Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ الباب الثاني في فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه شرح قول الترمذي في ((خارجة)) الراوي: وهو ليس بالقويِّ عند أصحابنا - : أي: أهل الحدیث؛ قاله الطيبي. انتهى. قلت: وهذا هو الحقُّ، وعليه يدلُّ أقوال الترمذي المذكورة. وقال بعض الحنفية في تعليقه على ((جامع الترمذي)) (١): أما مذاهب أرباب الصحاح، فقيل: إن البخاري شافعيٌّ، ولكن الحق أن البخاري مجتهدٌ، وأما مسلم: فلا أعلم مذهبه بالتحقيق، وأما ابن ماجه: فلعله شافعي، والترمذي: شافعي، وأما أبو داود والنسائي: فالمشهور أنهما شافعیان، ولکن الحق أنهما حنبلیان، وقد شحنت کتب الحنابلة بروايات أبي داود عن أحمد. انتھی کلامه. قلت: كما أن البخاري - رحمه الله تعالى - كان متبعًا للسنة عاملًا بها، مجتهداً غير مقلِّد لأحد من الأئمة الأربعة وغيرهم، كذلك مسلم والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه، كلُّهم كانوا متبعين للسنة عاملين بها، مجتهدين غير مقلِّدين لأحد. وأما الاستدلالُ على أن الحَقَّ أن أبا داود والنسائي حنبليَّان بدليل أن كتب الحنابلة مشحونة بروايات أبي داود عن أحمد فباطل جدًّا؛ لأنه لو سُلِّم أن كتب الحنابلة مشحونة برواية أبي داود، فلا يستلزم كونه حنبليًا، فضلًا أن يكونا حنبليين؛ ألا ترى أن كتب الحنفية مشحونة ومملوءة بروايات الإمام أبي يوسُفَ وبروايات الإمام محمَّد، ومع ذلك لم يكونا حنفيين مقلِّدَيْن للإمام أبي حنيفة. واعلم: أن هذا البعض قد ادعَى أن الإمام أبا داود والنسائيَّ كانا حنبليين، يعني: مقلِّدَيْنِ للإمام أحمد بن حنبل مطلقًا من غير تقييد، ثم تنبَّه فتنزَّل فقال في موضع آخر من تعليقه على ((الترمذي))(٢) ما لفظه: يحيى بن سعيدٍ حنفيٍّ مذهبًا، كما في ((تاريخ ابن خلكان))، إلا أن تقليد السلف كان التقليد في الاجتهاديات التي لم يثبت فيها المرفوع والموقوف، لا كتقليدنا، وهذا ظني. انتهى. قلت: لم يثبتْ أيضًا بدليل صحيح كونُ الإمام أبي داود والنسائي مقلِّديْنِ للإمام أحمد بن حنبل في الاجتهاديات، وإنما هو ظن من هذا البعض، وإن الظن لا يُغْنِي من (١) يريد: محمد أنور شاه بن معظم شاه الكشميري، وكلامه في ((العرف الشذي)) (٣٢/١). (٢) الكشميري في ((العرف الشذي)) (١/ ١١٧). ٣٤٢ مقدمة تحفة الأحوذي الحق شيئًا، وقوله: وأما ابن ماجه فلعلَّه شافعيٌّ، يدلُّ على أنه لم يكُنْ عند هذا البعض دليلٌ على كون ابن ماجه شافعيًّا، قال بعض الحنفية في ((مقدِّمة شرحه لـ((صحيح مسلم))) نقلًا عن ((توجيه النظر))(١) ما لفظه: قال بعض البارعين في علم الأثر: أما البخاري وأبو داود: فإمامان في الفقه، وكانا من أهل الاجتهاد، وأما مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن خُزَيْمة وأبو يَعْلَى البَزَّار ونحوهم: فهم على مذهب أهل الحديث، ليسوا مقلِّدين لواحدٍ بعينه من العلماء، ولا هُمْ من الأئمة المجتهدين على الإطلاق، بل يميلون إلى قول أئمّة الحديث، كالشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عُبَيْد وأمثالهم، وهم إلى مذهب أهل الحجاز أميلُ منهم إلى مذاهب أهل العراق، وأما أبو داود الطيالسي: فأقدم من هؤلاء كلِّهم من طبقة يحيى بن سعيد القَطَّان، ويزيد بن هارون الواسطي، وعبد الرحمن بن مهدي، وأمثال هؤلاء من طبقة شيوخ الإمام أحمد، وهؤلاء كلَّهم لا يألون جهداً في اتباع السنة، غير أن منهم من يميل إلى مذهب العراقيين؛ كوكيع ويحيى بن سعيد، ومنهم: من يميل إلى مذهب المدنيين؛ كعبد الرحمن بن مهدي، وأما الدارقطني: فإنه كان يميل إلى مذهب الشافعي، إلا أن له اجتهادًا، وكان من أئمة الحديث والسنة، ولم يكن حاله كحال أحد من كبار المحدثين، ممن جاء على أثره، فالتزم التقليدَ في عامَّة الأقوال، إلا في قليل منها مما يعدُّ ويحصَرُ، فإن الدارقطنيَّ كان أقوَى في الاجتهاد منه، وكان أفقه وأعلَمَ منه. انتهى. ثم قال: والظاهر: أن أبا داود أقربُ إلى الحنبلية، فإن كتب الحنابلة مشحونة بروایته عن أحمد. نقله عن («العرف الشذي» وقد عرفت جوابه. فإن قلتَ: فإذا لم يكن الإمامُ البخاريُّ شافعيًّا مقلِّدًا للإمام الشافعيِّ، فلم عدوه من الشافعية؟ ولم ذكره أهل الطبقات الشافعية؟ ولم ذكره أهل الطبقات الشافعية في طبقاتهم؟. قلت: قال العلامة الشاه ولي الله الدهلويُّ في ((حجة الله البالغة)) (ص١٢٢ ج١): وكان أصحابُ الحديث قد يُنْسَبُ إلى أحد المذاهب؛ لكثرة موافقته له، كالنسائي والبيهقي، ينسبان إلى الشافعي. انتهى بلفظه، وقال في رسالته: ((الإنصاف)): ومعنى (١) طاهر الجزائري في ((توجيه النظر)) (٤٣٨/١). ٣٤٣ الباب الثانى فى فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه انتسابه إلى الشافعي: أنه جرى على طريقته في الاجتهاد واستقراء الأدلة، وترتيب بعضها على بعض، وافق اجتهاده اجتهاده، وإذا خالف أحيانًا لم يبال بالمخالفة، ولم يخرج عن طريقته إلا في مسائل، وذلك لا يقدَحُ في دخوله في مذهب الشافعي، ومن هذا القبيل محمد بن إسماعيل البخاري، فإنه معدودٌ في ((طبقات الشافعية)) للشيخ تاج الدين السبكي(١)، وقال: إنه تفقه بالْحُمَيْدي، والحُمَيْدِيُّ تفقَّه بالشافعي. انتهى بلفظه. وقال العلامة الشيخ إسماعيل العَجْلُوني في كتابه ((الفوائد الدراري)): تنبيه: تقدَّم آنفًا من أخذ البخاري عن الكرابيسي والزعفراني وأبي ثور أن يكون شافعيًّا، وقد اختلف في مذهبه، فقيل: إنه شافعي المذهب، وجرى عليه التاج السبكي في ((طبقاته))، فقال: وذكره أبو عاصم في ((طبقات الشافعية))، وقال: إنه سمع من الكرابيسي وأبي ثور والزعفراني، وتفقَّه على الْحُمَيْديِّ، وكلَّهم من أصحاب الشافعي. انتهى، وقيل: إنه حنبلي، وذكره أبو الحسن بن العراقي في أصحاب الإمام أحمد بن حنبل، وأسند عن البخاري أنه قال: دخلْتُ بغداد ثمان مرات، وفي كل ذلك أجالس أحمد بن حنبل، فقال لي آخِرَ ما ودَّعته: يا أبا عبد الله، أتترك العِلْمَ والنَّاسَ، وتصير إلى خراسان؟! فقال البخاري: فأنا الآن أَذْكُرُ قوله، وقال: وقيل: كان مجتهداً مطلقًا، واختاره السخاويُّ، قال: وأميل بكونه مجتهدًا، صرح به تَقِيُّ الدين ابن تيمية، فقال: إنه إمام في الفقه من أَهْلِ الاجتهاد. انتهى. الفَصْلُ الثَّانِي: في فَضَائِلِ جَامِعِ التِّزْمِذِيِّ وَمَحَاسِنِهِ قال الحافظ الذهبيُّ(٢) في ((تذكرة الحفاظ)): عن أبي علي منصور بن عبد الله الخالدي، قال: قال أبو عيسى الترمذي: صنفتُ هذا الكتاب فعرضْتُهُ على علماء الحجاز، فَرَضُوا به، وعرضْتُهُ على علماء العراق فرضوا به وعرضْتُهُ على علماء خراسان فَرَضُوا به، ومن كان في بيته هذا الكتاب، فكأنما في بيته نبيٍّ يتكلّم. انتهى. قال الحافظ ابن الأثير في ((جامع الأصول)»: كتابه الصحيح أحسنُ الكتب وأكثرها فائدة، وأحسنها ترتيبًا وأقلُّها تكرارًا، وفيه ما ليس في غيره من ذكر المذاهب ووجوه الاستدلال، وتبين أحوال الحديث من الصحيح والحسن والغريب، وفيه جرح وتعديل. انتهى. (١) ابن السبكي في ((طبقات الشافعية الكبرى)) (٢١٢/٢). (٢) الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (٦٣٤/٢). ٣٤٤ مقدمة تحفة الأحوذي وقال شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهرويُّ: كتاب أبي عيسى الترمذيِّ - عندنا - أفيد من كتاب البخاري ومسلم، قيل: ولِمَ ذلك؟! قال: كان كتابُهُمَا لا يصلُ إلى الفائدة منهما مَنْ لا يكون من أهل المعرفة التامَّة، وهذا كتاب قد شَرَحَ أحاديثه وبيَّنها، فَيَصِلُ إلى الفائدة كلُّ أحد من الناس من الفقهاء و المحدِّثين وغيرهما(١). انتهى. وقال السُّيُوطِيُّ في ((قوت المغتذي)): قال الإمام أبو عبد الله محمد بن عمر بن رُشَيْد: الذي عندي أن الأقرب إلى التحقيق، والأحرَى على واضح الطريق أن يقال: إن كتاب الترمذيِّ يضمن الحديث مصنفًا على الأبواب، وهو علم برأسه، والفقه علم ثان، وعِلَلُ الحديث يشتمل على بيان الصحيح من السقيم وما بينهما من المراتب علم ثالث، والأسماء والكنَى رابع، والتعديل والتجريح خامس، ومن أدرك النبي ◌َّ ممن لم يدركه ومن أسند عنه في كتابه سادس، وتعديد من روى ذلك الحديث سابع، هذه علومه المجملة، وأما التفصيلية فمتعدِّية، وبالجملة فمنفعته كثيرة، وفوائده غزيرة. انتهى. قال الحافظ فتح الدين بن سيد الناس: ومما لم يذكره ما تضمَّنه من الشذوذ، وهو نوع ثامن، ومن الموقوف وهو تاسع، ومن المدرج وهو عاشر، وهذه الأنواع مما يكثِّر فوائده، وأما ما يقل فيه وجوده من الوَفَيَاتِ، والتنبيه على معرفة الطبقات، أو ما يجري مجرى ذلك، فداخل فيما أشار إليه من فوائده التفصيلية. انتهى. وقال فيه: قال القاضي أبو بكر بن العربي في أول ((شرح الترمذي))(٢): اعلموا - أنار الله أفئدتكم - أن كتاب الجعفي هو الأصل الثاني في هذا الباب، و((الموطأ)) هو الأول، وعليهما بنى الجميع، كالقشيري والترمذي، وليس في قدر كتاب أبي عيسى مثله حلاوة مَقْطَع، ونفاسةَ منزع، وعذوبة مشرع، وفيه أربعة عشر علمًا على فوائد: صنَّف وذلك أقرب إلى العمل، وأسنَدَ وصَخَّحَ، وأسقَمَ، وعدَّد الطرق، وجرَّح، وعدَّل، وأسمَى، وأكْنَى، ووَصَلَ، وَقَطَعَ، وأوضح المعمول به والمتروك، وبيَّن اختلاف العلماء في الرد والقبول لآثاره، وذكر اختلافهم في تأويله. وكلٌّ من هذه العلوم أَضْلٌ في بابه، وفرد في نصابه، فالقارئ له لا یزال في ریاض مونقة، وعلوم متدفقة. انتهى. (١) أخرجه ابن نقطة في ((التقييد)) (ص/ ٩٨). (٢) أبو بكر محمد بن عبد الله الإشبيلي المعروف بابن العربي المالكي في ((عارضة الأحوذي)) (١/ ٥- علمية). ٣٤٥ الباب الثاني في فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه وقال الشيخ إبراهيم البيجوريُّ في ((المواهب اللدنية على الشمائل المحمدية)): وناهيك بجامعه الصحيح الجامع للفوائد الحديثية والفقهية، والمذاهب السلفية والخلفية، فهو کاف للمجتهدین، مُغْنٍ للمقلدین. انتهى. وقال العلامة الشاه ولي الله محدث الهند في ((حجة الله البالغة))(١): وكان أوسَعَهُمْ علمًا عندي وأنفعهم تصنيفًا، وأشهرهم ذكرًا رجالٌ أربعة متقاربون في العصر: أولهم: أبو عبد الله البخاري: وكان غرضه تجريد الأحاديث الصِّحاح المستفيضة المتصلة من غيرها، واستنباط الفقه والسيرة والتفسير منها، فصنف جامعه الصحيح، ووفى بما شرط، ولعمري، إنه نال من الشهرة والقبول درجَةً لا يُرَامُ فوقها . وثانيهم: مسلم النيسابوريُّ: توخَّى تجريد الصحاح المجمع عليها بين المحدِّثين المتصلة المرفوعة مما يستنبط منها السنة، وأراد تقريبها إلى الأذهان، وتسهيل الاستنباط منها، فرتب ترتيبًا جيدًا، وجمع طرق كُلِّ حديث في موضع واحد؛ ليتضح اختلاف المتون، وتشغُّبُ الأسانيد أصرح ما يكون. وثالثهم: أبو داود السجستاني: وكان همه جمع الأحاديث التي استدلَّ بها الفقهاء، ودارت فيهم وبَنَى عليها الأحكامَ عُلَمَاءُ الأمصار، فصنف سننه، وجمع فيها الصحيح والحسن، واللين الصالح للعمل، قال أبو داود: ما ذكرتُ في كتابي حديثًا أجمع الناس على تركه. وما كان منها ضعيفًا صرح بضعفه، وما كان فيه علّ بيَّنها بوجه الخائض في هذا الشأن، وترجم على كل حديث بما قد استنبط منه عالم، وذهب إليه ذاهب. ورابعهم: أبو عيسى الترمذي: وكأنه استحسَنَ طريقة الشيخَيْن، حيث بيّنا وما أبهما، وطريقة أبي داود حيْثُ جمع كل ما ذهب إليه ذاهب، فجمع كلتا الطريقتين، وزاد عليهما بيان مذاهب الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار، فجمع كتابًا جامعًا، واختصر طرق الحديث اختصارًا لطيفًا، فذكر واحدًا وأومأ إلى ما عداه، وبيَّن أمر كل حديث من أنه صحيحٌ أو حسنٌ أو ضعيفٌ أو منكرٌ، وبيَّن وجه الضعيف؛ ليكون الطالب على بصيرة، فيعرف ما يصلح للاعتبار عما دونه، وذكر أنه مستفيضُ أو غريب، وذكر مذاهبَ الصحابة وفقهاء الأمصار، وسمَّى من يحتاج إلى التسمية، وَكثَّى من يحتاج إلى الكنية، ولم يدع خفاء، هو من رجال العلم، ولذلك يقال: إنه كافٍ للمجتهد، مغنٍ للمقلد. انتهى. (١) الدهلوي في ((حجة الله البالغة)) (ص/ ٣١٨- المثنى). - ٣٤٦ مقدمة تحفة الأحوذي وقال العلامة الشاه عبد العزيز في ((بستان المحدثين)): تصانيف الترمذي في هذا الفن كثيرة، وأحسنها هذا ((الجامعُ))، بل هو أحسَنُ من جميع كتب الحديث من وجوه: الأول: من جهة حُسْن الترتيب وعدم التكرار. والثاني: من جهة ذكر مذاهب الفقهاء ووجوه الاستدلال لكلِّ أَحَدٍ من أهل المذاهب. والثالث: من جهة بيان أنواع الحديث من الصحيح، والحسن، والضعيف، والغريب، والمعلل. والرابع: من جهة بيان أسماء الرواة وألقابهم وكناهم، والفوائد الأخرى المتعلّقة بعلم الرجال. انتهى. وقال الحافظ قطب الدين القسطلاني: [من الوافر]. وَبُرْءُ المَرْءِ مِنْ أَلَمِ الكُلُومِ أَحَادِيثُ الرَّسُولِ جَلا الهُمُومِ فَلَا تَبْغِ بِهَا أَبَدًا بَدِيلاً وَأَنَّ التِّرْمِذِيَّ لَقَدْ تَصَدَّى غَدَا خَضِرًا نَضِيرًا فِي المَعَانِي فَمِنْ جَرْحٍ وَتَعْدِيلٍ حَوَاهُ وَمِنْ أَثَرٍ وَمِنْ أَسْمَاءِ قَوْمٍ وَمِنْ نَسْخِ وَمُشَتبِهِ الأَسَامِيّ وَمِنْ قَوْلِ الصِّحَابِ وَتَابِعِيهِمْ وَمِنْ نَقْلٍ إِلَى الفُقَهَاءُ يُعْزَى وَمِنْ طَبَقَاتٍ أَعْصَارٍ تَقَضَّتْ وَقَسَّمَ مَا رَوَى حَسَنًا صَحِيحًا فَفَاقَ مُصَنَّفَاتِ النَّاسِ قِدْمًا وَجَاءَ كَأَنَّهُ بَدْرٌ تَلالا فَنَافِسْ فِي اقْتِبَاسٍ مِنْ نَفِيسٍ وَعَرِّفْ بِالصَّحِيحِ مِنَ السَّقِيمِ لِعِلْمِ الشَّرْعِ مُغْنٍ عَنْ عُلُومٍ فَأَضْحَى رَوْضُهُ عَطِرَ الشَّمِيمِ وَمِنْ عِلَلٍ وَمِن فِقْهٍ قَوِيمٍ وَمِنْ ذِكْرِ الكُنَى لِصَدٍ فِهِيمٍ وَمِنْ فَرْقٍ وَمِنْ جَمْعٍ فَهِيمٍ بحِلِّ أَوْ بِتَحْرِيمٍ عَمِيمٍ وَمِنْ مَعْنِى بَدِيعٍ مُسْتَقِيمٍ وَمِنْ حَلِّ لِمُنْعَقِدٍ عَقِيمٍ غَرِيبًا فَارْتَضَاهُ ذَوُو الفُهُومِ وَرَاقَ فَكَانَ كَالْعِقْدِ النَّظِيمِ يُنِيرُ غَيَاهِبَ الجَهْلِ العَظِيمِ بِأَنْفَاسٍ وَدَعْ قَوْلَ الخُصُومِ ٣٤٧ الباب الثاني في فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه فَإِنَّ الحَقَّ أَبْلَجُ لَيْسَ يَخْفَى وَفَضْلُ الْعِلْمِ يَظْهَرُ حِينَ يَأْتِي فَقَارِي الْعِلْمِ يَرْقَى للثُّرِيًّا وَلَيْسَ الْعِلْمُ يَنْفَعُ مَنْ حَواهُ كِتَابُ التِّرْمِذِيِّ غَدَا كِتَابًا وَإِسْنَادِي لَهُ في الْعَصْرِ يَعْلُو فَرَبِّي اللهَ أَحْمَدُ كُلَّ حِيٍ وَصَلِّ مَدَى الزَّمَانِ عَلَى رَسُولٍ وقال بعضهم: [من الوافر]. كِتَابُ الترْمِذِيِّ رِيَاضُ عِلْمِ بِهِ الآثَارُ وَاضِحَةٌ أبينَتْ فَأَعْلَاهَا الصِّحَاحُ وَقَدْ أَنَارَتْ وَمِنْ حَسَنٍ يَلِيهَا أَوْ غَرِيبٍ فَعَلَّلَهُ أَبُو عِيسَى مُچِينًا وَطَرَّزَهُ بِآثَارْ صِحَاحٍ مِنَ العُلَمَاءِ وَالْفِقَهَاءِ قِدْمًا فَجَاءَ كِتَابُهُ عِلْقًا نَفِيسًا وَيَقْتَبِسُونَ مِنْهُ نَفِيسَ عِلْمٍ كَتَبْنَاهُ رَوَيْنَاهُ لِنُرْوَى وَغَاصَ الْفِكْرُ فِي بَحْرِ المَعَانِي فَأَخْرَجَ جَوْهَرًا يَلْتَاحُ نَوْرًا لِيَصْعَدَ بِالمَعَانِي لِلْمَعَالِي مَحَلُّ الْعِلْم لَا بُأُوَى تُرَابًا فَمَنْ قَرَأَ العُلُّومَ وَمَنْ رَوَاهَا طَلاوَتُهُ عَلَى الذِّهْنِ السَّلِيمِ عَن الأَزْوَاحِ مَأْلُوفُ الجُسُومِ وَيَبْقَى بِالثَّرَى أَثَرُ الرُّسُومِ بِلا عَمَلٍ يُعِينُ عَلَى القُدُومِ يُعَطِّرُ نَشْرُهُ مَرَّ النَّسِيمِ أُسَاوِي فِيهِ ذَا سِنٌّ قَدِيمِ عَلَى إِبلاءٍ إِفْضَالٍ عَمِيمٍ يَفُوحُ لِذِكْرِهِ أَرَجُ النَّسيمِ جَلَتْ أَزْهَارُهُ زُهْرَ النُّجُومِ بِأَلْقَابٍ أُقِيمَتْ كَالرُّسُومِ نُجُومًا للْخُصُوصِ ولِلْعُمُومٍ وَقَدْ بَانَ الصَّحِيحُ مِنَ السَّقِيمِ مَعَالِمَهُ لِظُلَّابِ العُلُومِ تَخَيَّرَهَا أُوْلُو النَّظَرِ السَّلِيمِ وَأَهْلِ الفَضْلِ وَالنَّهْجِ القَوِيمِ تَنَافَس فِيهِ أَرْبَابُ العُلُومِ يُفِيدُ نفُوسَهُمْ أَسْنَى الرُّسُومِ مِنَ التَّسْنِيمِ فِي دَارِ النَّعِيمِ فَأَدْرَكَ كُلَّ مَعْنَى مُسْتَقِيمٍ فَقَلَّدَ عِقْدَهُ أَهْلَ الفُهُوم بِسَعْدٍ بَعْدَ تَوْدِيعِ الجُسُومِ وَلا يَبْلَى عَلَى الزَّمَنِ القَدِيمِ لِتَنْقُلَهُ إِلَى المَعْنَى المُقِيمِ ٣٤٨ مقدمة تحفة الأحوذي فَإِنَّ الرُّوحَ تَأْلَفُ كُلَّ رُوحٍ تُحَلَّى مِنْ عَقَائِدِهِ عُقُودًا وَتُدْرِكُ نَفْسُهُ أَسْنَى ضِيَاءٍ وَيَحْيَا جِسْمُهُ أَحْلَى لِذَاذِ جَزَى الرَّحْمنُ خَيْرًا بَعْدَ خَيْرٍ وَأَلْحَقَهُ بِصَالِحٍ مَنْ حَوَاهُ وَكَانَ سَمِيُّهُ فِيهِ شَفِيعًا صَلاةُ اللهِ تُورِثُهُ عَلاءً وَرِيحًا مِنْهُ عَاطِرَةَ النَّسِيمِ مُنَظَّمَةً بِيَاقُوتٍ وتُومٍ مِنَ الْعِلْمِ النَّفِيس لَدَى الْعَلِيمِ مُحَيَّاهُ عَلَى الخَيْرِ الجَسِيمِ أَبَا عِيسَى عَلَى الْفِعْلِ الكَرِيمِ مُصَنَّفُهُ مِنَ الجُمَلِ العَظِيمِ مُحَمَّدٌ المسَمَّى بالرَّحِيمِ فَإِنَّ لِذِكْرِهِ أَزْكَى النَّسِيمِ الفَصْلُ الثَّالِثُ: في ذِكْرِ رُوَاةٍ جَامِعِ التِّزْمِذِيِّ قال الحافظ أبو جعفر بن الزُّبَيْر في ((برنامجه)): روى هذا الكتاب عن الترمذيِّ ستة رجال فيما علمته: أبو العباس محمد بن أحمد بن محبوب، وأبو سعيد الهيثم بن كُلَيْب الشاشي، وأبو ذر محمد بن إبراهيم، وأبو محمد الحسن بن إبراهيم القطان، وأبو حامد أحمد بن عبد الله التاجر، وأبو الحسن الفَزَارِيُّ. قال: وأما ما ذكره بَعْضُ الناس من أنه لا يصحُّ سماع أحدٍ في هذا المصنف من أبي عيسى ولا روايته عنه، وهو كلام يعزَى إلى أبي محمد بن عَتَّب، عن أبي عمرو السَّفَاقُسِيِّ، عن أبي عبد الله الفسوي، فهو باطل، قاله من قاله، فإن الروايات في الكتاب منتشرة متتابعة عن جملة معروفين عن المصنِّف، ثم إن أبا عبد الله بن عَتَّاب، وابنه أبا محمد المذكور، والحافظ أبا علي الغساني وغيرهم من أئمة هذا الشأن قد أسندوا الكتاب في فهارسهم، وما تعرَّضوا لشيء مما ذكره من تقدَّم كلامه مِنْ جَهْلِ الكتاب وانقطاعٍ الرواية، ولا ذكروا ذلك عن أحد. انتهى. ٣٤٩ الباب الثاني في فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه الفَصْلُ الرَّابعُ: في بَيَانِ شَرْطِ التِّرْمِذِيِّ في كِتَابِهِ الجَامِعِ قال الحافظ أبو الفضل بن طاهر في كتاب ((شُرُوطِ الأئمة)) (١): لم ينقلْ عن واحد من الأئمة الخمسة أنه قال: شرطْتُ في كتابي هذا أن أُخَرِّجَ علَى كذا، لكن لما سُبِرَتْ کتبهم، عُلِمَ بذلك شرط كل واحد منهم. فشرط البخاري ومسلم: أن يخرِّجا الحديث المجمع على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور. أما أبو داود والنسائي: فإن كتابيهما ينقسمان على ثلاثة أقسام: الأول: الصحيحُ المخرَّج في ((الصحيحين)). والقسم الثاني: صحيح على شرطهما، وقد حكى أبو عبد الله بن مَنْدَهْ: أن شرطهما إخراج أحاديث أقوام لم يجمع على تركهم، إذا صَحَّ الحديث باتصال الإسناد من غير قطع ولا إرسال، فيكون هذا القسم من الصحيح، إلا أنه طريق لا يكون طريق ما أخرج البخاري ومسلم في ((صحيحيهما))، بل طريقه طريقُ ما ترك البخاري ومسلم من الصحيح؛ لما بينا أنهما تركا كثيرًا من الصحيح الذي حفظاه. والقسم الثالث: أحاديث أخرَجَاها من غير قطع منهما بصحتها، وقد أبانا علَّتها بما بيَّنه أهل المعرفة، وإنما أودعا هذا القسم في كتابيهما؛ لرواية قوم لها واحتجاجهم بها، فأورداها وبيَّنا سَقَمَهَا؛ لتزول الشبهة، وذلك إذا لم يجدا لها طريقًا غيره؛ لأنه أقوَى عندهما من رأي الرجال. وأما أبو عيسى الترمذيُّ: فكتابه على أربعة أقسام: الأول: ما هو صحيحٌ مقطوعٌ به، وهو ما وافق البخاريَّ ومسلمًا. والثاني: ما هو شرطُ أبي داود والنسائي، كما بيَّنا في القسم الثاني لهما. وقسم ثالث: كالقسم الثالث لهما، أخرجَهُ وأبان عَّته. وقسم رابع: أبان هو عنه، وقال: ما أخرجْتُ في كتابي إلا حديثًا قد عَمِلَ به بعضُ الفقهاء. فعلى هذا الأصل: كل حديث احتج به محتج، أو عمل بموجبه عامل أخرجه، (١) انظر ((النكت على مقدمة ابن الصلاح)) لبدر الدين بن بهادر الزركشي (٢٦٦/١). ٣٥٠ مقدمة تحفة الأحوذي سواءٌ صح طريقه أو لم يصحَّ، وقد أزاح عن نفسه، فإنه تكلم على كل حديث بما فيه، وكان من طريقه أن يترجم بابًا فيه حديثٌ مشهورٌ عن صحابي قد صَحَّ الطريق إليه، وأخرج حديثه في الكتب الصحاح، فيورد في الباب ذلك الحكم من حديث صحابي آخر لم يخرجوه من حديثه، ولا يكون الطريق إليه كالطريق إلى الأول، إلا أن الحكم صحيح، ثم يتبعه بأن يقول: وفي الباب عن فلان وفلان، ويعُدُّ جماعة، منهم الصحابي الذي أخرج ذلك الحكم من حديثه، وقلَّما يسلك هذه الطريق إلا في أبواب معدودة (١). انتهى. وقال الحافظ الحازميُّ في ((شروط الأئمة)): مذهَبُ مَنْ خرَّج الصحيح أن يعتبر حالَ الراوي العدل في مشايخه، وفيمن رَوَى عنهم وهم ثقات أيضًا، وحديثه عن بعضهم صحيحٌ ثابتٌ يلزمه إخراجه، وعن بعضهم مدخولٌ لا يصلح إخراجه إلا في الشواهد والمتابعات، قال: وهذا باب فيه غموض، وطريق إيضاحه معرفة طبقات الرواة عن راوي الأصل ومراتب مداركهم، فلنوضح ذلك بمثال، وهو أن تَعْلَمَ أن أصحاب الزُّهْرِيِّ - مثلًا - على خمس طبقات، ولكل طبقة منها مزية على التي تليها : فالأولى: في غاية الصحة، نحو: مالك، وابن عيينة، وعبد الله بن عمر، ويونس، وعقيل، ونحوهم، وهي مقصد البخاري. والثانية: شاركَتِ الأولَى في التثبُّت، غير أن الأولى جمعَتْ بين الحفظ والإتقان، وبين طول الملازمة للزهري، كان فيهم من يلازمه في السفر ويلازمه في الحضر، والثانية. لم تلازم الزهريَّ إلا مدة يسيرة، فلم تمارس حديثه، وكانوا في الإتقان دون الطبقة الأولَى، وهذه شرط مسلم، نحو: الأوزاعي، والليث بن سعد، والنعمان بن راشد، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر، وابن أبي ذئب. والثالثة: جماعة لزموا الزهري كالطبقة الأولى، غير أنهم لم يَسْلَمُوا من غوائل الجرح، فهم بين الرد والقبول، نحو: سفيان بن حسين، وجعفر بن بَرْقَان، وإسحاق بن يحيى الكلبي، وهم شرط أبي داود والنسائي. والرابعة: قوم شاركوا أهل الثالثة في الجرح والتعديل، وتفرَّدوا بقلَّة ممارستهم الحديث الزهري؛ لأنهم لم يصاحبوا الزهريَّ كثيرًا، وهم شرط الترمذي، قال: وفي (١) انظر ((البدر المنير)) لابن الملقن (٣٠٣/١ - ٣٠٤). ٣٥١ الباب الثاني في فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه الحقيقة شرط الترمذيِّ أبلغُ من شرط أبي داود؛ لأن الحديث إذا كان ضعيفًا أو من حديث أهل الطبقة الرابعة فإنه يبيِّن ضعفه وينبِّه عليه، فيصيرُ الحديثُ عنده من باب الشواهد والمتابعات، ويكونُ اعتماده على ما صَحَّ عند الجماعة، ومن هذه الطبقة: زمعة بن صالح، ومعاوية بن يحيى الصدفي، والمثنى بن الصَّبَّاح. والخامسة: قومٌ من الضعفاء والمجهولين، لا يجوز أن يُخَرَّجَ لهم إلا على سبيل الاعتبار والاستشهاد عند أبي داود، فَمَنْ دون، فأما عند الشيخين فلا، كبحر بن کنیز السقاء، والحكم بن عبد الله الأَيْلي، وعبد القدوس بن حَبِيبٍ، ومحمد بن سعد المَصْلُوب، وقد يخرج البخاري أحيانًا عن أعيان الطبقة الثانية، ومُسْلِمٌ عن أعيان الطبقة الثالثة، وأبو دَاوُدَ عن مشاهير الرابعة، وذلك لأسباب اقتضته. الفَصْلُ الخَامِسُ: في بَيَانٍ أَنَّ رُتْبَةَ جَامِعِ التِّزْمِذِيِّ هَلْ هِيَ بَعْدَ الصَّحِيحَيْنِ أَوْ بَعْدَ سُنَنٍ أَبِي دَاوُدَ أَوْ بَعْدَ سُنَنِ النَّسَائِيِّ؟ قال في ((كشف الظنون))(١): ((جامعُ الصحيح)) للإمام الحافظ أبي عيسى محمد بن عيسى الترمذيِّ، وهو ثالث الكتب الستة في الحديث. يعني: أن رتبته بعد ((الصحيحين))، وقال السُّيوطيُّ في ((التدريب))(٢) ص٥٦ قال الذهبي: انحطّتْ رتبة ((جامع الترمذيِّ)) عن (سنن أبي داود)) و((الَّسائِيِّ))؛ لإخراجه حديث المَصْلُوب والكَلْبِيِّ وأمثالهما. انتهى. ويفهم مِنْ رموز ((التقريب))، و(تهذيب التهذيب))، و((الخلاصة))، و«تذكرة الحفاظ)): أن رتبة ((جامع الترمذي)» بعد ((سنن أبي داود))، وقبل ((سنن النسائي))، فإن أصحاب هذه الکتب یکتبون ((د)) ((ت)) ((س))، مشیرین إلی ((سنن أبي داود))، و((جامع الترمذي))، و((سنن النسائي))، وقال السُّيوطيُّ في كتاب ((الجامع الصغير)) في بيان رموزه: ((خ)) للبخاري، ((م)) المسلم، ((ق) لهما، (د)) لأبي داود، (ت)) للترمذي، ((ن)) للنسائي. انتهى، قال المُنَاوِيُّ في شرحه ((فيض القدير)): صنيع المؤلِّف قاضٍ بأن ((جامع الترمذي)) بين ((أبي داود)) و((النسائي)) في الرتبة. انتهى. (١) حاجي خليفة في ((كشف الظنون)) (٥٥٩/١)، و((الحطة)) للقنوجي (ص/ ٢٠٧). (٢) السيوطي في ((تدريب الراوي)) (١/ ١٧١). ٣٥٢ مقدمة تحفة الأحوذي قلت: فيما قال الحافظ الذهبيُّ من انحطاط رتبة ((جامع الترمذي)) عن ((سنن أبي داود)) و((النسائي)) عندي نَظَرٌ، والظاهر هو ما في ((كشف الظنون)) من أنه ثالثُ الكتب الصحاح السنَّة، فإن الترمذي وإن أخرج حديث المصلوب والكلبي وأمثالهما لكنه بيَّن ضعفه، فيكون حديث المصلوب وأمثاله عنده من باب الشواهد والمتابعات، فقد عرفت: أن الحافظ الحازميَّ قال: إن شرط الترمذي أبلغُ من شرط أبي داود؛ لأن الحديث إذا كان ضعيفًا أو من حديث أهل الطبقة الرابعة فإنه يبيِّن ضعفه وينبِّه عليه، فيصير الحديث عنده من باب الشواهد، واعتماده على ما صَحَّ عن الجماعة. انتهى، ومع هذا: ((فجامع الترمذي)) أكثر نفعًا وأجمعُ فائدةً من ((سنن أبي داود)) و((النسائي))، فالظاهر هو ما قال صاحب ((كشف الظنون))، والله تعالى أعلم. الفَصْلُ السَّادِسُ: في بَيَانِ أَنَّهُ لَيْسَ في جَامِعِ التِّرْ مِذِيِّ حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ اعلم - زادك الله علمًا نافعًا - : أن الحافظ ابن الجوزيِّ قد ذكر في موضوعاته ثلاثة وعشرين حديثًا مما أخرجه الترمذي في جامعه، وحكم عليها بالوضع، والتحقيق أنها ليست بموضوعة، كما حققه الحافظ السيوطي في كتابه: ((القول الحسن في الذب عن السنن))، ولا تعجب من ابن الجوزي أنه كيف حكم عليها بالوضع وهي في ((جامع الترمذي))، فإنه قد حكم على حديث بالوضع وهو في ((صحيح مسلم)). ولا شك أنه متساهلٌ في الحكم بالوضع، كما أن الحاكم متساهلٌ في الحكم بالتصحيح، وتساهلهما مشهور، قال الحافظ ابن حجر: غالب ما في كتاب ابن الجوزيِّ موضوعٌ، والذي ينتقدُ عليه بالنسبة إلى ما لا ينتقد قليلٌ جدًّا (١). قال(٢): وفيه من الضرر أن يظنَّ ما ليس بموضوع موضوعًا عكس الضرر بـ((مستدرك الحاكم))، فإنه يظن ما ليس بصحيح صحيحًا، قال: ويتعيَّن الاعتناء بانتقاد الكتابين، فإن الكلام في تساهلهما أعدَمَ الانتفاع بهما إلا لعالم بالفنِّ؛ لأنه ما من حديث إلا ويمكنُ أن یکون قد وقع فيه تساهل. انتهى. (١) انظر ((اليواقيت والدرر)) للمناوي (٤٩/٢)، و((تدريب الراوي)) للسيوطي (٢٧٩/١). (٢) السيوطي في ((تدريب الراوي)) (٢٧٩/١ - ٢٨٠). ٣٥٣ الباب الثاني في فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه قال السُّيوطي في ((التدريب)) بعد ذكر كلام الحافظ هذا ما لفظه: قد اختصرْتُ هذا الكتاب - يعني: ((موضوعات ابن الجوزي)) - فعلَّقت أسانيده، وذكرتُ منها موضِعَ الحاجة، وأتيت بالمتون، وكلام ابن الجوزي عليها، وتعقّبْتُ كثيرًا منها، وَتَتَبَّعْتُ كلام الحُفَّاظ في تلك الأحاديث، خصوصًا شيخ الإسلام - يعني: الحافظ ابن حجر - في تصانيفه وأماليه، ثم أفردت الأحاديث المتعقَّبة في تأليف، وذلك أن شيخ الإسلام ألَّف ((القول المسدَّد في الذب عن المسند))؛ أورد فيه أربعة وعشرين حديثًا في («المسند»، وهي في ((الموضوعات))، وانتقدها حديثًا حديثًا، ومنها حديث في ((صحيح مسلم))، وهو ما رواه من طريق أبي عامر العَقَدِيَّ، عن أفلح بن سعيد، عن عبد الله بن رافع، عن أبي هريرة قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنْ طَالَتَ بِكَ مُدَّةٌ أَوْشَكَ أَنْ تَرَى قَوْمًا يَغْدُونَ فِي سَخَطِ اللهِ، وَيَرُوحُونَ فِي لَعْنَتِهِ فِي أَيْدِيهِمْ مِثْلُ أَذْنَابِ البَقَرِ))(١) قال شيخ الإسلام(٢): لم أَقِفْ في كتاب ((الموضوعات)) على شيء حكم عليه بالوضع وهو في أحد ((الصحيحين)) غير هذا الحديث، وإنها لغفلة شديدة، ثم تكلّم عليه وعلى شواهده. قال السُّيوطيّ(٣): وذيَّلْتُ على هذا الكتاب بذيلٍ في الأحاديث التي بقيَتْ في ((الموضوعات)) من («المسند»، وهي أربعة عشر، مع الكلام عليها، ثم ألفت ذيلًا لهذين الكتابين، سميته: ((القول الحسن في الذب عن السنن))، أوردتُ فيه مائة وبضعة وعشرين حديثًا ليست بموضوعة. منها: ما هو في ((سنن أبي داود))، وهي أربعة أحاديث، منها: حديث صلاة التسبيح، ومنها: ما هو في ((جامع الترمذي))، وهو ثلاثة وعشرون حديثًا، ومنها: ما هو في ((سنن النسائي))، وهو حديث واحد، ومنها: ما هو في ((ابن ماجه))، وهو ستة عشر حديثًا، ومنها: ما هو في ((صحيح البخاري)) رواية حمَّاد بن شاكر، وهو حديث ابن عُمَرَ: ((كَيْفَ بِكَ يَا ابْنَ عُمَرَ، إِذَا عُمِّرْتَ بَيْنَ قَوْمٍ يُخَبِّئُونَ رِزْقَ سَنَتِهِمْ)) (٤) هذا الحديثُ أورده الديلميُّ (١) مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، حديث (٢٨٥٧). . (٢) ابن حجر في ((القول المسدد)) (ص/ ٣١). (٣) السيوطي في ((تدريب الراوي)) (٢٨٠/١). (٤) أخرجه عبد بن حميد في ((المنتخب من المسند)) (٨١٦)، وابن أبي حاتم في ((التفسير)) (١٤٧١٤)، وأبو الشيخ في ((أخلاق النبي وآدابه)) (٨٧٩). قال الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الإحياء: أخرجه ابن مردويه في ((التفسير)) والبيهقي في ((الزهد)) من رواية رجل لم يسم عن ابن عمر، قال البيهقي: هذا إسناد مجهول، والجراح بن منهال ضعيف. والله أعلم. ٣٥٤ مقدمة تحفة الأحوذي في ((مسند الفردوس))، وعزاه للبخاري(١)، وذكر سنده إلى ابن عمر، ورأيْتُ بخطّ العراقيِّ أنه ليس في الرواية المشهورة، وأن المزيَّ ذكر أنه في رواية حمَّاد بن شاكر، فهذا حديث ثانٍ من أحاديث ((الصحيحين))، ومنها: ما هو تأليف البخاري غير الصحيح، أو في مؤلّف أطلق عليه اسم الصحيح ... إلى أن قال السيوطي: وقد حرَّرْتُ الكلام على ذلك حديثًا حديثًا، فجاء كتابًا حافلًا. انتهى. قلت: الأحاديثُ الضِّعاف موجودةٌ في ((جامع الترمذي))، وقد بَيَّن الترمذي نفسه ضعفَها، وأبان علتها، وأما وجودُ الموضوع فيه فكلا، ثم كلا. والله أعلم. الفَصْلُ السَّابعُ: في بَيَانِ أَنَّ جَمِيعَ أَحادِيثٍ جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ كُلَّهَا مَعْمُولٌ بِهَا أَمْ بَعْضُهَا غَيْرُ مَعْمُولٍ بِهِ؟ اعلم - بارك الله لك -: أن الترمذيَّ قال في كتاب ((العلل)) الذي في آخر («جامعه»: جميعُ ما في هذا الكتاب - يعني - ((جامعه)) - من الحديث هو معمولٌ به، وبه أخذ بعضُ أهل العلم، ما خلا حديثين: حديث ابن عباس - رضي الله تعالى عنه -: ((أن النبيَّ ◌َلّ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ بِالمَدِينَةِ، وَالمَغْرِبِ وَالعِشَاءِ، مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلا مَطَرٍ وَلا سَفَر))(٢)، وحديث النبيِّ ◌َِّ أنه قال: ((مَنْ شَرِبَ الخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنَ عاد فِي الرَّابِعَة فَاقْتُلُوهُ))(٣)، قال: وقد بينا علة الحديثين جميعًا في الكتاب. انتهى. قلت: قد تعقب الملا معين في كتابه ((دراسات اللبيب) على كلام الترمذيِّ هذا، وقد أَثْبَتَ أن هذين الحديثين كلَيْهِما معمولٌ بهما، والحقُّ مع الملا معين - عندي - والله تعالى أعلم، وقد استوفينا الكلام في هذا في شرح كتاب ((العلل الصغير)) الذي ألحقه الترمذي بآخر ((الجامع)). تنبيه: قال في ((السعاية شرح الوقاية)) في كتاب الردّ على صلاة القَفَّال، لشرف الدين (١) انظر الكلام فيه في ((تنزيه الشريعة)) لابن عراق (٢١٢/٢). (٢) الترمذي، كتاب الصلاة، حديث (١٨٧). والحديث أخرجه البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، حديث (٥٤٣) ولفظه: ((صلى بالمدينة سبعًا وثمانيًا الظهر والعصر والمغرب والعشاء فقال أيوب: لعله في ليلة مطيرة قال: عسى))، وأخرجه مسلم كلفظ الترمذي (٧٠٥). (٣) الترمذي، كتاب الحدود، حديث (١٤٤٤). ٣٥٥ الباب الثانى في فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه أبي القاسم بن عبد العليم القربتي: قال الترمذي: كل ما ذكرته في كتابي هذا حُجَّةٌ إلا أربعة أحاديث. انتهى. قلت: لم أجدْ قولَ الترمذيِّ هذا في ((جامعه))، ولا في كتابه ((العلل الصغير)) الذي في آخر الجامع، والظاهر: أن هذا وَهْمٌ من شرف الدين أبي القاسم المذكور، والله تعالى أعلم. الفَضْلُ الثَّامِنُ: في بَيَانِ اسْمٍ كِتَابِ التِّرْمِذِيِّ هَذَا قال صاحب ((كشف الظنون)) (١) في ذكر ((جامع الترمذي)): قد اشتهر بالنسبة إلى مؤلِّفه، فيقال: ((جامع الترمذي))، ويقال له: ((السنن)) أيضًا، والأول أكثر. انتهى. قلت: وقد أطلق الحاكمُ عليه: ((الجامِعَ الصحيح))، وأطلق الخطيبُ عليه وعلى النسائي اسم ((الصحيح)) كما في ((التدريب)). فإن قلت: ((كيف أطلق على جامع الترمذيِّ اسم ((الجامع الصحيح))، واسم ((الصحيح))، وفيه الأحاديث الضعيفة أيضًا؟!)). قلت: أكثرُ أحاديث ((جامع الترمذي)) صحيحة قابلة للاحتجاج، وأحاديثه الضعيفة قليلةٌ بالنسبة إليها، فقيل له: ((الجامع الصحيح)) على التغليب، كما قيل للكتب السِّتة المشهورة - أعني: ((صحيح البخاري))، و((صحيح مسلم))، و(الجامع للترمذي))، و((السنن)) لأبي داود، والنسائيِّ، وابن ماجه: الصحاحُ السِّتُّ، مع أن في السنن الأربعة أقسامًا من الأحاديث من الصحاح والحسان والضعاف، فتسميتها بـ((الصحاح الستِّ)) بطريق التغليب. وقد ذُكِرَ معنى ((الجامع)) و((السننِ)) في الباب الأول، في بيان أنواع كتب الحديث. الفَصْلُ التَّاسِعُ: في بَيَانِ شَروحٍ جَامِعِ التِّزْمِذِيِّ وَتَرَاجِمٍ مُصَنِّفِيهَا اعلم: أن لـِ«جامع الترمذيِّ)) شروحًا وتعليقاتٍ، وله مختصراتٌ، وعليه مستخرجاتٌ، فأذكر ههنا ما وقفْتُ عليه من ذلك: فمن شروحه: شَرْحُ للقاضي أبي بكر بن العربيِّ المالكيِّ، سماه: ((عارضة (١) حاجي خليفة في ((كشف الظنون)) (٥٥٩/١). ٣٥٦ مقدمة تحفة الأحوذي الأحوذي))، أوله(١): ((الحمد لله مبلغ الحمد؛ إذ لا يستطيع العبد أن يبلغ كنه الحمد ... ) إلخ، قال السُّيوطي في ((قوت المغتذي)): لا نعلَمُ أنه شرحه أحدٌ كاملًا إلا القاضي أبو بكر بن العربي في كتابه: ((عارضة الأحوذي)). انتهى، قلت: ((عارضة الأحوذي)) هذا من أشهر شُرُوح الترمذي، قد نقل منه الحافظ ابن حجر وغيره من الأعلام في تصانيفهم كلماتٍ مفيدةً، وفوائد عديدةً، والقاضي أبو بكر بن العربي هذا ذكر ترجمته القاضي ابن خَلِّكَانَ في ((وَفَيَاتِ الأعيان))، فقال(٢): هو أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أحمد، المعروفُ بابن العربي، المَعَافِريُّ الأندلسيُّ الإِشبيليُّ، الحافظُ المشهور، ذكره ابن بشكوال(٣) في كتاب ((الصلة))، فقال: هو الحافظُ المستَبْحِرُ، ختام علماء الأندلس، وآخر أئمتها وحفاظها، لَقِيتُهُ بمدينة إِشبيلية، ضَحْوَةَ يوم الإثنين، لليلتين خلتا من جمادى الآخرة، سنة ست عشرة وخمسمائة، فأخبرني أنه رحل إلى المشرق مع أبيه يوم الأحد مستهلَّ شهر ربيع الأول، سنة خمس وثمانين وأربعمائة، وأنه دخل الشام، ولقي بها أبا بكر محمد بن الوليد الطرطوشي، وتفقَّه عنده، ودخل بغداد وسَمِعَ بها من جماعة من أعيان مشائخها، ثم دخل الحجاز، فحج في موسم سنة تسع وثمانين، ثم عاد إلى بغداد وصحب بها أبا بكر الشاشي، وأبا حامد الغزالي وغيرهما من العلماء والأدباء، ثم صدر عنهم، ولقي بمصر والإسكندرية جماعةً من المحدِّثين، فكتب عنهم واستفَادَ منهم وأفادهم، ثم عاد إلى الأندلس سنة ثلاث وتسعين، وقدم إلى إشبيلية بعلْمٍ كثير، لم يدخل أحد قبله بمثله ممن كانَتْ له رحْلَةٌ إلى المشرق. وكان من أهل التفنُّن في العلوم، والاستبحار فيها، والجمع لها، مقدَّمًا في المعارف كلِّها، متكلِّمًا في أنواعها، نافذًا في جميعها، حريصًا على أدائها ونشرها، ثاقب الذهن في تمييز الصواب منها، ويجمع إلى ذلك كلِّه آدابَ الأخلاقِ مع حسن المعاشرة، ولِينِ الكَنَفِ، وكثرةِ الاحتمال، وكرم النفس، وحسنِ العهدِ، وثباتِ الود، واستقضي ببلده، فنفع الله به أهلها؛ لصرامته وشدته، ونفوذ أحكامه، وكانت له في الظالمين سورة مرهوبة، (١) ابن العربي في ((عارضة الأحوذي)) (٢/١). (٢) ابن خلكان في ((وفيات الأعيان)) (٢٩٦/٤ - ٢٩٧). (٣) هو أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال الأنصاري الأندلسي. قال الذهبي في (سير أعلام النبلاء)) (١٣٩/٢١): الإمام العالم الحافظ الناقد المجود محدث الأندلس ... ٣٥٧ الباب الثاني في فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه ثم صرف عن القضاء، وأقبل على نَشْرِ العلم وَبَثِّهِ، وسألته عن مولده فقال: وُلِدتُ ليلة الخميس لثمان بقين من شعبان سنة ثمان وستين وأربعمائة، وتوفي بـ((العدوة))، ودفن بمدينة فاس في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، رحمه الله تعالی. انتهى كلام ابن بشکوال. قال ابن خَلِّكَان(١): وهذا الحافظ له مصنَّفات منها: كتاب ((عارضة الأحوذي في شرح الترمذي))، وغيرُهُ من الكتب، وكانت ولادته بإشبيلية، وقيل: إن ولادته كانت سنة تسع وستين، وقيل: إن وفاته كانت في جمادى الأولَى على مرحلة من فاس، عند رجوعه من مراكش، ونقل إلى فاس، ودفن بمقبرة الجَيَّاني، وتوفي والده بمصر، منصرفًا عن المشرق في السفرة التي كان والده المذكور في صحبته، وذلك في المحرَّم سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة، ومولده سنة خمس وثلاثين وأربعمائة، وكان من أهل الآداب الواسعة، والبراعة والكتابة، رحمه الله تعالى. وأما معنى ((عَارِضَة الأَحْوَذِيّ)): فالعارضة: القُدْرَةُ على الكلام، يقال: فلانٌ شديدٌ العارضة، إذا كان ذا قدرة على الكلام، والأحوذيُّ: الخفيف في الشيء لِحَذَقِهِ، وقال الأصمعي: الأحوذيُّ، المشمر في الأمور، القاهرُ لهَا، الذي لا يشذّ عليه منها شيء، وهو: بفتح الهمزة، وسكون الحاء المهملة، وفتح الواو، وكسر الذال المعجمة، في آخره ياء مشددة. انتھی کلام ابن خَلگان. قلت: ذكر الحافظ الذهبي ترجمة ابن العربي هذا في ((تذكرة الحفاظ))(٢)، وقال فيه: وكان أبو بكر أحدَ مَنْ بلغ رتبة الاجتهاد فيما قيل، قال ابن النَّجَّار: حدَّث ببغداد بيسير، وصنَّف في الحديث والفقه والأصول، وعلوم القرآنِ، والأدبِ، والنَّحْوِ، والتواريخٍ، واتسع حالُهُ، وکثرت أفضاله. انتهى. قلتُ: نسخة قلميَّة من كتاب ((عارضة الأحوذي)) موجودةٌ في خزانة الكتب، في بلدة محمد آباد المعروف بنونك، وقد طبع جزء من هذا الشرح، مع شروح أخرى لـ((جامع الترمذي)) في المطبعة النظامِيَّة في الهند، وأيضًا قد طبع هذا الشرح كاملاً بمصر. (١) ابن خلكان في ((وفيات الأعيان)) (٢٩٧/٤). (٢) الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (١٢٩٦/٤). ٣٥٨ مقدمة تحفة الأحوذي ومنها: شرح للحافظ ابن سَيِّد الناس. قال صاحبُ ((كشف الظنون)) (١): بلغ فيه إلى دون ثلثي ((الجامع)) في نحو عشرة مجلدات، ولم يتم، ولو اقتصر على فَنِّ الحديث لكان تمامًا، ثم كمله الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي. انتهى. قلت: قد صرَّح الحافظ السيوطيُّ أن الحافظ زين الدين العراقيَّ أيضًا لم يتمّ. انتهى، وقال القاضي الشوكاني في ((البدر الطالع)) (٢)، في ترجمة ابن سيد الناس ما لفظه: وشَرَعَ بشرح الترمذي، كتب منه مجلدًا إلى أوائل ((الصلاة))، وقفت عليه بخطه الحسن، ولعل تلك النسخة التي وقفْتُ عليها هي المسوّدة، فإنها كثيرة الضرب والتصحيح، وهو متمتع في جميع ما تكلّم عليه من فن الحديث وغيره، مع التزامه لإخراج الأحاديثِ التي يشير إليها الترمذي بقوله: ((وفي الباب عن فلان وفلان .. )) إلخ، ولما وقفْتُ على الجزء الذي من شرح الترمذي الذي يلي هذا الجزء لزين العراقي بهرني ذلك، ورأيته فوق ما شرحه صاحب الترجمة بدرجات. انتهى. وقال الحافظ ابن حجر في ((الدرر الكامنة)) (٣) في ترجمته: وشَرَعَ لشرح الترمذي، ولو اقتصر فيه على فَنِّ الحديث من الكلام على الأسانيد لكمل، لكنه قصد أن يتبع شيخه ابن دقيق العيد، فوقف دون ما یرید. وابن سَيِّد الناس - هذا - هو: محمد بن محمد، المعروفُ بابن سيد الناس، الإمام الحافظ المحدِّث، فتح الدين أبو الفتح اليعمريُّ، سمع وقرأ وارتحل وكتب وحدَّث وأجاز، قال في ((آثار الأدهار)): وكان إمامًا محدِّثًا حافظًا فصيحًا، وهو من بيت علم، أجاز له جماعةٌ من الشيوخ، له كتاب ((المنقح الشذي في شرح الترمذي))، وكان ينظم الشعر، وله فيه حسنات. انتهى، قال البرزالي: كان أحد الأعيان إتقانًا وحفظًا للحديث، وتفهُّمًا في علله وأسانيده، عالمًا بصحيحه وسقيمه، مستحضرًا للسيرة، له الشعر الرائق، والنثر الفائق، وكان محبًّا لطلبة الحديث، له تصانيف، منها: ((السيرة النبوية))، و((شرح الترمذي))، قال الصَّفَدِيُّ(٤): أقمتُ عنده بالظاهرية قريبًا من سنتين، فكنت أراه يصلّي كل (١) حاجي خليفة في ((كشف الظنون)) (٥٥٩/١)، انظر ((الحطة)) للقنوجي (ص/ ٢١٠). (٢) الشوكاني في ((البدر الطالع)) (٢/ ٢٥٠). (٣) ابن حجر في ((الدرر الكامنة)) (٥/ ٤٧٧). (٤) صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي في ((الوافي بالوفيات)) (٢٢٠/١). ٣٥٩ الباب الثاني في فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه صلاة مراتٍ كثيرةً، فسألته عن ذلك، فقال: خطر لي أن أصلِّي كل صلاة مرتين، ففعلت، ثم ثلاثًا، ففعلْتُ، وسهُلَ عليَّ، ثم أربعًا، ففعلت، قال: وأشكُّ، هل قال: خمسًا؟ انتھی. قال الشوكانيُّ(١): وهذا وإن كان فيه الاستكثارُ من الصلاة التي هي خَيْر موضوع، وأجر مرفوع، ولكن الأولى أن يتعوَّد النوافل بعد الفرائض على غير صفة الفريضة، فإن حديث النهي عن أن تُصلَّى صلاةٌ في يوم مرتين ربَّما كان شاملًا لمثل صورة صلاةٍ صاحب الترجمة، ولعلَّه يجعله خاصًا بتكرير الفريضة بنية الافتراض. انتهى. ومنها: شرح للحافظ زين الدين العراقي، وهو تكملةُ شَرْحِ ابن سيد الناس. والحافظ زين الدين العراقي - هذا - هو: عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحيم بن أبي بكر بن إبراهيم بن الزين أبو الفضل، الكردي الأصل، الشافعيُّ(٢)، الحافظ الكبير، ولد في حادي وعشرين جمادى الأولى، سنة خمس وعشرين وسبعمائة، بمصر، بعد أن تحوَّل والده إليها، وسمع من القاضي سنجر، والقاضي تقي الدين الأحبائي المالكي، وسمع من آخرين، وحفظ ((الحاوي)) و((الإلمام)) لابن دقيق العيد، وكان ربما حفظ في اليوم أربعمائة سَطْرٍ، ولازم الشيوخ في الدراية، فقرأ القراءات السبع، ونظر في الفقه وأصوله على جماعة، كابن عدلان، والإسنوي، وفي أثناء ذلك أقبل على علم الحديث، فأخذ عن جماعة، منهم: العلاء التركماني، وبه انتفع، ورحل إلى بيت المقدس ومكة والشام، فأخذ عن شيوخ هذه الجهات، وحَبَّبَ الله إليه هذا الشأن، فأكب عليه من سنة (٧٥٢) حتى غلب عليه وتوغَّل فيه، وصار لا يُعْرَفُ إلا به، وتفرَّد مع وجود شيوخه. وقال العزّ بن جماعة - وهو من شيوخه ـ : كُلُّ منْ يدعي الحديثَ بالديار المصرية سواه فهو مدفوع. وتصدَّى للتصنيف والتدريس، ومن جملة مصنفاته: ((تخاريج أحاديث الإحياء))، و((الألفية في علم الحديث وشرحها))، ونَظَمَ منظومةً في ((السيرة النبوية))، وأخرى في ((غرائب القرآن))، ونظم ((الاقتراح)) لابن دقيق العيد، وشرح الترمذي لابن سيد (١) الشوكاني في ((البدر الطالع)) (٢٥١/٢). (٢) انظر ترجمته في ((الضوء اللامع)) للسخاوي (١٧٢/٤)، و((لحظ الألحاظ)) لابن فهد (ص/ ٢٢٧)، و((طبقات الشافعية)» لابن شهبة (٣٣/٤) (٧٣٢). ٣٦٠ مقدمة تحفة الأحوذي الناس، فكتب منه تسعة مجلدات، ولم يكمل، وشرع فيه من أوائل ((كتاب الصلاة)) من حيث بلغ الحافظ ابن سيد الناس؛ لأنه قد كان شرع في شرح الترمذيِّ، فكتب مجلدًا بلغ فيه إلى أوائل كتاب الصلاة، ووقفت عليه بخطه - رحمه الله - ووقفت على المجلد الأول من شرح صاحب الترجمة، وهو إلى أواخر ((كتاب الصلاة)). وهذا المجلد الذي وقفت عليه بخط الحافظ ابن حجر، وفيه بخط مصنفه، وهو شرح حافلٌ ممتعٌ، فيه فوائد لا توجد في غيره، ولا سيَّما في الكلام على أحاديث الترمذيِّ، وجميع ما يشير إليه في الباب، وفي نقل المذاهب على نمط غريب وأسلوب عجيب. ومن مصنفاته: ((الاستعاذةُ بالواحد مِنْ إقامة جُمُعَتْينٍ فِي مُقَامٍ واحد)»، و«تكملةُ شرح المهذَّب)» للنووي، واستدرك على ((المهمات)) للإسنوي، و((نَظُمُ المنهاج)) للبيضاوي، وغير ذلك. وولي تدريس الحديث بدار الحديث الكاملية والظاهرية وجامع ابن طولون، وحج مرارًا، وجاور، وأملى هناك، وولي قضاء المدينة النبوية، وخطابتها وإمامتها، في ثاني عشر جمادى الأولى سنة (٧٨٨)، ثم صرف بعد مضي ثلاث سنين وخمسة أشهر، وعاد إلى القاهرة، فشرع في الإملاء من سنة (٧٩٥)، فأملى أربعمائة مجلس وستة عشر مجلسًا، وكان منوَّر الشيبة، جميل الصورة، كثير الوقار، نذير الكلام، طارحًا للتكلف، ضيق العيش، شديد التوقي في الطهارة، لا يعتمد إلا على نفسه، أو على رفيقه الهيثمي، وكان كثير الحياء منجمعًا عن الناس، حسن النادرة والفكاهة. قال تلميذه الحافظ ابن حجر (١): وقد لازمتُهُ مدة، فلم أره ترك قيام الليل، بل صار كالمَأْلُوف، ويتطوَّع بصيام ثلاثة أيام في كل شهر، وقد رُزِقَ السعادة في ولده الولي؛ فإنه كان إمامًا، وفي رفيقه الهيثمي، فإنه كان حافظًا كبيرًا، ورزق أيضًا السعادة في تلامذته، فإن منهم الحافظ ابن حجر وطبقته. وكان عالمًا بالنحو واللغة، والغريب والقراءات، والفقه وأصوله، غَيْرَ أنه غلب عليه الحدیث، فاشتهر به، وانفرد بمعرفته، وقد ترجمه جماعةٌ من معاصریه، ومن تلامذته ومن بعدهم، وأثنوا عليه جميعًا، وبالغوا في تعظيمه، ورثاه ابن الجزري، فقال: [من الخفيف] (١) انظر ((البدر الطالع)) للشوكاني (٣٥٥/١).