Indexed OCR Text

Pages 601-620

٦٠١
أبواب الصلاة عن رسول الله وَال﴿ / باب مَا جَاءَ فِي إِفْرَادِ الإِقَامَةِ
الحسنُ البصريُّ ومحمَّد بن سيرين، وأحمد بن حنبل، ومن تبعهم من العراقيين، وإليه ذهب
يحيى بن يحيى، وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي، ومن تبعهما من الخراسانيّين، وذهبوا في
ذلك إلى حديث أنس. انتهى كلام الحازمي.
قلت: وأجاب عن أحاديث الباب من لم يقل بإفراد الإقامة؛ كالحنفية بأجوبةٍ كلُّها
مخدوشةٌ لا يطمئنُّ بواحد منها القلب السليم، فقال بعضهم: إن إفراد الإقامة كان أولًا، ثم
نسخ بحديث أبي محذورة الذي رواه أصحاب السنن، وفيه: تثنية الإقامة، وهو متأخر عن
حديث أنس؛ فیکون ناسخًا .
وعُورضَ: بأن في بعض طُرق حديثٍ أبي محذورة المحسّنةِ: التربيعَ والتَّرجيعَ؛ فكان
يلزمهم القول به.
وقد أنكر الإمامُ أحمد على من ادعى النَّسخَ بحديث أبي محذورة، واحتجَّ بأن النبيَّ وَله
رجعَ بعد الفتح إلى المدينة، وأقر بلالاً على إفراد الإقامة، وعلَّمه سعدَ القرَظِ، فأذَّن به
بعدهُ، كما رواه الدارقطني والحاكم(١).
وقال بعضهم: إن إفراد الإقامة منسوخٌ بحديث: ((إن بلالًا كان بعد النبيِّ وَّهِ يقيمُ مثنَى
مثنى))، ورد هذا: بأنه لم يثبت ذلك عن بلال بسند صحيح، وما رُوي عنه في ذلك، فهو
ضعيف؛ كما ستعرف، ولو سلِّم أنه صحيحٌ، فليس فيه دلالةٌ على النسخ؛ لاحتمالٍ أن بلالًا
كان مذهبهُ الإباحةَ والتَّخْبِير.
وأجاب العينيُّ في ((البناية)) بأن ما رواه الشافعيُّ محمولٌ على الجمع بين الكلمتين في
الإقامة والتفريق في الأذان، وعلى الإتيان قولًا بحيث لا ينقطعُ الصوت.
ورُدَّ: بأن هذا تأويل باطلٌ يبطلُهُ حديثُ عبد الله بن زيد المذكورُ، بلفظ: ((ثم تقول إذا
أقمت الصلاة: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلَّ الله، أشهد أنَّ محمدًا رسول الله، حي
على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامتِ الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا
إله إلَّ الله))؛ وكذا يبطله حديثُ أنس المذكورُ، فتأويل العينيّ هذا مردودٌ عليه.
والحق: أن أحاديث إفرادِ الإقامةِ صحيحةٌ ثابتةٌ محكمةٌ ليست بمنسوخةٍ ولا بمؤوَّلةٍ،
نعم: قد ثبت أحاديثُ تثنية الإقامة أيضًا، وهي أيضًا محكمةٌ ليست بمنسوخةٍ ولا بمؤوَّلةٍ،
(١) الدارقطني (٢٣٦/١). حديث (١)، والحاكم (٦٥٥٤، ٦٥٥٥).

٦٠٢
أبواب الصلاة عن رسول الله وَاله / باب مَا جَاءَ أنَّ الإِقَامَةَ مَثْتَى مَثْنَى
١٤٢- باب مَا جَاءَ أنَّ الإقَامَةَ مَثْنَى مَثْنَى [ت٢٨، ٢٨٢]
[١٩٤] (١٩٤) حدثنا أبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ
أبي لَيْلَى، عَن عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أبِي لَيْلَى، عَن عَبْدِ الله بْنِ زَيْدٍ،
قَالَ: كَانَ أَذَانُ رَسول الله ◌َِّ شَفْعاً شَفْعاً: فِي الأذَانِ وَالإقامَةِ. [ضعيف الإ
أبي ليلى، ضعّفه غير واحد لأجل حفظه].
وعندي: الإفرادُ والتثنيةُ كلاهما جائزان، والله تعالى أعلم، قال الحافظ في ((الفتح)): قال ابن
عبد البر: ذهب أحمد وإسحاق وداود وابن حبَّان وابن جرير: إلى أنَّ ذلك من الاختلاف
المباح؛ فإن ربَّعَ التكبيرَ الأولَ في الأذان أو ثناه، أو رجَّع في التشهُّد أو لم يرجِّع أو ثنى
الإقامة أو أفردها كلَّها، أو إلَّا ((قد قامت الصلاة)) فالجميع جائز، وعن ابن خُزيمة: إن ربَّع
الأذان ورجَّع فيه، ثنى الإقامة، وإلا أفردها، قيل: ولم يقُل بهذا التفصيلِ أحدٌ قبله. انتهى
كلام الحافظ.
١٤٢ - باب مَا جَاءَ في أنَّ الإِقَامَةَ مَثْنَى مَثْنَى
أي: مرتین مرتین.
[١٩٤] قوله: (حدَّثنا أبو سعيد الأشج) اسمه عبد الله بن سعيد بن حصين الكندي
الكوفي، ثقة من صغار العاشرة؛ كذا في ((التقريب))، قلت: روى عنه الأئمة الستة، (نا
عقبة بن خالد) بن عقبة السَّكوني، أبو مسعود، الكوفي، المجدر بالجيم، صدوق، صاحب
حديث، (عن ابن أبي ليلى) هو: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، الفقيه، المقرئ،
حدَّث عن: الشعبي، وعطاء، والحكم، ونافع، وعمرو بن مرة، وطائفة، وكان أبوه من كبار
التابعين؛ فلم يدرك الأخذ عنه، حدَّث عنه: شعبة، والسفيانان، وزائدةُ، ووكيع، وخلائق؛
قاله الحافظ الذهبي في ((تذكرة الحفاظ))، وقال: حديثه في وزن الحسن، ولا يرتقي إلى
الصِّحَّةِ؛ لأنه ليس بالمتقنِ عندهم. انتهى، (عن عمرو بن مرة) بن عبد الله بن طارق
الجَمليِّ، المرادي، أبي عبد الله، الكوفي، الأعمى، ثقة، عابد، كان لا يدلِّس، ورمي
بالإرجاء، وهو من رجال الكتب الستة، (عن عبد الرحمن بن أبي ليلى) الأنصاري المدني،
ثم الكوفي، ثقة، من الثانية؛ كذا في ((التقريب))، وقال في ((الخلاصة)): أدرك مئة وعشرين
من الصحابة الأنصاريين، مات سنة ثلاث وثمانين.
قوله: (شفعًا شفعًا) أي: مثنى مثنى، (في الأذان والإقامة) استدلَّ به من قال بتثنية

٦٠٣
أبواب الصلاة عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاءَ أنَّ الإِقَامَةَ مَثْتَى مَثْنَى
قَالَ أَبُو عِيْسَى: حَدِيثُ عَبْدِ الله بْنِ زَيْدٍ: رَوَاهُ وَكِيعٌ، عَن الأعْمَشِ، عَن
عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أبِي لَيْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَصْحَابُ رَسول الله ◌ِّ:
أنَّ عَبْدَ الله بْنَ زَيْدٍ رَأى الأذَانَ فِي المنَامِ. وَقالَ شُعْبَةُ، عَن عَمْرو بْنِ مُرَّةَ، عَن
عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أبِي لَيْلَى، قال: حَدَّثَنَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ وَّهُ : أَنَّ عَبْد الله بْنَ زَيْدٍ
رَأَى الأَذَانَ فِي المنَامِ. وَهذَا أصَحُّ مِن حَدِيثِ ابْنِ أبِي لَيْلَى. وَعَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ
أبِي لَيْلَى لَمْ يَسْمَعْ مِن عَبْدِ الله بْنِ زَيْدٍ. وبِهِ يَقُولُ سُفيَانُ.
الإقامة، وحديثُ إفراد الإقامة أصحُّ وأثبتُ، وقد ثبتَ بطريقين صحيحين عن عبد الله بن زيد
إفرادُ الإقامة؛ كما عرفتَ فيما تقدَّم.
قوله: (حديث عبد الله بن زيد رواه وكيعٌ عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن
عبد الرحمن بن أبي ليلى؛ أن عبد الله بن زيد رأى الأذان في المنام) أخرجه ابن أبي شيبة في
((مصنفه)) (١)، فقال: حدّثنا وكيع، ثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن
أبي ليلى، قال: حدَّثنا أصحاب محمد ◌َّه؛ أن عبد الله بن زيد الأنصاريَّ جاء إلى النَّبيِّ
مٌَّ، فقال: ((يا رسول الله، رأيتُ في المنام كأن رجلاً قامَ وعليهِ بردانِ أخضرانٍ، فقام على
حائطٍ، فأذن مثنى مثنى، وأقام مثنى مثنى))، وأخرجه البيهقي في ((سننه)) عن وكيع به، قال في
((الإمام)): وهذا رجال الصحيح، وهو متصلٌ على مذهب الجماعة في عدالة الصحابة، وأن
جهالة أسمائهم لا تَضُرُّ؛ كذا في ((نصب الراية)).
قلت: في إسناده الأعمشُ، وهو مدلِّس، ورواه عن عمرو بن مرة بالعنعنة، (وقال شعبة
عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: ثنا أصحاب رسول الله وَطير .... )
إلخ، لم أقف عليه.
قوله: (وهذا أصحُّ من حديث ابن أبي ليلى) أي: المذكور في الباب، (وعبد الرحمن بن
أبي ليلى لم يسمع من عبد الله بن زيد) قال البيهقيُّ في ((كتاب المعرفة)): حديث
عبد الرحمن بن أبي ليلى قد اختلف عليه فيه: فروي عنه، عن عبد الله بن زيد، وروي عنه،
عن معاذ بن جبل، وروي عنه، قال: حدثنا أصحاب محمَّد، قال ابن خُزيمة: عبد الرحمن
ابن أبي ليلى لم يسمع من معاذٍ، ولا من عبد الله بن زيد، وقال: محمَّد بن إسحاق لم يسمع
(١) ابن أبي شيبة (٢١١٨)، والبيهقي في ((الكبرى)). حديث (١٨٢٩).

٦٠٤
أبواب الصلاة عن رسول الله وَّةٍ / باب مَا جَاءَ أنَّ الإقَامَةَ مَثْنَى مَثْنَى
منهما، ولا من بلال؛ فإن معاذًا توفي في ((طاعون عمواس)) سنة ثمان عشرة، وبلالٌ توفي
بدمشقَ سنة عشرين، وعبد الرحمن بن أبي ليلى لستِّ بقينَ من خلافة عمر، وكذلك قاله
الواقدي ومصعبٌ الزبيريُّ، فثبت انقطاعُ حديثه. انتهى كلامه؛ كذا في ((نصب الراية))
ص١٤٠ ج ١، وحديث عبد الله بن زيد هذا: له روايات، فمنها: ما أخرجه ابن أبي شيبة في
((مصنفه)) ومنها ما أخرجه الطحاويُّ(١) بلفظ: ((قال: أخبرني أصحابُ محمَّد ◌َّ أن عبد الله
ابن زيد الأنصاريَّ رأى في المنام الأذان، فأتى النبيّ بَيّة، فأخبره، فقال: علمهُ بلالاً، فأذَّن
مثنى مثنى، وأقام مثنى مثنى، وقعد قعدة))، قال بعضهم: إسناده صحيح.
قلتُ: في إسناده أيضًا الأعمشُ: ورواه عن عمرو بن مرة بالعنعنة.
ومنها ما أخرجه البيهقيُّ في ((الخلافيات)) من طريق أبي العُميس، قال: سمعتُ عبد الله
ابن محمد بن عبد الله بن زيد الأنصاريّ يحدِّث عن أبيه عن جده؛ ((أنه أري الأذان مثنى مثنى
والإقامة مثنى مثنى، قال: فأتيت النبيَّ ◌َثّر، فأخبرته، فقال: علِّمهنَّ بلالًا، قال: فتقدَّمت
فأمرني أن أقيم)) ؛ قال الحافظ في ((الدراية)): إسناده صحيح.
قلت: ذكرُ تثنية الإقامةِ في هذا الحديث غيرُ محفوظ، فإنه قد تفرد به أبو أسامةً، عن
أبي العُميس، ورواه عبد السلام بن حرب، عنه، فلم يذكر فيه تثنيةَ الإقامة، وعبد السلام بن
حرب أعلم الكوفيين بحديث أبي العميس، وأكثرهم عنه رواية، قال الزيلعيُّ في ((نصب
الراية)) نقلًا عن البيهقي: وقد رواه عبد السلام بن حرب، عن أبي العُميس، فلم يذكر فيه
تثنية الإقامة، وعبد السلام أعلمُ الكوفيين بحديث أبي العُميس؛ وأكثرهم عنه روايةً. انتهى،
ومنها: ما أخرجه أبو عوانةُ يعقوب بن إسحاق الحافظ في ((صحيحه))، عن عمرو بن شبَّة،
عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن شعبة، عن المغيرة، عن الشعبي عن عبد الله بن زيد
الأنصاري، ((سمعتُ أذانَ رسولِ اللهِ ، فكان أذانه وإقامتهُ مثنى مثنى)).
قلت: في إسناده انقطاٌ؛ لأن الشعبيَّ لم يثبت سماعه من عبد الله بن زيد، وفيه
المغيرة، وهو: ابن مِقْسَم، وهو مدلِّس، وروى هذا الحديث عن الشعبي بالعنعنة.
وفي الباب: عن أبي محذورة؛ ((أن النبيَّ ◌ََّ علَّمه الأذان تسعَ عشرةَ كلمةً، والإقامةَ
(١) الطحاوي في ((معاني الآثار)) (٧٦٠).
(٢) أبو عوانة (٧٤٥).

٦٠٥
أبواب الصلاة عن رسول الله بَّةَ / باب مَا جَاءَ أنَّ الإِقَامَةَ مَثْنَى مَثْنَى
وَقَالَ بَعْضُ أهلِ العِلْمِ: الأَذَانُ مَثْنَى مَثْنَى، وَالإْقَامَةُ مَثْنَى مَثْنَى. وبه يقول سفيان
الثوري، وابن المبارك، وأهل الكوفة.
سبعَ عشرة كلمةً))؛ أخرجه الترمذيُّ في ((باب الترجيع في الأذان))، والنسائي والدارميُّ (١).
قوله: (قال بعض أهل العلم: الأذان مثنى مثنى، والإقامة مثنى مثنى. وبه يقول سفيان
الثوري وابن المبارك وأهل الكوفة) وبه يقولُ أبو حنيفة وأصحابه؛ قال الشوكاني في ((النيل)):
وقد اختلف الناسُ في ذلك، فذهبَ الشافعيُّ وأحمد وجمهورُ العلماء: إلى أن ألفاظ الإقامة
إحدى عشرة كلمةً كلّها مفردة إلَّا التكبيرَ في أولها وآخرها، ولفظ: ((قد قامت الصلاة))؛
فإنها مثنى مثنى؛ واستدلوا: بهذا الحديث - يعني: حديث أنس المذكور في الباب المتقدِّم -
وحديث عبد الله بن زيد - يعني: الذي ذكرناه في الباب المتقدِّم - وحديث ابن عمر - يعني:
الذي أشار إليه الترمذي في الباب المتقدِّم - قال الخطّابي: مذهب جمهور العلماء، والذي
جرى به العملُ في الحرَمَيْن والحجاز والشام واليمن ومصرَ والمغربِ إلى أقصى بلاد
الإسلام: أن الإقامة فرادى، قال أيضًا: مذهب كافَّة العلماء أنه يكرر قوله: ((قد قامت
الصلاة)) إلَّا مالكًا؛ فإن المشهور عنه أنه لا يكرِّرها، وذهب الشافعيُّ في قديم قوليه: إلى
ذلك، قال النووي: ولنا قول شاذًّ؛ أنه يقول في التكبير الأول: ((الله أكبر)) مرة، وفي الأخيرة
مرة، ويقول: ((قد قامت الصلاة)) مرةً، قال ابن سيد الناس: وقد ذَهَبَ إلى القول: بأن
الإقامة إحدى عشرة كلمة: عمرُ بن الخطاب، وابنه، وأنس، والحسن البصري، والزهري،
والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، ويحيى بن يحيى، وداود، وابن المنذر، قال
البيهقي: ممن قالَ بإفراد الإقامة: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وابن سيرين، وعمر
ابن عبد العزيز، قال البغوي: هو قول أكثر العلماءِ، وذهبت الحنفيةُ والثوريُّ وابن المبارك
وأهل الكوفة: إلى أن ألفاظ الإقامة مثلُ الأذانِ عندهم، مع زيادة: ((قد قامتِ الصلاة))
مرتين؛ واستدلوا بما في روايةٍ من حديث عبد الله بن زيد، عند الترمذي وأبي داود، بلفظ:
((كان أذانُ رسولِ اللهِ نَ شفعًا شفعًا؛ في الأذانِ والإقامةِ)) وأجيب عن ذلك: بأنه منقطعٌ؛
كما قال الترمذيُّ، وقال الحاكم والبيهقي: الرواياتُ عن عبد الله بن زيد في هذا الباب كلّها
منقطعة، وقد تقدَّم ما في سماع ابن أبي ليلى عن عبد الله بن زيد، ويجابُ عن هذا الانقطاع:
(١) الترمذي، كتاب الصلاة. حديث (١٩٢)، والنسائي، كتاب الأذان. حديث (٦٢٩)، والدارمي، كتاب
الصلاة. حديث (١١٩٧).

٦٠٦
أبواب الصلاة عن رسول الله وَليه / باب مَا جَاءَ أنَّ الإِقَامَةَ مَثْنَى مَثْنَى
بأن الترمذيَّ قال - بعد إخراج هذا الحديث، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن
زيد - ما لفظه: وقال شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: حدثنا
أصحاب محمد ◌ّ؛ ((أن عبد الله بن زيدٍ رأى الأذانَ في المنام))، قال الترمذي: وهذا
أصحُّ. انتهى، وقد روى ابن أبي ليلى عن جماعة من الصحابةِ، منهم: عمر، وعلي،
وعثمان، وسعد بن أبي وقاص، وأبيُّ بن كعب، والمقداد، وبلال، وكعب بن عُجرة، وزيد
بن أرقم، وحذيفة بن اليمان، وصُهيب، وخلقُ يطول ذكرهم، وقال: أدركتُ عشرين ومئةً من
أصحاب النبيِّ يَّرَ كلَّهم من الأنصار، فلا علَّة للحديث؛ لأنه على الرواية عَنْ عبد الله، بدون
توسيط الصحابةِ مرسلٌ عن الصحابة، وهو في حُكم المسند، وعلى روايته عن الصحابة، عنه
مُسندٌ، ومحمد بن عبد الرحمن - وإن كان بعض أهلَ الحديث يضعِّفه - فمتابعةُ الأعمش إياه
عن عمرو بن مرة، ومتابعةُ شُعبة - كما ذكر ذلك الترمذي -: مما يصحِّح خبره، وإن خالفاه
في الإسناد وأرسَلا، فهي مخالفةٌ غير قادحةٍ.
واستدلوا أيضًا: بما رواه الحاكم والبيهقي في ((الخلافيات))، والطحاوي، من رواية
سويد بن غَفَلة؛ ((أن بلالًا كان يثنِّي الأذان والإقامةَ)) وادعى الحاكمُ فيه الانقطاع، قال
الحافظ: ولكن في رواية الطحاويّ(١): ((سمعتُ بلالًا))؛ ويؤيِّد ذلك ما رواه ابن أبي شيبة،
عن جَبر بن عليٍّ عن شيخ يقال له: الحَفص، عن أبيه، عن جده، وهو: سعدُ القرظ، قال:
أَذَّن بلالٌ حياةَ رسولِ اللهِنَّهِ، ثم أذَّن لأبي بكر في حياته، ولم يؤذِّن في زمان عمر،
وسُويدُ بن غَفَلَةَ هاجرَ في زمن أبي بكر، وأما ما رواه أبو داود من أن بلالاً ذهبَ إلى الشَّام
في حياة أبي بكر، فكان بها حتَّى مات، فهو مرسلٌ، وفي إسناده: عطاءٌ الخراسانيُّ، وهو
مدلِّس، وروى الطبرانيُّ في ((مسند الشاميين))(٢) من طريق جُنادةَ بن أبي أمية، عن بلال؛ ((أنه
كان يجعلُ الأذان والإقامةَ مثنى مثنى)). وفي إسناده ضعف، قال الحافظ: وحديثُ
أبي محذورة في تثنية الإقامة مشهورٌ عند النسائيِّ وغيره، انتهى، وحديث أبي محذورة حديثٌ
صحيحٌ ساقه الحازميُّ في ((الناسخ والمنسوخ)) وذكر فيه الإقامةَ مرتين مرتين، وقال: هذا
حديث حسنٌ على شرط أبي داود والترمذي والنسائي، وسيأتي ما أخرجه عنهُ الخمسةُ؛ ((أن
(١) الطحاوي في ((معاني الآثار)) (٧٦٣).
(٢) الطبراني في ((مسند الشاميين)) (١٣٣٤).

٦٠٧
أبواب الصلاة عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاءَ أنَّ الإِقَامَةَ مَثْنَى مَثْنَى
قَالَ أَبُو عِيْسَى: ابْنُ أبي لَيْلَى هُوَ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلَى، كَانَ
فَاضِيَ الكوفَةِ، وَلَمْ يَسْمَعْ مِن أَبِهِ شَيْئاً، إلّا أنَّهُ يَرْوِي عَن رَجُلٍ عَن أبِيهِ.
النبيَّ ◌َِّ علَّمه الأذانَ تسعَ عشرةَ كَلمةً، والإقامةَ سبعَ عشرةَ» وهو حديثٌ صحَّحه الترمذيُّ
وغيره، وهو متأخر عن حديث بلالِ الذي فيه الأمرُ بإيتارِ الإقامةِ؛ لأنه بعد فتح مَّة؛ لأن
أبا محذورة من مُسلمَة الفتح؛ وبلالًا أمر بإفراد الإقامة أوَّل ما شُرع الأذانُ فيكون ناسخًا،
وقد روى أبو الشيخ؛ ((أن بلالًا أذن بمنّى ورَسُولُ الله ◌َِّ ثَمَّ مَرَّتين مرَّتينٍ، وأقام مثلَ ذلك))،
إذا عرفتَ هذا، تبيَّن لك أن أحاديث تثنية الإقامةِ صالحةٌ للاحتجاج بها، وأحاديث إفراد
الإقامة، وإن كانت أصَّ منها؛ لكثرة طرقها، وكونها في الصحيحين، لكن أحاديث التثنية
مشتملةٌ على الزيادة، فالمصير إليها لازم؛ لا سيَّما مع تأخّر تاريخ بعضها؛ كما عرفناك، وقد
ذهب بعض أهل العلم إلى جواز إفراد الإقامة وتثنيتها، قال أبو عمر بن عبد البر: ذهب
أحمدُ بن حنبل وإسحاقُ بن راهويه وداودُ بن عليٍّ ومحمَّد بن جريرٍ: إلى إجازة القول لِكُلِّ ما
روي عن رسول اللهِ وَ لّ في ذلك، وحملُوهُ على الإباحة والتخييرِ، وقالوا: كلُّ ذلك جائزٌ؛
لأنه قد ثبتَ عن النبيِّ وَّرُ جميعُ ذلك، وعملَ به أصحابهُ، فمن شاء قال: ((الله أكبر)) أربعًا
في أولِ الأذان، ومن شاء ثنَّى، ومن شاء ثنَّى الإقامة، ومن شاء أفردها، إلَّا قوله: ((قد
قامت الصلاة) ؛ فإن ذلك مرتانِ علی کل حال. انتھی.
قلت: ما ذهب إليه الإمامُ أحمدُ وإسحاقُ بن راهويه وغيرهما: من جواز إفراد الإقامة
وتثنيتها، هو القول الراجح المعوَّل عليه، بل هو المتعيِّن عندي، ولما كانت أحاديثُ إفراد
الإقامة أصحَّ وأثبتَ من أحاديث تثنيتها، لكثرة طرقها، وكونها في الصحيحين؛ كان الأخذ
بها أولى، وأما قول الشوكاني: «لكنَّ أحاديث التثنيةِ مشتملة على الزيادةِ، فالمصيرُ إليها
لازمٌ)) ففيه نظرٌ؛ كما لا يخفى على المتأمِّل.
قوله: (وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك وأهل الكوفة)، وهو قول أبي حنيفة؛ قال
الحازمي في ((كتاب الاعتبار)) - في باب تثنية الإقامةِ، بعد ذكر حديث أبي محذورة الذي فيه:
((وعلَّمَنِي الإقامةَ مرَّتين مرَّتينٍ)) - ما لفظه: اختلف أهلُ العلم في هذا الباب: فذهبت طائفة
إلى أن الإقامة مثل الأذان مثنى مثنى؛ وهو قول سفيان الثوري وأبي حنيفة وأهل الكوفة؛
واحتجُّوا في الباب: بهذا الحديث - يعني: حديث أبي محذورة - ورأوه محكمًا ناسخًا
لحديث بلال، ثم ذكر حديثَ بلالٍ بإسناده عن أنس، بلفظ: ((إنَّهُم ذكرُوا الصَّلاة عند النبيِّ
وَّه، فقال: نوِّرُوا نارًا أو اضربُوا ناقوسًا، فأمَرَ بلالًا أن يشفعَ الأذانَ ويوترَ الإقامَة))، وقال:

٦٠٨
أبواب الصلاة عن رسول الله وَله / باب مَا جَاءَ أنَّ الإقَامَةَ مَثْنَى مَثْنَى
هذا حديث صحيحٌ [ليس له علة]، ثم قال: قالوا: وهذا ظاهر في النسخ؛ لأن بلالاً أُمِرَ
بإفراد الإقامة أول ما شرع الأذان؛ على ما دلّ عليه حديثُ أنس، وأما حديث أبي محذورة
كان عام حُنينٍ، وبين الوقتينِ مدةٌ مديدةٌ، قال: وخالفهم في ذلك أكثرُ أهل العلم، فرأوا أن
الإقامةَ فرادى، وذهبوا في ذلك إلى حديث أنس، وأجابوا عن حديث أبي محذورة: بوجوه،
منها : أن من شرطِ الناسخِ، أن يكونَ أصحَّ سندًا وأقومَ قاعدةً في جميع جهات الترجيحات؛
على ما قرَّرناه في ((مقدِّمَة الكتاب))؛ وغير مخفيٍّ على من الحديثُ صناعتُهُ: أن حديث
أبي محذورة لا يوازي حديثَ أنس في جهة واحدة في الترجيحات؛ فضلاً عن الجهات
كلِّها، ومنها: أن جماعة من الحُفَّاظ ذهبوا إلى أن هذه اللفظة في تثنية الإقامةِ غيرُ محفوظة؛
بدليل ما أخبرنا به أبو إسحاق إبراهيم بن عليٍّ الفقيهُ، فذكر بإسناده عن إبراهيم بن
عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة، أخبرني جدِّي عبد الملك بن أبي محذورة؛ أن
النبيَّ ◌َ﴾ أمره أن يشفعَ الأذان ويوترَ الإقامة، وقال عبيد الله بن الزبير الحُميديُّ، عن
إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك، قال: أدركت جدِّي وأبي وأهلي يُقيمونَ، فيقولون: الله
أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلَّا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة؛ حي
على الفلاح، قد قامتِ الصلاة، قد قامتِ الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلَّا الله)) ونحوَ
ذلك حكى الشافعيُّ عن ولد أبي محذورة؛ ففي بقاء أبي محذورة وولده على إفراد الإقامة
دلالةٌ ظاهرةٌ على وهم وَقَعَ فيما روي في حديث أبي محذورة من تثنية الإقامة، قال: ثُمَّ لو
قدَّرنا أن هذه الزيادة محفوظةٌ، وأن الحديث ثابتٌ، ولكنه منسوخ، وأذان بلال هو آخر
الأذانين؛ لأن النبيِ وَّ لمَّا عاد من حُنين ورَجَعَ إلى المدينة؛ أقر بلالًا على أذانه وإقامته.
انتهى كلام الحازمي.
قلت: قد تكلم القاضي الشوكانيُّ على هذه الوجوه التي ذكرها الحازميُّ في الجواب عن
حديث أبي محذورة، فقال: وقد أجاب القائلونَ بإفراد الإقامة عن حديث أبي محذورة
بأجوبةٍ: منها: أن من شرط الناسخ أن يكون أصحَّ سندًا وأقومَ قاعدة، وهذا ممنوعٌ؛ فإن
المعتبَرَ في الناسخ مجرد الصحّة لا الأصحّية، ومنها: أن جماعةً من الأئمة ذهبوا إلى أنَّ هذه
اللفظة في تثنية الإقامة غير محفوظةٍ، ورووا من طريق أبي محذورة، ((أن النبيَّ وَلّل أسره أن
يشفعَ الأذانَ، ويوترَ الإقامة))، كما ذكر ذلك الحازميُّ في ((الناسخ والمنسوخ)) وأخرجه
البخاريُّ في ((تاريخه)) والدارقطنيُّ وابن خزيمة، وهذا الوجه غيرُ نافع؛ لأن القائلين بأنها غيرُ

٦٠٩
أبواب الصلاة عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي التَّرَسُلِ فِي الأَذَانِ
١٤٣ - باب مَا جَاءَ في التَّرَسُّلِ في الأَذَانِ [ت٢٩، ٢٩٢]
[١٩٥] (١٩٥) حدثنا أحْمَدُ بْنُ الحَسَن، حَدَّثَنَا المُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا
عَبْدُ المُنْعِم
محفوظةٍ، غايةُ ما اعتذروا به: عدم الحفظ، وقد حفظَ غيرهم من الأئمة، كما تقدَّم، ومن
عَلِمَ حُجَّة على مَن لا يعلم، وأما روايةُ إيتارِ الإقامةِ عن أبي محذورة، فليست كرواية
التشفيعٍ، على أن الاعتماد: على الرواية المشتملةِ على الزيادة.
ومن الأجوبة: أن تثنية الإقامة لو فرض أنها محفوظةٌ، وأن الحديثَ بها ثابت؛ لكانت
منسوخة؛ فإن أذان بلالٍ هو آخرُ الأمرين؛ لأن النبيَّ وَّ لما عاد من حنينٍ ورجع إلى المدينة
أقر بلالًا على أذانه وإقامته، قالوا: وقد قيل لأحمد بن حنبل: أليس حديثُ أبي محذورة بعدَ
حديث عبد الله بن زيد؛ لأن حديث أبي محذورة بعد فتح مكة، قال: أليس قد رَجَعَ
رسولُ الله ◌َ ﴿ إلى المدينة، فأقرَّ بلالًا على أذان عبد الله بن زيد؛ وهذا أنهضُ ما أجابوا به؛
ولكنه متوقفٌ على نقل صحيح أن بلالًا أذَّن بعد رجوع النبيِّ ﴿ المدينة، وأفرد الإقامة،
ومجرَّدُ قول أحمد بن حنبل لا يكفي؛ فإن ثبت ذلك؛ كان دليلًا لمذهب من قال بجواز
الكلِّ، ويتعيَّن المصيرُ إليها؛ لأن فعل كل واحد من الأمرين عقبَ الآخر مُشعرٌ بجواز الجميع
لا بالنسخ؛ انتهى كلام الشوكاني.
قلت: قد ثَبَتَ أن بلالًا أمره النبيُّ وَّهِ بإفرادِ الإقامة، وقد ثبَتَ أيضًا أنه أذَّن حياته ◌َه
ولم يثبت أن النبيَّ وَ ل و لما عاد من حُنينٍ أمر بلالاً بتثنية الإقامة، ومنعه من إفرادها؛ فالظاهر
هو ما قال الإمام أحمد، والله تعالى أعلم.
١٤٣ - باب مَا جَاءَ في التَّرَسُّلِ في الأذَانِ
أي: بقطع الكلمات بعضها عن بعض، والتأنِّي في التلفّظ بها، قال ابن قدامة: الترسُّل:
التمهُّل والتأنِّي، من قولهم: ((جاء فلانٌ على رِسْلِهِ))، والحدرُ: ضد ذلك، وهو الإسراعُ،
وقطعُ التطويلٍ، وهذا من آداب الأذانِ ومستحبَّاته؛ قال: الأذان: إعلامُ الغائبين، والتثُبُّت فيه
أبلغُ في الإعلام، والإقامةُ: إعلامُ الحاضرين؛ فلا حاجة إلى التثُبُّت فيها .
[١٩٥] قوله: (نا المعلَّى) بفتح ثانيه وتشديد اللام المفتوحة (ابن أسد) العمِّي البصري،
أخو بهز، ثقة ثبت، لم يخطئ إلّا في حديثٍ واحدٍ؛ كذا في ((التقريب))، (نا عبد المنعم) بن

٦١٠
أبواب الصلاة عن رسول الله بَّهِ / باب مَا جَاءَ فِي التَّرَسُّلِ فِي الأَذَانِ
- هُوَ صَاحِبُ السِّقَاءِ - قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُسْلِم، عَن الحَسنِ وَعَطاءٍ، عَن
جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، أنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ لِبَلالٍ: ((يَا بِلالُ! إذَا أَذَنْتَ فَتَرَسَّلْ فِي
أَذَانِكَ، وَإِذَا أَقَمْتَ فَاحْدُرْ، وَاجْعَلْ بَيْنَ أذَانِكَ وَإِقَامَتِكَ قَدْرَ مَا يَفْرُغُ الْآكِلُ مِن
أكْلِهِ، وَالشَّارِبُ مِن شُرْبِهِ، وَالمُعْتَصِرُ إِذَا دَخَلَ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ، وَلا تَقُومُوا حَتَّى
تَرَوْنِي)). [ضعيف جدًّا، آفته: عبد المنعم، متروك، لكن قوله: ((ولا تقوموا ... )) صحيح].
[١٩٦] (١٩٦) حدثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْن مُحَمَّدٍ، عَن عَبْدِ المنْعِم،
نَحَوهُ.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: حَدِيثُ جَابِرِ هذَا حَدِيثٌ لا نَعْرِفُهُ إلَّا مِن هذَا الوَجْهِ، مِن
حَدِيثِ عَبْدِ المِنْعِم، وَهُوَ إِسْنَادٌ مَجْهُولٌ. وَعَبْدُ المِنْعِمِ شَيْخٌ بَصْرِيٌّ.
نعيم الأسواري، أبو سعيد البصري، (هو صاحب السقاء) هو: لقب عبد المنعم، ولعله كان
يسقي الناس الماء، قال الحافظ في ((التقريب)): متروك، (نا يحيى بن مسلم) البصريّ، قال
الحافظ: مجهول، (عن الحسن وعطاء) الحسن هو: الحسن بن يَسار البصريّ، وعطاء هو:
عطاء بن أبي رباح المكيُّ.
قوله: (إذا أذنت فترسل) أي: تأنَّ ولا تعجل، والرِّسْل بكسر الراء وسكون السين:
التُّؤدةُ، والترسُّل: طلبه، (وإذا أقمت فاحدر) أي: أسرع وعجِّل في التلفّظُ بكلمات الإقامة؛
كذا في ((المجمع))، وقال الحافظ في ((التلخيص)): الحَدْر؛ بالحاء والدال المهملتينِ:
الإسراعُ، ويجوزُ في قوله: (فاحدر)) ضمُّ الدال، وكسرها؛ قال ابن قدامة: وروى أبو عُبيد
بإسناده عن عمر رُّه أنه قال المؤذِّن بيت المقدسِ: ((إذا أذَّنت فترسَّل، وإذا أقمتَ فاحذِم))،
قال الأصمعي: وأصل الحَذم في المشي: إنما هو الإسراع، وأن يكون مع هذا كأنه يهوِي
بيديه إلى خلفه. انتهى (والمعتصر) هو من يؤذيه بولٌ أو غائطٌ، أي: يفرغ الذي يحتاج إلى
الغائطِ، ويعصر بطنه وفرجهُ؛ كذا في ((المجمع)) و((المرقاة))، (ولا تقوموا حتى تَروني) أي:
خرجتُ، وسيأتي توضيحُ هذا في ((باب: الإمام أحقُّ بالإقامةِ)).
[١٩٦] قوله: (وهو إسناد مجهول): فإن فيه يحيى بن مُسلم البصريّ، وهو مجهول، قال
الحافظ الزيلعيُّ في ((نصب الراية)» - بعد ذكر هذا الحديثِ، وذکر کلام الترمذيِّ هذا - ما
لفظه: وعبد المنعم هذا ضعَّفه الدارقطني، وقال أبو حاتم: منكر الحديث جدًّا، لا يجوزُ

٦١١
أبواب الصلاة عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاءَ فِي التَّرَسُّلِ فِي الأَذَّانِ
الاحتجاج به، وأخرجه الحاكم في ((مستدركه))(١) عن عمرو بن فائد الأسواري، ثنا يحيى بن
مسلم، به سواء، ثم قال: هذا حديثٌ ليس في إسناده مطعونٌ فيه؛ غير عمرو بن فائدٍ، ولم
يخرِّجاه. انتهى، قال الذهبيُّ في ((مختصره)): وعمرو بن فائد: قال الدارقطنيُّ: متروك.
انتهى، وقال الحافظ في ((التلخيص)): وروى الدارقطنيُّ(٢) من حديث سُويد بن غفلةَ، عن
عليٍّ؛ قال: ((كان رسُولُ اللهِ وَّهِ يأمُرُنا أن نُرتِّل الأذانَ، ونحدُرَ الإقامَةَ)) وفيه عمرو بن شمرٍ ؛
وهو متروك، وقال البيهقي (٣): روي بإسناد آخر، عن الحسن وعطاءٍ عن أبي هريرة، ثم
ساقه، وقال: الإسناد الأول أشهرُ، يعني: طريق جابر، وروى الدارقطني(٤) من حديث عمر
موقوفًا: نحوهُ، وليس في إسناده إلَّا أبو الزُّبير مؤذِّنُ بيت المقدس، وهو تابعيُّ قدیم مشهور.
انتھی .
وحديث جابر المذكور في الباب أخرجه أيضًا الحاكم والبيهقي وابن عدي(٥)، وضعَّفوه
إلّا الحاكم، فقال: ليس في إسناده مطعونٌ غير عمرو بن فائد، قال الحافظ: لم يقع إلَّا في
روايته هو، ولم يقع في رواية الباقين؛ لكن عندهم فيه عبد المُنعم صاحب السقاءِ، وهو كافٍ
في تضعیف الحدیث. انتهى.
فائدة: حديث الباب يدلُّ على أن المؤذِّن يقول كُلَّ كلمة من كلمات الأذان بنَفَسٍ واحدٍ؛
فيقول التكبيراتِ الأربعَ في أول الأذان بأربعة أنفس؛ يقول: الله أكبر، بنَفَس ثم يقول: الله
أكبر؛ بنَفَس آخر، ثم يقول: الله أكبر؛ بنَفَس آخر، ثم يقول: الله أكبر، بنَفَس آخر، وعلى
هذا يقولُ كلَّ كلمةٍ بِنَفَس واحدٍ، لكن قال النووي في (شرح مسلم)): قال أصحابنا: يستحبُّ
للمؤذِّن أن يقول كلَّ تكبيرتين بنَفَسٍ واحدٍ، فيقول في أول الأذان: الله أكبر الله أكبر؛ بنَفَس
واحد، ثم يقول: الله أكبر الله أكبر؛ بنَفَس آخر. انتهى؛ ووجهه بأن الإقامة إحدى عشرة
كلمة منها: ((الله أكبر الله أكبر)) أولًا وآخرًا، وهذا - وإن كان صورة تثنية - فهو بالنسبة إلى
الأذان إفرادٌ، وتعقّب عليه الحافظ في ((الفتح)) بأن هذا إنما يتأتَّى في أول الأذان لا في
(١) الحاكم. حديث (٧٣٢).
(٢) الدار قطني (٢٣٨/١) (٩).
(٣) البيهقي في ((الكبرى)) (١٨٥٨).
(٤) الدارقطني (٢٣٨/١) (١٠).

٦١٢
أبواب الصلاة عن رسول الله وَاقوى / باب مَا جَاءَ فِي إدخالِ الإصْبَعِ فِي الأُذُنِ عِنْدَ الأَذَانِ
١٤٤ - باب مَا جَاءَ في إدخالِ الإصْبَعِ في الأذُنِ عِنْدَ الأَذَانِ [ت٣٠، ٣٠٢]
[١٩٧] (١٩٧) حدثنا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أحْبَرَنَا سُفْيَانُ
الثَّوْرِيُّ، عَن عَوْنِ بْنِ أبِي جُحَيْفَةَ، عَن أبِيهِ، قَالَ: رأيْتُ بِلالًا يُؤَذِّنُ وَيَدُورُ، ويُتْبِعُ
فَاهُ هاهنا وَهَاهُنَا،
التكبير الذي في آخرهٍ، وعلى ما قاله النوويُّ: ينبغي للمؤذِّن أن يفردَ كلَّ تكبيرة من اللتين في
آخره بنَفَس. انتهى.
قلت: ما قال الحافظُ حسنٌّ موجَّه؛ لكن يستأنسُ لما قال النووي؛ من أن المؤذن يقولُ
كلَّ تكبيرتين بنَفَسٍ واحدٍ في أول الأذان وفي آخرهٍ: بما رواه مسلم في ((صحيحه)) (١) عن
عمر بن الخطاب، قال: ((قال رَسولُ اللهِ وَّهِ: إذا قال المؤذِّنُ: الله أكبر الله أكبر، فقال
أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلَّ اللهُ، قال: أشهد أن لا إله إلَّ اللهُ،
ثم قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم قال: حي على
الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلَّا بالله، ثم قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة
إلَّا بالله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر، قال: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: لا إله إلَّا اللهُ، قال:
لا إله إلَّ الله؛ من قلبهِ؛ دخل الجنَّةَ)). انتهى.
فقوله وَ له: ((إذا قال المؤذِّن الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر)) في أول
الأذان، وكذا في آخره، يدلُّ بظاهره على ما قال النووي، والله تعالى أعلم.
١٤٤ - باب مَا جَاءَ فيِ إِذْخَالِ الإصْبَعِ في الأُذُنِ عِنْدَ الأَذَانِ
[١٩٧] قوله: (عن عون بن أبي جُحيفةَ) بتقديم الجيم على الحاء مصغّرًا السُّوائيُّ، ثقة،
(عن أبيه) هو: أبو جحيفة، واسمه: وهب بن عبد الله السوائيُّ، مشهور بكنيته، ويقال له:
وهبُ الخير، صحابي معروف وصحبَ عليًّا، مات سنة (٧٤) أربع وسبعين.
قوله: (رأيت بلالاً يؤذن ويدُورُ) أي: عند الحَيْعَلَتَيْنِ، (ويتبع): من الإتبَاعِ (فاه) أي:
فمه، (هاهنا وهاهنا) أي: يمينًا وشمالاً، وفي رواية وكيع عند مُسلمٍ(٢) قالَ: ((فَجعلتُ أتَبَّعُ
فاهُ هاهنا وهاهنا، يمينًا وشمالاً، يقول: حيَّ على الصلاة، حيَّ علَى الفلاح؛ قال الحافظ
(١) مسلم، كتاب الصلاة. حديث (٣٨٥).
(٢) مسلم، كتاب الصلاة. حديث (٥٠٣)، وأبو داود، كتاب الصلاة (٥٢٠، ٦٨٨).

٦١٣
أبواب الصلاة عن رسول الله ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي إدخالِ الإصْبَعِ فِي الأُذُنِ عِنْدَ الأَذَانِ
وَإِصْبَعَاهُ فِي أُذُنَيْهِ، وَرَسُولُ اللهِوَّهِ فِي قُبَّةٍ لَهُ حَمْرَاءَ - أُرَاهُ قَالَ: مِن أَدَم - فَخَرِجَ
بِلالٌ بَيْنَ يَدَيْهِ بالعَنَزَةِ فَرَكَزَهَا بِالبَطْحَاءِ، فَصَلَّى إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ يَمُرُّ بَيْنَ يَدِيْهِ
الكلْبُ وَالحِمَارُ، وَعَلَيْهِ حُلّةٌ حمْرَاءُ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَرِيقِ سَاقَيْهِ، قَالَ سُفْيَانُ: نُرَاهُ
حِبَرَةً. [خ: ٣٧٦ و٦٣٤ و ٣٥٦٦، م بنحوه: ٥٠٣، ن: ١٣٧ و ٥٣٩٣، د: ٥٢٠و ٦٨٨، جه مختصراً: ٧١١،
حم: ١٨٢٦٨ و١٨٢٦٩، مي مختصراً: ١١٩٨ و١٤٠٩].
في ((الفتح)) - بعد ذكر هذه الرواية -: فيه تقييدٌ للالتفات في الأذان، وأن محلَّه عند
الحَيعلتينِ. انتهى، وروى هذا الحديث قيس بن الربيع، عن عون، فقال: ((فلما بلغ: حيَّ
على الصَّلاة، حيَّ على الفلاح)) لوى عنقه يمينًا وشمالاً، ولم يستدر، أخرجه أبو داود، قال
الحافظ في ((الفتح)): ويمكن الجمعُ بأن من أثبت الاستدارة، عنى: استدارة الرأس، ومن
نفاها، عنی استدارة الجسد کلِّه. انتهى.
(وإصبعاه في أذنيه) جملةٌ حالية، أي جاعلًا إصبعيه في أذنيه، والإصبع: مثلثة الهمزة
والباء، (ورسول الله ﴿ في قُبَّة)، قال الجزريُّ في ((النهاية)): القُبَّة من الخيام: بيت صغيرٌ
مستديرٌ وهو من بيوت العرب، (أراهُ) بضم الهمزة، أي: أظنه، والظاهر: أن قائل ((أرَاهُ» هو
عونٌ، والضمير المنصوب: يرجع إلى أبي جُحيفة، (قال: من أدم) بفتحتين، جمعُ أديم،
أي: جلد، (بالعَنَزَة) بفتح العين والنون والزاي: عصًا أقصرُ من الرمح، لها سنان، وقيل:
هي الحربة القصيرة؛ قاله الحافظ، وقال الجزريُّ في ((النهاية)): العَنَزةُ مثل نِصفِ الرمح، أو
أكبرُ شيئًا، وفيها سنان مثلُ سنان الرمح، والعُكَّازة: قريبٌ منها. انتهى. (فركزها) أي:
غرزها، (بالبطحاء) يعني: بطحاءَ مَّة وهو موضعٌ خارج مكة، وهو الذي يقال له: الأبطح؛
قاله الحافظ، قلت: ويقال لهُ: ((المحصَّبُ)) أيضًا، (يمر بين يديه الكلب والحمار)، قال
الحافظ: أي: بين العَتَزَة والقِبْلَةِ، لا بينه وبين العنزة، ففي رواية عمر بن أبي زائدة: ((ورأيتُ
الناسَ والدَّوابَّ يمرُّون بين يدي العنزة)) (وعليه حلة حمراء) الحُلَّة؛ بضم الحاء: إزارٌ ورداءٌ،
قال الجزريُّ في ((النهاية)): الحلة واحد الحُلل وهي: برود اليمن، ولا تسمَّى حُلَّة إلّا أن
تكون ثوبينٍ من جنسٍ واحدٍ، (كأني أنظر إلى بريق ساقيه) أي: لمعانهما، والبريق: اللمعان.
(قال سفيان) هو: الثوري الراوي عن عونٍ، (نراه حِبَرَة) بكسر المهملة وفتح الموحدة،
أي: نظن أن الحُلَّة الحمراء التي كانت عليه وَّه لم تكن حمراءَ بحتًا، بل كانت حبرةً، يعني:
كانت فيها خطوط حُمر، فإن الحِبَرَةَ؛ على ما في ((القاموس)) و((المجمع)) هي ضربٌ من برود

٦١٤
أبواب الصلاة عن رسول الله وَي / باب مَا جَاءَ فِي إدخالِ الإصْبَعِ فِي الأُذُنِ عِنْدَ الأَذَانِ
قَالَ أبُو عِيْسَى: حَدِيثُ أبِي جُحَيْفَةَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَعَلَيْهِ العَمَلُ عِنْدَ
أهلِ العِلْمِ: يَسْتَحِبُّونَ أنْ يُدْخِلَ المُؤَذِّنُ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ فِي الأَذَانِ.
من اليمن موشَّى مخطّط، وقال ابن القيم: إن الحُلَّة الحمراء: بردان يمانيان منسوجان
بخطوط حمر مع الأسود، وغَلِطَ من قال: إنها كانت حمراء بحثًا، قال: وهي معروفةٌ بهذا
الاسم. انتهى، وتعقب الشوكانيُّ عليه: بأن الصحابيَّ قد وصفها بأنها حمراءُ، وهو من أهل
اللسان، والواجب: الحملُ على المعنى الحقيقيّ، وهو: الحمراء البحت، والمصير إلى
المجاز - أعني: كون بعضها أحمر دون بعض - لا يُحملُ ذلك الوصفُ عليه إلَّا لموجبٍ، فإن
أراد ذلك - معنى الخُلَّة الحمراء لغةً - فليس في كتب اللغة ما يشهد لذلك، وإن أراد أن ذلك
حقيقةٌ شرعيةٌ فيها، فالحقائق الشرعيةُ لا تثبتُ بمجرَّد الدعوى، انتهى كلام الشوكاني، وقد
عقد الإمامُ البخاريُّ في ((صحيحه)) بابًا بلفظ: ((باب الصلاة في الثوب الأحمر)) وأورد فيه هذا
الحديث، قال الحافظ في ((الفتح)): يشير إلى الجواز، والخلافُ في ذلك مع الحنفية، فإنهم
قالوا: يكره، وتأوَّلوا حديث الباب: بأنها كانت حُلَّة من برود فيها خطوط حُمر. انتهى،
ويأتي الكلام في هذه المسألة في موضعها بالبسط، إن شاء الله.
قوله: (حديث أبي جحيفة حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاريُّ ومسلم؛ إلَّا أنهما لم
يذكرا فيه إدخالَ الإصْبَعَيْنِ في الأذنينِ ولا الاستدارةَ.
وفي الباب: عن عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد مؤذِّن رسُولِ اللهِ وَ لّه قال:
حدَّثني أبي، عن أبيه، عن جدِّه، ((أن رسولَ اللهِ وَلَ أمرَ بلالًا أن يجعلَ إصْبَعَيْهِ في أذنيه،
قال: إنَّه أرفعُ لصوتكَ))؛ أخرجه ابن ماجه (١)، وهو حديث ضعيفٌ. وفي الباب روايات
أخرى.
قوله: (وعليه العملُ عند أهل العلم، يستحبّون أن يدخل المؤذِّن إصبعيه في أذنيه في
الأذان) قالوا: في ذلك فائدتان؛ إحداهما: أنه قد يكون أرفع لصوته، وفيه: حديثٌ
ضعيفٌ، أخرجه أبو الشيخ من طريق سعدِ القرظِ، عن بلال، وثانيتهما: أنه علامةٌ للمؤذِّن،
ليعرف من رآه على بعدٍ أو كان به صممٌ أنه يؤذِّن؛ قاله الحافظ، وقال: لم يرِد تعيينُ
الإصبع التي يستحبُّ وضعها، وجزم النووي؛ أنها المسبِّحة، وإطلاق الإصبعِ مجازٌ عن
الأنملة. انتهى.
(١) ابن ماجه، كتاب الأذان. حديث (٧١٠).

٦١٥
أبواب الصلاة عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاءَ فِي التَّثْوِيبِ فِي الفَْرِ
وَقَالَ بَعْضُ أهلِ العِلْمِ: وَفِي الإِقَامَةِ أيْضاً، يُدخِلُ إصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ، وَهُوَ قوْلُ
الأَوْزَاعِيِّ. وَأَبُو جُحَيْفَةَ اسْمُهُ: وَهْبُ بْنُ عَبْدِ الله السُّوَائِيُّ.
١٤٥ - باب مَا جَاءَ في التَّغْوِيبِ في الفَجْرِ [٣١٢،٣١٥]
[١٩٨] (١٩٨) حدثنا أحْمَدُ بْنُ مَنِيع، حَدَّثَنَا أَبُو أحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا
أبُو إِسْرائيلَ، عَن الحَكم، عَن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أبِي لَيْلَى، عَن بِلالٍ، قَالَ: قَالَ لِي
قوله: (وقال بعض أهل العلم: وفي الإقامة أيضًا يدخل إصبعيه في أذنيه، وهو قول
الأوزاعي) لا دليل عليه من السُّنة، وأما القياس على الأذان، فقياسٌ مع الفارق، قال القاري
في ((المرقاة)) في شرح حديث عبد الرحمن بن سعد: ((إن رسول الله يتلقى أمر بلالًا أن يجعل
إصبعيهِ في أذنيه، قال: إنه أرفعَ لصوتك)) ما لفظه: قال الطيبي: ولعلَّ الحكمة أنه إذا سدَّ
صماخَيه لا يسمعُ إلَّ الصوتَ الرفيعَ فيتحرَّى في استقصائه، كالأطرش، قيل: وبه يستدلُّ
الأصمُّ على كونه أذانًا، فيكون أبلغ في الإعلام، قال ابن حجر ولا يسنُّ ذلك في الإقامة؛
لأنه لا يحتاجُ فيها إلى أبلغيَّة الإعلام، لحضور السامعين. انتهى.
(وأبو جحيفة اسمه: وهب [بن عبد الله] السُّوائيُّ) بمضمومة وخفة واو فألف فكسر
همزة: نسبة إلى سواءَةَ بن عامٍ، كذا في ((المغني)).
١٤٥ - باب مَا جَاءَ في التَّثْوِيبِ في الفَجرِ
التثويب هو: العودة إلى الإعلام بعد الإعلام، ويطلق على الإقامة، كما في حديث:
((حتَّى إذا ثوَّبَ أدبرَ، حتَّى إذا فرَغَ أقبلَ، حتَّى يخطرَ بينَ المرءِ ونفسهِ))، وعلى قول المؤذِّن
في أذان الفجر: ((الصَّلاة خير من النوم))، وكلٌّ من هذين تثويبٌ قديم ثابتٌ من وقته وَّه إلى
يومنا هذا، وقد أحدثَ الناسُ تثويبًا ثالثًا بين الأذان والإقامة؛ قاله في ((فتح الودود)).
قلت: ومراد الترمذيِّ بـ ((التثويب)) - هاهنا - هو قول المؤذِّن في أذان الفجر: ((الصَّلاة
خيرٌ من النّوم)).
[١٩٨] قوله: (نا أبو أحمد الزبيري) بضم الزاي الموحّدة: هو محمد بن عبد الله بن
الزبير بن دِرهم الأسديُّ الكوفيُّ، ثقة، ثبت، إلَّا أنه قد يخطئُ في حديث الثَّوريِّ، وهو من
رجال الكتب الستة، (نا أبو إسرائيل) يجيء ترجمته، (عن الحكم) هو: ابن عتيبة، (عن
عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن بلال) عبد الرحمن هذا لم يسمع من بلال؛ كما صرَّح به
الحافظ في ((التلخيص)).

٦١٦
أبواب الصلاة عن رسول الله وَّيه / باب مَا جَاءَ فِي التَّغْوِيبِ فِ الفَجْرِ
رَسولُ اللهِ وَّهُ: ((لا تُتَوِّبَنَّ فِي شَيْءٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ إلَّ فِي صَلاةِ الفَجْرِ)). [ضعيف: جه:
بنحوه: ٧١٥، حم: ٢٣٩١٢].
قَالَ: وَفِي البَابِ عَن أبِي مَحْذُورَةً.
قوله: (لا تثوبنَّ في شيء من الصلوات إلَّا في صلاة الفجر) من التثويب، قال الجزري
في ((النهاية)): هو قولُهُ: ((الصلاةُ خيرٌ من النَّوم))، وقال: والأصل في التثويب: أن يجيءَ
الرجُلُ مستصرخًا، فيلوِّح بثوبه؛ ليرى ويشتهر؛ فسمِّي الدعاء تثويبًا لذلك، وكلُّ داع مثوِّبٌ،
وقيل: إنما سمِّي تثويبًا من ثابَ يثوبُ: إذا رَجَعَ؛ فهو رجوعٌ إلى الأمر بالمبادرة إلى
الصلاة، وأن المؤذِّن إذا قال: ((حيَّ على الصَّلاة)) فقد دعاهم إليها، وإذا قال بعدها:
(الصَّلاةُ خيرٌ من الثَّومِ)) فقد رَجَعَ إلى كلامٍ معناه المبادرةُ إليها. انتهى كلام الجزري.
وحديث الباب: أخرجه ابن ماجه والبيهقي، وقال: عبد الرحمن لم يلقَ بلالاً .
قوله: (وفي الباب عن أبي محذورة) أخرجه أبو داود(١)، قال: ((قلتُ: يا رسولَ الله،
علِّمني سُنة الأذان ... )) الحديث، وفي آخره: ((فإن كان صلاةُ الصبح، قُلت: الصَّلاةُ خيرٌ
من النَّوم، الصَّلاة خيرٌ من النَّوم، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلَّا الله))، ورواه ابن حبَّان في
((صحيحه)). وفي الباب أيضًا عن أنس، قال: ((من السُّنة إذا قال المؤذِّن في أذان الفجرِ: حيَّ
على الصلاة حي على الفلاح)) قال: ((الصَّلاةُ خيرٌ من النَّوم)) ؛ أخرجه ابن خُزيمة في
((صحيحه)) والدارقطني، ثم البيهقي (٢) في ((سننهما)) وقال البيهقي: إسناده صحيح، كذا في
(«نصب الراية»، وفي الباب أحاديث أخرى مذكورة فيه.
واعلم: أنه قد ثَبَتَ كونُ ((الصلاةُ خيرٌ من النوم، الصلاةُ خيرٌ من النوم» في أذان الفجر
بعد: ((حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاحِ)) من حديث أبي محذورة وبلال المذكورين، وكذا
من حديث ابن عمر، قال: الأذانُ الأوَّلُ بعد: ((حيَّ على الفلاح)) ((الصلاة خير من النوم))
مرتين، رواه السِّراج والطبراني والبيهقي (٣)، وسنده حسن، كما صرح به الحافظ، وهو
مذهبُ الكافَّة، وهو الحق، وأما ما قال الإمام محمَّد في ((موطئه))(٤) من أن ((الصلاةُ خيرٌ من
النوم)) يكونُ ذلك في نداء الصبح بعد الفراغ من النداء؛ ففيه نظرٌ.
(١) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٥٠٠)، وابن حبان. حديث (١٦٨٠).
(٢) ابن خزيمة (٣٨٦)، والدارقطني (٤٢٣/١) (٣٨)، والبيهقي في ((الكبرى)) (١٨٣٥).
(٣) البيهقي في ((الكبرى)). حديث (١٨٣٧).
(٤) ((الموطأ)) رواية محمد بن الحسن الشيباني (٩٢).

٦١٧
أبواب الصلاة عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي الَّغْوِيبِ فِي الفَجْرِ
قَالَ أبُو عِيْسَى: حدِيثُ بِلالٍ لا نَعْرِفُهُ إلَّا مِن حدِيث أبي إسْرائِيلَ المُلائيِّ.
وأبُو إسرائيلَ لم يسمعْ هذا الحديث من الحكم بنِ عُتيْبَةَ قَالَ: إِنَّمَا رواه عَن
الحسن بنِ عُمَارة عَن الحكم بن عُتَيْبَةَ. وأبو إسرائيلَ اسْمُهُ: إِسْماعِيلُ بْنُ
أبِي إِسْحَاقَ، وَلَيْسَ هُوَ بِذاكَ القَوِيِّ عِنْدَ أهْلِ الحَدِيثِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْم فِي
تَفْسِيرِ التَّوِيبِ: فَقَالَ بَعْضُهُم: التَّثْرِيبُ أنْ يَقُولَ فِي أَذَانِ الفَجْرِ: الصَّلاةُ خَيْرٌ مِنَ
النَّوْمِ. وَهوَ قَولُ ابْنِ المَبَارَكِ، وَأَحْمَدَ. وَقَالَ إِسْحَاقُ فِي التَّثْوِيبِ غَيْرَ هذَا، قَالَ:
التَّثْوِيبُ المَكْرُوهُ: هُوَ شَيءٌ أحْدَثَهُ النَّاسُ بَعْدَ النَّبِيِّ وَِّهِ، إِذَا أَذَّنَ المُؤَذِّنُ فَاسْتَبْطَأَ
القَوْمَ قَالَ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ: قَدْ قَامَتِ الصَّلاةُ، حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ، حَيَّ عَلَى
الفَلاحِ. قَالَ: وَهَذَا الّذِي قَالَ إِسْحَاقُ: هُوَ التَّنْوِيبُ الَّذِي قَدْ كَرِهَهُ أهْلُ العِلْمِ،
قوله: (حديث بلال لا نعرفهُ إلَّا من حديث أبي إسرائيل المُلائي) بمضمومة وخفَّةٍ لام
وبمد وبياء في آخره: نسبةٌ إلى بيع الملاءَ، نوع من الثياب، (إنما رواه عن الحسن بن عُمارة)
وهو متروك، (وأبو إسرائيل اسمه: إسماعيل بن أبي إسحاق، وليس بذاك القوي) قال الذهبي
في ((الميزان)): أبو إسرائيل الملائي الكوفي هو إسماعيل بن أبي إسحاق، خليفة، ضعَّفوه،
وقد كان شيعيًّا بغيضًا من الغلاة الذين يكفِّرون عثمان، قال ابن المبارك: لقد منَّ الله على
المسلمين بسوء حفظ أبي إسرائيل، وذكر أقوال الجرحِ، وقال الحافظ في ((التقريب)): صدوق
سَيِّئُ الحفظ.
قوله: (قال إسحاق في التثويب) أي: في تفسيره (غير هذا) أي: غيرَ هذا الذي فسَّره به
ابن المبارك وأحمد، (قال) أي: إسحاق، (هو شيء أحدثهُ النَّاسُ بعد النبيِّ ◌ِ ﴾، إذا أَذَّرُ
المؤذِّن، فاستبطأ القوم، قال بين الأذان والإقامة: قد قامت الصلاة، حي على الصلاة، حي
على الفلاح) وبهذا التفسير قال الحنفية، قال الحافظ الزيلعيُّ في ((نصب الراية)) - بعد ذكر
حديث الباب -: اختلفوا في التثويب: فقال أصحابنا - يعني: الحنفية -: هو أن يقولَ بين
الأذان والإقامة: ((حيَّ على الصلاة، حي على الفلاح)) مرتين، وقال الباقون: هو قوله في
الأذان: ((الصلاةُ خيرٌ من النوم)). انتهى كلام الزيلعي.
قلت: قول الباقين هو الصحيح، كما صرَّح به الترمذيُّ، وهو المراد في حديث الباب،

٦١٨
أبواب الصلاة عن رسول الله وَهِ / باب مَا جَاءَ أنَّ مَن أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ
وَالّذِي أحْدَثُوهُ بَعْدَ النَّبِيِّ وَّهِ. وَالَّذِي فَسَّرَ ابْنُ المَبَارَكِ، وَأحْمَدُ: أنَّ التَّغْوِيبَ أنْ
يَقُولَ المُؤَذِّنُ فِي أَذَانِ الفَجْرِ: الصَّلاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ. وَهُوَ قَوْلٌ صَحِيحٌ، وَيُقَال لَهُ:
التّغْوِيبُ أيْضاً. وَهُوَ الّذِي اخْتَارَه أهْلُ العِلْم وَرأوْهُ. وَرُوِي عَن عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ أنَّهُ
كَانَ يَقُولُ فِي صَلاةِ الفَجْرِ: الصَّلاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ. ورُوِيَ عَن مُجَاهِدٍ قَالَ: دَخَلْتُ
مَعَ عَبْد الله بْن عُمَرَ مَسْجِداً وَقَدْ أُذِّنَ فِيهِ وَنَحْنُ نُرِيدُ أنْ نُصلِّ فِيهِ، فَتَوَّبَ المُؤَذِّنُ،
فَخَرَجَ عِبْدُ الله بْنُ عُمَرَ مِنَ المسْجِد وَقَالَ: اخْرُجْ بِنَا من عِنْدِ هذَا المُبْتَدِعِ، وَلَمْ
يُصَلِّ فِيهِ. قَالَ: وَإِنّمَا كَرِهَ عَبْدُ اللهِ التَّثْوِيبَ الّذِي أحْدَثَّهُ النَّاسُ بَعْدُ.
١٤٦- باب مَا جَاءَ أنَّ مَن أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ [ت٣٢، ٣٢٢]
[١٩٩] (١٩٩) حدثنا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ وَيَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، عَن عَبْد الرَّحمنِ بْنِ
زِيَادِ بْنِ أَنْعُمِ الإفْرِيقيِّ،
وأما ما قال به إسحاقُ ومَن تبعه، فهو مُحدَثٌ، كما صرَّح به الترمذيُّ، فكيف يكون مرادًا في
الحديث النبوي.
(والذي أحدثوه) عطفٌ على ((الذي كرهه))، قال التوربشتي: أما النداء بالصلاة الذي
يعتاده الناسُ من بعد الأذان على أبواب المسجدِ، فإنه بدعةٌ يدخلُ في القسم المنهيِّ عنه.
انتھی .
(وروي عن عبد الله بن عمر، أنه كان يقول في صلاة الفجر) أي: في أذان صلاة الفجر،
ولم أقف على من أخرج هذا الأثر.
(ورُوِيَ عن مجاهد، قال: دخلتُ مع عبد الله بن عمر مسجدًا ... إلخ) رواه أبو داود في
((سننه))(١) ولفظه قال: «كنتُ مع ابن عُمرَ، فوَّبَ رجلٌ في الظّهرِ أو العَصرِ، قال: اخرج بنا،
فإن هذه بدعة)) انتهى؛ وإنما قال: ((اخرج بنا))؛ لأنه كان حينئذٍ أعمى.
١٤٦ - باب مَا جَاءَ أنَّ مَن أذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ
[١٩٩] قوله: (حدّثنا عبدة ويعلى، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم) بفتح أوله وسكون
(١) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٥٣٨).

٦١٩
أبواب الصلاة عن رسول الله وَلَيه / باب مَا جَاءَ أنَّ مَن أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ
عَن زِيَادٍ بْنِ نُعَيْمِ الحَضْرَمِيِّ، عَن زِيَاد بْن الحَارِثِ الصُّدَائِيِّ، قَالَ: أمَرَنِي رَسُولُ الله
وَ ﴿ أَنْ أُؤَذِّنَ فِي صَلاةِ الفَجْرِ، فَأَذِّنْتُ، فَأَرَادَ بِلالٌ أنْ يُقِيمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِّه:
((إِنَّ أَحَا صُدَاءٍ قَدْ أَذَّنَ، وَمَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ)). [ضعيف: د: ٥١٤، جه: ٧١٧، حم: ١٧٠٨٣].
قَالَ: وَفِي البَابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
النون وضم المهملة الإفريقي، قاضيها، ضعيفٌ من جهة حفظه، وكان رجلًا صالحًا؛ قاله
الحافظ، (عن زياد بن نُعيم) بضم النون مصغّرًا: هو زياد بن ربيعة بن نُعيم الحضرميُّ، ثقة،
(عن زياد بن الحارث الصُّدائي) بضم الصاد وخفة الدال فألف فهمزة، نسبة إلى ((صُداء))
ممدود، وهو حيٍّ من اليمن؛ قاله صاحب ((مجمع البحار)) وغيره، وهو حليفٌ لبني
الحارث بن كعب، بايع النبيَّ وََّ، وأذن بين يديه، ويعدُّ في البصريين؛ قاله الطيبي، وقال
الحافظ: له صحبة ووِفَادةٌ، (إنَّ أخا صداء) هو: زياد بن الحارث الصُّدائي، (ومن أذن في
يقيم) قال ابن الملك: فيكره أن يقيم غيره، وبه قال الشافعيُّ، وعند أبي حنيفة: لا يكره؛
لما روي أن ابن أم مكتوم ربَّما كان يؤذِّن ويقيمُ بلال، وربَّما كان عكسه، والحديثُ محمولٌ
على ما إذا لحقه الوحشةُ بإقامة غيره، كذا في ((المرقاة)).
قلت: لم أقف على هذه الرواية التي ذكرَها ابن الملك، ولأبي حنيفة حديث آخرُ،
وسيأتي ذكره، وتحقيق هذه المسألة.
قوله: (وفي الباب: عن ابن عمر) أخرجه أبو حفص عمر بن شاهين(١) في كتاب
((الناسخ والمنسوخ))، وأبو الشيخ الأصبهانيُّ في ((كتاب الأذان))، والخطيب البغداديُّ عن
سعيد بن أبي راشد المازني، ثنا عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر، ((أن النبيَّ ◌َلي كان في
سيرٍ له، فحضرَتِ الصلاةُ فنزلَ القومُ، فطلبُوا بلالًا، فلم يجدوهُ، فقامَ رجلٌ فأذَّن، ثُمَّ جاء
بلال، فذكر له، فأراد أن يُقيم فقال له عليه السلام: مهلًا يا بلالُ؛ فإنَّما يُقيم من أذن)). قال
ابن أبي حاتم في ((العلل)): قال أبي: هذا حديثٌ منكرٌ، وسعيدٌ هذا منكر الحديث، ضعيفٌ،
كذا في «نصب الراية)).
(١) ابن شاهين في ((الناسخ والمنسوخ)) (١٧٠)، والبيهقي في ((الكبرى)) (١٧٣٦)، والطبراني في ((الكبير))
(١٣٥٩٠)، وأبو الشيخ في ((طبقات المحدثين بأصبهان)) (٥٦٢)، وابن عدي في ((الكامل)) (٣٨١/٣)؛ وقال
الهيثمي (٢/ ٣): وفيه سعيد بن راشد السماك وهو ضعيف.

٦٢٠
أبواب الصلاة عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ أنَّ مَن أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ
قَالَ أبُو عِيْسَى: وَحَدِيثُ زيَادٍ إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِن حَدِيثِ الإفْرِيقيّ. [وَالإِفْرِيقِيُّ] هُوَ
ضَعِيفٌ عِنْدَ أهْلِ الحَديثِ، ضَعَّفَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ القَطَّانُ وَغَيْرُهُ، قَالَ أحْمَدُ: لا
أكْتُبُ حَدِيثَ الإفْرِيقيّ. قَالَ: وَرَأيْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْماعِيلَ يُقَوِّي أمْرَهُ، وَيَقُولُ: هُوَ
مُقَارَبُ الحَدِيثِ. وَالعَمَلُ عَلَى هذَا عِنْدَ أكثَرِ أهلِ العِلْمِ: أنَّ مَن أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ.
قوله: (إنما نعرفه من حديث الإفريقي) هو: عبد الرحمن بن زياد بن أنعم (والإفريقي هو
ضعيفٌ) قال في ((البدر المنير)): ضعيف؛ لكثرة روايته للمنكرات، مع علمهِ وزهدهِ، وروايةٌ
المنكرات كثيرًا ما يعتري الصالحين، لقلة تفقّدهِم للرواة، لذلك قيل: لم نر الصالحين في
شيء أكذبَ منهم في الحديث؛ كذا في ((النيل))، وقال ميرك: ضعَّف الحديثَ الترمذيُّ،
لأجل الإفريقيِّ، وحسَّنه الحازمي، وقوَّاه العُقيليُّ وابن الجوزي. انتهى، والحديث أخرجه
أبو داود وابن ماجه، (يقوِّي أمره، ويقول: هو مقارب الحديث) هذا من ألفاظ التعديل، وقد
تقدَّم توضيحه في ((المقدمة)).
قوله: (والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم: مَن أذنَ فهو يقيم) قال الحافظ الحازمي
في ((كتاب الاعتبار)): اتفق أهلُ العلم في الرجُلِ يؤذِّن ويقيم غيره على أن ذلك جائز،
واختلفوا في الأولوية: فذهب أكثرهم إلى أنه لا فرق، وأن الأمر مُتسعٌ، وممَّن رأى ذلك
مالك وأكثرُ أهل الحجاز، وأبو حنيفة وأكثر أهل الكوفة وأبو ثور، وذهب بعضهم إلى أن
الأولى أنَّ من أذَّن فهو يقيم، وقال سفيان الثوري: كان يقال: من أذن فهو يقيم، وروینا عن
أبي محذورة؛ أنه جاء، وقد أذن إنسان، فأذَّن وأقامَ، وإلى هذا ذهب أحمدُ، وقال الشافعي
في رواية الرَّبيع، عنه: وإذا أَذَّن الرّجُلُ أحببتُ أن يتولَّى الإقامةَ لشيءٍ يُروى فيه؛ ((أن من أذن
فهو يقيم))، وكانَ من حجة من ذهب إلى القول الثاني: ما أخبرنا به أبو المحاسن، فذكر
بإسناده حديث زياد بن الحارث الصُّدائي، بأطول مما رواه الترمذيُّ، ثم قال: قالوا: فهذا
الحديثُ أقومُ إسنادًا من الأول، يعني: من حديث عبد الله بن زيد الذي ذكره قبل ذلك بلفظ:
((أُرِيَ عبد اللهِ الأذانَ في المنام، فأتى النبيَّ نَّهَ، فأخبرهُ، فقال: ألقهِ على بلالٍ، فألقاه على
بلالٍ، فأذَّنَ، فقال عبد الله: أنا رأيتُهُ، وأنا كُنت أريدهُ، قال: فأقم أنتَ))، قال: ثم حديث
عبد الله بن زيد كان في أوَّل ما شُرعَ الأذانُ، وذلك في السَّنة الأولى، وحديث الصُّدائي كان
بعده بلا شكٌّ، والأخذُ بآخر الأمرين أولى، وطريق الإنصاف: أن يقال: الأمر في هذا الباب
على التوسُّع، وادعاءُ النسخ - مع إمكان الجمع بين الحديثينِ - على خلاف الأصل، إذ لا