Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ أبواب الصلاة عن رسول الله رَّ بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّأْمِين قَالَ: وَفِي الْبَابِ: عَنْ عَلِيٍّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ. صوتك)) في الثالث لم يطلق إلا على رَفْعِ الصوت، وكذلك إذا تتبعت هذا اللفظ، أعني: لفظ المدِّ مع الصوت في مَظَانٌّ استعماله لاَ تجد إلا في معنى رَفْعِ الصَّوت؛ فقولُ من قال: إن قوله: ((مَدَّ بِهَا صَوْتَه)) في حديث الباب - يجوز حَمْلُه على أنه تَكلم على لغة المدِّ - ليس مما يلتفت إليه. والحديثُ حجَّةٌ قويةٌ لمن قال بِسُنِّيَّةِ الجهرِ بالتأمين، ورفع الصَّوت به؛ وهو القولُ الراجحُ المعوَّلُ عليه. قوله: (وفي الباب عن عليٍّ، وأبي هريرة) وفي الباب أيضًا عن أُمِّ الحصين. أما حديث عليٍّ: فأخرجِه الحاكم بلفظ قال: ((سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهَ يَقُولُ: آمِينَ إِذَا قَرَّأَ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾)». وأخرج أيضًا عنه، أن النبي ◌َّهُ كان إذا قرأ: ((وَلا الضَّالِّينَ))، رفع صوته بـ((آمين))؛ كذا في ((إعلام الموقعين)). وأما حديث أبي هريرة: فأخرجه الدارقطني، والحاكم(١) قال: كَانَ النبيُّ نَّهِ إِذَا فَرَغَ من قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ رفع صَوْتَهُ، وقال ((آمين)). قال الحافظ في ((التلخيص)) بعد ذكر هذا الحديث: قال الدارقطني: إسناده حَسَنٌ، والحاكم: صحيح على شرطهما، والبيهقي: حسن صحيح. انتهى. وذكره الحافظ الزيلعي في ((نصب الراية))؛ وسكت عنه. وقال الحافظ ابن القيم في ((إعلام الموقعين)): رواه الحاكمُ بإسناد صحيح. انتهى. ولأبي هريرة حديث آخر في الجهر بالتأمين، رواه النسائي(٢) عن نعيم المجمر، قال: صليت وراء أبي هريرة، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن، حتى إذا بلغ: ((غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ))، فَقَالَ: ((آمين)). فقال الناس: آمين ... الحديث، وفي آخره قال: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلاة بِرَسُولِ اللهِ نَّه))، وإسناده صحيح. وأما حديث أم الحصين؛ فأخرجه إسحاق بن راهويه في ((مسنده)) (٣)، قال: أخبرنا النضر بن شميل، ثنا هارون بن الأعور، عن إسماعيل بن مسلم، عن أبي إسحاق، عن ابن أم الحصين، عن أمه، أنها صَلَّتْ خَلْفَ رسول الله، فلما قال: ((وَلا الضَّالِّينَ))، قال: (١) الدارقطني (٣٣٥/١) حديث (٧)، والحاكم (٨١٢). (٢) النسائي، كتاب الافتتاح. حديث (٩٠٥). (٣) ((مسند إسحاق بن راهويه)) (٢٤٤/٥) حديث (٨). ١ ٨٢ أبواب الصلاة عن رسول الله وَّه / بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّأْمِين قَالَ أَبُو عِيْسَى: حَدِيثُ وَائِلٍ بْنِ حُجْرِ حَدِيثٌ حَسَنٌّ. وَبِهِ يَقُولُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِن أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ بَّهِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ: يَرَوْنَ أَنَّ الرَّجُلَ يَرْفِعُ صَوْتَهُ بِالتَّأْمِيَنَ وَلَا يُخْفِيهَا . ((آمِينَ)). فسمعته، وهي في صَفِّ النساء، ذكره الحافظ ابن حجر، والحافظ الزيلعي في تخريجهما لـ(«الهداية»، وسكتا عنه. وذكر هذا الحديث الهيثمي في ((مجمع الزوائد»، وقال بعد ذكره: رواه الطبراني في ((الكبير))، وفيه: إسماعيلُ بن مسلم المكي، وهو ضعيف. انتھی . قوله: (حديث وائل بن حجر حديث حسن) وأخرجه أبو داود، وابن ماجه، قال الحافظ في ((التلخيص)): سنده صحيح، وصححه الدارقطني، وأعله ابن القطان بحجر بن عنبس، وأنه لا يعرف، وأخطأ في ذلك، بل هو ثقة معروف؛ قيل: له صحبة، ووثقه يحيى بن معين وغيره. انتھی. قلت: وسكت عنه أبو داود، ونقل المنذريُّ تَحْسِينَ الترمذي وأقره، وقد اعترف غير واحد من علماء الحنفية: بأن حديث وائل بن حجر هذا صحيح؛ كالشيخ عبد الحق الدهلوي في ((ترجمة المشكاة))، وأبي الطيب المدني في ((شرح الترمذي))، وابن التركماني في «الجوهر النقي))، وغيرهم. وقال الفاضلُ اللكنوي في ((السعاية)): [من الوافر]. بِهَذَا البَيْتِ ظُرًّا أَجْمَعِينَا لَقَدْ طُفْنَا كَمَا ظُفْتُمْ سنينَا فوجدنا بعد التأمل والإمعان أن القولَ بالجهر بـ((آمين)) هو الأَصَحُّ؛ لكونه مطابقًا لما روي عن سيد بني عدنان، ورواية الخفض عنه بَّهُ ضعيفة، لا توازي رواياتِ الجهر، وأي ضرورة داعية إلى حمل روايات الجهر على بَعْضِ الأحيانِ، أو الجهر للتَّعْليم مع عَدم وُرُودِ شَيْءٍ من ذلك في الرواية؟ والقول بأنه كان في ابتداء الأمر أضعف؛ لأن الحاكم قد صَحَّحَهُ من رواية وائل بن حجر، وهو إنما أسلم في أواخر الأمر؛ كما ذكره ابْنُ حجر في ((فتح الباري)). وقال في ((التعليق الممجد)): الإنصافُ أن الجَهْرَ قَوِيٌّ من حَيْثُ الدليل. انتھی. قوله: (وبه يقول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ◌َ﴿﴿ والتابعين ومن بعدهم يرون أن يرفع الرجل صوته بالتأمين، ولا يخفيها). وقال البخاري في ((صحيحه)): أَمَّنَ ابن ٨٣ أبواب الصلاة عن رسول الله وَلِ﴿ / بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّأْمِين وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ. الزبير ومن معه، حتى إن للمسجد لَلَجَّةً. انتهى. قال العيني: وصله عبد الرزاق (١) عن ابن جريج عن عطاء. قلت له: أكان ابن الزبير يؤمن على إثر أم القرآن؟ قال: نعم، ويؤمن مَنْ وراءه حتى إن للمسجد لَلَجَّةً، ثم قال: إنما ((آمين)) دُعَاء، ورواه الشافعي (٢) عن مسلم بن خالد عن ابن جريج عن عطاء قال: كنت أسمع الأئمة ابن الزبير ومن بعدهم يقولون: ((آمين)) ويقول من خلفه: ((آمين))، حتى إنَّ للمسجد لَلَجَّةً. وفي ((المصنف)) (٣) حدثنا ابن عيينة قال: لعله ابن جريج [عن] (٤) عطاء بن الزبير قال: كان للمسجد رَجَّةٌ، أو قال: لَجَّةٌ، إذا قال الإمام: ((وَلا الضَّالِّين))، وروى البيهقي (٥) عن خالد بن أيوب عن عطاء قال: أدركت مائتين من أصحاب النبي ◌َّ في هذا المسجد، إذا قال الإمام: ((غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ)): سمعت لهم رَجَّةً بـ((آمين)). انتهى. وكذلك ذكر الحافظ في ((الفتح)) رواية عبد الرزاق، ورواية البيهقي. قلت: وكذلك قد ثَبَتَ جهرُ الصَّحابة والتابعين بالتأمين خَلْفَ أبي هريرة كما تقدم، ولم يثبت من أحد من الصحابة الإسرارُ بالتأمين بالسَّند الصَّحيح، ولم يثبت عن أحَد منهم الإنكارَ ـني على الْجَهْرِ بالتأمين على طريق على من جهر بالتأمين، فقد ثَبَتَ إجْمَاعُ الصّحابة الحنفية، فإنهم قالوا: إن ابنَ الزبير أفتى في زِنْجيٍّ وقع في بئر زمزم بنزح مائها، وذلك بمحضر من الصحابة، ولم ينكر عليه أحد؛ فكان إجماعًا، فكذلك يقال: إن ابن الزبير أَمَّنَ بالجهر في المسجد بمحضر من الصحابة، ولم ينكر عليه أَحَدٌّ، بل وافقوه وجهروا معه بـ(آمين)) حتى كان للمسجد لَلَبَّةٌ، فكان إجماعُ الصحابة على الجهر بالتأمين. (وبه يقول الشافعي، وأحمد، وإسحاق). قال الحافظ ابن القيم: سُئل الشافعي عن الإمام، هل يرفع صوته بـ(آمين))؟ قال: نعم، ويرفع بها من خلفه أصواتهم إلى أن قال: ولم يزل أهلُ العلم عليه. انتهى، وهذا القول، أعني: الجهر بالتأمين للإمام، ولمن خلفه هو الراجح القوي، یدُّ عليه أحاديث الباب. (١) عبد الرزاق في ((المصنف)) (٢٦٤٠) (٢) الشافعي في («مسنده)) (١٠٤٣). (٣) ليس هذا في مصنف عبد الرزاق كما يوهمه صنيع المصنف، وإنما هو في مصنف ابن أبي شيبة (٣١٦/٢٤/٢). (٤) سقطت من بعض النسخ، والصواب إثباتها كما في المصدر أعلاه. (٥) البيهقي في ((الكبرى)) (٢٢٨٦). ٨٤ أبواب الصلاة عن رسول الله وَلٍ / بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّأْمِين وقال الحنفيةُ بالإسرار بالتأمين والإخفاء به، واستدلُّوا على ذلك بحديث وائل الذي ذكره الترمذي بعد هذا بلفظ: أن النبي به﴿ قَرَأَ: ((غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضَّالِّينَ))، فَقَالَ: ((آمين))، وخفض بها صَوْتَهُ. وهو حديثٌ لا يصلُح للاحتجاج كما ستعرف. واستدل بعضهم بحديث سمرة بن جندب؛ أنه حفظ عن رسول الله وَالز سكتتين: سكتة إذا كبر، وسكتة إذا فرغ من قراءة: (((غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضَّالِّينَ))، قال: الأظهر أن السكتةَ الثانية كانت للتأمين سِرًّا. والجواب: أن السكتةَ الثانيةَ لم تكن للتأمين سرًّا؛ لأنه مِ﴾ كان يجهرُ صوتَهُ بالتأمين، لم يثبت عنه ◌َّ الإسرار بالتأمين، فكيف يقال: إنها كانت للتأمين سرًّا؟ بل السكتة الثانية كانت؛ لأن يتراد إليه نفسه؛ كما صرح به قتادةُ في بعض رواياته. واستدلوا أيضًا بأثر عمر، وعلي ◌ّ: روى الطّحاوي (١) عن أبي وائل قال: كان عمر، وعلي، لا يجهران بـ((بسم الله الرحمن الرحيم))، ولا بالتعوذ، ولا بـ((آمين)). والجواب: أن هذا الأثر ضعيفٌ جدًّا، فإن في سنده: سعيدَ بن المرزبان البقال: قال الذهبي في ((الميزان)): تركه الفلاس. وقال ابن معين: لا يكتب حديثُهُ. وقال البخاري: منكر الحديث. انتهى. وقال الذهبي في ترجمة أبان بن جبلة الكوفي: نقل ابنُ القطان أن البخاريّ قال: كُلُّ من قلتُ فيه منكر الحديث، فلا تحلُّ الروايةُ عنه. انتهى. واستدلُّوا أيضًا: بقول إبراهيم النخعي: خَمْسٌ يخفيهن الإمام: سبحانك اللهم وبحمدك ... ، والتعوذ، وبسم الله الرحمن الرحيم، وآمين، واللهم ربنا لك الحمد؛ رواه عبد الرزاق(٢). والجواب: أن قَوْلَ إبراهيم النخعي هذا مخالفٌ للأحاديث المرفوعة الصَّحيحة، فلا يلتفت إليه. قال الفاضلُ اللكنوي في ((السعاية)): أما أثر النخعي ونحوه، فلا يوازي الروايات المرفوعة. انتهى. (١) (شرح معاني الآثار)) (٢٠٣/١). (٢) ((المصنف)) لعبد الرزاق. حديث (٢٥٩٧). ٨٥ أبواب الصلاة عن رسول الله وَّةِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّأُمِين وَرَوَى شُعْبَةُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ حُجْرٍ أَبِي العَنْبَسِ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ وَلَ قَرَأَ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] فَقَالَ: ((آمِينَ)) وَخَفَضَ بِهَا صَوْتَهُ. [شاذ، حم: ١٨٣٦٣]. قَالَ أَبُو عِيسَى: وَسَمِعْتُ مُحَمَّداً يَقُولُ: حَدِيثُ سُفْيَانَ أَصَحُ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةً فِي هَذَا، وَأَخْطَأَ شُعْبَةُ فِي مَواضِحَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ: عَنْ حُجْرٍ أَبِي العَنْبَسِ، وَإِنَّمَا هُوَ: حُجْرُ بْنُ العَنْبَسِ، وَيُكَنَّى: أَبَا السَّكَنِ، وَزَادَ فِيهِ: عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، وَلَيْسَ فِيهِ عَنْ عَلْقَمَةَ. وَإِنَّمَا هُوَ: عَنْ حُجْرِ بْنِ عَنْبَسٍ، عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، قوله: (وروى شعبة هذا الحديث عن سلمة بن كهيل، عن حجر أبي العنبس، عن علقمة بن وائل، عن أبيه، أن النبي ◌َُّ قرأ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَ الضَّالِينَ﴾، فقال: ((آمين))، وخفض بها صوته) فخالف شعبة سفيان الثوري في رواية هذا الحديث في ثلاثة مواضع؛ كما بينه الترمذي بعد، بقوله: أخطأ شعبة في مواضع ... إلخ. (سمعت محمدًا يقول: حديث سفيان أصحُّ من حديث شعبة هذا) فأراد بقوله: أصح الصحيح، والمعنى: أن حديثَ سفيان صحيحٌ، وحديث شعبة ليس بصحيح؛ فإنه أخطأ فيه في مواضع. (وأخطأ شعبة في مواضع من هذا الحديث) أي: في ثلاثة مواضع منه. (فقال) أي: شعبة. (عن حجر أبي العنبس، وإنما هو حجر بن العنبس) كما في رواية سفيان. و(يكنى) أي حجر بن العنبس. (أبا السكن) أي: حجر بن العنبس. (أبا السكن) أي: ليس كنيته أبا العنبس، بل كنيته: أبو السكن، وهذا هو الموضعُ الأولُ من خطأ شعبة. (وزاد فيه عن علقمة بن وائل) أي: زاد بين حجر ووائل علقمة بن وائل. (وليس فيه عن علقمة) كما في رواية سفيان، وهذا هو الموضعُ الثاني من خَطَأ شعبة. فإن قيل: سفيان، وشعبة؛ كلاهما ثقتان حافظان؛ فلم نسب الخطأ في هذين الموضعين إلى شعبة، ولم ينسب إلى سفيان؟ قلنا: نسب الخطأ إلى شُعْبَةَ دون سفيان؛ لأربعة وجوه: الأول: أن شعبة كان يُخْطِئُ في الرجال كثيرًا، وأما سفيانُ فلم يكن يخطئُ. قال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمة شعبة: ثقة ثبت في الحديث، وكان يخطئُ في أسماء الرجال قليلًا، وكذلك نقل الحافظُ عن أبي داود، ثم قال بعد عدة أسطر: وأما ما ٨٦ أبواب الصلاة عن رسول الله وَجِ بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّأُمِين تقدَّم من أنه كان يخطئُ في الأسماء، فقد قال الدَّارقطني في ((العلل)): كان شعبةُ يخطئُ في أسماءِ الرجال كثيرًا؛ لتشاغله بحفظ المتون. انتهى كلام الحافظ. وقد ذكر الترمذي خطأ شعبة في مواضع من ((جامعه))، فمنها: في باب وضوء النبي عليه كيف كان. قال الترمذي: وروى شعبة هذا الحديث، يعني: حديث علي عن خالد بن علقمة، فأخطأ في اسمه، واسم أبيه، فقال: مالك بن عرفطة. قال: والصحيحُ خالد بن علقمة . ومنها: في باب ما جاء في التخشُّع في الصلاة، قال الترمذي: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: روى شعبة هذا الحديث، يعني: حديث الفضل بن عباس عن عبد ربه بن سعيد، فأخطأ في مواضع، فقال: عن أنس بن أبي أنيس، وهو عمران بن أبي أنس، وقال: عن عبد الله بن الحارث، وإنما هو: عبد الله بن نافع بن العمياء عن ربيعة بن الحارث، وقال: شعبة عن عبد الله بن الحارث عن المطلب عن النبي ◌َّ، وإنما هو: عن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب عن الفضل بن عباس عن النبي ◌َّلة. قال أحمد: وحديث الليث بن سعد أصحُ من حديث شعبة. انتهى. ومنها: في باب كراهية الطواف عريانًا، حدثنا ابن عمر ونصر بن علي؛ قالا: نا سفيان عن أبي إسحاق نحوه، يعني: نحو الحديث المذكور، وقالا: زيد بن يشيع، وهذا أصحُ، وشعبة وهِمَ فيه؛ فقال: زيد بن أثيل. انتهى. والوجه الثاني: أن شعبة كان شاًا يشك كثيرًا في الأسانيد والمتون، وأما سفيان فلم یکن شائًا . والوجه الثالث: أن شعبةً وسفيانَ لا شك في أنهما ثقتان حافظان، لكن سفيان أحفظ من شعبة؛ كما ستقف على هذا. والوجه الرابع: أن شعبةَ قد تفرد بما قال في روايته في هذين الموضعين، ولم يتابعه على ذلك أحد، وأما سفيان فلم يتفرد بما قال في روايته فيهما، بل تابعه على ذلك العلاء بن صالح، وعلي بن صالح، ومحمد بن سلمة؛ فبهذه الوجوه قد نُسِبَ الخطأ إلى شعبة، ولم ینسب إلى سفيان. فإن قيل: قد أجاب العيني في ((شرح البخاري)) عما نسب إليه الترمذي من الخطأ الأول؛ ٨٧ أبواب الصلاة عن رسول الله وَّةٍ / بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّأُمِينِ حيث قال: قوله: هو حجر بن العنبس، وليس بأبي العنبس ليس كما قاله، بل هُو: أبو العنبس حجر بن العنبس، وجزم به ابن حبان في ((الثقات))، فقال: كنيته كاسم أبيه. وقول محمد - يكنى: أبا السكن - لا ينافي أن تكون كنيته أيضًا: أبا العنبس؛ لأنه لا مانع أن یکون لشخص کنیتان. انتهى. قلنا: لم يثبت من كتب الرجال والتراجم؛ أن كنية حجر بن العنبس أبو العنبس أيضًا، وأن له كنيتان، ولم يُصرِّح به أحدٌ من أئمة الفن غير ابن حبان، مع أنه يحتملُ أن يكون مبنى قوله هو رواية شعبة، فالظاهر أنه خطأ شعبة؛ كما نَصَّ عليه الإمامُ البخاري، والحافظ أبو زرعة. والله أعلم. فإن قيل: قد تابع سفيان شعبة في أبي العنبس: أخرج أبو داود (١)، حدثنا محمد بن كثير، نا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن حجر أبي العنبس الحضرمي ... الحديث. وأخرج الدارقطني في ((سننه))(١). حدثنا عبد الله بن أبي داود السجستاني، حدثنا عبد الله بن سعيد الكندي، حدثنا وكيع، والمحاربي؛ قالا: حدثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن حجر أبي العنبس، وهو ابن العنبس ... الحديث، فثبت أن شعبة ليس متفردًا بأبي العنبس، بل ذكره محمد بن كثير، ووكيع، والمحاربي؛ عن سفيان الثوري أيضًا. قلنا: كل من قال في روايته: عن سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن الحجر أبي العنبس، فروايته غير محفوظة. أما رواية محمد بن كثير: فإنه قد خالف في ذكر حجر أبي العنبس يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي؛ فإنهما قالا في روايتهما: حجر بن العنبس؛ كما في رواية الترمذي المذكورة، وهما أَحْفَظُ، وأتقنُ من محمد بن كثير. وأما روايةٌ وكيع، والمحاربي: فقد تفرد بها عبدُ الله بن سعيد الكندي. وقد خالف في ذكر حجر أبي العنبس: أحمد بن حنبل، وأحمد بن سنان، ويعقوب الدورقي؛ فإن هؤلاء الثقات الحفاظ قالوا في روايتهم: حجر بن العنبس. قال أحمد بن حنبل(١) في («مسنده)): حدثنا وكيع، ثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن (١) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٩٣٢). (٢) الدارقطني في ((السنن)) (٣٣٣/١) حديث (١). (٣) أحمد. حديث (١٨٣٦٣). ٨٨ أبواب الصلاة عن رسول الله وَّ بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّأُمِين وَقَالَ: وَخَفَضَ بِهَا صَوْتَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ: وَمَدَّ بِهَا صَوْتَهُ. حجر بن العنبس، عن وائل بن حجر قال: سمعت النبي وَ ﴾ قرأ: ((وَلا الضَّالِّينَ))، فقال: ((آمين)) يَمُدُّ بِهَا صَوْتَهُ. وقال الدارقطني في ((سننه))(١) حدثنا علي بن عبد الله بن مبشر، ثنا أحمد بن سنان ح، وحدثنا أبو محمد بن صاعد، ثنا يعقوب الدورقي؛ قالا: نا عبد الرحمن، عن سفيان، عن سلمة، عن حجر بن العنبس قال: سمعت وائل بن حجر قال: سمعت النبي بَّهُ قرأ: ((غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ))، قال: ((آمين))، ومَدَّ بها صوته. قلت: الظاهر: أن عبد الرحمن هذا هو المحاربي، ففي كون أبي العنبس في رواية سفیان محفوظًا کلام. فإن قيل: قد أجاب العينيُّ أيضًا عما نسب الترمذي إلى شعبة من خطئه الثاني؛ حيث قال: وقوله: ((وزاد فيه علقمة)) لا يضر؛ لأن زيادة الثقة مقبولة، لا سيما من مثل شعبة. انتهى. قلنا: قد عرفت آنفًا أن شعبةَ كان يخطئُ كثيرًا في الرجال، وأنه قد تفرد بهذه الزيادة، ولم يتابعه عليها أحدٌ: لا ثقة، ولا ضعيف، وقد خالف في ذكر هذه الزيادة سفيان، والعلاء بن صالح، وعلي بن [صالح](٢) ومحمد بن مسلمة؛ فإن هؤلاء لم يذكروا في روايتهم هذه الزيادة، وستعرف أن سفيان أحفظ من شعبة، وأنه قد تقرر أن شعبةً إذا خالف سفيان، فالقولُ قولُ سفيان. ومع هذا كله قد نصَّ الإمام البخاري رحمه الله تعالى على أن شعبة أخطأ في هذه الزيادة، فالظاهر أن شعبة أخطأ في هذه الزيادة؛ والله تعالى أعلم. (قال: خفض بها صوته، وإنما هو مدَّ بها صوته) هذا هو الموضع الثالث من المواضعُ التي أخطأ فيها شعبة، فقول شعبة فيه: ((وخفض بها صوته)) خطأ، والصواب: مَدَّ بِهَا صَوْتَهُ؛ کما رواه سفيان. فإن قيل: إن سفيان وشعبة؛ كليهما ثقتان، ثبتان، أميرا المؤمنين في الحديث، وليس أحد منهما أحق بالخطأ من الآخر، فلقائل أن يقول: إن سفيان هو الذي أخطأ في قوله: ((ومد بها صوته))، فأيُّ دليل على أن المخطئ هو شعبة؟ (١) الدارقطني في ((السنن)) (٣٣٤/١) حديث (٣). (٢) في نسخة: ((الصالح)). ٨٩ أبواب الصلاة عن رسول الله وَ﴿ / بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّأُمِين قلنا: إن هنا أدلة عديدة على أن المخطئَ هو شعبةُ، فمنها: أن سفيان وشعبة، وإن كانا ثقتين حافظين، لكنهما ليسا بمتساويين في الحفظ، بل سفيانُ أحفظ من شعبة، وقد نص على هذه شعبة نفسه. قال الحافظ الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)): كان شعبةُ يقول: سفيانُ أحفظُ مني. انتهى. وقال الترمذي في باب ما جاء ص٤٢٤ في تعليم القرآن: قال علي بن عبد الله: قال يحيى بن سعيد: ما أحد يعدل عندي شعبة، وإذا خالفه سفيان، أخذت بقول سفيان، سمعت أبا عمار يذكر عن وكيع قال شعبة: سفيانُ أحفظ مني، وما حدثني سفيان عن أحد بشيء فسألته، إلا وجدته كما حدثني. انتهى. وبطل بهذا قَوْلُ من قال: إن شعبة جعل سفيان أحفظ من نفسه؛ هَضْمًا لنفسه، وقد صرح أئمة الحديث بأن سفيان أحفظ من شعبة. قال الحافظ الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)): قال صالح جزرة: سفيان أحفظ من شعبة يبلغ حديثه ثلاثين ألفًا، وحديث شعبة نحو عشرة آلاف. انتهى. وقال الحافظ ابن حجر في (تهذيب التهذيب)) في ترجمة سفيان: قال أبو حاتم، وأبو زرعة، وابن معين: هو أحفظ من شعبة. انتهى. ومنها: أنه قد تقرر أن شعبةَ إذا خالف سفيان، فالقولُ قولُ سفيان. قال الزيلعي في ((نصب الراية)) نقلًا عن البيهقي: قال يحيى القطان، ويحيى بن معين: إذا خالف شعبةُ سفيانَ فالقول قول سفيان انتهى. ولذلك رَجَّحَ الترمذيُّ(١) حديث سفيان على حديث شعبة؛ لما اختلفا في سند حديث: ((خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ)). حيث زاد شعبة فيه رَجُلًا، ولم يزده سفيان. قال الترمذي في ((جامعه))(٢) كان حديثُ سفيان أشبه، قال علي بن عبد الله: قال يحيى بن سعيد: ما عندي أحد يعدل شعبة، وإذا خالفه سفيان أخذت بقول سفيان ... إلى آخر ما نقلت عن الترمذي آنفًا؛ ولذلك رجَّح أبو داود حديث سفيان على حديث شعبة؛ لما اختلفا في حديث اشتراء سراويل؛ حيث قال سفيان فيه: ((وثم رجل يزن بالأجر))، ولم يقل شعبة: ((يزن بالأجر)) قال أبو داود في ((سننه)): رواه قيس كما قال سفيان، والقولُ قولُ سفيان: حدثنا أحمدُ بن حنبل، ثنا وكيع، عن شعبة قال: كان سفيان أحفظ مني. انتهى كلام أبي داود. (١) كتاب فضائل القرآن عن رسول الله. حديث (٢٩٠٨). (٢) تحت حديث (٢٩٠٨). ٩٠ أبواب الصلاة عن رسول الله وَافِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّأُمِين تنبيه: كلام الترمذي، وكلام أبي داود هذان يَدُلَّان على أن المرادَ بالمخالفةِ في قول يحيى القطان، ويحيى بن معين إذا خالف شعبةُ سفيانَ، فالقولُ قولُ سفيان، المخالفةُ في الرواية؛ فبطل قول من قال: إن المراد بالمخالفة في الفقه والدراية. ومنها: أن شعبة لم يتابعه أحد في قوله: و((خفض بها صوته))، لا ثقة ولا ضعيف، وأما سفيان فقد تابعه في قوله: ((مدّ بها صوته)) ثلاثة: أحدهم: العلاء بن صالح؛ فإنه قد روى هذا الحديث عن سلمة بن كهيل نحو حديث سفيان، كما ذكره الترمذي في هذا الباب، والعلاء بن صالح ثقة. والثاني: علي بن صالح؛ قال أبو داود في ((سننه)) (١) حدثنا مخلد بن خالد الشعيري، حدثنا ابن نمير، نا علي بن صالح، عن سلمة بن كهيل، عن حجر بن العنبس، عن وائل بن حجر، أنه صَلَّى خَلْفَ رسولِ الله ◌ِ فَجَهَر بـ((آمين)) ... الحديث، وعلي بن صالح أيضًا ثقة. والثالث: محمد بن سلمة؛ قال الدارقطني بعد رواية حديث شعبة ما لفظه: هكذا قال شعبة، وأخفى بها صوته، ويقال: إنه وهم؛ لأن سفيان الثوري، ومحمد بن سلمة، وغيرهما رووه عن سلمة بن كهيل؛ فقالوا: ورفع بها صوته. انتهى، ومحمد بن سلمة ضعيف، فتابع سفيان ثقتان وضعيف، ولم يتابع شعبة أحد، لا ثقة ولا ضعيف. ومنها: أن سفيان لم يرو عنه خلاف المد بالصوت، والرفع، والجهر: لا بسند صحيح، ولا بسند ضعيف، وأما شعبة: فروى عنه خلاف الخفض والإخفاء، فروى عنه موافقًا لحديث سفيان في السند والمتن. قال الزيلعي في ((نصب الراية)) وطعن صاحب ((التنقيح)) في حديث شعبة هذا: بأنه قد روى عنه خلافه، كما أخرجه البيهقي في ((سننه)»(٢) عن [أبي(٣) الوليد الطيالسي، ثنا شعبة [عن](٤) سلمة بن كهيل: سمعت حجرًا أبا العنبس يحدث عن وائل الحضرمي، أنه صلَّى (١) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٩٣٣). (٢) البيهقي في ((الكبرى)) (٢٢٧٨). (٣) في نسخة: ((ابن)). (٤) ليست في نسخة، واستدركناها من أخرى. ٩١ أبواب الصلاة عن رسول الله ◌َّ / بَابُ مَا جَاءَ فِى التَّأُمِين خلف النبيِّ ◌َّه، فلما قال: ((وَلا الضَّالِّينَ))، قَالَ ((آمِينَ)) رَافِعًا بِهَا صَوْتَهُ، قال: فهذه الرواية توافق رواية سفيان، وقال البيهقي في ((المعرفة)): إسناد هذه الرواية صحيح. انتهى. قلت: وقال البيهقي: فيحتمل أن يكون تنبه لذلك، فعاد إلى الصواب في متنه، وترك ذكر علقمة في إسناده. انتهى كلام البيهقي. فهذه الأدلة بمجموعها تدل على أن المخطئَ هو شعبة؛ ولذلك جزم الإمام البخاري، والحافظ أبو زرعة الرازي بخطأ شعبة. وقال البيهقي: قد أجمع البخاري، وغيره من الحفاظ على أن شعبة أخطأ في هذا الحديث، فقد روي من أوجه، ((فجهر بها)). انتهى. وقال الحافظ في ((التلخيص)): وقد رجحت رواية سفيان بمتابعة اثنين له بخلاف شعبة؛ ولذلك جزم النقاد بأن حديث سفيان أصحُ، وأرجح من حديث شعبة. انتهى. قلت: فإذا ثبت أن حديث سفيان بلفظ: ((مد بها صوته)) هو الصواب، وأن حديث شعبة بلفظ: و((خفض بها صوته)) خطأ، ظهر لك أن القولَ برفع الصوت بالتأمين، والجهر به هو الراجحُ القوي المعوَّلُ عليه. وأجاب الحنفيةُ عن أحاديث الجهر بالتأمين، واعتذروا عن العلم بها؛ بما لا ينبغي الالتفات إليها . فقال بعضهم: قال عطاءُ ((آمين)) دعاء، وقد قال الله تعالى: ﴿أَدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةٌ﴾ [الأعراف: ٥٥]. انتهى. قلت: تقريرُ استدلال هذا البعض على الشكل الأول هكذا «آمين)) دعاء، وكلُّ دُعاءٍ لا بُدَّ أن يُخْفى به، لقوله تعالى: ﴿أَدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةٌ﴾، فـ((آمين)) لا بد أن يخفي بها، ولا شكّ في أنه لو ثبت صحة الصغرى، وكلية الكبرى، صحت هذه النتيجةُ، لكن في صحة الصغرى نظرًا؛ فإنا لا نسلم أن ((آمين)) دعاء، بل نقول: إنها كالطابع والخاتم للدعاء، كما عند أبي داودٌ من حديث أبي زهير النميري الصحابي، أن ((آمين)) مثل الطابع على الصحيفة، ثم ذكر قوله ◌ٌَّ: ((إنْ خَتَمَ بـ((آمين)) فَقَدْ أَوْجَبَ)). ولو سلمنا أن ((آمين)) دعاء، فنقول: إنها ليست بدعاء مستقل بالأصالة، بل هي من توابع أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٢٦٤٠). (١) (٢) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٩٣٨). ٩٢ أبواب الصلاة عن رسول الله وَّه / بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّأْمِين الدعاء، ولذلك لا يدعى بـ((آمين)) وحدها، بل يدعى بدعاء أولًا، ثم تقال هي عقيبه، فالظاهر أن يكون الجهر بها، والإخفاء بها تابعًا لأصل الدعاء، إن جهرًا فجهرًا، وإن سرًّا فسرًّا، ولو سلمنا أن ((آمين)) دعاء بالأصالة، فلا نسلم كلية الكبرى، ألا ترى أن ((اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ... )) إلخ دعاء، ويقرأ في الصَّلاة الجهرية بالجهر، وكذلك كثير من الأدعية، قد ثبت الجهرُ بها، فهذا الاستدلالُ مما لا يُصْغَى إليه. وقال بعضُهم: إن الجَهْرَ كان أحْيانًا للتعليم؛ كما جهر عمر بن الخطاب بالثناء عند الافتتاح، كذلك كان بالتأمين تعليمًا . قلت: القَوْلُ بأن جهرهێ﴾ بالتأمین کان للتعلیم سخيف جدًّا؛ فإنه ادعاء محضّ لا دلیل عليه، ويدل على سَخَافته أن الصحابة ◌َّ كانوا يجهرون خَلْفَ الإمام، حتى كان للمسجد رَجَّةٌ، فلو كان جهره ◌َّ بالتأمين للتعليم، لم يجهروا بالتأمين خلف إمامهم. وأيضًا لو كان جهره به للتعليم كان أحيانًا لا على الدوام، وقد روى أبو داود(١)، وغيره بلفظ: ((كَانَ رَسُولُ اللهَِّهِ إِذَا قَرَأَ ((وَلا الضَّالِّينَ)) قَالَ: آمِين، وَرَفَعَ بها صَوْتَهُ. فهذا يدل على أنهلنََّ كان يداوم على الجهر. فإن قلت: أخرج الدولابي في كتاب ((الأسماء، والكنى)(٢) حدثنا الحسن بن علي بن عفان، قال: حدثنا الحسن بن عطية قال: أنبأنا يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن أبي سكن حجر بن عنبس الثقفي، قال: سمعت وائل بن حجر الحضرمي يقول: رأيتُ رَسُولَ اللهِ يَّةٍ ... فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وفيه: ((وَقَرَأَ غير المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ، فَقَالَ: آَمينَ، يَمُدُّ بِهَا صَوْتَهُ، مَا أَرَادَ إلَّا يُعَلِّمُنَا)) فقوله: ((مَا أَرَادَ إلَّا يُعَلِّمُنَا))، في هذه الرواية - يدل على أن جهره بَيّر بالتأمين - كان للتعليم. قلت: قد تفرد بزيادة قوله: ((مَا أَرَادَ إلَّا يُعَلِّمُنَا)) يحيى بن سلمة بن كهيل عن أبيه، وهو متروك. قال الحافظ في ((التقريب)) في ترجمته: متروك، وكان شيعيًّا. انتهى. وقد روي حديث وائل بن حجر هذا من طرق كثيرة، وليس في واحد منها هذه الزيادة، فهذه الزيادةُ منكرةٌ مردودة، فالاستدلال بهذه الزيادة المنكرة على أن الجهر بالتأمين كان أحيانًا للتعليم باطل جدًّا. (١) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٩٣٣). (٢) الدولابي. حديث (٧٩١). ٩٣ أبواب الصلاة عن رسول الله وَّةٍ / بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّأْمِين قَالَ أَبُو عِيسَى: وَسَأَلْتُ أَبَا زُرْعَةَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ؟ فَقَالَ: حَدِيثُ سُفْيَانَ فِي هَذَا أَصَحُ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةُ [كَمَا نَقَلَ]، قَالَ: وَرَوَى الْعَلَاءُ بْنُ صَالِحِ الأَسَدِيُّ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ نَحْوَ رِوَايَةِ سُفْيَانَ. [٢٤٩] (٢٤٩) قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ، قوله: (وسألت أبا زرعة) الرازي، اسمه: عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ المخزومي أحد أئمة الحفاظ، تقدم ترجمته في ((المقدمة))، قال ابن وارة: سمعت إسحاق بن راهويه يقول: كل حديث لا يعرفه أبو زرعة ليس له أصل؛ كذا في ((تهذيب التهذيب)). (قال) أي: أبو زرعة. (روى العلاء بن صالح الأسدي) قال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)): العلاء بن صالح التيمي، ويقال: الأسدي الكوفي، وسماه أبو داود في روايته: علي بن صالح، وهو وهم، روى عن المنهال بن عمرو، وعدي بن ثابت، وسلمة بن کھیل، وروی عنه أبو أحمد الزبيري، وعبد الله بن نمیر. قال ابن معين، وأبو داود: ثقة، وقال ابن معين أيضًا: وأبو حاتم لا بأس به. قال الحافظ: له عند الترمذي حديث وائل في الصَّلاةِ. انتهى. قلت: روى أبو داود(١) في ((سننه)) حديث وائل من طريق ابن نمير، عن علي بن صالح، عن سلمة بن كهيل. وذكر الحافظ في هذا الكتاب في ترجمة علي بن صالح: روى عن أبيه، وأبي إسحاق السبيعي، وسلمة بن كهيل، وعنه: أخوه، وابن عيينة، ووكيع، وأبو أحمد الزبيري، وابن نمير. انتهى. فإذا ثبت أن العلاء بن صالح الأسدي، وعلي بن صالح رجلان، وكلاهما يرويان عن سلمة بن كهيل، ويروي عن كليهما ابن نمير، فالظاهر أن العلاء بن صالح، وعلي بن صالح كليهما يرويان حديثَ وائل عن سلمة بن كهيل، ويروي عن كليهما ابن نمير، فلا أدري لم جزم الحَافِظُ بأنه سمَّاه أبو داود في روايته: علي بن صالح، وهو وهمٌ، فتفكر. [٢٤٩] قوله: (حدثنا أبو بكر محمد بن أبان) بن وزير البلخي المستملي، يلقب: حمدويه، وكان مستملي وكيع، ثقة حافظ؛ قاله الحافظ، روى عن ابن عيينة، وغندر، وطبقتهما؛ وعنه البخاري، وأصحاب السنن الأربعة، مات سنة ١٤٤ أربع وأربعين ومائة. (١) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٩٣٢). ٩٤ أبواب الصلاة عن رسول الله ◌َِّ / بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ التَّأْمِينِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ صَالِحِ الأَسَدِيِّ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ حُجْرِ بْنِ عَنْبَسٍ، عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، عَنِ النَّبِّ ◌َُّ نَحْوَ حَدِيثٍ سُفْيَانَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَیْلٍ. ١٨٥- بَابُ مَا جَاءَ في فَضْلِ التَّأَمِينِ [ت٧١، ٧١٢] [٢٥٠] (٢٥٠) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَبِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا: فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلَائِگَةِ، (نا عبد الله بن نُمَيْرٍ) بضم النون مصغرًا الهمداني، أبو هشام الكوفي، ثقة، صاحب حديث، من أهل السنة، من رجال الكتب الستة. ١٨٥ - بَابُّ مَا جَاءَ فيٍ فَضْلِ التَّأْمِين [٢٥٠] قوله: (إذا أمن الإمام فأمِّنوا) أي: إذا قال: ((آمين)): فقولوا ((آمين))، وهذا يدل على أن الإمام يجهر بالتأمين. وجه الدلالة أنه لو لم يكن تَأْمِينُ الإمام مسموعًا للمأموم، لم يعلم به، وقد علق تأمينه بتأمينه. وأجيب: بأن موضعه معلوم، فلا يستلزم الجهر به؛ وفيه نظر؛ لاحتمال أن يخلَّ به، فلا يستلزم علم المأموم به، وقد روى روح بن عبادة عن مالك في هذا الحديث قال ابن شهاب: وكان رسول الله إذا قال: ((وَ لا الضَّالِّين)) جَهَرَ بـ((آمين))؛ أخرجه السراج. ولابن حبانٌ() من رواية الزبيدي في هذا الحديث عن ابن شهاب: ((كَانَ إذَا فَرَغَ من قِرَاءَةٍ أُمِّ الْقُرْآنِ رَفَعَ صَوْتَهُ، وَقَالَ: آمِينَ))؛ كذا في ((الفتح)). (فإنه من وافق تأمينه تَأْمِينَ الملائكة) زاد يونس عن ابن شهاب عند مسلم: ((فَإِنَّ المَلائِكَة تُؤَمِّنُ قَبْلَ قَوْلِهِ))، فمن وافق وهو دَالٌّ على أن المراد الموافقةُ في القول والزمان، خلافًا لمن قال: المراد: الموافقة في الإخلاص والخشوع، كابن حبان، ثم ظاهره أن المراد بالملائكة: جميعهم، واختاره ابن بزيزة، وقيل: الحَفَظَّةُ منهم، وقيل: الذين يتعاقبون منهم، إذا قلنا: أنهم غير الحفظة. (١) ابن حبان. حديث (١٨٠٦). ٩٥ أبواب الصلاة عن رسول الله عَليه / بَابُ مَا جَاءَ فِي السَّكَْتَيْنِ فِي الصَّلَاةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مْن ذَنْبِهِ)). [خ: ٧٨٠، م: ٤١٠، ن: ٩٢٥، د: ٩٣٦، جه: ٨٥١، حم: ٧١٤٧، طا: ١٩٥، مي: ١٢٤٥]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ١٨٦ - بَابُ مَا جَاءَ فيِ السَّكْتَتَيْنِ في الصَّلاَةِ [ت٧٢، ٧٢٢] [٢٥١] (٢٥١) حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، قَالَ: سَكْتَتَانِ حَفِظْتُهُمَا عَنْ رَسُولِ الله والذي يظهر أن المرادَ بهم: من يشهد تلك الصلاة من الملائكة ممن في الأرض، أو في السماء؛ ففي رواية البخاري(١) ((إذَا قَالَ أَحَدُكُمْ: آمِينَ، وَقَالَت المَلائِكَةُ فِي السَّمَاءِ: آمِينَ))، وروى عبد الرزاق(٢) عن عكرمة قال: صفوفُ أهلِ الأرض على صفوف أهل السماء، فإذا وافق آمين في الأرض آمين في السماء، غفر للعبد. ومثله لا يقال بالرأي، فالمصير إليه أولى؛ قاله الحافظ. (غفر له ما تقدم من ذنبه) ظاهره غفران جميع الذنوب الماضية، وهو محمولٌ عند العلماءِ على الصغائر؛ لورود الاستثناء في غير هذه الرواية. قوله: (حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري، ومسلم، وغيرهما. ١٨٦ - بَابُ مَا جَاءَ فيِ السَّكْتَتَيْنِ [في الصَّلاةِ] [٢٥١] قوله: (عن الحسن) البصري، ثقة فقيه، فاضل مشهور، وکان يرسل كثيرًا ويدلس، وقال البزار: كان يروي عن جماعة لم يسمع منهم فيتجوز، ويقول: حدثنا وخطبنا، يعني: قومه الذين حدثوا، وخطبوا بـ((البصرة)) من أوساط التابعين. قوله: (عن سَمُرَةً) بفتح أوله وضم ثانيه: ابن جندب بن هلال الفزاري، حليف الأنصار، صحابي مشهور (سكتتان حفظتهما عن رسول الله ﴿) وفي رواية لأبي داود(٣) (حَفِظْتُ سَكْتَتَيْنٍ فِي الصَّلاةِ: سَكْتَةً إِذَا كَبَّر الإمَامُ حَتَّى يَقْرَأَ، وَسَكْتَةً إِذَا فَرَغَ من فَاتِحَةٍ (١) البخاري، كتاب الأذان. حديث (٧٨١). (٢) عبد الرزاق في ((المصنف)). حديث (٢٦٤٨). (٣) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٧٧٧). ٩٦ أبواب الصلاة عن رسول الله وَّهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي السَّكْتَيْنِ فِي الصَّلَاةِ وَهِ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، وَقَالَ: حَفِظْنَا سَكْتَةً، فَكَتَبْنَا إِلَى أَبَيِّ بْنِ كَعْبٍ بِالمَدِينَةِ، فَكَتَبَ أُبَيِّ: أَنْ حَفِظَ سَمُرَةُ. قَالَ سَعِيدٌ: فَقُلْنَا لِقَتَادَةَ: مَا هَاتَانِ السَّكْتَتَانِ؟ قَالَ: إِذَا دَخَلَ فِي صَلَاتِهِ، وَإِذَا فَرَغَ مِنَ القِرَاءَةِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: وَإِذَا قَرَأَ: ﴿وَلَا اُلْضَّآلّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] قَالَ: وَكَانَ يُعْجِبُهُ إِذَا فَرَغَ مِنَ القِرَاءَةِ أَنْ يَسْكُتَ حَتَّى يَتَرَادَّ إِلَيْهِ نَفَسُهُ. [د: ٧٧٧ و٧٧٨، جه: ٨٤٤ و٨٤٥، حم: ١٩٥٧٧ و ١٩٦٥٣، مي بنحوه: ١٢٤٣]. الْكِتَابِ، وَسُورَةٍ عِند الرُّكُوع))، وفي رواية أخرى له (١) ((سَْتَةً إِذَا كَبَّر، وَسَكْتَةً إِذَا فَرَغَ من قِرَاءَةٍ: غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمَ وَلا الضَّالِّين)) فَأَنْكر ذلك، أي: ما حفظه سمرة من السكتتين. (عمران بن حصين) بالتصغير، كان من علماء الصحابة، وكانت الملائكة تسلّم عليه، وهو ممن اعتزل الفتنة. (قال) أي: عمران. (حفظنا سكتة) أي: واحدة. (فكتبنا) قائله سمرة. (إلى أبي بن كعب) الأنصاري الخزرجي، سيد القراء، كتب الوحي، وشهد بدرًا وما بعدها، وقد أمر الله نبيه بَّهِ أن يقرأ عليه رَضُه وكان مِمَّنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ. (فكتب أبي) بن كعب. (أن) بفتح الهمزة وسكون النون. (حفظ سمرة) وفي رواية أبي داود(٢) ((فَصَدَقَ سَمُرَةُ)). (إذا دخل في صلاته) هذه السكتة لدعاء الاستفتاح، وقد وقع بيانُها في حديث أبي هريرة، أنه نَّهِ كان يسكتُ بين التكبير والقراءة يقول: ((اللهم بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ ... )): الحديث. (وإذا فرغ من القراءة) أي: كلها، كما في رواية لأبي داود، وهذه السكتةُ ليتراد إليه نَفسهُ؛ كما يأتي بيانها في قول قتادة (ثم قال) أي: قتادة. (بعد ذلك: وإذا قرأ: ﴿ وَلَ الضَّالِينَ﴾). قال النووي عن أصحاب الشافعي: يسكت قدر قراءة المأمومين الفاتحة؛ قال: ويختار الذكر، والدعاء، والقراءة سرًّا؛ لأن الصلاة ليس فيها سكوت في حَقِّ الإمام. انتهى. قلت: تعيين هذه السكتة بهذا المقدار، واختيار الذكر والدعاء والقراءة سرًّا في هذه السكتة للإمام محتاج إلى الدليل. قال الشوكاني: حصل من مجموع الروايات ثلاثُ سكتات: الأولى: بعد تكبير الإحرام، والثانية: إذا قرأ: ((ولا الضَّالِّينَ))، والثالثة: إذا فَرَغَ من القراءة كُلِّهَا . (١) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٧٧٩). (٢) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٧٧٧). ٩٧ أبواب الصلاة عن رسول الله وَه / بَابُ مَا جَاءَ فِي وضْعِ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ فِي الصَّلَاةِ قَالَ: وَفِي الْبَابِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ أَبُو عِيْسَى: حَدِيثُ سَمُرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌّ. وَهُوَ قَوْلُ غَيْرٍ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، يَسْتَحِبُّونَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْكُتَ بَعْدَ مَا يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ وَبَعْدَ الفَرَاغِ مِنَ القِرَاءَةِ. وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُنَا . ١٨٧- بَابُ مَا جَاءَ في وضْعِ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ في الصَّلاَةِ [ت٧٣، ٧٣٢] [٢٥٢] (٢٥٢) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَخْوَصِ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ هُلْبٍ، قيل: وهي أخفُّ من الأولى، والثانية، وذلك بقدر ما تنفصلُ القراءةُ عن التكبير، فقد نَھی رسولُ الله عن الوصل فیه. انتھی. قوله: (وفي الباب: عن أبي هريرة) أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه(١)، وفيه بيان سكوته له بين التكبير والقراءة، وقوله في هذا السكوت: ((اللهم بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ ... ) إلخ. قوله: (حديث سمرة حديث حسن) قال الشوكاني: قد صَحَّحَ الترمذي حديث الحسن عن السمرة في مواضع من ((سننه))، منها: حديث: نَهَى عَنْ بَيْع الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً(٢)، وحَديث: ((جَارُ الدَّارِ أَحَقُّ بِدارِ الْجَارَ)(٣)، وحديث: ((لا تَلاعَنُوا بِلَعْنَةِ الله، وَلا بِغَضَبِ الله، وَلا بِالنَّارِ))(٤)، وحديث: ((صَلاةُ الْوُسْطَى صَلاةُ العَصْرِ))(٥)، فكان هذا الحديث على مقتضى تصرُّفه جديرًا بالتصحيح، وقد قال الدارقطني: رواة الحديث كلهم ثقات. انتهى. ١٨٧ - بَابُ مَا جَاءَ في وَضْعِ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ في الصَّلاةِ [٢٥٢] قوله: (عن قبيصة بن حُلْب) بضم الهاء، وسكون اللام، بعدها موحدة: الطائي (١) البخاري، كتاب الأذان. حديث (٧٤٤)، ومسلم (٥٩٨)، وأبو داود (٧٨١)، والنسائي في ((الكبرى)) (٩٦٩)، وابن ماجه (٨٠٥). (٢) الترمذي. حديث (١٢٣٧) (٣) المصدر السابق. رقم (١٣٦٨). (٤) المصدر السابق. رقم (١٩٧٦) (٥) المصدر السابق. رقم (١٨٢). ٩٨ أبواب الصلاة عن رسول اللّه وَه / بَابُ مَا جَاءَ فِي وضْعِ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ فِي الصَّلَاةِ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّةٍ يَؤُمُّنَا فَيَأْخُذُ شِمَالَهُ بِيَمِينِهِ. [جه: ٨٠٩، حم: ٢١٤٦٧] . قَالَ: وَفِي الْبَابِ: عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، وَغُطَيْفِ بْنِ الْحَارِثِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ . الكوفي، مقبول من الثالثة؛ قاله الحافظ في ((التقريب)). وفي ((الخلاصة)): وثّقه العجلي. (عن أبيه هلب الطائي) صحابي نزل ((الكوفة))، وقيل: اسمه: يزيد، وهلب لَقَبُّ. (فيأخذ شماله بيمينه) أي: ويضعهما على صَدْرِهِ، ففي رواية أحمد(١) ((وَرَأَيْتُهُ يَضَعُ هَذِهِ عَلَى صَدْرِهِ)) وصف يحيى اليمنى على اليسرى فوق المفصل، وستأتي هذه الرواية بتمامها . قوله: (وفي الباب عن وائل بن حجر، وغطيف بن الحارث، وابن عباس، وابن مسعود، وسهل بن سهل) كذا وقع في ((النسخة الأحمدية)): سهل بن سهل: ووقع في غيرها من النسخ: سهل بن سعد: وهو الصحيحُ، والأولُ غلطٌ. أما حديث وائل بن حجر: فأخرجه مسلم(٢) في ((صحيحه)) عنه؛ ((أنه رأى النَّبِيَّ وَِّ رَفَعَ يَدَيْهِ حِينَ دَخَلَ فِي الصَّلاةِ، ثُمَّ كَبََّ، ثُمَّ الْتَحَفَ، ثُمَّ وَضَعَ بَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ ... )): الحديث. ورواه ابن خزيمة (٣) بلفظ: ((صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ الله ◌ِ فَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى صَدْرِهِ)). وأما حديثُ غُطَيْفٍ، وهو بضم الغين مصغرًا: فأخرجه الحافظ ابن عبد البر(٤) في ((التمهيد))، و((الاستذكار))، بلفظ: ((قال: مَهْمَا رَأَيْتُ شَيْئًا نَسِيتُهُ فَإِنِّي لَمْ أَنْسَ أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ وَاضِعًا يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فِي الصَّلاةِ)؛ كذا في ((إعلام الموقعين)). وأما حديث ابن عباس وابن مسعود(٥) فلينظر من أخرجه. (١) أحمد. حديث (٢١٤٦٠). (٢) مسلم، كتاب الصلاة. حديث (٤٠١). (٣) ابن خزيمة. حديث (٤٧٩). (٤) ((التمهيد)) (٧٣/٢٠)، و((الاستذكار)) (١٩٤/٦) حديث (٨٥٧٣). (٥) أما حديث ابن مسعود، فأخرجه أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٧٥٥)، والنسائي (٨٨٨)، وابن ماجه (٨١١). وأما حديث ابن عباس، فأخرجه ابن عبد البر في ((التمهيد)) (٧٨/٢٠). ٩٩ أبواب الصلاة عن رسول الله (وَاه / بَابُ مَا جَاءَ فِي وضْع الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ فِي الصَّلَاةِ قَالَ أَبُو عِيْسَى: حَدِيثُ هُلْبٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِّنَّهَ وَالتَّابِعِينَ وَمَن بَعْدَهُمْ: يَرَوْنَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ فِي الصَّلَاةِ. وَرَأَى بَعْضُهُمْ أَنْ يَضَعَهُمَا فَوْقَ السُّرَّةِ، وَرَأَى بَعْضُهُمْ: أَنْ يَضَعَهُمَا تَحْتَ السُّرَّةِ، وأما حديث سهل بن سعد: فأخرجه البخاري(١) في ((صحيحه) بلفظ قال: ((كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ الْيَدَ الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى فِي الصَّلاةِ). قوله: (حديث هلب حديث حسن) وأخرجه ابن ماجه. قوله: (والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ◌َّقر، والتابعين، ومن بعدهم؛ يرون: أن يضع الرجل يمينه على شماله في الصلاة) وقال المالكية بإرسال اليدين في الصلاة. قال الحافظ ابن القيم في ((الإعلام)) - بعد ذكر أحاديث وضع اليدين في الصلاة ما لفظه ـ: فهذه الآثارُ قد رُدَّتْ برواية القاسم عن مالك قال: تَرْكُهُ أحبُّ إليَّ، ولا أعلم شيئًا قد وُدَّتْ به سواه. انتهى. والعجبُ من المالكية أنهم كيف آثروا رواية القاسم عن مالك، مع أنه لیس في إرسال اليدين حديث صحيح، وتركوا أحاديث وضع اليدين في الصلاة. وقد أخرج مالكٌ حديث سهل بن سعد المذكور، وقد عقد له بابًا بلفظ: ((وضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة))، فذكر أولًا أثر عبد الكريم بن أبي المخارق؛ أنه قال: من كلام النبوة: ((إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَع مَا شِئْتَ، وَوَضْعِ اليَدَينِ إحداهما على الأُخرَى في الصَّلاةِ، يَضَعُ اليُمْنَى على الْيُسْرَى، وتَعْجِيل الفِظْرِ، والاستِثْنَاس بالسُّحورِ)(٢)، ثم ذكر حديث سهل بن سعد المذكور. (ورأى بعضُهم أن يضعهما فوق السرة، ورأى بعضهم أن يضعهما تحت السرة) وقد أجمل الترمذي الكلام في هذا المقام؛ فلنا أن نفصِّله. فاعلم: أن مذهب الإمام أبي حنيفة: أن الرَّجلَ يضعُ اليدين في الصلاة تحت السُّرَّة، والمرأة تضعهما على الصَّدْر، ولم يرو عنه، ولا عن أصحابه شَيْءٌ خلاف ذلك. وأما الإمام مالك: فعنه ثلاث روايات: (١) البخاري، كتاب الأذان. حديث (٧٤٠). (٢) ((موطأ مالك)). حديث (٣٧٧). ١٠٠ أبواب الصلاة عن رسول الله لَ ه / بَابُ مَا جَاءَ فِي وضْع الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ فِي الصَّلَاةِ وَكُلُّ ذَلِكَ وَاسِعٌ عِنْدَهُمْ. إحداها: وهي المشهورة عنه: أنه يرسل يديه، كما نقله صاحب ((الهداية))، والسرخسي في ((محيطه))، وغيرهما عن مالك. وقد ذكر العلامة أبو محمد عبد الله الشاشي المالكي في كتابه المسمى بـ((عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة))، والزرقاني في ((شرح الموطأ)): أن إرسال اليد رواية ابن القاسم عن مالك؛ وزاد الزرقاني أن هذا هو الذي صار إليه أكثرُ أصحابه. الثانية: أن يَضَعَ يديه تحت الصَّدر فوق السُّرة؛ كذا ذكره العيني في ((شرح الهداية)) عن مالك. وفي ((عقد الجواهر)): أن هذه رواية مطرف والماجشون عن مالك. الثالثة: أنه تخيير بين الوضع والإرسال، وذكر في ((عقد الجواهر))، و((شرح الموطأ))؛ أنه قول أصحاب مالك والمدنیین. وأما الإمام الشافعي: فعنه أيضًا ثلاث روايات: إحداها: أنه يضعهما تحت الصدر فوق السرة، وهي التي ذكرها الشافعي في ((الأم))، وهي المختارة المشهورةُ عند أصحابه المذكورة في أكثر متونهم وشروحهم. الثانية: وضعهما على الصدر، وهي الروايةُ التي نقلها صاحب ((الهداية)) من الشافعي، وقال العيني: إنها المذكورةُ في ((الحاوي)) من كتبهم. الثالثة: وضعهما تحت السرة. وقد ذكر هذه الرواية في ((شرح المنهاج)) بلفظ: ((قيل)). وقال في ((المواهب اللدنية))؛ إنها رواية عن بعض أصحاب الشَّافعي. وأما الإمامُ أحمد رحمه الله فعنه أيضًا ثلاثُ روايات: إحداها: وضعهما تحت السرة. والثانية: وضعهما تحت الصَّدر. والثالث: التخيير بينهما، وأشهر الروايات عنه الرواية الأولى، وعليه جماهير الحنابلة؛ هذا كله مأخوذ من ((فوز الكرام)) للشيخ محمد قائم السندي، و((دراهم الصرة)) لمحمد هاشم السندي . (وكل ذلك واسع عندهم) ظاهره أن الاختلاف بينهم في الوضع فوق السرة وتحت السرة، إنما هو في الاختيار والأفضلية. واعلم أن الأحاديث والآثار قد وردت مختلفة في هذا الباب، ولأجل ذلك وقع