Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ أبواب الطهارة عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاءَ فِي الوُضُوء مِن لُحُومِ الإبلِ حضير في طريقه: الحَجَّاجُ بن أرطاةَ، قال الإمام أحمد، والدارقطني: لا يحتجُّ به، وحديث عبد الله بن عمرو رواه ابن ماجه(١) من رواية عطاء بن السائب؛ وقد قيل: عطاء اختلط في آخر عمره، قال أحمد: مَن سَمِعَ منه قديمًا، فهو صحيح، ومن سمع منه حديثًا، لم يكن بشيء. انتھی. قلت: روى هذا الحديث عن عطاء بن السائب: خالد بن يزيد بن عمر الفزاري؛ وهو ممن رَوَوا عنه بعد اختلاطه. قال الحافظ في ((مقدمة الفتح)): تحصَّل لي من مجموع كلام الأئمة: أن رواية شعبة، وسفيان الثوري، وزهير بن معاوية، وزائدة، وأيوب، وحماد بن زيد، عنه قبل الاختلاط، وأن جميع من روى عنه غير هؤلاء، فحديثه ضعيف؛ لأنه بعد اختلاطه، إلَّ حمَّاد بن سَلَمَة؛ فاختلف قولهم فيه. انتهى. قلت: وأيضًا في سند حديث عبد الله بن عمرو: ((بَقيَّة)) المدلِّس، وهو رواه عن خالد بن يزيد بالعنعنة، فقولُ صاحب ((بذل المجهود)): كذلك يستحبُّ له إذا أكل لحمَ الجَزُورِ أن يَغْسلَ يده وفمه ... إلخ؛ ليس مما يصغى إليه. تنبيه آخر: قال صاحب ((بذل المجهود)): ولما كان لحومُ الإبل داخلةً فيما مَسَّتِ النار، وكان فردًا من أفرادِهِ، ونسخ وجوب الوضوء عنه بجميع أفرادها. يعني: بحديث جابر أنه قال: كانَ آخرُ الأمْرَينِ من رَسُولِ اللهِ وَّهِ تَركَ الوضُوءِ ممَّا مَسَّت النَّار؛ استلزم نسخ الوجوب عن هذا الفرد أيضًا. انتهى. قلت: من قال بانتقاض الوضوءٍ من أكل لحوم الإبل؛ قال: الموجب للوضوء، إنما هو أكل لحوم الإبل من جهة كونها لحوم الإبل، لا من جهة كونها مما مسَّت النار؛ ولذلك يقولون بوجوب الوضوء من أكل لحم الإبل مطلقًا، مطبوخًا كان أو نيئًا أو قديدًا؛ فنسخ وجوب الوضوء مما مسَّتِ النار بحديث جابر المذكور، لا يستلزمُ نسخ وجوب الوضوء من أكل لحوم الإبل؛ فإن لحوم الإبل من جهة كونها لحوم الإبل، ليست فردًا من أفراد مما مسَّت النار البتة، وقد أوضحه ابن قدامة، كما عرفتَ. قال الحافظ ابن القيم. وأما مَن يجعل لحوم الإبل هو الموجبَ للوضوء، سواءٌ مسته (١) ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها. حديث (٤٩٧). ٢٨٢ أبواب الطهارة عن رسول الله وَلٍ / باب مَا جَاءَ فِي الوُضُوءُ مِن لُحُومِ الإبلِ قَالَ: وَفِي الْبَابِ عَن جَابِرِ بْنِ سَمُرَةً، وَأُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرِ. قَالَ أبُو عِيْسَى: وَقَدْ رَوَى الحَجَّاجُ بنُ أرطَاةَ هَذَا الحَدِيثَ عَنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عبْدِ الله، عَن عَبْد الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى، عن أسَيْدٍ بن حُضَيْر، والصحيح حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى، عَن البراءِ بْنِ عَازِبٍ، وَهُوَ قَوْلُ أحْمَدَ، النار أو لم تمسه، فيوجبُ الوضوء من نيئه ومطبوخه وقديده، فكيف يحتجُّ عليه بهذا الحديث. انتهى. فقولُ صاحب ((بذل المجهود)): ((ولما كان لحومُ الإبلِ داخلة فيما مسَّت النار، وكان فردًا من أفراده ... )) إلخ؛ مبنيٌّ على عدم تدبُّره. قوله: (وفي البابِ: عن جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ، وأَسَيْد بنِ حُضَير): أما حديث جابر بن سمرة: فأخرجه مسلم في ((صحيحه)) (١) عنه بلفظ: ((أن رجلًا سألَ رَسُولَ اللهِ وَّيِ: أَنَتوضَّأ من لحُومِ الغَنَم؟ قالَ: إِن شِئتَ فتوضَّأ، وإن شئتَ فَلا تَتَوَضَّأ، قَالَ: أنَتَوضَّأ من لُحُومِ الإِبِلِ؟ قال: نَعَمْ، فَتَوضَّأ من لُحُوم الإِبِلِ .... )) الحديث. وأما حديثَ أُسَيْد بن حُضَير: ((وَتَوَضَّؤوا)): فأخرجه ابن ماجه عنه مرفوعًا، بلفظ: ((لا تَوَضَّؤُوا من ألبانِ الغنمِ وتَوَضَّؤوا من ألبانِ الإبِلِ». وفي الباب أيضًا عن ذي الغُرَّة؛ أخرجه عبد الله بن أحمد(٢) في ((مسند أبيه))، وعن عبد الله بن عمر؛ أخرجه ابن ماجه(٣). وقوله: (وقد رَوَى الحَجَّاجُ بنُ أَرْطاةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلَى، عَن أُسَيْدِ بنِ حُضَير)، فخالف الحجّاج بن أرطاة الأعمشَ، فإنَّه قال: ((عن البراء بن عازب))، وقال الحجاج: ((عَن أُسَيْد بن محُضَيْر)) وحديث الحجاج بن أرطاة أخرجه ابن ماجه، (والصحيح: حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب)؛ فإن الأعمش الراوي عن عبد الله بن عبد الله أوثقُ وأحفظُ من الحجّاج. قال الحافظ في ((التلخيص)): قال ابن خُزَيمَة في ((صحيحه)): لم أرَ خلافًا بين علماء الحديث أن هذا الخبر - أي: حديث البراء - صحيحٌ من جهة النقل؛ لعدالة ناقليه، وذكر (١) مسلم، كتاب الحيض. حديث (٣٦٠). (٢) عبد الله بن أحمد في ((زوائد المسند)). حديث (١٦١٩٣). (٣) تقدم ص٢٨٠. ٢٨٣ أبواب الطهارة عن رسول الله وَّهِ / باب مَا جَاءَ فِي الوُضُوء مِن لُحُومِ الإبلِ وإِسْحاقَ، وَرَوَى عُبَيْدَةُ الضّبِّيُّ، عَن عبد الله بن عبد الله الرازِيِّ، عَن عبد الرحمن بن أبي لَيْلَى، عَن ذي الغُرَّةِ الجُهَنِيِّ. وَرَوَى حَمَّادُ بْنِ سَلَمَ هَذَا الحَدِيثَ عَنِ الحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاة، فَأَخْطَأَ فِيهِ، وَقَالَ فِيهِ: عَن عَبْدِ الله بْنِ عَبْدِ الرَّحمن بنِ أبِي لَيْلَى، عَن أبيهَ، عَن أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْر. وَالصَّحِيحُ عَن عَبْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ اللهِ الرَّازِيِّ، عَن عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ أبِي لَيْلَى، عَنِ البَرَاءِ بنِ عازِبٍ. قَالَ إِسْحاقُ: صَحَّ فِي هَذَا البَابِ حَديثَانِ عَنِ رَسُولِ اللهِ وََّ: حَدِيثُ الْبَرَاءِ، وَحَدِيثُ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ. وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ الترمذيُّ الخلاف فيه على ابن أبي ليلى، هل هو عن البراء، أو عن ذي الغرة، أو عن أُسَيْد بن حُضير، وصحّح أنه عن البراء؛ وكذا ذكره ابن أبي حاتم في ((العلل)) عن أبيه. انتهى. (وروى عُبيدة) بضم العين وفتح الموحّدة، ابن المُعَنِّب، بكسر المثناة الثقيلة بعدها موحدة، (الضبي)، أبو عبد الرحيم الكوفي الضرير، ضعيف، واختلط بأخرةٍ، ما له في البخاري سوى موضع واحد في ((الأضاحي)) كذا في ((التقريب))، وقال في ((الخلاصة)): قال ابن عديٍّ: مع ضعفه يكتب حديثه، علَّق له البخاري فَرْدَ حديث، (عن عبد الله بن عبد الله الرازي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن ذى القُرة) أخرج حديثَ عُبيدة هذا: عبد الله بن أحمد في ((مسند أبيه)) (١)، ومداره على مُبيدةَ الضبي، وهو ضعيف؛ كما عرفتَ. (وروى حماد بن سلمة هذا الحديث عن الحجّاج بن أرطاة، فأخطأ فيه)، وخطؤُهُ في مقامين، (وقال: عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه) هذا هو خطؤه الأول، والصحيح، ((عن عبد الله بن عبد الله، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى))، (عن أسيد بن حضير) هذا هو خطؤه الثاني، والصحيح: ((عن البراء بن عازب))، (قال إسحاق: أصحُّ ما في هذا الباب)، أي: في باب الوضوء من لحوم الإبل: (حديثان عن رسول الله وَلاير: حديث البراء) أي: الذي أخرجه الترمذي في هذا الباب، وأخرجه أيضًا أبو داود، وابن ماجه، وابن حبّان، وابن الجارود (٢)، وابن خزيمة. (وجابر بن سمرة) أخرجه مسلم (٢)، وتقدم لفظه. (١) عبد الله بن أحمد في ((زوائد المسند)). حديث (١٦١٩٣). (٢) ابن حبان. حديث (١١٢٨)، وابن الجارود في ((المنتقى)). حديث (٢٦). (٣) مسلم، كتاب الحيض. حديث (٣٦٠). ٢٨٤ أبواب الطهارة عن رسول الله وَ﴿ / باب الوُضُوءِ مِن مَسِّ الذَّكَرِ وَإِسْحَاقَ، وَقَدْ رُوِيَ عَن بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ مِنَ التَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ: أنَّهُمْ لَمْ يَرَوُا الوُضُوءَ مِن لُحُومِ الإِبِلِ، وَهُوَ قَوْلُ سفيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأهْلِ الكُوفَةِ. ٦١ - باب الوُضُوءِ مِن مَسِّ الذَّكَرِ [ت٦١، م٦١] [٨٢] (٨٢) حدثنا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُور قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعيدِ القَطَّانُ، عَن هِشَام بنِ عُرْوَةَ قَالَ: أخْبَرَني أبِي، عَنِ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ، أنَّ النَّبِيَّ وَِّهِ قَالَ: ((مَن مَسَّ ذَكَرَهُ فَلا يُصلِّ حَتَّى يَتَوَضَّأ)). [ن: ٤٤٧، حم: ٢٦٧٥١، مي بنحوه: ٧٢٤]. قَالَ: وَفِي البَابِ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ، وَأَبِي أيُّوبَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأرْوَى ابْنَةِ أُنَيْسٍ، وَعَائِشَةَ، وَجَابِرٍ، وَزَيْدِ بنِ خَالِدِ، وَعَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو. ٦١ - باب الوضُوءِ من مَسِّ الذَّكَرِ [٨٢] قوله: (عن بسرةَ بنتِ صَفوَانَ) بضم الموحدة وسكون السين، صحابية، لها سابقة وهجرة، عاشت إلى ولاية معاوية. قوله: (مَن مَسَّ ذَكَرَهُ فلا يُصلِّ حتَّى يَتَوضَّأ)، فيه دليلٌ على أن مس الذكر ينقض الوضوء، والمراد: مسه من غير حائل؛ لما أخرج ابن حبَّان في ((صحيحه)) (١) من حديث أبي هريرة: ((إذَا أفْضَى أحَدُكُم بِيَدِهِ إلى فَرجِهِ ليسَ دُونَهَا حِجَابٌ ولا سِتْرٌ، فَقَد وَجَبَ علَيهِ الوضُوءُ)) وصحَّحه الحاكم، وابن عبد البر(٢)، وقال ابن السكن: هو أجود ما روي في هذا الباب. قوله: (وفي الباب: عن أم حبيبة، وأبي أيوب، وأبي هُريرة، وأرْوَى ابنة أُنيسٍ، وعائشة، وجابرٍ، وزيد بن خالد، وعبد الله بن عمرو)، وأيضًا في الباب: عن سعد بن أبي وقاص، وأم سلمة، وابن عباس، وابن عمر، وطلق بن علي، والنعمان بن بشير، وأنس، وأبي بن كعب، ومعاوية بن حيدة، وقَبِيصَة. فأما حديث أم حبيبة: فأخرجه ابن ماجه(٣)، والأثرم، وصحَّحه أحمد وأبو زرعة؛ كذا في ((المنتقى)). (١) ابن حبان. حديث (١١١٨). (٢) الحاكم. حديث (٤٧٢)، وانظر ((التمهيد)) أيضًا (١٧ /٢٠٤). (٣) ابن ماجه، كتاب الطهارة. حديث (٤٨١). ٢٨٥ أبواب الطهارة عن رسول الله وَليه / باب الوُضُوءِ مِن مَسِ الذَّكَرِ وقال الخَلال في ((العلل)): صحَّح أحمد حديث أم حَبِيبَة، وقال ابن السكن: لا أعلم به علة؛ كذا في ((التلخيص)). وأما حديث أبي أيوب: فأخرجه ابن ماجه(١). وأما حديث أبي هريرة: فتقدم تخريجه. وأما حديث أروى ابنة أُنيس، بضم الهمزة وفتح النون مصغرًا: فأخرجه البيهقي(٢)؛ قال الحافظ في ((التلخيص)): وسأل الترمذيُّ البخاريَّ عنه فقال: ما تصنعُ بهذا، لا تَشْتَغِل به. وأما حديث عائشة: فأخرجه الدارقطني(٣) وضعَّفه، قال الحافظ: وله شاهدٌ من حديث عبد الله بن عمرو (٤). وأما حديث جابر: فأخرجه ابن ماجه(٥)، والأثرم، وقال ابن عبد البر(٦): إسناده صالح، وقال الضياء: لا أعلم بإسناده بأسًا، وقال الشافعي: سمعت جماعة من الحفّاظ غير ابن نافع يُرْسِلُونَهُ. وأما حديث زيد بن خالد: فأخرجه أحمد والبزَّار(٧). وأما حديث عبد الله بن عمرو: فأخرجه أحمد، والبيهقي(٨)، من طريق ((بقيَّة))؛ حدثني محمد بن الوليد الزبيدي، حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده؛ رفعه: ((أيُّما رَجُلٍ مَسَّ فَرْجَهُ فَلَيَتوضَّأ، وأيمًا امرأة مَسَّت فَرْجَهَا فَلتَتَوضَّأ)) قال الترمذي في ((العلل)) عن البخاري: هو عندي صحيح. (١) ابن ماجه، كتاب الطهارة. حديث (٤٨٢). (٢) انظر ((العلل الكبير)) للترمذي (١/ ٦٧). (٣) الدارقطني (١٤٧/١). حديث (٩) وفي إسناده عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن حفص العمري، قال الدار قطني : ضعيف. (٤) أحمد. حديث (٧٠٣٦)، وابن الجارود في ((المنتقى)). حديث (١٩)، والدار قطني (١٤٧/١). حديث (٨)، والطبراني في ((الكبير)). حديث (١٨٣١)، والبيهقي في ((الكبرى)). حديث (٦٢٦). (٥) ابن ماجه، كتاب الطهارة. حديث (٤٨٠). (٦) في ((التمهيد)) (١٧/ ١٩٣). (٧) أحمد. حديث (٢١١٨١)، والبزار. حديث (٣١٨٠ - زخار). (٨) أحمد. حديث (٧٠٣٦)، والبيهقي في ((الكبرى)). حديث (١٨٣١). ٢٨٦ أبواب الطهارة عن رسول الله وََّ / باب الوُضُوءِ مِن مَسِّ الذَّكَرِ قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حسن صَحِيحٌ. قَالَ: هكَذَا رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِثْلَ هَذَا عَن هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَن أبِيِهِ، عَن بُسْرَةَ. وأما حديث سعد بن أبي وقاص: فأخرجه الحاكم(١). وأما حديث أم سلمة: فذكره الحاكم(٢). وأما حديث ابن عباس: فأخرجه البيهقي (٣)؛ وفي إسناده: الضحاك بن حمزة؛ وهو منكر الحديث. وأما حديث ابن عمر: فأخرجه الدارقطني، والبيهقي (٤). وأما حديث طلق بن علي: فأخرجه الطبراني(٥) وصحَّحه. وأما حديث النعمان بن بشير: فذكره ابن منده؛ وكذا حديث أنس، وأبي بن كعب، ومعاوية بن حيدة، وقبيصة؛ كذا في ((التلخيص)) ص ٤٦. قوله: (هذا) أي: حديث بسرة (حديث حسن صحيح)؛ وأخرجه الخمسة؛ كذا في ((المنتقى))، وقال في ((النيل))، وأخرجه أيضًا مالك، والشافعي، وابن خزيمة، وابن حِبَّان، وابن الجارود، وقال أبو داود: قلت لأحمد: حديثُ بسرةً ليس بصحيحٍ؟ قال: بل هو صحيح، وقال الدارقطني: صحيح ثابت، وصحَّحه أيضًا يحيى بن معين فيما حكاه ابن عبد البر، وأبو حامد بن الشرقي، والبيهقي، والحازمي؛ قاله الحافظ. قلت: وكل ما طعنوا به في صحّة حديث بسرة هذا، فهو مدفوع؛ والحق أنه صحيح. قوله: (وهَكَذَا رَوَى غيرُ وَاحِدٍ مثلَ هَذا، عن هِشام بنِ عُروةَ، عن أبيهِ، عن بُسْرَة .... ) إلخ، حاصله: أن غير واحدٍ من أصحاب هشام رَوَوا هذا الحديث، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن بسرة؛ بلا ذكر واسطة بين عروة وبسرة؛ وهكذا روى أبو الزناد، عن عروة، عن (١) لم أجده عند الحاكم، وأخرجه البيهقي في ((الكبرى)). حديث (٤١٥، ٦٢٠) من غير طريق الحاكم؛ فالله أعلم. (٢) لم أجده عند الحاكم. انظر ((المستدرك على الصحيحين)) تحت الحديث (٤٧٧) إذ قال هناك: وقد روينا إيجاب الوضوء من مس الذكر .... منهم ... وأم سلمة. فالله أعلم. (٣) أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (٩٩/٤)، والخطيب البغدادي في ((تاريخ بغداد)) (٤٥٥/١٣). (٤) الدارقطني (١٤٧/١). حديث (٥)، والبيهقي في ((الكبرى)). حديث (٦٢١). (٥) الطبراني في ((الكبير)). حديث (٨٢٥٢). ٢٨٧ أبواب الطهارة عن رسول الله وَ لَه / باب الوُضُوءِ مِن مَسِّ الذَّكَرِ [٨٣] (٨٣) وَرَوَى أبُو أُسَامَةَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ هذا الحديثَ عَنِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَن أَبِيهِ، عَن مَرْوَانَ، عَنِ بُسْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَلَ نَحْوَهُ. [د: ١٨١، جه: ٤٧٩، طا: ٩١] حَدَّثَنَا بِذَلِكَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ بِهَذَا. [٨٤] (٨٤) وَرَوَى هذا الحديثَ أبُو الزِّنَادِ، عَن عُرْوَةَ، عَنِ بُسْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ، حَدَّثَنَا بِذلِكَ عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرّحْمنِ بنُ أبي الزِّنَادِ، عَن أبِيهِ، عَن عُرْوَةَ، عَنِ بُسْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَلِّ نَحْوَهُ. وهوَ قَوْل غَيْرٍ وَاحِدٍ مِن أصْحَابِ النَّبِيِّ نَّهِ وَالتَّابِينَ، وَبِهِ يَقُولُ الأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأحْمِدُ وَإِسْحَاقُ. قَالَ مُحمَّدٌ: وأصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ بُسْرَةَ. بسرة؛ ورواه غير واحد من أصحاب هشام، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن مروان، عن بسرة، بذكر واسطة مروان بن عروة وبسرة، وليست رواية من روى بلا ذكر واسطة بين عروة وبسرة بمنقطعة، قال الحافظ في ((التلخيص)): وقد جزم ابن خُزيمة، وغير واحد من الأئمة؛ بأن عروة سمعه من بسرة، وفي صحيح ابن خزيمة وابن حبَّان: قال عروة: فذهبتُ إلى بسرة، فسألتها، فصدقته؛ واستدلَّ على ذلك برواية جماعةٍ من الأئمة له، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن مروان، عن بسرة، قال عروة: ثم لقيت بسرة فصدقته. انتهى. [٨٣]. [٨٤] قوله: (وهو قول غير واحد من أصحاب النبي ◌َّ والتابعين، وبه يقول الأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق)، وقال الحافظ الحازميُّ في ((كتاب الاعتبار)) ص ٤٠: وممن روي عنه الإيجاب - يعني: إيجاب الوضوء من مس الذكر - من الصحابة: عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وأبو أيوب الأنصاري، وزيد بن خالد، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وجابر، وعائشة، وأم حبيبة، وبسرة بنت صفوان، وسعد بن أبي وقاص في إحدى الروايتين، وابن عباس في إحدى الروايتين - رضوان الله عليهم أجمعين - ومن التابعين: عروة بن الزبير، وسليمان بن يسار، وعطاء بن أبي رباح، وأبان بن عثمان، وجابر بن زيد، والزهري، ومصعب بن سعد، ويحيى بن أبي كثير، عن رجال من الأنصار، وسعيد بن المسيب في أصحِّ الروايتين، وهشام بن عروة، والأوزاعي، وأكثر أهل الشام، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، والمشهور من قول مالك؛ أنه كان يوجب منه الوضوء. انتهى. ٣٨٨ أبواب الطهارة عن رسول الله وَّ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي تَرْك الوُضُوءِ مِن مَسِّ الذَّكَرِ وقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: حَدِيثُ أَمِّ حَبِيبَةَ فِي هذا البَابِ صَحِيحٌ، وَهُوَ حَدِيثُ العَلاءِ بنِ الْحَارِتِ، عَن مَكْحُونٍ، عَن عَنْبَسَةَ بنِ أبِي سِفْيَانَ، عَن أَمِّ حَبِيبَةَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَمْ يَسْمَعْ مَكْحُولٌ مِن عَنْبَسَةَ بن أبي سِفْيَانَ، وَرَوَى مَكْحولٌ، عَن رَجُلٍ، عَن عَنْبَسَةَ غَيْرَ هَذَا الحَديثِ. وَكَأَنَّهُ لَمْ يَرَ هذَا الحَديثَ صَحِيحًاً. ٦٢ - باب مَا جَاءَ في تَرْك الوُضُوءِ مِن مَسِّ الذَّكَرِ [ت٦٢، م٦٢] [٨٥] (٨٥) حدثنا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا مُلازِمُ بنُ عَمْرٍو، عَن عَبْدِ الله بْنِ بْرٍ، عَن قَيْسٍ بنِ طَلْقِ بنِ عَلِيٍّ - هُو الحَنفِيُّ - عَن أبيهِ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهُ قَالَ: ((وَهَلْ هُوَ إِلَّا مُضْغَةٌ مِنهُ؟ أوْ بَضْعَةٌ منْهُ؟)). [ن: ١٦٥، د: ١٨٢، جه بنحوه: ٤٨٣، حم بنحوه: ١٥٨٥٧]. قوله: (قَالَ أَبُو زرعَةَ: حديثُ أمِّ حبيبةَ في هذا البابِ أصُ)، تقدَّم تخريج حديث أم حبيبة، (وقال محمد) يعني البخاري (لم يسمع مكحول من عنبسة بن أبي سفيان)؛ وكذا قال يحيى بن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائي؛ أنه لم يسمع منه، وخالفهم دُحيمٌ، وهو أعرف بحديث الشاميين؛ فأثبت سماع مكحول من عنبسة؛ قاله الحافظ. ٦٢ - باب تَرّكِ الوضُوءِ مِن مَسّ الذَّکَرِ [٨٥] قوله: (حدثنا ملازم بن عمرو) بن عبد الله بن بدر السُّحيميّ؛ بالمهملتين مصغرًا، أبو عمرو اليمامي، وثقه ابن معين، والنسائي وغيرهما، (عن عبد الله بن بدر) الشُّحيمي اليمامي، روى عن: ابن عباس، وطلق بن علي، وعنه سبطه ملازم بن عمرو، وعكرمة بن عمار، وثقه ابن معين، وأبو زرعة، (عن قيس بن طلق بن علي الحنفي) اليمامي، وثقه العجلي، وابن معين، وابن حبان، والحنفي، بفتح الحاء والنون، منسوب إلى حنيفة قبيلة من اليمامة، (عن أبيه) أي: طلق بن علي، صحابي، وفد قديمًا، وبنى في المسجدِ، كذا في ((الخلاصة))، وقال الطيبي: إن طلقًا قدم على النبيِّ ◌َل* وهو يبني مسجد المدينة، وذلك في السنة الأولى. قوله: (وهل هو إلَّا مُضْغَة) بضم الميم، وسكون الضاد، وفتح الغين المعجمتين، أي: قطعة لحم، أي: ليس الذَّكر إلَّا قطعةَ لحم، (منه) أي: من الرجل، (أو بَضعة) بفتح الباء الموحدة، وسكون الضاد المعجمة: بمعنى المضغة، وهما لفظان مترادفان معناهما: القطعةُ من اللحم، و((أو)) للشك من الراوي. ٢٨٩ أبواب الطهارة عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي تَرْك الوُضُوءِ مِن مَسٌّ الذَّكَرِ قَالَ: وَفِي الْبَابِ عَن أبي أُمَامَةً. قَالَ أبُو عِيْسَى: وَقَدْ رُوِي عَن غَيْرٍ وَاحِدٍ مِن أَصْحَابِ النَّبِيِّ لَّهُ وَبَعْضٍ التَّابِعِينَ: أنَّهُمْ لَمْ يَرَوُا الوُضوء من مَسِّ الذّكَر، وهو قَوْلُ أهْلِ الكوفَةِ وَابْنِ المُبارَكِ . وفي رواية أبي داود (١)، قالَ: ((قَدِمِنا عَلَى النبيِّ وَّهِ فَجَاءَ رَجُلٌ كَأَنَّه بَدَويٌّ، فَقَالَ: یا نبيَّ اللهِ، مَا تَرى فِي مَسِّ الرَّجُلِ ذَكَرَهُ بَعدَ مَا يَتَوَضَّأ؟ فَقَال ◌َّهَ: هَل هُو إِلَّ مُضْغَةٌ مِنْهُ؟! أو بَضعةٌ مِنْهُ؟!)). قوله: (وفي البابِ: عَن أَبِي أُمَامَة)؛ أخرجه ابن ماجه(٢)؛ وفي سنده: جعفر بن الزبير، وهو متروك، والقاسم، وهو ضعيف. قال الحافظ الزيلعي: هو حديث ضعيف، قال البخاري، والنسائي، والدارقطني، في جعفر بن الزبير: متروك، والقاسم أيضًا ضعيف. وفي الباب أيضًا عن عصمة بن مالك (٣)؛ قال الحافظ الزيلعي: هو حديثٌ ضعيف أيضًا. قوله: (وقد روي عن غير واحد من أصحاب النبيِّ وَّي وبعض التابعين؛ أنهم لم يروا الوضوء من مس الذكر، وهو قول أهل الكوفة وابن المبارك)، قال الحازميُّ في ((كتاب الاعتبار)) ص ٤٠: قد اختلف أهل العلم في هذا الباب؛ فذهبَ بعضُهم إلى حديث طلق بن علي؛ ورأوا: ترك الوضوء من مسِّ الذكر، روي ذلك عن: علي بن أبي طالب، وعمار بن ياسر، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وحذيفة بن اليمان، وعمران بن حصين، وأبي الدرداء، وسعد بن أبي وقاص في إحدى الروايتين، وسعيد بن المسيِّب في إحدى الروايتين، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وربيعة بن عبد الرحمن، وسفيان الثوري، وأبي حنيفة، وأصحابه، ويحيى بن معين، وأهل الكوفة. انتهى. واستدلَّ هؤلاء بحديثٍ طلقٍ بن عَلِيٍّ المذكور في هذا الباب. وأجاب ابن الهُمام عن حديث بُسْرَة بنتٍ صفوان المذكور في الباب المتقدِّم: بأن حديث (١) أبو داود، كتاب الطهارة. حديث (١٨٢). (٢) ابن ماجه، كتاب الطهارة. حديث (٤٨٤). (٣) الدارقطني (١٤٩/١). حديث (١٦)، وابن عدي في ((الكامل)) (١٥/٦) وفي إسناده الفضل بن المختار، وهو ضعيف جدًّا. ٢٩٠ أبواب الطهارة عن رسول الله وَّةٍ / باب مَا جَاءَ فِي تَرْك الوُضُوءِ مِن مَسِّ الذَّكَرِ طلق بن علي، يترجَّح عليه: بأن حديث الرجال أقوى، لأنهم أحفظُ للعلم وأضبط؛ ولهذا جعلت شهادة امرأتين بمنزلة رجل. وفيه: أنَّ بسرة بنت صفوان لم تنفرد بحديث إيجاب الوضوء من مَسِّ الذكر، بل رواه عدة رجال من الصحابة، منهم: أبو هريرة؛ وحديثه صحيح، كما عرفت، ومنهم: عبد الله بن عمرو؛ وحديثه أيضًا صحيحٌ كما عرفت، ومنهم: جابر؛ وإسناد حديثه صالح، كما عرفت، ومنهم: زيد بن خالد، وسعد بن أبي وقاص، وابن عباس، وابن عمر، وغيرهم؛ وتقدَّم تخريج أحاديثهم. وأجاب بعضهم: بأن حديث طلق؛ أثبتُ من حديث بُسْرَة، وقد أسند الطحاوي إلى ابن المديني؛ أنه قال: حديث ملازم بن عمرو أحسنُ من حديث بسرة(١)، وعن عمرو بن علي الفلاس؛ أنه قال: حديث طلقٍ عندنا أثبتُ من حديث بسرة. وفيه: أن الظاهر أن حديث بسرة، هو الأثبتُ، والأقوى، والأرجح. قال البيهقي: يكفي في ترجيح حديث بسرة على حديث طلق أنَّ حديث طلقٍ، لم يخرجه الشيخان، ولم يحتجًا بأحد رواته، وحديث بسرة، قد احتجًا بجميع رواته؛ كذا في ((التلخيص)). قال العلامة محمد بن إسماعيل الأمير في ((سبل السّلام)): حديث بسرة أرجح؛ لكثرة من صَخَّحه، ولكثرة شواهده، وقد اعترف بذلك بعض العلماء الحنفية؛ حيث قال في تعليقه على ((موطأ الإمام محمد)): الإنصاف في هذا البحث: أنه إن اختير طريق الترجيح، ففي أحاديث النقض كثرة وقوة. انتهى. وقال في ((حاشيته على شرح الوقاية)): إن أحاديث النقض أكثرُ وأقوى من أحاديث الرخصة. انتهى. وأجاب بعضهم: بأن حديث بسرة منسوخٌ بحديثٍ طلقٍ . وفيه: أن هذا دعوى من غير دليل؛ يقتضي خلافه؛ كما ستعرف عن قريب. وأجاب بعضهم: بأن المراد بـ ((الوضوء)) في حديث بسرة: الوضوء اللغوي، أو غسل اليد. وفيه: أن الواجب أن تحمل الألفاظ الشرعية على معانيها الشرعية، على أنه قد وقع في حديث ابن عمر عند الدارقطني: ((فَلَيَتَوضَّأ وضُوءَهُ الصَّلاةِ)). (١) أورده الطحاوي في ((معاني الآثار)) رقم (٤٣٧). ٢٩١ أبواب الطهارة عن رسول الله وَّر / باب مَا جَاءَ فِي تَرْكُ الوُضُوءِ مِن مَسِ الذَّكَرِ وقال بعضهم: إن حديث بسرة وحديث طلق تعارضا فَتَساقَطا، والأصلُ: عدمُ النقض. وفيه: أن حديث بسرة، هو أثبت وأقوى وأرجح من حديث طَلْق؛ كما عرفت؛ فيقدم عليه، ثم الظاهر أن حديث بسرة متأخر، وحديث طلقٍ متقدِّم، فيجعل المتأخِّر ناسخًا، والمتقدِّم منسوخًا؛ كما ستعرف عن قريب. واحتجَّ من قال بنقض الوضوء من مسِّ الذكرٍ؛ بحديث بسرة المذكور في الباب المتقدِّم، وله شواهد كثيرة كما عرفْتَ. وأجابوا عن حديث طلق أولًا: بأنه ضعيف، وثانيًا: بأنه منسوخ، قال الحازميُّ في ((كتاب الاعتبار)): قالوا: أما حديث طلقٍ فلا يقاوم هذا الحديث، يعني: حديث بسرة؛ لأسباب، منها: نكارة سنده، ورکاکة روايته. قال الشافعي في القديم: وزعم - يعني: مَن خالفه - أن قاضي اليمامة ومحمد بن جابر ذكرا عن قيس بن طَلقٍ، عن أبيه، عن النبي ◌َّر ما يدلُّ على أن لا وضوء منه. قال الشافعي: قد سألنا عن قيس، فلم نجد من يعرفه بما يكونُ لنا فيه قبولُ خبره، وقد عارضه مَن وصفنا نعته، ورجاحته في الحديث وثَبْتَهُ. وأشار الشافعيُّ إلى حديث أيوب بن عتبة قاضي اليمامة، ومحمد بن جابر السُّحَيْميِّ، عن قيس بن طلق، وقد مرَّ حديثهما، وأيوب بن عتبة، ومحمد بن جابر، ضعيفان عند أهل العلم بالحديث، وقد روى حديث طلق أيضًا ملازمُ بن عمرو، عن عبد الله بن بدر، عن قيس، إلَّا أن صاحبي الصحيح لم يحتجًّا بشيء من روايتهما. ورواه أيضًا عكرمة بن عمار، عن قيس، عن النبي ◌َّ مرسلًا، وعكرمة أقوى من رواه عن قيس، إلَّا أنه رواه منقطعًا . قالوا: وقد روينا عن يحيى بن معين؛ أنه قال: لقد أكثر الناسُ في قيس بن طلقٍ وأنه لا یحتجُّ بحديثه. روينا عن ابن أبي حاتم (١)؛ أنه قال: سألت أبي وأبا زُرْعَة عن هذا الحديث، فقالا: قيسُ بن طلقٍ ليس ممَّن تقومُ به حُجة، ووهَّناه، ولم يثبتاه. (١) انظر ((العلل)) له (٤٨/١) (١١١). ٢٩٢ أبواب الطهارة عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي تَرْك الوُضُوءِ مِن مَسِّ الذَّكَرِ قالوا: وحديث قيس بن طلق كما لم يخرِّجه صاحبا الصحيح، لم يحتجًّا أيضًا بشيء من رواياته، ولا بروايات أكثر رواة حديثه في غير هذا الحديث. وحديث بُسْرة وإن لم يخرجاه؛ لاختلافٍ وَقَعَ في سماع عروة من بسرة، أو هو عن مروان عن بسرة؛ فقد احتجًا بسائر رواة حديثها: مروان فَمَن دونه. قالوا: فهذا وجه رُجحَانٍ حديثها على حديث قيس من طريق الإسناد؛ كما أشار إليه الشافعي؛ لأن الرجحان إنما يقع بوجود شرائط الصحّة والعدالة في حقِّ هؤلاء الرواة دون من خالفهم. انتهى كلام الحازمي. قلت: الراجحُ المعوَّل عليه: هو أنَّ حديث بُسْرة وحديث طلقٍ كلاهما صحيحان؛ لكن حديثها أصح، وأثبت، وأرجح، من حديثه؛ كما عرفت فيما تقدَّم. وأما القول بأن حديث طلقٍ منسوٌ: فاستدلُّوا عليه، بأن حديث طلق متقدِّم، وحديث بسرة متأخر؛ قال الحازمي في ((كتاب الاعتبار)» ص ٤٥ و٤٦: الدليل على ذلك - يعني: النسخ من جهة التاريخ - أن حديث طلق كان في أول الهجرة زَمَنَ كان النبيُّ بَّ يبني المسجد، وحديث بسرة، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو كان بعد ذلك؛ لتأخرهم في الإسلام. ثم روى الحازمي بإسناده عن طلق بن علي، قال: قدمتُ على النبيِّ وَّروهم يبنونَ المسجد، فقال: ((يَا يَمَامِيُّ، أنتَ أرفقُ بتَخليطِ الطينِ، ولَدَغْنِي عَقْرَبٌ، فَرَقَانِي رَسُولُ اللهِ وَهِ . قال: كذا روي من هذا الوجه مختصرًا، وقد روي من وجه آخر أتمَّ من هذا. وفيه ذكر الرخصة في مسِّ الذكر، قالوا: إذا ثبَتَ أن حديث طلقٍ متقدم، وأحاديث المنع متأخّرة، وجب المصير إليها، وصحَّ ادعاء النسخ فى ذلك، ثم نظرنا، هل نجد أمرًا يؤكّد ما صرنا إليه؟ فوجدنا طلقًا روى حديثًا في المنع؛ فدلَّنا على ذلك على صحة النقل في إثبات النسخ، وأنَّ طلقًا قد شاهد الحالتينٍ، وروى الناسخ والمنسوخ. ثم ذكر الحازميُّ بإسناده عن قيس بن طلقٍ عن أبيه طلق بن عليٍّ عن النبي ◌َّه قال: ((مَن مَسَّ فَرْجَهُ فَلَيَتَوضَّأ)). قال الطبرانيُّ (١): لم يرو هذا الحديثَ عن أيوب بن عتبة إلَّا حمادُ بن محمَّد، وهما (١) الطبراني في ((الكبير)). حديث (٨٢٥٢). ٢٩٣ أبواب الطهارة عن رسول الله وَ﴿/ باب مَا جَاءَ فِي تَرْك الوُضُوءِ مِن مَسِّ الذَّكَرِ عندي صحيحان، يشبه أن يكونَ سَمِعَ الحديثَ الأول من النبيِّ وَّوقبل هذا، ثم سَمِعَ هذا بعدُ؛ فوافق حديث بسرة وأمِّ حبيبة وأبي هريرة وزيدٍ بن خالد الجهنيِّ وغيرهم، ممن روى عن النبي ◌َّهُ الأمر بالوضوءِ من مَسِّ الذكر، فَسَمِعَ النَاسِخَ وَالمَنْسُوخ. ثم روى الحازميُّ بإسناده عن إسماعيل بن سعيد الكسائيِّ الفقيه؛ أنه قال: المذهَبُ في ذلك عند من يرى الوضوء من ذلك، يقولون: قد ثَبَتَ عَن رَسُول الله وَّهِ الوضوءُ مِن مَسِّ الذكر من وجوه شتَّى؛ فلا يُردُّ ذلك بحديث ملازم بن عمرو وأيوبَ بن عُثْبةَ، ولو كانَت روايتهما مثبتة لكان في ذلك مقالٌ، لكثرة من رَوَى بخلاف روايتهما، ومع ذلك: الاحتياطُ في ذلك أبلغُ. ويُروى عن النبي ◌َّ بإسناد صحيح، ((أَنَّه نَهَى أن يَمَسَّ الرَّجُلُ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ)) (١)؛ أفلا ترون أن الذّكرَ لا يشبه سائرَ الجَسَد، ولو كان ذلك بمنزلةِ الإبهام والأنفِ والأذنِ وما هو منا، كان لا بأس علينا أن نمسَّه بأيماننا، وكيف يُشبَّهُ الذَّكر بما وصفوه من الإبهام وغيره، ذلك ولو كان ذلك مشرعًا سواءً، لكان سبيله في المسِّ ما سمَّيناه، ولكن - هاهنا - علَّةٌ قد غابت عنا معرفتها، ولعلَّ ذلك أن تكون عقوبة لكي يترك الناس مسَّ الذكر؛ فنصير من ذلك إلى الاحتياط. انتهى كلام الحازمي. قال ابن حبَّان في ((صحيحه)) (٢): إن حديث طلقٍ أوهَمَ عالمًا من الناس أنه معارض الحديث بسرة، وليس كذلك؛ لأنه منسوخٌ؛ فإن طلق بن علي كان قدومه على النبيِّ وَّ أول سنة من سني الهجرة؛ حيث كان المسلمون يَبْنُونَ مسجد رسول الله وَّه بالمدينة. ثم أخرجه بسنده إلى طلق بن علي قال: وأبو هريرة إسلامُهُ سنة سَبْع من الهجرة؛ فكان خبر أبي هريرة بعد خَبر طلق لسبع سنينَ، وطلق بن علي رجعَ إلى بلده، ثمّ أخرج عن طلق بن علي، قال: ((خَرَجنَا وفدًا إلى رسول الله بَّهُستَّة نفرٍ: خمسةً من بني حنيفة، ورجلاً من بني ضُبِيعَةَ بن ربيعة، حتى قدمنا على رسول الله وَّفبايعناه وصلَّينا معه، وأخبرنا أنَّ بأرضنا بيعةً لنا، واستوهبناه من فضلٍ طهوره، فقال: اذهبوا بهذا الماءِ، فإذا قدِمْتُم بَلَدَكم فاکسرُوا بيعتكُم، ثمَّ انضحُوا مَكَانَها من هَذا الماءِ، واتخذُوا مكانَها مَسجدًا))، وفيه: ((حتى قدمنا (١) ابن ماجه، كتاب الطهارة. حديث (١٥). (٢) ابن حبان بعد الحديث (١١١٨). ٢٩٤ أبواب الطهارة عن رسول الله وَعليه / باب مَا جَاءَ فِي تَرْكُ الوُضُوءِ مِن مَسِّ الذَّكَرِ وهَذَا الحَدِيثُ أحْسَنُ شَيْءٍ رُوي فِي هذَا الْبَابِ. وقَدْ رَوَى هَذَا الحَدِيثَ أيُّوبُ بنُ عُتْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بنُ جَابٍِ، عَن قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ، عَن أبِيهِ. وَقَدْ تَكَلَّم بَعْضُ أهْلِ الحَديثِ فِي مُحمَّدٍ بن جَابِرٍ، وأيوب بنِ عُتْبَةَ. وَحَدِيثُ مُلازِمٍ بْنِ عَمْرٍو، عَن عَبْدِ الله بْنِ بَدْرٍ أصَحُّ وَأحْسَنُ. بلدنا، فعملنا الذي أمَرَنَا))، قال ابن حبان(١): فهذا بيان واضحٌ أن طلق بن علي رَجَعَ إلى بلده بعد قدومه، ثم لا يُعلم له رجوعٌ إلى المدينة بعد ذلك، فمن ادعى ذلك فليثبته بسنةٍ مصرحةٍ، ولا سبيل له إلى ذلك. انتهى كلام ابن حبان. قال بعض العلماء الحنفية في شرحه لشرح ((الوقاية)) المسمى بـ ((السعاية)) بعد ذكر كلام الحازميِّ المذكور ما لفظه: هذا تحقيقٌ حقيقٌ بالقبول؛ فإنه بعد إدارة النظر من الجانبينِ يتحقَّق أن أحاديث النقض أكثر وأقوى من أحاديث الرخصةِ، وأن أحاديث الرخصة متقدِّمة، وهو وإن لم يكن متيقنًا؛ لجواز أن يكون حديث أبي هريرة وغيره من مراسيل الصحابة، لكنه هو الظاهر؛ فالأخذ بالنقض أحوطُ، وهو وإن كان مما يخالفه القياسُ من كلِّ وجه؛ لكن لا مَجَال بعد ورود الحديث. وأما كون أجلِّ الصحابة؛ كابن مسعود، وابن عباس، وعليٍّ، ونحوهم قائلينَ بالرخصةِ، فلا يقدح بعد ثبوت الآثار المرفوعة، والعذرُ من قبلهِم أنه قد بلغهم حديثُ طلقٍ وأمثاله، ولم يبلغهم ما ينسخه، ولو وَصَلَ لقالوا به، وهذا ليس بمستبعدٍ، فقد ثبت انتساُ التطبيق في الركوع عند جَمْعٍ، ولم يبلغ ابن مسعود، حتى دام على ذلك مع كونه ملازمًا للرسول عليه الصلاة والسلام. انتهى كلامه. قلت: الأمر عندي كما قال صاحب ((السعاية)) والله تعالى أعلم. قوله: (وهذا الحديث أحسن شيء روي في هذا الباب)؛ وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه، وصحَّحه ابن حبَّان والطبراني وابن حزم(٢)، وقال ابن المديني: هو أحسن من حديث بسرة، وضعَّفه الشافعي وأبو حاتم وأبو زرعة والدار قطنيُّ والبيهقيُّ وابن الجوزيِّ، وادعى فيه النسخ ابن حبَّان والطبرانيُّ وابن العربيِّ والحازميُّ وآخرون؛ كذا في ((التلخيص)). قلت: تقدَّم كلام الحازميّ وابن حبَّان. قوله: (وقد تكلّم بعض أهل الحديث في محمَّد بن جابر وأيوب بن عتبة) قال الخزرجيُّ (١) ابن حبان تحت الحديث (١١٢٣). (٢) ابن حبان. حديث (١١١٩)، والطبراني في ((الكبير)). حديث (٨٢٣٤)، وذكره ابن حزم في ((المحلى)) (٢٣٨/١). ٢٩٥ أبواب الطهارة عن رسول الله بَّ / باب مَا جَاءَ فِي ترك الوضوء مِنَ القُبلة ٦٣ - باب مَا جَاءَ في ترك الوضوء مِنَ القُبلة [ت٦٣، م٦٣] [٨٦] (٨٦) حدثنا قُتَيْبَةُ، وهَنّادٌ، وأبو كُرَيْبٍ، وأحْمَدُ بن مَنِيع، ومَحمودُ بنُ غَيْلانَ، وأبو عَمَّارِ الحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ قالوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الأعْمشِ، عَن حَبِيبٍ بْنِ أبي ثَابتٍ، عَن عُرْوَةَ، عَنِ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ قَبَّلَ بَعْضَ نِسَائِهِ، ثُمَّ خَرَجَ إلى الصَّلاة وَلَمْ يَتَوَضَّأ، قَالَ: قُلْتُ: مَن هِيَ إِلَّ أنتِ؟ قَالَ: فَضَحِكَتْ. [ن مختصراً: ١٧٠، جه: ٥٠٢، حم: ٢٥٢٣٨]. في ((الخلاصة)) في ترجمة محمَّد بن جابر: ضعَّفه ابن معين، وقال الفلَّاس: صدوق متروك الحديث، وقال الحافظ في ((التقريب)): صدوق، ذهبت كتبه؛ فساء حفظه، وخلَّط كثيرًا، وعميَ؛ فصار يلقَّن، ورجَّحه أبو حاتم على ابن لَهِيعَة. انتهى. وقال الحافظ في ترجمة أيوب بن عتبة: ضعيفٌ، وقال الذهبي في ((الميزان)) في ترجمته: ضعَّفه أحمد، وقال مرة: ثقة لا يقيمُ حديثَ يحيى، وقال ابن معين: ليس بالقوي، وقال البخاري: هو عندهم لين، وقال أبو حاتم: أما كتبه فصحيحةٌ ولكن يحدِّث من حفظه فيغلطُ، وقال ابن عدي: مع ضعفه يكتب حديثه، وقال النسائي: مضطرب الحديث. انتهى. وروايةُ محمَّد بن جابر عن قَيسٍ بن طلق عن أبيه، أخرجها أبو داود وابن ماجه. ٦٣ - باب مَا جَاءَ في تَرْكِ الوضُوءِ مِنَ القُبْلَةِ [٨٦] قوله: (عن عروة) قال الحافظ الزيلعيُّ: لم ينسب الترمذيُّ عُروةَ في هذا الحديث أصلًا، وأما ابن ماجه فإنه نسبه، فقال: حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع، ثنا الأعمش، عن حَبيبٍ بن أبي ثابت، عن عروة بن الزُّبَيْر، عن عائشة، فذكره، وكذلك رواه الدارقطني ورجالُ هذا السند كلَّهم ثقات. انتهى. وكذلك قال الحافظ ابن حجر، وقال: أيضًا فالسؤالُ الذي في رواية أبي داود ظاهرٌ في أنه ابن الزبير؛ لأن المزني - يعني: عروة المزني - لا يَجْسُرُ أن يقول ذلك الكلامَ لعائشة. انتهى كلام الحافظ، وأراد بالسؤال الذي في رواية أبي داود قوله: ((مَن هِيَ إلَّا أنْتِ)) وهذا السؤال موجود في رواية الترمذي أيضًا. قوله: (قَبَّل بعض نسائه) أي: بعض أزواجه، (ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ) أي: فصلى بالوضوء السابق، ولم يتوضأ وضوءًا جديدًا من التقبيل، وفيه دليلٌ على أن مَسَّ المرأة لا ينقضُ الوضوءَ. ٢٩٦ أبواب الطهارة عن رسول الله وَ له / باب مَا جَاءَ فِي ترك الوضوء مِنَ القُبلة قَالَ أبُو عِيْسَى: وَقَدْ رُوِي نَحْوُ هَذَا عَن غَيْرِ وَاحِدٍ مِن أهْلِ العِلْمِ مِن أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َّهِ وَالتَّابعينَ، وَهُوَ قَولُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأهْلِ الكوفَةِ، قالوا: لَيْسَ في القُبْلَةِ وُضُوءٌ. وَقَال مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَالأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وإِسْحَاقُ: فِي القُبْلَةِ وُضُوءٌ، وَهو قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِن أهْلِ العِلْمِ مِن أصحابِ النَّبِيِّ وَّهِ والتَّابعينَ. قوله: (قد روي نحو هذا عن غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبيِّ يَّر والتابعين، وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة، قالوا: ليس في القُبلة وضوء)، وإليه ذهب عليٍّ وابن عباس وعطاء وطاوس وأبو حنيفة، واستدلَّ لهم بحديث عائشة المذكور في الباب، وهو حديثٌ ضعيفٌ، لكنه مرويٌّ من طرق يُقوي بعضها بعضًا، وبحديث أبي سلمة عن عائشة، قالت: ((كُنتُ أنامُ بينَ يدَي رَسولِ اللهِ وَّهِ، ورِجِلايَ فِي قِبْلَتِهِ، فإذا سجدَ غمَزَني، فَقَبضتُ رِجلِي، فإذا قامَ بَسَطتُها، والبُيُوتُ يَومئذٍ ليسَ فيها مصابيحُ)) أخرجه البخاري ومسلم(١)؛ وفي لفظ: ((فإذَا أَرَادَ أن يَسْجُدَ غَمَزَ رِجْلِي فَضَمَمْتُهَا إليَّ ثُمَّ سَجَدَ))، وبحديثها قَالَت: ((إن كانَ رَسُولُ اللهِ وَلَهَ لَيُصَلِّي وإني لمعترضَةٌ بَيْنَ يَدَيهِ اعتراضَ الجنازةِ، حتى إذا أرَادَ أن يُوترَ مَسَّني بِرِجْلِهِ))، أخرجه النسائي، قال الحافظ في ((التلخيص)): إسناده صحيح، وقال الزيلعي: إسناده على شرط الصحيح، وبحديثها قالتْ: ((فَقَدتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ ليلةً مِنَ الفراشِ، فالتَمَستُهُ، فَوَضعتُ يَدِي عَلَى بَاطنٍ قَدَمَيهِ، وهُو في المسجدِ، وهُما منصُوبتَانِ ... )) الحديث، أخرجه مسلم والترمذي(٢). (وقال مالك بن أنس والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق: في القُبلة وضوءٌ، وهو قولُ غيرٍ واحدٍ من أهل العلم من أصحاب النبي وَّهِ والتابعين)، وإلى ذلك: ذهب ابنُ مسعود وابن عمر والزهريُّ، واستدلَّ هؤلاء بقوله تعالى: ﴿أَوْ لَمَسْكُمُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: ٦]، قالوا: هذه الآية صرَّحت بأن اللمس من جملة الأحداث الموجبة للوضوء، وهو حقيقة في لمسٍ اليد؛ ويؤيِّد بقاءه على معناه الحقيقيِّ قراءةُ ((أو لمستم)؛ فإنها ظاهرة في مجرَّد اللمس من دون جماع، روى البيهقي (٣)، عن أبي عُبيدةً وطارقٍ بن شهابٍ عن عبد الله، قال: قولُهُ: ﴿أَوْ (١) البخاري، كتاب الصلاة. حديث (٣٨٢)، ومسلم، كتاب الصلاة. حديث (٥١٢)، والنسائي، كتاب الطهارة. حديث (١٦٦). (٢) مسلم، كتاب الصلاة. حديث (٤٨٦)، والترمذي، كتاب الدعوات. حديث (٣٤٩٣). (٣) البيهقي في ((الكبرى)) (٦٠١، ٦٠٢). ٢٩٧ أبواب الطهارة عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاءَ فِي ترك الوضوء مِنَ القُبلة لَمَسْتُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: ٦] قولٌ معناه: ما دون الجماع، قال البيهقي: هذا إسناد موصولٌ صحيحٌ، وروى مالك في ((الموطأ)) (١) عن عبد الله بن عمر؛ أنه كان يقولُ: قُبلةُ الرَّجلِ امْرَأتَهُ وجَسُّهَا بِيَدِهِ، من الملامَسَةِ، فَمَن قَبَّلَ امرأتهُ أو جَسَّها بِيدِهِ، فَعَليهِ الوضُوءُ. وقد أجيب عن هذا: بأنه لا كلامَ في أن حقيقة الملامسة واللَّمس هو الجسُّ باليد؛ لكن المراد في الآية المجازُ، وهو الجماعُ، لوجود القرينة وهي أحاديثُ عائشة المذكورة التي استدلَّ بها القائلون بأن القُبلة ليسَ فيها وضوءٌ، وقد صرَّح ابن عباس ﴿ّ الذي علَّمه الله تأويلَ كتابه، واستَجَابَ فيه دعوةَ رسوله: بأن اللمس المذكور في الآية هو الجماع، وقد تقرَّر أن تفسيره أرجحُ من تفسير غيره لتلك المزيَّة، وكذلك صرَّح عليٍّ ◌َُّه أيضًا، قال الحافظ عماد الدين في تفسيره: اختلف المفسرون والأئمة في معنَى ذلك على قولين: أحدهما: إنَّ ذلك كناية عن الجماع؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٧] الآية، وقال تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَتِ ثُمَ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] الآية، قال ابن أبي حاتم(٢): حدثنا أبو سعيد الأشج، ثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿أَوْ لَمَسْكُمُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: ٦] قال: الجماع، وروي عن: عليٍّ، وأبيٍّ بن كعب، ومجاهد، وطاوس، والحسن، وعبيد بن عمير، وسعيد بن جبير، والشعبي، وقتادة، ومقاتل بن حيَّان نحو ذلك، وقال ابن جرير (٣): حدثني حميد بن مسعدة، ثنا يزيد بن زريع، ثنا شعبة، عن أبي بشرٍ، عن سعيد بن جبير، قال: ذكرُوا اللمسَ، فقال ناسٌ من الموالي: ليس بالجماع، وقال ناس من العرب: اللمسُ الجماع، قال: فلقيتُ ابن عباس، فقلتُ له: إن ناسًا من الموالي والعرب اختلفوا في اللمس، فقالت الموالي: ليس بالجماع، وقالت العرب: الجماعِ، قال: فَمِن أي الفريقينِ كنت؟ قلت: كنتُ من الموالي، قال: غُلبَ فريقُ الموالي؛ إن اللَّمسَ والمسَّ والمباشرةَ: الجماع؛ ولكن الله يكني ما شاء بما شاء، إلى أن قال: وقد صحَّ من غير وجه عن عبد الله بن عباس، أنه قال ذلك، ثم قال ابن جرير، وقال (١) مالك. حديث (٩٧). (٢) ذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) (٢/ ٢٩٧) وعزاه إلى سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. (٣) تفسير ابن جرير (٣٨٩/٨) (٩٥٨١)، وأخرجه أيضًا عبد الرزاق في ((المصنف)) (٥٠٦). ٢٩٨ أبواب الطهارة عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاءَ فِي ترك الوضوء مِنَ القُبلة وَإِنَّمَا تَرَكَ أصْحَابْنَا حَدِيثَ عَائِشَةً عَنِ النَّبِيِّ بَ فِي هَذَا؛ لأَنّه لا يَصِحُ عِنْدَهُمْ لِحَالٍ الإسْنَادِ. قَالَ: وسَمِعْتُ أبَا بَكْرِ العَظَّارَ البَصْريَّ يَذْكُر عَن عَلِيِّ بْنِ المَدينيِّ قَالَ: ضَعَّفَ يَحْيَى بن سعيدِ القَطَّانُ هذَا الحَدِيثَ جِدًّا، وَقال: هوَ شِبهُ لا شَيْء. قَالَ: وَسَمِعْتُ مُحمَّدَ بنَ إسمَاعِيلَ يُضَعِّفُ هَذَا الحَديثَ آخرون: عَنَى الله تعالى بذلك كل من لمس بيدٍ أو بغيرها من أعضاءِ الإنسان، وأوجبَ الوضوءَ على كل من مسَّ بشيءٍ من جسده شيئًا من جسدها، ثم أورد أثر عبد الله بن مسعود وابن عمر وأقوالَ جماعة من التابعين، في أن القُبلة من المس، وفيها الوضوء، ثم قال: والقولُ بوجُوبِ الوضوء من المسِّ هو قولُ الشافعيِّ وأصحابه، ومالك، والمشهور عن أحمد بن حنبل، ثم قال ابن جرير: وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: عنى الله بقوله: ﴿أَوْ لَمَسْنُمُ النِّسَآءَ﴾ [المائدة: ٦]: الجِمَاعَ دون غيره من معاني اللمس؛ لصحة الخبر عن رسول الله وَّة : أنَّه قَبَّل بعضَ نسائهِ، ثم صلَّى ولم يتوضأ. انتهى. قلت: قول من قال: إن مسَّ المرأة لا ينقضُ الوضوء هو الأقوى والأرجح عندي، والله تعالى أعلم. قوله: (وإنما ترك أصحابنا حديث عائشة عن النبيِّ وَّ في هذا؛ لأنه لا يصح عندهم لحال الإسناد)؛ فهو ضعيف، لكن قال الشوكاني في ((النيل)): الضعيفُ مُنجبرٌ بكثرة رواياته وبحديث لمسٍ عائشة لبطنٍ قدم النبيِّ يََّ، والاعتذارُ عن حديث عائشة في لَمسِها لقدمِهِ اَل بما ذكره ابن حجر في ((الفتح)) من أن اللمسَ يحتملُ أنه كان بحائل أو على أن ذلك خاصٌّ به تكلُّفٌ ومخالفة للظاهر. انتهى كلامه. والمراد من قوله: ((أصحابنا)) أهل الحديث؛ قال الشيخ سراج أحمد السرهندي في (شرح الترمذي)) ما لفظه: ((وجزاين نيست له ترك كردند أصحاب ما أهل حديث عائشة ... )) إلخ، وقال أبو الطيب السندي في ((شرح الترمذي)): قوله: ((وإنما ترك أصحابنا)) أي: من أهل الحديث، أو من الشافعية؛ كذا قال بعضُ العلماء، لكن الظاهر هو الأول. انتهى. قلت: بل هو المتعيَّن، وقد تقدَّم ما يتعلَّق بقوله: ((أصحابنا)) في ((المقدمة)). (قال: وسمعت أبا بكر العطَّارَ البصري) اسمه: أحمد بن محمد بن إبراهيم، صدوقٌ، من الحادية عشرة، كذا في ((التقريب)) (وقال: هو شبه لا شيء) يعني: أنه ضعيف، والحديث ٢٩٩ أبواب الطهارة عن رسول الله وَل ◌َه / باب مَا جَاءَ فِي ترك الوضوء مِنَ القُبلة وَقالَ: حِيبُ بن أبي ثَابتٍ لَمْ يَسْمَعْ مِن عُرْوةَ. وَقَدْ رُوي ◌َعَن إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيّ عَن عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ وَلِ قَبَّلَهَا وَلَمْ يَتَوَضّأُ. [ر: ١٧٨]. وَهَذَا لا يَصِحُّ أيْضاً، ولا نَعْرِفُ لإبراهيمَ التَّيْمِيِّ سَماعاً مِن عَائِشَةَ. وليْسَ يَصِحُ عَنِ النَّبِيِّ بَِّ فِي هذَا الْبَابِ شيْءٌ. أخرجه أبو داود وابن ماجه، (وقال: حبيبُ بن أبي ثابت لم يسمع من عروة) قال ابن أبي حاتم في ((كتاب المراسيل)) (١) ذكر أبي عن إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين، قال: لَم يَسْمع حبيبُ بن أبي ثابتٍ من عروة، وكذلك قال أحمد: لم يسمع من عروة. انتهى، (وقد روي عن إبراهيم التيمي عن عائشة أن النبيَّ ◌َ﴿ قَبَّلها ولم يتوضَّأ)؛ أخرجه أبو داود والنسائي (٢)، (وهذا لا يصح أيضًا، ولا نعرف لإبراهيم التيميّ سماعًا من عائشة)، قال الدارقطني، في ((سننه))(٣) - بعد رواية حديث إبراهيم التيمي عن عائشة -: وإبراهيم التيميُّ لم يسمع من عائشة ولا من حفصة، ولا أدركَ زمانهما، وقد روى هذا الحديث معاويةُ بن هشامٍ عن الثوريِّ عن أبي روقٍ عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن عائشة؛ فوصل إسناده، واختلف عنه في لفظه؛ فقال عثمان بن أبي شيبة عنه بهذا الإسناد: إن النبيَّ وَلِ كان يقبِّلُ وهو صائمٌ، وقال عنه غير عثمان: إنَّ النبيَّ ◌َِّ كان يقبّلُ ولا يَتَوَضَّأ، والله أعلم. انتهى. (وليس يصح عن النبي ( 18 في هذا الباب شيء) أي: في باب ترك الوضوء من القبلة، لكن حديث الباب مرويٌّ من طرق كثيرة، فالضعفُ منجبرٌ بكثرة الطرق، ويؤيِّده أحاديثُ عائشة الأخرى؛ کما قد عرفت. واعلم: أن القائلين بانتقاض الوضوء من القُبلة ولمس المرأة: اختلفوا في اشتراط وجود اللذة وعدمه، قال الزُّرقانيُّ في ((شرح الموطأ)): لم يشترط الشافعيُّ وجود اللَّذةِ لظاهر قول ابن عمر وابن مسعود وعموم الآية: وللإِجماع على وجُوب الغُسلِ على المستكرهة والنائمة بالتقاء الختانين، وإن لم تَقَع لذة، واشترط مالك اللذة أو وجودها عند اللَّمس، وهو أصحُّ؛ لأنه لم يأت في الملامسة إلَّا قولان: الجماعُ، وما دونه، ومن قال بالثاني إنما أراد ما دونه مما ليس بجماع ولم يرد اللطمة ولا قُبلَة الرجل ابْنَتَهُ ولا اللَّمسَ بلا شهوةٍ، فلم يبقَ إلَّا ما (١) ابن أبي حاتم في ((المراسيل)) (٨١). (٢) أبو داود، كتاب الطهارة. حديث (١٧٨)، والنسائي، كتاب الطهارة. حديث (١٧٠). (٣) الدارقطني (١٣٩/١). حديث (٢٠). ٣٠٠ أبواب الطهارة عن رسول الله وي ليه / باب مَا جَاءَ فِي الوُضُوء مِنَ القَيْءِ وَالرُّعَافِ ٦٤ - باب مَا جَاءَ في الوُضُوء مِنَ القَيْءِ وَالزُّعَافِ (ت٦٤، ٦٤٢] [٨٧] (٨٧) حدثنا أبو عُبَيدَةَ بن أبي السَّفَرِ - وَهُوَ أحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الهَمْدَانِيُّ الكوفيُّ - وإسحاقُ بن مَنْصُورٍ، قَالَ أبو عُبَيْدَةَ: حَدَّثَنَا، وقال إسحاقُ: أحْبَرَنَا عبدُ الصَّمَدِ بن عَبْدِ الوَارِثِ، حَدَّثَنِي أبي، وقعت به اللذة، إذ لا خلاف أن من لَطَمَ امرأته أو داوى جُرْحَهَا لا وضُوءَ عليه؛ فكذلك مَن لَمَسَ ولم يلتذَّ، كذا قال ابن عبد البر؛ وفيه نظر، فذهب الشافعي: أن مس المرأة بلطمها أو مداواة جرحها ناقضٌ للوضوء؛ فإن أراد نفي الخلاف في مذهبه، لم يتمَّ الدليلُ؛ لأنه من جملة محل النزاع. انتهى كلام الزرقاني. ٦٤ - باب مَا جَاءَ في الوضُوءِ مِن القَيءٍ والرُّعافِ بضم الراء، الدَّمُ الذي يَخرجُ من الأنف، وأيضًا: الدَّمُ بعينه؛ كذا في ((القاموس)). [٨٧] قوله: (حدثنا أبو عبيدة بن أبي السفر) اسمه: أحمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أبي السَّفرِ، بفتح السين والفاء، سعيد بن يُحمدَ الكوفي، روى عن: عبد الله بن نمير، وأبي أسامة، وعبد الصمد بن عبد الوارث، وغيرهم، وعنه: الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، قال أبو حاتم: شيخ، مات سنة (٢٥٨) ثمان وخمسين ومئتين، كذا في ((الخلاصة))، وقال في ((التقريب)): صدوق يهم، (وإسحاق بن منصور) بن بهرام الكوسج، أبو يعقوب التميمي المروزي، ثقة ثبتٌ، من الحادية عشرة، كذا في ((التقريب))، وقال في ((الخلاصة)): هو أحد الأئمة المتمسِّكين بالسنة، صاحبُ مسائل الإمامين أحمد وإسحاق، رَجَالٌ جوَّال واسعُ العلم، عن: ابن عيينة، والنضر بن شميل، وخلق، وعنه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وقال: ثقة ثبت، مات سنة (٢٥١) إحدى وخمسين ومئتين، (قال أبو عبيدة: ثنا، وقال إسحاق: أنا عبد الصمد بن عبد الوارث) يعني: قال أبو عبيدة في روايته: ((ثنا عبد الصمد)) بلفظ التحديث، وقال إسحاق في روايته: ((أنا عبد الصمد)) بلفظ الإخبار، وعبد الصمد بن عبد الوارث هذا هو ابنُ سعيد العنبريّ التنوريُّ، أبو سهل البصري الحافظ، صدوقٌ، ثَبْتٌ في شعبة، من التاسعة مات سنة (٢٠٧) سبع ومئتين . (قال: حدثني أبي) هو: عبد الوارث بن سعيد بن ذَكوانَ التميمي العنبري، قال النسائي: