Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ أبواب الطهارة عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاءَ فِي التَّسْمِيَّةِ عِنْدَ الوُضُوء قَالَ: وفي البابِ عَن عَائِشَةَ، وأبي سَعِيدٍ، وَأبي هُرَيْرَةَ، وَسَهْل بن سَعْدٍ، وَأَنَسٍ. قلت: حديث ابن عمر وابن مسعود هذا ضعيفٌ، رواه الدارقطني والبيهقي من حديث ابن عمر، وفيه: أبو بكر الداهري عبد الله بن الحكم، وهو متروك ومنسوب إلى الوضع، ورواه الدارقطني والبيهقي (١) أيضًا من حديث أبي هريرة، وفيه: مرداسُ بن محمد بن عبد الله بن أبان عن أبيه، وهما ضعيفان، ورواه الدارقطني والبيهقي(٢) أيضًا من حديث ابن مسعود وفي إسناده: يحيى بن هشام السمسار، وهو متروك، فالحديث لا يصلحُ للاحتجاج، فلا يصح الاستدلال به، على أن النفي في قوله بَّهِ: ((لا وضُوءَ لِمَن لم يذكر اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ» محمولٌ على نَفْي الكمال. فإن قلت: قد صرَّح ابن سيد الناس في ((شرح الترمذي)) بأنه قد روي في بعض الروايات: ((لا وضُوءَ كَامِلًا))، وقد استدل به الرافعي؛ فهذه الرواية صريحةٌ في أن المراد في قوله: ((لا وضُوءَ)) في حديث الباب؛ نفي الكمال. قلت: قال الحافظ في ((التلخيص)): لم أره هكذا. انتهى. فلا يُعلَمُ حالُ هذه الرواية كيف هي، صالحة للاحتجاج أم لا، والله تعالى أعلم. قوله: (في الباب: عن عائشة، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وسهل بن سعد، وأنس) : أما حديث عائشة: فأخرجه البزَّار، وأبو بكر بن أبي شيبة في ((مسنديهما)) وابن عدي(٣)، وفي إسناده حارثة بن محمد؛ وهو ضعيف، وأما حديث أبي هريرة: فأخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي في (العلل))، والدارقطني، وابن السكن، والحاكم، والبيهقي(٤)؛ من طريق محمد بن موسى المخزومي، عن يعقوب بن سلمة، عن أبيه، عن (١) الدارقطني (٧٤/١). حديث (١٣)، والبيهقي في ((الكبرى)). حديث (٢٠١). (٢) الدارقطني (٧٣/١). حديث (١١)، والبيهقي في ((الكبرى)). حديث (١٩٩). (٣) البزار (١٣٧/١). حديث (٢٦١ - كشف) مختصرًا، وابن عدي في ((الكامل)) (١٩٨/٢). (٤) أحمد. حديث (٩١٣٧)، وأبو داود، كتاب الطهارة. حديث (١٠١)، وابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها. حديث (٣٩٩)، والدارقطني (٧٩/١). حديث (١)، والحاكم. حديث (٥١٨)، والبيهقي في ((الكبرى)). حديث (١٨٣). ١٢٢ أبواب الطهارة عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاءَ فِي التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الوُضُوء أبي هريرة بهذا اللفظ، ورواه الحاكم من هذا الوجه، فقال: يعقوب بن أبي سلمة، وادَّعى أنه الماجِشُونُ، وصححه لذلك؛ فوهم، والصواب: أنه الليثي، قال الحافظ: قال البخاري: لا يعرف له سماع من أبيه، ولا لأبيه من أبي هريرة، وأبوه ذكره ابن حبَّان في ((الثقات))، وقال: ربما أخطأ، وهذه عبارة عن ضعفه؛ فإنه قليل الحديث جدًّا ولم يرو عنه سوى ولده، فإذا كان يخطئ مع قلَّة ما روى، فكيف يوصَفُ بكونه ثقة، قال ابن الصلاح: انقلب إسناده على الحاكم؛ فلا يحتجُّ لثبوته بتخريجه له، وتبعه النوويُّ، وله طرقٌ أخرى كلّها ضعيفة. وأما حديث أبي سعيد الخدريِّ فأخرجه أحمد، والدارمي، والترمذي في ((العلل))، وابن ماجه، وابن عدي، وابن السكن، والبزار، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي (١)؛ بلفظ حديث الباب، وزعم ابن عدي: أن زيد بن الحُبَاب تفرَّد به عن كثير بن زيد، قال الحافظ : وليس كذلك؛ فقد رواه الدارقطني من حديث أبي عامر العَقَدِيِّ، وابنُ ماجه من حديث أبي أحمد الزهرِيِّ وكثير بن زيد، قال ابن معين: ليس بالقوي، وقال أبو زرعة: صدوق، فيه لین، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، ليس بالقوي، یکتب حديثه، و کثیر بن زید رواه عن رُبَيْح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد، ورُبَيحُ، قال أبو حاتم: شيخ، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال أحمد: ليس بالمعروف، وقال المروزي: لم يصحِّحه أحمد، وقال: ليس فيه شيء يثبت، وقال البزار: كل ما روي في هذا الباب فليس بقوي، وذكر: أنه روي عن كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة، وقال العقيلي: الأسانيد في هذا الباب فيها لينٌ، وقد قال أحمد بن حنبل: إنه أحسن شيء في هذا الباب، وقد قال أيضًا: لا أعلم في التسمية حديثًا صحيحًا، وأقوى شيء فيه حديث كثير بن زيد عن رُبيحٍ، وقال إسحاق: هذا - يعني: حديث أبي سعيد - أصح ما في الباب. وأما حديث سهل بن سعد: فأخرجه ابن ماجه، والطبراني (٢)، وفيه عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد، وهو ضعيف، وتابعه أخوه أبيُّ بن عباس، وهو مختلف فيه. (١) أحمد. حديث (١٠٩٧٧)، والدارمي، كتاب الطهارة. حديث (٦٩١)، وابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها. حديث (٣٩٧)، وابن عدي في ((الكامل)) (٧٦/٦)، والدارقطني (٧١/١). حديث (٣)، والحاكم (٥٢٠)، والبيهقي في ((الكبرى)). حديث (١٩٢). (٢) ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها. حديث (٤٠٠)، والطبراني في ((الكبير)). حديث (٥٦٩٩). ١٢٣ أبواب الطهارة عن رسول الله وَيه / باب مَا جَاءَ فِي التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الوُضُوء قَالَ أبُو عِيْسَى: قَالَ أحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ: لا أعْلَمُ في هَذَا البَابِ حَديثاً لَهُ إِسْنَادٌ جَيِّدٌ. وَقَال إِسْحَاقُ: إِنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَامِداً أعَادَ الوُضُوءَ، وَإِنْ كانَ نَاسِياً أوْ مُتَأَوِّلًا: أجْزَاهُ. وأما حديث أنس(١): فأخرجه عبد الملك بن حبيب الأندلسي، وعبد الملك شديدُ الضَّعفِ. قوله: (قال أحمد: لا أعلم في هذا الباب حديثًا له إسناد جيد) وقال البزَّار: كل ما روي في هذا الباب، فليس بقويٍّ. قلت: أحاديثُ هذا الباب كثيرةٌ يشدُّ بعضُها بعضًا، فمجموعها يدلُّ أن لها أصلًا، قال الحافظ ابن حجر: والظاهر أن مجموع الأحاديث يحدثُ منها قوة تدلُّ على أن له أصلًا، وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ثبت لنا أن النبيَّ بَّ قاله، وقال ابن سيد الناس في ((شرح الترمذي)»: لا يخلُو هذا الباب من حَسَن صريح وصحيح غير صريح. انتهى، وقال الحافظ المنذريُّ في ((الترغيب)): وفي الباب أحاديث كثيرة لا يسلَمُ شيء منها عن مقال، وقد ذهب الحسنُ وإسحاقُ بن رَاهَوَيهِ وأهلُ الظاهر: إلى وجوب التسمية في الوضوء؛ حتى إنه إذا تعمَّد تركها، أعاد الوضوء، وهو رواية عن الإمام أحمد، ولا شك أن الأحاديث التي وردت فيها، وإن كان لا يَسْلمُ شيء منها عن مقال؛ فإنها تتعاضدُ بكثرة طرقها وتكتسب قوة. انتهى كلام المنذري، وحديث الباب : - أعني: حديث سعيد بن زيد - أخرجه أيضًا أحمد، وابن ماجه، والبزَّار، والدارقطني، والعُقَيْلي، والحاكم(٢)، وأعلَّ بالاختلاف والإرسال، وفي إسناده أبو ثفال عن رباح مجهولان، فالحديثُ: ليس بصحيح؛ قاله أبو حاتم وأبو زرعة، وقد أطال الكلام على حديث سعيد بن زيد هذا الحافظ ابن حجر في ((التلخيص)). قوله: (وقال إسحاق: إن ترك التسمية عامدًا أعاد الوضوء، وإن كان ناسيًا أو متأولًا أجزأه) فعند إسحاق: التسمية واجبٌ في الوضوء، وهو قول الظاهرية وإحدى الروايتين عن أحمد بن حنبلٍ، واختلفوا: هل هي واجبةٌ مطلقًا أو على الذاكرٍ؟ فعند إسحاق: على الذاكر، وعند الظاهرية: مطلقًا، وذهبت الشافعية والحنفية ومالك وربيعة: إلى أنها سُنَّة، واحتج (١) أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (١٠٠/٣). (٢) الدارقطني (٧٣/١). حديث (٩)، والعقيلي في ((الضعفاء)) (١/ ١٧٧)، والحاكم. حديث (٦٨٩٩). ١٢٤ أبواب الطهارة عن رسول الله وَلاقه / باب مَا جَاءَ فِي التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الوُضُوء قَالَ مُحَمَّدُ بنُّ إِسْمَاعِيلَ: أحْسَنُ شَيْءٍ في هذَا البَابِ حَديثُ رَبَاحِ بن عبد الرَّحْمن. قَالَ أبُو عِيْسَى: ورَبَاحُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَن جَدَّتِهِ عَن أبِيها. وَأبوهَا سَعيدُ بنُ زَيْدِ بن عَمْرِو بن نُفَيْلٍ . وَأَبُو ثِفَالِ المُرِّيُّ اسمه: ثُمَامَةُ بنُ حُصَيْنٍ. وَرَبَاحُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هو: أبُو بَكْرٍ بن حُوَيْطِبٍ، مِنْهُمْ مَن رَوَى هذا الحَدِيثَ فقَال: عَن أبي بَكْرٍ بن حُوَيْطِبٍ، فَتَسَبَهُ إِلَى جَدِّهِ. [٢٦] (٢٦) حدثنا الحَسَنُ بنُ عَلِيِّ الحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ، عَن يَزِيدَ بن عِياضٍ، عَن أبي ثِفالِ المُرِّيِّ، عَن رَبَاحٍ بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن أبي سُفْيَانَ بن حُوَيْطِبٍ، عَن جَدَّتِهِ بِنْتِ سَعِيدٍ بن زَيْدٍ، عَن أبيها، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ: مِثْلَهُ. [جه: ٣٩٨]. الأولون: بأحاديث الباب، واحتج الآخرون: بحديث ابن عمر مرفوعًا: ((مَن تَوضَّأ وذَكَرَ اسْمَ اللهِ كَانَ ظُهُورًا لِجَميعِ بَدَنِهِ)) الحديث، وقد تقدَّم، وقد عرفت أنه ضعيفٌ لا يصلُحُ للاحتجاج. قوله: (قال محمد بن إسماعيل: أحسن شيء في هذا الباب حديثُ رباح بن عبد الرحمن) يعني: حديث سعيد بن زيد المذكورَ في هذا الباب، وقال أحمد: أقوى شيء فيه حديثُ كثيرٍ بن زيد عن ربيح، يعني: حديث أبي سعيد، وسئل إسحاق بن راهويه: أيُّ حديث أصحُ في التسمية ؟ فذكر حديث أبي سعيد. قوله: (وأبو ثفال المري اسمه ثُمَامَة) بضم المثلثة (ابن حُصَيْن) بالتصغير، وخُصَيْن جد أبي ثفال، واسم أبيه: وائل؛ كما تقدم، (فنسبه إلى جده) أي: إلى جده الأعلى. [٢٦]. ١٢٥ أبواب الطهارة عن رسول الله وَّةٍ / باب مَا جَاءَ فِي المَضْمَضَةِ وَالاسْتِنْشَاقِ ٢١ - باب مَا جَاءَ في المَضْمَضَةِ وَالاسْتِنْشَاقِ [ت٢١، م٢١] [٢٧] (٢٧) حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بنُ زَيدٍ وجَرِيرٌ، عَن مَنْصُورٍ، عَن هِلالٍ بن يَسَافٍ، عَن سَلَمَة بن قَيْسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إذا تَوَضَّأْتَ فانْتَِرْ، وإذا استَجْمَرْتَ ٢١ - بَابٌ: مَا جَاءَ في المَضْمِضَةِ وَالاستنشاق أصل المضمضة - في اللغة -: التحريك، ومنه: مَضْمَضَ النُّعاس في عينيه، إذا تحركتا بالنعاس، ثم اشتهر استعماله في وضع الماء في الفم وتحريكه، وأما معناه في الوضوء الشرعيّ؛ فأكمله: أن يضع الماء في الفم، ثم يديره ثم يمجه؛ كذا في ((الفتح))، والاستنشاق: هو إدخال الماء في الأنف. [٢٧] قوله: (وجرير) هو: ابن عبد الحميد بن قُرط الضبي الكوفي، نزيل الري، وقاضيها، ثقة، صحيح الكتاب، قيل: كان في آخر عمره يَهمُ من حفظه، مات سنة (١٨٨) ثمان وثمانين ومئة، وهو من رجال الكتب الستة. (عن منصور) بن المعتمر بن عبد الله السلمي الكوفي، ثقة ثَبْتٌّ، وكان لا يدلِّس، من طبقة الأعمش، مات سنة (١٣٢) اثنتين وثلاثين ومئة، وهو من رجال الكتب الستة أيضًا. (عن هلال بن يساف) قال في ((التقريب)): بكسر التحتية، وكذا في ((القاموس))، وقال الخزرجي: بفتح التحتية، الأشجعي مولاهم، ثقة، من أوساط التابعين، (عن سلمة بن قيس) الأشجعي، صحابي، سكن الكوفة. قوله: (إذا توضأت فانتثر) قال في ((القاموس)): ((استنثر)): اسْتَنْشَقَ الماء ثم استخرج بنفس الأنف كـ ((انتثر)). انتهى، وقال الحافظ: الاستئثار: هو طَرْحُ الماء الذي يَسْتنشِقُهُ المتوضئ، أي: يجذبه بريح أنفه لتنظيف ما في داخله، فيخرجه بريح أنفه، سواء كان بإعانة يده أم لا، وحكي عن مالك كراهيةُ فعله بغير إعانة اليد؛ لكونه يشبه فعل الدَّابة، والمشهور: عدم الكراهة، وإذا استنثر بيده فالمستحبُّ: أن يكون باليسرى، بوَّب عليه النسائي(١) وأخرجه مقيدًا بها من حديث عليٍّ. انتهى. (وإذا استجمرت) أي: إذا استعملت الجمارَ، وهي: الحجارة الصغار في الاستنجاء، (١) النسائي، كتاب الطهارة. حديث (٩١). ١٢٦ أبواب الطهارة عن رسول الله وَّهَ / باب مَا جَاءَ فِي المَضْمَضَةِ وَالاسْتِنْشَاقِ فَأَوْتِرْ)). [ن: ٨٩، جه: ٤٠٦، حم: ١٨٣٣٨]. قَالَ: وفي البابِ عَن عُثْمانَ، وَلَقِيطِ بن صَبِرَةَ، وابن عبّاسٍ، وَالمِقْدَامِ بن مَعْدِي كَرِبَ، وَوَائلٍ بن حُجْر، وأبي هُرَيرةَ. (فأوتر) أي: ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا، ووقع في رواية أبي هريرة: ((مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوترْ، مَن فَعَلَ فَقَد أَحْسَنَ، وَمَن لا فَلا حَرَجَ))، أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه(١)، قال الحافظ في (الفتح)): وهذه الزيادة حسنة الإسناد، وأخذ بهذه الرواية أبو حنيفة ومالك، فقالوا: لا يعتبر العَدَدُ بل المعتبر الإنقاء، وأخذ الشافعي وأحمد وأصحاب الحديث بحديث سَلْمانَ عن النبي ﴿﴿ قال: ((لا يَسْتَنجِ أحَدُكُم بِأفَلَّ مِن ثَلاثَةِ أحْجَارٍ))؛ رواه مسلم(٢)، فاشترطوا ألَّا ينقص من الثلاث مع مراعاة الإنقاء، وإذا لم يحصل بها فيزاد حتى يُنْقَى، ويستحبُّ حينئذ الإيتارُ؛ لقوله: ((مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيوترْ))، وليس بواجب، لقوله: (([و] مَن لا فلا حَرَجَ))، وبهذا: يحصل الجمع بين الروايات في هذا الباب. انتهى. قوله: (وفي الباب: عن عثمان، ولقيط بن صَيِرَة، وابن عبّاس، والمقدام بن معدي کرب، ووائل بن حجر). أما حديث عثمان؛ فأخرجه الشيخان(٣)، وأما حديث لقيط بن صبرة: فأخرجه أحمد، وأهل السنن الأربع، والشافعي، وابن الجارود، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي (٤)، وفيه: ((وَبَالِغ فِي الاسْتِنْشَاقِ إلَّا أن تَكُونَ صَائِمًا))، وفي رواية من هذا الحديث: ((إذَا تَوَضَّأْتَ فَمَضْمِض))، أخرجها أبو داود(٥) وغيره، قال الحافظ في ((الفتح)): إن إسنادها صحيح، وقد رد الحافظ في ((التلخيص)) ما أعلَّ به حديثُ لقيط بن صَبِرة من أنه لم يرو عن عاصم بن لقيط بن صبرة إلّا إسماعيل بن كثير، وقال: ليس بشيء؛ (١) أحمد. حديث (٨٦٢١)، وأبو داود، كتاب الطهارة. حديث (٣٥)، وابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها. حدیث (٣٣٨). (٢) مسلم، كتاب الطهارة. حديث (٢٦٢). (٣) البخاري، كتاب الوضوء. حديث (١٥٩)، ومسلم، كتاب الطهارة. حديث (٢٢٦). (٤) أحمد. حديث (١٥٩٤٦)، والترمذي، كتاب الصوم. حديث (٧٨٨)، وأبو داود، كتاب الطهارة. حديث (١٤٢)، والنسائي، كتاب الطهارة. حديث (١١٤)، وابن ماجه، كتاب الطهارة. حديث (٤٠٧)، والشافعي. حديث (٤٨)، وابن الجارود (٨٠)، وابن خزيمة (١٥٠)، وابن حبان (١٠٨٧)، والحاكم (٥٢٥)، والبيهقي في ((الكبرى)). حديث (٣٦٤). (٥) أبو داود، كتاب الطهارة. حديث (١٤٢). ١٢٧ أبواب الطهارة عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاءَ فِي المَضْمَضَةِ وَالاسْتِنْشَاقِ قَالَ أبُو عيسى: حَديثُ سلمَةَ بن قَيْسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَاخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ فِيمَنْ تَرَكَ المَضْمَضَةَ وَالاسْتِنْشَاقَ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: إذَا تَرَكَهُمَا فِي الوُضُوءِ حَتَّى صَلَّى أعَادَ الصَّلاةَ، ورَأوْا ذَلكَ في الوُضُوءِ وَالجَنَابَةِ سَوَاءً، وَبِهِ يَقولُ ابنُ أبي لَيْلَى، وَعَبْدُ الله بنُ المَبَارَكِ، وَأحْمَدُ، وإِسْحَاقُ، وقالَ أحْمَدُ: لأنه روى عنه غيره، وصححه الترمذي والبغوي وغيرهما بالأسانيد الصحيحة، وقال النووي: هو حديث صحيح، رواه أبو داود والترمذي وغيرهما بالأسانيد الصحيحة، وأما حديث ابن عباس: فأخرجه أبو داود، وابن ماجه، وابن الجارود، والحاكم(١)، وصححه ابن القطان، ولفظه: ((اسْتَنْثِروا مَرَّتَيْنِ بالغَتَيْنِ أو ثَلاثًا)). كذا في ((التلخيص))، وأما حديث المقدام بن معدي کرب: فأخرجه أبو داود(٢)، وسكت عنه هو والمنذري، وأما حديث وائل بن حجر: فأخرجه الطبراني في ((الكبير)) والبزار(٣)، وفيه سعيد بن عبد الجبَّار، قال النسائي: ليس بالقوي، وذكره ابن حبَّان في ((الثقات))، وفي مسند البزَّار، والطبراني: ((محمد بن حُجْر)) وهو ضعيف، كذا في ((مجمع الزوائد)) ص ٩٤ ج ١. وفي الباب أحاديث أخرَى، منها: حديث أبي هريرة: ((إذَا تَوَضَّأَ أَحَدِكُمْ فَلْيَجْعَلِ فِي أَنْفِهِ مَاءَ ثَمَّ لَيَنَْئِرْ)) أخرجه الشيخان (٤). قوله: (حديث سلمة بن قيس: حديث حسن صحيح)، وأخرجه النسائي. قوله: (فقالت طائفة منهم: إذا تركهما في الوضوء حتَّى صلى؛ أعاد الصلاة، ورأوا ذلك في الوضوء والجنابة سواءً، وبه يقول ابن أبي ليلى، وعبد الله بن المبارك، وأحمد، وإسحاق). واستدلوا بأحاديث الباب، وقولهم هو الراجح؛ لثبوت الأمر بهما، والأصل في الأمر الوجوب، مع ثبوت مواظبته وَّ عليهما. (وقال أحمد: (١) أبو داود، كتاب الطهارة. حديث (١٤١)، وابن ماجه، كتاب الطهارة. حديث (٤٠٨)، وابن الجارود. حديث (٧٧)، والحاكم، حديث (٥٢٦). (٢) أبو داود، كتاب الطهارة. حديث (١٢١). (٣) الطبراني في ((الكبير)) (٤٩/٢٢). حديث (١١٨)، والبزار (١٤٠/١). حديث (٢٦٨- كشف). (٤) البخاري، كتاب الوضوء. حديث (١٦٢)، ومسلم، كتاب الطهارة. حديث (٢٣٧). ١٢٨ أبواب الطهارة عن رسول الله وَّهِ / باب مَا جَاءَ فِي المَضْمَضَةِ وَالاسْتِنْشَاقِ الاستِنْشَاقُ أوْكَدُ مِنَ المَضْمَضَةِ. قَالَ أبُو عِيْسَى: وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِن أهْلِ العلمِ: يُعِيدُ فِي الجَنَابَةِ، وَلا يُعِيدُ فِي الوُضُوءِ، وَهُوَ قَوْلُ سِفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَبَعْضِ أهْلِ الَكُوفَةِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لا يُعِيدُ في الوُضُوءِ وَلا في الجَنَابَةِ، لأنَّهُمَا سنَّةٌ مِنَ النَّبِيِّ بَهِ، فَلا تَجِبُ الإِعَادَةُ عَلَى مَن تَرَكَهُمَا في الوُضُوءِ، ولا في الجَنَابةِ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكِ وَالشَّافِعِيِّ في أخَرَة. الاستنشاق أوكَدُ من المضمضة)، لما ورد في حديث لقيط بن صَبِرَة: ((وَبَالغ في الاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أن تكُونَ صائِمًا))(١). (وقالت طائفة من أهل العلم: يعيد في الجنابة، ولا يعيد في الوضوء، وهو: قول سفيان الثوري وبعض أهل الكوفة) وهو قول أبي حنيفة، ومن تبعه، فعند هؤلاء: المضمضةُ والاستنشاقُ سنتان في الوضوء، وواجبان في غسل الجنابة، واستدلوا على عدم الوجوب في الوضوء بحديث: ((عَشْرٌ مِن سُنَنِ المُرْسلينَ))، وقد ردَّه الحافظ في ((التلخيص))، وقال: إنه لم يرد بلفظ: ((عَشْرٌ من السُّننْ))، بل بلفظ: ((من الفِطْرَة)، ولو ورد لم ينتهض دليلًا على عدم الوجوب؛ لأن المراد به ((السُّنَّة)) أي: الطريقة لا السنة بالمعنى الاصطلاحي الأصولي، واستدلوا أيضًا بحديث ابن عباس مرفوعًا بلفظ: ((المَضْمَضَة والاستِنْشَاقُ سُنَّةٌ))، رواه الدار قطني(٢)، قال الحافظ: وهو حديث ضعيف، واستدلّوا أيضًا بما رواه الترمذي وحسَّنه، وصحَّحه الحاكم من قوله بَّهِ للأعرابي: (تَوَضَّأ كَمَا أمَرَكَ اللهُ)) (٣) فأحاله على الآية، وليس فيها ذكر المضمضة والاستنشاق والاستنثار، ورُدَّ بأن الأمر بغسل الوجه: أمْر بها، وبأن وجوبها ثَبَتَ بِأَمْر رَسُولِ اللهِ نَّهَ، والأمْرُ منه أمرٌ مِنَ الله تعالى، بدليل: ﴿وَمَآ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]. قوله: (وقالت طائفة: لا يعيد في الوضوء ولا في الجنابة .... إلخ) ليس لهذه الطائفة دليلٌ صحيحٌ، وقد اعترف جماعةٌ من الشافعية وغيرهم بضعف دليل مَن قالَ بعدم وجوب المضمضة والاستنشاق والاستنثار؛ قاله في ((النيل))، والله تعالى أعلم. ١٢٩ أبواب الطهارة عن رسول الله ێد / باب المضمضةِ وَالاسْتِنْشَاقٍ مِن گَفِّ وَاحِدٍ ٢٢ - باب المضمضةِ وَالاسْتِنْشَاقِ مِن كَفِّ وَاحِدٍ [ت٢٢، ٢٢٢] [٢٨] (٢٨) حدثنا يَحْيَى بن مُوسَى، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بنُ موسى الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بن عبدِ الله، عَنِ عَمْرٍو بن يَحْيَى، عَن أبيهِ، عَن عَبْدِ الله بن زَيْدٍ، قَالَ: رَأيْتُ النَّبِيَّ وَّهِ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِن كفِّ وَاحِدٍ، فَعَلَ ذلِكَ ثَلاثاً. (خ مطولاً: ١٩٩، م مطولاً: ٢٣٥، جه: ٤٠٥، حم: ١٦٠٣٧]. ٢٢ - بابٌ: في المَضْمَضَةِ والاسْتَنْشَاقِ مِن كَفِّ واحِدٍ [٢٨] قوله: (حدثنا يحيى بن موسى) بن عبد ربه الحُدَّاني البلخي، أبو زكريا، لقبه (حَتَّ)) بفتح المعجمة وتشديد المثناة، ثقة، روى عن: الوليد بن مسلم، ووكيع، وغيرهما، وعنه: البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، والسراج، وقال: ثقة مأمون، مات سنة (٢٤٠) أربعين ومئتين، كذا في ((التقريب)) و((الخلاصة)) (نا إبراهيم بن موسى) بن يزيد التميمي، أبو إسحاق، الفرَّاء الصغير، الرازي الحافظ، أحدُ بحور الحديث، وكان أحمد يُنْكِرُ على مَن يقول: الصغير، ويقول: هو كبير في العلم والجَلالة، روى عن: أبي الأحوص، وخالد الطخَّان، وغيرهما، وعنه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، وغيرهم، قال أبو زُرْعة: كتبتُ عنه مئة ألف حديث، وهو أتقنُ وأحفْظُ من أبي بكر بن أبي شيبة، وثّقه النسائي، مات بعد العشرين ومئتين، (نا خالد) هو: خالد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد المزني مولاهم، الواسطي الطحَّان، ثقة ثَّبْتُ، قال أحمد: كان ثقة دَيِّئًا، بلغني أنه اشترى نفسه من الله ثلاثَ مرَّات، يتصدّق بوزن نفسه فِضَّة. (عَن عمرو بن يحيى) بن عمارة بن أبي حسن المازني المدني، سِبْطِ عبد الله بن زيد، وثَّقه أبو حاتم والنسائي، (عن أبيه) هو: يحيى بن عمارة، وثّقه النسائي وغيره، (عن عبد الله بن زيد) هو: عبد الله بن زيد بن عاصم، وهو: غيرِ عبد الله بن زيد بن عبد ربِّه صاحب الأذان؛ كذا قاله الحُفَّاظ من المتقدِّمين والمتأخّرين، وغَلَّعُوا سفيان بن عيينة في قوله: هُوَ هُوَ، وممن نَصَّ على غلطه في ذلك البخاريُّ في كتاب ((الاستسقاء)» من «صحيحه»، وقد قيل: إن صاحب الأذان لا يُعْرَفُ له غیر «حدیث الأذان) والله أعلم؛ قاله النووي. قوله: (مضمض واستنشق من كف واحد، فعل ذلك ثلاثًا) وفي رواية مسلم (١): (١) مسلم، كتاب الطهارة. حديث (٢٣٥). ١٣٠ أبواب الطهارة عن رسول الله وَ﴿ / باب المَضمَضةِ وَالاسْتِنْشَاقِ مِن كَفِّ وَاحِدٍ ((مَضْمَضَ واسْتَنشقَ مِن كَفِّ وَاحِدَةٍ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثلاثًا))، وكذلك وقع في رواية البخاري، قال النووي: فيه حجة صريحةٌ للمذهب الصحيح المختار؛ أن السنة في المضمضة والاستنشاق أن يكون بثلاث غرفات، يتمضمَضُ ويستنشق من كل واحدة منها. انتهى. وقال الحافظ في ((الفتح)): وهو صريحٌ في الجمع في كل مَرَّة. انتهى. قلت: حديثُ عبد الله بن زيد هذا دليلٌ صحيحٌ صريحٌ لمن قال: إن المستحبَّ في المضمضة والاستنشاق أن يَجمَعَ بينهما بثلاث غرفات، بأن يتمضمض ويستنشق من غرفة، ثم يتمضمض ويستنشق من غرفة، ثم يتمضمض ويستنشق من غرفة؛ وإليه ذهب طائفة من أهل العلم، وإليه ذهب الشافعيُّ، كما هو المشهور عنه، وقال الحافظ ابن القيِّم في ((زاد المعاد)): وكان هديه ◌َّ الوَصْلَ بين المضمضة والاستنشاق، كما في ((الصحيحين)) من حديث عبد الله بن زيد: أنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ تَمَضْمَضَ واستنشق من كفِّ وَاحدةٍ، فَعَلَ ذَلكَ ثلاثًا، وفِي لَفظ: ((تَمَضْمضَ واسْتَنْثَرَ بِثَلاثِ غَرَفَاتٍ))، فهذا أصح ما روي في المضمضة والاستنشاق، ولم يجئ الفصلُ بين المضمضة والاستنشاق في حديث صحيح البتّةَ. انتهى. فإِن قُلْتَ: قال القاري في ((المرقاة)): قوله: ((مَضْمَضَ واسْتَنْشقَ مِن كَفَّةٍ وَاحدةٍ) فِيهِ حجةٌ للشافعي، كذا قاله ابن الملك وغيره من أئمتنا، والأظهر: أن قوله: ((مِن كَفَّةٍ)) تنازع فيه الفعلان، والمَعْنَى: مضمض من كفة، واستنشق من كفة، وقيد الواحدة احترازًا عن التثنية. انتھی. وقال العيني في ((شرح البخاري)) ص ٦٩٠ ج ١: والجوابُ عمَّا ورد في الحديث: (فَتَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشِقَ بِكَفٍّ وَاحدٍ)) أنه محتمل؛ لأنه يحتمل أنه تَمضمضَ واستنشق بكفٍّ واحد بماء واحد، ويحتمل أنه فعل ذلك بكف واحدٍ بمياه، والمحتمل لا يقوم به حجة، ويُرَدُّ هذا المحتملُ إلى المحكم الذي ذكرنا، توفيقًا بين الدليلَيْن، وقد يقال: إن المراد استعمال الكَفِّ الواحد بدون الاستعانة بالكفَّين. انتهى كلام العيني. قلت: قوله: ((مَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ مِن كَفِّ وَاحِدٍ، فعلَ ذَلِكَ ثلاثًا)) هو ظاهر في الجمع بين المضمضة والاستنشاق، ولذلك قال ابن الملك وغيره من الأئمة الحنفية رحمهم الله: فيه حجة للشافعي، وقد جاءت أحاديثُ أخرى صحيحة صريحة في الجمع، لا احتمال فيها غيره. فمنها: حديث ابن عباس: ((أنَّ النَّبيَّ وَّهِ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةٌ، وَجَمَعَ بَيْنَ المَضْمَضةِ ١٣١ أبواب الطهارة عن رسول الله رَّد / باب المَضمَضةِ وَالاسْتِنْشَاقِ مِن گَفِّ وَاحِدٍ والاستنشَاق))، رواه الدارمي وابن حبَّان والحاكم(١)، وإسناده حَسَنٌّ. ومنها: حديث ابن عبَّاس أيضًا قال: ((تَوَضَّأَ رَسُولُ اللهِنَّهِ، فَغَرَف غَرْفَةً، فَتَمَضْمَضَ واسْتَنشَقَ، ثُمَّ غَرَفَ غرْفَةً، فَغَسلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ غَرَفَ غَرْفَةً، فغَسَلَ يَدَهُ اليُمْنَى))، رواه (٢) النسائي(٢) . ومنها: حديث ابن عبّاس أيضًا أَنَّه («تَوَضَّأْ فَغَسَل وَجْهَهُ: أَخَذَ غَرْفَةً مِن مَاءَ فَتَمَضْمَضَ بِهَا واسْتَنْشِقَ، ثُمَّ أخَذَ غَرْفَةً مِن مَاءٍ فَجَعَل بِهَا هَكَذا: أضافَها إلى يَده الأخرَى، فَغَسَل بِهَا وَجْهَهُ .... )) الحديثَ، وفي آخَرَه: ((ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأيْتُ رَسُول اللهِ وَهِ يَتَوضَّأ)). رواه البخاري(٣) في ((باب غسل الوجه باليدين من غرفة واحدة)). ومنها: حديث عليٍّ رواه أبو داود(٤) عن عبد خير، قال: ((رَأيْتُ عَليًّا أُتِيَ بِكُرسيٍّ فَقَعَد عَلَيْهِ، ثُمَّ أُتِيَ بِكُوزٍ مِن مَاءٍ، فَغَسلَ يَدَهُ ثَلاثًا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ مَعَ الاسْتِنْشَاقِ، بِمَاءٍ وَاحِدٍ))، وسَكت عنه أبو داود والمنذري، ورواه النسائي بلفظ: ثُمَّ مَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ بِكَفِّ واحِد، وفي آخره: ((مَن سَرَّهُ أن يَنْظُرَ إلى ◌ُهورِ رَسُولِ اللهِوَّهِ، فَهَذَا ظُهُورُه))، ولأبي داود الطيالسي(٥) في حديث عليٍّ: ثُمَّ تَمَضْمَضَ ثَلاثًا مع الاستِنشَاق بماءٍ وَاحٍ))، كما في ((التلخيص الحبير)) للحافظ ابن حجر. فظهر: أن ما ذكره القاري والعيني من التأويل لا يليقُ أن يُلتَفَتَ إليه، ولذلك لم يَرْضَ به العينيُّ نفسه حيث قال في ((شرح البخاري)) بعد ما ذكر من التأويل: وفيه نظرٌ لا يخفى، والأحسن أن يقال: إن كُلَّ ما روي من ذلك في هذا الباب، هو محمولٌ على الجواز. انتھی. وقال بعض العلماء الحنفية في شرحه لـ ((شرح الوقاية)): وذكر السغناقي في ((النهاية)) بعد ما ذكر مستند الشافعي: ((أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَتَمَضْمَضُ ويَسْتَنْشِقُ بِكَفِّ وَاحِدٍ)) لهُ عنْدنَا تأويلان: (١) الدارمي، كتاب الطهارة. حديث (٦٩٧)، وابن حبان. حديث (١٠٧٦)، والحاكم حديث (٥٣٤). (٢) النسائي، كتاب الطهارة. حديث (١٠٢). (٣) البخاري، كتاب الوضوء. حديث (١٤٠). (٤) أبو داود، كتاب الطهارة. حديث (١١٣)، والنسائي، كتاب الطهارة. حديث (٩٣). (٥) أبو داود الطيالسي. حديث (١٤٩). ١٣٢ أبواب الطهارة عن رسول الله وَه / باب المَضمَضةِ وَالاسْتِنْشَاقِ مِن كَفِّ وَاحِدٍ أحدهما: أنه لم يستَعِن في المضمضة والاستنشاق باليَديْنِ؛ كما في غسل الوجه. والثاني: أنه فعلهما باليد اليمنى، وردّه العينيُّ بأن الأحاديث المصرِّحة بأنه تمضْمَضَ واستنشق بماء واحد؛ لا يمكن تأويلها بما ذكره. انتهى كلام بعض العلماء. واعلم: أن مذهب الإمام أحمد ومذهبَ الإمام الشافعيِّ المشهور هو: الوصلُ بين المضمضة والاستنشاق، وحُجَّتهم: حديث عبد الله بن زيد المذكورُ في الباب، والأحاديث التي ذكرناها، ومذهبُ الإمام أبي حنيفة الفصْلُ بينهما: بأن يتمضمض ثلاثًا بثلاثٍ غرفات، ثم يستنشق كذلك؛ وحُجَّتهم: حديث كعب بن عمرو، قال العينيُّ في ((عمدة القاري)) ص ٦٩٠ ج ١: وأما وجه الفصل بينهما - كما هو مذهبنا - فما رواه الطبراني(١)، عن طلحة بن مصرِّف عن أبيه عن جدِّه كعب بن عمرو اليامي ((أنَّ رَسُولَ اللهِ ◌ِّهِ تَوَضَّأْ فَمَضْمَضَ ثلاثًا واسْتَنْشَقَ ثلاثًا، فَأَخَذَ لكُلِّ واحدةٍ مَاءً جَدِيدًا))، وكذا روى عنه أبو داود في ((سننه))(٢) وسكت عنه، وهو دليل رضاه بالصحة، انتهى كلام العيني. قلت: حديثُ طلحة بن مصرِّف عن أبيه عن جدِّه الذي رواه أبو داود في ((سننه))، والطبراني في ((معجمه)) ضعيفٌ لا تقوم بمثله حجة؛ لأن في سنديهما لَيْثَ بن أبي سُلَيْم، وهو ضعيف، اختلط أخيرًا لم يتميز حديثه فترك، وأيضًا: في سندَيْهما، مصرِّفُ بن عمرو، وهو مجهول، قال الحافظ ابن حجر في ((التلخيص)) ص ٢٨: أما حديث طلحة بن مصرِّف عن أبيه عن جدِّه: فرواه أبو داود (٣) في حديث فيه: ((وَرَأيْتُهُ يَفْصِلُ بَيْنَ المَضْمَضةِ والاسْتنشَاقِ))، وفيه ليث بن أبي سُليْم، وهو ضعيف، وقال ابن حبَّان: كان يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل، ويأتي عن الثقات بما ليس من حديثهم، تركه يحيى بن [سعيد] القطّان، وابن مهدي، وابن معين، وأحمد بن حنبل، وقال النووي في ((تهذيب الأسماء)): اتفق العلماء على ضعفه. انتهى. وقال في ((التقريب)): صدوق، اختلط أخيرًا، ولم يتميّز حديثه فترك. انتهى. وقال فيه: مصرِّف بن عمرو بن كعب بن عمرو الياميُّ الكوفي، روى عنه طلحة بن مصرِّف، مجهول. انتھی. (١) الطبراني في ((الكبير)) (١٨٠/١٩). حديث (٤٠٩). (٢) أبو داود، كتاب الطهارة. حديث (١٣٢). (٣) أبو داود، كتاب الطهارة. حديث (١٣٩). ١٣٣ أبواب الطهارة عن رسول الله ◌َ﴿ / باب المَضمَضِ وَالاسْتِنْشَاقِ مِن گَفِّ وَاحِدٍ والعلَّامة العيني ذكر حديثَ الطبرانيّ ولم يذكر سنده بتمامه، وسنده هكذا: قال الطبرانيُّ: حدّثنا الحُسَيْن بن إسحاق التُّسْتَرِيُّ، حدثنا شيبان بن فرُّوخ، ثنا أبو سلمة الكندي، ثنا ليث بن أبي سُلَيْم، حدثني طلحة بن مصرِّف، عن أبيه، عن جده كَعْبٍ بن عمرو الياميِّ؛ ((أنَّ رَسُولَ اللهِ وَيَ تَوَضَّأ ..... )) إلخ، هكذا في ((تخريج الهداية)) للزيلعي. واحتج الحنفية أيضًا على الفَصْل بالأحاديث التي وقع فيها لفْظُ: ((مَضْمَضَ ثلاثًا واسْتَنْشَقَ ثَلاثًا)). وأنت تعلم: أن هذا اللفظ ليس صريحًا فيما ذهبوا إليه من الفَصْل، بل هو محتملٌ، فإنه یحتمل أن يكون معناه أنه مضمَضَ ثلاثًا بثلاث غرفات أخرى واستنشق ثلاثًا بثلاث غرفات، ويحتمل أن يكون معناه أنه مضمَضَ واسْتَنْشَقَ بغرفة، ثم فعل هكذا، ثم فعل هكذا، فللقائلين بالوصل أن يجيبوا عن هذا بمثل ما أجاب الحنفية عن حديث عبد الله بن زيد المذكور، بأن يقولوا: هذا محتمل، والمحتمل لا يقوم به حجة، أو يرد هذا المحتمل إلى الأحاديث المحكمة الصريحة في الوصل المذكورة؛ توفيقًا بين الدليلين. واحتجوا أيضًا بما رواه ابن السَّكن في ((صحَاحِه)) (١) عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: ((شهدتُ عليَّ بن أبي طالبٍ وعُثمانَ بْنَ عَفَّانَ تَوضَّآ ثلاثًا ثَلاثًا، وأَفْردَا المَضْمضَةَ مِنَ الاستنشَاقِ، ثمَّ قالا: هكَذَا رَأينَا رَسُولَ اللهِ وَهِ تَوَضَّأ))، ذكره الحافظ في ((التلخيص)). قلت: ذكر الحافظ هذا الحديث في ((التلخيص))، لكنه لم يذكر سنده، ولم يُبيِّن أنه صحيح أو حسن، فلا يعلم حال إسناده، فمتى لم يعلم أنه حسنٌ أو صحيحٌ، لا يصلح للاحتجاج، ولو فرض أن هذا الحديث قابلٌ للاحتجاج، وأن الأحاديث التي وقع فيها: ((مَضْمَضَ ثَلاثًا وَاسْتَنشَقَ ثَلاثًا))؛ تدلُّ صراحة على الفصل؛ فيقال: إن الفصل والوصل كلاهما ثابتان جائزان، كما قال العلّامة العيني: الأحسنُ أن يقال: إن كل ما روي من ذلك، فهو محمولٌ على الجواز، وقد تقدَّم قوله هذا، وقال العلّامة محمد بن إسماعيل الأمير في ((سبل السلام)): ومع ورود الروايَتَيْن بالجمع وعدمه، فالأقرب التخيير، وأن الكلَّ سُنَّةٌ وإن کان روایة الجمْع أکثر وأُصحَّ. انتهى. وقال القاضي أبو بكر بن العربيٍّ في ((عارضة الأحوذي)) الجمع أقوى في النظر؛ وعليه (١) ذكره الحافظ في ((التلخيص)) (١/ ١٣٣). ١٣٤ أبواب الطهارة عن رسول الله وَّار / باب المَضمَضةِ وَالاسْتِنْشَاقِ مِن گَفِّ وَاحِدٍ قَالَ أبُو عيسى: وفي البَابِ عَن عَبْدِ الله بنِ عبَّاسٍ. قَالَ أَبُو عِيْسَى: وَحديثُ عَبْدِ الله بنِ زَيْدٍ حديث حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ هَذَا الحَدِيثَ عَنِ عَمْرو بن يحْيَى، وَلَمْ يَذْكُرُوا هَذَا الحَرْفَ: أنَّ النَّبِيَّ وَّهِ مَضْمَضَ واستَنْشَقَ من كَفِّ واحدٍ، وإنَّمَا ذكَرَهُ خَالِدُ بن عَبْدِ الله، وخَالِدُ بنُ عَبْدِ الله ثِقَة حَافِظُ عِنْدَ أهلِ الحَديثِ. وقال بَعْضُ أهلِ العلمِ: المَضْمَضَةُ والاسْتِنْشَاقُ من كَفِّ واحدٍ يُجْزِئُ، وقَال بَعْضُهُمْ: تَغْرِيقُهُما أحَبُّ إِلَيْنَا، وقَال الشَّافِعِيُّ: إنْ جَمَعَهُمَا في كَفٍّ واحدٍ فَهُوَ جَائِزٌ، وإنْ فَرَّقَهُمَا فَهُوَ أَحَبُّ إِلَيْنَا . يدلُّ الظاهر من الأثر، وقد أخبرنا شيخنا أبو عبد الله محمَّد بن يُوسُفَ بن أحمد القَيْسِيُّ قال: ((رأيْتُ النبيَّ وَّهَ في المنام، فقلتُ له: أجمعُ بين المضمضة والاستنشاق في غرفَة واحدة؟ قال: نعم)). فائدة: اعلم: أن اختلاف الأئمة في الوصل والفصل، إنما هو في الأفضلية، لا في الجواز وعدمه، وقد صرَّح به الخطيب الشافعي وابن أبي زيد المالكي وغيرهما، وذكر صاحب الفتاوى الظهيرية: أنه يجوز عند أبي حنيفة أيضًا وصل المضمضة بالاستنشاق. قوله: (وفي الباب عن عبد الله بن عباس) تقدَّم تخريجه. قوله: (حديث عبد الله بن زيد حديث حسن غريب) حديث عبد الله بن زيد هذا: أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما؛ فالظاهر: أن يقول: حديث صحيح، (ولم يذكروا هذا الحرف) أي: هذا اللفظ، (أن النبي ◌َّ مضمض واستنشق من كف واحد) بيان لقوله: ((هذا الحرف))، (وخالد: ثقة حافظ عند أهل الحديث) يعني: والزيادةُ من الثقة الحافظِ مقبولةٌ. قوله: (قال بعض أهل العلم .... إلخ ) ذكر الترمذي هنا ثلاثة أقوال؛ لكن لا يظهر الفرق بين الثاني والثالث، فتفكر. (وقال الشافعي: إن جمعهما في كف، فهو جائز وإن فرقهما فهو أحب) جاء عن الشافعي في هذه المسألة قولان: أحدهما: كقول أبي حنيفة، وهو الذي نقله الترمذي هاهنا، والثاني: أن يتمضمض بغرفة ويستنشق بها، ثم هكذا، ثم هكذا، وهذا هو المشهور عنه؛ قال العيني في ((عمدة القاري)) ص ٦٩٠ ج ١: روى البويطي عن الشافعي، أن يأخذ ثلاث غرفات للمضمضة، وثلاث غرفات للاستنشاق، وفي رواية غيره عنه في ((الأم)): يغرف غرفة ١٣٥ أبواب الطهارة عن رسول الله وَّ / باب مَا جَاءَ فِي تَخْليلِ اللَّخِيَةِ ٢٣ - باب مَا جَاءَ في تَخْليلِ اللِّحْيَةِ [ت٢٣، ٢٣٢] [٢٩] (٢٩) حدثنا ابنُ أبي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عَن عَبْدِ الكَرِيم بن أبي المُخارِقِ أبي أُميَّةَ، عَن حَسّان بن بِلالٍ، قَالَ: رأيْتُ عَمَّارَ بنَ يَاسرٍ تَوَضَّأَ فَخَلَّلَ لِحْيَتَهُ، فَقِيلَ له، أوْ قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: أَتُخَلِّلُ لِحْيَتَكَ؟ قَالَ: وما يَمْنَعُنِي؟ ولقدْ رأيْتُ رسولَ الله ◌َله يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ. [جه: ٤٢٩]. يتمضمض بها ويستنشق، ثم يغرف غرفة: يتمضمض بها ويستنشق، ثم يغرف ثالثة: يتمضمض بها ويستنشق؛ فيجمع في كل غرفة بين المضمضة والاستنشاق، واختلف نصُّه في الكَيْفِيَّتَيْن: فنصَّ في ((الأم)) وهو نصّ ((مختصر المزني)): أن الجمع أفضلُ، ونص البويطي: أن الفصل أفضلُ، ونقله الترمذي عن الشافعي، قال النووي: قال صاحب ((المهذب)): القول بالجمع أكثر في كلام الشافعي، وهو أكثر في الأحاديث الصحيحة. انتهى كلام العيني. ٢٣ - بَابُ مَا جَاءَ في تَخْليلِ اللِّخْيَةِ بكسر اللام وسكون الحاء: اسم لَجَمْعِ مِنَ الشَّعرِ يَنْبُتُ على الخَذَّين والذَّقَنِ. [٢٩] قوله: (حدثنا ابن أبي عمر) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر المدني، نزيل مكة، تقدَّم، (عن عبد الكريم بن أبي المخارق) بضم الميم وبالخاء المعجمة، المعلِّم البصري، نزيل مكة، واسم أبيه: قيس، وقيل: طارق، ضعيف، (أبي أمية) كنية عبد الكريم، ( ن حسان بن بلال) المزني البصري، روى عن: عمَّار بن ياسر، وحكيم بن حزام، وعنه: أبو قلابة، وأبو بِشْر وغيرهما، وثّقه ابن المديني. قوله: (فخلل لحيته) أي: أدخل أصابعه في خلال لِحْيَتِهِ، (فقيل له) أي: لعمار، قال) أي: حسان بن بلال (فقلت له) أي: لعمار لبخال لحيته) قال ابن العربي: أي يدخل يده في خَلَلِهَا، وهي: الفروج التي بين الشَّعْر؛ ومنه: فُلانٌ خَليلُ فُلانٍ، أي: يُخَالِلُ حُّهُ فُرُوجَ جِسْمِهِ، حتى يبلغ إلى قلبه؛ ومنه: الخلال، وبناء ذلك كله يرجع إلى هذا. انتهى. والحديث يدل على مشروعية تخليل اللِّخْيَةِ في الوضوء؛ قال الشوكاني: وقد اختلف الناسُ في ذلك؛ فذهب إلى وجوب ذلك في الوضوء والغُسْلِ: العِثْرةُ، والحسن بن صالح، وأبو ثور، والظاهرية؛ كذا في ((البحر))، واستدلَّوا بما وقع في أحاديث الباب بلفظ: ((مَكَذَا أَمَرَنِي رَبِّي))، وذهب مالك والشافعي والثوري والأوزاعي: إلَى أن تخليل اللحية لَيْسَ بواجب ١٣٦ أبواب الطهارة عن رسول الله وَلا﴿ / باب مَا جَاءَ فِي تَحْليلِ اللِّحْيَةِ [٣٠] (٣٠) حدثنا ابنُ أبي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سفيان بنُ عُيَيْنَةَ، عَن سعيدِ بن أبي عَرُوبَةَ، عَن قَتَادَةَ، عَن حسَّان بن بِلالٍ، عَن عَمَّارٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ: مثلَهُ. [جه: ٤٢٩]. في الوضوء، قال مالك وطائفةٌ من أهل المدينة: ولا في غسل الجنابة، وقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما والثوري والأوزاعي والليث وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور وداود والطبري وأكثر أهل العلم: إن تخليل اللحية واجبٌ في غسل الجنابة، ولا يجبُ في الوضوء؛ هكذا في ((شرح الترمذي)) لابن سيد الناس، قال: وأظنهم فرقوا بين ذلك - والله تعالى أعلم - لقوله ◌َّهِ: (تَحْتَ كُلِّ شَعْرَة جنَابٌ؛ فبُلُّوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا البَشَر))(١). انتهى. وقال القاضي أبو بكر بن العربي في ((عارضة الأحوذي)): اختلف العلماء في تخليلها : على أربعة أقوال: أحدها: أنه لا يستحبُّ؛ قاله مالك [في ((االعتبية))]. الثاني: أنه يستحبُّ؛ قاله ابن حبیبٍ. الثالث: أنها إن كانت خفيفة؛ وجب إيصال الماء إليها، وإن كانت كثيفة؛ لم يجب ذلك؛ قاله مالك، عن عبد الوهّاب. الرابع: من علمائنا من قال: يغسل ما قابل الذَّقَنَ إيجابًا وما وراءه استحبابًا، وفي تخليل اللحية في الجنابة: روايتان عن مالك؛ إحداهما: أنه واجبٌ، وإن كثفت؛ رواه ابن وهب، وروى ابن القاسم وابن عبد الحكم: سنة؛ لأنها قد صارت في حكم البَاطِنِ كداخل العين، ووجه آخر - وهو قول أبي حنيفة والشافعي -: أن الفرض قد انتقل إلى الشَّعْرِ بعد نباته؛ كشعر الرأس. انتهى كلام ابن العربي. قلت: أرجحُ الأقوال وأقواها - عندي - هو قول أكثر أهل العلم، والله تعالى أعلم. [٣٠] قوله: (نا سفيان) هو: ابن عيينة، (عن سعيد بن أبي عَرُوبَةَ) اليَشْكُريِّ، مولاهم، أبي النضر البصري، ثقة حافظ، له تصانيف لكنه كثير التدليس واختلَطً، وكان من أثبت الناس في قتادة، (عن قتادة) بن دعامة السدوسي البصري الأكمه، ثقة ثَبْتُ مدلِّس، احتجَّ به أربابُ الصحاح، (عن حسان بن بلال، عن عمار، عن النبي ◌ُّر: مثله) قال الحافظ في ((التلخيص)) بعد ذِكر هذه الرواية: حسَّان: ثقة؛ لكن لم يسمعه ابن عيينة من سعيد، ولا قتادة من حسان. انتهى، فحديث عمار من هذا الطريق ضعيفٌ، ومن طريق عبد الكريم بن (١) الترمذي، كتاب الطهارة. حديث (١٠٦). ١٣٧ أبواب الطهارة عن رسول الله وَلاه / باب مَا جَاءَ فِي تَخْليلِ اللِّحْيَةِ قَالَ أبو عِيسَى: وَفي البَابِ عَن عُثْمانَ، وَعَائِشَةَ، وَأَم سلَمَةَ، وأنَسٍ، وابن أبي أوْفَى، وأبي أيُّوبَ. أبي المخارق عن حسان أيضًا ضعيف؛ لأنه لم يسمع منه هذا الحديث؛ كما بينه الترمذي. قوله: (وفي الباب: عن عائشة، وأم سلمة، وأنس، وابن أبي أوفى، وأبي أيوب) أما حديث عائشة فأخرجه أحمد (١)، من رواية طلحة بن عبد الله بن كُرَيْزِ، عنها، وإسناده: حسنٌّ، كذا في ((التلخيص)). وأما حديث أم سلمة؛ فأخرجه الطبراني والعُقَيْلي والبيهقي(٢) بلفظ: ((كَانَ إذَا تَوضَّأ خلَّلَ لِحْيَتَه))، وفي إسناده: خالد بن إلياس؛ وهو منكر الحديث، كذا في ((التلخيص)). وأما حديث أنس: فأخرجه أبو داود (٣) بلفظ: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذَا تَوَضَّأ أخَذَ كَفَّا مِن مَاءٍ، فَأَدْخَلَهُ تَحْتَ حَنَكِهِ، فَخَلَّلَ بِهِ لِحْيَتَهُ، وقال: هِكَذَا أُمَرَني رَبِّي))، وفي إسناده: الوليد بن زروان، وهو مجهول الحال، وله طرق أخرى عن أنس ضعيفةٌ؛ قاله الحافظ، وأما حديث ابن أبي أوفى: فأخرجه أبو عُبَيْد في ((كتاب الطهور))(٤)، وفي إسناده: أبو الورقاء؛ وهو ضعيف، وهو في الطبراني أيضًا، كذا في ((التلخيص))، وأما حديث أبي أيوب: فأخرجه ابن ماجه والعُقَيْلي وأحمد والترمذي في ((العلل)»(٥)، وفيه: أبو سَورَةً؛ لا یعرف. قلت: وفي الباب أيضًا عن ابن عباس(٦) وابن عمر (٧)، وأبي أمامة(٨)، وأبي الدرداء(٩)، (١) أحمد. حديث (٢٥٤٣٩). (٢) الطبراني في ((الكبير)) (٢٩٨/٢٣). حديث (٦٦٤)، والعقيلي في ((الضعفاء)) في ترجمة خالد بن إلياس (٣/٢)، والبيهقي (٢٥١). (٣) أبو داود، كتاب الطهارة. حديث (١٤٥). (٤) أبو عبيد القاسم بن سلَّام في ((الطهور)). حديث (٣١٢). وأخرجه ابن ماجه، كتاب الطهارة. حديث (٤١٦). (٥) ابن ماجه، كتاب الطهارة. حديث (٤٣٣)، والعقيلي (٣٢٧/٤)، وأحمد. حديث (٢٣٠٢٩)، والترمذي في ((العلل)) رقم (١٧). (٦) أخرجه العقيلي في ((الضعفاء)) (٢٨٥/٤). (٧) الطبراني في ((الأوسط)). حديث (١٣٦٣). (٨) ابن أبي شيبة (١١٢)، والطبراني في ((الكبير)). حديث (٨٠٧٠) بسند ضعيف. (٩) أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (٨٤/٢). ١٣٨ أبواب الطهارة عن رسول الله وَّ / باب مَا جَاءَ فِي تَخْليلِ اللَّحْيَةِ قَالَ أبُو عِيْسَى: وسَمِعْتُ إِسْحَاقَ بن مَنْصُورٍ يقولُ: قَالَ أحْمَدُ بنُ حنْبَلٍ: قَالَ ابنُ عُيَيْنَةَ: لَمْ يَسْمَعْ عَبْدُ الكَرِيمِ مِن حَسَّانَ بن بِلالِ حديثَ التَّخْليلِ . وقال مُحَمَّدُ بنُ إسْمَاعيلَ: أصَخُّ شَيْءٍ في هذَا البابِ حَدِيثُ عَامِرٍ بن شَقِيقٍ عَن أبي وائِل عَن عُثْمانَ. وكعب بن عمرو (١)، وأبي بكرة(٢)، وجابر بن عبد الله(٣)، وجرير(٤)، وعبد الله بن عكبرة(٥)، ذكر أحاديث هؤلاء مع الكلام عليها الحافظُ الزيلعي في ((تخريج الهداية))، والحافظ في ((التلخيص))، قال ابن أبي حاتم في كتاب ((العلل)): سمعتُ أبي يقول: لا يثبت في تخليل اللِّحْيَةِ حديثٌ. انتهى، وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ليس في تخليل اللحية شيء صحيح. انتھی. قلت: قولُهما هذا معارضٌ بتصحيح الترمذيِّ لحديث عثمان الآتي، وبتصحيح الحاكم وابن القطّان وغيرهما لبعْضٍ أحاديث الباب غيره، ولا شك في أن أحاديث تخليل اللحيةِ كثيرةٌ، ومجموعها يدلُّ على أن لها أصلًا، كيف وقد صحَّح الترمذي حديث عثمان، وحسَّنه الإمام البخاري كما ستعرف، وحسن الحافظ ابن حجر حديث عائشة، وهي بمجموعها تصلُحُ للاحتجاج على استحباب تخليل اللحية في الوضوء، وهذا هو الحق عندي، والله تعالى أعلم. قوله (عن عامر بن شقيق): بن جَمْرَةَ - بالجيم والراء - الأسديِّ الكوفيّ، لَيِّن الحديث؛ كذا في ((التقريب))، وقال الذهبي في ((الميزان)): ضعَّفه ابن معين، وقال أبو حاتم: ليس بقوي، وقال النسائي: ليس به بأس. انتهى، وذكره ابن حبَّان في ((الثقات))، وحسَّن حديثه الإمام البخاري، وصحَّحه الترمذي؛ فالظاهر: أنه يصلح للاحتجاج، وأما قول أبي حاتم: ((ليس بقوي)) وتضعيفُ ابن معين؛ فهو مجمل. (١) الطبراني في «الكبير)). (١٩/ ١٨١) حديث (٤١٢). (٢) أخرجه البزار. حديث (٣١١٥- زخار). (٣) ابن عدي في ((الكامل)) (٤٠٣/١). ترجمة أصرم بن غياث، قال الحافظ: أصرم متروك. (٤) ابن عدي في ((الكامل)) (٧/ ١٨٤). ترجمة ياسين الزيات، قال الحافظ: وهو متروك. (٥) الطبراني في ((الصغير)). حديث (٩٤١) ١٣٩ أبواب الطهارة عن رسول الله وَالخيرِ / باب مَا جَاءَ فِي تَخْليلِ اللَّخِيَةِ قَالَ أبُو عيسى: وقال بِهَذَا أكْثَرُ أهلِ العِلْمِ من أصْحَابِ النَّبِيِّ وَّهِ ومَنْ بَعْدَهُمْ: رَأُوْا تَخْلِيلَ اللُّحْيَةِ، وبهِ يَقولُ الشَّافِعيُّ. وقَال أحْمَدُ: إنْ سَهَا عَن التخليل [تَخْليلِ اللِّحْيَةِ] فَهُوَ جَائِزِ. وَقال إِسْحَاقُ: إِنْ تَرَكَهُ نَاسِياً أوْ مُتَأَوِّلًا أجْزَأْهُ، وَإِنْ تَرَكَهُ عَامِداً أَعَادَ [أعَادَهُ]. قوله: (وقال بهذا أكثر أهل العلم) أي: قالوا بما يدلُّ عليه أحاديثُ الباب من استحباب تخليل اللحية، (من أصحاب النبي وَل ﴿ ومن بعدهم، رأوا تخليل اللحية) وقد روي عن ابن عباس، وابن عمر، وأنس، وعلي، وسعيد بن جبير، وأبي قِلابَةَ، ومجاهد، وابن سيرينَ، والضَّّاك، وإبراهيم النخعي، أنهم كانوا يخلِّلون لحاهم، ومن روي عنه أنه كان لا يُخَلِّل: إبراهيمُ النخعي، والحسن، وابن الحنفية، وأبو العالية، وأبو جعفر الهاشمي، والشعبي، ومجاهد، والقاسم، وابن أبي ليلى؛ ذكر ذلك عنهم ابن أبي شيبة بأسانيده إليهم؛ ذكره الشوكاني. (وقال إسحاق: إن تركه ناسيًا أو متأولًا أجزأه، وإن تركه عامدًا أعاده) أي: أعاد الوضوء، فعند إسحاق: تخليلُ اللحية واجب في الوضوء؛ واستدلَّ من قال بالوجوب ببعض أحاديث التخليل؛ الذي وقع فيه قوله وَ لّ: ((هَكَذَا أَمَرَنِي رَبِّي)). أجاب عنه من قال بالاستحباب: بأنه لا يصلُحُ للاستدلال به على الوجوبِ؛ لما فيه من المقال، وقال الشوكاني في ((النيل)): والإنصاف: أن أحاديث الباب - بعد تسليم انتهاضها للاحتجاج، وصلاحيتها للاستدلال -: لا تدلُّ على الوجوب؛ لأنها أفعالٌ، وما ورد في بعض الروايات من قوله ◌َير: ((هَكَذَا أَمَرَنِي رَبِّي)) لا يفيد الوجوب على الأمة، لظهوره في الاختصاص به، وهو يتخرَّج على الخلاف المشهور في الأصول: ((هَل يَعُمُّ الأمَّةَ ما كَانَ ظَاهِرَ الاختِصَاصِ به أم لا))، والفرائضُ لا تثبت إلَّا بيقين، والحُكمُ على ما لم يفرضه الله بالفرضية كالحُكْم على ما فرضه بعدمها، لا شَكَّ في ذلك؛ لأن كُلَّ واحدٍ منهما من التقوُّل على الله بما لم يقل، ولا شكَّ أن الغُرفةَ الواحدة لا تَكْفِي کَثَّ اللحية لغسل وجهه وتخلیل لحيته، ودفع ذلك - كما قال بعضهم - بالوجدان: مكابرة منه، نعم؛ الاحتياطُ والأخذُ بالأوثَق لا شكَّ في أولويته؛ لكن: بدون مجاراة على الحكم بالوجوب. انتهى كلام الشوكاني. وقد استدلَّ من قال بعدم الوجوب: بحديث ابن عباس؛ ((أنَّه تَوضَّأ فَغَسَلَ وَجْهَهُ، فَأَخَذَ ١٤٠ أبواب الطهارة عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاءَ فِي تَخْليلِ اللِّحْيَةِ [٣١] (٣١) حدثنا يَحْيَى بنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عَبدُ الرّزَّاقِ، عَن إِسْرَائيلَ، عَن عَامِرٍ بن شَقيقٍ، عَن أبي وائل، عَن عُثْمانَ بن عَفَّانَ: أَنَّ النَّبِيَّ وَِّهَ كَانَ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ. [جه بنحوه: ٤٣٠]. قَالَ أبُو عيسى: هذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. غَرْفَةً مِن مَاءٍ، فَتَمَضْمَضَ بِهَا واسْتَنْشَقَ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِن مَاءٍ، فَجَعَلَ بِهَا هَكَذَا: أَضَافَهَا إِلَى يَدِهِ الأُخْرَى، فَغَسَلَ بِهَا وَجْهَهُ، ثُمَّ أَخَذَ غرفةً من مَاءٍ فَغَسلَ بِهَا يَدَهُ الْيُمْنَى، ثُمَّ أخذَ غَرْفَةً مِنَ ... )) الحديث؛ رواه البخاري(١)، وإلى هذا الاستدلال: مَاءٍ فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ الْيُسْرَى. أشار الشوكاني بقوله: ((ولا شكَّ أن الغرفةَ الواحدةَ لا تكفِي لغسل وجههِ وتخليل لحيتِهِ ... )) إلخ، وقد استدلَّ ابن تيميَّة بحديث ابن عباس هذا على عدم وجوب إيصال الماء إلى باطن اللحية الكثَّة؛ فقال: وقد عُلِمَ أنه وَِّ كان كثَّ اللِّحية، وأن الغرفة الواحدة - وإن عظمت ـ لا تكفي غَسْلَ باطن اللحية الكثَّة مع غسل جميع الوجه؛ فعلم أنه لا يجب. انتهى. [٣١] قوله: (كان يخلل لحيته) وفي حديث أنس عند أبي داود (٢): ((أَخذَ كَفَّا مِن مَاءٍ، فَأَدْخَلهُ تَحْتَ حَنَكِهِ فَخَلَّلَ بهِ لِحْيَتهُ))، وفي حديث ابن عمر عند ابن ماجه والدارقطني والبيهقي (٣): ((كَانَ إذَا تَوَضَّأْ عَرَكَ عَارِضَيْهِ بَعضَ العَرْكِ، ثُمَّ يُشَبِّكَ لِحْيَتَهُ بِأصَابِعِهِ مِن تَحْتِهَا))، وحديث ابن عمر هذا صحَّحهُ ابن السَّكنِ، وضعَّفه غيره. قوله: (هذا حديث صحيح) وقال الترمذي في ((علله الكبير)): قال محمد بن إسماعيل - يعني البخاري - أصح شيء عندي في التخليل: حديث عثمان، وهو حديث حسن انتهى. وقال الحافظ الزيلعي: أمثلُ أحاديث تخليل اللحية: حديثُ عثمان، وقال الحافظ في ((بلوغ المرام)): أخرجه الترمذي وصحَّحه ابن خزيمة. انتهى. ورواه الحاكم في ((المستدرك))(٤) وقال: صحيح الإسناد. انتهى. والحديث رواه أيضًا ابن ماجه، وابن حبان، وابن خزيمة، والدارقطني (٥). (١) البخاري، كتاب الوضوء، حديث (١٤٠). (٢) أبو داود، كتاب الطهارة. حديث (١٤٥). (٣) ابن ماجه، كتاب الطهارة. حديث (٤٣٢)، والدارقطني (١٠٦/١). حديث (٥٣)، والبيهقي في ((الكبرى)). حدیث (٢٥٢). (٤) الحاكم. حديث (٥٢٧)، والدارقطني (٨٦/١). حديث (١٢). (٥) ابن حبان، حديث (١٠٨١)، وابن خزيمة، حديث (١٦٧)، والدارقطني (١/ ٨٦).