Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
أبواب الصلاة عن رسول الله وَلهـ / بَابُ مَا جَاءَ إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمُ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ
إِذَا أَذِنَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ.
١٧٥- بَابُ مَا جَاءَ إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمُ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ [ت٦١، ٦١٢]
[٢٣٦] (٢٣٦) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا المُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ،
قال الشوكاني في ((النيل)): وَيَعْضُدُهُ عموم قوله في حديث ابن عمر: ((وهُم به رَاضُون))،
وقوله في حديث أبي هريرة: ((إلَّا بِإِذْنِهِ))، كما قال المصنف - يعني: صاحب ((المنتقى)) -
فإنه يقتضي جواز إمامة الزائر عند رضا المزور. قال العراقي: ويشترط: أن يكون المَزُورُ
أهْلًا للإمامة، فإن لم يكن أَهْلًا كالمرأة في صورة كون الزائر رجلًا: والأمي في صورة كون
الزائر قارئًا ونحوهما فلا حق له في الإمامة.
واعلم: أن الإمام البخاري قال في ((صحيحه)): ((باب: إذا زار الإمام قومًا فأمهم)) ثم
ذكر فيه حديث عتبان بن مالك: قَد اسْتَأْذَنَ النَّبِيُّ وَّهِ فَأَذِنْتُ لَهُ، فَقَالَ: أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ
مِن بَيْتِكَ؟ فَأَشرت إلى المَكَانِ الَّذِي أُحِبُّ، فَقَامَ وَصَفَفْنَا خَلْفَهُ، ثُمَّ سَلَّمْ وَسَلَّمْنَا (١)، قال
الحافظ في ((الفتح)) قيل: أشار بهذه الترجمة إلى أن حديث مالك بن الحويرث الذي أخرجه
أبو داود، والترمذي (٢) وحسنه - مرفوعًا -: ((مَنْ زَارَ قَوْمًا فَلا يَؤُمَّهُمْ، وَلْيَؤُمَّهِمْ رَجُلٌ مِنْهُم))
محمول على من عدا الإمام الأعظم، وقال الزين بن المنير: مراده: أن الإمام الأعظم، ومن
يجري مجراه إذا حضر بمكان مملوك لا يتقدم عليه مالك الدار، ولكن ينبغي للمالك أن يأذن
له؛ ليجمع بين الحقين: حق الإمام في التقدم، وحق المالك في منع التصرف بغير إذنه.
انتهى ملخصًا. ويحتمل: أنه أشار إلى ما في حديث أبي مسعود: وَلا يُؤَم الرَّجُلُ فِي
سُلْطَانِهِ، وَلا يُجْلَس عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَإِنَّ مَالِكَ الشَّيءِ سُلْطَانٌ عليه، والإمامُ الأعظَمُ
سُلْطَانٌ على المالك.
وقوله: ((إلَّا بِإِذْنِهِ))، يحتمل: عوده على الأمرين: الإمامة، والجلوس؛ وبذلك جزم
أحمد، كما حكاه الترمذي، فتحصل بالإذن مراعاة الجانبين. انتهى.
١٧٥ - باب مَا جَاءَ إذَا أَمَّ أَحَدُكُمُ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ
[٢٣٦] قوله: (حدثنا المغيرة بن عبد الرحمن) بن عبد الله الخزامي المدني، روى عن
(١) البخاري، كتاب الأذان. حديث (٦٨٦).
(٢) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٥٩٦)، والترمذي، كتاب الصلاة. حديث (٣٥٦).

٤٢
أبواب الصلاة عن رسول الله وَّر / بَابُ مَا جَاءَ إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمُ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ
عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَلِّرِ قَالَ: ((إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمُ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ،
فَإِنَّ فِيْهِمُ الصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ وَالضَّعِيفَ وَالمَرِيضَ، فَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ، فَلْيُصَلِّ كَيْفَ
شَاءَ)). [خ: ٧٠٣، م: ٤٦٧، ن: ٨٢٢، د بنحوه: ٧٦٤، حم: ٩٩٣٣، طا: ٣٠٣].
أبي الزناد فأكثر، وعنه: يحيى بن يحيى، وقتيبة، قال أبو داود: رَجُلٌ صَالِحٌ، وقال أحمد:
مَا بِحَدِيثِهِ بَأْسٌ، وقال النسائي: لَيْسَ بِالقَوِيِّ؛ كذا في ((الخلاصة)). وقال الحافظ: ثقة له
غرائب. (فليخفف) قال ابن دقيق العيد: التطويل والتخفيف من الأمور الإضافية؛ فقد يكون
الشيء خفيفًا؛ بالنسبة إلى عادة قوم، طويلًا بالنسبة لعادة آخرين، قال: وقول الفقهاء: لا
يَزِيدُ الإمَامُ في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ عَلَى ثلاث تسبيحات، لا يخالف ما ورد عن النبي وَّرُ أَنَّهُ
كَانَ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ؛ لأن رغبةَ الصحابة في الخير تقتضي: ألَّا يكون ذلك تطويلًا.
قال الحافظ: وأولى ما أخذ حد التخفيف: من الحديث الذي أخرجه أبو داود،
والنسائي(١) عن عثمان بن أبي العاص؛ أن النبي ◌َِّ قَالَ لَهُ: أَنْتَ إِمَامُ قوْمِكَ، وأَقْدَرُ القَوْمِ
بأضعفهم. إسناده حسن، وأصله في مسلم(٢). انتهى.
(فإن فيهم الصغير والكبير) أي: في السن. (والضعيف) أي: ضعيف الخلقة.
(والمريض) وزاد الطبراني(٣) من حديث عثمان بن أبي العاص: ((وَالحَامِلَ والمُرْضِعَ)): وله
من الحديث عدي بن حاتم: ((وَالعَابِرَ السَّبِيل)) ووقع في حديث أبي مسعود: ((وَذَا الْحَاجَةِ)):
وهو أشمل الأوصاف المذكورة.
قال الحافظ في ((الفتح)) قوله: ((فَإِنَّ فِيهِمْ))، مقتضاه: أنه متى لم يكن فيهم مُتَّصِفٌ بِصِفَةٍ
مِنَ المَذْكُورَاتِ لم يضر التطويل، قال: وقد قَدَّمْتُ مَا يَرُدُّ عليه في الباب الذي قبله من إمكان
مجيء من يتصف بإحداها .
وقال اليعمري: الأحكام: إنما تُنَاطُ بالغالب، لا بالصورة النادرة، فينبغي للأئمة:
التخفيف مطلقًا، قال: وهذا كما شرع القصر في صلاة المسافر، وعلل بالمشقة، وهو مع
ذلك يشرع، ولو لم يشق؛ عملًا بالغالب؛ لأنه لا يدري ما يطرأ عليه، وهناك كذلك. انتهى
ما في ((الفتح)).
(١) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٥٣١)، والنسائي، كتاب الأذان. حديث (٦٧٢).
(٢) مسلم، كتاب الصلاة. حديث (٤٦٨).
(٣) الطبراني في ((الكبير)) (٨٣٧٩).

٤٣
أبواب الصلاة عن رسول الله وَال﴿ / بَابُ مَا جَاءَ إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمُ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَفِي الْبَابِ: عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، وَأَنَسٍ، وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ،
وَمَالِكِ بْنِ عَبْدِ الله، وَأَبِي وَاقِدٍ، وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، وَأَبِي مَسْعُودٍ، وَجَابِرِ بْنِ
عَبْدِ الله، وَابْنِ عَبَّاسٍ.
وقال ابن عبد البر: ينبغي لكل إمام أَنْ يُخَفِّفَ؛ لأمره ◌َّهِ وإن علم قوة من خلفه؛ فإنه
لا يدري ما يحدث عليهم من حادث وشغل وعارض وحاجة وحدث وغيره (فليصل كيف
شاء) أي: مخففًا، أو مطولًا، وفي رواية البخاري(١) ((فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءً)). قال القاري في
((المرقاة)): والحديث بظاهره ينافي قول بعض الشافعية: إن تطويل الاعْتِدَالِ والْجُلُوس بين
السجدتين مُبْطِلٌ لِلصَّلاةِ. انتهى.
قلت: الأولى أن يقال: إنَّ الحديث ينفي قول بعض الشافعية ويرده.
قوله: (وفي الباب عن عدي بن حاتم، وأنس، وجابر بن سمرة، ومالك بن عبد الله،
وأبي واقد، وعثمان بن أبي العاص، وأبي مسعود، وجابر بن عبد الله، وابن عباس) أما
حديث عدي بن حاتم: فأخرجه الطبراني، وابن أبي شيبة (٢).
وأما حديث أنس: فأخرجه البخاري، ومسلم (٣).
وأما حديث جابر بن سمرة: فأخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود (٤).
وأما حديث مالك بن عبد الله - وهو: الخزاعي - وحديث أبي واقد: فأخرجهما
الطبراني (٥).
وأما حديث عثمان بن أبي العاص: فأخرجه مسلم (٦).
وأما حديث أبي مسعود: فأخرجه الشيخان، وابن ماجه، وأحمد (٧).
(١) البخاري، كتاب الأذان. حديث (٧٠٣).
(٢) ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٤٦٥٩)، والطبراني في ((الكبير)) (٨٣٣٩).
(٣) البخاري، كتاب الأذان. حديث (٧٠٦)، ومسلم، كتاب الصلاة. حديث (٤٦٩).
(٤) البخاري، كتاب الأذان. حديث (٧٧٠)، ومسلم، (٤٥٩)، وأبو داود (٨٠٥).
(٥) أما حديث مالك بن عبد الله فأخرجه الطبراني في «الكبير)) (٦٥١)، وأما حديث أبي واقد فأخرجه الطبراني في
((الكبير)) (٣٣١١).
(٦) مسلم، كتاب الصلاة. حديث (٤٦٨).
(٧) أحمد (١٦٦١٧)، والبخاري، كتاب الأذان. حديث (٧٠٢)، ومسلم حديث (٤٦٦).

٤٤
أبواب الصلاة عن رسول اللهِ ﴿ه / بَابُ مَا جَاءَ إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمُ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ اخْتَارُوا أَلَّا يُطِيلَ الْإِمَامُ الصَّلَاةَ؛ مَخَافَةَ المَشَقَّةِ عَلَى
الضَّعِيفِ وَالْكَبِيرِ وَالمَرِيضِ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَأَبُو الزِّنَادِ اسْمُهُ: عَبْدُ الله بْنُ ذَكْوَانَ.
وَالْأَعْرَجُ هُوَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ المَدِينِيُّ، وَيُكْنَى: أَبَا دَاوُدَ.
وأما حديث جابر بن عبد الله: فأخرجه الشيخان(١) .
وأما حديث ابن عباس: فأخرجه ابن أبي شيبة(٢) ، وفي الباب أيضًا: عن حزم بن أبي بن
كعب: أخرجه أبو داود(٣)، وعن ابن عمر: أخرجه النسائي(٤)، وعن بريدة: أخرجه
أحمد(٥)، وعن رجل من بني سلمة - يقال له: سليم من الصحابة -: أخرجه أحمد (٦).
قوله: (حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة إلا ابن ماجه.
قوله: (وهو قول أكثر أهل العلم: اختاروا أَلَّا يطيل الإمام الصلاة ... إلخ) قال ابن
عبد البر: التخفيف لكل إمام مجمع عليه مندوب عند العلماء إليه، إلا أن ذلك: إنما هو أقل
الكمال، وأما الحذف والنقصان فلا؛ لأن رسول الله ﴿ ﴿ل قد نهى عن نقر الغراب، وَرَأَی
رَجُلًا يُصَلِّي فَلَمْ يُتِمَّ رُكُوعَهُ فقال له: ((ارْجِعْ فَصَلِّ؛ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ)، وقال: ((لا يَنْظُرُ اللهُ إِلَى
مَنْ لا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ»، ثم قال: لا أعلم خلافًا بين أهل العلم في:
استحباب التخفيف لكل من أمَّ قومًا، على ما شرطنا من الإتمام، وقد روي عن عمر بن
الخطاب أنه قال: لا تُبَغِّضُوا اللهَ عِبَادَه؛ يُطَوِّل أَحَدُكُمْ فِي صَلاتِهِ حتَّى يَشُقَّ عَلَى مَنْ خَلْفَهُ.
انتھی.
(١) البخاري، كتاب الأذان. حديث (٧٠٥)، ومسلم كتاب الصلاة. حديث (٤٦٥).
(٢) لم أجده عند ابن أبي شيبة، وأخرجه الطبراني في «الكبير)) (١٧/١٢) (١٢٣٣٨).
(٣) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٧٩١).
(٤) النسائي، كتاب الإمامة. حديث (٨٢٦).
(٥) أحمد. حديث (٢٢٤٨٤).
(٦) أحمد. حديث (٢٠١٧٥).

٤٥
أبواب الصلاة عن رسول الله وَّه / بَابُ مَا جَاءَ إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمُ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ
[٢٣٧] (٢٣٧) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ،
قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ◌َّهِ مِنْ أَخَفِّ النَّاسِ صَلَاةً فِي تَمَام. [خ بنحوه: ٧٠٨، م: ٤٦٩، ن:
٨٢٣، جه بنحوه: ٩٨٥، حم: ١٢٣٢٣، مي: ١٢٦٠] .
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَاسْمُ أَبِي عَوَانَةَ: وَضَّاحٌ.
[قَالَ أَبُو عِيسَى: سَأَلْتُ قُتَيْبَةَ قُلْتُ: أَبُو عَوَانَةَ مَا اسْمُهُ؟ قَالَ: وَضَّاحٌ، قُلْتُ:
ابْنُ مَنْ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي، كَانَ عَبْدَاً لِامْرَأَةٍ بِالْبَصْرَةِ].
[٢٣٧] قوله: (من أخفّ الناسِ صلاةً في تمام) قال القاضي: خِفَّةُ الصلاة: عِبَارَةٌ عن
عَدَمِ تْوِيلٍ قراءتها، والاقتصار على قصار المُفَصّلِ، وعن تركِ الدَّعَوَاتِ الطويلة في
الانتقالات، وتمامها: عبارة عن الإثْيانِ بجميع الأَرْكَانِ وَالسنن، واللُّبْثِ راكعًا وساجدًا بِقَدْرِ
مَا يُسَبِّحُ ثَلاثًا. انتهى.
قال القاري في ((المرقاة)) - بعد نقل كلام القاضي هذا -: وفيه إيهام أنه: ما كان يقرأ
أوساط المفصل وطوالها، وقد ثبت قراءته إياها؛ فالمَعْنِيُّ بالخفة: أنه ما كان يُمَطِّطُهَا ويمددها
في غير مواضعها، كما يفعله الأئمة المعظمة - حتى في ((مكة المكرمة)) في زماننا - فإنهم
يَمُدُّونَ في المدَّاتِ الطبيعيةِ قَدْرَ ثَلاثٍ أَلِفَاتٍ وَيُطَوِّلُونَ السكتات في مواضع الوقوفات ويزيدون
في عدد التسبيحات؛ انتظارًا لفراغ المكبرين المطولين في النغمات، بل كانت قراءته عليه
السلام مُجَوَّدَة محسنة مرتلة مبينة، وَمِنْ خَاصِّيَّةِ قِرَاءَتِهِ اللَّطِيفَةِ: أنها كانت خفيفة على النفوس
الشريفة، ولو كانت طويلة؛ لأن الأَرْوَاحَ لا تَشْبَعُ مِنْهَا، والأشْبَاحُ لا تَقْنَعُ بِهَا. انتهى.
تنبيه: قال صاحب ((العرف الشذي)) - الحنفي -: ظهور التخفيف: إنما يكون في القراءة
لا في الركوع والسجود، وتعديل الأركان؛ كما هو معلوم من فعل صاحب الشريعة. انتهى.
قلت: لكن أكثر الحنفية يخالفون فعل صاحب الشريعة هذا؛ فيخففون في الركوع
والسجود غاية التخفيف، حتى يكون سجودهم كَنَقْرِ الديك؛ وأما تعديل الأركان: فلا
يخففون فيه، بل يتركونه رأسًا، فهداهم الله تعالى إلى فعل صاحب الشريعة الذي قال:
((صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي))(١) .
قوله: (وهذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان.
(١) البخاري، كتاب الأذان، حديث (٦٣١).

٤٦
أبواب الصلاة عن رسول الله وَليهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي تَحْرِيمِ الصَّلَاةِ وَتَحْلِيلِهَا
١٧٦ - بَابُ مَا جَاءَ في تَحْرِيمِ الصَّلاَةِ وَتَخْلِيلِهَا [ت٦٢، ٦٢٢]
[٢٣٨] (٢٣٨) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفُضَيْلِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ
طَرِيفِ السَّعْدِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِّهِ: ((مِفْتَاحُ
الصَّلَاةِ الظُّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا الَّسْلِيمُ، وَلَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأُ
بِالْحَمْدِ وَسُورَةٍ فِي فَرِيضَةٍ وَغَيْرِهَا)). [ر مختصراً: ٦١، جه مختصراً: ٢٧٦، حم مختصراً: ١٠٠٩،
مي مختصراً: ٦٨٧].
١٧٦ - باب مَا جَاءَ في تَحْرِيمِ الصَّلاةِ وَتَحْلِيلِهَا
[٢٣٨] قوله: (عن أبي سفيان طريف السعدي) هو: طريف بن شهاب، أو ابن سعد
البصري الأشل، ويقال له: الأعسم(١) ضعيف من السادسة؛ كذا في ((التقريب)). وقال في
((الميزان)): ضعفه ابن معين، وقال أحمد: ليس بشيء، وقال البخاري: ليس بالقوي عندهم،
وقال النّسائي: متروك. (عن أبي نضرة) - بنون مفتوحة ومعجمة ساكنة - اسمه: المنذر بن
مالك بن قُطَعَةَ - بضم القاف وفتح المهملة - العبدي العوفي البصري مشهور بكنيته، ثقة من
الثالثة .
قوله: (مفتاح الصلاة الطهور) تقدم هذا الحديث مع شرحه في أبواب الطهارة، رواه
الترمذي هناك من حديث علي ورواه ها هنا من حديث أبي سعيد. (و لا صلاة لمن لم يقرأ
بالحمد وسورة في فريضة وغيرها) فيه: دلالة على أن قراءة سورة بعد الفاتحة واجبة، لكن
الحديث ضعيف، ويعارضه ما رواه الدارقطني (٢)، عن عبادة بن الصامت: أن النبي ◌َّ قال:
(أُمُ القُرْآنِ عِوَضٌ من غَيْرِهَا، وَلَيْسَ غَيْرُهَا مِنْهَا بِعوَضٍ)). وقال الحافظ في ((التلخيص)):
وروى الحاكم(٣) من طريق أشهب، عن ابن عيينة، عن الزهري، عن محمود بن الربيع، عن
عبادة مرفوعًا: ((أُمُّ القُرْآنِ عِوَضٌ من غَيْرِهَا، وَلَيْسَ غَيْرُهَا عوضًا مِنْهَا))؛ وله شواهد فساقها.
انتهى. وما في ((صحيح البخاري))(٤) عن أبي هريرة يقول: في كُلِّ صَلاةٍ يَقْرَأُ فَمَا أَسْمَعَنَا
(١) وفي نسخة أخرى: الأعصم.
(٢) الدارقطني (٣٢٢/١) (٢٠).
(٣). الحاكم. حديث (٨٦٧) وقال: قد اتفق الشيخان على إخراج هذا الحديث عن الزهري من أوجه مختلفة بغير هذا
اللفظ، ورواة هذا الحديث أكثرهم أئمة وكلهم ثقات على شرطهما، وقال الذهبي: أخرجاه بغير هذا اللفظ.
(٤) البخاري، كتاب الأذان. حديث (٧٧٢).

٤٧
أبواب الصلاة عن رسول الله وَ﴿﴿ بَابُ مَا جَاءَ فِي تَحْرِيمِ الصَّلَاةِ وَتَحْلِيلِهَا
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَفِي الْبَابِ: عَنْ عَلِيٍّ، وَعَائِشَةَ.
قَالَ: وَحَدِيثُ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي هَذَا أَجْوَدُ [إِسْنَاداً] وَأَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ
أَبِي سَعِيدٍ، وَقَدْ كَتَبْنَاهُ فِي أَوَّل: ((كِتَابِ الْوُضُوءِ))، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ
أَصْحَابِ النَّبِيِّ بَيْهِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ.
وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّورِيُّ، وَابْنُ المُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ: إِنَّ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ أَسْمَعْنَاكُمْ، ومَا أَخْفَى عَنَّا أَخْفَيْنَا عَنْكُمْ، وَإِنْ لَمْ تَزِدْ عَلَى أُمِّ القُرْآنِ أَجْزِأَتْ،
وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ.
قال الحافظ في ((الفتح)): وأخرجه أبو عوانة (١) من طريق يحيى بن أبي الحجاج، عن ابن
جريج كرواية الجماعة، لكن زاد في آخره: وسمعته يقول: ((لا صَلاةَ إلَّا بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ)»،
وظاهر سياقِه: أن ضمير: ((سمعته)) للنبي ◌َّ، فيكون مرفوعًا بخلاف رواية الجماعة، نعم
قوله: ((مَا أَسْمَعْنَا وَمَا أَخْفَى عَنَّا)): يُشْعِرُ بأن جميع ما ذكره مُتَلقَّى عن النبي ◌َلّ فيكون
للجميع حكم الرفع. انتهى. رواه ابن خزيمة عن ابن عباس أن النبي وَ ﴿ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ
لَمْ يَقْرَأُ فِيهِمَا إِلَّا بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ؛ ذكره الحافظ في ((الفتح)).
قوله: (وفي الباب: عن علي، وعائشة) أما حديث علي: فتقدم في ((أبواب الطهارة)) (٢)
وأما حَديثُ عَائِشَةَ: فأخرجه مسلم(٣) بِلَفْظِ: قَالَتْ: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يَسْتَفْتِحُ الصَّلاةَ
بِالتَّكْبِيرِ، وَالْقِرَاءَةَ بِالْحَمْدِ لله رَبِّ الْعَالمِينَ)).
قوله: (وحديث علي بن أبي طالب: أجود إسنادًا وأصحّ من حديث أبي سعيد)؛ لأن في
سند حديث أبي سعيد: طريف السعدي؛ وهو ضعيف كما عرفت. (وقد كتبناه) أي: حديث
علي. (أول) - بالبناء على الضم - أي: في أول الكتاب. (في كتاب الوضوء) أي: في
(باب: ما جاء: مفتاح الصلاة الطهور)). (والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي ◌َالقهر
ومن بعدهم؛ وبه يقول سفيان الثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق: إن
(١) ((صحيح أبي عوانة)) (١٣٢٢).
(٢) الترمذي، كتاب الطهارة عن رسول الله. حديث (٣).
(٣) مسلم، كتاب الصلاة. حديث (٤٩٨).

٤٨
أبواب الصلاة عن رسول الله وَ﴿ / بَابُ مَا جَاءَ فِي تَحْرِيمِ الصَّلَاةِ وَتَحْلِيلِهَا
تَحْرِيمَ الصَّلَاةِ التَّكْبِيرُ، وَلَا يَكُونُ الرَّجُلُ دَاخِلًا فِي الصَّلَاةِ إِلَّ بِالتَّكْبِيرِ .
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَسَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبَانٍ مُستَملِيَ وَكِيعِ يَقُولُ: سَمِعْتُ
عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهدِيٍّ، يَقُولُ: لَو افْتَتَحَ الرَّجُلُ الصَّلَاةَ بِتِسْعِينَ اسْماً مِنْ
أَسْمَاءِ الله، وَلَمْ يُكَبِّرْ لَمْ يُجْزِهِ، وَإِنْ أَحْدَثَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ أَمَرْتُهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ، ثُمَّ يَرْجِعَ
إِلَى مَکَانِهِ فَيُسَلُّمَ
تحريم الصلاة التكبير؛ ولا يكون الرجل داخلًا في الصلاة إلا بالتكبير) وهو قول الجمهور،
ووافقهم أبو يوسف، واستدلوا على ذلك: بأحاديث الباب، ومن حجتهم: حديث رفاعة في
قصة المسيء صلاته، أخرجه أبو داود(١) بلفظ: ((لا تَتِمُّ صَلَاةُ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ حَتَّى يَتَوَضَّأَ
فَيَضَعَ الوُضُوءَ مَوَاضِعَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرِ))، ورواه الطبراني بلفظ: (ثُمَّ يَقُولُ: الله أَكْبَر)) وحديث
أبي حميد: كَانَ رَسُولُ الله ◌ِّهِ إِذا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ اعْتَدلَ قَائِمًا، وَرَفَعَ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَقُولَ: الله
أَكْبَرُ؛ أخرجه ابن ماجه(٢)، وصحَّحه ابن خزيمة وابن حبان، وهذا فيه بيان المراد بالتكبير،
وهو قول: ((الله أكبر))، وروى البزار (٣) بإسناد صحيح عن عَلِيٍّ - عَلَى شرط مسلم - أن النبي
وَِّ﴿ كَانَ إِذَا قام إلى الصَّلاةِ قال: ((الله أَكْبَر))؛ كذا في ((فتح الباري)).
(قال أبو عيسى: سمعت أبا بكر محمد بن أبان) ابن الوزير البلخي يلقب: بـ((حَمْدَوَيْهِ)).
وكان مستملي وكيع، ثقة حافظ من العاشرة.
قال ابن حبان: كان ممن جمع وصنف، روى عن ابن عيينة وَغُنْدَرٍ وطبقتهما، وعنه:
البخاري والأربعة وخلق. (يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي) البصري، ثقة ثبت حافظ
عارف بالرجال والحديث، قال ابن المديني: ما رأيت أعلم منه، يقول: (لَوِ افْتَتَحَ الرَّجُلُ
الصَّلاة بِتِسْعِينَ اسْمًا من أَسْمَاءِ الله وَلَمْ يُكَبِّرْ لَمْ يُجْزِهِ) - يعني لفظ ((الله أكبر)) -: مُتَعَيِّنٌ
لافتتاح الصلاة، لا يكون الافتتاح إلَّا بِهِ، فلو قال أحد: الله أَجَلُّ، أَوْ أَعْظَمُ، أَوْ قَالَ:
الرَّحْمِنُ أَكْبَرُ - مَثَلًا - لم يُجْزِهِ، ولم يصح الافتتاح به خلافًا للحنفية، والقول الراجح
المنصور: هو قول عبد الرحمن بن مهدي. (وإن أحدث قبل أن يسلم أمرته أن يتوضأ، ثم
يرجع إلى مكانه ويسلم) لقوله ◌ٍَّ: ((وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ))، فكما أن التكبير متعين للتحريم
(١) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٨٥٦)، والطبراني في ((الكبير)) (٤٥٢٦) والزيادة له.
(٢) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها. حديث (٨٦٣).
(٣) البزار. حديث (٤٩٩ - زخار).

٤٩
أبواب الصلاة عن رسول الله وَله / بَابُ مَا جَاءَ فِي تَحْرِيمِ الصَّلَاةِ وَتَحْلِيلِهَا
إِنَّمَا الْأَمَرُ عَلَى وَجْهِهِ.
قَالَ: وَأَبُو نَضْرَةَ اسْمُهُ: مُنْذِرُ بْنُ مَالِكِ بْنِ قُطَعَةَ.
ولافتتاح الصلاة، كذلك التسليم متعين للتحليل، والخروج عن الصلاة. (إنما الأمر على
وجهه) قال أبو الطيب السندي في ((شرحه)): يعني قوله: ((وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ)) لا يؤوَّل بل
يحمل على ظاهره؛ من أن السلام فرض؛ لأنه لا يحل له ما حرم عليه في صلاة إلا به، فما
لم يخرج من الصلاة إلا به يكون فرضًا، كما أنَّ مَا يَدخل به فيها يكونُ فرضًا؛ وبه قال
الإمام الشافعي وغيره.
وقال علماؤنا - يعني الحنفية -: إنه واجب دون فرض. انتهى كلام السندي.
واعلم: أن الإمام أبا حنيفة ومحمدًا رحمهما الله قالا بجواز افتتاح الصلاة بكل ما دل
على التعظيم الخالص غير المشوب بالدعاء؛ لأن التكبير هو التعظيم، قال الله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ
فَكَيِّرْ﴾ [المدَّثر: ٣] أي: عظم، وقال تعالى: ﴿وَذَكَرَ أَسْمَ رَبِّهِ، فَصَلََّ﴾ [الأعلى: ١٥]، وذِكْرُ اسمه أعم
من أن يكون باسم الله، أو باسم الرحمن، أو غير ذلك مما يدل على التعظيم؛ غاية ما في
الباب: أن يكون اللفظ المنقول سنة مؤكدة، لا أنه الشرط دون غيره؛ كذا ذكره الحنفية،
وأجابوا عن حديث الباب: بأن العبرة للمعاني لا للألفاظ، فليس معنى الحديث: تحريمها
لفظ التكبير، بل معناه: تحريمها ما يدل على التعظيم.
قلت: الحق في هذا الباب: هو ما ذهب إليه الجمهور، من أن تحريم الصلاة التكبير،
ولا يكون الرجل داخلًا في الصلاة إلا بالتكبير كما عرفت، وأما قوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَِّرْ﴾
[المدثر: ٣]، فلا نسلم أن المراد بالتكبير في هذه الآية: تكبير الافتتاح؛ فإنها مكية، نزلت قبل
قصة الإسراء التي فرضت الصلاة فيها، فكيف يكون المراد بالتكبير فيها: تكبير الافتتاح؟
وأما القول: بأن النبي (وَ﴿ كان يتعبد ويصلي تطوعًا في جبل ((حراء)) وغيره قبل أن
تفرض عليه الصلاة، فلا بأس بأن يراد بالتكبير في هذه الآية: تكبير الافتتاح؛ ففيه أنه: لا
يتعين على هذا التقدير أيضًا أن يراد بالتكبير: تكبير الافتتاح؛ كما لا يخفى على المتأمل،
ولو سلم أنه المتعين، فالمراد به: خصوص لفظ التكبير؛ لأحاديث الباب، ولم يثبت عن
النبي وَّليه افتتاح الصلاة بغير لفظ التكبير ألبتة، ولا عن الصحابة رضي الله عنهم أجمعين،
وأما قوله تعالى: ﴿وَذَّكَرَ أُسْمَ رَيِّدِ، فَصَلَّى﴾ فلا نسلم فيه أيضًا: أن المراد بذكر اسم ربه: تكبير
الافتتاح، لم لا يجوز أن يكون المراد بالذكر: تكبير التشريق، وبالصلاة: صلاة العيد،

٥٠
أبواب الصلاة عن رسول الله وَّج / بَابُ مَا جَاءَ فِي نَشْرِ الْأَصَابِعِ عِنْدَ التَّكْبِرِ
١٧٧ - بَابٌ مَا جَاءَ في نَشْرِ الأَصَابِعِ عِنْدَ التَّكْبِيرِ [ت٦٣، م٦٣]
[٢٣٩] (٢٣٩) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ، عَنِ
ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ
وبقوله: تزكى: زكاة الفطر؟ كما رواه عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم،
وعبد الرزاق، وابن مردويه، والبيهقي، وغيرهم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وابن
عمر وغيرهما، وعلى هذا: فلا تكون الآية ممَّا نحن فيه.
وأما جوابهم عن حديث الباب: بأن العبرة للمعاني لا للألفاظ: ففيه: أن الأصل في
الأذكار والأدعية - لا سيما أذكار الصلاة وأدعيتها - هو: التوقيف.
فالحاصل: أن مذهب الجمهور: هو الحق والصواب، وأما قول الحنفية: فلا دليل
عليه .
قال الحافظ ابن القيم في ((إعلام الموقعين)): ص٢٦٤ ج ١: المثال الخامس عشر: رد
المحكم الصريح من تعيين التكبير للدخول في الصلاة بقوله: ((إذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَكَبِّر))،
وقوله: ((تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ))، وقوله: ((لا يَقْبَلُ الله صَلاةَ أَحَدِكُمْ حَتَّى يَضعَ الوُضُوءَ مَوَاضِعَهُ،
ثُمَّ يَسْتَقْبِلَ القِبْلَةَ وَيَقُولَ: الله أَكْبَرُ))، وهي نصوص في غاية الصحة فردت بالمتشابه من قوله:
﴿وَذَّكَرَ أَسْمَ رَبِّهِ، فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥]. انتهى.
١٧٧ - باب مَا جَاءَ في نَشْرِ الأَصَابِ عِنْدَ التَّكْبِيرِ
[٢٣٩] قوله: (نا يحيى بن يمان) العجلي الكوفي، صدوق عابد يخطئ كثيرًا، وقد تغير،
من كبار التاسعة؛ كذا في ((التقريب)). وقال في ((الخلاصة)): قال أحمد: ليس بحجة، وقال
ابن المديني: صدوق تغير حفظه. وقال يعقوب بن شيبة: صدوق أنكروا عليه كثرة الغلط.
(عن ابن أبي ذئب) هو: محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب، القرشي
العامري أبو الحارث المدني، ثقة فقيه فاضل من السابعة؛ كذا في ((التقريب)). وقال في
((الخلاصة)): قال أحمد: يشبه بابن المسيب، وهو أصلح [وأورع] وأقوم بالحق من مالك.
ولَمَّا حَجَّ المَهْدِيُّ دَخَلَ مَسْجِدَ النَّبِيِّ وََّ، فقال له المسيب بن زهير: قُمْ: هذا أَمِيرُ
المُؤْمِنِينَ، فقال ابن أبي ذئب: إنَّمَا يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِين. فقال المهدي: دَعْهُ؛ فَلَقَدْ
قَامَتْ كُلُّ شَعْرَةٍ فِي رَأْسِي. قال أبو نعيم: مات سنة ١٩٥ تسع وخمسين ومائة. (عن سعيد بن

٥١
أبواب الصلاة عن رسول الله وَله / بَابُ مَا جَاءَ فِي نَشْرِ الْأَصَابِعِ عِنْدَ التَّكْبِرِ
سِمْعَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلَهَ إِذَا كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ نَشَرَ أَصَابِعَهُ. [فيه
ضعف، یحیی بن اليمان صدوق يخطئ كَثِيراً وَقَدْ تغیر].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَسَنٌ.
وَقَدْ رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سِمْعَانَ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ كَانَ إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ رَفَعَ يدَيْهِ مَدًّا.
وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةٍ يَحْيَى بْنِ اليَمَانِ، وَأَخْطَأَ يَحْيَى بْنُ اليَمَانِ فِي هَذَا
الْحَدِيثِ.
سمعان) - بكسر السين وفتحها، وسكون الميم - قال الحافظ: ثقة، ولم يصب الأزدي في
تضعيفه، من الثالثة.
قوله: (إذا كبر للصلاة نشر أصابعه) أي: بسطها؛ قاله السيوطي، يعني: أن المراد
بالنشر: ضد القبض؛ وقال أبو الطيب السندي: أو المراد: خلاف الضم، أي: تركها على
حالها، ولم يضم بعضها إلى بعض. انتهى. وفي ((السعاية شرح الوقاية)) لبعض العلماء
الحنفية قوله: غير مفرج أصابعه، ولا ضام، أي: لا يتكلف في تفريج الأصابع عند رفع
اليدين، ولا في ضمها، بل يتركها عند الرفع؛ كما كانت قبله: اختار بعضهم: استحباب
التفريج مستدلين بما رواه ابن حبان(١)، من طريق يحيى بن يمان، عن أبي هريرة قال: كَانَ
رَسُولُ اللهِ يَنْشُرُ أَصَابِعَهُ فِي الصَّلاةِ نَشْرًا.
والجمهور: عَلَى خِلافِهِ، ولم يعتبروا بالرواية المذكورة؛ لقول الترمذي في ((جامعه)) -
بعد رواية الحديث، ثُمَّ ذكر قول الترمذي -: ((حديث أبي هريرة: قد رواه غير واحد ... ))
إلخ.
قلت: والظاهر الراجح: هو ما ذهب إليه الجمهور؛ فإن حديث الباب باللفظ المذكور
غیر محفوظ، قد أخطأ فيه ابن يمان؛ كما صرح به الترمذي.
قوله: (وهو أصح من رواية يحيى بن اليمان، وأخطأ ابن يمان في هذا الحديث) المراد
بقوله: (أصح) الصحيح، يعني: أن رواية من روى بلفظ: ((كَانَ إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلاةِ رَفَعَ يَدَيهِ
مَدَّا)) صحيحة، ورواية يحيى بن اليمان المذكورة فإنها غير صحيحة؛ بل هي خطأ .
(١) ابن حبان. حديث (١٧٦٩).

٥٢
أبواب الصلاة عن رسول الله وَاه / بَابُ مَا جَاءَ فِي نَشْرِ الْأَصَابِعِ عِنْدَ التَّكِْرِ
[٢٤٠] (٢٤٠) قَالَ: وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ عَبْدِ
المَجِيدِ الحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ سِمْعَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ
أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِّهِ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ مَدَّا. [٥: ٧٥٣،
ن بنحوه: ٨٨٢، حم: ٨٦٥٨، مي: ١٢٣٧] .
قَالَ أَبُو عِيْسَى: قَالَ عَبْدُ الله بْنُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثٍ يَحْيَى بْنِ
اليَمَانِ، وَحَدِيثُ يَحْيَى بْنِ اليَمَانِ خَطَأْ .
[٢٤٠] قوله: (حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن) بن الفضل بن بهرام السمرقندي،
أبو محمد الدارمي الحافظ صاحب ((المسند)»، ثقة فاضل متقن، روى عن: يزيد بن هارون،
ويعلى بن عبيد، وعبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، وغيرهم؛ وعنه: مسلم، وأبو داود،
والترمذي والبخاري - في غير الصحيح - (ثنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي) أبو علي
البصري، صدوق لم يثبت أن يحيى بن معين ضعفه؛ كذا في ((التقريب)).
قوله: (رفع يديه مدَّا) قال ابن سيد الناس: يجوز: أن يكون («مدَّا)) مصدرًا مختصًا
كـ((قَعَدَ القُرْفُصَاءَ)»، أو مصدرًا من المعنى، كـ((قعدت جلوسًا))، أو حالاً من ((الرفع)). انتهى.
قلت: وإذا كان حالًا يكون بمعنى: اسم الفاعل، أو اسم المفعول، أي: رفع مادًّا
یدیه، أو: رفع یدیه ممدودتین.
وقال الشوكاني في ((النيل)): يجوز: أن يكون منتصبًا على المصدرية بفعل مقدر، وهو:
يمدهما مدًّا، ويجوز: أن يكون منتصبًا على الحالية، أي: رفع يديه في حال كونه مادًّا لهما
إلى رأسه، ويجوز: أن يكون مصدرًا منتصبا بقوله: ((رفع))؛ لأن الرفع: بمعنى المَدِّ، وأَصْلُ
المَدِّ في اللغة: الجر؛ قاله الراغب. والارتفاع [قال الجوهري]: مد النهار: ارتفاعه، وله
مَعَانٍ أخر. ذكره صاحب ((القاموس)) وغيره، وقد فسر ابن عبد البر المدَّ المذكور في
الحديث: بِمَدِّ الْيَدَيْنِ فَوْقَ الأُذُنَيْنِ مَعَ الرَّأْسِ. انتهى ما في ((النيل)).
قلت: لم يبين في هذا الحديث غاية المد، فهو مجمل فيها؛ فلا بد من أن يحمل على
الأحاديث التي بينت فيها غايته، هذا ما عندي؛ والله تعالى أعلم.
قوله: (قال عبد الله) أي ابن عبد الرحمن الدارمي. (وهذا أصح من حديث يحيى بن
يمان) تقدم توضيحه، وهذا الحديث: أخرجه الخمسة إلا ابن ماجه؛ قاله في ((المنتقى)).
وقال الشوكاني في (النيل)): لا مطعن في إسناده. (وحديث يحيى بن يمان خطأ) قال ابن

٥٣
أبواب الصلاة عن رسول الله ◌َّه / بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ التَّكْبِيرةِ الأُولَى
١٧٨ - بَابُ مَا جَاءَ في فَضْلِ التَّكْبِيرةِ الأَولَى [ت٦٤، ٦٤٢]
[٢٤١] (٢٤١) حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ، وَنَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا
أَبُو قُتَيْبَةَ سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ، عَنْ ◌ُعْمَةَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ حَبِيبٍ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ
مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َِّ: ((مَنْ صَلَّى الله أَرْبَعِينَ يَوْماً فِي جَمَاعَةٍ يُدْرِكُ
التَّكْبِيرَةَ الأُولَى، كُتِبَتْ لَهُ بَرَاءَتَانِ: بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ،
أبي حاتم: قال أبي: وهم يحيى، إنما أراد: كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ مَدَّا؛ كذا رواه
الثقات من أصحاب ابن أبي ذئبٍ. انتهى.
١٧٨ - باب في فَضْلِ التَّكْبِيرَةِ الأُولَى
[٢٤١] قوله: (حدثنا عقبة بن مكرم) - بضم الميم، وسكون الكاف، وفتح الراء -
العمي البصري الحافظ، روى عن: يحيى القطان، وغندر، وابن مهدي، وخلق؛ وعنه:
مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه؛ قال أبو داود: ثقة ثقة.
تنبيه: قد وقع في النسخة الأحمدية: عتبة بن مكرم بالعين، والمثناة الفوقانية، وهو
غلط، والصحيح: بالعين والقاف. (قالا: نا سلم بن قتيبة) - بفتح السين، وسكون اللام -
الشعيري الخراساني نزيل ((البصرة))، صدوق من التاسعة. (عن طعمة بن عمرو) - بضم الطاء
المهملة وسكون العين - الجعفري، وثّقه ابن معين.
قوله: (من صَلَّى الله) أي: خالصًا لله. (أربعين يومًا) أي: وليلة. (في جماعة) متعلق
بـ((صلى)). (يدرك التكبيرةَ الأُولى) جملة حالية، وظاهرها: التكبيرة التحريمية مع الإمام،
ويحتمل: أَنْ تَشْمَلِ التَّكْبِيرة التَّحْرِيمِيَّة لِلْمُقْتَدِي عِنْدَ لُحُوقِ الرُّكُوعِ، فيكون المراد: إذْرَاكَ
الصَّلاةِ بِكَمَالِهَا مَعَ الجَمَاعَةِ، وهو يتم بإدراك الركعة الأولى؛ كذا قال القاري في ((المرقاة)).
قلت: هذا الاحتمال بعيد، والظاهر الراجح: هو الأول؛ كما يدل عليه رواية أبي الدرداء
مرفوعًا: ((لِكُلِّ شَيْءٍ أَنْفٌ (١)، وَإِنَّ أَنْفَ(٢) الصَّلاةِ؛ التَّكْبِيرَةُ الأُولَى، فَحَافِظُوا عَلَيْهَا)).
أخرجه ابن أبي شيبة(٣) . (براءة من النار) أي: خلاص ونجاة منها؛ يقال: برأ من الدين
(١) في مُصنّف ابن أبي شيبة وكتب الحديث واللغة (أَنْفَةٌ)): أي بداية. وانظر: ((تاج العروس)) (أنف)، والنهاية في
غريب الحديث (أنف).
(٢) في كتب اللغة ((أَنْفَةُ)).
(٣) المصنف. حديث (٣١٢٠).

٥٤
أبواب الصلاة عن رسول الله ◌ِ له / بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ التَّكْبِيرةِ الأُولَى
وَبَرَاءَةٌ مِنَ النِّفَاقِ)).
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ أَنَسِ مَوْقُوفاً، وَلَا أَعْلَمُ أَحَداً رَفَعَهُ
إِلَّا مَا رَوَى سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ، عَنْ طُعْمَةَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ حَبِيبٍ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ.
وَإِنَّمَا يُرْوَى هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ حَبِيبٍ بْنِ أَبِي حَبِيبِ الْبَجَلِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
قَوْلَهُ. حَدَّثَنَا بِذَلِكَ هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ خَالِدِ بْنِ طَهْمَانَ، عَنْ حَبِيبٍ بْنِ
أَبِي حَبِيبِ الْبَجَلِيِّ، عَنْ أَنَسٍ نَحْوَهُ وَلَمْ يَرْفَعْهُ.
وَرَوَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشِ هَذَا الْحَدِيثَ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ
والعيب؛ خلص (وبراءة من النفاق) قال الطيبِيّ: أي: يؤمنه في الدنيا [من] أَنْ يَعْمَلَ عَمَلَ
المُنَافِقِ، وَيُوَفِّقُهُ لِعَمَلِ أَهْلِ الإِخْلاصِ، وفي الآخرة: يؤمنه مما يعذب به المنافق، ويشهد له
بأنه غير منافق - يعني: بأن المنافقين إذَا قَامُوا إلَى الصَّلاةِ قاموا كُسَالَى - وحال هذا
بخلافهم؛ كذا في ((المرقاة)).
قوله: (قد روي هذا الحديث عن أنس موقوفًا) قال القاري: ومثل هذا: ما يقال من قبل
الرأي، فموقوفه في حكم المرفوع. قال ابن حجر: رواه الترمذي بسند منقطع، ومع ذلك
يعمل به في فضائل الأعمال.
وروى البزار وأبو داود خبر: ((لِكُلِّ شَيْءٍ صَفْوَةٌ، وَصَفْوَةُ الصَّلاةِ: التَّكْبِيرَةُ الأُولَى؛
فَحَافِظُوا عَلَيْهَا)) وَمِنْ ثَمَّ كَانَ إذْرَاكُهَا سُنَّة مؤكدة، وَكَانَ السَّلَفُ إِذَا فَاتَتْهُمْ عِزُّوا أَنْفُسَهُمْ ثلاثة
أيام، وإذا فاتتهم الجماعة عزُّوا أنفسهم سبعة أيام. (وإنما يروى هذا عن حبيب بن أبي حبيب
البجلي) - بموحدة وجيم - أبي عمرو البصري نزيل ((الكوفة)) مقبول من الرابعة، وقيل: يكنى:
أبا كَشُوثا - بفتح الكاف، بعدها معجمة مضمومة، ثم واو ساكنة ثم مثلثة - كذا في ((التقريب)).
وقال في ((تهذيب التهذيب)) روى عن أنس بن مالك، وعنه: خالد بن طهمان أبو العلاء
الخفاف، وطعمة بن عمرو الجعفري، روى له الترمذي حديثًا واحدًا في: فضل من صَلَّى
أربعين يومًا في جماعة موقوفًا، ذكره ابن حبان في الثقات. انتهى.
قوله: (وروى إسماعيل بن عياش هذا الحديث عن عُمَارَةَ) بضم العين المهملة. (بن
غَزِيَّةَ) - بفتح العين المعجمة، وكسر الزاي بعدها تحتانية ثقيلة - ابن الحارث الأنصاري
المازني المدني، لا بأس به، وروايته عن أنس مرسلة؛ كذا في ((التقريب)).

٥٥
أبواب الصلاة عن رسول الله وَ ي﴿ / بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ التَّكْبِيرةِ الأُولَى
مَالِكٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهَ نَحْوَ هَذَا، وَهَذَا حَدِيثٌ غَيْرُ مَحْفُوظِ،
وَهُوَ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ. وَعُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ لَمْ يُدْرِكْ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ.
[قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: حَبِيبُ بْنُ أَبِي حَبِيب يُكْنَى: أَبَا الكَشُوثَى، وَيُقَال:
أَبُو عميرة].
وقال في ((الخلاصة)): وثَّقه أحمد، وأبو زرعة، مات سنة ١٤٠ أربعين ومائة. (عن
عمر بن الخطاب، عن النبي وَل﴿ نحو هذا) أخرجه ابن ماجه (١)، ولفظه: أنه كان يقول: ((مَنْ
صَلَّى فِي مَسْجِدٍ جَمَاعَةٍ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، لا تَقُوتُهُ الرَّكْعَةُ الأُولَى من صَلاةِ العِشَاءِ كَتَبَ الله لَهُ بِهَا
عِثْقًا مِنَ النَّارِ)).
قوله: (وهو حديث مرسل) أي: منقطع، قال الحافظ في ((التلخيص)) - بعد ذكر حديث
أنس المذكور في الباب -: رواه الترمذي من حديث أنس وضعفه، ورواه البزار واستغربه،
وروي عن أنس بن عمر، رواه ابن ماجه، وأشار إليه الترمذي وهو: في ((سنن سعيد بن
منصور)) عنه، وهو ضعيف أيضًا مداره على إسماعيل بن عياش، وهو ضعيف في غير
الشاميين، وهذا من روايته عن مدني، وذكر الدارقطني الاختلاف فيه في ((العلل)) وضعفه،
وذكر: أن قيس بن الربيع وغيره: روياه عن أبي العلاء، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: وهو
وَهْم، وإنما هو حبيب الإسكاف.
وله طريق أخرى: أوردها ابن الجوزي في ((العلل)) من حديث بكر بن أحمد بن محمى
الواسطي، عن يعقوب بن تحية، عن يزيد بن هارون، عن حميد، عن أنس - رفعه -: ((مَنْ
صَلَّى أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي جَمَاعَةٍ - صَلاةَ الْفَجْرِ، وَصَلاةَ العِشَاءِ - كُتِبَ لَهُ بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ، وَبَرَاءَةٌ
مِنَ النِّفَاق)»: وقال: بكر ویعقوب مجهولان. انتهى.
قال الرافعي: ووردت أخبار في إدراك التكبيرة الأولى مع الإمام نحو هذا، قال الحافظ:
منها: ما رواه الطبراني في ((الكبير))، والعقيلي في ((الضعفاء))(١)، والحاكم - أبو أحمد - في
((الكنى))، من حديث أبي كاهل، بلفظ المصنف، وزاد: ((يُدْرِكُ التَّكْبِيرَةَ الأُولَى)) قال
العقيلي: إسناده مجهول، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس إسناده بالمعتمد عليه.
وروى العقيلي في ((الضعفاء)) أيضًا عن أبي هريرة مرفوعًا: ((لِكُلِّ شَيْءٍ صَفْوَةٌ، وَصَفْوَةٌ
(١) ابن ماجه، كتاب المساجد والجماعات. حديث (٧٩٨).
(٢) ((المعجم الكبير)) (٣٦١/١٨) (٩٢٨)، و((الضعفاء)) للعقيلي (١٦٥٢).

٥٦
أبواب الصلاة عن رسول الله وَاهِ ر بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ
١٧٩- بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاَةِ (ت٦٥، ٦٥٢]
[٢٤٢] (٢٤٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ
الضُّبَعِيُّ، عَنْ عَلِيٍّ بْنِ عَلِيِّ الرِّفَاعِيِّ، عَنْ أَبِي المُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ،
قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ بِاللَّيْلِ كَبَّرَ، ثُمَّ يَقُولُ: ((سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ
وَبِحَمْدِكَ،
الصَّلاةِ التَّكْبِيرَةُ الأُولَى)»، وقد رواه البزار، وليس فيه إلا الحسن بن السكن، لكن قال: لم
يكن الفلاس يرضاه، ولأبي نعيم في ((الحلية)) من حديث عبد الله بن أبي أوفى مثله، وفيه:
الحسن بن عمارة، وهو ضعيف.
وروى ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (١) من حديث أبي الدرداء - ورفعه -: ((لِكُلِّ شَيْءٍ
أَنْفٌ (٢)، وإنَّ أَنْفَ (٣) الصَّلاةِ: التَّكْبِيرَةُ الأُولَى، فَحَافِظُوا عَلَيْهَا))، وفي إسناده: مجهول،
والمنقول عن السلف في فضل التكبيرة الأولى آثار كثيرة، وفي الطبراني (٤) عن رجل من طيِّئ
عن أبيه: أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ خَرَجَ إلَى المَسْجِدِ، فَجَعَلَ يُهَرْوِلُ، فقيل له: أَتَفْعَلُ هَذَا وَأَنْتَ تَنْهَى
عَنْهُ؟ قال: إِنَّمَا أَرَدْتُ حَد الصَّلاةِ التَّكْبِيرَةُ الأُولَى؛ انتهى ما في ((التلخيص)).
١٧٩ - بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلاةِ
[٢٤٢] قوله: (حدثنا جعفر بن سليمان الضُّبَعِي) - بضم الضاد المعجمة وفتح الموحدة -
أبو سليمان البصري، صدوق زاهد، لكنه كان يتشيع. (عن علي بن علي الرفاعي) - بالفاء -
البصري، يكنى أبا إسماعيل، لا بأس به، رُمي بالقدر، وكان عابدًا ويقال: كان يشبه النبي
وَير؛ كذا في ((التقريب)).
قوله: (ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك) قال ابن الملك: ((سُبْحَانَ)): اسم أُقِيمَ مَقَامَ
المَصْدَرِ، وهو: التَّسْبِيحُ، منصوب بفعل مضمر تقديره: أُسَبِّحُكَ تَسْبِيحًا، أي: أنزهك تنزيهًا
(١) ((المصنف)) حديث (٣١٢٠).
(٢) في مُصنّف ابن أبي شيبة وكتب الحديث واللغة ((أَنْفَةٌ)): أي بداية. وانظر: ((تاج العروس)) (أنف)، والنهاية في
غريب الحديث (أنف).
(٣) في كتب اللغة ((أَنْفَةُ)).
(٤) ((المعجم الكبير)) (٩٢٥٩).

٥٧
أبواب الصلاة عن رسول الله وَله / بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ
وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ))، ثُمَّ يَقُولُ: ((الله أَكْبَرُ كَبِيْرَاً)) ثُمَّ يَقُولُ:
(أَعُوذُ بِالله السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ)). [ن مختصراً:
٨٩٩، د: ٧٧٥، جه مختصراً: ٨٠٤، حم: ١١٠٨١، مي: ١٢٣٩].
من كل السوء والنقائص، وقيل: تقديره: أسبحك تسبيحًا ملتبسًا ومقترنًا بحمدك، فالباء
للملابسة، والواو زائدة، وقيل: الواو بمعنى: ((مع))، أي: أسبحك مع التَّلَبُّس بحمدك،
وحاصله: نَفْيُ الصِّفَاتِ السَّلْبِيَّةِ، وإثبات النُّعُوتِ الثُبُوتِيَّة. (وتبارك اسمك) أي: كَثُرَتْ بَرَكَةُ
اسْمِك، إذ وجد كل خير من ذكر اسمك، وقيل: تعاظم ذاتك أو: هو على حقيقته؛ لأن
التعاظم إذا ثبت لأسمائه تعالى فأولى لذاته، ونظيره قوله تعالى: ﴿سَيِّجِ أُسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَى﴾
[الأعلى: ١]. (وتعالى جدك) قال ميرك: ((تعالى)): تفاعل، من: العلو، أي: علا ورفع
عظمتك على عظمة غيرك غاية العلو والرفع، وقال ابن حجر: أي: تعالى غناؤك عن أن
ينقصه إنفاق، أو يحتاج إلى معين ونصير. (ثم يقول: الله أكبر) بالسكون ويضم؛ قاله
القاري. (كبيرًا) حال مؤكدة، وقيل: منصوب على القطع من اسم ((الله))، وقيل: بإضمار
((أكبر))، وقيل: صفة لمحذوف، أي: تكبيرًا كبيرًا. (من همزه) بدل اشتمال، أي: وسوسته
(ونفخه) أي: كبره المؤدي إلى كفره. (ونفثه) أي: سِحْره.
قال الطيِيّ: النَّفْخُ: كناية عن الكبر؛ كَأَنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفُخُ فِيهِ بِالْوَسْوَسَةِ فَيعظمه في عينه،
وَيُحَفِّرِ النَّاسَ عِنْدَهُ، والنَّفْثُ: عِبَارَةٌ عَنِ الشِّعْرِ؛ لأنه ينفثه الإنسان من فيه كالرقية. انتهى.
وقيل: ((من نفخه)): أي: تكبره؛ يعني: مما يأمر الناس به من التكبر، و«نفئه)): مما يأمر
الناس بِإِنْشَاءِ الشِّعْرِ المَذْمُومِ، مما فيه هجو مسلم، أو كفر، أو فسق. ((وهمزه)): أي: من
جعله أحدًا مجنونًا بنخسه وغمزه؛ كذا في ((المرقاة)).
قال السيوطي في ((قوت المغتذي)): ((من هَمْزِهِ): فُسِّرَ في الحديث: بالموتة، وهي شبه
الجنون. ((ونَفْخِه)): فُسِّرَ بالكِبْرِ. و((نَفْثِهِ»: فُسِّر بالشِّعْرِ.
قَال ابن سيد الناس: وتفسير الثلاثة بذلك من باب المجاز. انتهى.
قلت: قد جاء هذا التفسير في حديث: جبير بن مطعم، عند أبي داود(١).
(١) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٧٦٤).

٥٨
أبواب الصلاة عن رسول الله ◌َ﴿ / بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَفِي الْبَابِ: عَنْ عَلِيٍّ، وَعَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، وَعَائِشَةَ، وَجَابِرٍ،
وَجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَابْنِ عُمَرَ.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ أَشْهَرُ حَدِيثٍ فِي هَذَا الْبَابِ.
وَقَدْ أَخَذَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهَذَا الْحَدِيثِ.
قوله: (وفي الباب: عن علي، وعبد الله بن مسعود، وعائشة، وجابر، وجبير بن مطعم،
وابن عمر).
أما حديث علي: فأخرجه إسحاق بن راهويه، وأعله أبو حاتم؛ كذا في ((التلخيص)).
وأما حديث عبد الله بن مسعود: فأخرجه الطبراني(١)، وذكره الزيلعي في ((نصب الراية))
بإسناده ومتنه .
وأما حديث عائشة(٢) فأخرجه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه.
وأما حديث جابر: فأخرجه البيهقي(٣)، وفيه: محمد بن المنكدر؛ قال البيهقي: اختلف
عليه فيه، وليس له إسناد قوي.
وأما حديث جُبَيْر بن مطعم: فأخرجه أبو داود، وابن ماجه(٤).
وأما حديث ابن عمر: فأخرجه الطبراني في ((معجمه))(٥)، وذكره الزيلعي في ((نصب
الراية)) بإسناده ومتنه. قال: والحديث معلول بعبد الله بن عامر.
قوله: (وحديث أبي سعيد أشهر حديث في هذا الباب) أخرجه أصحاب السنن الأربعة.
قوله: (وقد أخذ قوم من أهل العلم بهذا الحديث) فاختاروا: أَنْ يُقَالَ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلاةِ
- بعد التكبير -: سُبْحَانَكَ اللهم، ... إلى قوله: وَلا إلهَ غَيْرُكَ، ثُم يُقَالَ: الله أَكْبَرَ كَبِيرًا،
ثم يقال: أَعُوذُ بِاللهِ السَّمِيعِ العَلِيمِ ... إلخ.
(١) الطبراني في ((الكبير)). حديث (٩٣٠٢).
(٢) الترمذي، كتاب الصلاة. حديث (٢٤٣)، وأبو داود (٧٧٦)، وابن ماجه (٨٠٦).
(٣) ((السنن الكبرى)) (٢١٨١).
(٤) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٧٦٤)، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها. حديث (٨٠٧).
(٥) ((المعجم الكبير» (٣٥٣/١٢) حديث (١٣٣٢٤).

٥٩
أبواب الصلاة عن رسول الله ◌َّةٍ / بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ
وَأَمَّا أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ فَقَالُوا: إِنَّمَا يُرْوَى عَنِ النَّبِّ بَّهِ أَنَّهُ كَانَ يَقولُ: ((سُبْحَانَكَ
اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ)).
وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ.
(وأما أكثر أهل العلم فقالوا: إنما يروى عن النبي وَ﴿ أنه كان يقول: سبحانك اللهم
وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك) فاختاروا هذا الدعاء، دون ما في
حديث أبي سعيد المذكور من الزيادة. (وهكذا روي عن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن
مسعود) أما أثر عمر: فأخرجه مسلم(١) في ((صحيحه)) وغيره.
وأما أثر عبد الله بن مسعود: فأخرجه ابن المنذرُ(٢). قال الحافظ في ((التلخيص)) قال
الحاكم: وقد صح ذلك عن عمر، ثم ساقه، وهو في ((صحيح ابن خزيمة)) (١)، وهو في ((صحيح
مسلم)) أيضًا ذكره في موضع غير مظنته استطرادًا، وفي إسناده انقطاع. انتهى ما في ((التلخيص)).
قلت: ذكره مسلم في ((باب: عدم الجهر بالبسملة)) عن عبدة؛ أن عمر بن الخطاب
كان يجهر بهؤلاء الكلمات: يقول: ((سُبْحَانَكَ اللهم وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى
جَدُّك، وَلا إِلهَ غَيْرُكَ)) وَعَبْدَةُ هذا: هو ابن أبي لبابة، وهو لم يسمع من عمر؛ قاله النووي.
ولذا: قال الحافظ: في إسناده انقطاع، ورواه الدارقطني موصولًا؛ كما في ((بلوغ المرام)).
فإن قلت: كيف روى مسلم(٥) في ((صحيحه)) أثر عمر بنظُله هذا، وهو منقطع، ومن
شرط مسلم أَلَّا يخرج في صحيحه الحديث الضعيف، والمنقطع من أقسام الضعيف؟
قلت: أخرجه استطرادًا، ومقصوده الأصلي: هو الحديث الذي أخرجه بعد هذا الأثر في
عدم الجهر بالبسملة، وهو صحيح متصل.
فإن قلت: فَلِمَ أَخْرَجَهُ اسْتِظْرَادًا؟ ولِمَ لَمْ يَقْتَصِرْ على إنْرَاج الحديث الصَّحِيحِ المُتَّصِل؟
قلت: إنما فعل مسلم هذا؛ لأنه سَمِعَهُ هكذا، فَأَدَّاهُ كما سمع؛ ولهذا نظائر كثيرة في
«صحيح مسلم» وغيره، ولا إنكار في هذا كله.
(١) مسلم، كتاب الصلاة. حديث (٣٩٩).
(٢) انظر ((الأوسط)) لابن المنذر (١٢١٧، ١٢٢٦).
(٣)
انظر «صحیح ابن خزيمة» (٤٧١).
مسلم، كتاب الصلاة. حديث (٣٩٩).
(٤)
(٥) مسلم، كتاب الصلاة. حديث (٣٩٩).

٦٠
أبواب الصلاة عن رسول الله وَل﴿ ر بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ
وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ التَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ. وَقَدْ تُكُلِّمَ فِي إِسْنَادِ
حَدِيثٍ أَبِي سَعِيدٍ، كَانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ يَتَكَلِّمُ فِي عَلِيِّ بْنِ عَلِيِّ الرِّفَاعِيِّ، وَقَالَ
أَحْمَدُ: لَا يَصِحُّ هَذَا الْحَدِيثُ.
قوله: (والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من التابعين وغيرهم) وعليه: عمل الحنفية،
قال الحافظ ابن تيمية في ((المنتقى)): وأخرج مسلم (١) في ((صحيحه)): أن عمر كان يجهر
بهؤلاء الكلمات: يقول: ((سُبْحَانَكَ اللهم وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَاركَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلا إِلهَ
غَيْرُكَ)).
وروى سعيد بن منصور في سننه، عن أبي بكر الصديق: أنه كان يستفتح بذلك، وكذلك
رواه الدارقطني (٢) عن عثمان بن عفان، وابن المنذر، عن عبد الله بن مسعود، وقال الأسود:
كان عمر إذَا افْتَتَحَ الصَّلاةَ قال: ((سُبْحَانَكَ اللهم وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَاركَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ،
وَلا إِلهَ غَيْرُكَ، يُسْمِعُنَا ذَلِكَ وَيُعَلِّمُنَا؛ رواه الدارقطني، ثم قال ابن تيمية: واختيار هؤلاء،
وجهر عمر به - أحيانًا - بمحضر من الصحابة؛ ليتعلمه الناس، مع أن السنة إخفاؤه، يدل
على أنه الأفضل، وأنه الذي كان النبي ◌َّويداوم عليه غالبًا، وإن استفتح بما رواه علي،
وأبو هريرة، فحسن؛ لصحة الرواية. انتهى كلام ابن تيمية.
قال الشوكاني في ((النيل)): ولا يخفى أن ما صحَّ عن النبي وَّ أولى بالإيثار والاختيار،
وأصح ما في الاستفتاح حديث أبي هريرة المتقدم، ثم حديث عليّ. انتهى.
قلت: أراد الشوكاني بحديث أبي هريرة الذي رواه الجماعة (٣) إلا الترمذي، قال: كان
رسول الله وَ﴿ إِذَا كَبَّرَ في الصَّلاةِ سَكَتَ هُنَيْهَةً قَبْلَ القِرَاءَةِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله - بِأَبِي أَنْتَ
وَأُمِّي - أَرَأَيْتَ سُكُوتَكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ والْقُرْآنِ، مَا تَقُولُ؟ قَالَ: أَقُولُ: اللهم! بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ
خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ ... الحديث، وأراد بحديث علي: الذي رواه
أحمد، ومسلم، والترمذي (٤) قال: كَانَ النَّبِيُّ بَّهَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ قَالَ: ((وَجَّهْتُ وَجْهِي
(١) مسلم، كتاب الصلاة. حديث (٣٩٩).
(٢) ((سنن الدارقطني)) (٣٠٢/١) حديث (١٨).
(٣) البخاري، كتاب الأذان. حديث (٧٤٤)، ومسلم (٥٩٨)، والنسائي (٦٠)، وأبو داود (٧٨١)، وابن ماجه
(٨٠٥).
(٤) أحمد. حديث (٧٣١)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين. حديث (٧٧١)، والترمذي (٣٤٢١).