَلاةِ الاسْتِسْقَاءِ
الاستسقاء لُغَةًّ: طلب سَقْي الماء من الغير للنفس أو للغير.
وشرعًا: طلبه من الله تعالى عند حصول الجَدْبِ على وجه مخصوص؛ قاله الحافظ.
وقال الجزري في ((النهاية)): هو استفعال من: طلب السُّقْيَا؛ أي: إنزال الغيث على البلاد
والعباد. يقال: سقى الله عباده الغَيْثَ، وأسقاهم. والاسم: السقيا بالضم، واستسقيت
فلانًا : إذا طلبت منه أن يسقيك. انتهى.
(١) مالك في ((الموطأ)) (١/ ١٤٣).
(٢) في ((الموطأ)): ((جميعًا)) بدل ((جمعًا)).

١٦٢
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الْاسْتِسْقَاءِ
[٥٥٦] (٥٥٦) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ خَرَجَ بِالنَّاسِ يَسْتَسْقِي،
فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتْنِ
وقال الرافعي: هو أنواع: أدناها: الدعاء المجرد، وأوسطها: الدعاء خلف الصلوات،
وأفضلها: الاستسقاء بركعتين وخطبتين. والأخبار وردت بجميع ذلك. انتهى.
[٥٥٦] قوله: (عن عباد بن تميم) بن غزية الأنصاري المازني المدني ثقة من الثالثة، وقد
قیل: إن له رؤية.
(عن عمه) قال في ((التقريب)): اسم عمه: عبد الله بن زيد بن عاصم، وهو أخو أبيه
لأمه. انتھی.
تنبيه: اعلم أن عمه هو: عبد الله بن زيد بن عاصم بن مازن الأنصاري لا عبد الله بن
زيد بن عبد ربه الأنصاري الخزرجي الذي رأى الأذان في المنام؛ وهما مختلفان، ومن
ظنهما واحدًا فقد غلط وأخطأ .
قوله: (خرج بالناس) أي: إلى المصلى؛ كما في رواية الشيخين.
(يستسقي) حال، أو استئناف فيه معنى التعليل.
(فصلى بهم ركعتين) فيه: دليل على: أن الصلاة في الاستسقاء سُنَّةٌ؛ وبه قال الشافعي
وأحمد ومالك والجمهور، وهو قول أبي يوسف ومحمد.
قال محمد في ((موطئه)): أما أبو حنيفة رحمه الله: فكان لا يرى في الاستسقاء صلاة،
وأما في قولنا، فإن الإمام يصلي بالناس ركعتين، ثم يدعو ويحوِّل رداءه. انتهى.
قلت: قول الجمهور هو الصواب والحق؛ لأنه قد ثبت صلاته وَّة ركعتين في الاستسقاء
من أحاديث كثيرة صحيحة.
منها: حديث عبد الله بن زيد المذكور في الباب، وهو حديث متفق عليه(١).
ومنها: حديث أبي هريرة، أخرجه أحمد وابن ماجه(٢).
(١) البخاري، كتاب الاستسقاء. حديث (١٠٠٥)، ومسلم، كتاب الاستسقاء. حديث (٨٩٤).
(٢) أحمد. حديث (٨٣١٠)، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة. حديث (١٢٦٨).

١٦٣
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الْاسْتِسْقَاءِ
ومنها: حديث ابن عباس أخرجه أصحاب ((السنن)) الأربعة(١).
ومنها: حديث عائشة، أخرجه أبو داود، وقال: غريب وإسناده جيد. ورواه ابن حبان
في (صحيحه))، والحاكم في ((المستدرك)) وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم
يخرجاه(٢) . فهذه الأحاديث حجة بينة لقول الجمهور، وهي حجة على الإمام أبي حنيفة.
قال بعض العلماء في تعليقه على ((موطأ الإمام محمد)) بعد ذكر هذه الأحاديث ما لفظه:
وبه ظهر ضعف قول صاحب ((الهداية)) في تعليل مذهب أبي حنيفة؛ أن رسول الله واله
استسقى. ولم يرو عنه الصلاة. انتهى. فإنه إن أراد: أنه لم يرو بالكلية؛ فهذه الأخبار
تكذبه، وإن أراد أنه لم يرو في بعض الروايات؛ فغير قادح. انتهى. وقد رد على قول
صاحب ((الهداية)) المذكور الحافظ الزيلعي في ((نصب الراية))؛ حيث قال: أما استسقاؤه عليه
السلام فصحيح ثابت، وأما أنه لم يرو عنه الصلاة؛ فهذا غير صحيح، بل صح أنه صلى فيه،
وليس في الحديث أنه استسقى ولم يُصَلِّ، بل غاية ما يوجد ذكر الاستسقاء دون ذكر الصلاة،
ولا يلزم من عدم ذكر الشيء عدم وقوعه. انتهى.
قال العيني في ((شرح البخاري)): قال أبو حنيفة: ليس في الاستسقاء صلاة مَسْئُونَةٌ في
جماعة، فإن صلى الناس وحدانًا جاز، إنما الاستسقاء الدعاء والاستغفار. ثم ذكر أحاديث
الاستسقاء التي ليس فيها ذكر الصلاة. ثم قال: وأجيب عن الأحاديث التي فيها الصلاة: أنه
** فعلها مرة، وتركها أخرى؛ وهذا لا يدل على السنية، وإنما يدل على الجواز. انتهى.
وكذلك قال غير واحد من العلماء الحنفية.
ورده بعض العلماء الحنفية في تعليقه على ((موطأ الإمام محمد)»؛ حيث قال: وأما ما
ذكروا أن النبي ◌َّر فعله مرة وتركه أخرى؛ فلم يكن سنة، فليس بشيء؛ فإنه لا ينكر ثبوت
كليهما مرة هذا، ومرة هذا، لكن يعلم من تتبع الطرق أنه لما خرج بالناس إلى الصحراء
صلى؛ فتكون الصلاة مسنونة في هذه الحالة بلا ريب، ودعاؤه المجرد كان في غير هذه
الصورة. انتهى كلامه.
(١) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (١١٦٥)، والترمذي، كتاب صلاة الاستسقاء. حديث (٥٥٨)، والنسائي،
كتاب الاستسقاء. حديث (١٥٠٦)، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة. حديث (١٢٦٦).
(٢) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (١١٧٣)، وابن حبان. حديث (٩٩١)، والحاكم. حديث (١٢٢٥).

١٦٤
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الْاسْتِسْقَاءِ
جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِيهِمَا، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَاسْتَسْقَى، وَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ. [خ بنحوه:
١٠٢٤، م: ٨٩٤، ن: ١٥١٨، د: ١١٦٧، جه: ١٢٦٧، طا مختصراً: ٤٤٨، مى مختصراً: ١٥٣٣].
وقال في ((حاشية شرح الوقاية)): ولعل هذه الأخبار لم تبلغ الإمام، وإلا لم ينكر استنان
الجماعة. انتهى.
قلت: هذا هو الظن به. والله تعالى أعلم.
يُرْسِلِ
فإن قلت: استدل الإمام أبو حنيفة بقوله تعالى: ﴿اُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ، كَانَ غَفَّارًا (١٨)
السَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١١] قال: علق نزول الغيث بالاستغفار لا بالصلاة؛ فكان
الأصل فيه هو الاستغفار؛ فقوله تعالى هذا يدل على سُنِيَّةِ الصلاة في الاستسقاء.
قلت: قوله تعالى هذا لا ينافي سنية الصلاة في الاستسقاء، وليس فيه نفيها، وقد ثبت
بأحاديث صحيحة؛ أنه رَّ صلى مع الناس في الاستسقاء؛ فاستدلاله بقوله تعالى هذا غير
صحيح؛ ولذلك خالفه أصحابه: الإمام محمد وغيره.
(جهر بالقراءة فيهما) قال النووي في ((شرح مسلم)): أجمعوا على استحبابه؛ وكذا نقل
الإجماع على استحباب الجهر ابن بطّال.
(وحول رداءه) كيفية تحويل الرداء: أن يأخذ بيده اليمنى الطرف الأسفل من جانب
يساره، وبيده اليسرى الطرف الأسفل أيضًا من جانب يمينه، ويقلب يديه خلف ظهره؛ بحيث
يكون الطرف المقبوض بيده اليمنى على كتفه الأعلى من جانب اليمين، والطرف المقبوض
بيده اليسرى على كتفه الأعلى من جانب اليسار. فإذا فعل ذلك فقد انقلب اليمين يسارًا،
واليسار يمينًا، والأعلى أسفل، وبالعكس؛ كذا في ((المرقاة)).
وقال الحافظ في ((الفتح)): وقد وقع بيان المراد من ذلك في زيادة سفيان، عن
المسعودي، عن أبي بكر بن محمد؛ ولفظه: ((قلب رِدَاءَهُ جعل اليَمِينَ على الشِّمَال))(١).
وزاد فيه ابن ماجه وابن خزيمة من هذا الوجه: ((والشمال على اليمين))(٢) . وله شاهد أخرجه
أبو داود(٣) من طريق الزبيدي، عن الزهري، عن عباد بلفظ: ((فجعل عطافه الأيمن على
عاتقه الأيسر، وعطافه الأيسر على عاتقه الأيمن))، وله (٤) من طريق عمارة بن غزية عن عباد:
(١) البخاري، كتاب الاستسقاء. حديث (١٠٢٧).
(٢) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة. حديث (١٢٦٧)، وابن خزيمة. حديث (١٤١٤).
(٣) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (١١٦٣).
(٤) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (١١٦٤).

١٦٥
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الْاسْتِسْقَاءِ
استسقى وعليه خميصة سوداء فأراد أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها، فلما ثقلت عليها قلبها
على عاتقه.
وقد استحب الشافعي في ((الجديد)) فعل ما همَّ به ◌َّي من تنكيس الرداء مع التحويل
الموصوف.
وزعم القرطبي كغيره أن الشافعي اختار في الجديد تنكيس الرداء لا تحويله، والذي في
((الأم)) ما ذكرته.
والجمهور على استحباب التحويل فقط، ولا ريب أن الذي استحبه الشافعي أحوط.
وعن أبي حنيفة وبعض المالكية: لا يستحب شيء من ذلك. انتهى كلام الحافظ.
فائدة في بيان محل تحويل الرداء: فاعلم أن محله في أثناء الخطبة حين يستقبل القبلة
للدعاء؛ ففي رواية لمسلم(١): ((خرج إلى المصلى يستسقي؛ وأنه لما أراد أن يدعو استقبل
القبلة وحوَّل رداءه)).
وفي أخرى له: ((فجعل إلى الناس ظهره يدعو الله، واستقبل القبلة، وحوَّل رداءه)). وفي رواية
للبخاري(٢): ((خرج بالناس يَسْتَسْقِي لهم؛ فقام فدعا الله قائمًا، ثم توجه قِبَلَ القبلة، وحول رداءه)).
قال الحافظ في ((الفتح)) بعد ذكر هذه الروايات: عرف بذلك أن التحويل وقع في أثناء
الخطبة عند إرادة الدعاء.
وقال في موضع آخر: محل هذا التحويل بعد فراغ الموعظة، وإرادة الدعاء. انتهى.
وقال النووي في ((شرح مسلم)): قال أصحابنا: يحوِّله في نحو ثلث الخطبة الثانية،
وذلك حين يستقبل القبلة. انتهى.
فائدة أخرى: قال الحافظ في ((الفتح)): استحب الجمهور أن يحوِّل الناس بتحويل
الإمام، ويشهد له ما رواه أحمد(٣) عن عباد في هذا الحديث بلفظ: ((وحوَّل الناس معه)).
وقال الليث، وأبو يوسف: يحوّل الإمام وحده. فاستثنى ابن الماجشون النساء؛ فقال:
لا یستحب في حقهن. انتھی.
قلت: فالقول الظاهر المعوَّل عليه هو ما ذَهَبَ إليه الجمهور.
(١) مسلم، كتاب الاستسقاء. حديث (٨٩٤).
(٢) البخاري، كتاب الاستسقاء. حديث (١٠٢٣).
(٣) أحمد: حديث (١٦٥١٢).

١٦٦
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الْاسْتِسْقَاءِ
قَالَ: وَفِي الْبَابِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَنَسٍ، وَآبي اللَّحْمِ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ عَبْدِ الله بْنِ زَيْدٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
فائدة أخرى: اختلف في حكمة هذا التحويل: فجزم المهلب بأنه للتفاؤل بتحويل الحال
عما هي عليه.
وتعقبه ابن العربي: بأن من شرط الفأل أن لا يقصد إليه. قال: وإنما التحويل أمارة بينه
وبين ربه. قيل له: حوِّل رداءك ليتحوَّل حالك.
وتعقب: بأن الذي جزم به يحتاج إلى نَقْلٍ، والذي ردَّه وَرَدَ فيه حديث رجاله ثقات
أخرجه الدارقطني والحاكم من طريق جعفر بن محمد بن علي، عن أبيه، عن جابر. ورجّح
الدار قطني إرساله. وعلى كل حال؛ فهو أولى من القول بالظن.
وقال بعضهم: إنما حوَّل رداءه؛ ليكون أثبت على عاتقه عند رفع يديه في الدعاء؛ فلا
یکون سنة في كل حال.
وأجيب: بأن التحويل من جهة إلى جهة لا يقتضي الثبوت على العاتق، فالحمل على
المعنى الأول أولى؛ فإن الاتباع أولى من تركه لمجرد احتمال الخصوص؛ كذا في ((الفتح)).
وفي ((الدراية)): وللحاكم(١) من حديث جابر: ((وحَوَّل رداءه ليتحول القحط)).
وللدارقطني من حديث أنس: ((وقلب رداءه لأن ينقلب القحط إلى الخصب)). انتهى.
فالقول المعول عليه في حكمة التحويل هو ما جزم به المهَلَّبُ.
قوله: (في الباب عن ابن عباس، وأبي هريرة) تقدم تخريج حديثهما.
(وأنس) أخرجه الطبراني في معجمه ((الأوسط))(٢)، وسيأتي لفظه.
(وآبي اللحم) أخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي (٣).
قوله: (حديث عبد الله بن زيد حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد والبخاري وأبو داود
والنسائي، وأخرجه مسلم، ولم يذكر الجهر بالقراءة.
(١) الحاکم. حديث (١٢١٦) وقال صحيح الإسناد.
(٢) الطبراني في ((الأوسط)) (٧٦١٩)، قال الهيثمي في ((المجمع)) (٢١٢/٢-٢١٣): وفيه مجاشع بن عمرو؛ قال
ابن معین: قد رأیته أحد الکذابین.
(٣) الترمذي، كتاب الجمعة. حديث (٥٥٧)، وأبو داود، كتاب الصلاة. حديث (١١٦٨)، والنسائي في ((الكبرى))
(١٨٢٠).

١٦٧
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الْاسْتِسْقَاءِ
وَعَلَى هَذَا العَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ.
وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.
وَاسْمُ عَمِّ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ هُوَ: عَبْدُ الله بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمِ المَازِنِيُّ.
[٥٥٧] (٥٥٧) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ
سَعِيدٍ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الله، عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ، عَنْ آبِي
اللَّحْمِ: أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ الله ◌ِهِ عِنْدَ أَحْجَارِ الزَّيْتِ يَسْتَسْقِي وَهُوَ مُقْنِعٌ بِكَفَّيْهِ يَدْعُو.
[د: ١١٦٨، ن: ١٥١٣، حم: ٢١٤٣٦].
قوله: (وعلى هذا العمل عند أهل العلم) أي: على ما يدل عليه حديث عبد الله بن زيد.
(وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق) وهو قول الجمهور؛ وهو الحق.
[٥٥٧] قوله: (عن يزيد بن عبد الله) بن أسامة بن الهاد الليثي المدني، وثّقه ابن مَعين
والنسائي؛ وهو من رجال الكتب الستة.
(عن عمير) بالتصغير (مولى آبي اللحم) الغفاري صحابي شهد ((خيبر))، وعاش إلى نحو
السبعين.
(عن آبي اللحم) بالمد: اسم رجل من قدماء الصحابة، سمي بذلك؛ لامتناعه من أكل
اللحم، أو لحم ما ذبح على النُّصُبِ في الجاهلية. اسمه: عبد الله بن عبد الملك، استشهد
یوم (حنین)).
قوله: (عند أحجار الزيت) هو موضع بـ ((المدينة)) من ((الحرة))، سميت بذلك؛ لسواد
أحجارها بها؛ كأنها طليت بالزيت.
(يستسقي) حال. (وهو مقنع بكفيه) أي: رافع كفيه.
وفي رواية أبي داود (١): ((قائمًا يدعو يستسقي رافعًا يديه، لا يجاوز بهما رأسه)).
والحديث استدل به لأبي حنيفة رحمه الله: على عدم استنان الصلاة في الاستسقاء؛ لأنه
ليس فيه ذكر الصلاة. وقد تقدم الجواب عنه؛ فتذكر.
(١) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (١١٦٨).

١٦٨
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الْاسْتِسْقَاءِ
قَالَ أَبُو عِيسَى: كَذَا قَالَ قُتَيْبَةُ فِي هَذَا الحَدِيثِ: عَنْ آَبِي اللَّحْمِ، وَلَا نَعْرِفُ لَهُ
عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ إِلَّ هَذَا الحَدِيثَ الوَاحِدَ.
وَعُمَيْرٌ مَوْلَى آبِي اللَّحْم قَدْ رَوَى عَنِ النَّبِّ ◌َِّ أَحَادِيثَ، وَلَهُ صُحْبَةٌ.
[٥٥٨] (٥٥٨) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنَ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ إِسْحَاقَ
- وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الله بْنِ كِنَانَةَ - عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَرْسَلَنِي الوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ وَهُوَ أَمِيرُ
المَدِينَةِ إِلَى ابْنِ عَبَّاس أَسْأَلُهُ عَنِ اسْتِسْقَاءِ رَسُولِ اللهِ وَهَ، فَأَتَتُهُ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ الله
وَّهُ خَرَجَ مُتَبَذْلًا مُتَوَاضِعاً مُتَضَرِّعاً، حَتَّى أَتَى المُصَلَّى، فَلَمْ يَخْطُبْ خُطْبَتَكُمْ هَذِهِ،
قوله: (كذا قال قتيبة في هذا الحديث ... إلخ) والحديث أخرجه أبو داود والنسائي،
وسكت عنه أبو داود والمنذري.
[٥٥٨] قوله: (عن هشام بن إسحاق) المدني القرشي.
قال في ((التقريب)): مقبول.
وقال في ((الخلاصة)): قال أبو حاتم: شيخ.
(عن أبيه) هو: إسحاق بن عبد الله بن كنانة.
قال النسائي: ليس به بأس.
وقال أبو زرعة: ثقة.
قوله: (خرج متبذلًا) أي: لا بسًا ثياب البذلة، تاركًا ثياب الزينة.
قال في ((النهاية)): التبذل: ترك التزين، والتهيؤ بالهيئة الحسنة الجميلة على جهة
التواضع.
(متواضعًا) في الظاهر. (متخشعًا) في الباطن.
وقال في ((النيل)): قوله: ((متخشعًا))؛ أي: مظهرًا للخشوع؛ ليكون ذلك وسيلة إلى نيل ما
عند الله عز وجل.
وزاد في رواية: ((مترسلًا)): أي: غير مستعجل في مشيه.
(متضرعًا) أي: مظهرًا للضراعة؛ وهي التذلل عند طلب الحاجة.
(فلم يخطب خطبتكم هذه) النفي متوجه إلى القيد، لا إلى المقيد؛ كما يدل على ذلك
الأحاديث المصرحة بالخطبة.

١٦٩
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الْاسْتِسْقَاءِ
وَلَكِنْ لَمْ يَزَلْ فِي الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالتَّكْبِيرِ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنٍ كَمَا كَانَ يُصَلِّي فِي
الْعِيدِ. [ن: ١٥٠٧، د: ١١٦٥].
وفي رواية أبي داود(١): ((فرقى المنبر، ولم يخطب خطبتكم هذه)).
فقوله: ((فرقى المنبر)) أيضًا؛ يدل على أن النفي متوجه إلى القيد.
قال الزيلعي في ((نصب الراية)) ص ٣٣٥: قال أحمد: لا تسنُّ الخطبة في الاستسقاء،
واحتجوا له بقوله: فلم يخطب ولكنه خطب الخطبة واحدة، فلذلك نفى النوع، ولم ينف
الجنس، ولم يرو أنه خطب خطبتين؛ فلذلك قال أبو يوسف: يخطب خطبة واحدة. ومحمد
يقول: يخطب خطبتين. ولم أجد له شاهدًا. انتهى كلام الزيلعي.
(وصلّى ركعتين؛ كما كان يصلي في العيد) استدل به الشافعي - رحمه الله - على أنه
يكبر في صلاة الاستسقاء كتكبير العيد. وتأوله الجمهور: على أن المراد: كصلاة العيد في
العدد، والجهر بالقراءة، وكونها قبل الخطبة.
واستدل له: بما أخرجه الحاكم والدارقطني والبيهقي (٢)، عن محمد بن عبد العزيز بن
عمر بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن طلحة قال: ((أرسلني مروان إلى ابن عباس؛
أسأله عن سنة الاستسقاء. فقال: سنة الاستسقاء سنة الصلاة في العيدين)) الحديث. وفيه:
((وصلى ركعتين؛ كبر في الأولى سبع تكبيرات، وقرأ ﴿سَيْحِ أَسْمَ رَيِّكَ﴾ [الأعلى: ١]، وقرأ في
الثانية ﴿هَلْ أَتَنْكَ حَدِيثُ الْغَشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١] وكبر فيها خمس تكبيرات)).
قال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
قال الحافظ الزيلعي: والجواب عنه من وجهين:
أحدهما: ضعف الحديث؛ فإن محمد بن عبد العزيز هذا قال فيه البخاري: منكر
الحديث. وقال النسائي: متروك الحديث.
وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، ليس له حديث مستقيم.
الثاني: أنه معارض بحديث أخرجه الطبراني في معجمه ((الأوسط))(٣)، عن أنس بن
مالك؛ أن رسول الله وَالأر استسقى، فخطب قبل الصلاة، واستقبل القبلة، وحوَّل رداءه، ثم
نزل فصلى ركعتين لم يكبر فيهما إلا تكبيرة. انتهى كلام الزيلعي.
(١) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (١١٦٥).
(٢) الحاكم. حديث (١٢١٧) وقال: صحيح الإسناد، والدارقطني (٢/ ٦٦)، والبيهقي في ((الكبرى)) (٣/ ٦١٩٨).
(٣) الطبراني في ((الأوسط)) (٩١٠٨).

١٧٠
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الْاسْتِسْقَاءِ
قلت: قال الحافظ في ((الدراية)) بعد ذكر حديث أنس هذا: ولا حجة فيه؛ فإنها كانت
حينئذٍ صلاة الجمعة. انتهى.
واعلم: أنه قد اختلفت الأحاديث في تقديم الخطبة على الصلاة، أو العكس: ففي
حديث أبي هريرة، وحديث أنس، وحديث عبد الله بن زيد عند أحمد (١): ((أنه بدأ الصلاة
قبل الخطبة)).
وفي حديث عبد الله بن زيد في ((الصحيحين))(٢) وغيرهما، وكذا في حديث ابن عباس
عند أبي داود(٣)، وحديث عائشة عند أبي داود(٤): ((أنه بدأ بالخطبة قبل الصلاة)). ولكنه
لم يصرح في حديث عبد الله بن زيد الذي في ((الصحيحين)): أنه خطب، وإنما ذكر تحويل
الظهر إلى الناس، واستقبال القبلة والدعاء، وتحويل الرداء.
قال القرطبي: يعتضد القول بتقديم الصلاة على الخطبة بمشابهتها للعيد؛ وكذا ما تقرر
من تقديم الصلاة أمام الحاجة.
قال في ((الفتح)): ويمكن الجمع بين ما اختلف من الروايات في ذلك؛ أنه وَلّ بدأ
بالدعاء، ثم صلى ركعتين، ثم خطب؛ فاقتصر بعض الرواة على شيء، وعبر بعضهم عن
الدعاء بالخطبة(٥) ؛ فلذلك وقع الاختلاف.
والمرجح عند الشافعية والمالكية: الشروع بالصلاة.
وعن أحمد رواية كذلك. قال النووي: وبه قال الجماهير.
وقال الليث: بعد الخطبة. وكان مالك يقول به، ثم رجع إلى قول الجماهير.
قال: قال أصحابنا: ولو قدم الخطبة على الصلاة صحتا، ولكن الأفضل تقديم الصلاة؛
كصلاة العيد وخطبتها .
وجاء في الأحاديث ما يقتضي جواز التقديم والتأخير.
(١) أحمد. حديث (١٦٥١٣).
(٢) تقدم تخريج هذه الأحاديث.
(٣) تقدم تخريج هذه الأحاديث.
(٤) تقدم تخريج هذه الأحاديث.
(٥) في نسخة: ((بالدعاء عن الخطبة)).

١٧١
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الْاسْتِسْقَاءِ
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
[٥٥٩] (٥٥٩) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ
إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ كِنَانَةَ، عَنْ أَبِيهِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَزَادَ فِيهِ: مُتَخَشِّعاً. [ن: ١٥٢٠،
جه: ١٢٦٦، حم: ٢٠٤٠].
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ قَالَ: يُصَلِّ صَلَاةَ الْاسْتِسْقَاءِ نَحْوَ صَلَاةِ العِيدَيْنِ، يُكَبِّرُ فِي
الرَّكْعَةِ الأُوْلَى سَبْعاً، وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْساً، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَرُوِيَ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، أَنَّهُ قَالَ: لَا يُكَبِّرُ فِي صَلَاةٍ
الاسْتِسْقَاءِ كَمَا يُكَبِّرُ فِي صَلَاةِ العِيدَيْنِ.
وَقَالَ النُّعْمَانُ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تُصَلَّى صَلَاةُ الاسْتِسْقَاءِ وَلَا آمُرُهُمْ بِتَحْوِيلِ الرِّدَاءِ،
وَلَكِنْ يَدْعُونَ وَيَرْجِعُونَ بِجُمْلَتِهِمْ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: خَالَفَ السُّنَّةَ.
واختلفت الرواية في ذلك عن الصحابة. انتهى. كذا ذكر القاضي الشوكاني في ((النيل)).
وقال: وجواز التقديم والتأخير بلا أولوية هو الحق. انتهى.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أبو داود والنسائي، وأخرجه أيضًا أبو عوانة
وابن حبان والحاكم والدارقطني والبيهقي، وصحَّحه أيضًا أبو عوانة وابن حبان(١).
[٥٥٩] قوله: (وزاد فيه متخشعًا) أي: مظهرًا للخشوع؛ ليكون ذلك وسيلة إلى نَيْلِ ما
عند الله عز وجل. وزاد في رواية: ((مترسلًا))، أي: غير مستعجل في مَشْيهِ.
قوله: (وهو قول الشافعي قال: يصلي صلاة الاستسقاء نحو صلاة العيدين؛ يكبر في
الركعة الأولى سبعًا، وفي الثانية خمسًا. واحتج بحديث ابن عباس) تقدم الكلام في ذلك؛
فتذكر. (وروي عن مالك بن أنس؛ أنه قال: لا يكبر في صلاة الاستسقاء كما يكبر في صلاة
العيدين) وهو قول الجمهور. واختلفت الرواية عن أحمد في ذلك.
(١) ابن حبان. حديث (٢٨٦٢)، والحاكم. حديث (١٢١٩)، والدارقطني (٢/ ٦٨)، والبيهقي في ((الكبرى))
(٣٤٧/٣).

١٧٢
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الكُسُوفِ
٣٩٦- بَابُ مَا جَاءَ في صَلَاةِ الكُسُوفِ [ت٢٧٩، ٤٤٢]
[٥٦٠] (٥٦٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ
حَبِيبٍ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ طَاؤُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَّرَ: أَنَّهُ صَلَّى فِي
كُسُوفٍ فَقَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَوَأَ ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَّعَ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ
وقال داود: إنه مخير بين التكبير، وتركه.
قلت: الراجح عندي قول الجمهور؛ فإنه لم يثبت من حديث مرفوع صحيح صريح؛ أنه
يكبر في صلاة الاستسقاء في الركعة الأولى سبعًا، وفي الثانية خمسًا؛ كما يكبر في صلاة
العيدين. أما حديث ابن عباس الذي أخرجه الترمذي وغيره: فليس بصريح في ذلك.
وأما حديثه الذي أخرجه الحاكم والدار قطني والبيهقي وقد تقدم: فقد عرفت أنه ضعيف
لا يصلح للاحتجاج. والله تعالى أعلم.
٣٩٦ - بابُ ما جاء في صَلاةِ الكُسُوفِ
قال الحافظ في ((الفتح)): المشهور في استعمال الفقهاء: أن الكسوف للشمس،
والخسوف للقمر، واختاره ثعلب.
وذكر الجوهري : أنه أفصح.
وقيل: يتعين ذلك.
وحكى عياض عن بعضهم عكسه. وغلطه؛ لثبوته بالخاء في القرآن.
وقيل: يقال بهما في كل منهما؛ وبه جاءت الأحاديث.
ولا شك أن مدلول الكسوف لغة غيرُ مدلول الخسوف؛ لأن الكسوف: التغير إلى سواد،
والخسوف: النقصان أو الذل. فإذا قيل في الشمس: كسفت أو خسفت - لأنها تتغير،
ويلحقها النقص - ساغ؛ وكذلك القمر. ولا يلزم من ذلك: أن الكسوف والخسوف
مترادفان.
وقيل: بالكاف في الابتداء، وبالخاء في الانتهاء.
وقيل: بالكاف لذهاب جميع الضوء، وبالخاء لبعضه.
وقيل: بالخاء لذهاب كل اللون، وبالكاف لتغيره. انتهى.
[٥٦٠] قوله: (أنه صلى في كسوف؛ فقرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم

١٧٣
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الكُسُوفِ
سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، وَالأَخْرَى مِثْلُهَا. [ن: ١٤٦٧، د: ١١٨٣، حم: ٣٢٢٦].
سجد سجدتین ... إلخ) أي: رکع في كل ركعة ثلاث ركوعات، وسجد سجدتين.
والحديث أخرجه أيضًا مسلم (١) ولفظه: ((ثم قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم
رکع، ثم قرأ ثم ركع)).
وفي لفظ له(٢): ((ثمان ركعات في أربع سجدات)).
وأخرج البخاري ومسلم(٣) عن ابن عباس ما يدل على أنه سي ركع ركوعين في كل
ركعة، وسجد سجدتين؛ ولفظهما: ((فصلى رسول الله وَال﴿ فقام قيامًا طويلًا نحوًا من قراءة
سورة البقرة، ثم ركع ركوعًا طويلًا، ثم رفع فقام قيامًا طويلًا؛ وهو دون القيام الأول، ثم
ركع ركوعًا طويلًا؛ وهو دون الركوع الأول، ثم سجد ثم قام قيامًا طويلًا؛ وهو دون القيام
الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا؛ وهو دون الركوع الأول، ثم رفع فقام قيامًا طويلًا؛ وهو دون
القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا؛ وهو دون الركوع الأول، ثم سجد، ثم انصرف)).
وحديث ابن عباس هذا الذي رواه البخاري ومسلم أصح وأقوى.
وأما حديثه الذي رواه الترمذي، وحديثه الذي رواه مسلم: فهما من طريق حبيب بن
أبي ثابت، عن طاوس، عن ابن عباس.
قال الحافظ في ((التلخيص)): قال ابن حبان في ((صحيحه)): هذا الحديث ليس بصحيح؛
لأنه من رواية حبيب بن أبي ثابت عن طاوس، ولم يسمعه حبيب من طاوس.
وقال البيهقي: حبيب - وإن كان ثقة - فإنه كان يدلس، ولم يبين سماعه فيه من طاوس.
وقد خالفه سليمان الأحول، فوقفه. انتهى ما في ((التلخيص)).
وقد ثبت أنه ﴾﴾﴾ رکع في كل ركعة ومن صلاة الكسوف رکوعین، وسجد سجدتین من
عدة أحاديث صحيحة.
قال الرافعي: واشتهرت الرواية عن فعل النبي ◌َّ في أن في كل ركعتين ركوعين. انتهى.
قال الحافظ في ((التلخيص)): كذا رواه الأئمة عن عائشة، وأسماء بنت أبي بكر،
وعبد الله بن عمرو بن العاص، وابن عباس، وجابر، وأبي موسى الأشعري، وسمرة بن
جندب. انتھی.
(١) مسلم، كتاب الكسوف. حديث (٩٠٩).
(٢) مسلم، كتاب الكسوف. حديث (٩٠٨).
(٣) البخاري، كتاب الكسوف، حديث (١٠٥٢)، ومسلم، كتاب الكسوف. حديث (٩٠٧).

١٧٤
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الكُسُوفِ
قَالَ: وَفِي الْبَابِ: عَنْ عَلِيٍّ، وَعَائِشَةَ، وَعَبْدِ الله بن عَمْرٍو، وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ،
وَالمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَأَبِي مَسْعُودٍ، وَأَبِي بَكْرَةَ، وَسَمُرَةَ، وَأَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ،
وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَسْمَاءَ بِنْت أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ، وَابْنِ عُمَرَ، وَقَبِصَةَ الهِلَالِيِّ، وَجَابِرِ بْنِ
عَبْدِ الله، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.
قوله: (وفي الباب عن علي، وعائشة، وعبد الله بن عمرو، والنعمان بن بشير،
والمغيرة بن شعبة، وأبي مسعود، وأبي بكرة، وسمرة، [وأبي موسى الأشعري]، وابن
مسعود، وأسماء بنت أبي بكر الصِّدِّيق، وابن عمر، وقبيصة الهلالي، وجابر بن عبد الله،
وعبد الرحمن بن سمرة، وأبي بن كعب) .
أما حديث علي: فأخرجه أحمد (١) ولفظه: قال: كسفت الشمس، فصلى عليٍّ للنَّاسِ،
فقرأ: ((يس)) ونحوها، ثم ركع نحوًا من قدر سورة ... الحديث. وفيه: ((حتى صلى أربع
ركوعات، ثم قال: سمع الله لمن حمده، ثم سجد، ثم قام إلى الركعة؛ ففعل كفعله في
الركعة الأولى، ثم جلس يدعو ويرغب حتى انْجَلَتِ الشمس، ثم حدثهم أن رسول الله وَيل
كذلك فعل). انتھی.
وقال مسلم في ((صحيحه)) (٢) بعد رواية حديث ابن عباس بلفظ: ((صلى رسول الله امل
حين كسفت الشمس ثمان ركعات في أربع سجدات)): وعن علي مثل ذلك: ولم يذكر مسلم
لفظه .
وأما حديث عائشة: فأخرجه الشيخان(٣)، وفي آخره: ((فاستكمل أربع ركعات في أربع
سجدات)) .
وأما حديث عبد الله بن عمرو: فأخرجه الشيخان (٤) ؛ ولفظه: ((لما كسفت الشمس على
عَهْدِ النبيِ وََّ نُودِيَ: أن الصلاة جامعة؛ فركع النبي ◌َّ ركعتين في سجدة، ثم قام فركع
ركعتين في سجدة، ثم جُلِّيَ عن الشمس)).
(١) أحمد. حديث (١٢٢٠)، وابن خزيمة. حديث (١٣٨٨).
(٢) مسلم، كتاب الكسوف. حديث (٩٠٨).
(٣) البخاري، كتاب الكسوف. حديث (١٠٤٦)، ومسلم، كتاب الكسوف. حديث (٩٠١).
(٤) البخاري، كتاب الكسوف. حديث (١٠٥١)، ومسلم، كتاب الكسوف. حديث (٩١٠).

١٧٥
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الكُسُوفِ
وأما حديث النعمان بن بشير فأخرجه أبو داود(١) وفيه: ((فجعل يصلي ركعتين)). ورواه
النسائي(٢)؛ بلفظ: ((فصلوا كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة ركعتين)).
وأخرجه أحمد والحاكم، وصححه ابن عبد البر، وأعله ابن أبي حاتم بالانقطاع؛ كذا
في ((التلخيص الحبير)).
وأما حديث المغيرة بن شعبة: فأخرجه الشيخان(٣)؛ وفيه: ((فإذا رَأَيْتُمُوهُما؛ فادْعُوا الله
تعالى وصَلُّوا حَتَّى يَنْجَلِيَ)).
وأما حديث أبي مسعود: فأخرجه مسلم (٤) .
وأما حديث أبي بكرة: فأخرجه البخاري(٥)؛ وفيه: ((فإذا رأيتموهما؛ فصلوا وادعوا
حتی ینکشف ما بکم».
ورواه ابن حبان والحاكم؛ ولفظهما: ((فإذا انكسف أحدهما؛ فافزعوا إلى المساجد)).
وفيه: «فصلی بهم ركعتين مثل صلاتكم)).
وللنسائي(٦): ((مثل ما تصلون))؛ كذا في ((التلخيص)).
وأما حديث سمرة: فأخرجه الترمذي في الباب الآتي، وأخرجه أبو داود والنسائي(٧)
أيضًا.
وأما حديث ابن مسعود: فأخرجه البزار والطبراني في ((الكبير)). قال الهيثمي في ((مجمع
الزوائد»: فيه: حبيب بن حسان؛ وهو ضعيف. ولم يذكر لفظه، بل أحال على حديث أول
الباب؛ وهو حديث أبي شريح الخزاعي قال: ((كسفت الشمس على عَهْدٍ عثمان؛ فصلى
(١) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (١١٩٣)، والنسائي، كتاب الكسوف. حديث (١٤٨٥)، والحاكم (١٢٣٥).
وينظر التمهيد (٣٠٥/٣) و ((الاستذكار)) (٤١٣/٢).
(٢) النسائي، کتاب الکسوف. حديث (١٤٨٥).
(٣) البخاري، كتاب الصلاة. حديث (١٠٤٣)، ومسلم، كتاب الكسوف. حديث (٩١٥).
(٤) مسلم، كتاب الكسوف. حديث (٩١١).
(٥) البخاري، كتاب صلاة الكسوف. حديث (١٠٤١)، وابن حبان (٢٨٣٣)، والحاكم. حديث (١٢٤٤).
(٦) النسائي في ((الكبرى))، كتاب كسوف الشمس والقمر. حديث (١٨٧٧) بنحوه.
(٧) الترمذي، كتاب الجمعة. حديث (٥٦٢)، وأبو داود، كتاب الصلاة. حديث (١١٨٤)، والنسائي، كتاب
الکسوف. حدیث (١٤٨٤).

١٧٦
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الكُسُوفِ
بالناس تلك الصلاة ركعتين، وسجد سجدتين في كل ركعة، قال: ثم انصرف عثمان فدخل
داره، وجلس عبد الله بن مسعود إلى حجرة عائشة، وجلسنا إليه. فقال: إن رسول الله وَله
كان يأمر بالصلاة عند كسوف الشمس والقمر، فإذا رأيتموه قد أصابهما فافزعوا إلى
الصلاة ... )) الحديث. رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في ((الكبير))(١) والبزار. قال
الهيثمي: ورجاله موثقون.
وأما حديث أسماء بنت أبي بكر: فأخرجه الشيخان(٢).
وأما حديث ابن عمر: فأخرجه الشيخان(٣) أيضًا.
وأما حديث قبيصة الهلالي: فأخرجه أبو داود والنسائي والحاكم (٤)، بلفظ أنه وَّ قال:
(إذا رَأَيْتُمْ ذلك فَصَلُّوهَا كَأَحْدَثِ صَلاةٍ صَلَّيْتُمُوها مِنَ المَكْتُوبَةِ».
وسكت عنه أبو داود والمنذري. ورجاله رجال الصحيح؛ كذا في ((النيل)).
وأما حديث جابر بن عبد الله: فأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود(٥) ؛ وفيه: ((فكانت أربع
ركعات، وأربع سجدات)).
وأما حديث أبي موسى: فأخرجه الشيخان(٦).
وأما حديث عبد الرحمن بن سمرة: فأخرجه مسلم (٧)؛ بلفظ: ((قال: بينما أنا أرمي
بأسهمي في حياة رسول الله ربيّة إذ انكسفت الشمس، فنبذتهن وقلت: لأنظرن ما يحدث
لرسول الله ◌َّ في انكساف الشمس اليوم. فانتهيت إليه وهو ماؤٌّ (٨) يديه يدعو، ويكبِّر ويحمد
ويهلل، حتى جُلِّي عن الشمس؛ فقرأ سورتين وركع ركعتين)).
(١) أحمد. حديث (٤٣٨٧)، وأبو يعلى. حديث (٥٣٩٤)، والطبراني في «الكبير» (٩٧٨٢)، والبزار. حديث
(١٤٤٩).
(٢) البخاري، كتاب الكسوف. حديث (١٠٥٣)، ومسلم، كتاب الكسوف. حديث (٩٠٥).
(٣) البخاري، كتاب صلاة الكسوف. حديث (١٠٤٢)، ومسلم، كتاب الكسوف. حديث (٩١٤).
(٤) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (١١٨٥)، والنسائي، كتاب الكسوف. حديث (١٤٨٦)، والحاكم (١٢٣٨)
وقال: على شرط الشيخين.
(٥) أحمد. حديث (١٤٠٠٨)، ومسلم، كتاب الكسوف. حديث (٩٠٤)، وأبو داود، كتاب الصلاة. حديث (١١٧٨).
(٦) البخاري، كتاب الصلاة. حديث (١٠٥٩، ومسلم، كتاب الكسوف. حديث (٩١٢).
(٧) مسلم، كتاب الكسوف. حديث (٩١٣).
(٨) في نسخة: ((رافع)) بدل: ((ماد)).

١٧٧
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الكُسُوفٍ
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ، أَنَّهُ صَلَّى فِي كُسُوفٍ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي
أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ .
وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.
وأما حديث أبي بن كعب: فأخرجه أبو داود(١) ؛ وفيه: ((فقرأ بسورة من الطوال، وركع
خمس ركعات، وسجد سجدتين؛ ثم قام الثانية؛ فقرأ سورة من الطول، وركع خمس
ركعات، وسجد سجدتين)).
قال المنذري: في إسناده: أبو جعفر، واسمه: عيسى بن عبد الله بن ماهان الرازي؛ وفيه
مقال.
واختلف فيه قول ابن معين، وابن المديني. انتهى.
قوله: (حديث ابن عباس حديث حسن صحيح) وقد ضعفه ابن حبان والبيهقي. وقد تقدم
کلامهما .
(وقد روي عن ابن عباس عن النبي ولي، أنه صلى في كسوف أربع ركعات في أربع
سجدات) أخرجه الشيخان. وقد تقدم لفظه.
(وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق) وهو قول الجمهور.
قال النوويُّ في ((شرح مسلم)): واختلفوا في صفتها: فالمشهور في مذهب الشافعي: أنها
ركعتان في كل ركعة قيامان وقراءتان وركوعان، وأما السجود: فسجدتان كغيرهما .
قال ابن عبد البر: وهذا أصح ما في هذا الباب، وباقي الروايات المخالفة معللة
ضعيفة، وحملوا حديث ابن سمرة: بأنه مطلق، وهذه الأحاديث تبين المراد به. انتهى.
وقال الحافظ ابن تيمية في كتاب ((التوسل والوسيلة)) (ص ٧٠) في بيان أن تصحيح مسلم
لا يبلغ مبلغ تصحيح البخاري ما لفظه: كما روى في حديث الكسوف؛ أن النبيَّ وَّهِ صلى
بثلاث ركوعات وبأربع ركوعات، كما روى أنه صلى بركوعين. والصواب: أنه لم يصلِّ إلا
بركوعين، وأنه لم يصل الكسوف إلا مرة واحدة يوم مات إبراهيم. وقد بين ذلك الشافعي؛
وهو قول البخاري، وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه. والأحاديث التي فيها الثلاث
(١) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (١١٨٢).

١٧٨
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الكُسُوفِ
قَالَ: وَاخْتَلِفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي القِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الكُسُوفِ:
فَرَأَى بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: أَنْ يُسِرَّ بِالْقِرَاءَةِ فِيهَا بِالنَّهَارِ.
وَرَأَى بَعْضُهُمْ: أَنْ يَجْهَرَ بِالقِرَاءَةِ فِيهَا، كَنَحْوِ صَلَاةِ العِيدَيْنِ وَالجُمُعَةِ.
وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاق: يَرَوْنَ الجھر فِيهَا .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجْهَرُ فِيهَا .
وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ:
صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ.
وَصَحَّ عَنْهُ: أَنَّهُ صَلَّى بِتَّ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ.
وَهَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ جَائِرٌ عَلَى قَدْرِ الْكُسُوفِ: إِنْ تَطَاوَلَ الكُسُوفُ فَصَلَّى سِتَّ
رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ فَهُوَ جَائِزٌ، وَإِن صَلَّى أَربعَ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ
وَأَطَالَ القِرَاءَةَ فَهُوَ جَائِزٌ.
وَيَرَى أَصْحَابُنَا أَنْ تُصَلَّى صَلَاةُ الْكُسُوفِ فِي جَمَاعَةٍ، فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ
وَالْقَمَرِ .
والأربع؛ فيها: أنه صلاها يوم مات إبراهيم، ومعلوم أنه لم يمت في يومي كسوف، ولا كان
إبراهيمان، ومن نقل أنه مات عاشر الشهر؛ فقد كذب. انتهى كلامه.
قوله: (فرأى بعض أهل العلم أن يسر بالقراءة فيها بالنهار، ورأى بعضهم أن يجهر
بالقراءة فيها كنحو صلاة العيدين والجمعة) ويجيء دلائل الفريقين.
(وبه يقول مالك وأحمد وإسحاق: يرون الجهر فيها) وهو الراجح عندي.
(صح أنه صلى أربع ركعات في أربع سجدات ... إلخ) هذا بيان لقوله: ((قد صح عن
النبي ◌َ﴿ كلتا الروايتين)). والمراد بالركعات: الركوعات.
(ویری أصحابنا) أي: أصحاب الحديث.
(أن تُصَلَّى صلاة الكسوف في جماعة في كسوف الشمس والقمر) أي: وإن لم يحضر
الإمام الراتب، فیؤم لهم بعضهم؛ وبه قال الجمهور.
وعن الثوري: إن لم يحضر الإمام، صلوا فرادى؛ كذا في ((فتح الباري)).

١٧٩
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الكُسُوفٍ
[٥٦١] (٥٦١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ المَلكِ بْنِ أَبِي الشَّوارِبِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ
زُرَبْعِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: خُسِفَتِ
الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وَبِّهِ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِالنَّاسِ فَأَطَالَ الْقِرَاءَةَ، ثُمَّ
رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَأَطَالَ الْقِرَاءَةَ، وَهِيَ دُونَ الأُولَى، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ
الرُّكُوعَ، وَهُوَ دُونَ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَسَجَدَ، ثُمَّ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ.
[خ: ١٠٤٤، م: ٩٠١، ن: ١٤٧٣، د: ١١٨٠، جه: ١٢٦٣، حم: ٢٧٠٦، طا: ٤٤٤، مي: ١٥٢٧].
قلت: وقال الحنفية أيضًا بأنه إن لم يحضر إمام الجمعة؛ صلوا فرادى. وقالوا: لا
جماعة في صلاة خسوف القمر؛ ففي ((شرح الوقاية)): عند الكسوف يصلي إمام الجمعة
بالناس ركعتين، وإن لم يحضر - أي: إمام الجمعة - صلوا فرادى؛ كالخسوف. انتهى
مختصرًا .
والقول الراجح الظاهر: هو ما قال به الجمهور؛ فإنه قد روى الشيخان(١) من حديث
عائشة؛ أن رسول الله ﴿ ﴿ه قال: ((إِنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ آيَتَانِ من آيَاتِ الله لا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ
وَلا لِحَيَاتِهِ، فإذا رَأَيْتُمْ ذلك فصَلُّوا)).
وفي لفظ: ((فافْزَعُوا إلى الصَّلاةِ)).
وكذلك روياه من حديث ابن عمر، ومن حديث أبي مسعود الأنصاري. ومعلوم: أن
صلاته وَّة في كسوف الشمس كانت بالجماعة؛ فالظاهر أن تكون الصلاة في خسوف القمر
أيضًا بالجماعة.
وأما إذا لم يحضر الإمام الراتب: فيؤم لهم بعضهم.
وأما تعليلهم: بأن في الجمع بدون حضور الإمام المأذون له احتمال الفتنة؛ ففيه: أنهم
إذا اتفقوا على أحد يؤمهم، وتراضوا به لا يكون احتمال الفتنة.
[٥٦١] قوله: (ثم رفع رأسه فسجد) وفي رواية للبخاري (٢): ((ثم سَجَدَ سُجُودًا طَوِيلًا)).
ووقع عند مسلم (٣) من حديث جابر؛ بلفظ: ((ثم رفع فأَطَالَ، ثم سجد)). ففيه: تطويل الرفع
(١) البخاري، كتاب الكسوف. حديث (١٠٤٤)، ومسلم، كتاب الكسوف. حديث (٩٠١).
(٢) البخاري، كتاب الكسوف. حديث (١٠٤٧).
(٣) مسلم، كتاب الكسوف. حديث (٩٠٤).

١٨٠
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الكُسُوفِ
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَبِهَذَا الحَدِيثِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ: يَرَوْنَ صَلَاةَ الكُسُوفِ أَرْبَعَ
رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ.
الذي يتعقبه السجود. ولكن قال النووي: هي رواية شاذة مخالفة؛ فلا يعمل بها؛ أو المراد:
زيادة الطمأنينة في الاعتدال، لا إطالته نحو الركوع.
قال الحافظ في ((الفتح)) ما لفظه: وتعقب بما رواه النسائي وابن خزيمة(١) ، وغيرهما من
حديث عبد الله بن عمرو أيضًا؛ ففيه: ((ثم ركع؛ فأطال حتى قيل: لا يرفع، ثم رفع؛ فأطال
حتى قيل: لا يسجد، ثم سجد؛ فأطال حتى قيل: لا يرفع، ثم رفع فجلس؛ فأطال الجلوس
حتى قيل: لا يسجد، ثم سجد)). لفظ ابن خزيمة من طريق الثوري، عن عطاء بن السائب،
عن أبيه، عنه. والثوري سمع من عطاء قبل الاختلاط، فالحديث صحيح، ولم أقف في شيء
من الطرق على تطويل الجلوس بين السجدتين إلا في هذا.
وقد نقل الغزالي الاتفاق على ترك إطالته، فإن أراد الاتفاق المذهبي؛ فلا كلام، وإلا
فهو محجوج بهذه الرواية. انتهى كلام الحافظ.
قوله: (وهذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان.
قوله: (وبهذا الحديث يقول الشافعي وأحمد وإسحاق؛ يرون صلاة الكسوف أربع
ركعات في أربع سجدات) المراد بالركعات: الركوعات؛ أي: يرون في كل ركعة ركوعين
وسجدتين؛ وهو القول الراجح المعوَّل عليه.
وقال الحنفية: إن في كل ركعة ركوعًا واحدًا كسائر الصلوات الثنائية، واستدلوا على
ذلك: بحديث أبي بكرة الذي أشار إليه الترمذي وقد ذكرنا لفظه؛ ففي رواية البخاري(٢):
((فصلی بنا ركعتين))، وفي رواية ابن حبان والحاكم: ((فصلى بهم ركعتين مثل صلاتكم))،
وللنسائي(٣): ((مثل ما تصلون)).
وحمله ابن حبان والبيهقي على أن المعنى: كما تصلون في الكسوف؛ لأن أبا بكرة
(١) النسائي، كتاب الكسوف. حديث (١٤٨٢)، وابن خزيمة. حديث (١٣٩٣).
(٢) البخاري، كتاب الكسوف. حديث (١٠٦٢).
(٣) ابن حبان. حديث (٢٨٣٤)، والحاكم. حديث (١٢٤٤)، والنسائي، كتاب الكسوف. حديث (١٤٩٢).