Indexed OCR Text

Pages 581-600

٥٨١
أبواب الوتر / بَابُ مَا جَاءَ فِي الْوِتْرِ بِرَكْمَةٍ
[خ بنحوه: ٤٧٢، م بنحوه: ٧٤٩، ن بنحوه: ١٦٦٦، د بنحوه: ١٣٢٦، جه:
أُذُنِهِ. يَعْنِي : يُخَفِّفُ.
١١٧٤، حم بنحوه: ٤٥٥٧].
قَالَ: وَفِي الْبَابِ: عَنْ عَائِشَةَ، وَجَابِرٍ، وَالْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي أَيُّوبَ، وَابْنِ
عَبَّاسِ.
أذنه» وفي رواية البخاري: وكأن الأذان بأذنيه. قال حماد: أي: بسرعة، قال الحافظ في
((الفتح)): قوله: ((بأذنيه)): أي: لقرب صلاته من الأذان. والمراد به هَاهُنا: الإقامة،
فالمعنى: أنه كان يسرع بركعتي الفجر إسراع مَنْ يسمع إقامة الصلاة، خشية فوات أول
الوقت، ومقتضى ذلك تخفيف القراءة فيهما؛ فيحصل به الجواب عن سؤال أنس بن سيرين
عن قدر القراءة فيهما. قال: وقوله: ((بسرعة)) هو تفسير من الراوي، لقوله: ((كأن الأذان
بأذنيه)). انتهى. وقال النووي: قال القاضي: المراد بالأذان هنا: الإقامة، وهو أشار إلى
شدة تخفيفها بالنسبة إلى باقي صلاته وإقلي
قوله: (وفي الباب عن عائشة، وجابر، والفضل بن عباس، وأبي أيوب، وابن عباسٍٍ)
أما حديث عائشة: فأخرجه الشيخان (١) عنها قالت: ((كَانَ النَّبِيُّ ◌َلِ يُصَلِّي فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَفْرُغَ
من صَلاةِ الْعِشَاءِ إلَى الْفَجْرِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُسَلِّمُ من كُلِّ رَكْعَتَيْنٍ، وَيُؤْثِرُ بِوَاحِدَةٍ ... )»:
الحدیث.
وأما حديث جابر (٢) فأخرجه محمد بن نصر في ((قيام الليل)): بلفظ: ((صَلَّى رَسُولُ الله
وَ﴿ مَثْنَى مَثْنِى، وَأَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ).
وأما حديث الفضل بن عباس (٣) فأخرجه أيضًا محمد بن نصرٍ في ((قيام الليل))، وفيه:
(فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى صَلَّى عَشْرَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى سَجْدَةً
فَأَوْتَرَ بِهَا، وَنَادَى الْمُنَادِي عِنْدَ ذَلِكَ)): قال محمد بن نصر: فجعل هذه الرواية عن الفضل بن
عباس، والناس إنما رووا هذا الحديث، عن عبد الله بن عباس، وهو المحفوظ عندنا .
انتھی.
(١) البخاري، كتاب الأذان. حديث (٦٢٦)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها. حديث (٧٣٦).
(٢) ابن خزيمة. حديث (١٠٧٥).
(٣) جزء ((صلاة الوتر)) لمحمد بن نصر حديث (٣٢)، وأبو داود، كتاب الصلاة. حديث (١٣٥٥).

٥٨٢
أبواب الوتر / بَابُ مَا جَاءَ فِي الْوِثْرِ بِرَكْمَةٍ
قَالَ أَبُو عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعضٍ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ بَّهِ وَالتَّابِعِينَ:
رَأَوْا أَنْ يَفْصِلَ الرَّجُلُ بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ وَالثَّالِثَةِ، يُوتِرُ بِرَكْعَةٍ.
وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.
وأما حديث أبي أيوب: فأخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (١) عنه مرفوعًا: ((الْوِتْرُ
حَقُّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلاثٍ فَلْيَفْعَلْ،
وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ))، وقد تقدم أن: وقفه هو صواب.
وأما حديث ابن عباس (٢) فأخرجه محمد بن نصر بإسناده، عن أبي مجلز: ((سَأَلْتُ ابْنَ
عَبَّاسٍ عَنِ الْوِثْرِ، فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: الْوِتْرُ رَكْعَةٌ من آخِرِ اللَّيْلِ)».
قوله: (حديث ابن عمر حديث حسن صحيح) فأخرجه الشيخان.
قوله: (والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي وَليه والتابعين: رأوا أن
يفصل الرجل بين الركعتين والثالثة، يوتر بركعة، وبه يقول مالك، والشافعي، وأحمد،
وإسحاق) واستدلوا بأحاديث الباب، وبحديث القاسم بن محمد عن عائشة ((أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهـ
أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ)): رواه الدارقطني (٣)، وإسناده صحيح. وبحديث عبد الله بن عمر قال: ((قال
رسول الله (ص: يفصل بين الوتر والشفع بتسليمة ويسمعناها)). قال الحافظ في ((التلخيص))
بعد ذكره: رواه أحمد، وابن حبان، وابن السكن في ((صحيحيهما))، والطبراني (٤)، من
حديث إبراهيم الصائغ، عن نافع، عن ابن عمر، وقواه أحمد. انتهى.
قال محمد بن نصر بعد رواية حديث ابن عمر ظا ه بلفظ: ((إنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ وَّهِ عَنْ
صَلاةِ اللَّيْلِ. فَقَالَ: صَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ
لَهُ مَا قَدْ صَلَّى)»: مَا لَفْظَهُ: فالذي نختاره لمن صلى بالليل في رمضان، وغيره أن يسلم بين
كل ركعتين، حتى إذا أراد أن يوتر، صلى ثلاث ركعات يقرأ في الركعة الأولى بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَـ
(١) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (١٤٢٢)، والنسائي، كتاب قيام الليل وتطوع النهار. حديث (١٧١٠،
١٧١٣)، وابن ماجه (١١٩٠).
(٢) ابن خزيمة. حديث (١٠٩٣).
(٣) الدارقطني (٣٣/٢). حديث (١٤).
(٤) أحمد (٥٤٦١)، وابن حبان (٢٤٣٥)، والطبراني في ((الأوسط)) (٧٥٣).

٥٨٣
أبواب الوتر / بَابُ مَا جَاءَ فِي الْوِتْرِ بِرَكْمَةٍ
رَبِّكَ اُلْأَعْلَى﴾، وفي الثانية بـ ﴿قُلْ بَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾، ويتشهد في الثانية، ويسلم، ثم يقوم،
فيصلي ركعة يقرأ فيها بفاتحة الكتاب و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين، وقد روي عن النبي
وَل* أنه أوتر بسبع، لم يجلس إلا في السادسة، والسابعة، ولم يسلم إلا في آخرهن. وقد
روي عنه أنه أوتر بتسع، لم يجلس إلا في الثامنة، والتاسعة. وكل ذلك جائز أن يعلم به
اقتداء به ◌ّ، غير أن الاختيار ما ذكرنا؛ لأن النبي ◌ّليه لما سئل عن صلاة الليل، أجاب:
أن صلاة الليل مثنى مثنى؛ فاخترنا ما هو إخبار لأمته، وأجزنا فعل من اقتدى به؛ ففعل مثل
فعله، إذ لم يرو عنه نهي عن ذلك؛ بل قد روي عنه أنه قال: ((مَنْ شَاءَ فَلْيُوتِرْ بِخَمْسٍ، وَمَنْ
شَاءَ فَلْيُؤْتِرْ بِثَلاثٍ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْتِرْ بِوَاحِدَةٍ)، غير أن الأخبار التي رويت عنه أنه أوتر بواحدة
هي أثبت، وأصح، وأكثر عند أهل العلم بالأخبار. وقد روينا عن جماعة من السلف من
أصحاب النبي ◌ّل﴿ ومن بعدهم: أوتروا بركعة. ثم ذكر محمد بن نصر الأخبار المروية عن
السلف في الوتر بركعة؛ فنحن نذكر هَاهُنا بَعْضًا منها من كتابه ((قيام الليل))، وغيره.
روى البخاري في ((صحيحه)(١) عن ابن أبي مليكة قال: أوتر معاوية بعد العشاء بركعة،
وعنده مولى لابن عباس، فأتى ابن عباس؛ فقال: دعه، فإنه قد صحب رسول الله ◌َّة.
وروى الطحاوي، والدارقطنيٌ(٢) بإسناد حسن، عن عبد الرحمن التيمي قال: ((قُلْتُ: لا
يَغْلِبُنِي اللَّيْلَةَ عَلَى المَقَامِ أَحَدٌ، فَقُمْتُ أُصَلِّي، فَوَجَدْتُ حِسَّ رَجُلٍ من خَلْفِ ظَهْرِي، فَإِذَا
عُثْمَانُ بْنُ عَقَّانَ فَتَتَخَيْتُ لَهُ، فَتَقَدَّمَ، فَاسْتَفْتَحَ الْقُرْآنَ حَتَّى خَتَمَ، ثُمَّ رَكَعَ، وَسَجَدَ، فَقُلْتُ:
أوهِمَ الشَّيْخُ، فَلَمَّا صَلَّى قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّمَا صَلَّيْتَ رَكْعَةً وَاحِدَةً، فَقَالَ: أَجَلْ هِيَ
وِتْرِي).
وروى الطحاوي١٣ّ) بإسناد حسن، عن عبد الله بن سلمة قال: ((أَمَّنا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍٍ
فِي صَلاةِ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ تَنَخَّى فِي نَاحِيَةِ المَسْجِدِ، فَصَلَّى رَكْعَةٌ، فَأَتْبَعْتُهُ
فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ! مَا هَذِهِ الرَّكْعَة؟ فَقَالَ: وِتْرٌ أَنَامُ عَلَيْهِ».
وفي كتاب ((قيام الليل)): عن المطلب بن عبد الله المخزومي(٤) قال: ((أَتَى عَبْدَ الله بْنَ
البخاري، كتاب المناقب. حديث (٣٧٦٤).
(١)
:
الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٦١٩)، والدار قطني (٣٤/٢) (١٥).
(٢)
(٣)
الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٦٢٢).
(٤) أخرجه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٥٤٥).

٥٨٤
أبواب الوتر / بَابُ مَا جَاءَ فِيمَا يُقْرَأُ بِهِ فِي الْوِثْرِ
٣٤٠- بَابُ مَا جَاءَ فِيمَا يُقْرَأَ بِهِ فى الْوِتْرِ [ت٢٢٣، م٩]
[٤٦٢] (٤٦٢) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَخْبَرَنَا شَرِيكُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ
سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيَُُّّ يَقْرَأْ فِي الْوِتْرِ بـ ﴿سَيِّحِ اسْمَ رَيِّكَ
اُلْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] وَ﴿قُلْ يَتَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] وَ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:
١] فِي رَكْعَةٍ رَكْعَةٍ. آن: ١٧٠١، جه: ١١٧٢، حم: ٢٧١٥، مي: ١٥٨٦].
عُمَرَ رَجُلٌ فَقَالَ: كَيْفَ أُوتِرُ؟ قَالَ: أَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ؟ قَالَ: إِنِّي أَخْشَى أَنْ يَقُولَ النَّاسُ: إنَّها
الْبُبَيْرَاءُ. قال: أَسُنَّةَ الله وَسُنَّةَ رَسُولِهِ تُرِيدُ؟ هَذِهِ سُنَّةُ الله، وَسُنَّةُ رَسُولِهِ)).
وعن حنش الصنعاني قال: ((كَانَ أُبَيُّ بْنُ کَعْبٍ حِينَ أَمَرَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْ يَقُومَ
بِالنَّاسِ يُسَلِّمُ فِي اثْنَتَيْنِ مِنَ الْوِتْرِ، ثُمَّ قَرَأَ بَعْدَهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَسَلَّم فِي ثَلاثٍ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ
عُمَرَ: لِمَ سَلَّمْتَ فِي ثَلاَثٍ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ لِئَلَّا يَنْصَرِفَ النَّاسُ فَلا يُؤْتِرُونَ)).
وعن نافع سمعت معاذًا القارئ يسلم بين الشفع والوتر، وهو يؤم الناس في رمضان
بـ((المدينة)): على عهد عمر بن الخطاب.
وعنه: كنا نقوم في مسجد الرسول ◌َ ﴿ يؤمنا معاذ؛ فكان يسلم رافعًا صوته، ثم يقوم،
فيوتر بواحدة، وكان يصلي معه رجال من أصحاب رسول الل ◌ّة، لم أر أحدًا يعيب ذلك
عليه .
وعن السائب بن يزيد: أن عثمان بن عفان قرأ القرآن في ركعة أوتر بها .
وعن مالك بن دينار عن مولى لعلي بن أبي طالب: أن علي بن أبي طالب أوتر بركعة.
وعن شرحبيل: أنه رأى سعدًا دخل المسجد، فصلى ركعة أوتر بها، ثم خرج.
وعن أبي عبيد الله: رأيت أبا الدرداء، وفضالة بن عبيد، ومعاذ بن جبل يوتر كل واحد
منهم بركعة.
وذكر محمد بن نصر في هذا الباب آثارًا أخرى؛ من شاء الوقوف عليها؛ فليرجع إليه.
٣٤٠- باب مَا جَاءَ فِيمَا يُقْرَأُ بِهِ في الْوِتْرِ
[٤٦٢] قوله: (عن ابن عباس قال: كان رسول الله وَي يقرأ في الوتر ... إلخ) الحديث
رواه أبو داود، وابن ماجه أيضًا.
قوله: (في ركعة ركعة) قال العراقي: انفرد المصنف - يعني: الترمذي - بهذه الزيادة

٥٨٥
أبواب الوتر / بَابُ مَا جَاءَ فِيمَا يُقْرَأُ بِهِ فِي الْوِثْرِ
قَالَ: وَفِي الْبَابِ: عَنْ عَلِيٍّ، وَعَائِشَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبزَى، عَنْ أُبَيِّ بْنِ
كَعْبٍ، وَيُرْوَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِ
قَالَ أَبُو عِيْسَى: قَالَ: رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ أَنَّهُ قَرَأَ فِي الْوِتْرِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ
بِالمعوِّذتينِ، وَقُلْ هُوَ الله أَحَدٌ.
وَالَّذِي اخْتَارَهُ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ بِوَمَنْ بَعْدَهُمْ: أَنْ يَقْرَأَ
ب﴿َسَيِّجِ اسْمَ رَبِّكَ اُلْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] وَ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] وَ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ
أَحَدُّ﴾ [الإخلاص: ١] يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْ ذَلِكَ بِسُورَةٍ.
عن النسائي، وابن ماجه، ومعناها: أنه يقرأ بكل سورة من السور الثلاث في ركعة؛ كذا في
((قوت المغتذي)).
قوله: (وفي الباب عن علي) أخرجه الترمذي (١) في باب: ((ما جاء في الوتر بثلاث)).
و (عائشة) أخرجه الترمذي (٢) في هذا الباب. (وعبد الرحمن بن أبزى، عن أبي بن كعب،
عن النبي (وَ﴿) أخرجه أحمد، وأبو داود (٣) قال: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهُيُوتِرُ بـ (سَيِّحِ اسْمَ رَيِّكَ
اَلْأَعْلَى﴾، و﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُ﴾)).
قوله: (وقد روي عن النبي وَ ﴿ أنه قرأ في الوتر في الركعة الثالثة بالمعوذتين، و﴿قُلْ هُوَ
اللهُ أَحَدُّ﴾) رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، ورواه الترمذي في هذا الباب، ورواه
الدارقطني، والطحاوي، والحاكم (٤٤ عن عمرة عن عائشة بلفظ: ((إنَّ رَسُولَ الله ◌ِ إِكَانَ
يُؤْتِرُ بِثَلاثٍ: يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى بِـ ﴿سَيِّحِ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَ﴾، وفي الثانية ﴿قُلْ يَأَيُها
اَلْكَفِرُونَ﴾، وفي الثالثة ﴿قُلّ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ
النَّاسِ﴾».
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. (والذي اختاره
أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﴿ ﴿﴿ ومن بعدهم أن يقرأ ب﴿سَيِّحِ أَسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَى﴾ و﴿قُلّ
يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ يقرأ في كل ركعة من ذلك بسورة) وبه قال الحنفية.
(١) الترمذي، كتاب الصلاة. حديث (٤٦٠).
(٢) الترمذي، كتاب الصلاة. حديث (٤٦٣).
(٣) أحمد (١٥٣٥٤)، وأبو داود، كتاب الصلاة. حديث (١٤٢٣).
(٤) الدارقطني (٣٥/٢). حديث (١٨)، والطحاوي في ((معاني الآثار)) (١٥٦٨)، والحاكم. حديث (١١٤٤)
وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.

٥٨٦
أبواب الوتر / بَابُ مَا جَاءَ فِيمَا يُقْرَأُ بِهِ فِي الْمِثْرِ
[٤٦٣] (٤٦٣) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَبِيبٍ بْنِ الشَّهِيدِ الْبَصْرِيِّ، حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْحرَّانِيُّ، عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جُرَيج، قَالَ: سَأَلْنَا
عَائِشَةَ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ يُوتِرُ رَسُولُ اللهِ وَلِ﴾ قَالَتْ: كَانَ يَقْرَأُ فِي الأَولَى بـ﴿سَيِّجِ أَسْمَ
رَبِّكَ اُلْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] وَفِي الثَّانِيَةِ بـ ﴿قُلٌ يَتَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] وَفِي الثَّالِئَةِ
ب﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ [الإخلاص: ١] والمعوِّذَتينِ. [جه: ١١٧٣، حم: ٢٥٣٧٨]
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
قال ابن الهمام: وذلك؛ لأن أبا حنيفة روى في ((مسنده)): عن حماد، عن إبراهيم، عن
عائشة قالت: ((كَانَ رَسُولُ الله ◌ِلَهُيُوتِرُ بِثَلاثٍ، يَقْرَأُ فِي الأُولَى: ﴿سَيِّجِ اسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَى﴾، وفي
الثانية: ﴿قُلّ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾، وفي الثالثة: ﴿قُلّ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ﴾)). انتهى.
قلت: وإنما اختاره أكثر أهل العلم؛ لأن حديث ابن عباس، وأبي بن كعب بإسقاط
المعوذتين أصح.
وقال ابن الجوزي: أنكر أحمد، ويحيى بن معين زيادة المعوذتين؛ كذا في ((التلخيص)).
[٤٦٣] قوله: (حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد البصري) الشهيدي، ثقة،
من العاشرة (أخبرنا محمد بن سلمة الحراني) ثقة. (عن خصيف) بالصاد المهملة مصغرًا،
هو: ابن عبد الرحمن الجزري أبو عون، صدوق سيئ الحفظ، خلط بآخره، رمي بالإرجاء؛
كذا في ((التقريب)). وقال في ((الخلاصة)): ضعفه أحمد، ووثقه ابن معين، وأبو زرعة. وقال
ابن عدي. إذا حدث عنه ثقة؛ فلا بأس به. (عن عبد العزيز بن جريج) المكي، مولى قريش،
لين. قال العجلي: لم يسمع من عائشة، وأخطأ خصيف؛ فصرح بسماعه، من الرابعة؛ كذا
في ((التقريب)). وقال في ((الخلاصة)): لا يتابع في حديثه. انتهى.
قوله: (وهذا حديث حسن غريب) في كونه حسنًا نظر؛ فإن عبد العزيز بن جريج لم
يسمع من عائشة؛ كما عرفت. وأيضًا فيه خصيف، وهو قد خلط بآخره، ولا يدري أن
محمد بن سلمة رواه عنه قبل الاختلاط، أو بعده؟ والله تعالى أعلم.
نعم يعتضد برواية عمرة، عن عائشة التي أشار إليها الترمذي. قال الحافظ في
((التلخيص)): بعد ذكر هذا الحديث: فيه خصيف؛ وفيه لين. انتهى.

٥٨٧
أبواب الوتر / بَابُ مَا جَاءَ فِي الْقُنُوتِ فِي الْوِثْرِ
قَالَ: وَعَبْدُ الْعَزِيزِ هَذَا: هُوَ وَالِدُ ابْنِ جُرَيْجٍ صَاحِبٍ عَطَاءٍ. وَابْنُ جُرَيْجِ اسْمُهُ:
عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جُرَيْجٍ.
وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ
النَّبِيِّ ◌َِّ .
٣٤١ - بَابُ مَا جَاءَ في الْقُنُوتِ في الْوِتْرِ [ت٢٢٤، م١٠]
[٤٦٤] (٤٦٤) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ
أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ أَبِي الْحَوْرَاءِ السَّعْدِيِّ، قَالَ: قَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ﴿يَا: عَلَّمَنِي
رَسُولُ اللهَِّهِ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي الْوِتْرِ: ((اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ،
قوله: (وعبد العزيز هذا) الذي وقع في إسناد حديث عائشة المذكور (والد ابن جريج)
ابن جريج هذا هو: الفقيه المشهور، المكي، المتوفى سنة ١٥٠ خمسين ومائة (صاحب
عطاء) قال ابن جريج: لزمت عطاء سبع عشرة سنة، وعطاء هذا هو: ابن أبي رباح (واسمه:
عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج) فهو: منسوب إلى جده: جريج.
قوله: (وقد روى هذا الحديث يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمرة، عن عائشة) رواه
الدارقطني، والطحاوي، والحاكم(١)، وقد ذكرنا لفظه. قال الحافظ في ((التلخيص)): ورواه
الدارقطني، وابن حبان، والحاكم من حديث يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة وتفرد به
يحيى بن أيوب عنه، وفيه: مقال، ولكنه صدوق. وقال العقيلي: إسناده صالح. انتهى.
٣٤١ - باب مَا جَاءَ فيِ القُنُوتِ في الْوِتْرِ
[٤٦٤] قوله: (عن بريد) بضم الموحدة، وفتح الراء مصغرًا (بن أبي مريم) السلولي،
البصري، ثقة، مات سنة ١٤٤ أربع وأربعين ومائة (عن أبي الحوراء) بفتح المهملتين، اسمه:
ربيعة بن شيبان السعدي، البصري، ثقة.
قوله: (اللهم اهدني) أي: ثبتني على الهداية أو: زدني من أسباب الهداية (فيمن هديت)
أي: في جملة من هديتهم، أو هديته من الأنبياء، والأولياء؛ كما قال سليمان (وأدخلني
(١) الدارقطني (٣٤/٢). حديث (١٧)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٥٦٧)، والحاكم. حديث
(١١٤٣)، وأخرجه ابن حبان (٢٤٣٢).

٥٨٨
أبواب الوتر / بَابُ مَا جَاءَ فِي الْقُنُوتِ فِي الْوِتْرِ
وَعَافِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا
قَضَيْتَ، فَإِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُفْضَى عَلَيْكَ، وَإِنَّهُ لَا يذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا
وَتَعَالَيْتَ)). [ن: ١٧٤٥، د: ١٤٢٥، جه: ١١٧٨، حم: ١٧٢٠، مي: ١٥٩٣].
قَالَ: وَفِي الْبَابِ: عَنْ عَلِيٍّ.
برحمتك في عبادك الصالحين) ، وقال ابن الملك: أي: اجعلني فيمن هديتهم إلى الصراط
المستقيم. وقيل: ((في)) فيه وفيما بعده؛ بمعنى: ((مع)): قال تعالى: ﴿فَأُوْلَكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ
عَلَيْهِم﴾ [النساء: ٦٩] (وعافني فيمن عافيت) قال ابن الملك: من المعافاة التي هي دفع السوء
(وتولني فيمن توليت) أمر مخاطب من: تولى، إذا أحب عبدًا، وقام بحفظه، وحفظ أمره
(وبارك) أي: أكثر الخير لي؛ أي: لمنفعتي (فيما أعطيت) أي: فيما أعطيتني من العمر،
والمال، والعلوم، والأعمال (وقني) أي: احفظني (شر ما قضيت) ما قدرت لي (فإنك
تقضي) أي: تقدر، أو تحكم بكل ما أردت (ولا يقضى عليك) فإنه لا معقب لحكمك (وإنه)
أي: الشأن (لا يذل) بفتح، فكسر؛ أي: لا يصير ذليلًا (من واليت) الموالاة: ضد المعاداة.
قال ابن حجر: أي: لا يذل مَنْ واليت من عبادك في الآخرة، أو مطلقًا؛ وإن ابتلي بما ابتلي
به، وسلط عليه من أهانه، وأذله باعتبار الظاهر؛ لأن ذلك غاية الرفعة والعزة عند الله، وعند
أوليائه، ولا عبرة إلا بهم، ومن ثم وقع للأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الامتحانات
العجيبة ما هو مشهور.
وزاد البيهقي، وكذا الطبراني(١) من عدة طرق: (وَلا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ) أي: لا يعز في
الآخرة، أو مطلقًا، وإن أعطي من نعيم الدنيا، وملكها ما أعطي؛ لكونه لم يمتثل أوامرك،
ولم يجتنب نواهيك. (تباركت) أي: تكاثر خيرك في الدارين. (ربنا) بالنصب؛ أي: يا ربنا.
(وتعاليت) أي: ارتفعت عظمتك، وظهر قهرك وقدرتك على من في الكونين.
وقال ابن الملك: أي: ارتفعت عن مشابهة كل شيء. وقال الحافظ في ((بلوغ المرام)):
زاد النسائي في آخره: ((وَصلَّى الله عَلَى النَّبِيِّ)).
قوله: (وفي الباب عن علي) أخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (٢)
البيهقي في ((الكبرى)). حديث (٢٩٥٧)، والطبراني في ((الكبير)). حديث (٢٧٠١).
(١)
(٢)
أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (١٤٢٧)، والترمذي، كتاب الدعوات عن رسول الله. حديث (٣٥٦٦)،
والنسائي، كتاب قيام الليل وتطوع النهار. حديث (١٧٤٧)، وابن ماجه، إقامة الصلاة والسنة فيها. حديث
(١١٧٩).

٥٨٩
أبواب الوتر / بَابُ مَا جَاءَ فِي الْقُنُوتِ فِي الْوِثْرِ
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، مِنْ حَدِيثٍ
أَبِي الْحَوْرَاءِ السَّعْدِيِّ، وَاسْمُهُ: رَبِيعَةُ بْنُ شَيْبَانَ.
وَلَا نَعْرِفُ عَنِ النَّبِيِّنَّهِ فِي القُنُوتِ فِي الْوِتْرِ شَيْئاً أَحْسَنَ مِنْ هَذَا.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْقُنُوتِ فِي الْوِتْرِ:
فَرَأَى عَبْدُ الله بْنُ مَسْعُودِ الْقُنُوتَ فِي الْوِتْرِ فِي السَّنَةِ كُلِّهَا، وَاخْتَارَ الْقُنُوتَ قَبْلَ
الرُّكُوعِ. وَهُوَ قَوْلُ بَعْضٍ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ المُبَارَكِ،
وَإِسْحَاقُ، وَأَهْلُ الكُوفَةِ.
قال: ((إنَّ النَّبِيِّ وَّهِ يَقُولُ فِي آخِرٍ وِتْرِهِ: اللهم إنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ من سَخَطِكَ ... الحديث)).
قوله: (هذا حديث حسن، لا نعرفه إلا من هذا الوجه؛ من حديث أبي الحوراء
السعدي) ، وأخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي.
قوله: (واختلف أهل العلم في القنوات في الوتر) هل يقنت في الوتر في السَّنة كلها، أم
في النصف الآخر من رمضان فقط؟ وهل يقنت قبل الركوع، أم بعده؟ (فرأى عبد الله بن
مسعود القنوت في الوتر في السنة كلها، واختار القنوت قبل الركوع) روى محمد بن الحسن
في كتاب ((الآثار)): عن إبراهيم أن ابن مسعود ظه كان يقنت السنة كلها في الوتر قبل
الركوع، وسنده منقطع. وروى ابن أبي شيبة (١) ، عن علقمة: أن ابن مسعود، وأصحاب النبي
** كانوا يقنتون في الوتر قبل الركوع.
قال ابن التركماني في ((الجوهر النقي)): هذا سند صحيح على شرط مسلم. وقال الحافظ
في ((الدراية)): إسناده حسن (وهو قول بعض أهل العلم، وبه يقول سفيان الثوري، وابن
المبارك، وإسحاق، وأهل الكوفة) وهو قول الحنفية، واستدلوا بحديث أبي بن كعب: ((أَنَّ
رَسُولَ اللهِنَِّ كَانَ يُوتِرُ فَيَقْنُتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ))، رواه ابن ماجه، والنسائي(٢) ، وبما روى
البخاري في (صحيحه))(٣) في ((المغازي)): عَن عبد العزيز قال: ((سَأَلَ رَجُلٌ أَنَسَاحَظُهُ عَنِ
(١) ابن أبي شيبة (٦٩١١).
(٢) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها. حديث (١١٨٢)، والنسائي كتاب قيام الليل وتطوع النهار. حديث
(١٦٩٩).
(٣) البخاري، كتاب المغازي. حديث (٤٠٨٨).

٥٩٠
أبواب الوتر / بَابُ مَا جَاءَ فِي الْقُنُوتِ فِي الْوِتْرِ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ؛ أَنَّهُ كَانَ لَا يَقْنُتُ إِلَّ فِي النِّصْفِ الآخِرِ مِنْ
رَمَضَانَ، وَكَانَ يَقْنُتُ بَعْدَ الرُّكُوعِ.
الْقُنُوتِ بَعْدَ الرُكُوعِ، أَوْ عِنْدَ فَرَاغ مِنَ الْقِرَاءَةِ؟ قَالَ: بَلْ عِنْدَ فَرَاغْ مِنَ الْقِراءَةِ». وبما روى
البخاري ومسلم ١) عن عاصم قال: ((سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ ظُهُ عَّنِ الْقُنُوتِ فَقَالَ: قَدْ كَانَ
الْقُنُوتُ. قُلْتُ: قَبْلَ الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَهُ؟ قَالَ: قَبْلَهُ. قَالَ: فَإِنَّ فُلانًا أَخْبَرَنِي عَنْكَ أَنَّكَ قُلْتَ بَعْدَ
الرُّكُوعِ. فَقَالَ: كَذَبَ إِنَّمَاَ قَنَتَ رَسُولُ اللهِنَّهِ بَعْدَ الرُّكُوعِ شَهْرًا؛ أَرَاهُ كَانَ بَعَثَ قَوْمًا يُقَالُ
لَهُمُ: الْقُرَّاءُ زُهَاء سَبْعِينَ رَجُلًا إلَى قَوْمٍ مُشْرِكِينَ دُونَ أُولَئِكَ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللهِوَّ
عَهْدٌ، فَقَنَتَ رَسُولُ الله ◌َّهِ شَهْرًا يَدْعُو عَلَيْهِمْ)).
قلت: قد جاء عن أنس روايات مختلفة في هذا الباب.
(وقد روي عن علي بن أبي طالب: أنه كان لا يقنت إلا في النصف الآخر من رمضان،
وكان يقنت بعد الركوع) روى محمد بن نصر في ((قيام الليل)): عن علي أنه كان يقنت في
النصف الآخر من رمضان، وروى أيضًا فيه أن عليًّا كان يقنت في الوتر بعد الركوع. وقد
عقد بابًا بلفظ: ((باب: ترك القنوت في الوِتْرِ إلا في النصف الآخر من رمضان))، وذكر فيه
آثارًا عديدة؛ فروى أثر معاذ بن الحارث الأنصاري: إذا انتصف رمضان لعن الكفرة. وكان
ابن عمر لا يقنت في الصبح، ولا في الوتر إلا في النصف الآخر من رمضان.
وعن الحسن: كانوا يقنتون في النصف الآخر من رمضان. وكان الحسن، ومحمد،
وقتادة يقولون: القنوت في النصف الآخر من رمضان. وعن عمران بن حدير: أمرني أبو مجلز
أن أقنت في النصف الباقي من رمضان. قال: إذا رفعت رأسك من الركوع؛ فاقنت.
وعن ابن شهاب: كانوا يلعنون الكفرة في النصف. وفي رواية: ((لا قُنُوتَ فِي السَّنَةِ كُلِّهَا
إلَّا فِي النِّصْفِ الآخِرِ من رَمَضَانَ)). وروى فيه عن الحسن، عن أبي بن كعب: ((أَمَّ النَّاسَ فِي
رَمَضَانَ؛ فَكَانَ لا يَقْنُتُ فِي النِّصْفِ الأَوَّلِ، وَيَقْنُتُّ فِي النِّصْفِ الآخِرِ، فَلَمَّا دَخَلَ العَشْرُ أَبَقَ
وَخَلَّى عَنْهُمْ فَصَلَّى بِهِمْ مُعَاذِّ الْقَارِئ)). وسئل سعيد بن جبير عن بدء القنوت في الوتر؛ فقال:
بعث عمر بن الخطاب جيشًا فورطوا متورطًا خاف عليهم؛ فلما كان النصف الآخر من
رمضان قلت: یدعو لهم.
(١) البخاري، كتاب الجمعة. حديث (١٠٠٢)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة. حديث (٦٧٧).

٥٩١
أبواب الوتر / بَابُ مَا جَاءَ فِي الْقُنُوتِ فِي الْوِتْرِ
وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى هَذَا.
وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ.
قوله: (وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا؛ وبه يقول الشافعي، وأحمد) قال محمد بن
نصر في ((قيام الليل)): قال الزعفراني، عن الشافعي: أحب إلي أن يقنتوا في الوتر في النصف
الآخر، ولا يقنت في سائر السنة، ولا في رمضان إلا في النصف الآخر.
قال محمد بن نصر: وكذا حكى المزني، عن الشافعي، حدثني أبو داود قلت لأحمد:
القنوت في الوتر السنة كلها؟ قال: إن شاء، قلت: فما تختار؟ قال: أما أنا؛ فلا أقنت إلا
في النصف الباقي، إلا أن أصلي خلف إمام يقنت، فأقنت معه.
قلت: إذا كان يقنت النصف الآخر متى يبتدئ؟ قال: إذا مضى خمس عشرة ليلة سادس
عشرة. وكان إسحاق بن راهويه يختار القنوت في السنة كلها. انتهى كلام محمد بن نصر.
قلت: استدل من قال بكون القنوت بعد الركوع؛ بحديث أنس ((أَنَّ رَسُولَ الله ◌َل ◌ِكَانَ
يَقْنُتُ بَعْدَ الرَّكْعَةِ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، حَتَّى كَانَ عُثْمَانُ فَقَنَتَ قَبْلَ الرَّكْعَةِ لِيُدْرِكَ النَّاسُ))؛ قَالَ
العراقي: إسناده جيد. وبحديث أبي هريرة: ((إنَّ رَسُولَ الله ◌ِ ﴿كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى
أَحَدٍ، أَوْ يَدْعُو لِأَحَدٍ قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ))؛ رواه البخاري في ((المغازي (١).
وبحديث عبد الله بن عمر: ((أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﴿إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ مِنَ الرَّكْعَةِ
الآخِرَةِ مِنَ الْفَجْرِ يَقُولُ: اللهم الْعَنْ فُلانًا وَفُلانًا وَفُلانًا، بَعْدَمَا يَقُولُ: سَمِعَ اللهَ لِمَنْ حِمَدَهُ
رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، فَأَنْزَلَ الله)): ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾
[آل عمران: ١٢٨] قال الحافظ في ((التلخيص)): روى البخاري (٢) من طريق عاصم الأحول، عن
أنس ((أنَّ الْقُنُوتَ قَبْلَ الرُّكُوع)). وقال البيهقي: رواة القنوت بعد الرفع أكثر، وأحفظ، وعليه
درج الخلفاء الراشدون. انتهى.
وقال محمد بن نصر في ((قيام الليل))، وسئل أحمد عن القنوت في الوتر قبل الركوع، أم
بعده، وهل ترفع الأيدي في الدعاء في الوتر؟ فقال: القنوت بعد الركوع، ويرفع يديه؛ على
قياس فعل النبي ◌ّ*في القنوت في الغداةِ، وبذلك قال أبو أيوب، وأبو خيثمة، وابن
أبي شيبة. وكان إسحاق يختار القنوت بعد الركوع في الوتر. قال محمد بن نصر: وهذا
الرأي أختاره. انتهى.
(١) البخاري، كتاب تفسير القرآن. حديث (٤٥٦٠).
(٢) البخاري، كتاب الوتر. حديث (١٠٠٢).

٥٩٢
أبواب الوتر / بَابُ مَا جَاءَ فِي الْقُنُوتِ فِي الْوِتْرِ
قلت: يجوز القنوت في الوتر قبل الركوع وبعده، والمختار عندي: كونه بعد الركوع.
قال العراقي: ويعضد كونه بعد الركوع أولى فعل الخلفاء الأربعة لذلك، والأحاديث الواردة
في الصبح. انتهى.
واعلم: أن الحنفية اختاروا القنوت قبل الركوع؛ فإذا كانوا يريدون القنوت قبل ركوع
الركعة الثالثة؛ يكبرون، ويرفعون أيديهم؛ كرفع اليدين عند التحريمة، ثم يقنتون. أما
التكبير؛ فيستدلون علی ثبوته ببعض الآثار.
وقد عقد محمد بن نصر في ((قيام الليل)) لذلك بابًا، فقال: ((باب: التكبير للقنوت))، وذكر
فيه عن طارق بن شهاب: ((أن عمر بن الخطاب لما فرغ من القراءة كبّر، ثم قنت، ثم كبر،
وركع)): يعني: في الفجر. وعن عليٍّ أنه كبر في القنوت؛ حين فرغ من القراءة، وحين ركع،
وفي رواية: ((كَانَ يَفْتَتِحُ الْقُنُوتَ بِتَكْبِيرَةٍ)). وكان عبد الله بن مسعود يكبر في الوتر؛ إذا فرغ من
قراءته حين يقنت، وإذا فرغ من القنوت. وعن البراء: أنه كان إذا فرغ من السورة كبر، ثم
قنت. وعن إبراهيم في القنوت في الوتر؛ إذا فرغ من القراءة كبر، ثم قنت، ثم كبر، وركع.
وعن سفيان: كانوا يستحبون إذا فرغ من القراءة في الركعة الثالثة من الوتر أن يكبر، ثم
یقنت.
وعن أحمد: إذا كان يقنت قبل الركوع. افتتح القنوت بتكبيرة.
قلت: لم أقف على حديث مرفوع في التكبير للقنوت، ولم أقف على أسانيد هذه
الآثار. وأما رفع اليدين في قنوت الوتر - فلم أقف على حديث مرفوع فيه أيضًا. نعم جاء فيه
عن ابن مسعود من فعله، فروى البخاري في جزء رفع اليدين، عن الأسود، عن عبد الله
أنه كان يقرأ في آخر ركعة من الوتر: ﴿قُلّ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ ثم يرفع يديه؛ فيقنت قبل الركعة.
وقد عقد محمد بن نصر بابًا بلفظ ((باب رفع الأيدي عند القنوت))، وذكر فيه عن الأسود: أن
عبد الله بن مسعود رضي كان يرفع يديه في القنوت إلى صدره.
وعن أبي عثمان النهدي كان عمر يقنت بنا في صلاة الغداة، ويرفع يديه حتى يخرج
ضبعيه. وكان أبو هريرة يرفع يديه في قنوته في شهر رمضان. وعن أبي قلابة، ومكحول
أنهما كانا يرفعان أيديهما في قنوت رمضان. وذكر آثارًا أخرى عن التابعين، وغيرهم بعضها
في ثبوت رفع اليدين، وبعضها في نفيه، من شاء الوقوف عليها فليرجع إلى كتاب ((قيام
اللیل)).

٥٩٣
أبواب الوتر / بَابُ مَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ يَنَامُ عَنِ الْوِتْرِ أَوْ يَنْسَاهُ
٣٤٢- بَابُ مَا جَاءَ في الرَّجُلِ يَنَامُ عَنِ الْوِتْرِ أَوْ يَنْسَاهُ [ت٢٢٥، ١١٢]
[٤٦٥] (٤٦٥) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيلَانَ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ
زَيْدِ بْن أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ (مَنْ نَامَ عَنِ الْوِتْرِ أَوْ نَسِيَهُ، فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَ، وَإِذَا اسْتَيقَظَ)).
[جه: ١١٨٨، حم: ١٠٨٧١]
[٤٦٦] (٤٦٦) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ النَّبِيَّ
وَلِقَالَ: ((مَنْ نَامَ عَنْ وِتْرِهِ فَلْيُصَلِّ إِذَا أَصْبَحَ)). [د بنحوه: ١٤٣١]
وقد استدل الحنفية على ثبوت رفع اليدين في قنوت الوتر كرفعهما عند التحريمة بهذه
الآثار، وفي الاستدلال بها على هذا المطلوب نظر؛ إذ ليس فيهما ما يدل على هذا، بل
الظاهر منها ثبوت رفع اليدين؛ كرفعهما في الدعاء؛ فإن القنوت دعاء.
٣٤٢ - باب مَا جَاءَ في الرَّجُلِ يَنَامُ عَنِ الْوِتْرِ أَوْ يَنْسَاهُ
[٤٦٥]قوله: (أخبرنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم) ضعيف، ضعفه أحمد، وابن
المديني، والنسائي، وغيرهم. ((عن أبيه)): زيد بن أسلم العدوي، مولى عمر بن الخطاب،
ثقة.
قوله: (من نام عن الوتر) أي عن أدائه. (أو نسيه) فلم يصله. (فليصل) أي: قضاء. (إذا
ذكر) راجع إلى النسيان. (وإذا استيقظ) راجع إلى النوم، والحديث أخرجه أيضًا أبو داود،
وابن ماجه.
[٤٦٦] قوله: (أخبرنا عبد الله بن زيد بن أسلم) صدوق فيه لين، من السابعة؛ قاله
الحافظ. وقال الخزرجي: وثقه أحمد، والقزاز، وضعفه ابن معين، وابن عدي.
قوله: (من نام عن وتره؛ فليصل إذا أصبح) قال ابن الملك: أي فليقض الوتر بعد
الصبح، متى اتفق؛ وإليه ذهب الشافعي في أظهر قوليه. وقال مالك، وأحمد: لا يقضي
الوتر بعد الصبح. انتهى.
قلت: مذهب الشافعي موافق لهذا الحديث؛ وهو حجة على مالك، وأحمد.
فإن قلت: هذا الحديث مرسل، والمرسل من أقسام الضعيف.
قلت: قال ميرك نقلًا عن التصحيح: وله شاهد من حديث أغر المزني عند الطبراني

٥٩٤
أبواب الوتر / بَابُ مَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ يَنَامُ عَنِ الْوِثْرِ أَوْ يَنْسَاهُ
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَهَذَا أَصَحُ مِنَ الْحَدِيثِ الأَوَّلِ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: سَمِعْتُ أَبَا دَاوُدَ السِّجْزِيَّ - يعني سُلَيْمَانَ بْنَ الْأَشْعَثِ -، يَقُولُ:
سَأَلْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ؟ فَقَالَ: أَخُوهُ عَبْدُ الله لَا
بَأْسَ بِهِ.
قَالَ: وَسَمِعْتُ مُحَمَّداً يَذْكُرُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الله؛ أَنَّهُ ضَعَّفَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ
زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَقَالَ: عَبْدُ الله بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ثِقةٌ.
قَالَ: وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالُوا: يُوتِرُ الرَّجُلُ إِذَا
ذَكَرَ،
بإسناد جيد. انتهى. ويؤيده حديث أبي سعيد المذكور في الباب، وإسناده عند أبي داود
صحیح؛ كما ستعرف.
قوله: (وهذا أصح من الحديث الأول) يعني: عبد الله بن زيد بن أسلم، عن أبيه مرسلًا
أصح من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد
الخدري متصلًا؛ فإن عبد الرحمن بن زيد ضعيف، وعبد الله بن زيد ثقة عند أحمد، وابن
المديني؛ لكن حديث أبي سعيد هذا، قد رواه أبو داود (١) من طريق أخرى.
قال في ((النيل)): وإسناد الطريق التي أخرجه منها أبو داود صحيح؛ كما قال العراقي.
قوله: (سمعت أبا داود السجزي) بسين مكسورة، وغيرها، وسكون جيم، وبزاي: نسبة
إلى ((سجز))، واسم لـ ((سجستان))، وقيل نسبة إلى ((سجستان)): بغير قياس؛ كذا في
((المغني)). وأبو داود هذا هو: صاحب ((السنن))، واسمه: سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن
بشير بن شداد الأزدي، السجستاني. (وسمعت محمدًا) هو: محمد بن إسماعيل البخاري.
(يذكر عن علي بن عبد الله) هو: علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح، السعدي، مولاهم،
أبو الحسن بن المديني، البصري، ثقة، ثبت إمام، أعلم أهل عصره بالحديث وعلله؛ حتى
قال البخاري: ما استصغرت نفسي إلا عنده. وقال فيه شيخه ابن عيينة: كنت أتعلم منه أكثر
مما يتعلمه مني؛ كذا في ((التقريب))
قوله: (وقد ذهب بعض أهل الكوفة إلى هذا الحديث، وقالوا: يوتر الرجل؛ إذا ذكر،
(١) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٤٤٢) من حديث أنس.

٥٩٥
أبواب الوتر / بَابُ مَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ يَنَامُ عَنِ الْوِثْرِ أَوْ يَنْسَاهُ
وَإِنْ كَانَ بَعْدَ مَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ.
وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ.
وإن كان بعد ما طلعت الشّمس ... إلخ) قال الشوكاني في ((النيل)): الحديث - يعني:
حديث أبي سعيد الخدري - يدل على مشروعية قضاء الوتر؛ إذا فات. وقد ذهب إلى ذلك من
الصحابة: علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن
عمر، وعبادة بن الصامت، وعامر بن ربيعة، وأبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وفضالة بن
عبيد، وعبد الله بن عباس؛ كذا قال العراقي. قال: ومن التابعين: عمرو بن شرحبيل،
وعبيدة السلماني، وإبراهيم النخعي، ومحمد بن المنتشر، وأبو العالية، وحماد بن
أبي سليمان. ومن الأئمة: سفيان الثوري، وأبو حنيفة، والأوزاعي، ومالك، والشافعي،
وأحمد، وإسحاق، وأبو أيوب سليمان بن داود الهاشمي، وأبو خيثمة.
ثم اختلف هؤلاء إلى متى يقضي؟ على ثمانية أقوال:
أحدها: ما لم يصل الصبح؛ وهو قول ابن عباس، وعطاء بن أبي رباح، ومسروق،
والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وقتادة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق،
وأبي أيوب، وأبي خيثمة؛ حكاه محمد بن نصر عنهم.
ثانيها: أنه يقضي الوتر؛ ما لم تطلع الشمس، ولو بعد صلاة الصبح؛ وبه قال النخعي.
ثالثها: أنه يقضي بعد الصبح، وبعد طلوع الشمس إلى الزوال، روي ذلك عن الشعبي،
وعطاء، والحسن، وطاوس، ومجاهد، وحماد بن أبي سليمان. وروي أيضًا عن ابن عمر.
وذكر الشوكاني باقي الأقوال؛ قال: ثامنها: التفرقة بين أن يتركه لنوم، أو نسيان، وبين
أن يتركه عمدًا، فإن تركه لنوم، أو نسيان قضاه إذا استيقظ، أو إذا ذكر في أي وقت كان
ليلًا، أو نهارًا، وهو ظاهر الحديث، واختاره ابن حزم، واستدل بعموم قوله ◌ِّهِ: ((مَنْ نَامَ
عَنْ صَلاتِهِ أَوْ نَسِيَهَا، فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا)(١) . قال: وهذا عموم يدخل فيه كل صلاة فرض،
أو نافلة؛ وهو في الفرض أمر فرض، وفي النفل أمر ندب. انتهى.
(١) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة. حديث (٦٨٤).

٥٩٦
أبواب الوتر / بَابُ مَا جَاءَ فِي مُبَادَرَةِ الصُّبْحِ بِالْوِثْرِ
٣٤٣- بَابُ مَا جَاءَ في مُبَادَرَةِ الصُّبْحِ بِالْوِتْرِ [ت ٢٢٦، م١٢]
[٤٦٧] (٤٦٧) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنيع، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيًّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ،
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنٍ مُمَرَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ قَالَ: ((بَادِرُوا الصُّبْحَ
بِالْوِتْرِ)). [م: ٧٥٠، د: ١٤٣٦، حم: ٤٩٣٢].
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
[٤٦٨] (٤٦٨) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْخَلَّالُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَحْبَرَنَا
مَعْمَرٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِوَّةِ: ((أَوْتِرُوا قَبْلَ أَنْ تُصْبِحُوا)). [م: ٧٥٤، ن: ١٦٨٢، جه: ١١٨٩، حم: ١٠٩٣١،
مي: ١٥٨٨] .
[٤٦٩] (٤٦٩) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج،
عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِّنَِِّّ قَالَ: ((إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ،
فَقَدْ ذَهَبَ كُلُّ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَالْوِتْرُّ، فَأَوْتِرُوا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ)). [حم: ٦٣٣٦].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وَسُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى قَدْ تَفَرَّدَ بِهِ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ.
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِِّ أَنَّهُ قَالَ: ((لَا وِتْرَ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ)).
٣٤٣ - باب مَا جَاءَ في مُبَادَرَةِ الصُّبْحِ بِالْوِتْرِ
[٤٦٧] قوله: (أخبرنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة) الهمداني أبو سعيد، الكوفي، ثقة،
متقن، من رجال السنة. (أخبرنا عبيد الله) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب
العمري، المدني، ثقة، ثبت.
قوله: (بادروا الصبح بالوتر) أي: أسرعوا بأداء الوتر قبل الصبح، والحديث رواه
أبو داود أيضًا .
[٤٦٨] قوله: (أوتروا قبل أن تصبحوا) الحديث رواه الجماعة إلا البخاري، وأبا داود.
[٤٦٩] قوله: (وروي عن النبي ◌ّل في أنه قال: ((لا وتر بعد صلاة الصبح))) أخرجه
محمد بن نصر في ((قيام الليل)) من حديث أبي سعيد الخدري بلفظ: ((نَادَى مُنَادِي رَسُولِ الله

٥٩٧
أبواب الوتر / بَابُ مَا جَاءَ فِي مُبَادَرَةِ الصُّبْحِ بِالْوِتْرِ
وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْم.
وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ: لَا يَرَوْنَ الْوِتْرَ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ.
وَ ﴿: لا وِتْرَ بَعْدَ الْفَجْرِ))، وفي سنده: أبو هارون العبدي. قال الدارقطني: يتلون، خارجي
وشيعي، وضعفه شعبة، وكذبه الجوزجاني. قال محمد بن نصر - بعد رواية حديث ابن عمر،
وحديث أبي سعيد الخدري المذكورين في الباب - ما لفظه: فالذي عليه جمهور أهل العلم:
ألا يؤخر الوتر إلى طلوع الفجر؛ اتباعًا للآثار التي رويناها: أن النبي ◌ّ # أمر بالوتر قبل
الصبح. وكان وتره ◌ّ عامته؛ كذلك في آخر الليل قبل طلوع الفجر. ثم اختلف الناس فيمن
نام عن الوتر، أو سها عنه، أو فرط فيه؛ فلم يوتر حتى طلع الفجر؛ فرأى بعضهم أن الفجر
إذا طلع؛ فقد ذهب وقت الوتر، ولا يقضي بعد ذلك؛ لأنه ليس بفرض، وإنما يصلي في
وقته؛ فإذا ذهب وقته لم يقض على ما روينا عن عطاء وغيره.
واحتج بعضهم بحدیث یروى عن أبي سعيد الخدري، ثم ذكره بإسناده، وقد ذكر لفظه آنفًا ،
ثم قال: وهذا حديث لو ثبت، لكان حجة، لا يجوز مخالفته؛ غير أن أصحاب الحديث لا
يحتجون برواية هارون العبدي. قال: والذي ذهب إليه جماعة من أصحابنا: أن من طلع عليه
الفجر، ولم يوتر؛ فإنه يوتر ما لم يصل الغداة؛ اتباعًا للأخبار التي رويت عن أصحاب النبي ◌َلقول
أنهم أوتروا بعد الصبح. وقد روي عن النبي ◌ّهم أيضًا: أنه أوتر بعد ما أصبح؛ فإذا صلى
الغداة؛ فإن جماعة من أصحابنا قالوا: لا يقضى الوتر بعد ذلك. وقد روي ذلك عن جماعة من
المتقدمين أيضًا. وإلى هذا ذهب الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم من أصحابنا .
ثم ذكر محمد بن نصر الأخبار التي جاءت في الوتر بعد طلوع الفجر بعضها مرفوعة،
وأكثرها آثار الصحابة والتابعين، ومن بعدهم، ثم قال: والذي أقول به: أنه يصلي الوتر، ما
لم يصل الغداة؛ فإذا صلى الغداة؛ فليس عليه أن يقضيه بعد ذلك، وإن قضاه على ما يقضي
التطوع؛ فحسن. قد صلى النبي ◌َّ* الركعتين قبل الفجر، بعد طلوع الشمس في الليلة التي
نام فيها عن صلاة الغداة؛ حتى طلعت الشمس؛ وكذا الركعتين اللتين كان يصليهما بعد
الظهر بعد العصر في اليوم الذي شغل فيه عنها، وقد كانوا يقضون صلاة الليل؛ إذا فاتتهم
بالليل نهارًا؛ فلذلك حسن، وليس بواجب. انتهى كلام محمد بن نصر.
قوله: (وهو قول غير واحد من أهل العلم؛ وبه يقول الشافعي، وأحمد، وإسحاق ، لا
يرون الوتر بعد صلاة الصبح) قال في ((شرح السنة)): قيل: لا وتر بعد صلاة الصبح، وهو
قول عطاء، وبه قال مالك، وأحمد.

٥٩٨
أبواب الوتر / بَابُ مَا جَاءَ لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ
٣٤٤- بَابٌ مَا جَاءَ لَ وِتْرَانٍ في لَيْلَةٍ [ت٢٢٧، ١٣٢]
[٤٧٠] (٤٧٠) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا مُلَازِمُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الله بْنُ
بَدْرٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَهُ يَقُولُ: ((لَا
وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ)). [ن: ١٦٧٨، د: ١٤٣٩، حم: ١٥٨٦١].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الَّذِي يُوتِرُ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ ثُمَّ يَقُومُ مِنْ آخِرِهِ :
فَرَأَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِّوَّهِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ نَقْضَ الْوِتْرِ، وَقَالُوا:
يُضِيفُ إِلَيْهَا رَكْعَةً، وَيُصَلِّيَ مَا بَدَا لَهُ، ثُمَّ يُوتِرُ فِي آخِرٍ صَلَاتِهِ؛ لأَنَّهُ: ((لَا وِتْرَانِ فِي
لَيْلَةٍ)). وَهُوَ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ إِسْحَاقُ.
وذهب آخرون إلى أنه: يقضيه متى كان؛ وهو قول سفيان الثوري، وأظهر قولي الشافعي
وأصحاب الرأي، لما روي أنه قال: من نام عن وتر؛ فليصل إذا أصبح؛ ذكره الطيِيّ.
ومذهب أبي حنيفة: أنه يجب قضاء الوتر؛ حتى لو كان المصلي صاحب ترتيب، وصلى
الصبح قبل الوتر ذاكرًا؛ لم يصح.
٣٤٤ - باب مَا جَاءَ لا وِتْرَانٍ فيٍ لَيْلَةٍ
[٤٧٠] قوله: (أخبرنا ملازم بن عمرو) هو: ملازم بن عمرو بن عبد الله بن بدر اليمامي،
صدوق، من الثامنة. (حدثني عبد الله بن بدر) اليمامي، عن ابن عباس، وطلق بن علي، وعنه
سبطه: ملازم بن عمرو، وعكرمة بن عمار، وثقه ابن معين، وأبو زرعة؛ كذا في ((الخلاصة)).
قوله: (لا وتران في ليلة) قال ابن العربي في ((عارضة الأحوذي)): معناه: أن من أوتر في
آخر الليل، ثم صلى بعد ذلك، لا يعيد الوتر. انتهى.
قوله: (هذا حديث حسن غريب) أخرجه الخمسة، إلا ابن ماجه؛ كذا في ((المنتقى)).
وقال الشوكاني في ((النيل)): قال عبد الحق: وغير الترمذي صححه، وأخرجه أيضًا ابن
حبان(١)، وصححه. (فرأى بعض أهل العلم من أصحاب النبي ◌َّهِ ومن بعدهم نقض الوتر،
وقالوا: يضيف إليها ركعة ... إلخ) روى محمد بن نصر في ((قيام الليل)): عن عثمان بن
(١) ابن حبان. حديث (٢٤٤٩).

٥٩٩
أبواب الوتر / بَابُ مَا جَاءَّ لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِّ ◌َلَ وَ غَيْرِهِمْ: إِذَا أَوْتَرَ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ،
ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ مِنْ آخِرِهِ؛ فَإِنَّهُ يُصَلِّي مَا بَدَا لَهُ، وَلَا يَنْقُضُ وِتْرَهُ، وَيَدَعُ وِتْرَهُ عَلَى مَا
كَانَ.
﴿به أنه قال: ((إِنِّي إِذَا أَرَدْتُ أَنْ أَقُومَ مِنَ اللَّيْلِ، أَوْتَرْتُ بِرَكْعَةٍ، فَإِذَا قُمْتُ ضَمَمْتُ إِلَيْهَا
عفان
رَكْعَةً؛ فَمَا شَبَّهْتُهَا إلَّا بِالْغَرِيبَة مِنَ الإِبِلِ تُضَمُّ إِلَى الإِلِ)). وقال سعد بن مالك: أما أنا، فإذا
أردت أن أصلي من الليل أوترت بركعة، فإذا استيقظت صليت إليها ركعة، ثم صليت ركعتين
رکعتين، ثم أوترت.
وعن سالم: كان ابن عمر ﴿ إذا أوتر أول الليل، ثم قام يصلي يشفع وتره الأول
بركعة، ثم يصلي بوتر. وعن ابن عباس أنه قال: ((إِذَا أَوْتَرَ الرَّجُلُ من أَوَّلِ اللَّيْلِ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ
يُصَلِّيَ شَفَعَ وِتْرَهُ بِرَكْعَةٍ، ثُمَّ صَلَّى مَا بَدَا لَهُ، ثُمَّ أَوْتَرَ من آخِرٍ صَلاتِهِ))، وعن أسامة بمعناه.
وعن هشام بن عروة: ((كان أبي يوترُ أوَّلَ اللَّيل، فإذا قامَ شَفَعَ)). انتهى باختصار.
واحتج هؤلاء بحديث الباب، واحتجوا أيضًا بقول النبي وَهِ ((اجْعَلُوا آخِرَ صَلاتِكُمْ مِنَ
اللَّيْلِ وِتْرًا)) (١). فَقَالُوا: إذَا هُوَ قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَلَمْ يَشْفَعْ وِتْرَهُ، وَصَلَّى مَثْنِى مَثْنى، ثُمَّ لَمْ يُوتِرْ فِي
آخِرِ صَلاتِهِ کَانَ قَدْ جَعَلَ صَلاتَهُ مِنَ اللَّيْلِ شَفْعًا لا وِتْرًا، وَتَرَكَ قَوْلَ النَّبِيِّ ◌َِهِ (اجْعَلُوا آخِرَ
صَلائِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا))، كذا في ((قيام الليل)). واحتجوا أيضًا بآثار الصحابة المذكورين
قوله: (وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي صل﴿ وغيرهم: إذا أوتر من أول الليل،
ثم نام، ثم قام من آخره أنه يصلي ما بدا له، ولا ينقض وتره ... إلخ) روى محمد بن نصر
فيٍ ((قيامِ الليل)): عن عائشة، عن أبي بكر الصديق: ((أَنَّهُ كَانَ يُوتِرُ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ، فَإِذَا قَامَ مِنَ
اللَّيْلِ صَلَّى مَثْنِى مَثْنِى حَتَّى يَفْرُغَ مِمَّا يُرِيدُ أَنْ يُصَلِّي)).
وعن عمار بن ياسر، وقد سئل عن الوتر، فقال: ((أَمَّا أَنَا، فَأُوتِرُ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ؛ فَإِنْ
رَزَقَنِي الله شَيْئًا صَلَّيْتُ شَفْعًا شَفْعًا، إلَى أَنْ أُصْبِحَ)).
وعن عائشة: ((الَّذِينَ يَنْقُضُونَ وِتْرَهُمْ هُمُ الَّذِينَ يَلْعَبُونَ بِصَلاتِهِمْ)). وروي عن ابن عباس
أيضًا بنحوه. وعنه في رواية: ((فِي الَّذِي يُوِرُ، ثُمَّ يُرِيدُ أَنْ يُصَلِّيَ، قَالَ: يُصَلِّي مَثْنى مَثْنى))،
وفي رواية: ((حَسْبُهُ وِتْرُهُ الأَوَّلُ)). وعنه لما بلغه فعل ابن عمر لم يعجبه، وقال: إن ابن عمر
يوتر في ليلة ثلاث مرات.
(١) البخاري، كتاب الجمعة. حديث (٩٩٨)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين. حديث (٧٥١).

٦٠٠
أبواب الوتر / بَابُ مَا جَاءَّ لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ
وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَابْنِ المُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَهْل
الكُوفَةِ، وَأَحْمَدَ.
وَهَذَا أَصَحُّ؛ لأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ؛ أَنَّ النَّبِيِّ ◌ِقَدْ صَلَّى بَعْدَ الْوِتْرِ.
وعن أبي هريرة: إذا صليت العشاء صليت بعدها خمس ركعات، ثم أنام؛ فإن قمت
صليت مثنى مثنى؛ وإن أصبحت أصبحت على وتر.
وسئل رافع بن خديج عن الوتر؛ فقال: أما أنا؛ فإني أوتر من أول الليل، فإن رزقت
شيئًا من آخره، صليت ركعتين ركعتين حتى أصبح.
قوله: (وهو قول سفيان الثوري، ومالك بن أنس، وأحمد، وابن المبارك، وهذا
أصحّ) وقال محمد بن نصر في ((قيام الليل))، وهذا مذهب الشافعي، وأحمد، وهو أحب
إليّ. وإن شفع وتره، اتباعًا للأخبار التي رويناها رأيته جائزًا. انتهى.
وقال العراقي: وإلى هذا ذهب أكثر العلماء، وقالوا: إن من أوتر، وأراد الصلاة بعد
ذلك؛ لا ينقض وتره، ويصلي شفعًا شفعًا، حتى يصبح. انتهى. وهذا هو المختار عندي،
ولم أجد حديثًا مرفوعًا صحيحًا يدل على ثبوت نقض الوتر. والله تعالى أعلم.
قوله: (لأنه قد روي من غير وجه: أن النبي ◌َّلي قد صلى بعد الوتر) وأجابوا عن
القائلين: بجواز نقض الوتر بأنه: إذا أوتر الرجل أول الليل؛ فقد قضى وتره؛ فإذا هو نام بعد
ذلك، ثم قام، وتوضأ، وصلى ركعة أخرى؛ فهذه صلاة غير تلك الصلاة، وغير جائز في
النظر إلى أن تتصل هذه الركعة بالركعة الأولى التي صلاها في أول الليل؛ فلا يصيران صلاة
واحدة، وبينهما نوم، وحدث ووضوء، وكلام في الغالب، وإنما هما صلاتان متباينتان. ومن
فعل ذلك؛ فقد أوتر مرتين، ثم هو إذا أوتر أيضًا في آخر صلاته صار موترًا ثلاث مرات.
وقد قال ◌َّهِ ((اجْعَلُوا آخِرَ صَلاتِكُمْ مِنَ اللَّيْلِ وِتْرًا)) (١)، وهذا قد جعل الوتر في مواضع من
صلاة الليل.
وأيضًا قال ◌َّهِ ((لا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ))، وهذا قد أوتر ثلاث مرات. وقال محمد بن نصر:
وقد قال من ذهب هذا المذهب: قول النبي وَ ﴿ل ((اجْعَلُوا آخِرَ صَلائِكُمْ مِنَ اللَّيْلِ وتْرًا)»: إنما
هو ندب، واختيار، وليس بإيجاب؛ والدليل على ذلك صلاة النبي وَّ ل بعد الوتر بالليل.
(١) أحمد. حديث (٤٦٩٦)، والبخاري، كتاب الصلاة. حديث (٤٧٢)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين
وقصرها. حديث (٧٥١).