Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨١ أبواب الصلاة عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي مَواقِيتِ الصَّلاةِ عن النبي ◌َّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ (٢) أبواب الصلاة عن رسول الله صَلىالله وسلم ١١٣- باب مَا جَاءَ في مَواقِيتِ الصَّلاةِ عن النبي ◌ِّ [ت١، م١] [١٤٩] (١٤٩) حدثنا هَنَّادُ بنُ السَّريِّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ أبي الزِّنَادِ، عَن عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ الحَارثِ بنِ عَيَّاشِ بنِ أبي رَبِيعَةَ، عَن حَكِيمٍ بنِ حَكِيمٍ - وَهُوَ ابنُ عبَّادِ بنِ حُنَيْفٍ - أخْبَرَني نَافِعُ بنُ جُبَيْرِ بنِ مُطْعِم، قَالَ: أَخْبَرَني ابنُ عِبَّاسٍ، أنَّ النَّبِيَّ رَ﴿ قَالَ: ((أمَّنِي جِبْرِيلُ عليهِ السَّلامُ عنْدَ البَيْتِ مَرَّتَيْنٍ، فَصَلَّى الظّهْرَ فِي الأولَى مِنْهُما بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمِ الرَّحَمِ أنْوَابُ الصَّلاةِ مَن رَسُولِ الله صَلى اللّه وَسِلم ١١٣ - باب مَا جَاءَ في مَوَاقِيتِ الصَّلاةِ جمع مِيقاتٍ، وهو ((مفعالٌ)) من الوقت، وهو: القدر المحدد من الزمان أو المكان. [١٤٩] (عن عبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة)، قال في ((التقريب)): عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزوميُّ، أبو الحارث المدني، صدوق، له أوهام، (عن حكيم بن حكيم، وهو: ابن عبَّاد بن حُنيف) الأنصاريّ الأوسيُّ، صدوق؛ قاله الحافظ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))؛ قاله الخزرجي، (قال: أخبرني نافع بن جبير بن مُطعم) النَّوفليّ، أبو محمد، أو أبو عبد الله، المدني، ثقة فاضل، من الثانية، مات سنة (٩٩) تسع وتسعين، وهو من رجال الكتب الستة. قوله: (أمني جبريل عند البيت) أي: عند بيت الله، وفي رواية في ((الأم)) للشافعي: ((عندَ بابِ الكعبةِ)) (مرتين) أي: في يومين؛ ليعرِّفني كيفية الصلاة وأوقاتها، (فصلى الظهر في الأولى منهما) أي: المرة الأولى من المرَّتين، قال الحافظ في ((الفتح)): بَيَّنَ ابن إسحاق في ((المغازي)) أن ذلك كان صبيحة الليلة التي فُرضت فيها الصلاةُ، وهي ليلةُ الإسراءِ، قال ابن ٤٨٢ أبواب الصلاة عن رسول الله وَاه / باب مَا جَاءَ فِي مَواقِيتِ الصَّلاةِ عن النبي ◌َهـ حِينَ كَانَ الفَيْءُ مِثْلَ الشِّرَاكِ، ثُمَّ صَلَّى العَصْرَ حينَ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ مِثْلَ ظِلِّهِ، ثُمَّ صَلَّى المَغْرِبَ حِينَ وَجَبَتِ الشَّمْسُ وَأَفْطَرَ الصَّائِمُ، ثُمَّ صَلَّى العِشاءَ حينَ غابَ الشَّفقُ، إسحاق: وحدَّثني عتبة بن مسلم، عن نافع بن جبير، وقال عبد الرزاق(١) عن ابن جريج، قال: قال نافع بن جبير وغيره: ((لما أصبح النبيُّ وٍَّ من الليلة التي أُسريَ به، لم يرعه إلَّا جبريلُ نَزَلَ حين زالت الشمسُ؛ ولذلك سميت الأولى، أي: صلاة الظهر، فأمر، فصيحَ بأصحابه: ((الصَّلاة جامعةٌ)) فاجتمعوا، فصلى به جبريلُ، وصلَّى النبيُّ وَ لِ بالناس ... )) فذكر الحدیث. انتھی. (حين كان الفيء) هو: ظلُّ الشمس بعد الزوال، (مثل الشراك) أي: قدره، قال ابن الأثير: الشِّراك: أحد سُيُور النعل التي تكون على وجهها، انتهى. وفي رواية أبي داود(٢): ((حينَ زالتِ الشَّمسُ، وكانَت قدرَ الشِّراك)»، قال ابن الأثير: قدره ــ هاهنا - ليس على معنى التحديد، ولكن زوال الشَّمس لا يبينُ إلَّا بأقلِّ ما يرى من الظل، وكان حينئذٍ بمكة هذا القدر، والظل: يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، وإنما يتبيَّن ذلك في مثل مكة من البلاد التي يقلُّ فيها الظل، فإذا كان طول النهار واستوت الشمسُ فوق الكعبة، لم يُرَ بشيء من جوانبها ظلٌّ، فكل بلد يكون أقربَ إلى خطّ الاستواء، ومعدل النهار يكونُ الظل فيه أقصرَ، وكلما بَعُدَ عنهما إلى جهة الشمال يكون الظلُّ أطولَ. انتهى. (ثم صلى العصر حين كان كل شيء مثل ظله) أي: سوى ظله الذي كان عند الزوال؛ يدل عليه: ما رواه النسائيُّ(٣) من حديث جابر بن عبد الله بلفظ: ((خَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَلَ فِصلَّى حينَ زالتِ الشَّمسُ، وكان الفيءُ قدرَ الشِّراكِ، ثم صلَّى العصرَ حين كان الفيءُ قدْرَ الشِّراكِ وظلِّ الرَّجلٍ))، (ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس) أي: غربت، (وأفطر الصائم) أي: دخل وقت إفطاره بأن غابت الشمسُ؛ فهو عطفُ تفسيرٍ، (ثم صلى العشاء حين غاب الشفق) أي: الأحمر؛ على الأشهر؛ قاله القاري، وقال النووي في ((شرح مسلم)): المراد بـ ((الشفق)) الأحمر؛ هذا مذهب الشافعيّ وجمهور الفقهاء وأهل اللغة، وقال أبو حنيفة والمزنيُّ ◌َّا وطائفة من الفقهاء وأهل اللغة: المرادُ: الأبيضُ، والأول هو الراجحُ المختار. انتهى كلام النووي. (١) عبد الرزاق. حديث (١٧٧٣). (٢) أبو داود، كتاب الصلاة، حديث (٣٩٣). (٣) النسائي، كتاب المواقيت. حديث (٥٢٤). ٤٨٣ أبواب الصلاة عن رسول الله وَيُّهَو / باب مَا جَاءَ فِي مَواقِيتِ الصَّلاةِ عن النبى وَّل ثُمَّ صَلَّى الفجْرَ حينَ بَرَقَ الفَجْرُ وَحَرُمَ الطَّعَامُ عَلَى الصَّائِم، وَصَلَّى المَرّةَ الثّانِيَةَ الُّهْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّ كلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، لِوَقْتِ العَصْرِ بِالأمْسِ، ثُمَّ صَلَّى العَصْرَ حينَ كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، ثُمَّ صَلَّى قلت: وإليه ذهب صاحبا أبي حنيفة: أبو يوسف، ومحمَّد، وقالا: الشفق هو الحُمرة، وهو رواية عن أبي حنيفة؛ بل قال في ((النَّهر)): وإليه رجع الإمام، وقال في ((الدُّرِّ)): الشفق هو الحُمرة عندهما، وبه قالتِ الثلاثة، وإليه رجع الإمام؛ كما هو في ((شروح المجمع)) وغيره؛ فكان هو المذهبَ، قال صدر الشريعة: وبه يفتى؛ كذا في ((حاشية النسخة الأحمدية))، ولا شك في أن المذهب الراجحَ المختار: هو أن الشفقَ الحمرةُ، يدلُّ عليه حديثُ ابن عمر، عن النبيِ وََّ، قال: ((الشَّفَقُ الحُمرةُ)) رواه الدارقطني، وصحَّحه ابن خزيمة وغيره(١)، ووقفه على ابن عُمر؛ كذا في ((بلوغ المرام))، قال محمَّد بن إسماعيل الأميرُ في ((سُبُل السلام)): البحث لغويٌّ، والمرجع فيه إلى أهل اللغة، وابنُ عمرَ من أهل اللغة ومخ العرب، فكلامه حُجَّة، وإن كان موقوفًا عليه. انتهى؛ ويدلُّ عليه قوله وَّل في حديث عبد الله ابن عمرو عند مُسلم (٢): ((وقتُ المغرب ما لم يسقُط ثور الشفق))؛ قال الجزريُّ في ((النهاية)) أي: انتشاره، وثوران حمرته؛ من ثارَ الشَّيءُ يثورُ: إذا انتشر وارتفع. انتهى، وفي ((البحر الرائق)) من كتب الحنفية: قال الشُّمُنِّي: هو ثورانُ حُمرته. انتهى، ووقع في رواية أبي داود(٣): ((وقت المغرب ما لم يسقُط فور الشفق))، قال الخطّابي: هو بقية حمرة الشفق في الأفق، وسمي فورًا بفورانه وسطوعه، وروي أيضًا: ((ثور الشفق)) وهو: ثوران حمرته. انتهى، وقال الجزري في ((النهاية)): هو بقية حمرة الشمس في الأفق الغربي، سمي فورًا؛ لسطوعه وحمرته، ویروی بالثاء، وقد تقدَّم. انتهى. (ثم صلى الفجر حين برق الفجر) أي: طلع، (وصلى المرة الثانية) أي: في اليوم الثاني، (حين كان ظل كل شيء مثله لوقت العصر بالأمس) أي: فرغ من الظهر حينئذ؛ كما شرع في العصر في اليوم الأول حينئذ، قال الشافعي: وبه يندفع اشتراكهما في وقتٍ واحدٍ على ما زعمه جماعةٌ، ويدل له خبر مسلم(٤): ((وقتُ الظهر ما لم يحضُر العصرُ))، (ثم. (١) الدارقطني (٢٦٩/١) (٣)، وابن خزيمة (٣٥٤). (٢) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة. حديث (٦١٢). (٣) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٣٩٦). (٤) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة. حديث (٦١٢). ٤٨٤ أبواب الصلاة عن رسول الله رَّهِ / باب مَا جَاءَ فِي مَواقِيتِ الصَّلاةِ عن النبي ◌َّل المَغْرِبَ لِوَقْتِهِ الأَولِ، ثُمَّ صَلَّى العِشاءَ الآخِرَةَ حينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ حينَ أسْفَرَتِ الأَرْضُ، ثُمَّ التَفَتَ إلَيَّ جِبْرِيلُ فَقَالَ: يا مُحَمَّدُ! هذا وَقْتُ الأَنْبِياءِ من قبْلكَ، وَالوَقْتُ المغرب لوقته الأول)، استدلَّ به من قال: إن لصلاة المغرب وقتًا واحدًا، وهو عقب غروب الشمس بقدرٍ ما يتطهَّر ويستر عورتَهُ ويؤذِّن ويقيم، فإن أخر الدخول في الصلاة عن هذا الوقت: أثِمَ، وصارت قضاءً، وهو قول الشافعية، قال النووي: وذهبَ المحقِّقون من أصحابنا إلى ترجيح القولِ بجواز تأخيرها ما لم يغبِ الشَّفَقُ، وأنه يجوز ابتداؤها في كل وقت من ذلك، ولا يأثم بتأخيرها عن أول الوقت، وهذا هو الصحيح والصواب الذي لا يجوزُ غيره، والجواب عن حديث جبريل عليه السلام ((حينَ صلَّى المغرب في اليومين في وقت واحد، حين غربت الشمس) - من ثلاثة أوجه: الأول: أنه اقتصر على بيان وقت الاختيار، ولم يستوعب وقت الجواز؛ وهذا جارٍ في كل الصلوات سوَى الظهر. والثاني: أنه متقدِّم في أول الأمر بمكة، وأحاديثُ امتدادٍ وقتٍ المغرب إلى غروب الشفق متأخرةٌ في أواخر الأمر بالمدينة؛ فوجبَ اعتمادها. والثالث: أن هذه الأحاديثَ أصحُّ إسنادًا من حديث بيان جبريل عليه السلام، فوجب تقدیمھا . انتهى كلام النووي. (فقال: يا محمد، هذا) أي: ما ذكر من الأوقات الخمسة (وقتُ الأنبياءِ من قبلك) قال ابن العربي في ((عارضة الأحوذي)): ظاهره يُوهمُ أنَّ هذه الصلوات في هذه الأوقات كانت مشروعةً لمن قبلهم من الأنبياء، وليس كذلك؛ وإنما معناه: أن هذا وقتُك المشروعُ لِك، يعني: الوقت الموسَّع المحدود بطرفين الأول والآخر، وقوله: ((وقت الأنبياء قبلك)) يعني: ومثله وقت الأنبياء قبلك، أي: صلاتهم كانت واسعة الوقتِ وذات طرفينٍ؛ وإلّا؛ فلم تكُن هذه الصلوات على هذا الميقاتِ إلَّا لهذه الأمة خاصَّة، وإن كان غيرهم قد شارَكَهُم في بعضِها، وقد روى أبو داود (١) في ((حديث العشاء)): ((أعتمُوا بهذِهِ الصَّلاةِ؛ فإنَّكم قد فُضِّلتم بها على سائرِ الأمم))، وكذا قال ابن سيد الناس، وقال: يريد في التوسعة عليهم في أن الوقت أولًا وآخرًا، لا أن الأوقات هي أوقاتھُم بعينها؛ كذا في ((قوت المغتذي))، (والوقت: (١) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٤٢١). فيمَا بَيْنَ هذَيْنِ الوَقْتَيْن)). [د: ٣٩٣، حم: ٣٠٧١]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: وَفِي الْبَابِ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، وَبُرَيْدَةَ، وَأَبِي مُوسَى، وَأَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وجَابِرٍ، وَعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَالبَرَاءِ، وَأَنَسٍ. فيما بين هذين الوقتين)، قال ابن سيد الناس: يريد هذين وما بينهما، أما إرادته أن الوقتين اللذين أوقع فيهما الصلاة وقتٌ لها؛ فتبيَّن بفعله، وأما الإعلام بأن ما بينهما أيضًا وقت، فبينه قوله عليه الصلاة والسلام. · قوله: (وفي الباب: عن أبي هريرة، وبريدة، وأبي موسى، وأبي مسعود، وأبي سعيد، وجابر، وعمرو بن حزم، والبراء، وأنس): أما حديث أبي هريرة: فأخرجه الترمذي والنسائي وصحَّحه ابن السكن والحاكم (١)، وأما حديث بريدة: فأخرجه الترمذي (٢)، وأما حديث أبي موسى: فأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وأبو عوانة (٣)، وأما حديث أبي مسعود(٤): فأخرجه مالك في ((الموطأ)) وإسحاق بن راهويه، وأصله في ((الصحيحين)) من غير تفصيلٍ، وفصَّله أبو داود، وأما حديث أبي سعيد: فأخرجه أحمد(٥) والطحاوي، وأما حديث جابر(٦): فأخرجه أحمد والترمذي والنسائي، وأما حديث عمرو بن حزم(٧): فأخرجه إسحاق بن راهويه، وأما حديث البراء: فذكره ابن أبي خيثمة(٨)، وأما حديث أنس، فأخرجه الدارقطني وابن السكن في ((صحيحه))، والإسماعيلي في ((معجمه)) (٩). (١) الترمذي، كتاب الصلاة. حديث (١٥١)، والنسائي في ((الكبرى)). حديث (١٤٩٣)، والحاكم. حديث (٦٩٦) وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. (٢) الترمذي، كتاب الصلاة. حديث (١٥٢) فانظره هناك. (٣) مسلم، كتاب المساجد. حديث (٦١٤)، وأبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٣٩٥)، والنسائي، كتاب المواقيت. حديث (٥٢٣)، وأبو عوانة في ((صحيحه)). حديث (٨٦٤). (٤) مالك. حديث (٢)، والبخاري، كتاب مواقيت الصلاة. حديث (٥٢٢)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة. حديث (٦١٠، ٦١١)، وأبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٣٩٤، ٤٠٧). (٥) أحمد. حديث (١٠٨٥٦). (٦) في الترمذي، كتاب الصلاة. حديث (١٥٠). (٧) عبد الرزاق (٢٠٣٢)، وعنه ابن راهويه كما في ((نصب الراية)) (٢٢٥/١)." (٨) أخرجه ابن أبي خيثمة كما في ((الأزهار المتناثرة)) (ص/ ١٥). (٩) الدارقطني (٢٦٠/١) (١٤)، والإسماعيلي في ((معجم شيوخه)) (٣٥). ٤٨٦ أبواب الصلاة عن رسول الله وَّ / باب مِنْهُ [١٥٠] (١٥٠) حدثنا أحْمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ بنِ مُوسَى، أْبَرَنَا عَبْدُ الله بنُ المُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا حُسَيْنُ بنُ عَلَيٍّ بنُ الحُسَيْن، أْبَرَنِي وَهْبُ بنُ كَيْسَانَ، عَن جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله، عَن رَسُولِ اللهِ وَّرِ قَالَ: ((أمَّنِي جِبْرِيلُ)) فَذَكَرَ نَحوَ حديثِ ابنِ عباسٍ بمعناهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ: (لِوَقْتِ العَصْرِ بِالأَمْسِ)). قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديث حسنٌ صحيح غَرِيبٌ. وَحَدِيثُ ابن عَبَّاسٍ: حَدِيثٌ حَسَنٌّ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: أصَحُّ شَيْءٍ فِي المَواقِيتِ حَدِيثُ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ بَّهَ. قَالَ: وَحَديثُ جَابِرٍ فِي المَواقِيتِ قَدْ رَوَاهُ عَطاءُ بْنُ أبِي رَبَاحِ وعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَأَبُو الزُّبَيْرِ، عَن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، عَنِ النبيِّ وَّ نَحْوَ حَدِيثٍ وَهْبٍ بْنِ كَيْسَانَ، عَن جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ. ١١٤ - باب مِنْهُ [ت١، ١٢] [١٥١] (١٥١) حدثنا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَن [١٥٠] قوله: (حديث ابن عباس حديث حسن) وصحَّحه ابن عبد البر، وأبو بكر بن العربي، قال ابن عبد البر: إن الكلام في إسناده لا وجه له، والحديث أخرجه أيضًا أحمد وأبو داود وابن خزيمة والدارقطني والحاكم(١). قوله: (وقال محمد: أصح شيء في المواقيت حديث جابر عن النبي وَّ) قال ابن القطّان: حديث جابر يجبُ أن يكون مرسلًا؛ لأن جابرًا لم يذكر من حدثه بذلك؛ ولم يشاهد ذلك صبيحة الإسراء؛ لما علم من أنه أنصاريٌّ إنما صحب بالمدينة، قال: وابن عباس وأبو هريرة اللذان رويا أيضًا قصة إمامة جبريلَ، فليس يلزمُ في حديثهما من الإرسال ما في رواية جابرٍ؛ لأنهما قالا: إن رسول الله وَّ قال ذلك وقصه عليهما؛ كذا في ((قوت المغتذي)). ١١٤ - بَابٌ مِنْهُ أي: مما جاء في مواقيت الصلاة عن النبيِّ وَّ؛ فهذا الباب كالفَصْلِ من الباب المتقدِّم. [١٥١] قوله: (نا محمد بن فضيل) بن غزوان الضبي مولاهم، أبو عبد الرحمن، (١) الدارقطني (٢٥٧/١) (٤)، والحاكم (٧٠٤)، وقال: صحيح مشهور؛ ووافقه الذهبي. ٤٨٧ أبواب الصلاة عن رسول الله وَل ◌َو / باب مِنْهُ أبِي صَالِحٍ، عَن أبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ: ((إنَّ لِلصَّلاةِ أوَّلًا وآخِراً، وإِنَّ أوَّلَ وَّقْتِ صَلاةِ الظُهْرِ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ، وآخِرَ وَقْتِهَا حِينَ يَدْخُلُ وَقْتُ العَصْرِ، وَإِنَّ أوَّلَ وَقْتِ صَلاةِ العصْرِ حِينَ يَدْخُلُ وَقْتُهَا، وَإِنَّ آخِرَ وَقْتِهَا حِينَ تَصْفَرُّ الشَّمْسُ، وَإِن أوَّلَ وَقْتِ المَغْرِبِ حِينَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ، وَإِنَّ آخِرَ وَقْتِهَا حِينَ يَغِيبُ الأُفُقُ، وَإِنَّ أوَّلَ وَقْتِ العِشَاءِ الآخِرَةِ حِينَ يَغِيبُ الأُفُقُ، وإِنَّ آخِرَ وَقْتِهَا حِينَ يَنْتَصِفُ اللَّيْلُ، وإنَّ أوَّلَ وَقْتِ الفَجْرِ حِيْنَ يَطْلُعُ الفَجْرُ، وَإِنَّ آخِرَ وَقْتِهَا حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ)). [حم: ٧١٣٢]. قَالَ: وَفِي البَابِ عَن عَبْد الله بْنِ عَمْرٍو. قَالَ أَبُو عِيْسَى: وَسَمِعْتُ مُحَمَّداً يَقُولُ: حَدِيثُ الأَعْمَشِ عَن مُجَاهِدٍ فِي المَواقِیتِ: أصُّ مِن حدیث الكوفي، صدوق، عارف، رمي بالتشيع، كذا في ((التقريب))، قال في ((الخلاصة)) قال النسائي: ليس به بأسٌ، قال البخاري: مات سنة (١٩٥) خمس وتسعين ومئة. قوله: (وإن أول وقت العصر حين يدخل وقتها) كأن وقته كان معلومًا عندهم، (وإن آخر وقتها حين تصفر الشمس) أي: آخر وقتها المختار، والمستحب، وإلَّا فآخر وقتها إلى غروب الشمس، (وإن آخر وقتها حين ينتصف الليل) أي: آخر وقتها اختيارًا، أما وقت الجواز: فيمتد إلى طلوع الفجر الثاني، لحديث أبي قتادة: ((ليسَ في النَّوم تفريطً، إنما التفريطُ على من لم يصلِّ الصَّلاة حتى يجيءَ وقتُ الصَّلاة الأخرى))، وقال الإصطخري: إذا ذهب نصفُ الليل، صارت قضاءً، ودليلُ الجمهور: حديث أبي قتادة؛ قاله النووي. قوله: (وفي الباب: عن عبد الله بن عمرو)، أخرجه مسلم (١)، عنه قال: قال رسولُ اللهِ وَلّهِ: ((وَقْتُ الظَّهْرِ: إذا زالتِ الشَّمسُ، وكان ظلُّ الرَّجل كطُولهِ ما لَم يحضُر العصرُ، ووقتُ العصرِ: ما لم تصفرَّ الشَّمسُ، ووقتُ صلاة المغربِ: ما لم تغبِ الشَّمسُ، ووقت صلاة العشاء: إلى نصف اللَّيل الأوسطِ، ووقتُ صلاة الصُّبحِ: من طلوع الفجرِ ما لم تَظْلُعِ الشَّمس ... )) الحديث. قوله: (سمعت محمدًا يقول: حديث الأعمش عن مجاهد في المواقيت أصحُ من حديث (١) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة. حديث (٦١٢). ٤٨٨ أبواب الصلاة عن رسول الله وَلهـ / بَابٌ مِنْهُ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، وَحَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ خَطَأْ، أخْطَأَ فِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ. حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَن أبِي إِسْحاقَ الفَزارِيِّ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَن مُجَاهِدٍ قَالَ: كَان يُقَال: إنَّ لِلصَّلاةِ أوَّلًا وآخِراً، فذَكَرَ نَحْوَ حَديثٍ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ، عنِ الأَعْمَشِ، نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ. ١١٥- بَابٌ مِنْهُ [ت١، م١] [١٥٢] (١٥٢) حدثنا أحْمَدُ بنُ مَنِيع وَالحَسَنُ بنُ الصَّبَّاحِ البَزَّارُ وَأحْمَدُ بنُ مُحمَّدِ بنِ مُوسَى - المَعْنَى وَاحِدٌ - قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بنُ يُوَسُفَ الأَزْرَقُ، عَن سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَن عَلْقَمَةَ بن مَرْئَدٍ، عَن سُلِيْمانَ بن بُرَيْدَةَ، محمد بن فُضيل عن الأعمش)، حديث الأعمش عن مجاهد في المواقيت: رواه الترمذي بعد هذا، (وحديث محمد بن فضيل خطأ، أخطأ فيه محمد بن الفُضيل) أي: أخطأ في الإسناد، حيث روى عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، وإنما هو عن الأعمش عن مجاهد، قال: كان يقال ... إلخ، قال الحافظ في ((التلخيص)): ورواه الحاكم(١) من طريق أخرى عن محمد بن عبَّاد بن جعفر؛ أنه سمع أبا هريرة، وقال: صحيح الإسناد. ١١٥- بَاب مِنْهُ. [١٥٢] قوله: (والحسن بن الصبَّاح) بتشديد الموحدة، البزَّار بفتح الموحدة وتشديد الزاي المعجمة وبعدها راء مهملة، أبو علي، الواسطي، ثم البغدادي، أحد أعلام السنة، روى عن: إسحاق الأزرق، ومعن بن عيسى، وغيرهما، وعنه: البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وقال: ليس بالقوي، وقال أحمد: ثقة، مات سنة (٢٤٩) تسع وأربعين ومئتين، كذا في ((الخلاصة)) وقال في ((التقريب)): صدوق، يهم، وكان عابدًا فاضلاً. انتهى، (وأحمد بن محمد بن موسى) أبو العباس السِّمسارُ المعروف بمردويه، ثقة، حافظ، من العاشرة، كذا في ((التقريب))، (قالوا: ثنا إسحاق بن يوسف الأزرق) المخزُومي الواسطي، ثقة، قيل لأحمد: أثقةٌ هو؟ قال: إي والله، (عن سفيان) هو: الثوري، (عن سليمان بن بريدة) بن الحُصيب الأسلميّ، المروزي، ثقة، وثقه ابن معين، وأبو حاتم، قال الحاكم: لم (١) الحاكم. حديث (٦٩٦)، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. ٤٨٩ أبواب الصلاة عن رسول الله رَّ ر بَابٌ مِنْهُ عَن أبِيهِ، قَالَ: أَتَّى النَّبِيَّ وَّهَ رَجُلٌ فَسَأَلُهُ عَن مَوَاقِيتِ الصَّلاةِ؟ فَقَالَ: ((أقِمْ مَعَنا إنْ شاءَ الله)) فَأَمَرَ بِلالًا فَأَقَامَ حِينَ طلعَ الفَجْرُ، ثُمَّ أمَرَهُ فَأَقَامَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ فَصَلَّى الظَّهْرَ، ثُمَّ أمَرَهُ فَأَقامَ فَصَلَّى العَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ مُرْتَفِعَةٌ، ثُمَّ أمَرَهُ بِالمَغْرِبِ حِينَ وَقَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ، ثُمَّ أمَرَهُ بِالعِشَاءِ فَأَقَامَ حينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ أمَرَهُ مِنَ الغَدِ فَتَوَّرَ بِالفَجْرِ، ثُمَّ أمَرَهُ بالُهْرِ فَأَبْرَدَ وَأَنْعَمَ أنْ يُبْرِدَ، ثُمَّ أمَرَهُ بِالعَصْرِ فَأَقَامَ وَالشَّمسُ آخِرَ وَقْتِها فَوْقَ مَا كَانَت، ثُمَّ أمَرَهُ فَأَخَرَ المَغْرِبَ إلَى قُبَيْلِ أنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ، ثُمَّ أمَرَهُ بِالعِشاءِ فَأَقامَ حينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، ثُمَّ قَالَ: ((أيْنَ السَّائِلُ عَن مَوَاقِيتِ الصَّلاةِ؟» يذكر سماعًا من أبيه، قال الخزرجي: حديثه عن أبيه في ((مسلم)) في عدة مواضع، (عن أبيه) هو: بريدة بن الحُصَيْبِ، بمهملتين مصغرًا، صحابي، أسلم قبل بدر، مات سنة (٦٣) ثلاث وستین . قوله: (فقال: أقم معنا، إن شاء الله) قال أبو الطيب السندي: كأنه للتبرُّك، وإلا فلم يعرف تقييد الأمر بمثل هذا الشرط، وفي رواية لمسلم: ((صلِّ مَعَنَا هذينٍ)) يعني: اليومين، (فأمرَ بلالًا، فأقام حين طلع الفجر) وفي رواية لمسلم: ((فأمرَ بلالًا، فأذن بغلسٍ، فصلَّى الصُّبح، فأمرَهُ فأقامَ حين زالت الشَّمسُ)) أي: عن حد الاستواء. وفي رواية لمسلم: ((حين زالت الشمس عن بطن السماء، فصلى العصر)) (والشمس بيضاء مرتفعة) أي: لم تختلط بها صفرة، أي: فصلى العصر في أول وقته، (ثم أمره بالمغرب، حين وقع حاجب الشمس) أي: طرفها الأعلى، كذا في ((مجمع البحار))، وفي رواية لمسلم: ((حين غابت الشمس))، (فنور بالفجر) من التنوير، أي: أسفر بصلاة الفجر، (فأبرد وأنعم أن يبرد) أي: أبرد بصلاة الظهر، وزاد، وبالغ في الإبراد، يقال: أحسنَ إليَّ فلانٌ وأنعمَ، أي: زاد في الإحسان وبالغ، قال الخطّابي: الإبراد: أن يتفيَّأ الأفياء، وينكسر وهجُ الحرِّ، فهو بردٌ بالنسبة إلى حر الظهيرة، (فأقام والشمس آخر وقتها فوق ما كانت) أي: فأقام العصر، والحالُ أن الشمس آخر وقتها في اليوم الثاني فوقَ الوقت الذي كانت الشمس فيه في اليوم الأول، والمعنى: أنه وَّه صلى صلاة العصر في اليوم الثاني، حيث صار ظلُّ الشيء مثليه، وقد كان صلَّاها في اليوم الأول، حين كان ظلُّ الشيء مثله، وفي رواية لمسلم: ((وصلَّى والشَّمسُ مرتفعة، أخَّرها فوق الذي كان)) قال القاري في ((المرقاة)): ((أخَّر)) بالتشديد، أي: أخَّر صلاة العصر في اليوم الثاني فوق التأخير الذي وجد في اليوم الأول، بأن أوقعها حين صار ظلُّ الشيء مثلَيْه؛ كما ٤٩٠ أبواب الصلاة عن رسول الله وَّ/ باب مَا جَاءَ فِي التَّغْلِيسِ بِالفَجْرِ فَقَالَ الرّجُلُ: أَنَا، ههُنَا حَاضِرٌ، فَقَالَ: ((مَوَاقِيتُ الصَّلاةِ كما بَيْنَ هذيْنٍ)). [م: ٦١٤، ن: ٥١٨، د: ٣٩٥، جه: ٦٦٧، حم: ١٩٢٣٤]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذَا حديثٌ حسنٌ غَرِيبٌ صحيحٌ. قَالَ: وَقَدْ رَوَاهُ شُعْبَةُ، عَن عِلْقَمَةَ بنِ مَرْئَدٍ أيضاً . ١١٦ - باب مَا جَاءَ في التَّغْلِيسِ بِالفَجْرِ [ت٢، م٢] [١٥٣] (١٥٣) حدثنا قُتَيْبَةُ، عَن مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، قَالَ: وَحَدَّثَنَا الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَن عَمْرَةَ، عَن عَائِشَةَ، قَالَت: إنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ وََّ لَيُصَلي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ، قَالَ الأَنْصَارِيُّ: فَيَمُرُّ النِّسَاءُ مُتَلَفِّفَاتٍ بِمُروطِهِنَّ مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الغَلَسِ بينته الروايات الأخر، يريد أن صلاة العصر كانت مؤخّرة عن الظهر؛ لأنها كانت مؤخرة عن وقتها. انتهى، (فقال الرجل: أنا هاهنا حاضر، فقال: مواقيت الصلاة كما بين هذين) الكاف زائدة، وفي رواية مسلم: ((وقتُ صلاتكُم بين ما رأيتُم)). قوله: (هذا حديث حسن غريب صحيح)؛ وأخرجه مسلم أيضًا . ١١٦ - باب مَا جَاءَ في التَّغْلِيسِ بِالفَجْرِ أي: أداء صلاة الفجر في الغلسِ، والغلسُ: ظلمة آخر الليل. [١٥٣] قوله: (ونا الأنصاري) هو: إسحاق بن موسى الأنصاري، والترمذي قد يقول: الأنصاريُّ، وقد يصرِّح باسمه، (نا معن) هو: ابن عيسى بن يحيى الأشجعي. قوله: (وإن كان) ((إنْ)) مخفَّفة من المثقلة، أي: إنه كان، (قال الأنصاري) أي: في روايته، (فتمر النساء متلففات) بالنصب على الحالية من التلفُّف بالفائين، (بمروطهن) المُرُوط: جمع مِرْطِ، بكسر ميم وسكون راء، وهو: كِسَاءٌ معلَّم من خزّ أو صوف أو غير ذلك؛ كذا قال الحافظ وغيره، أي: فتمرُّ النساء حال كونهن مغطيات رؤوسهن وأبدانهن بالأكسية، (ما يعرفن): على البناء للمفعول، وما نافية، أي: لا يعرفهن أحد، (من الغلس)، ((من)) تعليلية، أي: لأجل الغلس، قال الحافظ في ((فتح الباري)): قال الداوديُّ: معناه لا يعرفن أنساءٌ أم رجالٌ، لا يظهر للرائي إلَّا الأشباحُ خاصة، وقيل: لا يعرف أعيانهن، فلا ٤٩١ أبواب الصلاة عن رسول الله وَّهِ / باب مَا جَاءَ فِي التَّغْلِيسِ بِالفَجْرِ وَقَالَ قُتَيْبَةُ: مُتَلَفِّعَاتٍ. [خ: ٥٧٨، م: ٦٤٥، ن: ٥٤٥، جه: ٦٦٩، حم: ٢٣٥٧٦، طا: ٤، مي بنحوه: ١٢١٦ ] . قَالَ: وَفِي الْبَابِ عَنِ ابنِ عُمَرَ، وَأَنَسٍ، وَقَيْلَةَ بِنْتِ مَخرَمَةً. يفرق بين خديجة وزينب، وضعَّفه النوويُّ بأن المتلفِّفة في النهار لا تعرف عينها، فلا يبقى في الكلام فائدة. وتعقب: بأن المعرفة إنما تتعلَّق بالأعيان، فلو كان المرادُ الأوَّل لعبَّر بنفي العلم، وما ذكره من أن المتلففة بالنهار لا تعرفُ عينها، فيه نظر؛ لأن لكل امرأة هيئةً غيرَ هيئة الأخرى في الغالب، ولو كان بدنها مغطّى، وقال الباجي: هذا يدلُّ على أنهن كنَّ سافرات، إذ لو كنَّ منتقبات لمنع تغطية الوجه من معرفتهن لا الغلس، قال الحافظ: وفيه ما فيه؛ لأنه مبنيٌّ على الاشتباه الذي أشار إليه النووي، وأما إذا قلنا: إن لكل واحدة منهن هيئةً غالبًا، فلا يلزم ما ذكر. انتهى كلام الحافظ. وقال: ولا معارضة بين هذا وبين حديث أبي برزة، أنه كان ينصرفُ من الصَّلاة حينَ يعرفُ الرجلُ جليسه؛ لأن هذا إخبارٌ عن رؤية المتلفعة على بعدٍ، وذلك إخبارٌ عن رؤية الجلیس. انتهى. (وقال قتيبة) أي: في روايته، (متلفعات) من التلفُّع، قال الجزري في ((النهاية)) أي: متلففات بأكسيتهن، واللِّفاع: ثوب يجلل به الجسد كلَّه، كساء كان أو غيره، وتلفَّع بالثوب إذا اشتمل به. انتهى، وقال الحافظ في ((الفتح)): قال الأصمعيُّ: التلفَّع: أن تشتمل بالثوب حتَّى تجلل به جسدك، وفي ((شرح الموطأ)) لابن حبيب: التلفع لا يكون إلَّا بتغطية الرأس، والتلقُّف يكون بتغطية الرأس وكشفه. انتهى. قوله: (وفي الباب: عن ابن عمر، وأنس، وقيلة بنت مخرمة): أما حديث ابن عمر: فأخرجه ابن ماجه (١) ويأتي لفظه، وله حديث آخر، أخرجه أحمد(٢) عن أبي الربيع، قال: ((كنت مع ابن عمر، فقلت له: إنِّي أصلِّي معك، ثم ألتفتُ، فلا أرى وجه جَليسي، ثم أحيانًا تُسْفِرُ، فقال: كذلك رأيتُ رسولَ اللهِ وَله يصلِّي، وأحببتُ (١) ابن ماجه، كتاب الصلاة. حديث (٦٧١). (٢) أحمد. حديث (٦١٦٠). ٤٩٢ أبواب الصلاة عن رسول الله وَله / باب مَا جَاءَ فِي التَّغْلِيسِ بِالفَجْرِ قَالَ أبُو عِيْسَى: حَديثُ عَائِشَةَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. وَقَدْ رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ، عَن عُروَةَ، عَن عَائِشَةَ نَحْوَهُ. وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِن أهلِ العِلْمِ مِن أصحابِ النبيَِِّ، مِنْهُمْ: أَبُو بَكرٍ، وَعُمَرُ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ. وبهِ يقولُ الشَّافِعِيُّ، وَأحْمَدُ، وَإِسْحاقُ: يَسْتَحِبُّونَ التَّغْلِيسَ بِصَلاةِ الفَجْرِ . أن أصلِّيها، كما رأيتُ رسول الله وَل ◌َةٍ يُصلِّيها))، قال الشوكاني: في إسناده أبو الربيع، قال الدار قطني: مجهول. انتهى. وأما حديث أنس: فأخرجه البخاري(١) عنه؛ أن النبي وَلاقل وزيد بن ثابت تسخّرا، فلما فرغًا من سُحُورهما، قام نبيُّ الله وَلِّ إلى الصلاة، فقلنا لأنس: كم كان بين فراغهما من سُحورهما ودُخُولهما في الصلاة؟ قال: قدر ما يقرأ الرجل خمسينَ آیة . وأما حديث قيلة بنت مخرمة: فلينظر من أخرجه (٢). وفي الباب أيضًا عن جابر بن عبد الله، وأبي برزة الأسلمي، وأبي مسعود الأنصاري، أما حديث جابر بن عبد الله: فأخرجه الشيخان(٣) عن محمد بن عمرو بن الحسن بن علي، قال: سألنا جابر بن عبد الله، عن صلاة النبي ◌َله فقال: كان يصلي الظهر بالهاجرة، والعصر والشمسُ حية، والمغرب إذا وجبت، والعشاء: إذا كثر الناس عجّل وإذا قلوا أخر، والصبح بغلسٍٍ، وأما حديث أبي برزة: فأخرجه الشيخان (٤) أيضًا، وفيه: ((وكان ينفتلُ من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه))، وأما حديث أبي مسعود الأنصاري: فسيأتي تخريجه. قوله: (حديث عائشة حديث حسن صحيح)، أخرجه الجماعة. قوله: (وهو الذي اختاره غيرُ واحد من أهل العلم من أصحاب النبيِّ وَّر، منهم: أبو بكر، وعمر، ومَن بعدهم من التابعين، وبه يقول الشافعي، وأحمد، وإسحاق؛ يستحبون التغليس صلاة الفجر) وهو قول مالك، قال ابن قدامة في ((المغني)): وأما صلاة الصبح: فالتغليسُ بها أفضلُ؛ وبهذا قال مالك والشافعي وإسحاق، قال ابن عبد البر: صحَّ عن رسول الله وَلٍّ وعن (١) البخاري، كتاب مواقيت الصلاة. حديث (٥٧٦). (٢) أخرجه أبو داود الطيالسي (١٧٥٣)، وقال البوصيري في ((إتحاف المهرة)) (١٢٦/١): هذا إسناد رجاله ثقات. (٣) البخاري، كتاب الصلاة. حديث (٥٦٥)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة. حديث (٦٤٦) . . (٤) البخاري، كتاب مواقيت الصلاة. حديث (٥٤٧)، ومسلم، كتاب المساجد ومواقيت الصلاة. حديث (٦٤٧). ٤٩٣ أبواب الصلاة عن رسول الله وَليه / باب مَا جَاءَ فِي التَّغْلِيسِ بِالفَجْرِ أبي بكر وعمر وعثمان؛ أنهم كانوا يغلِّسونَ، ومحالٌ أن يتركوا الأفضلَ ويأتوا الدُّونَ، وهم النهاية في إتيان الفضائل. انتهى، واستدلَّوا بأحاديث الباب، قال الحازميُّ في ((كتاب الاعتبار)): تغليسُ النبيِّ وَِّ ثابتٌ وأنه داومَ عليه إلى أن فارق الدنيا، ولم يكن رسولُ اللهِ وَل يداومُ إلَّا على ما هو الأفضلُ؛ وكذلك أصحابه من بعده تأسيًا به وَّل، وروى بإسناده عن أبي مسعود، قال: صلَّى رسول الله وَّله الصُّبح مرةً بغلسٍ، ثم صلى مرة أخرى، فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس [حتى مات بعد أن كان يسفر] قال: هذا طرف من حديث طويل في ((شرح الأوقات))، وهو حديث ثابت مخرَّج في الصحيح بدون هذه الزيادة، وهذا إسناد رواته عن آخره ثقاتٌ، والزيادة عن الثقة مقبولةٌ، وقد ذهب أكثر أهل العلم: إلى هذا الحديث، ورأوا التَّغليسَ أفضلَ؛ روينا ذلك عن الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رعيته، وعن ابن مسعود وأبي موسى الأشعري وأبي مسعود الأنصاري، وعبد الله بن الزبير وعائشة وأم سلمة - رضوان الله عليهم أجمعين - ومن التابعين عمر بن عبد العزيز وعروة بن الزبير، وإليه ذهب مالك وأهل الحجاز والشافعي وأصحابه وأحمد وإسحاق. انتهى. قلت: حديثُ أبي مسعود الذي ذكره الحازميُّ بإسناده: أخرجه أيضًا أبو داود(١) وغيره، كذا قال الحافظ في ((الفتح))، وقال المنذري في ((تلخيص السنن)) والحديث أخرجه البخاريُّ ومسلم والنسائي وابن ماجه بنحوه، ولم يذكروا رؤيته لصلاة رسول الله وَطير، وهذه الزيادة في قصة الإسفار، رواتها عن آخرهم ثقات، والزيادة من الثقة مقبولةٌ. انتهى كلام المنذري، وقال الخطّابي: هو صحيح الإسناد، وقال ابن سيد الناس: إسناد حسن، وقال الشوكاني: رجاله في سنن أبي داود رجال الصحيح. فإن قلت: كيف يكون إسناد أبي مسعود المذكور صحيحًا أو حسنًا، وفيه أسامة بن زيد الليثي، وقد ضعَّفه غير واحد، قال أحمد: ليس بشيء، فراجعَهُ ابنه عبد الله، فقال: إذا تدبرت حديثه تعرف فيه النكرة، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال مرَّة: ترك حديثه بآخره، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يحتجُّ به، كذا في ((الميزان)). (١) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٣٩٤). وأخرجه أيضًا البخاري، كتاب مواقيت الصلاة. حديث (٥٢٢)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة. حديث (٦١٠)، والنسائي، كتاب المواقيت. حديث (٤٩٤)، وابن ماجه، كتاب الصلاة. حديث (٦٦٨). ٤٩٤ أبواب الصلاة عن رسول الله وَله / باب مَا جَاءَ فِي التَّغْلِيسِ بِالفَجْرِ ولو سلِّم: أنه ثقة، فزيادته المذكورة شاذة غير مقبولة؛ فإنَّه قد تفرد بها، والحديثُ رواه غير واحد من أصحاب الزهري، ولم يذكروا هذه الزيادة غيره، والثقة إذا خالف الثقات في الزيادة، فزيادته لا تقبلُ وتكون غيرَ محفوظة. قلت: أسامة بن زيد الليثيُّ - وإن تُكُلِّم فيه، لكن الحقَّ أنه ثقةٌ صالحٌ للاحتجاج، قال إمام هذا الشأن يحيى بن معين: ثقة، حجة، وقال ابن عدي: لا بأس به، كذا في ((الميزان))، ولذلك ذكره الحافظ الذهبي في كتابه ((ذكر أسماء من تُكلِّم فيه، وهو موثَّق))، حيث قال فيه: أسامة بن زيد الليثي، لا العدوي، صدوقٌ، قويُّ الحديث، أكثر مسلمٌ إخراج حديث ابن وهبٍ [عنه]، ولكن أكثرها شواهد أو متابعاتٌ، والظاهر: أنه ثقة، وقال النسائي وغيره: ليس بالقوي. انتهى، وأما قولُ أحمد: إذا تدبَّرْتَ حديثه تعرف فيه النكرة، فالظاهر: أنه ليس مرادُهُ الإطلاق، بل أراد حديثه الذي روي عن نافع، ففي ((الجوهر النقي)) قال أحمد بن حنبل: روى عن نافع أحاديثَ مناكير، فقال له ابنه عبد الله: وهو حسن الحديث. فقال أحمد: إن تدبرتَ حديثه، فستعرف فيه النكرة، على أن قول أحمد في رجل ((روى مناكير)) لا يستلزمُ ضعفهُ، فقد قال في محمد بن إبراهيم بن الحارث التميمي: في حديثه شيء، يروي أحاديث مناكير، وقد احتجَّ به الجماعة! وكذا قال في بريد بن عبد الله بن أبي بردة: ((روى مناكير))، وقد احتجَّ به الأئمة كلهم؛ كذا في ((مقدمة فتح الباري))، وأما قول يحيى القطّان: ((ترك حديثه بآخره)) فغير قادح؛ فإنه متعنِّت جدًّا في الرجال، كما صرح به الذهبيُّ في ((الميزان)) في ترجمة سفيان بن عيينة، وقال الحافظ الزيلعي في ((نصب الراية)) ص ٤٣٧ ج ١ في توثيق معاوية بن صالح: احتجَّ به مسلم في ((صحيحه))، وكون يحيى بن سعيد لا يرضاهُ غيرُ قادح، فإن يحيى شرطه شديدٌ في الرجال. انتهى، أما قول أبي حاتم: ((لا يحتجُّ به)) من غير بيان السبب، فغير قادح أيضًا، قال الحافظ الزيلعيُّ في ((نصب الراية)) في توثيق معاوية بن صالح: وقول أبي حاتم: ((لا يحتجُّ به)) غير قادح؛ فإنه لم يذكر السبب، وقد تكررت هذه اللفظة منه في رجال كثيرين من أصحاب الصحيح الثقات الأثبات، من غير بيان السبب، كخالد الحذاء وغيره. انتهى كلام الزيلعي، وأما قول النسائي: ((ليس بالقوي)) فغير قادح أيضًا، فإنه مجملٌ، مع أنه متعنِّت، وتعنته مشهور، فالحق: أن أسامة بن زيد الليثي ثقة، صالح للاحتجاج، وزيادته المذكورة مقبولةٌ؛ كما صرَّح به الحافظ الحازميُّ وغيره، فإنها ليست منافيةً لرواية غيره من الثقات الذين لم يذكروها، وزيادة الثقة إنما تكون شاذّة، إذا ٤٩٥ أبواب الصلاة عن رسول الله وَّ / باب مَا جَاءَ فِي التَّغْلِيسِ بِالفَجْرِ كانت منافية لرواية غيره من الثقات، وقد حققناه في كتابنا ((أبكار المنن في نقد آثار السنن)) في باب وضع اليدين على الصَّدر، وقال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)): وقد وجدتُ ما يعضدُ رواية أسامة بن زيد، ويزيدُ عليها: أن البيان من فعلٍ جبريلَ؛ وذلك فيما رواه الباغنديُّ في ((مسند عمر بن عبد العزيز))، والبيهقي (١) في ((السنن الكبرى)) من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، عن أبي بكر بن حزم، أنه بلغه عن أبي مسعود، فذكره منقطعًا، لكن رواه الطبراني(٢) من وجه آخر عن أبي بكر عن عروة؛ فرجع الحديث إلى عروة، ووضح أن له أصلًا، وأن في رواية مالك ومن تابعه اختصارًا، وبذلك جزم ابن عبد البر، وليس في رواية مالك ومن تابعه ما ينفي الزيادة المذكورة، فلا توصفُ - والحالة هذه - بالشذوذ. انتهى كلام الحافظ . قلت: ويؤيِّد زيادة أسامة بن زيد المذكورة: ما رواه ابن ماجه(٣)، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقيُّ، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا الأوزاعي، ثنا نَهيكُ بن يَرِيم الأوزاعي، ثنا مغيثُ بن سُمَيٍّ، قال: صلَّتُ مع عبد الله بن الزبير الصُّبح بغلَس، فلما سلم أقبلت على ابن عمر، فقلت: ما هذه الصلاة؟ قال: هذه صلاتنا، كانت مع رسول الله وَلِ ◌ّم وأبي بكر وعمر، فلما طعن عمر أسفر بها عثمان، وإسناده صحيح، ورواه الطحاوي (1) أيضًا، قال في ((شرح الآثار)): حدَّثنا سليمان بن شُعيب، قال: ثنا بشر بن بكر، قال: حدثني الأوزاعي، ح وحدَّثنا فهد، قال: ثنا محمد بن كثير، قال: ثنا الأوزاعي، بإسناد ابن ماجه بنحوه، وإذا عرفت هذا كله: ظهر لك أن حديث أسامة بن زيد المذكور صحيحٌ، وزيادته المذكورة مقبولةٌ. (١) الباغندي في مسند ((عمر بن عبد العزيز)). حديث (٤٥)، والبيهقي في ((الكبرى)). حديث (١٥٧٥). (٢) الطبراني في)) الكبير)) (٢٦٠/١٧). حديث (٧١٨). (٣) ابن ماجه، كتاب الصلاة. حديث (٦٧١). (٤) الطحاوي في ((معاني الآثار)). (٩٦٤). ٤٩٦ أبواب الصلاة عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي الإسْفَارِ بِالفَجْرِ ١١٧ - باب مَا جَاءَ في الإسْفَارِ بِالفَجْرِ [ت٣، م٣] [١٥٤] (١٥٤) حدثنا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ - هُوَ ابنُ سُلَيْمانَ - عَن مُحَمَّدٍ بنِ إِسْحَاقَ، عَن عَاصِم بْنِ عُمَرَ بنِ قَتَادَةَ، عَن محمودِ بنِ لبِيدٍ، عَن رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((أسْفِرُوا بِالفَجْرِ، فَإِنَّهُ أعْظَمُ لِلأجْرِ)). (ن: ٥٤٨، د: ٤٢٤، جه: ٦٧٢، حم: ١٦٨٢٨، مي: ١٢١٧]. قَالَ: وفي البابِ عَن أبي بَرْزَةَ الأسْلَمِيّ، وَجَابٍ، وَبِلالٍ. ١١٧ - باب مَا جَاءَ في الإسْفارِ بِالفَجْرِ [١٥٤] قوله: (عن عاصم بن عمر بن قتادة) الأوسي، الأنصاري، المدني، ثقة عالم بالمغازي، من الرابعة، مات بعد العشرين ومئة، وهو من رجال الكتب الستة، (عن محمود بن لبيد) بن عقبة بن رافع، الأوسي، الأشهلي، المدني، صحابي صغير، جُلُّ روايته عن الصحابة، مات سنة (٩٦) ست وتسعين، وقيل: سبع، وله تسع وتسعون سنة. قوله: (أسفروا بالفجر) أي: صلُّوا صلاة الفجر، إذا أضاء الفجر وأشرق، قال الجزري في ((النهاية)): أسفر الصبح إذا انكشف وأضاء، وقال في ((القاموس)): سفر الصبح يسفرُ: أضاء وأشرق كـ ((أسفرَ)) انتهى. (فإنه) أي: الإسفار بالفجر. قوله: (وفي الباب: عن أبي برزة، وجابر) (١): لم أقف على من أخرج حديثهما في الإسفار، وقد أخرج الشيخان عنهما التَّغليسَ، قال الحافظ في ((الدراية)): وعن جابر (٢) وأبي برزة(٣)؛ ((أن النبيَّ ◌َّليل كان يصلِّي الصبح بغلسٍ)) متفق عليهما. (وبلال) أخرج حديثه البزَّار في ((مسنده)) بنحو حديث رافع بن خديج، وفي سنده أيوب بن سيار، وهو ضعيف، قال البخاري فيه: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث، وذكر الحافظ الزيلعيُّ سنذه بتمامه في ((نصب الراية)). (١) حديث جابر أخرجه البزار في مسنده. حديث (١٢١٤ - زخار)، والطبراني في ((الكبير)) (١٠١٦، ١٠٦٧)، والطحاوي في ((معاني الآثار)) (٩٨١)، وقال الهيثمي (٣١٥/١): وفيه أيوب بن سيار وهو ضعيف. (٢) البخاري، كتاب مواقيت الصلاة. حديث (٥٦٥)، ومسلم، كتاب المساجد. حديث (٦٤٦). (٣) البخاري، كتاب مواقيت الصلاة. حديث (٥٤٧)، ومسلم، كتاب المساجد. حديث (٦٤٧) ٤٩٧ أبواب الصلاة عن رسول الله وَّوَ / باب مَا جَاءَ فِي الإِسْفَارِ بِالفَجْرِ قَالَ: وقَدْ رَوَى شُعْبَةُ وَالثَّوْرِيُّ هَذَا الحَدِيثَ عَنِ محمدِ بْنِ إِسْحَاقَ. قَالَ: وَرَوَاهُ محمدُ بْنُ عَجْلانَ أيْضاً عَن عَاصِمٍ بِنِ عُمَرَ بنِ قَتَادَةً. قَالَ أَبُو عِيْسَى: حَديثُ رَافِعٍ بن خَديجٍ: حَديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. وَقَدْ رأى غَيْرُ ٠١ وَاحدٍ مِن أهلِ العِلْمِ مِن أصحَاب النَّبِيِّ وَهُ وَ التَّابِعِينَ الإسْفَارَ بصلاةِ الفَجْرِ. وبهِ يقولُ سُفْيَانُ الثّوْرِيُّ. وفي الباب أيضًا عن محمود بن لبيد (١)، وأبي هريرة(٢)، وأنس بن مالك(٣) وبلال (٤)، وغيرهم(6) ه، ذكر أحاديث هؤلاء الحافظ الهيثميُّ في ((مجمع الزوائد)) مع الكلام عليها، وعامة هذه الأحاديث ضعافٌ. قوله: (وقد روى شعبة والثوريُّ هذا الحديث عن محمد بن إسحاق)، فتابعا عبدة، (ورواه محمد بن عجلان أيضًا عن عاصم بن عمر بن قتادة)، فتابع محمَّد بن عجلان محمَّدُ بن إسحاق، فلا تقدح عنعنته في صحة الحديث. قوله: (حديث رافع بن خديج: حديث حسن صحيح)، قال الحافظ في ((فتح الباري)) رواه أصحاب السُّنن، وصححه غیر واحد. قوله: (وقد رأى غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبيِّ ◌َّ﴿ والتابعين الإسفار بصلاة الفجر؛ وبه يقول سفيان الثوري)، وهو قول الحنفية، واستدلَّوا بأحاديث الباب، (١) أحمد. حديث (٢٣١٢٤)، وقال الهيثمي (٣١٥/١): وفيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف. (٢) البزار (١٩٣/١- كشف). حديث (٣٨١)، والطبراني في «الأوسط)). حديث (٣٦١٨)، وقال الهيثمي (٣١٥/١): وفيه حفص بن سليمان؛ ضعفه ابن معين، والبخاري وأبو حاتم، وابن حبان، وقال ابن خراش: كان يضع الحديث، ووثقه أحمد في رواية وضعفه في أخرى. (٣) البزار. حديث (٣٨٢) (١٩٤/١ - كشف)، وقال الهيثمي (٣١٥/١): وفيه يزيد بن عبد الملك النوفلي؛ ضعفه أحمد، والبخاري، والنسائي، وابن عدي، ووثقه ابن معين في رواية وضعفه في أخرى .* (٤) البزار (١٢١٤ - زخار). (٥) كعبد الله بن مسعود. أخرجه الطبراني في «الكبير» (١٠٣٨١)، وقال الهيثمي (٣١٦/١): وفيه معلى بن عبد الرحمن الواسطي؛ قال الدارقطني: كذاب، وضعفه الناس. وحواء: أخرجه الطبراني في «الكبير» (٢٢٢/٢٤). حديث (٥٦٣)، وقال الهيثمي (٣١٦/١): وفيه إسحاق بن إبراهيم الحنيني؛ ضعفه النسائي وغيره، وذكره ابن حبان في الثقات. ٤٩٨ أبواب الصلاة عن رسول الله وَ ◌ّر / باب مَا جَاءَ فِي الإِسْفَارِ بِالفَجْرِ واستدلَّ لهم أيضًا بحديث عبد الله بن مسعود، قال: ما رأيت النبيَّ وَّهِ صلَّى صلاة لغير ميقاتها إلَّا صلاتين: جمعَ بين المغرب والعشاء، وصلى الفجر قبل ميقاتها)) رواه الشيخان(١)، قال ابن التركماني في ((الجوهر النقي)): معناه: قبل وقتها المعتاد؛ إذ فعلها قبل طلوع الفجر غير جائز؛ فدل على أن تأخيرها كان معتادًا للنبي وََّ، وأنه عجَّل بها يومئذٍ قبل وقتها المعتاد. انتهى. وفيه: أن هذا الحديث إنَّما يدل على أنه وَّ قام بصلاة الفجر في مزدلفة خلاف عادته أوَّل ما بَزَغَ الفجرُ، بحيث يقول قائل: طلع الفجر، وقال قائل: لم يطلع، وهذا لا يثبت منه البتة أن القيام لصلاة الفجر بعد الغَلَسٍ في الإسفار كان معتادًا للنبي ◌ََّ، قال الحافظ في ((فتح الباري)): لا حجة فيه لمن منع التغليس بصلاة الصبح؛ لأنه ثبت عن عائشة وغيرها - كما تقدم في ((المواقيت)) - التغليس بها، بل المراد هنا: أنه كان إذا أتاه المؤذن بطلوع الفجر، صلى ركعتي الفجر في بيته، ثم يخرج فيصلي الصبح مع ذلك بغلس، وأما بمزدلفة: فكان الناسُ مجتمعين، والفجر نُصب أعينهم، فبادر بالصلاة أول ما بزغ حتى إن بعضهم كان لم يتبيَّن له طلوعه، وهو بيِّن في رواية إسماعيل، حيث قال: ((ثم صلى الفجر حين طلع الفجر، وقائل يقول: لم يطلع)). انتهى كلام الحافظ، فالاستدلال بحديث عبد الله بن مسعود هذا على استحباب الإسفار بصلاة الفجر ليس بشيء. وأجيب من قِبَلٍ من قال باستحباب الإسفار عن أحاديث التغليس بأجوبة كلها مخدوشة . فمنها: أن التغليس كان في ابتداء الإسلام، ثم نسخ. وفيه: هذا مجرَّد دعوى لا دليل عليها، وقد ثبت تغليسُهُ وَّه بصلاة الفجر إلى وفاته؛ كما تقدَّم، قال بعضهم - بعد ذكر هذا الجواب -: فيه أنه نسخ اجتهاديّ، مع ثبوت حديث الغَلس إلى وفاته وَله . ومنها: أن الإسفار كان معتادًا للنبيِّ نَّه وتمسّكوا في ذلك بحديث عبد الله بن مسعود المذكور. وفيه: أن القول بأن الإسفار كان معتادًا له وَلّ؛ باطلٌ جدًّا؛ بل معتاده وَّ كان هو (١) البخاري، كتاب الحج. حديث (١٦٨٢)، ومسلم، كتاب الحج. حديث (١٢٨٩). ٤٩٩ أبواب الصلاة عن رسول الله وَلايزر / باب مَا جَاءَ فِي الإسْفَارِ بِالفَجْرِ وَقَالَ الشافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ: مَعْنَى الإِسْفَار: أنْ يَضِحَ الفَجْرُ فَلا يُشَكَّ فِيهِ، وَلَمْ يَرَوْا أنَّ مَعْنَى الإسْفَارِ تَأْخِيرُ الصَّلاةِ. التغليسَ، كما يدل عليه حديث عائشة وحديث أبي مسعود وغيرهما، وأما التمسُّك بحديث ابن مسعود المذكور؛ فقد عرفت ما فيه. ومنها: أن التغليسَ لو كان مستحبًّا لما اجتمع الصحابةُ ﴿ه على الإسفار، وقد روى الطحاويُّ عن إبراهيم النخعيِّ، قال: ما اجتمع أصحابُ رسولِ اللهِ وَّيِ على شيء ما اجتمعوا على التَّنوير. وفيه: أن دعوى إجماع الصحابة على الإسفار باطلةٌ جدًّا، كيف: وقد قال الترمذيُّ في (باب التغليس)): وهو الذي اختاره غير واحد من أصحاب النبي وَ ﴾، منهم: أبو بكر، وعمر، إلخ، وقال الحافظ ابن عبد البر: صح عن رسول الله وَ ل﴿ وأبي بكر وعمر وعثمان، أنهم كانوا يغلِّسون؛ كما عرفت في كلام ابن قدامة، وروى الطحاوي في ((شرح الآثار))(١) ص ١٠٤ عن جابر بن عبد الله، قال: كانوا يصلُّون الصبح بغلس، وروى(٢) عن المهاجر، أن عمر بن الخطاب كتبَ إلى أبي موسى، أن صل الصبح بسوادٍ، أو قال: بغلس، وأطل القراءة، ثم قال الطحاوي: أفلا تراه يأمرهم أن يكون دخولهم فيها بغلسٍ، وأن يطيلوا القراءة، فكذلك عندنا: أراد منه أن يدركوا الإسفار، فكذلك كل من روينا عنه في هذا شيئًا سوى عمر قد كان ذهب إلى هذا المذهب أيضًا، ثم ذكر أثر أبي بكر في تغليسه في صلاة الفجر وتطويله القراءة فيها، ثم قال: فهذا أبو بكر الصديق ظُه قد دَخَلَ فيها في وقت غير الإسفار، ثم مد القراءة فيها حتى خيف عليه طلوع الشمس، وهذا بحضرة أصحاب رسول الله وَّر، وبقربٍ عهدهم من رسول الله وَ ليّ وبفعله لا ينكر ذلك عليه مُنكر، فذلك دليل على متابعتهم له، ثم فعل ذلك عمر من بعده؛ فلم ينكره عليه من حضره منهم. انتهى. فلما عرفت هذا كله: ظهر لك ضعفُ قول إبراهيم النخعيِّ المذكور. (وقال الشافعي وأحمد وإسحاق: معنى الإسفار: أن يَضِحَ الفجرُ، فلا يشك فيه، ولم يروا أن معنى الإسفار تأخير الصلاة) يقال: وضح الفجر يَضحُ إذا أضاء؛ قاله الحافظ في ((التلخيص))، قال ابن الأثير في ((النهاية)): قالوا: يحتمل أنهم حين أمرهم بتغليس صلاةٍ (١) الطحاوي في ((معاني الآثار)). حديث (٩٦٦). (٢) أي: الطحاوي في ((معاني الآثار)). حديث (٩٩٦). ٥٠٠ أبواب الصلاة عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاءَ فِي الإِسْفَارِ بِالفَجْرِ الفجر في أول وقتها كانوا يصلُّونها عند الفجر الأول؛ حرصًا ورغبةً، فقال: أسفروا بها، أي: أخروها إلى أن يطلع الفجر الثاني وتَتَحقَّقُوه ويقوِّي ذلك؛ أنه قال لبلالٍ: ((نوِّر بِالفَجرِ قَدْرَ ما يُبْصِرُ القومُ مواقعَ نَبْلِهِمْ)). انتهى. قلت: هذا جوابُ الشافعيِّ وغيرهِ عن حديث الإسفارِ . وفيه نظر؛ قال ابن الهُمام: تأويل الإسفار بتيقُّن الفجر حتى لا يكون شك في طلوعه ليس بشيء؛ إذا ما لم يتبيَّن، لم يُحكم بصحة الصلاة فضلًا عن إثابة الأجر، على أن في بعض رواياته ما ينفيه، وهو: ((أسفرُوا بالفجرِ، فكُلَّما أسفرتُم فهو أعظمُ للأجرِ)). انتهى، وقال الحافظ في ((الدراية)): في هذا التأويل نظرٌ؛ فقد أخرج الطبرانيُّ وابن عديٌّ(١) من رواية هُرمز بن عبد الرحمن؛ سمعت جدي رافعَ بن خديجٍ يقولُ: قَالَ رَسولُ اللهِ وَلَهْ لِبِلَالٍ: ((يا بلالُ، نوِّر بصلاةِ الصُّبْحِ حتى يُبْصِرَ القومُ مواقعَ نبَلَهِم من الإسفارِ)). انتهى. وقد ذكر الزيلعي روايات أخرى تدلُّ عَلى نفي هذا التأويل. وقيل: إن الأمر بالإسفار خاصٌّ في الليالي المُقمرة؛ لأن أول الصبح لا يتبَّين فيها، فأمروا بالإسفار، احتياطًا، كذا في ((النهاية)). وحمله بعضُهُم على الليالي المعتمة. وحمله بعضهم على الليالي القصيرة، لإدراك النوام الصلاة، قال معاذ: ((بَعَثَنِي رسولُ اللهِ وَ﴿ إلى اليمن، فقال: إذا كان في الشِّتَاءِ، فغلِّس بالفجرِ، وأطلِ القراءةَ قدْرَ ما يطيقُ النَّاسُ ولا تملَّهُم، وإذا كان في الصَّيْفِ، فأسفر بالفجْرٍ؛ فإنَّ اللَّيلَ قصيرٌ، والنَّاس نيامٌ، فأمهلهُم حتَّى يدركُوا))، كذا نقله القاري في ((المرقاة)) عن ((شرح السنة)). قلت: ورواه بقُّ بن مخلدٍ. قلت: أسلمُ الأجوبةِ وأولاها: ما قال الحافظ ابن القيم في ((إعلام الموقعين)) - بعد ذكر حديث رافع بن خديج - ما لفظه: وهذا بعد ثبوته: إنما المرادُ به: الإسفار دوامًا لا ابتداء، فيدخل فيها مغلِّسًا، ويخرج منها مُسفرًا، كما كان يفعله وَّر، فقوله موافقٌ لفعله لا مناقضُ له، وكيف يظنُّ به المواظبة على فعلِ ما الأجرُ الأعظمُ في خلافه. انتهى كلام ابن القيم، (١) الطبراني في ((الكبير)). حديث (٤٤١٤)، وابن عَدي في ((الكامل)) (١٦١/٣). قال الهيثمي (٣١٦/١): وفيهما ((هرير)) بدل ((هرمز))، قال الهيثمي (١ / ٣١٦): وفيه هرير بن عبد الرحمن بن رافع بن خديج، وقد ذكرهما ابن أبي حاتم، ولم يذكر في أحد منهما جرحًا ولا تعديلًا.