Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً بـ((المُبَرِّدِ))، وأبو بكر محمد بن القاسم الأنباريُّ، وأحمد بن الحسن الكندي، وأبو عُمَرَ محمَّد بن عبد الواحد الزاهد صاحب ثعلب، وغَيْرُ هؤلاء من أئمة اللغة والنحو والفقه والحديث، ولم يَخْلُ زمان وعصر ممن جمع في هذا الفن شيئًا، وانفرد فيه بتأليف، واستبدَّ فيه بتصنيف، واستمرت الحال إلى عهد الإمام أبي سليمانَ حمد بن محمد بن أحمد الخَطَّابي البُسْتِيِّ - رحمه الله تعالى - وكان بعد الثلاثمائة والستين وقبلها، فألف كتابه المشهور في غريب الحديث، سلك فيه نهج أبي عُبَيْد وابن قتيبة واقتفَى هديهما، وقال في مقدِّمة كتابه بعد أن ذكر كتابيهما، وأثنى عليهما: وبقيتْ بعدهما صُبابة للقول فيها مُتبرَّضٌ، توليت جمعها وتفسيرها، مستعينًا بالله ومسترسلًا إلى ذلك بحسن هدايتهما وفضل إرشادهما، وبما نحوته من التيمم لقصدهما، والقيُّلِ لآثارهما كان ذلك مني بعد أن مَضَى عليَّ زمان وأنا أحسب أنه لم يَبْقَ في هذا الباب لأحَدٍ متكلَّم، وأن الأول لم يترك للآخِرِ شيئًا، وأَتكِلُ مع ذلك على قول ابن قتيبة في خطبة كتابه (١): ((إنه لم يَبْقَ لأحد في غريب الحديث مقال)). وقال الخطابي - أيضًا - بعد أن ذكر جماعة من مصنِّفي الغريب، وأثنى عليهم: إلا أن هذه الكتب على كثرة عددها، إذا حصلَتْ كان مآلها كالكتاب الواحد؛ إذ كان مصنِّفوها إنما سبيلهم فيها أن يتوالوا على الحديث الواحد، فيعتوروه فيما بينهم، ثم يتباروا في تفسيره، ويدخل بعضهم على بعض، ولم يكن من شرط المسبوق أن يفرج للسابق عما أحرزه، وأن يقتضب الكلام في شيء لم يفسّر قبله، على شاكلة ابن قتيبة وصنيعه في كتابه الذي عَقَّبَ به كتاب أبي عُبَيْدٍ، ثم إنه ليس لواحد من هذه الكتب التي ذكرناها أن يكون شيء منها على منهاج كتاب أبي عُبَيْد في بيان اللفظ وصحَّة المعنَى وجودة الاستنباط وكثرة الفقه، ولا أن يكون من جنس كتاب ابن قتيبة في إشباع التفسير وإيراد الحُجَّة، وذِكْر النظائر، وتخليص المعاني، إنما هي أو عامَّتها إذا تقسَّمَتْ وقَعَتْ بين مقصِّر لا يورد في كتابه إلا أطرافًا وسواقط من الحديث، ثم لا يوفِّها حقَّها من إشباع التفسير، وإيضاح المعنى، وبين مطيل يَسْرُدُ الأحاديث المشهورة التي لا يكاد يُشْكِلُ منها شيء، ثم يتكلَّف تفسيرها ويُطْنِبُ فيها، وفي الكتابين غنّى ومندوحةٌ عن كل كتاب ذكرناه قبل؛ إِذْ كانا قد (١) ابن قتيبة في ((غريب الحديث)) (١٥٢/١). وانظر ((غريب الحديث)) للخطابي (٤٨/١). ٢٤٢ مقدمة تحفة الأحوذي أتيا على جماع ما تضمَّنت الأحاديث المودعة فيهما من تفسير وتأويل، وزادا عليه فصارا أحقَّ به وأملك له، ولعل الشيء بعد الشيء منها قد يفوتهما . قال الخَطَّابي (١): وأما كتابنا هذا، فإني ذكرْتُ فيه ما لم يرد في كتابيهما، فصرفت إلى جمعه عنايتي، ولم أزل أتتبع مظانها، وألتقط آحادها وأضم نشرها، وألفق بينها حتى اجتمع منها ما أَحَبَّ الله أن يوفق له، واتسق الكتاب، فصار كنحو من كتاب أبي عبيد، أو كتاب صاحبه، قال: وبلغني أن أبا عبيد مكث في تصنيف كتابه أربعين سنة، يسأل العلماء عما أودعه من تفسير الحديث والأثر، والناس إذ ذاك متوافرون، والروضة أُنُفٌ، والحوض ملآن؛ ثم قد غادر الكثيرَ مِنْهُ لمن بعده، ثم سعى له أبو محمد سَعْيَ الجواد، فأسأر القِدْرَ الذي جمعناه في كتابنا، وقد بقي من وراء ذلك أحاديثُ ذواتٌ عدد، لم أتيسر لتفسيرها، تركتها ليفتحها الله على من يشاء من عباده، ولكلِّ وقتٍ قَوْمٌ، ولكل نَشْءٍ علم؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُ, وَمَا نُنَزِلُهُ، إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١]. قلت: لقد أحسن الخطّابي - رحمة الله عليه - وأنصف؛ عَرَفَ الحق فقاله، وتحرَّی الصدق فنطق به، وكانت هذه الكتب الثلاثة في غريب الحديث والأثر أمهات الكتب، وهي الدائرة في أيدي الناس، والتي يعوِّل عليها علماء الأمصار، إلا أنها وغيرها من الكتب المصنَّفة التي ذكرناها أو لم نذكرها لم يكن فيها كتاب صُنِّفَ مرتبًا ومقفَّى يرجع الإنسان عند طلب الحديث إليه، إلا كتاب الحَرْبِيِّ، وهو على طوله وعسر ترتيبه لا يوجد الحديث فيه إلا بعد تعب وعناء، ولا خفاءَ بما في ذلك من المشقَّة والنَّصَب، مع ما فيه من كون الحديث المطلوب لا يعرف في أيِّ واحدٍ من هذه الكتب هو، فيحتاجُ طالبُ غريب حديث إلى اعتبار جميع الكتب أو أكثرها، حتى يجد غرضه من بعضها . فلما كان زَمَنُ أبي عُبَيْدٍ أحمد بن محمد الهَرَوِيِّ صاحب الإمام أبي منصور الأزهريِّ اللغوي، وكان في زمن الخَطَّابي، وبعده، وفي طبقته - صنَّف كتابه المشهور السائر في الجمع بين غَرِيِيَ القرآن العزيز والحديث، ورتبه مقفَّى على حروف المعجم على وضع لم يُسْبَقْ في غريب القرآن والحديث إليه، فاستخرج الكلمات اللغوية الغريبة من أماكنها، وأثبتها في حروفها، وذكر معانيها؛ إذ كان الغرضُ والمقصِدُ من هذا التصنيف معرفةً (١) أبو سليمان الخطابي في ((غريب الحديث)) (٤٨/١). ٢٤٣ الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً الكلمة الغريبة لغةً وإعرابًا ومعنًى، لا معرفةَ متون الأحاديث والآثار وطرقٍ أسانيدها وأسماءِ رُوَاتِهَا، فإن ذلك عِلْمٌ مستقلٌّ بنفسه، مشهور بين أهله، ثم إنه جمع فيه من غريب الحديث ما في كتاب أبي عُبَيْد وابن قتيبة وغيرهما ممن تقدَّمه عصره من مصنفي الغريب، مع ما أضاف إليه مما تتبّعه من كلمات لم تكُنْ في واحد من الكتب المصنفة قبله، فجاء كتابه جامعًا في الحُسْن بين الإحاطة والوضع، فإذا أراد الإنسان كلمة غريبة وجدها في حرفها بغير تعب، إلا أنه جاء الحديث مفرَّقًا في حروف كلماته، حيث كان هو المقصود والغرضُ، فانتشر كتابه بهذا التسهيل والتيسير في البلاد والأمصار، وصار هو العمدة في غريب الحديث والآثار، وما زال الناس بعده يقتفون هديه، ويتبعون أثره، ويشكرون له سعيه، ويستدركون ما فاته من غريب الحديث والآثار، ويجمعون فيه مجاميع، والأيام تنقضي، والأعمار تفنى ولا تنقضي، إلّا عن تصنيفٍ في هذا الفن إلى عهد الإمام أبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري الخُوَارَزْمِيِّ - رحمه الله - فصنَّف كتابه المشهور في غريب الحديث، وسماه: ((الفائق)). ولقد صادَفَ هذا الاسمُ مسمَّى، وكشف من غريب الحديث كُلَّ مُعَمی، ورتبه على وضع اختاره مقفَّى على حروف المعجم، ولكن في العثور على طلب الحديث منه كلفة ومشقة، وإن كانت دون غيره من متقدِّمي الكتب؛ لأنه جمع في التقفية بين إيراد الحديث مسرودًا جميعه أو أكثره أو أقله، ثم شرح ما فيه من غريب، فيجيء شرحُ كل كلمة غريبة يشتمل عليها ذلك الحديث في حرف واحد من حروف المعجم، فترد الكلمة في غير حرفها، وإذا تطلبها الإنسان تعب حتى يجدها، فكان كتاب الهروي أقربَ متناولاً وأسهلَ مأخذًا، وإن كانت كلماته متفرِّقة في حروفها، وكان النفع به أتمَّ، والفائدة منه أعمَّ . فلما كان زمن الحافظ أبي موسى محمد بن أبي بكر بن أبي عيسى المديني الأصفهاني، وكان إمامًا في عصره، حافظًا متقنًا، تُشَدُّ إليه الرحال، وتناط به من الطلبة الآمال، قد صنف كتابًا جمع فيه ما فات الهَرَوِيَّ من غريب القرآن والحديث يناسبه قدرًا وفائدة، ويماثله حجمًا وعائدة، سلك في وضعه مسلكه، وذهب فيه مذهبه، ورتبه كما رتَّبه، ثم قال: ((واعلم: أنه سيبقى بعد كتابي أشياء لم تقع لي، ولا وقفْتُ عليها؛ لأن كلام العرب لا ينحصر))، ولقد صدق - رحمه الله - فإن الذي فاته من الغريب كثير، ومات سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. ٢٤٤ مقدمة تحفة الأحوذي وكان في زماننا أيضًا معاصر أبي موسى الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي البغدادي - رحمه الله - كان متفننًا في علومه، متنوعًا في معارفه، فاضلًا، لكنه كان يغلب عليه الوعظ . وقد صنَّف كتابًا في غريب الحديث خاصَّة، نهج فيه طريق الهَرَوِيِّ في كتابه، وسلك فيه محجته، مجردًا من غريب القرآن، وهذا لفظه في مقدمته بعد أن ذكر مصنِّفي الغريب قال: ((فَقَوِيَتِ الظنونُ أنه لم يَبْقَ شيء، وإذا قد فاتهم أشياء، فرأيتُ أن أبذُلَ الوسع في جمع غريب حديث رسول الله وَل﴿ وأصحابِهِ وتابعيهم، وأرجو أَلَّا يشذّ عني مُهِمٌّ من ذلك، وأن يغني كتابي عن جميع ما صُنِّفَ في ذلك))(١)، هذا قوله . ولقد تتبَّعت كتابه، فرأيته مختصرًا من كتاب الهرويِّ، منتزعًا من أبوابه شيئًا فشيئًا، ووضعًا فوضعًا، ولم يزد عليه إلا الكلمة الشاذَّة، واللفظة الفَاذَّة، ولقد قايست ما زاد في كتابه على ما أخذه من كتاب الهروي فلم يكن إلا جزءًا يسيرًا من أجزاء كثيرة. وأما أبو موسى الأصفهانيُّ - رحمه الله - فإنه لم يذكر في كتابه مما ذكره الهرويُّ إلا كلمةً اضطر إلى ذكرها: إما لخلل فيها، أو زيادة في شرحها، أو وجهٍ آخر في معناها، ومع ذلك فإن کتابه يضاهي کتاب الهرويِّ كما سبق؛ لأن وضع كتابه استدراك ما فات الهرويَّ، ولما وقفتُ على كتابه الذي جعله مكمّلًا لكتاب الهروي ومتمِّمًا، وهو في غاية من الحسن والكمال، وكان الإنسان إذا أراد كلمةً غريبة يحتاج إلى أن يتطلَّبها في أحد الكتابَيْن، فإن وَجَدَها فيه وإلا طلبها من الكتاب الآخر، وهما كتابان كبيران ذوا مجلدات عدَّة، ولا خفاء بما في ذلك من الكُلْفة، فرأيت أن أجمع ما فيهما من غريب الحديث مجرَّدًا من غريب القرآن، وأضيفَ كلَّ كلمة إلى أختها في بابها؛ تسهيلًا لِكلْفة الطلب، وتمادَتْ بي الأيام في ذلك أقدِّم رِجْلًا وأؤخر أخرى، إلى أن قويت العزيمة، وخلصت النية، وتحقَّقْتُ في إظهار ما في القوة إلى الفعل، ويسَّر الله الأمر وسهله، وسنَّاه، ووفّق إليه، فحينئذٍ أمعنت النَّظَر، وأنعمت الفِكَرَ في اعتبار الكتابين، والجمع بين ألفاظهما، وإضافة كل منهما إلى نظيره في بابه، فوجدتُهما - على كثرة ما أُودِعَ فيهما من غريب الحديث والأثر - قد فاتهما الكثير الوافر، فإني في بادئ الأمر وأول النظر مَرَّ بذكري (١) ابن الجوزي في ((غريب الحديث)) (٤/١). ٢٤٥ الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً كلماتٌ غريبةٌ من غرائب أحاديث الكتب الصحاح، كالبخاري ومسلم، وكفاك بهما شهرةً في كتب الحديث، لم يَرِدْ شيء منها في هذين الكتابين، فحيث عرَفْتُ ذلك تنبَّهتُ لاعتبار غير هَذَيْن الكتابَيْن من كتب الحديث المدونة المصنفة في أول الزمان وأوسطه وآخره، فتتَبَّعتها، واستقريْتُ ما حضرني منها، واستقصيت مطالعتها من المسانيد والمجاميع، وكتب السنن والغرائب قديمها وحديثها، وكتب اللغة على اختلافها، فرأيْتُ فيها من الكلمات الغريبة مما فات الكتابَيْن كثيرًا، فصدقْتُ حينئذٍ عن الاقتصار على الجمع بين كتابيهما، وأضفْتُ ما عثرْتُ عليه، ووجدته من الغرائب إلى ما في كتابيهما في حروفها مع نظائرها وأمثالها، وما أَحْسَنَ ما قال الخطابيُّ وأبو مُوسَى - رحمة الله عليهما - في مقدمتي كتابيهما، وأنا أقول - أيضًا - مقتديًا بهما: كم يكونُ قد فاتني من الكلمات الغريبة التي تشتمل عليها أحاديثُ رسول الله وَآله وأصحابه وتابعيهم جعلها الله سبحانه ذخيرةً لغيري، يظهرها على يده؛ ليذكر بها، ولقد صدق القائل الثاني: كم ترك الأول للآخر ... إلى أن قال: وقد سميته: ((النهاية في غريب الحديث والأثر))(١) انتهى. قال صاحب ((كشف الظنون))(٢) ((النهاية في غريب الحديث))، وهي: مجلدات للشيخ الإمام أبي السعادات مبارك بن أبي الكرم محمد، المعروف بابن الأثير الجزري، المتوفى سنة ست وستمائة، أخذه من ((الغَرِيبَينِ)) للهروي، و((غريب الحديث)) لأبي موسى الأصبهاني، ورتَّبه على حروف المعجم بالتزام الأول والثاني من كل كلمة وإتباعهما بالثالث، وجعل على ما في كتاب الهروي ((هَاءً)) بالحمرة، وعلى ما في كتاب أبي موسى ((سينًا)) وما أضافه من غيرهما، جعله مهملاً من غير علامة؛ ليتميز، فيهما، أوله: ((أحمد الله على نعمه بجميع محامده ... )) إلخ، ثم ذيله صفي الدين محمود بن أبي بكر الأرموي، المتوفى سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة، واختصره عيسى بن محمد الصفوي، المتوفى سنة ثلاث وخمسين وتسعمائة في قریب من نصف حجمه، واختصره جلال الدين السيوطيُّ، وسماه: ((الدر النثير))، وله ((التذييل والتذنيب على نهاية الغريب)). انتهى. قلت: ومن كتب غريب الحديث ((مجمع بحار الأنوار في غرائب التنزيل ولطائف (١) ابن الأثير في ((النهاية)) (٢١/١- ٢٧). (٢) حاجي خليفة في ((كشف الظنون)) (١٩٨٩/٢). ٢٤٦ مقدمة تحفة الأحوذي الأخبار)) للعلامة محمد طاهر الهندي الفَتَّنِيِّ، وله عليه ذيل وتكملة جَرَى فيه على طريق ((نهاية ابن الأثير))، قال في خطبته بعد ذكر عُلُوِّ مرتبة علم الحديث وعظمة شأنه، والإشارةِ إلى ما صُنِّفَ في شرح الحديث وغريبه: وقد عَنَّ لخاطري الفاتر؛ أن همم أهل البلاد إليه فاترة، والأعمار قاصرة، والعدة معهم يسير، والأمر خطير، فمقتضى أحوالهم أن يكون الكلام مقتصرًا على حَلِّ الغرائب للقرآن والأخبار، ومتضمنًا لما فيها من الرموز والأسرار، مشتملًا على وجوه العبر ونظم الفرائد، محذوفًا عنه ما لا يحظى إلا من تبحّر في هذا الفن وتأهّل لتلك الزوائد، مرتبًا على ترتيب حروف التهجي؛ ليسهل الوصول إلى المعاني، ويسقط التكرار ويبين المواضع والمباني، فحرَّكني ذلك أن أصرف زُبْدَةَ أوقاتي بعد مباحثة أصحابي إلى ذلك الجناب؛ ليكونَ ذلك من قِنْيَةِ عُمْرِي ذخيرةً للمآب، فأسوِّد على ذلك المنهج شرحًا ((الصحيحين)) و((جامع الأصول)) وآخر لـ((المشكاة)) ليسهل الوصول، ثم استطلت أن أحمِّل الأخلَّة رفعها، وأكلِّفهم جمعها؛ كراهة ما فيها من الأشياء المعادة، وإن كانت لا تخلو عن الإفادة، فأردتُ أن أستصفي منها المختصر، وأتقي عن كل ما تكرّر، فجعلت كتاب ((النهاية)) لابن الأثير أصلًا له، فلا أذكر منها إلا ما ليس له تعرض دونه، ولم أغادر منه إلا ما ندر، أو شاع بينهم وانتشر، وأَضُمُّ إلى ذلك ما في ناظر عين الغريبَيْن من الفوائد، وما عثرتُ عليها من غير تلك الكتب من الزوائد؛ ليكون للطالب في أكثر الأحاديث ومعظمها كافيًا، بل لجل العوائد في فنون العلم وغرائب القرآن وافيًا . ومنها: ((مُجرَّد في غريب الحديث)) للشيخ أبي محمد عبد اللطيف بن يوسف بن محمد، الملقَّب بـ((المطحن)) الموصلي البغدادي، المتوفى سنة تسع وعشرين وستمائة، أوله: ((الحمد لله ذي الأبد ... )) إلخ، ذكر فيه أنه لخص فيه كتابه ((الكبير في غريب الحديث)). ومنها: ((جمل الغرائب)) للقاضي بيان الحق شهاب الدين محمود بن أبي الحسن النيسابوري، جمع فيه غريب الحديث، ورتب على أربعة وعشرين بابًا، أوله: ((الحمد لله الذي بحمده ابتداءُ كل مقال ... )) إلخ. ومنها: ((مجمع الغرائب)) في غريب الحديث، لعبد الغافر الحنفي، المتوفّى سنة سبع وثلاثين وخمسمائة، ولأبي إسماعيل الفارسي، المتوفّى سنة تسع وعشرين وخمسمائة. ٢٤٧ الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً ومنها: ((تهذيب في غريب الحديث)) لأبي المحسن عبد الواحد بن إسماعيل الشافعي. الفَصْلُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ: في ذِكْرٍ كُتُبٍ شُرُوحِ الأَحَادِيثِ المَشْهُورَةِ وهي كثيرة جدًّا، لا تسع هذه المقدِّمة المختصرة إحاطتها، وأنا أكتفي على ذكر بعض الشروح المشهورة. اعلم: أن أساليب الشَّرْحِ على ثلاثة أقسام: الأول: الشرح بـ((قال، أقول))، كـ((شرح المقاصد))، و((شرح الطوالع)) للأصفهاني، و((شرح العَضُدِ))، وأما المتن، فقد يكتب في بعض النسخ بتمامه، وقد لا يكتب؛ لكونه مندرجًا في الشرح بلا امتیاز. الثاني: الشرح بـ(قَوْلِه))، كـ((شرح البخاري)) لابن حجر، والكَرْماني، ونحوهما، وفي أمثاله لا يلتزم المتن، وإنما المقصود ذكر المواضع المشروحة، ومع ذلك قد یکتب بعض النساخ متنه تمامًا: إما في الهامش، وإما في المسطّر، فلا ينكر نفعه. والثالث: الشرح مزجًا، ويقال له: ((شرح ممزوج))، يمزج فيه عبارة المتن والشرح، ثم يمتاز إما بـ(الميم)) و((الشين))، وإما بخط يخط فوق المتن، وهو طريقة أكثر الشُّرَّاح المتأخرين من المحقّقين وغيرهم، لكنه ليس بالمأمون عن الخلط والغلط. ثم إنَّ من آداب الشارح وشرطه: أن يبذل النصرة فيما قد التزم شرحه بقدر الاستطاعة، ويذب عما قد تكفل إيضاحه بما يذبُّ به صاحبُ تلك الصناعة؛ ليكون شارحًا غير ناقض وجارح، ومفسِّرًا غير معترض، اللَّهم إلَّا إذا عثر على شيء لا يمكن حمله على وجه صحيح، فحينئذٍ ينبغي أن ينبه عليه بتعريض أو تصريح، متمسكًا بذيل العدل والإنصاف، متجنبًا عن الغَيِّ والاعتساف؛ لأن الإنسان محل النسيان، والقلم ليس بمعصوم من الطغيان، فكيف بمن جمع المطالب من مَحَالَّهَا المتفرقة، وليس كل كتاب ينقل المصنّف عنه سالمًا من العَيْب، محفوظًا له عن ظهر الغَيْب، حتى يلام في خطئه، فينبغي أن يُتَأْذَّب عن تصريح الطعن للسلف مطلقًا، ويكنَى بمثل: ((قِيلَ، وظَنَّ، وَوَهِمَ، واعْتُرِضَ، وَأُجِيبَ، وبعض الشراح، والمحشِّين، أو بعض الشروح والحواشي))، ونحو ذلك من غير تعيين، ٢٤٨ مقدمة تحفة الأحوذي كما هو دأب الفضلاء من المتأخرين، فإنهم تأنَّقوا في أسلوب التحرير، وتأدبوا في الرَّدِّ والاعتراض على المتقدِّمين، بأمثال ما ذكر؛ تنزيهًا لهم عما يفسد اعتقاد المبتدئين فيهم، وتعظيمًا لحقهم، وربما حملوا هفواتهم على الغلط من الناسخين، لا من الراسخين، وإن لم يكن ذلك، قالوا: لأنه لفرط اهتمامهم بالمباحثة والإفادة، لم يَفْرُغُوا لتكرير النظر والإعادة، وأجابوا عن لمزِ بعضهم بأن ألفاظَ كذا وكذا ألفاظُ فلان بعبارته، بقولهم: إنا لا نعرف كتابًا ليس فيه ذلك، فإن تصانيف المتأخرين - بل المتقدِّمین - لا تخلو عن مثل ذلك، لا لعدم الاقتدار على التغيير، بل حذرًا عن تضييع الزمان فيه وعن مثالبهم، بأنهم عَزَوا إلى أنفسهم ما ليس لهم، بأنه إن اتفق، فهو من توارد الخواطر، كما في تعاقب الحافر على الحوافر. هكذا في ((كشف الظنون))(١) (ص٢٨ج١). فمنها: ((مشارق الأنوار على صحاح الآثار)) للقاضي عِيَاض، وهو كتاب مفيدٌ جدًّا في تفسير غريب الحديث المختصِّ بالصحاح الثلاثة، وهي: ((الموطأ))، و((البخاري))، و((مسلم))، وقد أكثر شراح الصحاح الستة وغيرها النقْلَ عما في هذا الكتاب المفيد من الفوائد في شروحهم، وقد يذكرون اسمه، ويقولون: قال القاضي عياض، وقد يقولون: قال القاضي فقط، قال العلامة الشاه عبد العزيز في ((عجالته النافعة)) ما معرَّبه: كتابُ ((مشارق الأنوار)) للقاضي عياض، كافٍ وشاف، لشرح ((الموطأ)) و((صحيح البخاري)) و((صحيح مسلم)). انتھی. قال ابن خَلِّكَانَ في ترجمة القاضي عياض (٢): هذا هو أبو الفضل عياضُ بن موسی بْنِ عياضٍ اليحصبي السَّبْتِيُّ، كان إمام وقته في الحديث وعلومه، والنحو واللغة وكلام العرب وأيامهم وأنسابهم، وصنَّف التصانيف المفيدة، منها: كتاب ((الإكمال)) في شرح كتاب مسلم، كَمَّل به: ((المعلم، في شرح كتاب مسلم)) للمَازِرِيِّ، ومنها: ((مشارق الأنوار)) وهو كتاب مفيدٌ جدًّا في تفسير غريب الحديث المختصِّ بالصحاح الثلاثة، وهي: ((الموطأ)) و((البخاري)) و((مسلم))، وشرَحَ حديثَ أَمِّ زَرْعِ شرحًا مستوفّى، وله كتاب سماه: ((التنبيهات))، جمع فيه غرائب وفوائد. (١) حاجي خليفة في ((كشف الظنون)) (١/ ٣٧). (٢) ابن خلكان في ((وفيات الأعيان)) (٤٨٣/٣). ٢٤٩ الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً وبالجملة: فكلُّ تواليفه بديعة. ذكره أبو القاسم بن بشكوال في كتاب ((الصلة)) فقال: دخل الأنْدَلُسَ طالبًا للعلم، فأخذ بقرطبة عن جماعة، وجمع من الحديث كثيرًا، وكان له عناية كثيرة به، والاهتمام بجمعه وتقييده، وهو من أهل التفنن في العلم والذكاء والفطنة والفهم، واسْتُقْضِي ببلده - يعني: مدينته سَبْتَةَ - مدةً طويلةً حُمِدَت سيرته فيها، ثم نقل منها إلى قضاء غرناطة، فلم تطل مدته فيها انتهى كلامه. وذكره ابن الأبار في أصحاب أبي علي الغساني، وقال: من أهل سَبْتَةَ، وأصله من بسطة، يكنى أبا الفضل، أحد الأئمة الحفاظ الفقهاء المحدِّثين الأدباء، وتواليفه وأشعاره شاهدة بذلك، كتب إليه أبو عَلِيٍّ في جماعة جِلَّة، ولقي أيضًا آخرين مثلهم، وشيوخه يقاربون المائة، وكان مولد القاضي عياض بمدينة سَبْتَةَ في النصف من شعبان، سنة ست وسبعين وأربعمائة، وتوفي بمراكش يوم الجمعة، سابع جمادى الآخرة، وقيل: في شهر رمضان، سنة أربع وأربعين وخمسمائة - رحمه الله تعالى - ودفن بباب إيلان، داخل المدينة، وتولى القضاء بغرناطة سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة، و((عِيَاض)) بكسر العين المهملة، وفتح الياء المثناة من تحتها، وبعد الألف ضادٌ معجمة، و((اليَحْصُبِيُّ)) بفتح الياء المثناة من تحتها، وسكون الحاء المهملة، وضم الصاد المهملة وفتحها وكسرها، وبعدها باء موحدة. كذا في ((وفيات الأعيان)) للقاضي ابن خَلِّكَانَ. وقال الذهبي في ترجمته(١): أجازه القاضي الحافظ أبو علي الغساني، وكان يمكنه السماع منه، وهو ابن عشرين سنة، وإنما دخل القاضي إلى الأَنْدلُس بعد موته، فأخذ عن محمد بن حمدين، وأبي علي بن سُكّرة، وأبي الحسين سراج، وأبي محمد بن عثمان، وهشام بن أحمد، وأبي بَحْر بن العاص، وخلق، وتفقه بأبي عبد الله محمد بن عيسى التميميٍّ، والقاضي أبي عبد الله محمد بن عبد الله المسبل، وصنف التصانيف التي سارت بها الرکبان، واشتهر اسمه، وبَعُدَ صیته. قال ابن بشكوال: هو من أهل العلم والتفنن والذكاء والفهم، استُقْضِيَ بسبتة مدة طويلة، حُمِدَتْ سيرته فيها، ثم نقل عنها إلى قضاء غرناطة، فلم تطل مدته فيها، وقدم علينا قُرْطُبَة، فأخذنا عنه. (١) الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (١٣٠٥/٤). ٢٥٠ مقدمة تحفة الأحوذي وقال الفقيه محمد بن حمادة السبتي: جلس القاضي للمناظرة وله نحو من ثمان وعشرين سنة، وولي القضاء وله خمس وثلاثون سنة، فسار بأحسن سيرة، وكان هيِّنًا من غير ضعف، صليبًا في الحق، تفقَّه على أبي عبد الله التميمي، وصحب أبا إسحاق بن جعفر الفقيه، ولم يكن أحد بسبتة في عصره أكثر تواليفًا من تواليفه، له كتاب: ((الشفا في شرف المصطفى))، وكتاب: ((ترتيب المدارك وتقريب المسالك في ذكر فقهاء مذهب مالك))، وكتاب: ((العقيدة))، وكتاب: ((شرح حديث أم زرع))، وكتاب: ((جامع التاريخ)) الذي أربَى على جميع المؤلفات، جمع فيه أخبار ملوك الأندلس والمغرب، واستوعب فيه أخبار ((سَبْتَةَ)) وعلمائها، وله كتاب: ((مشارق الأنوار في اقتفاء صحيح الآثار)) من ((الموطأ)) و((الصحيحين)) ... . إلى أن قال: وحاز من الرياسة في بلده، ومن الرفعة ما لم يصل إليه أحد قط من أهل بلده، وما زاده ذلك إلا تواضعًا وخشية لله. قال الذهبي(١): روى عنه خلق كثير، منهم: عبد الله بن أحمد العشيري، وأبو جعفر بن القصير الغرناطي، وأبو القاسم خلف بن بشكوال، وأبو محمد عيسى بن الحجري، ومحمد بن الحسن الجابري. انتهى. ومنها: ((مطالع الأنوار)) لابن قُرْقُول، قال ابن خَلِّكَانَ في ترجمته(٢): هو أبو إسحاق إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الله الحمزي، المعروفُ بابن قُرْقُولٍ، صاحب كتاب ((مطالع الأنوار)) الذي وضعه على مثال كتاب ((مشارق الأنوار)) للقاضي عياض، كان من الأفاضل، وصحب جماعة من علماء الأندلس، ولم أقف على شيء من أحواله، سوى هذا القدر، وكانت ولادته بـ((المرِيَّةِ)) من بلاد الأندلس، في صفر سنة خمس وخمسمائة، وتوفي بمدينة فاس يوم الجمعة أول وقت العصر، سادس شوال سنة تسع وستين وخمسمائة، وكان قد صلى الجمعة في الجامع، فلما حضرته الوفاة تلا سورة الإخلاص، وجعل يكررها بسرعة، ثم تشهد ثلاث مرات، وسقط على وجهه ساجدًا فوقع ميتًا رحمه الله تعالى. وقُرْقُولٌ: بضم القافين، وسكون الراء المهملة بينهما، وبعد الواو لام، والمَرِيَّة: بفتح (١) الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (١٣٠٦/٤). (٢) ابن خلكان في ((وفيات الأعيان)) (٦٢/١). ٢٥١ الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث و کتبه وأهله عموماً الميم، وكسر الراء المهملة، وتشديد الياء المثناة من تحتها، وبعدها هاء، وهي مدينة كبيرة بالأندلس، على شاطئ البحر من مراسي المراكب، وفَاسٌ: بالفاء، والسين المهملة، وهي مدينة عظيمة بالمغرب، بالقرب من ((سبتة))، ونسبتهُ ((الحَمْزِيُّ)) - بفتح الحاء المهملة، وبعد الميم الساكنة زايٌ معجمة - إلى ((حمزة آشير)) بمد الهمزة، وكسر الشين المثلثة، وسكون الياء المثناة من تحتها، وبعدها راء مهملة، و((حَمْزَةُ)) هي: بُلَيْدَة بإفريقية ما بين بِجَايَةَ وَقَلْعَةِ بني حَمَّاد. كذا ذكر لي جماعة من أهل تلك البلاد. انتهى. ومنها: ((شروح صحيح البخاري))، وهي كثيرة، ذكر أكثرها صاحبُ ((كشف الظنون)) وقال (١): ومن أعظم شروح البخاري: شرح الحافظ العلامة شيخ الإسلام أبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، المتوفى سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة، وهو في عشرة أجزاء، ومقدِّمته في جزء، وسماه: ((فتح الباري))، ومقدِّمته على عشرة فصول، سماها: ((هدي الساري))، وشهرته وانفراده بما يشتمل عليه من الفوائد الحديثية، والنكات الأدبية، والفرائد الفقهية تغني عن وصفه؛ سيما وقد امتاز بجمع طرق الحديث التي ربّما يُتَبَيَّنُ من بعضها ترجيح أحد الاحتمالات شرحًا وإعرابًا، وطريقته في الأحاديث المكررة أنه يشرح في كل موضع ما يتعلَّق بمقصد البخاري، يذكره فيه، ويحيل بباقي شرحه على المكان المشروح فيه، وكذا ربما يقع له ترجيح أحد الأوجه في الإعراب أو غيره من الاحتمالات أو الأقوال في موضع، وفي موضع آخر غيره، إلى غير ذلك مما لا طعن عليه بسببه، بل هذا أمر لا ينفك عند أحد من الأئمة. وكان ابتداء تأليفه في أوائل سنة سبع عشرة وثمانمائة على طريق الإملاء بعد أن كملت مقدمته في مجلد ضخم، في سنة ثلاث عشرة وثمانمائة، وسبق منه الوعد للشرح، ثم صار يكتب بخطه شيئًا فشيئًا، فيكتب الكراسة، ثم يكتبها جماعة من الأئمة المعتبرين، ويعارض بالأصل مع المباحثة في يوم من الأسبوع، وذلك بقراءة العلامة ابن خضر، فصار السِّفْرُ لا يكمل منه إلا وقد قوبل وحُرِّر، إلى أن انتهى في أول يوم من رجب سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة، سِوى ما ألحقه فيه بعد ذلك، فلم ينته إلا قُبَيْلَ وفاته، ولما تَمَّ مصنَّفه عَمِلَ وليمةً عظيمةً، لم يتخلَّف عنها من وجوه المسلمين إلا نادرًا، بالمكان (١) حاجي خليفة في ((كشف الظنون)) (١ / ٥٤٧). ٢٥٢ مقدمة تحفة الأحوذي المسمى بالتاج والسبع وجوه، في يوم السبت، ثاني شعبان سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة، وقرئ في المجلس الأخير، وهناك حضره الأئمة، كالقاياتي، والونائي، والسعد الدبري، وكان المصروف في الوليمة المذكورة نحو خمسمائة دينار، فطلبه ملوك الأطراف بالاستكتاب، واشْتُرِيَ بنحو ثلاثمائة دينار، وانتشر في الآفاق، ومختصر هذا الشرح للشيخ أبي الفتح محمد بن الحسين المراغي، المتوفى سنة تسع وخمسين وثمانمائة. ومن الشروح المشهورة أيضًا: شرح العلامة بدر الدين أبي محمد محمود بن أحمد العيني الحنفي، المتوفى سنة خمسة وخمسين وثمانمائة، وهو شرح كبير أيضًا في عشرة أجزاء وأزيد، وسماه ((عمدة القاري))، ذكر فيه أنه لما دخل إلى البلاد الشمالية، قبل الثمانمائة، مستصحبا فيه هذا الكتاب، ظفر هناك من بعض مشايخه بغرائب النوادر المتعلّقة بذلك الكتاب، ثم لما عاد إلى مصر شرحه، وهو بخطه في إحدى وعشرين مجلدًا، بمدرسته التي أنشأها بـ ((حارة كتامة)) بالقرب من الجامع الأزهر، وشرع في تأليفه في أواخر شهر رجب سنة إحدى وعشرين وثمانمائة، وفرغ منه من نصف الثلث الأول من جمادى الأولى، سنة سبع وأربعين وثمانمائة، واستمد فيه من فتح الباري، بحيث ينقل منه الورقة بكمالها، وكان يستعيره من البُرْهَان بن خضر، بإذن مصنِّفه له، وتعقّبه في مواضع، وطوَّله بما تعمَّد الحافظُ ابْنُ حجر حَذْفَهُ من سياق الحديث بتمامه، وإفراد كُلِّ من تراجم الرواة بالكلام، وتباينِ الأنساب واللغات والإعراب والمعاني والبيان، واستنباط الفوائد من الحديث والأسئلة والأجوبة. وحُكِيَ أن بعض الفضلاء ذكر لابن حجر ترجيح ((شرح العيني)) بما اشتمل عليه من البديع وغيره، فقال بديهة: هذا شيء نقله من شرح ركن الدين، وقد كنت وقفت عليه قبله، ولكن تركت النقل منه؛ لكونه لم يتم، إنما كتب منه قطعة، وخشيتُ من تعَبِي بعد فراغها في الإرسال، ولذا لم يتكلم العيني بعد تلك القطعة بشيء من ذلك. انتهى. وبالجملة: فإن شرحه حافلٌ كاملٌ في معناه، لكن لم ينتشر كانتشار ((فتح الباري)) في حياة مؤلِّفه وهلُمَّ جَرًّا. انتهى ما في ((الكشف)) (١). (١) (كشف الظنون)) (٥٤٩/١). ٢٥٣ الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً تنبيه: اعلم: أن الحافظ ابن حجر قد أجاب عما اعترض عليه العيني، في شرحه ((عمدة القاري)) في كتاب مستقلِّ سماه: ((انتقاض الاعتراض))، قال صاحبُ ((الكشف)) في ذكر هذا الكتاب: بَحَثَ فيه عما اعترض عليه العيني في شرحه، لكنه لم يجب عن أكثرها، ولكنه كان يكتب الاعتراضات ويبيِّضها؛ ليجيبَ عنها، فاخترمته المنية، أوله: ((اللَّهم إني أحمدك ... ))(١) إلخ، ذكر فيه أنه لما أكمل شرحه - يعني: ((فتح الباري)) - كثرت الرغبات فيه من ملوك الأطراف، فاستُنْسِخَتْ نسخةٌ لصاحب المغرب أبي فارس عبد العزيز، وصاحبِ المشرق شاهرخ، وللملك الظاهر، فحسده العينيُّ، وادَّعى الفضيلة عليه، فكتب في رَدِّهِ، وبيانٍ غلطه في شرحه، وأجاب برمز: ((ح))، و((ع)) إلى الفتح وأحمد، والعيني والمعترض. انتهى. قلت: نسخة قلمية من كتاب ((انتقاض الاعتراض)) موجودةٌ في خزانة الكتب في رامفور. ومن شروح ((صحيح البخاري)): ((إعلام السنن)) للإمام الخَطَّابي، وهو شرح لطيف فيه نكت لطيفة، ولطائف شريفة، أوله: ((الحمد لله المنعم ... )) إلخ، ذكر فيه أنه لما فرغ من تأليف ((معالم السنن)) ببلخ سأله أهلها أن يصنف شرحًا للبخاري، فأجاب وهو في مجلد. والخَطَّابي هذا، هو: أبو سليمان حَمَدُ بْنُ محمد بن إبراهيم بن خَطَّاب، البُسْتِيُّ الخطابي، صاحب التصانيف، سمع أبا سعيد بن الأعرابي بمكة، وإسماعيل بن محمد الصفار وطبقته ببغداد، وأبا بكر بن داسة بالبصرة، وأبا العباس الأصمَّ وطبقته بنيسابور، روى عنه: الحاكم، وأبو حامد الإسفراييني، وأبو نصر محمد بن أحمد البلخي الغزنوي، وأبو مسعود الحسين بن محمد الكرابيسي، وأبو عمرو محمد بن عبد الله الزرجاهي، وخلق سواهم. ووهم أبو منصور الثعالبيُّ في ((اليتيمة)) (٢) حيث سماه: ((أحمد بن محمد))، أقام مدة بنيسابور يصنّف، فعمل ((غريب الحديث)) وكتاب ((معالم السنن)) وكتاب ((شرح الأسماء الحسنى))، وكتاب ((العُزْلة))، وكتاب ((الغُنْية عن الكلام وأهله))، وغير ذلك، وكان ثقة متثبتًا من أوعية العلم، قد أخذ اللغة عن أبي عمر الزاهد ببغداد، والفقه عن أبي علي بن أبي هريرة، والقَفَّال، وله شعر جيِّد. ذكره الذهبيُّ (١). (١) ابن حجر في ((انتقاض الاعتراض)) (٧/١). (٢) الثعالبي في ((يتيمة الدهر)) (٣٨٣/٤) (٦٦). (٣) الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (١٠١٩/٣). ٢٥٤ مقدمة تحفة الأحوذي وقال ابن خَلِّكَان (١): كان الخطابي فقيهًا أديبًا محدِّثًا، له التصانيف البديعة، منها: ((غريب الحديث))، و((معالم السنن)) في شرح سنن أبي داود، و((إعلام السنن)) في شرح البخاري، وكتاب ((الشجاج))، وكتاب ((شأن الدعاء))، وكتاب ((إصلاح غَلَطِ المحدِّثين))، وغيرُ ذلك، وكان يشبَّ في عصره بأبي عُبَيْد القاسم بن سلام علمًا وأدبًا وزهدًا وورعًا، وتدريسًا وتأليفًا، وكانت وفاته في شهر ربيع الأول سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة بمدينة (بُسْت)) - رحمه الله تعالى -. والخَطَّابي: بفتح الخاء المعجمة، وتشديد الطاء المهملة، وبعد الألف باء موحدة، هذه النسبة إلى جده الخَطَّاب المذكور، وقيل: إنه من ذرية زيد بن الخَطَّاب ﴿ه فنسب إليه - والله أعلم - والبُسْتِيُّ: بضم الباء الموحدة، وسكون السين المهملة، وبعدها تاء مثناة من فوقها، هذه النسبة إلى ((بُسْت))، وهي مدينة من بلاد كَابُل بين هَرَاةَ وَغَزْنَةَ، كثيرةٌ الأشجارِ والأَنْهَارِ . قال الحاكم أبو عبد الله محمد بن البَيِّع: سألت أبا القاسم المظفر بن طاهر بن محمد البُسْتِيَّ الفقيه عن اسم أبي سليمان الخطابي: أحمد أو حمد، فإن بعض الناس يقول: أحمد، فقال: سمعته يقول: اسمي الذي سُمِّيتُ به: حَمَد، ولكن الناس كَتَبُوا: أَحْمَدُ، (٢) فتركته علیه (٢). واعتنى الإمام محمد التميميُّ بشرح ما لم يذكره الخطابيُّ مع التنبيه على أوهامه، وكذا أبو جعفر أحمد بن سعيد الداوودي، وهو ممن ينقل عنه ابن التين الآتي. ومنها: ((شرح ابن بَطَّال))، وهو: الإمام أبو الحسن علي بن خَلَفٍ، الشهير بـ((ابن بَطال))، المغربي المالكي، وغالبه فقه الإمام مالك من غير تعرُّض لموضوع الكتاب غالبًا، كانت وفاته سنة ٤٤٤، أو سنة ٤٤٩، أصله من قرطبة، وأخرجته الفتنة إلى بَلَنْسِيةَ، وكان عالمًا فقيهًا، عُنِيَ بالحديث، وولي قضاء لورقة، وروى عن جماعة، وله كتاب ((الاعتصام)) في الحديث. ومنها: ((شرح ابن الِّين)) وهو: الإمام عبد الواحد بن التين، بالثاء المثناة فوق، ثم بالياء التحتية، السَّفاقُسِيُّ. (١) ابن خلكان في ((وفيات الأعيان)) (٢١٤/٢ - ٢١٥). (٢) أخرجه ابن طاهر بسنده في ((المؤتلف)) (ص/ ٦٠). ٢٥٥ الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً ومنها: ((شرح ابن المنير))، وهو: الإمام ناصر الدين علي بن محمد بن المنير الإسكندرانيُّ، وهو كبير في نحو عشر مجلدات، وله حواشٍ على شرح ابن بَطَّال، وله - أيضًا - كلام على التراجم، سماه: ((المتواري على تراجم البخاري)). ومنها: ((شرح مُغْلَطَاي))، وهو: الإمام الحافظ علاء الدين مُغْلَطَاي بن قَلِيج التركيُّ المصري الحنفي، المتوفى سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة، وهو شرح كبير سماه: ((التلويح))، وهو شرح بالقول، أوله: ((الحمد لله الذي أيقظ من خلقه ... )) إلخ. ومنها: (شَرْحُ الكَرْمَانِيِّ)) وهو العلامة شمس الدين محمد بن يوسف بن علي الكَرْمَانِيُّ، المتوفَّى سنة ست وثمانين وسبعمائة، وهو شرح وسط مشهور بالقول، جامع لفرائد الفوائد، وزوائد الفرائد، وسماه: ((الكواكب الدراري»، أوله: «الحمد لله الذي أنعم علينا بجلائل النعم ودقائقها ... ))(١) إلخ، ذكر فيه: أن علم الحديث أفضلُ العلوم، وكتاب البخاري أجلُّ الكتب نقلًا، وأكثرها تعديلًا وضبطًا، وليس له شرح مشتملٌ على كَشْفِ بعض ما يتعلَّق به، فضلًا عن كلها، فشرح الألفاظ اللغوية، ووجَّه الأعاريب النحوية البعيدة، وضبط الروايات وأسماء الرجال وألقاب الرواة، ووفّق بين الأحاديث المتنافية، وفرغ عنه بمكة المكرمة سنة خمس وسبعين وسبعمائة، لكن قال الحافظ ابن حجر في ((الدرر الكامنة))(٢) وهو شرحٌ مفيدٌ، على أوهامٍ فيه في النقل؛ لأنه لم يأخذه إلا من الصحف. انتهى. ومنها: ((شرح ابن المُلَّقِّن))، وهو الإمام سراج الدين عمر بن علي بن الملقِّن الشافعيُّ، المتوفى سنة أربع وثمانمائة، وهو شرح كبير في نحو عشرين مجلَّدًا، أوله: ﴿رَبَّنَاَ ءَائِنَا مِن ◌َّدُنكَ رَيْهَةٌ﴾ الآية، أحمد الله سبحانه وتعالى على توالي إنعامه ... )) إلخ، قَدَّم فيه مقدمة مهمّة، وذكر أنه حصر المقصود في عشرة أقسام في كل حديث، وسماه: (شواهد التوضيح))، قال السخاوي: اعتمد فيه على شرح شيخه مُغْلَطَاي، والْقُطْب، وزاد فيه قليلاً، قال ابن حجر: وهو في أوائله أَفْعَدُ منه في أواخره، بل هو من نصفه الباقي قليل الجَدْوَى. انتهى(٣). (١) الكرماني في (شرح صحيح البخاري)) (٢/١- دار إحياء التراث). (٢) ابن حجر في ((الدرر الكامنة)) (٦٦/٦) (٢١٨٣). (٣) انظر ((كشف الظنون)) (٥٤٧/١)، و((لحظ الألحاظ)) (ص/١٩٩)، و((الحطة)) (ص/ ١٨٦). ٢٥٦ مقدمة تحفة الأحوذي ومنها: ((شرح الزركشي))، وهو: الشيخ بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي الشافعي، المتوفى سنة أربع وتسعين وسبعمائة، وهو شرح مختصر في مجلَّد، قصد فيه إيضاح غريبه وإعراب غامضه، وضبط نَسَب أو اسْم يخشى فيه التصحيف، منتخبًا من الأقوال أصحّها، ومن المعاني أوضَحَها، مع إيجاز العبارة، والرمز بالإشارة، وإلحاق فوائد يكاد يستغني به اللبيب عن الشروح؛ لأن أكثر الحديث ظاهر لا يحتاج إلى بيان، كذا قال، وسماه ((التنقيح))، وعليه نكت للحافظ ابن حجر، وهي تعليقة بالقول، ولم تكمل، وللقاضي محب الدين أحمد بن نصر الله البغدادي الحنبلي، المتوفى سنة أربع وأربعين وثمانمائة نكت أيضًا على ((تنقيح الزركشي)). ومنها: شرح الفاضل العلّامة شهاب الدين أحمد بن محمد الخطيب القَسْطَلَانيّ المصريِّ الشافعيِّ، صاحب ((المواهب اللَّدُنِّيَّة))، المتوفى سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة، وهو شرح كبير ممزوج في نحو عشرة أسفار كبار، أوله: ((الحمد لله الذي شرح بمعارف عوارف السنة النبوية، صدور أوليائه ... )) إلخ، وسماه ((إرشاد الساري))، قال الشاه عبد العزيز المحدِّث الدهلوي في ((بستان المحدِّثين)»: ازاجل تصانيف مقبولة قسطلاني ابن شرح است كه فتح الباري وكرماني رادرال اختصار تمام جمع نمودة وبين الإيجاز والإطناب واقع گردیده(١). ومنها: شرح العلّامة شمس الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الدائم بن موسى البرماويِّ الشافعي، المتوفى سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة، وهو شرح حسن في أربعة أجزاء، سماه ((اللامع الصبيح))، أوله: ((الحمد لله المرشد إلى الجامع الصحيح ... )) إلخ، ذكر فيه أنه جمع بين ((شرح الكرماني)) باقتصار، وبين ((التنقيح)) للزركشي بإيضاح وتنبيه. ومنها: شرح الإمام محيي الدين يحيى بن شرف النووي، وهو شَرْحُ قطعة من أوله إلى آخر ((كتاب الأيْمَان))، ذكر في شرح مُسْلِمٍ، أنه جمع فيه جملًا مشتملة على نفائِسَ من أنواع العلوم. ومنها: شرح الحافظ عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كَثِيرِ الدمشقيِّ، وهو شرح قطعة من أوله أيضًا . ومنها: شرح الحافظ زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رَجَبِ الحنبلي، وهو شرح (١) عبارة فارسية بمعنى: من أفضل المؤلفات المقبولة عن القسطلاني هو هذا الشرح. ٢٥٧ الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث و کتبه وأهله عموماً قطعة من أوله أيضًا، سماه ((فتح الباري))، قال صاحب ((الكشف)) - نقلًا عن صاحب ((الجوهر المنضَّد في طبقات متأخري أصحاب أحمد)» - : وصل إلى كتاب الجنائز. ومنها: شرح العلامة سراج الدين عمر بن رسلان البلقيني الشافعي، وهو شرح قطعة من أوله أيضًا إلى ((كتاب الأيمان)) في نحو خمسين كراسة. وسماه: ((فيض الجاري)). ومنها: شرح المهلَّب بن أبي صُفْرَة الأَزْدِيِّ، وهو ممن اختصر ((الصحيح)). ومنها: شروح ((صحيح مسلم))، وهي كثيرة أيضًا. منها: شرح الإمام الحافظ أبي زكريا يحيى بن شَرَفِ النوويِّ الشافعي، المتوفى سنة ست وسبعين وستمائة، وهو شرح متوسّط مفيد، سماه ((المنهاج في شرح مسلم بن الحجاج))، قال: لولا ضعف الهمم وقلة الراغبين، لبسطته فبلغتُ به ما يزيد على مائة من المجلَّدات، لكني أقتصر على التوسط. انتهى، وهو يكونُ في مجلدين أو ثلاث غالبًا، و ((مختصر هذا الشرح)) للشيخ شمس الدين محمد بن يوسف القونوي الحنفي، المتوفى سنة ثمان وثمانين وسبعمائة. ومنها: شرح القاضي عياض بن موسى اليَحْصُبِيِّ المالكيِّ، المتوفى سنة: أربع وأربعين وخمسمائة، سماه ((الإكمال في شرح مسلم)) كمَّل به ((المعلم)) للمَازِرِيِّ، وهو شرح أبي عبد الله محمد بن علي المازِرِيِّ، المتوفى سنة ست وثلاثين وخمسمائة، وسماه ((المعلِم بفوائد کتاب مسلم)). ومنها: شرح أبي العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي، المتوفى سنة خمس وستين وستمائة، وهو شرح علی مختصره له، ذکر فیه أنه لما لخّصه ورئبه وبوَّبه شَرَحَ غريبه، ونبه على نكت من إعرابه على وجوه الاستدلال بأحاديثه، وسماه («المُفْهِم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم))، أول الشرح: ((الحمد لله كما وجب لكبريائه وجلاله ... )) إلخ. ومنها: شرح الإمام أبي عبد الله محمد بن خليفة الوشتاني الأُبيِّ المالكي، المتوقَّى سنة سبع وعشرين وثمانمائة، وهو كبير في أربع مجلدات، أوله(١): ((الحمد لله العظيم (١) القسطلاني في ((إرشاد الساري)) (٢/١- الأميرية ببولاق). ٢٥٨ مقدمة تحفة الأحوذي سلطانه ... )) إلخ، سماه: ((إكمال المعلم))، ذكر فيه أنه ضمنه كتب شراحه الأربعة، المَازريِّ، وعِيَاض، والقُرْطبيِّ، والنوويِّ، مع زيادات مكمَّلة وتنبيه، ونقل عن شيخه أبي عبد الله محمد بن عَرَفَةَ أنه قال: ما يشق عليَّ فَهْمُ شيء كما يشق من كلام عياض في بعض مواضع من ((الإكمال))، ولما دار أسماء هذه الشروح كثيرًا، أشار بـ((الميم)) إلى المازري، و((العين)) إلى عياض، و((الطاء)) إلى القرطبي، و((الدال)) لمحيي الدين النووي، ولفظ ((الشيخ)) إلى شيخه ((ابن عَرَفَةَ)). ومنها: شرح عماد الدين عبد الرحمن بن عبد العلي المصريِّ. ومنها: شرح غريبه للإمام عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي، المتوفَّى سنة تسع وعشرين وخمسمائة، سماه ((المُفْهِمُ في شرح غريب مسلم)). ومنها: شرح شمس الدين أبي المظفَّر يوسف بن قِزْأُوغْلِي سبط ابن الجوزي، المتوفى سنة أربع وخمسين وستمائة. ومنها: شرح أبي الفرج عيسى بن مسعود الزواوي، المتوفى سنة أربع وأربعين وسبعمائة، وهو شرح كبير في خمس مجلدات، جمع من ((المعلم))، و((الإكمال))، و((المُفْهِم))، و((المنهاج)). ومنها: شرح القاضي زين الدين زكريا بن محمد الأنصاري الشافعي، المتوفى سنة ست وعشرين وتسعمائة، ذكره الشعراني، وقال: غالب مسوَّدته بخطي. ومنها: شرح الشيخ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بَكْرِ السُّيوطي، والمتوقَّى سنة إحدى عشرة وتسعمائة، سماه ((الديباج على ((صحيح مسلم بن الحَجَّاجِ)). ومنها: شرح الإمام قوام السنة أبي القاسم إسماعيل بن محمد الأَصْبَهَانيّ الحافظ، المتوفى سنة خمس وثلاثين وخمسمائة. ومنها: شرح الشيخ تقي الدين أبي بكر محمد الحِصْنِيِّ الدمشقي الشافعي، المتوفى سنة تسع وعشرين وثمانمائة. ومنها: شرح الشيخ شهاب الدين أحمد بن محمد الخطيب القَسْطَلاني الشافعي، المتوفى سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة، وسماه ((منهاج الابتهاج بشرح مسلم بن الحجاج)) بلغ إلى نحو نصفه، فى ثمانية أجزاء كبار . ٢٥٩ الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً ومنها: شرح مولانا عليٍّ القاري الهَرَوِيِّ، نزيل مكة المكرّمة، المتوفى سنة أربع عشرة وألف في أربع مجلدات؛ كذا في ((الكشف))(١). قلت: نسخة قلمية كاملةٌ من كتاب ((المُفْهِم شرح مسلم)) للقرطبي موجودةٌ في خزانة الكتب الجرمنية، ونسخة قلمية كاملة من كتاب ((المنهاج شرح مسلم بن الحجاج)) للنووي أيضًا موجودةٌ فيها، ونسخة قلمية كاملة من كتاب ((الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج)) للسيوطي أيضًا موجودة فيها . ومن شروح ((صحيح مسلم)) ((السِّرَاج الوهَّاج)) للنوَّاب صِدِّيق حسن خان، والي بهویال غفر الله له. ولـ((صحيح مسلم)) مختصرات عديدة ذكرها صاحب ((الكشف))(٢). وأما شروح جامع الترمذي فسيأتي ذكرها في الباب الثاني. وأما شروح أبي داود والنسائي وابن ماجه، فقد تقدَّم ذكرها في الفصل العشرين. ومن شروح كتب الحديث: شروحُ ((موطأ الإمام مالك))، وهي كثيرة، وقد مَرَّ ذكرها في الفصل الثالث والعشرين. ومن شروح كتب الحديث: شروح ((المَصَابِيحَ))، وهي كثيرة: قال صاحب ((كشف الظنون)) (٣) ((مصابيح السنة)) للإمام حسين بن مسعود الفراء البغوي الشافعي، المتوفّى سنة ست عشرة وخمسمائة، قيل: عدد أحاديثه أربعة آلاف وسبعمائة وتسعة عشر حديثًا منها : المختص بالبخاريِّ: ثلاثمائة وخمسة وعشرون حديثًا، وبمسلم: ثمانمائة وخمسة وسبعون حديثًا، ومنها المُتَّفَقُ عليه، ألف وإحدى وخمسون حديثًا، والباقي من كتب أخرى، أوله: ((الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى ... )) إلخ، قيل: المؤلِّف لم يسم هذا الكتاب بـ((المصابيح)) نصًّا منه، وإنما صار هذا الاسم عَلَمًا له بالغلبة من حيث إِنَّه ذكر بعد قوله: ((أما بعد: إن أحاديث هذا الكتاب مَصَابِيحُ ... )) إلخ، لكن ذكر أن عدد الأحاديث المذكورة فيه أربعة آلاف وأربعمائة وأربعة وثمانون حديثًا، منها: ما هو من (١) حاجي خليفة في ((كشف الظنون)) (٥٥٨/١). (٢) انظرها فيه: (٥٥٨/١). (٣) المصدر السابق (١٦٩٨/٢). ٢٦٠ مقدمة تحفة الأحوذي الصحاح: ألفان وأربعمائة وأربعة وثلاثون حديثًا، ومنها ما هو من الحسان، وهو: ألفان وخمسون حديثًا، قاله ابن الملك. قال المؤلِّف: هذه ألفاظٌ صَدَرَتْ عن صَدْر النبوة مما أورده الأئمة في كتبهم، جمعتها للمنقطعين إلى العبادة؛ لتكون لهم بعد كتاب الله تعالى حظًا من السنن ... إلخ، وترك ذكر الأسانيد اعتمادًا على نقل الأئمة، وقَسَّم أحاديث كل باب إلى صِحَاح وحسان، وَعَنَى بـ((الصحاح)) ما أخرجه الشيخان وبـ((الحسان)) ما أورده أبو داود والترمذي وغيرهما، وما كان فيها من ضعيف أو غريب أشار إليه، وأعرَضَ عن ذكر ما كان منكرًا أو موضوعًا، هذا هو المشروط في الخطبة، لكن ذكر في آخر باب مناقب قريش حديثًا، وقال في آخره: منكر، وقد ألحقه بعض المحدِّثين. قال النوويُّ في ((التقريب)): وأما تقسيم البغوي إلى حسان وصحاح، مريدًا بـ((الصحاح)): ما في الصحيحين وبـ((الحسان)): ما في السنن، فليس بصواب؛ لأن في السنن الصحيح، وَالحَسَنَ، والضعيفَ، والمنكر. انتهى. وأجيب: أنه اصطلح عليه في كتابه، ولا مناقشة فيه. واعتنى بشأنه العلماءُ بالقراءة والتعليق، فشرحه: الشيخ الإمام القاضي ناصر الدين عبد الله بن عمر البيضاويُّ، المتوفى سنة خمس وثمانين وستمائة. وشهاب الدين فضل الله بن حسين التوربشتي الحنفي، وسماه ((الميسر))، أوله: ((الحمد لله الذي شرع لنا الحق وأوضح دليله ... )) إلخ. وشمس الدين محمد بن مظفر الخلخالي، وسماه ((التنوير))، وتوفي سنة خمس وأربعين وسبعمائة. وعلاء الدين علي بن محمد الشهير بـ(مصنفك)) المتوفى سنة خمس وسبعين وثمانمائة، ألفه بإشارة حضرة صاحب الرسالة عليه السلام، لابن قرمان بقونية، سنة خمسین و ثمانمائة. ومحمد بن محمد الواسطي البغدادي، مدرِّس المستنصرية، المعروف بابْنِ العَاقُولِيِّ، المتوفى سنة سبع وتسعين وسبعمائة. وشمس الدين محمد بن محمد بن الجزريُّ في ثلاث مجلَّدات، وتوفي سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة، ألَّفه بما وراء النهر، وسماه ((تصحيح المصابيح)).