Indexed OCR Text
Pages 501-520
م أبواب الصلاة عن رسول الله وَه / باب مَا جَاءَ فِي الإسْفَارِ بِالفَجْرِ ٥٠١ وهذا هو الذي اختاره الطحاويُّ في ((شرح الآثار)) وقد بسط الكلام فيه، وقال في آخره: فالذي ينبغي: الدخولُ في الفجر في وقت التغليس، والخروجُ منها في وقت الإسفار، على موافقة ما روينا عن رسول اللهِ ﴿ ﴿ وأصحابهِ، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسفَ ومحمَّد بن الحسن. انتهى كلام الطحاوي. فإن قلت: يخدشُ هذا الجَمعَ حديثُ عائشة؛ ففيه: أن النساء ينقلبنَ إلى بيوتهن چين يقضينَ الصلاة لا يعرفُهنَّ أحد من الغلَسِ، رواه الجماعة والبخاري، ولا يعرف بعضهنَّ بعضًا. قلت: نعم، لكن يمكنُ أن يقال: إنه كان أحيانًا، ويدلُّ عليه حديثُ أبي برزة، ففيه: ((وكان ينفتلُ من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه، ويقرأ بالستين إلى المئة))، رواه البخاري(١)، ومال الحافظ الحازمي في ((كتاب الاعتبار)) إلى نسخ أفضلية الإسفار؛ فإنه عقد بابًا بلفظ: ((بيان نسخ الأفضليَّةِ بالإسفار)) ثم ذكر فيه حديث أبي مسعود، قال: ((صلَّى رسولُ اللهِ ۋل﴾ الصُّبحَ مرَّة بغلس، ثم صلَّى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك التغلیس، حتى ماتَ، لم يعد إلى أن يُسفر)) قال الحازمي: هذا إسناد رواته عن آخره ثقاتٌ، والزيادة من الثقة مقبولة. انتهى، وقد تقدم حديث أبي مسعود هذا مع ذكر ما يعضُدُه فتذكَّر، وقد رجَّح الشافعي حديث التغليس على حديث الإسفار بوجوه؛ ذكرها الحازميُّ في ((كتاب الاعتبار)). قلت: لا شكّ في أن أحاديث التغليس أكثرُ وأصُ وأقوى من أحاديث الإسفار، ومذهب أكثر أهل العلم أن التغليسَ هو الأفضلُ؛ فهو الأفضلُ، والأولى. تنبيه: قال صاحب ((العرف الشذي)) في ترجيح الإسفار ما لفظه: ولنا قوله عليه السلام، والحديث القوليُّ مقدَّم، أي: ((أسفرُوا بالفَجْرِ، فإنَّ أعْظَمُ للأجرِ))، فصار الترجيحُ لمذهب الأحناف. انتهى. قلت: الحديث القولي إنما يقدَّمْ إذا لم يمكن الجمعُ بين الحديث القوليِّ والفعليِّ، وفيما نحن فيه: يمكنُ الجمع؛ كما أوضحه الطحاوي وابن القيِّم، فلا وجه لتقديم الحديث القوليِّ، ثم كيف يكون الترجيحُ لمذهبٍ الأحناف، فإنه خلافُ ما واظبَ عليه رسولُ اللهِ وَيه والخلفاءُ الراشدون من التغليس، ولذلك قال السرخسي الحنفيُّ في ((مبسوطه)): يستحبُّ الغلسُ، وتعجيلُ الظهر إذا اجتمع الناس؛ كما نقله صاحبُ ((العُرف)) عنه، والله تعالى أعلم. (١) البخاري، كتاب مواقيت الصلاة. حديث (٥٤٧)، وأخرجه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة. حديث (٦٤٧). ٥٠٢ أبواب الصلاة عن رسول الله وَلجر / باب مَا جَاءَ فِي التَّعْجِيلِ بالُهْرِ ١١٨- باب مَا جَاءَ في التَّعْجِيلِ بالظَّهْرِ [ت٤، ٤٢] [١٥٥] (١٥٥) حدثنا هَنَّادُ بن السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَن سُفْيَانَ، عَن حَكِيم بنِ جُبَيْرٍ، عَن إبْراهِيم، عَن الأسْوَدِ، عَن عَائِشَةَ، قَالَت: مَا رَأيْتُ أحَداً كَانَ أَشَدَّ تَعْجِيلًا للظُّهْرِ من رَسُولِ اللهِ وَّهِ وَلا مِن أبِي بَكْرٍ وَلا مِن عُمَرَ. [ضعيف الإسـ حکیم، ضعيف ورمي بالتشيع، حم: ٢٤٥١٧]. قَالَ: وفي البابِ عَن جَابِرِ بن عَبْدِ الله، وَخَبَّابٍ، وَأَبِي بَرْزَةَ، وَابن مَسْعُودٍ، وَزَيْدِ بنِ ثَابِتٍ، وأنس، وَجَابِرِ بنِ سَمُّرَةَ. ١١٨ - باب مَا جَاءَ في التَّعْجِيلِ بِالظُّهْرِ [١٥٥] قوله: (عن سفيان) هو: الثوري (عن حَكيم بن جُبير) قال في ((التقريب)): ضعيف، ويأتي ما فيه من الكلام، (عن إبراهيم) هو: النخعي. قوله: (ما رأيت أحدًا أشد تعجيلًا للظهر من رسول الله وَليه) فيه دليلٌ على أن التعجيل بالظهر أفضلُ، قال ابن قدامة في ((المغني)): لا نعلمُ في استحباب تعجيلِ الظهر في غير الحرِّ والغيم خلافًا. انتهى. قوله: (وفي الباب: عن جابر بن عبد الله، وخباب، وأبي برزة، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأنس، وجابر بن سمرة): أما حديث جابر بن عبد الله: فأخرجه البخاري في ((باب وقت المغرب))، ومسلم(١)، بلفظ: ((كان النبيُّ ◌َّهَ يصلِّي الظهر بالهاجرة .. )) الحديث، وأما حديث خبَّاب: فأخرجه مسلم (٢) بلفظ: ((شكونا إلى رسولِ اللهِ ﴿ه حرَّ الرَّمضاءِ فِي جباهنا وأكُفِّنَا، فلم يُشْكِنا)) أي: فلم يُزل شكوانا. ورواه ابن المنذر(٣) بعد قوله: ((فَلم يُشكنَا))، وقال: ((إِذَا زَالتِ الشَّمسُ، فصلُّوا))؛ كذا في ((فتح الباري)، وأما حديث أبي برزة: فأخرجه البخاريُّ ومسلم(٤) بلفظ: ((كان يصلِّي الهَجِيرَ التي تدعُونها الأولى حين تدحضُ الشَّمس ... )) الحديث، وأما حديث (١) البخاري، كتاب مواقيت الصلاة. حديث (٥٦٠)، ومسلم، كتاب المساجد ومواقيت الصلاة. حديث (٦٤٦). (٢) مسلم، كتاب المساجد. حديث (٦١٩). (٣) وابن المنذر في ((الأوسط)). حديث (٩٦٩). (٤) البخاري، كتاب مواقيت الصلاة. حديث (٥٤٧)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة. حديث (٦٤٧). ٥٠٣ أبواب الصلاة عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاءَ فِي التَّعْجِيلِ بِالظُّهْرِ قَالَ أَبُو عِيْسَى: حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ أهْلُ العِلْمِ مِن أَصْحَابِ النَّبِيِّ نَّهِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ. قَالَ عَلِيٍّ: قَالَ يَحْيَى بِنُ سَعِيدٍ: وَقَدْ تَكَلَّمَ شُعْبَةُ فِي حَكِيمٍ بن جُبَيْرٍ مِن أجْلٍ حَدِيثِهِ الَّذِي رَوَى عَنِ ابنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ وَِّّهِ: ((مَن سَأَلَ النَّاسَ وَلَهُ مَا يُغْنِهِ)). قَالَ يَحْيَى: ابن مسعود: فأخرجه ابن ماجه (١)، بلفظ: ((شَكَونَا إلى النبيِّ وَّهِ حرَّ الرَّمْضَاءِ، فلم يُشْكِنا»، وفي إسناده: زيد بن جبيرة، قال أبو حاتم: ضعيف، وقال البخاري: منكر الحديث، وأما حديث زيد بن ثابت: فلينظر من أخرجه، وأما حديث أنس: فأخرجه البخاري ومسلم(٢)، بلفظ: (إذا صلَّينا خلفَ رسولِ اللهِ نَّهِ بالظّهائر، سَجْدنَا على ثيَابنَا اتقاءَ الحرِّ»، وأما حديث جابر بن سمرة: فأخرجه مسلم (٣) وغيره، بلفظ: ((كان النبيُّ وَّهَ يصلِّي الظهر، إذا دحضتٍ الشمس)». قوله: (حديث عائشة حديث حسن) قد حسَّن الترمذيُّ هذا الحديث، وفيه حكيم بن جُبير، وهو متكلَّم فيه، فالظاهر أنه لم ير بحديثه بأسًا؛ وهو من أئمة الفنِّ. قوله: (وهو الذي اختاره أهل العلم من أصحاب النبي وَّ﴿ ومَن بعدهم) قال القاضي الشوكانيُّ في ((النيل)) تحت حديث جابر بن سمرة الذي ذكرنا ما لفظه: الحديثُ يدلُّ على استحباب تقديمها، وإليه ذهب الهادي والقاسمُ والشافعيُّ والجمهور؛ الأحاديث الواردة في أفضلية أول الوقت، وقد خصَّه الجمهور بما عدا أيام شدَّة الحرِّ، وقالوا: يستحبُّ الإبرادُ فيها إلى أن يبرد الوقت، وینکسر الوهجُ. انتهى. قوله: (قال علي) هو: ابن المديني، (قال يحيى بن سعيد) هو: القطان، (وقد تكلم شعبة في حكيم بن جُبير من أجل حديثه الذي روى عن ابن مسعود ... إلخ)، روى المؤلّف هذا الحديثَ في ((باب من تحلُّ له الزكاة)) بإسناده عن حكيم بن جُبير، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه، عنه، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((مَن سألَ النَّاسَ، ولهُ ما يُغْنِهِ، جاءَ يوم القيامةِ، ومسألتُهُ في وجههِ خُموشٌ أو خُدوشٌ أو كُدوحٌ، قيلَ: يَا رَسُول اللهِ، وما يُغنيه؟ قال: خمسُون درهمًا أو قيمتها من الذَّهَب))، قال الترمذي بعد رواية هذا (١) ابن ماجه، كتاب الصلاة. حديث (٦٧٦) وهو حديث صحيح. (٢) البخاري، كتاب الصلاة. حديث (٣٨٥)، ومسلم، كتاب المساجد. حديث (٦٢٠). (٣) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة. حديث (٦١٨). ٥٠٤ أبواب الصلاة عن رسول الله وََّ / باب مَا جَاءَ فِي التَّعْجِيلِ بالُّهْرِ وَرَوَى لَهُ سُفْيَانُ وَزَائِدَةُ، وَلَمْ يَرَ يَحْيَى بِحَدِيثِهِ بَأُساً. قَالَ مُحَمَّدٌ: وقدْ رُوِيَ عَن حَكِيمٍ بن جُبَيْرٍ، عَن سَعِيدٍ بن جُبَيْرٍ، عَن عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِّ وَّهِ فِي تَعْجِيلِ الُّهْرِ. [١٥٦] (١٥٦) حدثنا الحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ الحُلْوَانِيُّ، أخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أْبَرنِي أنَسُ بنُ مَالِكِ: أنَّ رَسُوْلَ اللهِنَّهِ صَلَّى الُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ. [ن: ٥٥١، حم: ١٢٢٣٢]. الحديث: وحديث ابن مسعود حديث حسنٌ، وقد تكلم شعبة في حكيم بن جُبير من أجل هذا الحديث. انتهى كلامه(١)، وروى هذا الحديثَ: أبو داود، وابن ماجه، وزادا: فقالَ رجُلٌ لسفيانَ: إن شعبة لا يحدِّث عن حكيم بن جُبير، فقال سفيان: حَدَّثنَاهُ زبيد عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، (وروى له سفيان وزائدة) أي: رويا عن حكيم بن جُبير، (ولم ير يحيى بحديثه بأسًا) قال الذهبي في ((الميزان)) في ترجمة حكيم بن جبير: قال أحمد: ضعيف، منكر الحديث، وقال البخاريُّ: كان شعبة يتكلّم فيه، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال الدار قطني: متروك، وقال معاذ: قلتُ لشعبة: حدِّثني بحديث حكيم بن جُبير، قال: أخافُ النار إن أحدِّث عنه، قلتُ: فهذا يدلُّ على أن شعبة ترك الرواية عنه بعدُ، وقال عليٍّ: سألت يحيى بن سعيد عنه، فقال: وكم رَوَى إنما روى يسيرًا، روى عنه زائدةُ وتركه شعبة من أجل حديث الصَّدقة، وروى عباس عن يحيى في حديث حكيم بن جُبير، حديثَ ابن مسعود: ((لا تحلُّ الصدقة لمن عندهُ خمسون درهمًا))، فقال: يرويه سفيان عن زُبيد، ولا أعلم أحدًا يرويه غير يحيى بن آدم، وهذا وهم، لو كان [كذا] لحدَّث به الناسُ عن سفيان، ولكنه حديثٌ منكر، يعني: وإنما المعروف بروايته حكيمٌ، وقال الفلاس: كان يحيى يحدث عن حكيم، وكان عبد الرحمن لا يحدِّث عنه، وعن ابن مهديٍّ قال: إنما روى أحاديثَ يسيرةً، وفيها منكرات، وقال الجُوزجَانيُّ: حكيم بن جُبير كذَّاب. انتهى. [١٥٦] قوله: (حدثنا الحسن بن علي الحُلواني) بضم المهملة وسكون اللام وبالنون، منسوب إلى ((حُلوان))، موضع قريبٌ بالشام، قال الحافظ في ((التقريب)): الحسن بن علي بن محمد الهذلي، أبو علي الخَلَّال الحلوانيُّ، بضم المهملة، نزيل مكة، ثقة، حافظ، له تصانيف، من الحادية عشرة. انتهى. قوله: (صلى الظهر حين زالت الشمس) قال صاحب ((فتح القدير)) وغيره من العلماء (١) يأتي في الترمذي، كتاب الزكاة. حديث (٦٥٠) ٥٠٥ أبواب الصلاة عن رسول الله وَيِ / باب مَا جَاءَ فِي تَأخِيرِ القُّهْرِ فِي شِدَّةِ الحَرِّ قَالَ أبو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَهُوَ أحْسَنُ حَدِيثٍ فِي هَذَا البَابِ، وَفِي البَابِ عَن جَابِرٍ . ١١٩- باب مَا جَاءَ في تَأْخِيرِ الظُّهْرِ في شِدَّةِ الحَرِّ [ت٥، ٥٢] [١٥٧] (١٥٧) حدثنا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَن سَعِيدٍ بن المُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ، عَن أبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَن الصَّلاةِ الحنفية: هو محمولٌ عندنا على زمان الشتاء، أما في أيام الصيف، فالمستحبُّ: الإبراد، والدليل عليه: ما في البخاريِّ: قال لأنسٍ: كيف كان رسولُ اللهِ وَل ◌َهِ يصلِّي الظّهر؟ قال: كان رسولُ اللهِ وَلّهِ إذا اشتدَّ البرد بَكَّر بالصلاة، وإذا اشتدَّ الحرُّ أبردَ بالصلاة، والمراد: الظهر؛ لأنه جوابُ السؤال عنها . قلت: قد تقدَّم حديث جابرٍ، بلفظ: ((كان النبيُّ ◌َله يصلّي بالهاجرة)) وهو متفق عليه، وقال الجزريُّ في ((النهاية)): الهجير والهاجرة: اشتدادُ الحرِّ نصف النهار. انتهى، وقد روى البخاري ومسلم عن أنس، قال: ((إذا صلَّينا خلفَ رسولِ اللهِ وَّهِ بِالّهائرِ، سَجَدنَا على ثيابنا اتقاءَ الحرِّ)، وفي رواية للبخاري: ((كنا نصلِّي مع النبيِّ وََّ، فيضعُ أحدُنا طرفَ الثوبِ من شدّة الحرِّ في مكان السجود)). ففي حديث أنس هذا دلالةٌ على أنه وَّةٍ كان يبكِّر بصلاة الظهر في شدَّة الحر أيضًا، فلا حاجة إلى حمل قوله: ((صلى الظّهر حين زالت الشمس)) على زمان الشتاء . قوله: (هذا حديث صحيح) وأخرجه البخاري بلفظ: ((أنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ خِرَجَ حِينَ زاغَتِ الشَّمسُ فصلَّى الظُّهرَ ... )) الحديث. ١١٩ - باب مَا جَاءَ في تأخِيرِ الظُّهْرِ في شِدَّةِ الْحَرِّ [١٥٧] قوله: (إذا اشتد الحر فأبردوا): من الإبراد، أي: أخروا إلى أن يبردَ الوقتُ، يقال: أبردَ: إذا دَخلَ في البردِ كـ ((أظهَرَ)): إذا دخل في الظهيرة، ومثله في المكان ((أنجد)): إذا دخل في النَّجد، و((أتهم)): إذا دخل في التِّهامةِ، (عن الصلاة) في رواية البخاري: ((بالصلاة))، قال الحافظ في ((الفتح)): كذا للأكثر، والباء للتعدية، وقيل: زائدة، ومعنى (أبردُوا)): أخِّروا، على سبيل التضمين، أي: أخروا الصلاة، وفي رواية الكُشميهَني: ((عن ٥٠٦ أبواب الصلاة عن رسول الله وَ ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي تَأخِيرِ الظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الحَرِّ فإنَّ شِدَّةَ الحَرِّ من فَيْحِ جَهَنّمَ)). [خ: ٥٣٤، م: ٦١٥، ن: ٤٩٩، د: ٤٠٢، جه: ٦٧٧، حم: ٧٠٩٠، طا: ٢٨، مي: ١٢٠٧]. قَالَ: وفي البابِ عَن أبي سعِيدٍ، وَأبي ذَرٍّ، وَابنِ عُمَرَ، والمُغِيرَةِ، والقاسِمِ بْنِ صَفْوانَ عَن أبيهِ، وأبي موسَى، وابنِ عَبَّاسٍ، وأنَسٍ. الصلاة))، فقيل: زائدة أيضًا، أو عن: بمعنى الباء، أو هي للمجاوزة، أي: تجاوزوا وقتها المعتاد إلى أن تنكسر شدة الحر، والمراد بـ ((الصلاة)): الظهر؛ لأنها الصلاة التي يشتد الحر غالبًا في أول وقتها، وقد جاء صريحًا في حديث أبي سعيد. انتهى، قلت: حديث أبي سعيد هذا أخرجه البخاري(١)، بلفظ: ((أبردُوا بالظُهرِ؛ فإنَّ شدَّة الحرِّ من فيح جهنّم))، (فإن شدة الحر من فيح جهنم) أي: من سعة انتشارها وتنفُّسها، ومنه: مكان أفيحَ، أي: متسع؛ وهذا كناية عن شِدَّةِ استعارها، وظاهره: أن مثار وهجِ الحرِّ في الأرض من فيحِ جهنّم حقيقة، وقيل: هو من مجاز التشبيه، أي: كأنه نار جهنم في الحرِّ، والأول أولى؛ ويؤيده حديث أبي هريرة: ((اشتكتِ النَّارُ إلى ربِّها، فأذنَ لها بنفسَيْنِ: نَفَسٍ في الشتاءِ، ونَفَسٍ في الصَّيْفِ». قال صاحب ((العرف الشذي)) ما لفظه: هاهنا سؤالٌ عقليٍّ، وهو: أن التجربة أن شدَّة الحرِّ وضعفَها بقُرب الشمس وبعدها، فكيف أن شدة الحر من فيح جهنّم؟ قال: فنجيب بما يفيد في مواضع عديدة، وهو: للأشياء أسبابٌ ظاهرةٌ وباطنةٌ، والباطنة تذكرها الشريعة، والظاهرةُ لا تنفيها الشريعة، فكذلك يقالُ في الرعدِ والبرقِ والمطرِ ونهر جَیحَان وسَیْحَان. انتهى. قلت: هذا الجوابُ إنما يتمشَى فيما لا تخالف بين الأسباب الباطنة التي بيَّنَتْها الشريعةُ وبين الأسباب الظاهرةِ التي أثبَتَها أربابُ الفلسفة القديمة أو الجديدة، وأما إذا كان بينهما التخالُف فلا؛ فتفكّرْ. قوله: (وفي الباب: عن أبي سعيد، وأبي ذر، وابن عمر، والمغيرة، والقاسم بن صفوان عن أبيه، وأبي موسى، وابن عباس، وأنس): أما حديث أبي سعيد: فأخرجه البخاري(٢)، وتقدَّم لفظه، وأما حديث أبي ذر: فأخرجه الشيخان(٣)، عنه، قال: ((كنَّا مع النبيِّ وَّ في سفَرٍ، فأراد المؤذِّنُ أن يُؤذِّنَ للظُّهرِ، فقال (١) البخاري، كتاب مواقيت الصلاة. حديث (٥٣٨). (٢) البخاري، كتاب مواقيت الصلاة. حديث (٥٣٥)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة. حديث (٦١٦). (٣) البخاري، كتاب مواقيت الصلاة. حديث (٥٣٩)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة. حديث (٦١٦). ٥٠٧ أبواب الصلاة عن رسول الله وََّ / باب مَا جَاءَ فِي تَأْخِيرِ الُهْرِ فِي شِدَّةِ الحَرِّ قَالَ: وروي عَن عُمَرَ، عنِ النَّبِيِّ ◌َِّّرَ فِي هذَا، ولا يَصِحُ. قَالَ أبُو عِيْسَى: حديثُ أبي هُرَيْرَةَ: حَديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. وقَد اخْتَارَ قَوْمٌ من أهْلِ العلمِ تَأْخِيرَ صَلاةِ الظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الحَرِّ. وهو قَوْلُ ابنِ المُبَارَكِ، وأحْمَدَ، وإِسْحاقَ. النبيُّ وََّ: أبرِدْ، ثُمَّ أَرَادَ أن يُؤذنَ، فقال لهُ: أبرِد، حتَّى رأينا فيَ التُّلولِ، فقال النبيُّ ◌َّه: إنَّ شدَّة الحرِّ من فيح جهَّم، فإذَا اشتدَّ الحرُّ فأبردُوا بالصَّلاة))، وأما حديث ابن عمر: فأخرجه البخاري وابن ماجه(١)، وأما حديث المغيرة: فأخرجه أحمد وابن ماجه(٢)، وأما حديث القاسم بن صفوان عن أبيه: فأخرجه أحمد والطبراني في ((الكبير)) (٣) مرفوعًا بلفظ: (أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ، فإنَّ شِدَّة الحرِّ من فيحِ جهنّم))، قال في ((مجمع الزوائد)): والقاسم بن صفوان: وثَّقه ابن حبَّان، وقال أبو حاتم: القاسم بن صفوان لا يعرف إلَّ في هذا الحديث. انتهى، وأما حديث أبي موسى: فأخرجه النسائي(٤)، وأما حديث ابن عباس، فأخرجه البزار، وفيه: عمرو بن صهبان، وهو ضعيف، وأما حديث أنس: فأخرجه النسائي(٥) عنه، قال: ((كان النبي ◌َّهَ إذَا كان الحَرُّ أبردَ بالصَّلاةِ، وإذا كان البَرْدُ عَجَّلَ»، وللبخاري نحوه؛ كذا في ((المنتقى)). قوله: (وروي عن عمر عن النبي ◌َّ﴿ في هذا، ولا يصحُّ) رواه أبو يعلى والبزار(٦) بلفظ: ((قال: إنِّي سمعتُ رسولَ اللهِ نَّهَ يقولُ: أبردُوا بالصَّلاةِ إذَا اشتدَّ الحرُّ، فإنَّ شدَّة الحرِّ من فَيَحِ جَهَنَّمَ ... )) الحديث، وفيه: محمد بن الحسن بن زُبالة، نسب إلى وضع الحديث؛ كذا في (مجمع الزوائد))(٧) . قوله: (حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة. قوله: (قد اختار قوم من أهل العلم تأخير صلاة الظهر في شدة الحر، وهو قول ابن المبارك وأحمد وإسحاق)، وهو قول أبي حنيفة، قال محمَّد في ((موطئه)) - بعد ذكر حديث (١) البخاري، كتاب مواقيت الصلاة. حديث (٥٣٤)، وابن ماجه، كتاب الصلاة. حديث (٦٧٧). (٢) أحمد. حديث (١٧٧٢٠)، وابن ماجه، كتاب الصلاة. حديث (٦٨٠). (٣) أحمد. حديث (١٧٨٤٢)، والطبراني في ((الكبير)) (٧٣٩٩). (٤) النسائي، كتاب الصلاة. حديث (٥٠١). (٥) النسائي، كتاب المواقيت. حديث (٤٩٩). وانظر ((صحيح البخاري)) (٩٠٦). (٦) البزار (٢٨٠ - زخار)، وقال الهيثمي (٣٠٦/١): وفيه محمد بن الحسن بن زبالة نسب إلى وضع الحديث. (٧) («مجمع الزوائد» (٣٠٦/١). ٥٠٨ أبواب الصلاة عن رسول الله ◌َّهه / باب مَا جَاءَ فِي تَأخِيرِ الُّهْرِ فِي شِدَّةِ الحَرِّ قَالَ الشافِعِيُّ: إنَّمَا الإِبْرَادُ بِصَلاةِ الظُّهْرِ إِذَا كَانَ مَسْجِداً يَنْتَابُ أهْلُهُ مِنَ الْبُعْدِ، فَأَمَّا المُصَلِّي وَحْدَهُ وَالذِي يُصَلِّي فِي مَسْجِدٍ قَوْمِهِ فَالّذِي أُحِبُّ لَهُ أنْ لا يُؤَخِّرَ الصَّلاةَ فِي شِدَّةِ الحَرِّ. قَالَ أبُو عِيْسَى: وَمَعْنَى مَن ذَهَبَ إلَى تَأْخِيرِ الظّهْرِ فِي شِدَّةِ الحَرِّ هُوَ أَوْلَى وَأَشْبَهُ بِالاتِّباع. وَأمَّا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أنَّ الرُّخْصَةَ لِمَنْ يَنْتَابُ مِنَ الْبُعْدِ وَالمَشَقَّةِ عَلَى النَّاسِ: فَإِنَّ فِي حَديث أبِي ذَرِّ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلافِ مَا قَالَ الشافِعِيُّ. قَالَ أبُو ذَرٍّ : (كُنَّا مَعَ النَّبِيّ ◌ِّهَ فِي سَفَرٍ، فَأَذَّنَ بِلالٌ بِصَلاةِ الظّهْرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهَ: يَا بِلالُ، أبْرِدْ ثُمَّ أبْرِدْ)). فَلَوْ كَانَ الأَمْرُ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ: لَمْ يَكُنْ للإبْرَادِ فِي ذلِكَ الوَقْتِ مَعْنَّى، لإِجْتِمَاعِهِمْ فِي السَّفَرِ، وَكَانوا لا يَحْتَاجُونَ أَنْ يَنْتَابُوا من البُعْدِ. أبي هريرة المذكور في الباب -: بهذا نأخذ؛ نُبردُ بصلاة الظهر في الصَّيفِ، ونصلِّي في الشتاء حينَ تزول الشمس، وهو قول أبي حنيفة. انتهى، (وقال الشافعي: إنما الإبراد بصلاة الظهر، إذا كان مسجدًا ينتاب أهله من البعد) من الانتياب، أي: يحضرون، وأصل الانتياب: الحضور نوبًا، لكن المراد - هاهنا - مطلقُ الحضور، (فأما المصلي وحده) أي: الذي يصلي منفردًا، (والذي يصلي في مسجد قومه) ولا ينتابُ منِ البُعدِ، (فالذي أحبُّ له) أي: لكلٍّ منَ المصلِّي وحده والذي يصلي في مسجد قومه: (ألّا يؤخر الصلاة في شدة الحر)؛ لعدم المشقّة عليه، لعدم تأذيه بالحَرِّ في الطريق، (ومعنى مَن ذهب إلى تأخير الظهر في شدة الحر هو أولى وأشبه بالاتباع) أي :- مّن ذهب إلى تأخيرِ الظّهر في شدة الحر لكل من المصلِّي مطلقًا؛ سواء كان مصليًا وحده، أو في مسجد قومه، أو ينتاب من البُعدِ، فمذهبه أولى؛ واستدل له الترمذيُّ بحديث أبي ذرِّ إذ فيه؛ ((أنَّ رَسُولَ الله وَّهَ أمَرَ بالإبرادِ فِي السَّفرِ))، وكان الصحابة رضيَّ يجتمعُوْنَ معه ◌ََّ في السَّفر، ولا يحتاجُونَ أن ينتَابوا منَ البُعد؛ وفيه ما ستقف عليه . (وأما ما ذهب إليه الشافعي) مبتدأ، وخبره: (فإن في حديث أبي ذر ... ) إلخ، قال الحافظ في ((الفتح)): قال جمهورُ أهل العلم: يستحبُّ تأخيرُ الظهر في شدّة الحرِّ إلى أن يبرد الوقت وينكسر الوهج، وخصّه بعضُهُم بالجماعة، فأما المنفردُ: فالتعجيلُ في حقِّه أفضلُ، وهذا قول أكثر المالكية والشافعيِّ أيضًا، لكنه خصه بالبلد الحارِّ، وقيد الجماعة: بما إذا كانوا ينتابون مسجدًا من بعد، فلو كانوا مجتمعين أو كانوا يمْشُونَ في كِنِّ فالأفضلُ في حقهم ٥ ٥٠٩ أبواب الصلاة عن رسول الله وَّهِ / باب مَا جَاءَ فِي تَأخِيرِ الُّهْرِ فِي شِدَّةِ الحَرِّ التعجيلُ، والمشهور عن أحمد التسويةٌ من غير تخصيصٍ ولا قيدٍ، وهو قولُ إسحاقَ والكوفيِّين وابن المُنْذِرِ، واستدلَّ له الترمذيُّ بحديث أبي ذرٍّ، قال: فلو كان الأمر على ما ذهب إليه الشافعيُّ لم يأمر بالإبراد؛ لاجتماعهم في السفر، وكانوا لا يحتاجون إلى أن ينتابوا من البُعدِ . 1 وتعقَّبه الكرمانيُّ: بأن العادة في العسكر الكثير تفرقتهم في أطراف المنزلِ؛ للتخفيف، وطلب الرعي؛ فلا نسلم اجتماعهم في تلك الحالة. انتهى. وأيضًا: فلم تَجرِ عادتهم باتخاذ خباء كبير يجمعهم، بل كانوا يتفرَّقون في ظلال الشَّجَرِ، وليس هناك كِنٌّ يمشون فيه؛ فليس في سياق الحديث ما يخالفُ ما قاله الشافعيُّ وغايته: أنه استنبط من النصِ العامِّ - وهو الأمر بالإبراد - معنًى يخصه؛ وذلك جائز على الأصحِّ في الأصول؛ لكنه مبنيٌّ على أن العلة في ذلك تأذيهم بالحرِّ في طريقهم، وللمتمسِّك بعمومه، أن يقول: العلَّة فيه تأذيهم بحرِّ الرمضاء في جباههم حالةَ السجود، ويؤيِّده حديثُ أنسٍ: ((كنا إذا صلَّينا خلفَ النبيِّ ◌َ﴿ بالظهائرِ، سجدنا على ثيابنا؛ اتقاءَ الحرِّ))، رواه أبو عوانة (١) في ((صحيحه)) بهذا اللفظ، وأصله في مسلم، وفي حديث أيضًا في ((الصحيحين)) نحوه. والجواب عن ذلك: أن العلَّة الأولى: أظهر؛ فإن الإبراد لا يزيلُ الحرَّ عن الأرض. انتهى كلام الحافظ. قلت: الظاهر - عندي - هو ما ذهب إليه الجمهور؛ لإطلاق الحديث، والله تعالى أعلم. تنبيه: قال صاحب ((العرف الشذي)): هذا الموضعُ الذي اعترض فيه الترمذيُّ على الشافعي مع كونه مقلِّدًا للشافعي. انتهى. قلت: قد بيَّنا في ((المقدّمة)) أن الإمام الترمذيَّ لم يكُن مقلدًا للشافعي ولا لغيره، واعتراضُهُ هذا أيضًا يدلُّ على أنه لم يكن مقلِّدًا له، فإنه ليس من شأن المقلِّد الاعتراضُ على إمامه المقلَّد، وأيضًا: لو كان الترمذي مقلِّدًا للشافعي لقوَّى دلائله ومسالكه في جميع مواقع بيان المذاهب أو غالبها، وضعَّف دلائل غيره ومسالِكَهُ؛ كما هو دأب المقلِّد؛ ألا ترى أن صاحب ((الهداية)) كيف قوى دلائل إمامه الإمام أبي حنيفة وزيَّف دلائل غيره من ابتداء ((الهداية)) إلى آخرها؛ فتفكّر، وقد اعترف صاحب ((تتمة مسك الذكيّ)) هاهنا بأن الترمذي لم يكُن شافعيًّا. (١) أبو عوانة في ((صحيحه)) رقم (٧٨٥) ٥١٠ أبواب الصلاة عن رسول الله وََّ / باب مَا جَاءَ فِي تَأخِيرِ الظُهْرِ فِي شِدَّةِ الحَرِّ [١٥٨] (١٥٨) حدثنا محْمُودُ بْنُ غَيْلانَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسيُّ قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَن مُهاجِرٍ أبِي الحَسَنِ، عَن زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَن أَبِي ذَرِّ: أن رَسول الله وَلهم كَانَ فِي سَفَرٍ وَمَعَهُ بِلالٌ، فَأَرَادَ أنْ يُقِيمَ، فَقَالَ: ((أبْرِدْ)) ثُمَّ أرَادَ أنْ يُقِيمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: ((أبْرِدْ فِي الُّهْرِ)) قَالَ: حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ الثُّلُولِ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِن فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَأبْرِدُوا عنِ الصَّلاةِ)). [خ: ٥٣٥، م: ٦١٦، د: ٤٠١، حم: ٢٠٨٦٨]. قَالَ أبُو عِيْسَى: هذَا حَديثٌ حسن صَحِيحٌ. [١٥٨] قوله: (نا أبو داود) هو: سليمان بن داود الطيالسيُّ، (عن مهاجر أبي الحسن) التيمي مولاهم الصائغ، روى عن: ابن عباس، والبراء، وعنه: شعبة، ومسعر، وثقه أحمد وابن معين وغيرهما، (عن زيد بن وهب) الجهني الكوفي، مخضرم، ثقة، جليل، لم يُصب مَن قال: في حديثه خللٌ. قوله: (فأراد أن يقيم)، وفي رواية البخاري: ((فأراد المؤذن أن يؤذن))، ورواه أبو عوانة (١) بلفظ: ((فأراد بلال أن يؤذِّن))، وفيه: ((ثم أمره فأذَّن وأقامَ))، قال الحافظ في ((الفتح)): ويجمع بينهما بأن إقامته كانت لا تتخلف عن الأذان؛ لمحافظته وَّ على الصلاة في أول الوقت، فرواية: ((فأراد بلال أن يقيم)) أي: أن يؤذِّن ثم يقيم، ورواية: ((فأراد أن يؤذن)) أي: ثم يقيم. انتهى، (حتى رأينا فيءَ التلول) أي: قال له: أبرد، فأبرَدَ حتى أن رأينا، والفيءُ؛ بفتح الفاء وسكون الياء بعدها همزة: هو ما بعد الزوال من الظُّلِّ، والتُّلول: جمع الثَّلِّ بفتح المثناة وتشديد اللام: كل ما اجتمع على الأرض من تراب أو رمل أو نحو ذلك، وهي - في الغالب - منبطحة غير شاخصة؛ فلا يظهر لها ظل إلَّا إذا ذهب أكثر وقت الظهر، وقد اختلف العلماء في غاية الإبرادِ، فقيل: حتى يصير الظلُّ ذراعًا بعد ظلِّ الزوال، وقيل: ربع قامة، وقيل: ثلثها، وقيل: نصفها، وقيل: غير ذلك، ونزلها المَازريُّ على اختلاف الأوقات، والجاري على القواعد: أنه يختلفُ باختلاف الأحوال؛ لكن يشترط ألَّا يمتدَّ إلى آخر الوقت؛ كذا في ((فتح الباري)). قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم وأبو داود. (١) أبو عوانة في ((صحيحه)) رقم (٧٨٩). ٥١١ أبواب الصلاة عن رسول الله وَ لتر / باب مَا جَاءَ فِي تَعْجِيل العَصْرِ ١٢٠ - باب مَا جَاءَ فيٍ تَعْجِيل العَصْرِ [ت٦، م٦] [١٥٩] (١٥٩) حدثنا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا الليْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَن عُرْوَةَ، عَن عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَت: صَلَّى رَسُولُ اللهِوَّةِ العَصْرَ وَالشمْسُ فِي حُجْرَتِهَا، لَمْ يَظْهَرِ الفَيُ مِن حُجْرَتِهَا. [خ: ٥٤٤، م: ٦١١، ن: ٥٠٤، د: ٤٠٧، جه: ٦٨٣، حم: ٢٣٥٧٥]. ١٢٠ - باب مَا جَاءَ في تَعْجِيلِ العَصْرِ [١٥٩] قوله: (والشمس في حجرتها) الواو: للحال، والمراد بـ ((الشمس)): ضوؤها، والحجرةُ؛ بضم المهملة وسكون الجيم: البيت، أي: والشمسُ باقيةٌ في داخل بيت عائشة، (لم يظهر الفيء من حجرتها) أي: لم يرتفع الفيء، أي: ضوء الشمس من داخل بيتها على الجدار الشرقيّ؛ قال الخطّابي: معنى الظهور - هاهنا -: الصعود، والعُلَّو، يقال: ظهرتُ على الشيء، إذا علوته، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣]. انتهى، وقال النووي: معناه التبكير بالعصر في أول وقتها، وهو حين يصير ظل كل شيء مثله، وكانتِ الحجرةُ ضيِّقة العرصَةِ قصيرةَ الجدار؛ بحيث يكونُ طولُ جدارها أقلَّ من مساحة العرضَةِ بشيء يسير، فإذا صار ظل الجدار مثله، دخل وقت العصر، وتكون الشمس بعدُ في أواخر العرصة، لم يقع الفيء في الجدار الشرقي. انتهى، وقال الحافظ في ((الفتح)): والمستفادُ من هذا الحديث تعجيل صلاة العصر في أوَّل وقتها، وهذا هو الذي فهمته عائشة، وكذا الراوي عنها عُروة، واحتجَّ به على عُمر بن عبد العزيز في تأخير صلاة العصرِ. وشدَّ الطحاويُّ، فقال: لا دلالة فيه على التعجيل؛ لاحتمال أن الحُجرة كانت قصيرةً الجدار؛ فلم تكن الشمسُ تحتجبُ عنها إلَّا بقُربٍ غروبها، فيدل على التأخير لا على التعجیل. وتُعقِّب بأن الذي ذكره من الاحتمال إنما يتصوَّر مع اتساع الحجرة، وقد عرف بالاستفاضة والمشاهدة: أن حُجرَ أزواج النبيِّ وَلو لم تكن متسعة، ولا يكون ضوء الشمس باقيًا في قعر الحجرة الصغيرة، إلَّا والشمسُ قائمةٌ مرتفعةٌ، وإلا متى مالت، ارتفع ضوؤها عن قاع الحجرة، ولو كانت الجُدُرُ قصيرةً. انتهى كلام الحافظ. تنبيه: قال صاحب ((العرف الشذي)) ناصرًا للطحاويِّ ما لفظه: ونقولُ: إنه عليه السلام شرع في التهجّد، وهو في حجرة، واقتدى أصحابه خارجها؛ فلا بدَّ من كون الجدران قصيرة؛ فإن معرفة انتقالات الإمام شرطٌ لصحّة الاقتداء. انتهى. ٥١٢ أبواب الصلاة عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاءَ فِي تَعْجِيلِ العَصْرِ قَالَ: وفي البابِ عَن أَنَسٍ، وَأبي أرْوَى، وَجَابٍ، وَرَافِعِ بنِ خَدِيجٍ. قلت: من انتقالات الإمام: الانتقالُ من الجلوس إلى السَّجدة، ومن السجدة إلى الجلوس؛ فيلزم: أن تكون جدران الحجرة قدرَ الذراع؛ فإن معرفة هذا الانتقالِ لا يعرف إلَّا إذا كان طولها بنحوه، وهذا كما نرى. فإن قال: يعرف هذا الانتقال بتكبيراتِ الانتقال! قيل له: فلا يلزم كون الجدر قصيرةً، فإنَّ انتقالات الإمام تُعرف بتكبيرات الانتقالات، ثم لا يثبت من مجرَّد كون جدران الحجرة قصيرة؛ تأخير العصر. ثم قال صاحب ((العرف الشذي)) ما لفظه: قال الحافظ - هاهنا -: قال الطحاويُّ: إن التغليس بالفجرِ كان بسبب جدران الحجرة، وكان في الواقع الإسفار، وأقول: إن الطحاوي لم يقل بما نقل الحافظ؛ فإن كلامه في الجدران في العصر، لا الفجر. انتهى. قلت: لعلَّ هذا لم ير كلام الحافظ، ووَهِمَ واختلط عليه قولُ غيره؛ فإن الحافظ لم ينقل عن الطحاويِّ أن التغليس بالفجر كان بسبب الجدران، فيا للعجب؛ إن هذا الرجل - مَعَ غفلته الشديدة، ووهمه الفاحش - كيف: اجترأ على نسبة الوهم إلى الحافظ. قوله: (وفي الباب: عن أنس، وأبي أروى، وجابر، ورافع بن خديج): أما حديث أنس: فأخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه (١)، قال: ((كان رسول اللهِ وَل ◌َه يصلِّي العصرَ، والشمسُ مرتفعة حيةٌ، فيذهب الذاهبُ إلى العوالي، فيأتيهم والشمسُ مرتفعةٌ، وبعض العوالي من المدينة على أربعة أميال أو نحوه))، وأما حديث أبي أروى، فأخرجه البزار، بلفظ: قال: ((كنت أُصَلِّي مع النبيِّ بَّه صلاةً بالمدينة، ثم آتي ذا الحُليفةِ قبل أن تغيبَ الشَّمسُ، وهي على قدر فرسخينٍ))، ورواه أحمد باختصار والطبراني في ((الكبير))(٢)، وفيه صالح بن محمد أبو واقد، وثقه أحمد، وضعَّفه يحيى بن معين، والدارقطني وجماعة؛ كذا في ((مجمع الزوائد))، وأما حديث جابر، فأخرجه الشيخان(٣)، وفيه: ((كان يصَلِّي الظهر بالهاجرَةِ، والعصرَ والشَّمسُ حيَّة))، وأما حديث رافع بن خديج: (١) البخاري، كتاب مواقيت الصلاة. حديث (٥٥٠)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة. حديث (٦٢١)، وأبو داود (٤٠٤)، والنسائي (٥٠٧)، وابن ماجه (٦٨٢). (٢) البزار (٣٧٢ - كشف)، وأحمد. حديث (١٨٥٤٤)، والطبراني في ((الكبير)) (٣٦٩/٢٢). حديث (٩٢٥). (٣) البخاري، كتاب مواقيت الصلاة. حديث (٥٦٠)، ومسلم، كتاب المساجد. حديث (٦٤٦). ٥١٣ أبواب الصلاة عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاءَ فِي تَعْجِيلِ العَضْرِ قَالَ: ويُرْوى عَن رَافِعِ أيْضاً عَنِ النَّبيِّ نَّهَ فِي تَأْخِيرِ العَصْرِ، ولا يَصِحُ. قَالَ أبُو عِيْسَى: حَدِيثُ عَائِشَةَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. وهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ بَعْضُ أهلِ العِلْم مِن أصْحَابِ النَّبِيِّ وَّةِ، مِنْهُمْ: عُمَرُ، وعَبْدُ الله بنُ مَسْعُودٍ، وعَائِشَةُ، وأنَسٌِّ، وغَيْرُ واحِدٍ مِن التَّابِعِينَ: تَعْجِيلُ صَلاةِ العَصْرِ، وكَرِهُوا تَأْخِيرَهَا. وبهِ يقولُ عَبْدُ الله بنُ المُبَارَكِ، والشَّافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ. فأخرجه البخاري ومسلم(١)، بلفظ قال: ((كنا نصلِّي العصر مع رسولِ اللهِ وَّرَ، ثم تُنحرُ الجزُور، فتقسمُ عشرَ قِسَمِ، ثم تطبخُ، فنأكل لحمًا نضيجًا قبل مغيبِ الشَّمس)). قوله: (ويروى عن رافع أيضًا عن النبي﴿ في تأخير العصر، ولا يصحُ) أخرجه الدارقطني في ((سننه))(٢) عن عبد الواحد بن نافع، قال: دخلتُ مسجد المدينة، فأذَّن مؤذِّن بالعصرِ، وشيخٌ جالسٌ، فلامه، وقال: إنَّ أبي أخبرني؛ أن رسولَ اللهِ نَّه كان يأمرُ بتأخير هذه الصلاةِ، فسألتُ عنه؟ فقالوا: هذا عبد الله بن رافع بن خديج، ورواه البيهقي في ((سننه))(٣) وقال: قال الدارقطني فيما أخبرنا أبو بكر بن الحارث: هذا حديث ضعيف الإسناد، والصحيح، عن رافع ضدُّ هذا، وعبد الله بن رافع ليسَ بالقويِّ، ولم يروه عنه غير عبد الواحد، ولا يصحُّ هذا الحديث عن رافع ولا عن غيره من الصحابة، وقال ابن حبَّان: عبد الواحد بن نافع يروي عن أهل الحجاز المقلُوباتِ، وعن أهل الشام الموضوعات، لا يحل ذكره في الكتاب إلّا على سبيل القدح فيه. انتهى، ورواه البخاريُّ في ((تاريخه الكبير)) (٤) في ترجمة عبد الله بن رافع: حدثنا أبو عاصم عن عبد الواحد بن نافع، به، وقال: لا يتابع عليه - يعني عبد الله بن رافع - والصحيحُ، عن رافع غيره؛ ثم أخرجه عن رافع، قال: ((كنا نصلِّي مع النبيِّ وَّهِ صلاةَ العصرِ، ثم تُنحرُ الجزورُ ... )) الحديث؛ كذا في ((نصب الراية)). قوله: (وبه يقول عبد الله بن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق) وبه يقول الليث والأوزاعي وأهل المدينة وغيرهم، يقولون: إن تعجيلَ العصرِ أفضلُ، وهو الحقُّ، يدلُّ عليه أحاديث الباب، وقال محمد في ((الموطأ)): تأخير العصر أفضلُ عندنا من تعجيلها، إذا (١) البخاري، كتاب الشركة. حديث (٢٤٨٥)، ومسلم، كتاب المساجد. حديث (٦٣٧) (٢) الدارقطني (٢٥١/١). حديث (٤). (٣) البيهقي في ((الكبرى)) (١٩٢٣). (٤) البخاري في ((التاريخ الكبير)) (٨٨/٥) رقم (٢٤٣). ٥١٤ أبواب الصلاة عن رسول الله وَالقول / باب مَا جَاءَ فِي تَعْجِيلِ العَصْرِ صلَّيتها والشمسُ بيضاء نقية، لم تدخلها صفرة، وبذلك جاء عامَّة الآثار، وهو قول أبي حنيفة. انتهى. وعلَّله صاحب ((الهداية)) وغيره من الفقهاء الحنفية؛ بأن في تأخيرها تكثيرَ النَّوافلِ، وقد ردَّه صاحب ((التعليق الممجد)) وهو من العلماء الحنفية؛ بأنه تعليلٌ في مقابلة النصوص الصحيحةِ الصَّريحة الدالة على أفضليَّة التعجيلِ، وهي كثيرةٌ مرويةٌ في ((الصِّحاح الستة)) وغيرها. انتهى. وقد استدلَّ العينيُّ في ((البناية، شرح الهداية)) على أفضلية التأخير بأحاديث: الأول: ما أخرجه أبو داود(١)، عن عبد الرحمن بن علي بن شيبان، عن أبيه، عن جده، قال: ((قدمنا على رسولِ اللهِ وَّل بالمدينة، فكان يؤخِّر العصر، ما دامت الشمسُ بيضاءَ نقيَّة)). والثاني: حديث رافع بن خديج الذي أشار إليه الترمذيُّ . والثالث: حديث أم سَلَمةَ: ((كان رسولُ اللهِ وَّةِ أشدَّ تعجيلًا للظّهرِ منكم، وأنتم أشدُّ تعجيلًا للعصر منه))؛ أخرجه الترمذيُ(٢) في باب تأخير العصر الآتي. والرابع: حديث أنس: ((كان النبيُّ وَّهِ يصلِّي العَصرَ، والشمسُ بيضاءُ))(٣). وأجاب عن هذه الأحاديث صاحبُ ((التعليق الممَجَّد))، فقال: ولا يخفى على الماهر ما في الاستناد بهذه الأحاديث: أما الحديث الأول: فلا يدل إلَّا على أنه كان يؤخر العصر ما دام كونُ الشمس بيضاء، وهذا أمرٌ غير مستنكرٍ. فإنه لم يقُل أحدٌ بعدم جواز ذلك، والكلامُ إنما هو في فضيلة التأخير، وهو ليس بثابتٍ منه، لا يقال: هذا الحديث يدلُّ على أن التأخير كان عادته، يشهد به لفظ: ((كان))؛ لأنا نقول: لو دلَّ على ذلك، لعارضه كثيرٌ من الأحاديث القويَّةِ الدالّة على أن عادته كانت التعجيل، فالأولى: ألا يحملَ هذا الحديثُ على الدوام؛ دفعًا للمعارضة، واعتبارًا لتقديم الأحاديث القوية. انتهى. قلت: حديث عبد الرحمن بن علي بن شيبان ضعيفٌ؛ فإنه رواه عنه يزيد بن عبد الرحمن (١) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٤٠٨). (٢) الترمذي، كتاب الصلاة. حديث (١٦١). (٣) أحمد. حديث (١١٩٢٢)، وأبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٤٠٤)، والنسائي، كتاب المواقيت. حديث (٥٠٨). ٥١٥ أبواب الصلاة عن رسول الله وٌَّ / باب مَا جَاءَ فِي تَعْجِيلِ العَصْرِ ابن علي بن شيبان، وهو مجهولٌ؛ كما صرَّح به في ((التقريب)) و((الخلاصة)) و((الميزان))؛ فهذا الحديث الضعيف لا يصلُح للاحتجاج. قال: وأما الحديث الثاني: فقد رواه الدارقطني، عن عبد الواحد بن نافع، فذكر بمثل ما ذكرنا عن «نصب الراية)). قال: وأما الحديث الثالث: فإنما يدلُّ على كون التعجيل في الظهر أشدَّ من التعجيل في العصرِ، لا على استحباب التأخير. قال: وأما الحديث الرابع: فلا يدلُّ أيضًا على استحباب التأخير. قلت: بل هو يدلُّ على استحباب التعجيل؛ فإن الطحاويَّ(١) رواه هكذا عن أنس مختصرًا، ورواه أصحابُ الكتب الستة، عنه، بلفظ: ((كان رسولُ اللهِ وَّهِ يُصلِّي العصرَ، والشَّمس مرتفعة حيَّة، فيذهب الذاهبُ إلى العوالي، فيأتيهم والشمس مرتفعة، وبعض العوالي من المدينة على أربعة أميال أو نحوه))، فالعجبُ من العيني: أنه كيف استدلَّ بهذه الأحاديث التي الأول والثاني منها: ضعيفان لا يصلحان للاستدلال، والثالث: لا يدلُّ على استحباب التأخير، والرابع: يدلُّ على استحباب التعجيل، وقد استدل الإمامُ محمَّد على أفضلية التأخير بحديث القيراطِ، وستعرف في الباب الآتي: أن الاستدلال به أيضًا ليس بصحيح، ولم أر حديثًا صحيحًا صريحًا يدل على أفضلية تأخير العصر. تنبيه: استدلَّ صاحب ((العرف الشذي)) على تأخير صلاة العصر ما لفظه: وأدَّتنا كثيرةٌ لا أستوعبها، ومنها ما في أبي داود عن عليٍّ، أن وقت الإشراق من جانب الظُّلوعِ مثلُ بقاء الشمس بعد العصر، ومن المعلوم: أن وقتَ الإشراق يكونُ بعد ذهابٍ وقت الكراهة. انتھی. قلت: حديثُ علي هذا بهذا اللفظ ليس في ((أبي داود)) البتة، ولا في كتاب من كتب الحديث، فعليه أن يثبت أولًا كونه في أبي داود، أو في كتاب آخرَ من كتب الحديث بهذا اللفظ المذكورِ، ثم بعد ذلك يستدلُّ به ودونه خرط القتادِ. ولو سلِّم: أنه بهذا اللفظ موجودٌ في كتاب من كتب الحديث؛ فلا يثبت منه تأخيرُ العصر، ولا يدلُّ عليه، وإنما يدلُّ على أن وقت الإشراق في الامتداد والطول، كوقت (١) الطحاوي ((معاني الآثار)). حديث (١٠٤٣). ٥١٦ أبواب الصلاة عن رسول الله وَليه / باب مَا جَاءَ فِي تَعْجِيلِ العَصْرِ [١٦٠] (١٦٠) حدثنا عَليُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْماعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ، عنِ العَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ: أنَّهُ دَخَلَ عَلَى أنَسِ بْنِ مَالِكِ في دَارِهِ بِالبَصْرَةِ حِينَ انْصَرَفَ مِنَ الظّهْرِ، ودَارُهُ بِجَنْب المَسْجِدِ، فَقَالَ: قومُوا فَصَلَّوا العَصْرَ، قَالَ: فَقُمْنا فَصَلَّيْنا، فَلَمَّا انْصَرَفْنَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلَ يَقُولُ: ((تِلْكَ صَلاةُ المُنافِقِ، يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ العصر، ومن المعلوم: أن ابتداء وقت العصر إذا صار ظل الشيء كطوله وامتداده إلى الغروب، كما أن من المعلوم أن ابتداء الإشراق يكون بعد ذهاب وقت الكراهة، ولا تعلُّق له بتأخير العصر، ولا بتعجيله؛ فتفكر. ولا تعجبوا من هؤلاء المقلِّدين: أنهم كيف يترُكُونَ الأحاديث الصحيحة الصريحة في تعجيلِ العصرِ، ويتشبَّئون بمثل هذا الحديث؛ فإن هذا من شأن التقليد. ثم قال ما لفظه: ولنا حديث آخر حسنٌّ، عن جابر بن عبد الله؛ أخرجه أبو داود في ((سننه) (١)، وكذلك أخرجه الحافظ في ((الفتح)): ((إنَّ السَّاعةَ المحمودةَ منَ الجُمعةِ بعدَ العَصرِ في السَّاعةِ الأخيرةِ، واليومُ اثنا عشر ساعة))، وفي ((فتح الباري)) في موضع: ((أنَّ ما بعدً العصرِ رُبُعُ النَّهار)». انتهى. قلت: هذا الحديث أيضًا ليس في ((سنن أبي داود)) بهذا اللفظ، ثم لا تعلّق له بتأخير العصر ولا تعجيله. وأما قول الحافظ فليس بحجَّةٍ على أنه لا يدل على التأخير. [١٦٠] قوله: (حين انصرف) أي: العلاء بن عبد الرحمن، (وداره) أي: دار أنس بن مالك، (فقال: قوموا فصلوا العصر) وفي رواية مسلم (٢): ((فلمَّا دخلنا عليه، قال: أصليتُمُ العَصرَ؟ فقلنا له: إنَّما انصرفنَا السَّاعة من الظهر، قال: فصلوا العصرَ))، (تلك صلاة المنافق) قال ابن الملك: إشارة إلى مذكور حكمًا، أي: صلاة العصر التي أخرت إلى الاصفرار، وقال الطيبي: إشارة إلى ما في الذهن من الصلاة المخصوصة، والخبرُ بيانٌ لما في الذهن من الصلاة المخصوصة، قال النووي: فيه تصريحُ بذمِ تأخير صلاة العصر، بلا عذر؛ لقوله وَلجيه: ((جَلَسَ يرقُبُ الشَّمس))، (يجلس يرقب الشمس) أي: ينتظرها، جملة استئنافية، بيانٌ للجملة (١) أبو داود، كتاب الصلاة، حديث (١٠٤٨) بنحوه. (٢) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة. حديث (٦٢٢). ٥١٧ أبواب الصلاة عن رسول الله وَّ / باب مَا جَاءَ فِي تَعْجِيلِ العَصْرِ حَتَّى إِذَا كَانَت بِينَ قَرْنَي الشَّيطانِ، قَامَ فَنَقَرَ أرْبَعاً لا يَذْكُرُ الله فيهَا إِلَّا قَلِيلًا)). [م: ٦٢٢، ن: ٥١٠، د: ٤١٣، حم: ١١٥٨٨، طا: ٥١٢]. السابقة، (حتى إذا كانت بين قَرْنَي الشيطان) أي: قربت من الغروب، قال السيوطيُّ في ((قوت المغتذي)): قيل: هو على حقيقته وظاهره، والمراد يحاذيها بقرنيه عند غروبها، وكذا عند طلوعها؛ لأن الكفار يسجُدُون لها حينئذٍ، فيقارنها ليكون الساجدون لها في صورة الساجدين له، وقيل: هو على المجاز، والمراد بـ ((قرنيهِ)): علوه وارتفاعه وسلطانه وغلبة أعوانه وسجود مطيعيه من الكفار للشمس. انتهى، (فنقر أربعًا) من: نقَرَ الطَّائرُ الحبَّة نقرًا، أي التقطها، قال في ((النهاية)): يريد تخفيف السجود، وأنه لا يمكث فيه إلَّا قدرَ وَضعِ الغراب منقاره فيما يريدُ أكله. انتهى، وقيل: تخصيصُ الأربع بالنقر، وفي العصر ثمان سجداتٍ؛ اعتبارًا بالركعاتِ. تنبيه: قال صاحب ((العرف الشذي)) ما لفظه: قوله ((فنقر أربعًا)) هذا يدلُّ على وجوب تعديل الأركان؛ فإن الشريعة عدت السجدات الثمانيةَ الخاليةَ عن الجلسة أربعَ سجدات، وعن أبي حنيفة: مَن ترك القومة أو الجلسة، أخاف ألَّا تجوز صلاته. انتهى. قلت: ومع هذا: أكثر الأحنافِ ينقُرونَ كنقرِ الدِّيكِ، ويتركون تعديل الأركان متعمِّدين، بل إذا رأوا أحدًا يعدِّل الأركان تعديلًا حسنًا، فيظنونَ أنه ليسَ على المذهب الحنفي؛ فهداهم الله تعالى إلى التعديل. تنبيه آخر: قال صاحب ((العرف الشذي)) ما لفظه: اعلم أن الأرض كروية اتفاقًا، فيكون طلوع الشمس وغروبُها في جميع الأوقات، فقيل: إن الشياطينَ كثيرةٌ، فيكونُ شيطان لبلدة، وشيطان آخر لبلدة أخرى، وهكذا، وعلى كروية الأرض: تكون ليلة القدرِ مختلفةً، وكذلك يكون نزول الله تعالى أيضًا متعددًا، وظني أن سجدة الشمس بعد الغروب تحتَ العرش لا تكون متعددة، بل تكون بعد دورةٍ واحدة لا حينَ كُلٌّ من الغوارب المختلفة بحسب تعدُّد البلاد. انتهى. قلت: إن أراد بقوله: ((إنَّ الأرض كرويَّةٌ اتفاقًا)) أن جميع أئمة الدين من السلف والخلف متَّفقون على كروية الأرض، وقائلون بها؛ فهذا باطل بلا مرية، وإن أراد به اتفاق أهل الفلسفة وأهل الهيئة، فهذا مما لا يلتفتُ إليه، ثم ما فرع على كروية الأرض ففيه أنظارٌ وخدشاتٌ؛ فتفكّر. ٥١٨ أبواب الصلاة عن رسول الله وَّهِ / باب مَا جَاءَ فِي تَأْخِيرِ صَلاةِ العَصْرِ قَالَ أبُو عِيْسَى: هذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. ١٢١ - باب مَا جَاءَ في تَأْخِيرٍ صَلاةِ العَصْرِ [ت٧، م٧] [١٦١] (١٦١) حدثنا علِيُّ بنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا إسْماعيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَن أيوبَ، عَنِ ابنِ أبي مُلَيْكَةَ، عَن أُمِّ سَلمَةَ، أنَّها قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللهِ وََّ أَشَدَّ تَعْجِيلًا للظَّهْرِ مِنْكُمْ، وأنْتُمْ أشَدُّ تَعْجِيلًا لِلعصرِ مِنْهُ. [حم: ٢٥٩٣٩]. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي. ١٢١ - باب مَا جَاءَ في تأخير صلاة العصْرِ [١٦١] قوله: (وأنتُم أشدُّ تعجيلًا للعصرِ منه) قال الطيبي: ولعلَّ هذا الإنكارَ عليهم بالمخالفة. انتهى؛ قال القاري: إن الخطاب لغير الأصحاب، قال: وفي الجملة يدلُّ الحديث على استحباب تأخيرِ العصرِ؛ كما هو مذهبنا. انتهى. قلت: ليس فيه دلالة على استحباب تأخير العصر، نعم: فيه أن الذين خاطبتهم أمُّ سَلَمةَ كانوا أشد تعجيلًا للعصر منه وّه، وهذا لا يدلُّ على أنه وَّ كان يؤخّر العصر؛ حتى يستدلَّ به على استحباب تأخير العصر، وقال الفاضل اللكنويُّ في ((التعليق الممجد)»: هذا الحديث إنما يدلُّ على أن التعجيل في الظهر أشدُّ من التعجيل في العصر، لا على استحباب التأخير. انتهى، وقد تقدَّم كلامه هذا فيما تقدَّم، وقال صاحب ((العرف الشذي)) ما لفظه: حديثُ البابِ ظاهرُهُ مبهمٌ، والتأخير - هاهنا - إضافيٌّ، وإطلاق الألفاظ الإضافية ليست بفاصلة. انتهى، ثم قال بعد هذا الاعتراف: نعم، يخرج شيء لنا. انتهى. قلت: لا يخرج لكُم شيء من هذا الحديث، أيها الأحناف، كيف وظاهره مبهمٌ، والتأخير فيه إضافيٌّ، وأطلق فيه اللفظ الإضافيّ، وهو ليس بفاصلٍ، وقد ثبَتَ بِأحاديثَ صحيحةٍ صريحةٍ استحبابُ التعجيل، وقد استدلَّ الحنفية على استحباب تأخيرِ العصرِ بهذا الحديث، وبأحاديث أخر قد ذكرتها في الباب المتقدِّم، ولا يصح استدلالهم بواحدٍ منها، كما عرفت، وقد استدل محمد (١) في آخر ((موطئه)) على ذلك بـ ((حديث القيراط))، وهو: ما (١) ((الموطأ)) - رواية محمد بن الحسن الشيباني. رقم (١٠٠٧)، وسيأتي في الترمذي، كتاب الأمثال. حديث (٢٨٧١). ٥١٩ أبواب الصلاة عن رسول الله وَه / باب مَا جَاءَ فِي تَأخِيرِ صَلاةِ العَصْرِ قَالَ أبُو عِيْسَى: وَقَدْ رُوِيَ هذَا الحَدِيثُ عَنِ إِسْمَاعِيلَ ابنِ عُلَيَّةً، عنِ ابن جُرَيْجِ، عَن ابنِ أبِي مُلَيْكَةَ، عَن أُمِّ سَلَمَةَ نَحْوَهُ. رواه من طريق مالكٍ، عن عبد الله بن دينار، أن عبد الله بن عُمر أخبره أنَّ رسولَ اللهِ وَيه قال: ((إنَّما أجلُكُم فيما خلا منَ الأُمم كما بينَ صلاةِ العصرِ إلى مغربِ الشَّمس، وإنّما مثلُكُم ومثلُ اليهُودِ والنَّصارَى كرجُل استعمَّلَ عمَّالًا فقال: من يعملُ إلى نصفِ النَّهار على قيراط قيراطٍ؟ قال: فعملَت اليهودُ، ثُمَّ قال: من يعملُ لِي من نصفِ النَّهار إلى العَصر على قيراط قيراطٍ؟ فعملتِ النَّصارى على قيراط قيراطِ، ثُمَّ قالَ: مَن يعملُ لي من صلاةِ العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطينٍ؟ ألا فأنتُم الذين يعملونَ من صلاةِ العصرِ إلى مغربٍ الشَّمس على قيراطينِ قيراطينٍ، قال: فغضبَ اليهودُ والنَّصارى، وقالوا: نحنُ أكثرُ عملًا، وأقلُّ عطاءً، قال: هل ظلمتُكم من حَقِّكُم شيئًا؟ قالوا: لا، قال: فإنَّه فَضْلي ◌ُعطيهِ مَن شئتُ)). قال محمد بعد إخراجه ما لفظه: هذا الحديثُ يدلُّ على أن تأخير العصر أفضل من تعجيلها؛ ألا ترى أنه جعل ما بين الظهر إلى العصرِ أكثرَ ممَّا بين العصرِ إلى المغرب في هذا الحديث، ومن عجَّل العصر، كان ما بين الظهر إلى العصر أقلَّ مما بين العصر إلى المغرب؛ فهذا يدلُّ على تأخير العصر، وتأخيرُ العصر أفضل من تعجيلها ما دامتِ الشمسُ بيضاءَ نقيةً لم تخالطها صُفرة؛ وهو قول أبي حنيفة والعامَّة من فقهائنا. انتهى كلامه. قلت: هذا الحديثُ ليس بصريحٍ في استحبابٍ تأخير العصرِ، قال صاحب ((التعليق الممجد)» واستنبط أصحابنا الحنفية أمرين: أحدهما: ما ذكره أبو زيد الدَّبوسيُّ في كتابه ((الأسرار))، وتبعه الزيلعيُّ شارح ((الكنز))، وصاحب ((النهاية شرح الهداية))، وصاحب ((البدائع))، وصاحب ((مجمع البحرين)) في شرحه وغيرهم: أن وقت الظهر من الزوال إلى صيرورة ظل كل شيء مثليه، ووقت العَصر منه إلى الغروب؛ كما هو رواية عن إمامنا أبي حنيفة، وأفتى به كثيرٌ من المتأخرين. ووجه الاستدلال به بوجوهٍ، كلَّها لا تخلو عن شيء، أحدها أن قوله وَله: ((إنما أجَلَكُم فيما خلا كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس)) يفيد: قلة زمان هذه الأمة بالنسبة إلى زمان من خلا، وزمان هذه الأمة هو مشبّه بما بين العصر إلى المغرب؛ فلا بُدَّ أن يكون هذا الزمان قليلًا من زمان اليهود، أي: من الصبح إلى الظهر، ومن زمان النصارى، أي: من الظهر إلى العصر، ولن تكون القلة بالنسبة إلى زمان النصارى إلّا إذا كان ابتداءُ وقتِ العصرِ من حينٍ صيرورة الظل مثليهٍ، فإنه حينئذٍ يريد وقت الظهر، أي: من الزوال إلى المثلين على ٥٢٠ أبواب الصلاة عن رسول الله و 38 / باب مَا جَاءَ فِي تَأخِيرِ صَلاةِ العَصْرِ وقت العصر من المثلين إلى الغروب، وأما إن كان ابتداء العصرِ حين المثل؛ فيكونان متساویین. وفيه: ما ذكره في ((فتح الباري)) و(بستان المحدِّثين)) و((شرح القاري)) وغيرها: أما أولًا: فلأنَّ لزوم المساواة على تقدير المثل ممنوعةٌ؛ فإن المدة بين الظهر والعصر، لو كان بمصير ظل كل شيء مثله؛ يكونُ أزيد بشيء من ذلك الوقت إلى الغروب على ما هو محقَّق عند الرياضيِّين إلَّا أن يقال: هذا التفاوت لا يظهر إلَّا عند الحسابِ، والمقصودُ من الحديث: تفهيمُ كل أحد. وأما ثانيًا: فلأنَّ المقصود من الحديث مجرَّد التمثيل، ولا يلزم في التمثيل التسويةُ من كل وجه. وأما ثالثًا: فلأن قلَّة مدَّة هذه الأمة إنما هي بالنسبة إلى مُدتي مجموعِ اليهود والنصارى، لا بالنسبة إلى كل أحد؛ وهو حاصلٌ على كل تقديرٍ . وأما رابعًا: فلأنه يحتملُ أن يراد بـ ((نصف النهار)) في الحديث: نصف النهار الشرعيّ؛ وحينئذٍ فلا يستقيم الاستدلال. وأما خامسًا: فإنه ليس في الحديث إلَّا أنَّ ما بين صلاة العصر إلى الغروب أقلُّ من الزوال إلى العصر، ومن المعلوم: أن صلاة العصر لا يتحقق في أول وقته غالبًا، فالقلَّة حاصلة على كل تقدير، وإنما يتمُّ مرام المستدلِّ، إن تمَّ لو كان لفظ الحديث: ((ما بينَ وقتٍ العصرِ إلى الغُروبِ» وإذ لیس، فليس. وثانيها أن قول النصارى: ((نحن أكثر عملًا)) لا يستقيمُ إلَّا بقلَّة زمانهم، ولن تكون القلّة إلَّا في صورة المثلين، وفيه: ما مرَّ سابقًا وآنفًا . وثالثها ما نقله العينيُّ: أنه جعل لنا النبيُّ وََّ من زمان الدُّنيا في مُقابلة من كان قبلنا منَ الأممِ بقدر ما بينَ صلاةِ العصرِ إلى الغُروبِ، وهو يدل على أن بينهما أقل من ربع النهار؛ لأنه لم يبقَ من الدنيا رُبُع الزمان؛ لحديث: ((بعثتُ أنَا والسَّاعةُ كهاتينٍ، وأشارَ بالسَّبابةِ والوسطى))، فنسبة ما بقي من الدنيا إلى قيام الساعة مع ما مضى: مقدار ما بين السبابة والوسطى، قال السُّهيليُّ وبينهما نصفُ سبع؛ لأن الوسطى ثلاثة أسباع، كل مفصل منها سبع، وزيادتها على السبابة نصف سبع. انتهى.