Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
تنبيه: اعلم أن الحافظ الذهبي صنف كتابه ((ميزان الاعتدال)) في الضعفاء، لكن ليس
كل من ذكره فيه ضعيفًا، بل ذكر فيه كثيرًا من الثقات، وإنما صنع هذا تبعًا لابن عدي في
((الكامل))، فإنه قد شرط أن كُلَّ من تكلّم فيه متكلِّم يذكره فيه، فتبعه في ذلك الذهبي في
((ميزانه))، قال الحافظ في ((شرح ألفيته)) فيه - أي: معرفة الثقات والضعفاء -: لأئمة
الحديث تصانيف، منها: ما أفرد فيه الضعفاء، وصنف فيه: البخاري، والنسائي،
والعُقَيلِي، والسَّاجي، وابن حِبَّان، والدَّارقظْنِي، والأزدي، وابن عدي، ولكنه ذكر في
كتابه ((الكامل)) كل من تكلّم فيه، وإن كان ثقة، وتبعه على ذلك الذهبي في ((الميزان)) إلا
أنه لم يذكر أحدًا من الصحابة والأئمة والمتبوعين، وفاته جماعة، ذيلت عليه ذيلاً في
مجلّد. انتهى.
وقال السخاوي(١) في ((فتح المغيث)): وجمع الذهبي معظمها في ((ميزانه))، فجاء كتابًا
نفيسًا، عليه معوَّل من جاء بعده، مع أنه تبع ابن عديّ في إيراد كل من تُكلِّم فيه، ولو كان
ثقة. انتهى، وقال الذهبي في ((الميزان)) - في ترجمة ثابت البُنَانِي -: ثابتٌ ثابتٌ كاسمه،
ولولا ذِكْر ابن عَديٍّ له ما ذكرته. انتهى. وقال فيه في ترجمة حماد بن أبي سليمان: تكلِّم
فيه؛ للإرجاء، ولولا ذكر ابن عديٍّ له في ((كامله))، لما أوردته. انتهى.
الفَصْلُ السَّابعُ والعِشْرُونَ: في ذِكْرٍ عِلْمٍ أُصُولِ الحديثِ
وَيُقَالُ لَّهُ: عِلْمُ رِوَايَةِ الحَدِيثِ، وَالأَوَّلُ أَشْهَرُ
وهو عِلْمٌ يبحث فيه عن: كيفية اتصال الأحاديث بالرسول ◌َّ ه من حيث أحوال
رواتها: ضبطًا وعدالة، ومن حيث كيفيةُ السند: اتصالًا وانقطاعًا، وغير ذلك، وقيل: هو
علم يعرف به أحوال الراوي والمرويِّ، من حيث القبولُ والرَّدُ.
وموضوعه: الراوي والمرويُّ من حيث ذلك.
وغايته: ما يُقبلُ وما يردُّ من ذلك.
ومسائله: ما يذكر في كتبه من المقاصد، كقولهم: زيادة الثقة مقبولةٌ ما لم تنافٍ روايةً
مَنْ هو أوثق منه، وكقولهم: القويُّ لا يؤثر فيه مخالفة الضعيف.
(١) السخاوي في ((فتح المغيث)) (٣٤٧/٣)؛ ومنه نقل اللكنوي في ((الرفع والتكميل)) (ص/ ٣٥١).

٢٢٢
مقدمة تحفة الأحوذي
وقد صُنِّف في هذا العلم كتب كثيرة: قال الحافظ في ((شرح النخبة)): إن التصانيف
في اصطلاح أهل الحديث قد كثرت للأئمة في القديم والحديث، فمن أول مَنْ صَنَّف في
ذلك القاضي أبو محمد الرَّامَهُرْمُزِيُّ كتابه: ((المحدِّث الفاصل)) لكنه لم يستوعِب،
والحاكم أبو عبد الله النيسابوريُّ، لكنه لم يهذِّب ولم يرتِّب، وتلاه أبو نُعَيمِ الأصفهاِيُّ،
فعمل على كتابه مستخرجًا، وأبقى أشياء للمتعقّب، ثم جاء بعدهم الخطيبُ أبو بكر
البغداديُّ، فصنَّف في قوانين الرواية كتابًا سماه: ((الكفاية))، وفي آدابها كتابًا سماه:
((الجامع لآداب الشيخ والسامع))، وقلَّ فن من فنون الحديث إلا وقد صنف فيه كتابًا
مفردًا، وكان كما قال الحافظ أبو بكر بن نُقطَّة: كلُّ من أنصف، عَلِمَ أن المحدِّثين بعد
الخطيب عيال(١) على كتبه، ثم جاء بعدهم بعض من تأخر عن الخطيب، فأخذ من هذا
العلم بنصيب، فجمع القاضي عياض كتابًا لطيفًا سماه: ((الإلماع))، وأبو حفص الميانجي
جزءًا سماه: ((ما لا يَسَعُ المُحَدِّثَ جهلُهُ))، وأمثال ذلك من التصانيف التي اشتهرَتْ،
وبُسِطتْ؛ ليتوفر علمها، واختصرت؛ ليتيسَّر فهمها، إلى أن جاء الحافظ الفقيه تقي الدين
أبو عمرو عثمان بن الصّلاح، عبد الرحمن الشَّهْرَزُورِيُّ، نزيل دمشق، فجمع لمَّا ولي
تدريس الحديث بالمدرسة الأشرفية كتابه المشهور، فهذّب فنونه، وأملاه شيئًا بعد شيء؛
فلهذا لم يحصل ترتيبه على الوضع المناسب، واعتنى بتصانيف الخطيب المتفرِّقة، فجمع
شتات مقاصدها، وضمَّ إليها من غيرها نُخَبَ فوائدها، فاجتمع في كتابه ما تفرَّق في
غيره؛ فلهذا عكف الناس عليه، وساروا بسيره، فلا يحصى كَمْ ناظمٍ له ومختصرٍ
ومستدركٍ علیه، ومقتصرٍ ومعارض له ومنتصر. انتهى.
قلت: أما القاضي أبو محمد الرَّامَهُرْمُزِيُّ صاحب كتاب ((المحدّث الفاصل)) فهو:
الحافظ الحسن بن عبد الرحمن بن خلَّاد الفارسي، سمع أباه، ومحمد بن عبد الله
الحضرمي الحافظ، والقاضي أبا حُصْيْن الوادِعِيُّ ومحمد بن حبَّان المازني، وعُبيد بن
غنّام النخعي، والحسن بن المثنى العنبري، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة، ويوسف بن
(١) قال المناوي في ((اليواقيت والجواهر)) (٢١١/١ - رشد): العيال أهل البيت ومن يمونه الإنسان، فأطلق على
المحدثين عيال؛ لكونه أعطاهم ما يمونهم، أي: يقوم بكفايتهم في هذا الشأن، وكفاهم مؤنة ذلك حيث لم
یحتاجوا مع وجود کتبه إلى غيرها .

٢٢٣
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث و کتبه وأهله عموماً
يعقوب القاضي، وموسى بن هارون، وأبا سعيد عبد الله بن الحسن الحرَّاني، وأبا خليفة
الجُمَحِيَّ، وجعفر بن محمد الفرْيَابي، وعبدان بن أحمد الأهوازي، وطبقتهم، وأول
سماعه في سنة تسعين ومائتين، حدّث عنه: أبو الحسين محمد بن أحمد الصيداوي في
معجمه، والحسن بن الليث الشيرازي الحافظ، وأبو بكر أحمد بن مردويه، والقاضي
أبو عبد الله بن إسحاق النهاوندي، وطوائف من أهل فارس، وكان من أئمة هذا الشأن،
ومن تأمل کتابه في علم الحديث لاح له ذلك.
قال الذهبي(١): لم أظفر بموته، وأظنه بقي إلى حدود الخمسين وثلاثمائة، وأما
أبو القاسم بن مَنْدَه، فذكر في كتاب ((الوفيات)) له: أنه عاش إلى قرب الستين وثلاثمائة
بمدینة رَامَهُرْمُزَ. انتھی.
وأما الحاكم أبو عبد الله النيسابوري: فقد تقدَّم ترجمته، واسم كتابه: ((معرفة علوم
الحديث))، قال صاحب ((الكشف)) (ص١٢٩، ج١): معرفة علوم الحديث أوَّل من تصدّى له
الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظُ النيسابوريُّ، المتوفى سنة خمس وأربعمائة،
أوله: ((الحمد لله ذي المن والإحسان والقدرة))(٢)، وهو خمسة أشياء مشتملة على خمسين
نوعًا، وتبعه في ذلك ابن الصلاح، فذكر من أنواع الحديث خمسة وستين نوعًا. انتهى.
وأما أبو نُعيم الأصفهاني فهو: الحافظ أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن
موسى بن مهران الصُّوفيُّ الأَحْوَلُ، سبْط الزاهد محمد بن يوسف البَنَّاء، وُلِدَ سنة ست
وثلاثين وثلاثمائة، رحلت الحُفَّاظ إلى بابه؛ لعلمه وحفظه وعلو إسناده، أول ما سمع في
أربع وأربعين وثلاثمائة من مُسْنِد أصبهان المعمَّر أبي محمد بن فارس، وسمع من
أبي أحمد العَسَّال، وأحمد بن معبد السِّمسَار، وأحمد بن بُنْدَار العشار، وأحمد بن محمد
القَصَّار، وعبد الله بن الحسن بن بُندار، وأبي بكر بن الهيثم البُنْدَار، وخلائق بخراسان
والعراق، فأکثر وتھیا له مِن لقیا الکبار ما لم يقع لحافظ، روى عنه گُوشیار بن لياليزور
الجبيلي، ومات قبله ببضع وثلاثين سنة، وأبو بكر بن أبي علي الذكواني، وأبو سعيد
الماليني، والحافظ الخطيب، وأبو صالح المؤذّن، وأبو علي الوَحْشي، وخلق كثير.
(١) الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (٩٠٦/٣).
(٢) (معرفة علوم الحديث)) (ص/ ١).

٢٢٤
مقدمة تحفة الأحوذي
قال الخطيب: لم أر أحدًا أطلق عليه اسم الحِفْظِ غير أبي نُعَيْم وأبي حازم
العَبْدُويِّ(١)، قال علي بن المفضَّل الحافظ: قد ذكر شيخنا السِّلفِيُّ أخبار أبي نُعَيم فسمّى
نحوًا من ثمانين نفسًا حدَّثوه عنه، ولم يصنف مثل كتابه ((حلية الأولياء))، قال أحمد بن
محمد بن مردويه: كان أبو نُعيم في وقته مرحولًا إليه، لم يكن في أفق من الآفاق أحدٌ
أحفظُ منه ولا أسند، كان حفاظ الدنيا قد اجتمعوا عنده وكل يوم نوبة، وأحدُهم يقرأ ما
يريده إلى قريب الظّهْر، فإذا قام إلى داره ربما كان يقرأ عليه في الطريق جزء، لم يكن له
غذاء سوى التسميع والتصنيف، وقال حمزة بن العباس العَلَويُّ: كان أصحاب الحديث
يقولون: بقي الحافظ أربع عشرة بلا نظير، لا يوجد لا شرقًا ولا غربًا أعلى إسنادًا منه،
ولا أحفظ منه، وكانوا يقولون: لما صنَّف كتاب ((الحلية)) حمل الكتاب في حياته إلى
نيسابور، فاشتروه بأربعمائة دينار، ولأبي نُعيم تصانيف مشهورة، كـ: كتاب ((معرفة
الصحابة))، وكتاب ((دلائل النبوة)) في مجلدين، وكتاب ((المستخرج على البخاري))،
و((المستخرج على مسلم))، وكتاب ((تاريخ أصبهان))، و((صفة الجنة))، وكتاب ((الطب))،
وكتاب ((فضائل الصحابة))، وكتاب ((المعتقد))، وأشياء صغار يعمل فيها الواهيات،
ويكاسر عنها كدأب غيره من المحدّثين، والله المَوْعِد(٢).
وأما ابن الصّلاح، صاحب كتاب ((علوم الحديث)) فهو: الإمام الحافظ المفتي شيخ
الإسلام تقي الدين أبو عمرو عثمان الشَّهْرَزُورِيُّ الشافعيُّ، ولد سنة سبع وسبعين
وخمسمائة، وتفقه على والده بشَهْرَزُورَ، ثم اشتغل بالموصل مدة، قال القاضي: فتلَّقى
شمس الدين، فبلغني أنه كرر عليه جميع ((المهذب))، ولم يطر شاربه، ثم صار معيدًا على
العلامة العماد بن يونس، قال الذهبي (٣): وسمع من عبيد الله بن السمين، ونصر الله بن
سلامة، ومحمود بن علي الموصلي، وعبد المحسن بن الطوسي، وارتحل إلى بغداد،
فسمع من أبي أحمد بن سكينة، وعمر بن طبرزد، وبِهَمَذَانَ: من أبي الفضل بن المغرم،
وبنيسابور: من منصور، والمؤيد، وزينب، وطبقتهم، وبمرو: من أبي المظفر بن
السمعاني، وجماعة، وبدمشق: من القاضي جمال الدين عبد الصمد بن الحَرَسْتَانيّ،
(١) الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (١٨٢/٣). وذكره ابن نقطة في ((التقييد)) (ص / ١٤٥) عن الخطيب البغدادي.
(٢) الذهبي في («تذكرة الحفاظ)) (١٠٩٧/٣).
(٣) الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (١٤٣٠/٤).

٢٢٥
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
والشيخ موفق الدين المقدسي، والشيخ فخر الدين بن عساكر، وبحلب: من أبي محمد بن
علوان، وَبِحَرَّانَ: من الحافظ عبد القادر، ودَرَّس بالمدرسة الصلاحية ببيت المقدس،
فلمَّا هدم المعظم سور البلد، قدم دمشق ودرَّس بالرواحية، ثم ولي مشيخة دار الحديث
الأشرفية، ثم تدريسَ الشامية الصغرى، وصنَّف وأفتَى، وتخرَّج به الأصحاب، وكان من
أعلام الدین.
قال ابن خَلِّكَانَ(١): كان أحدَ فُضَلَاء عصره في التفسير [والحديث] والفقه [وأسماء
الرجال وما يتعلق بعلم الحديث وفضل اللّغة] وكانت له مشاركةٌ في فنون عديدة وكانت
فتاويه مسدَّدة، وهو أحدُ الشيوخ الذين انتفعْتُ بهم، وأقمْتُ عنده مدة للاشتغال، ولازمته
مدة سنة: سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، وله إشكالاتٌ على ((الوسيط)).
قال أبو حفص بن الحاجب في ((معجمه)): إمام، ورع، وافرُ العقل، حسن السَّمت،
متبحِّرٌ في الأصول والفروع، بارع في الطلب، حتى صار يُضْرَبُ به المثل، واجتهد في
نفسه في الطاعة والعبادة.
قال الذهبي(٢): وكان سلفيًّا، حسن الاعتقاد، كانَّا عن تأويل المتكلمين، مؤمنًا بما
ثبت من النصوص غير خائض ولا معمِّقٍ، وكان وافر الجلالة، حسن البِزَّة، كثير الهيبة،
موقَّرًا عند السلطان والأمراء، تفقه به الأئمة: عبد الرحمن بن نوح، وكمال الدين بن
سيار، وكمال الدين إسحاق، وتقي الدين بن رَزِينٍ، والقاضي، وغيرهم، وتوفي في
الخامس والعشرين من ربيع الآخر، سنة ثلاث وأربعين وستمائة.
وأما القاضي عياض: فستأتي ترجمته في الفصل التاسع والعشرين.
وأما الخطيب البغدادي فهو: الحافظ الكبير الإمام، محدِّث الشام والعراق، أبو بكر
أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي، صاحب التصانيف، ولد سنة اثنتين وتسعين
وثلاثمائة، وكان والده خطيبَ قرية درزيجان من سواد العراق، ممن سمع، وقرأ القرآن
على الكتاني، فَحَرَصَ على ولده هذا، وأسمعه في الصغر، سنة ثلاث وأربعمائة، ثم ألهم
طلب هذا الشأن، ورحل فيه إلى الأقاليم، وبرع وصنَّف وجمع وسَارَتْ بتصانيفه الركبان،
(١) ابن خلكان في ((وفيات الأعيان)) (٢٤٣/٣).
(٢) الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (١٤٣١/٤).

٢٢٦
مقدمة تحفة الأحوذي
وتقدَّم في عامة فنون الحديث، تفقه بأبي الحسن بن المَحَامِلِي، وبالقاضي أبي الطيب،
وقال: أول ما سمعت في المحرم سنة ثلاث، واستشرت البرقاني في الرحلة إلى
عبد الرحمن بن النَّخَّاس بمصر أو أَخْرُجُ إلى نيسابور، فقال: إن خرجْتَ إلى مصر إنما
تخرُجُ إلى رجلٍ واحدٍ، فإن فاتك ضاعت رحلتك، وإن خرجْتَ إلى نيسابور ففيها
جماعة، فخرجْتُ إلى نيسابور، وكنت كثيرًا أذاكر البَرْقاني بالأحاديث، فيكتبها عني،
ويضمنها جموعه، وحدَّث عني وأنا أسمع.
قال ابن مَاكُولا(١): كان أبو بكر الخطيبُ آخر الأعيان ممن شاهَدْناه: معرفةً،
وحفظًا، وإتقانًا، وضبطًا لحديث رسول الله وَله، وتفنُّنًا في عِلَلِهِ وأسانيده، وعلمًا
بصحيحه وغريبه، وفَرْدِهِ وَمُنْكَرِهِ وَمَظْرُوحِهِ، ثم قال: ولم يكن للبغداديين بعد الدار قطنيٍّ
مثلُهُ، وسألت الصُّورِيَّ عن الخطيب وأبي نصر السَّجزي، ففضَّل الخطيب تفضيلاً بيِّنًا .
قال مؤتمن الساجي: ما أخرجتْ بغدادُ بعد الدار قطنيٌّ مثلَ الخطيب.
وقال أبو سعيد السمعاني: كان الخطيب مهيبًا وقورًا ثقة، مُتحریًا، حجة، حَسَن
الخط، كثير الضبط، فصيحًا، خُتِمَ به الحفاظ، قال: وقرأ بمكة على كريمة [المروزية]
((الصحيح)) في خمسة أيام، وخرج من بغداد بعد فتنة البَسَاسِيريِّ؛ لتشوش الحال إلى
الشام.
قال مكي الرميلي: مرض الخطيبُ في رمضان من سنة ثلاث وستين، في نصفه، إلى
أن اشتد به الحال في أول ذي الحجة، ومات يوم سابعه، وأوصى إلى أبي الفضل بن
خيرون، ووقف كتبه على يده، وفرَّق ماله في وجوه البر، وشيَّعه القضاة والخلق، وأمهم
أبو الحسين بن المهتدي بالله، ودفن بجنب بشر الحافي؛ كذا في ((التذكرة))(٢).
ومن أجلِّ كتب أصول الحديث وأحسنها: كتاب ((علوم الحديث)) للحافظ ابن
الصلاح، قال صاحب ((الكشف))(٣): ((علوم الحديث)) كتاب لأبي عمرو عثمان بن
عبد الرحمن، المعروف بابن الصلاح الشهرزوري، الحافظ الشافعي الدمشقي، المتوفى
(١) ابن ماكولا في ((تهذيب مستمر الأوهام)) (ص/ ٥٧).
(٢) الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (٣/ ١١٤٤).
(٣) حاجي خليفة في ((كشف الظنون)) (١١٦١/٢).

٢٢٧
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
سنة ثلاث وأربعين وستمائة، قال الشيخ برهان الدين الإبناسي في ((شرح المفتاح؛ من
علوم ابن الصلاح)): إن كتابه هذا أحسن تصنيف فيه، وحصر ذلك في خمسة وستين
نوعًا، وقد اعتنى به العلماء في زمانه إلى هذا الزمان، منهم من اختصره ومنهم: من
اعترض عليه، فجمع برهان الدين المذكور في كتابه كلام المصنف بنصِّه، وكلام الحافظ
زين الدين العراقي وغيره كما مرَّ في ((الشِّين))، ومختصره أيضًا لقاضي القضاة بدر الدين بن
جماعة، وشَرَحَهُ عز الدين محمد بن أحمد بن جماعة، المتوفى سنة تسع عشرة وثمانمائة،
واختصره الإمام أبو زكريا يحيى بن شرف النوويُّ، المتوفى سنة ست وسبعين وستمائة
وسماه: ((الإرشاد))، ثم اختصره وسماه بـ((التقريب))، واختصره أيضًا عماد الدين أبو الفداء
إسماعيل بن عمر القرشي المعروف بابن كثير، المتوفى سنة أربع وسبعين وسبعمائة،
واختصره ... علاء الدين علي بن عثمان المارديني، المتوفى سنة خمسين وسبعمائة،
ونظمه شهاب الدين محمد بن أحمد بن خليل القاضي الجوني المتوفى سنة ثلاث وتسعين
وستمائة، وعلى الأصل نكت للشيخ بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي،
المتوفى سنة أربع وتسعين وسبعمائة، ونُكَتُ الإمام الحافظ شهاب الدين أحمد بن علي بن
حجر العسقلاني، المتوفى سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة، أوله: ((الحمد لله الذي لا تنفد
مع كثرة الإنفاق خزائنه ... )) إلخ، قال: ((وكنت قد بحثت على الفوائد التي جمعها شيخي
العراقي على مصنف الشيخ ابن الصلاح، وكنت في أثناء ذلك وبعده، إذا وقعَتْ لي النكتة
الغريبة والنادرة العجيبة، والاعتراض القوي والضعيف، ربّما علقته على هامش الأصل،
وربَّما أغفلته، فرأيتُ جمعَ وضَمَّ ما يليق به، فجمعتُ ورقمت على أوله كل مسألة، إما
((ص))، وإما ((ع))، الأول: لابن الصلاح، والثاني: للعراقي، ثم كتب كراسةً سماها
بـ((الإفصاح بتكميل النكت على ابن الصلاح)).
قال البِقَاعِيُّ في ((حاشية شرح الألفية)): قيل: إن ابن الصلاح أملَى كتابه إملاءً، فكتبه
في حال الإملاء جمع جَمٌّ، فلم يقع مرتبًا على ما في نفسه، وصار إذا ظهر له أنَّ غير ما
وقع له أحسن ترتيبًا، ويراعي ما كتب من النسخ، ويحفظ قلوب أصحابها، فلا يغيِّرِها،
وربما غاب بعضها، فلو غير ترتيب غيره تخالف النسخ، فتركها على أول حالها. انتهى.
واختصره الإمامُ بهاء الدين أحمد بن سعيد الأندلسيُّ؛ ذكره البِقَاعي. قال القاضي

٢٢٨
مقدمة تحفة الأحوذي
أبو البركات عبد العزيز البغدادي، في ((الفنون الجلية)»: وأنواع علوم الحديث كثيرة، وقد
أطنب فيها الأئمة، حتى إن الضعيف - وهو نوعٌ منها - بلغ به أبو حاتمٍ بْنُ حِبَّان في
تقسيمه خمسين قسْمًا إلا واحدًا، فما ظنك بغيره.
وشرحه الشيخ الإمام أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي، المتوفى سنة ست
وثمانمائة، أوله: ((الحمد لله الذي ألهم لإيضاح ما أبهم ... ))(١) إلخ، سماه: ((التقييد
والإيضاح، لما أطلق وأغلق من كتاب ابن الصلاح))، قال: فإن أحسن ما صنَّف أهل
الحديث في معرفة الاصطلاح، كتاب ((علوم الحديث)) لابن الصلاح، جمع فيه غُرَرَ
الفوائد، فَأَوْعَى إِلَّا أن فيه غَيْرَ موضع قد خولف فيه، وأماكن أُخر تحتاج إلى تقييد وتنبيه،
فأردت أن أجمع نكتًا عليه، تقيد مطلقه، وتفتح مغلقه، وردًّا على إيراد ما أورد عليه، وقد
كان الشيخ عَلَاءُ الدين مغلطاي أوقفني على شيء جمعه عليه، سماه: ((إصلاح ابن
الصلاح))، وأيضًا: قد اختصره جماعة، وتعقبوه في مواضع منه، فحيث كان الاعتراض
عليه غير صحيح ذكرته بصيغة: ((اعترض))، وسميته: ((التقييد والإيضاح لما أطلق وأغلق
من كتاب ابن الصلاح))، فذكره بالقول ... ، إلخ، وفرغ من تبييضه يوم الأحد الحادي
والعشرين من ذي القعدة، سنة ست وتسعين وسبعمائة.
قال ابن حَجَر: وأول كتاب في علوم الحديث كتاب ((المحدِّث الفاصل)) في غالب
الظن، وإن كان يوجد قبله مصنَّفات مفردة في أشياء من فنونه، لكن هذا أجمع ما جمع
في ذلك في زمانه، ثم توسَّعوا فيه. انتهى ما في ((الكشف))(٢).
قُلْتُ: ومن أحسن مختصرات كتاب ((علوم الحديث)) مختصرُ الإمام النووي المسمَّى
بـ((التقريب)) المذكور، قال صاحب ((الكشف))(٣): ((التقريبُ والتيسيرُ لمعرفة سنن البشير
النذير))، في أصول الحديث، للشيخ الإمام محيي الدين بن شرف النووي، المتوفى سنة
ست وسبعين وستمائة، لَخَّص فيه كتابه ((الإرشاد)) الذي اختصره من كتاب ((علوم
الحديث)) لابن الصلاح، فصار زُبْدَةَ خلاصته، أوله: ((الحمد لله الفتاح المنان ... )) إلخ.
(١) الحافظ العراقي في ((التقييد والإيضاح)) (ص/ ١١).
(٢) حاجي خليفة في ((كشف الظنون)) (٢/ ١١٦٢).
(٣) حاجي خليفة في ((كشف الظنون ٤٦٥/١٨).

٢٢٩
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
وله شروح: منها شرح الإمام الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي،
المتوفى سنة ست وثمانمائة، وشَرْحُ برهان الدين إبراهيم بن محمد القباقبي الحلبي ثم
المقدسي، المتوفى في حدود سنة إحدى وخمسين وثمانمائة، وشرحُ الشيخ جلال الدين
عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، وسماه: «تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي))،
وله ((التذنيب، في الزوائد على التقريب))، وشرحُ الشيخ شمس الدين محمد بن
عبد الرحمن السخاوي، المتوفى سنة اثنتين وتسعمائة، قرأه بمكة المكرَّمة، فسمعوا عليه.
انتھی.
ومن كتب أصول الحديث: ((الاقتراح)) للشيخ تقي الدين محمد بن علي بن وهب بن
دقيق العيد المنفلوطي الشافعي، المتوفى سنة اثنتين وسبعمائة، وهو مختصر ذكره الحافظ
زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي، المتوفى سنة ست وثمانمائة في ألفيته، وأنه
نظمه. كذا في ((الكشف))(١).
ومنها: ((ألفية الحديث)) للشيخ الإمام الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين
العراقي، المتوفى سنة ست وثمانمائة، أولها: [من الرجز].
يَقُولُ رَاجِي رَبِّهِ المُقْتَدِرِ
عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ الْحُسَيْنِ الأَثَرِي
لخص فيها كتاب ((علوم الحديث)) لابن الصلاح، وعَبَّر عنه بلفظ ((الشیخ)) وزاد عليه،
وفرغ منها بطَيْبَةَ في جمادى الآخرة، سنة ٧٦٨ ثمان وستين وسبعمائة، ثم شرحها، وفرغ
عنه في خمس وعشرين رمضان، سنة إحدى وسبعين وسبعمائة، وسماه: ((فتح المغيث
بشرح ألفية الحديث))، ذكر فيه أنه شرع في شرح كبير، ثم استطال، وعدل إلى شرح
متوسّط، وترك الأول، وبدأ بقوله: ((الحمد لله الذي قبل، بصحيح النية حسن
العمل، ... )) إلخ، وملخّص هذا الشرح للسيد الشريف محمد أمين الشهير بأمير بادشاه
البخاري، نزيل مكة المكرمة، أوله: ((الحمد لله الذي أسند حديث الوجود ... )) إلخ، فرغ
عنه بمكة المكرمة في رمضان سنة ٩٧٢ اثنتين وسبعين وتسعمائة، وعلى هذا الشرح
حاشيةٌ للشيخ قاسم بن قُطْلُوبُغَا الحنفيّ، المتوفى سنة تسع وسبعين وثمانمائة، وحاشية
برهان الدين إبراهيم بن عمر البقاعي، المتوفى سنة خمس وثمانين وثمانمائة، بلغ إلى
(١) المصدر السابق (١٣٥/١).

٢٣٠
مقدمة تحفة الأحوذي
نصفه، وسماه: ((النكت الوفية بما في شرح الألفية))، أورد فيه ما استفاد من شيخه ابن
حَجَر، أوله: ((الحمد لله الذي من أسند إليه ... )) إلخ، ومن شروحها المشهورة: شرح
القاضي زكريا بن محمد الأنصاريِّ، المتوفى سنة ثمان وعشرين وتسعمائة، وهو شرح
مختصر ممزوج، سماه: ((فتح الباقي بشرح ألفية العراقي)) فرغ عنه في رجب سنة ست
وتسعين وثمانمائة، أوله: ((الحمد لله الذي وصل من انقطع ... )) إلخ، قال السخاوي:
شرع في غيبتي فيه مستمدًا من شرحي، بحيث تعجّب الفضلاء من ذلك. انتهى.
وشَرْحُ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السُّيوطيّ، المتوفّى سنة إحدى عشرة
وتسعمائة، وشَرْحُ الشيخ إبراهيم بن محمد الحلبي، المتوفى سنة خمس وخمسين
وتسعمائة، وشَرْحُ زين الدين أبي محمد عبد الرحمن بن أبي بكر العيني، المتوفى سنة
٨٩٣ ثلاث وتسعين وثمانمائة، وشرح أبي الفداء إسماعيل بن إبراهيم بن جماعة الكناني
القدسي، المتوفى سنة إحدى وستين وثمانمائة، وهو شرح حسن، وشَرْحُ قطب الدين
محمد بن محمد الخَيْضَريّ الدمشقي، المتوفى سنة أربع وتسعين وثمانمائة، سماه:
((صعود المراقي))، وشَرْحُ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي، المتوفى سنة
اثنتين وتسعمائة، وهو شَرْحٌ حسن، لعلَّه أحسن الشروح. كذا في ((الكشف)) (١).
ومنها: ((الخُلاصة في أصول الحديث)) لشرف الدين حسن بن محمد الطَّيِّي، المتوفى
سنة ٧٤٣ ثلاث وأربعين وسبعمائة، وهو مختصر على: مقدِّمة، وأربعة أبواب، وخاتمة،
ذكر أنه لخصه من ((علوم الحديث)) لابن الصلاح، ومختصر النووي والقاضي ابن جماعة،
وأضاف إلى ذلك زياداتٍ مهمةً من جامع الأصول وغيره، وعليه حاشية للعلَّامة السيد
الشريف علي بن محمد الجرجاني، المتوفى سنة ٨١٦ ست عشرة وثمانمائة.
ومنها: ((المختصر)) المنسوب إلى العلّامة السيد علي بن محمد الشريف الجرجاني،
أوله: ((الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله محمد وآله أجمعين، وبعد:
فهذا مختصر جامع لمعرفة علم الحديث، مرتب على مقدمة ومقاصد ... )) إلخ، وشرحه
الفاضل اللكنوي صاحب ((التعليق الممجد))، وقال في آخره: ((وقد لخص من خلاصته -
أي: الطيبي - ومن مقدمته التي أدرجها في مفتتح حاشيته المسماة بـ((الكاشف عن حقائق
(١) حاجي خليفة في ((كشف الظنون)) (١٥٦/١).

٢٣١
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
السنن)) تلخيصًا مجرَّدًا مصنّف هذا المختصر، كما لخص ((حاشية المشكاة)) للطيبيِّ
تلخيصًا مجرَّدًا، وهو المشهور بـ((حاشية السيد)).
قد اختلف أبناء عصرنا ومَنْ قبلنا في مؤلّف هذا المختصر، فقال بعضهم:
لكمال الدين بن أبي شريف القدسي، تلميذ ابن الهمام، وهو قول باطل، لا سند له،
وقال بعضهم: للسيد جمال الدين المحدِّث مؤلف ((روضة الأحباب))، وإليه نسب ((مختصر
حاشية المشكاة)) للطيبي أيضًا، وهو أيضًا باطل؛ لأن السيد جمال الدين قد نسب
((مختصر حاشية الطيبي)) إلى السيد الشريف علي الجرجانيّ؛ على ما نقله علي القاري
المكي في ((المرقاة حاشية المشكاة)) في شرح حديث أبي سعيد: ((خَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَّل
عَلَى حَلْقَةٍ، فَقَالَ: مَا أَجْلَسكُمْ؟ قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللهَ، قَالَ: آللهِ، مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا
ذَلِكَ؟ !... ))(١) الحديث، بقوله: قال السيد جمال الدين: الصوابُ بالجَرِّ؛ لقول المحقق
الشريف في حاشيته: همزة الاستفهام وقعَتْ بدلًا عن حرف القسم، ويجب الجر معها.
انتهى، وكذا هو في أصل سماعنا من ((المشكاة)) و((صحيح مسلم))، ووقع في بعض نسخ
((المشكاة)) بالنصب. انتهى، وهو يشعر بأن ((خلاصة الطيبي)) حاشية من السيد علي
الجرجاني على ((المشكاة)) كما هو مشهور بين الناس، وهو بعيدٌ جدًّا:
أما أولًا: فلأنه غير مذكور في أسامي مؤلفاته.
وأما ثانيًا: فلأنه - مع جلالته - كيف يختصر كلام الطيبي اختصارًا مجردًا لا يكون
معه تصرُّف أبدًا. انتهى كلام القاري.
فهذا الكلام - كما تراه - يدل على أن ((مختصر حاشية الطيبي)) ليس للسيد
جمال الدين، فإنه قد نقل عنه بنفسه، ونسبه إلى السيد الشريف، ومن المعلوم: أن مؤلف
ذلك المختصر وهذا المختصر وَاحِدٌ؛ على ما يعلم من حوالة مؤلف هذا المختصر على
ذلك المختصر، كما مَرَّ ذِكْره في بحث الموضوع، فعلم قطعًا: أن هذا المختصر ليس من
مؤلَّفات السيد جمال الدين، وأن مؤلف هذا المختصر في أصول الحديث و ((مختصر
حاشية الطيبي)) واحدٌ، والمشهور انتسابهما إلى السيد الشريف مؤلّف التصانيف المشهورة
(١) أحمد، حديث (١٦٣٩٣)، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، حديث (٢٧٠١)، والترمذي، كتاب الدعوات،
حديث (٣٣٧٩)، والنسائي، كتاب آداب القضاة، حديث (٥٤٢٦).

٢٣٢
مقدمة تحفة الأحوذي
في المعقول وغيره، المتوفى سنة ست عشرة بعد ثمانمائة، وما استبعده علي القاري غير
لائق لأن يعتمد عليه :
أما أول وجهي استبعاده: فلأن أسامي مؤلفاته ليست مضبوطة منحصرة في تأليف
معتمدٍ؛ حتی یکون عدم ذكره فيها وجهًا لخروجه من مؤلفاته.
وأما ثاني وجهَيْه: فلأن السيد الشريف - وإن كان ذا مهارة في العلوم العقلية والأدبية
وغيرها - لكن لم تكن له مهارة في الفنون الحديثية، فلا يستبعد منه اختصار كلام الطيبي
في هذا الفن اختصارًا مجرَّدًا .
والحاصل: أن هذا المختصر ملخّص من ((خلاصة الطيبي)) ومن مقدمة ((حاشيته على
المشكاة))، كما لا يخفى على من طالعهما، وهو مؤلف ((مختصر حاشية الطيبي)) وليس
واحد منهما للسيد جمال الدين، ولا لابن أبي شريف، وقد صرح السخاوي في ((الضوء
اللامع في أعيان القرن التاسع)) في ترجمة السيد الشريف الجرجاني نقلًا عنه أن للسيد
حاشية على المشكاة أيضًا(١)، وذكر كثيرًا من تأليفاته، فتعيَّن أن هذا المختصر - أيضًا -
من تأليفاته، واندفع التردُّد والاستبعاد. انتهى.
ومنها: ((نخبة الفِكَر في مصطلح أهل الأثر)) للحافظ ابن حجر العسقلاني، وهو متن
متين في أصول الحديث، وشرحه المسمَّى: بـ((نزهة النظر، في توضيح نخبة الفكر)) له
أيضًا، وشَرَحَ الشَّرْحَ علي بن سلطان محمد الهروي القاري، وسماه: ((مصطلحات أهل
الأثر على شرح نخبة الفكر))، وشَرْحُ الشرح المسمَّى ((باليواقيت والدرر)) للشيخ محمد
المدعو بعبد الرؤوف المُنَاوِيِّ الحدادي المتوفى سنة إحدى وثلاثين وألف، أوله: ((الحمد
لله الذي جعل أهل الحديث في الحديث والقديم ... )) إلخ، قال: ((وكنت سئلت مرارًا أن
أضع شرحًا على ((شرح النخبة))، فسؤَّدت أکثره، ثم حال دون إتمامه وتبییضه حائل،
فبيَّضت ما كنت سودته، وأبرزت ما عن الناس كتمته، ضَامًّا إليه ما لأسلافنا، فأوردت
أولًا ترجمة المصنف ... ))(٢) وقال(٣): ((قد انتهى شرح الشرح مع انتهاء المحرَّم، افتتاح
عام سنة أربع وعشرين وألف».
(١) السخاوي في ((الضوء اللامع)) (٣٢٩/٥).
(٢) المناوي في ((اليواقيت والدرر)) (١١٣/١- ١١٧).
(٣) أي: حاجي خليفة كما في ((كشف الظنون)) (١٩٣٦/٢).

٢٣٣
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
وشرح النخبة كمال الدين محمد ابن مصنِّفِها، وسمّاها: ((نتيجة النظر في شرح نخبة
الفكر))، ونظمها ابن الصيرفي أحمد بن صَدَقَّةَ، المتوفى سنة خمس وتسعمائة، وشرحه
المولى محمد أكرم بن عبد الرحمن المكي شرحًا ممزوجًا، وسماه: ((إمعان النظر في
توضيح نخبة الفكر))، وعليه حاشية للشيخ إبراهيم اللقاني، المتوفى سنة أربعين وألف،
ونظمَهَا أيضًا محمد الشُّمُنِّيُّ، وفرغ منها في شوال، سنة أربع عشرة وثمانمائة، ثم شرح
هذا النظم، ولدُهُ تقيُّ الدين أحمد، وسماه: ((العالي الرُتْبَةَ في شرح نظم النخبة))، وعليه
تعليقة للشيخ قاسم بن قُطْلُوبُغَا الحنفيِّ، ونظم النخبة الشيخ شهاب الدين أحمد بن محمد
الطوفي، المتوفى سنة ثلاث وتسعين وثمانمائة، ونظمها منصور سبط الناصر الطبلاوي،
أوله: ((الحمد لله الذي علم السنن ... )) إلخ، وأتمَّه سنة عشرةٍ وألف، ونظمها القاضي
برهان الدين محمد بن أبي إسحاق المقدسي، المتوفى في حدود سنة تسعمائة. كذا في
((الكشف))(١) .
ومنها: ((تذكرة في علوم الحديث)) للحافظ سراج الدين عمر بن الملقن الشافعي،
المتوفّى سنة أربع وثمانمائة، أولها: ((أحمد الله على نعمائهِ، وأشكره على آلائه، وأصلي
على أشرف الخلق محمد وآله وسلم، وبعد: فهذه تذكرة في علوم الحديث، يتنبه بها
المبتدي، ويتبصر بها المنتهي، اقتضبتها من ((المقنع)) تأليفي .. )) إلخ، ثم شرحها شرحًا
حسنًا كما في ((الكشف)).
قلت: هذه التذكرة موجودة - عندنا - وهي قلميَّة على نحو ورقتين، قال المؤلِّف في
آخرها: ((فرغت من تحرير هذه التذكرة في نحو ساعتين، من صَبِيحة يوم الجمعة، سابع
وعشرين جمادى الأولى، من سنة ثلاث وستين وسبعمائة)).
ومنها: ((بغية النقاد)» للإمام الحافظ عبد الله بن المواق.
ومنها: ((تنقيح الأنظار في علوم الآثار))(٢) للسيد العلامة محمد بن إبراهيم، المعروف
بابن الوزير الصنعاني، المتوفى سنة أربعين وثمانمائة. كذا في («إتحاف النبلاء)).
(١) المصدر السابق.
(٢) وشرحه محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني - صاحب سبل السلام - وسماه (توضيح الأفكار)) وطبق بالمكتبة
السلفية بالمدينة المنورة بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد.

٢٣٤
مقدمة تحفة الأحوذي
ومنها: ((الروض المكلل والورد المعلل)) في مصطلح الحديث، للحافظ السيوطي.
ومنها: ((رياض الأزهار في جلاء الأبصار))، أوله: ((الحمد لله الذي وقَّق العلماء
لتحصيل الأحاديث النبوية ... )) إلخ، وهو على مقدِّمة، وستة أبواب، وخاتمة:
المقدمة: في تحريض الطالب ببيان جُلِّ فائدته.
الباب الأول: في الألفاظ المصطلحة لأهل الحديث.
الثاني: في تحمُّل الأحاديث وروايتها .
الثالث: في آداب المحدِّثين وغيرهم.
الرابع: في آداب الطالبين واجتهادهم.
الخامس: في معرفة الصحابة والتابعين.
السادس: في تصنيفه بالجواز والوجوب، وبيان شرائطه وطرقه.
والخاتمة: في مسائلَ شتَّى تتعلَّق به.
ومنها: ((الدرر في مصطلح أهل الأثر)) ليونس بن يونس الرشيدي الأنزوي، وهو متن
مختصر، ثم شرحه في سنة عشرين وألف، وسماه: ((تحفة أهل النظر))، أول المتن:
((الحمد لله الذي بيَّن بصحيح حديث نبينا ... )) إلخ، وأول الشرح: ((الحمد لله الذي شفا
قلوبنا ... )) إلخ.
ومنها: ((الصفوة في أصول الحديث)) مختصر على مقدمة، وأربعة أقسام، لبعض
المتأخرین.
ومنها: ((مُعلِّم الطلاب بما للأحاديث من الألقاب)) أرجوزة في أصول الحديث،
لأحمد بن بكر المغربي، أولها: [من الرجز]
يَقُولُ بَعْدَ الْحَمْدِ ثُمَّ الشُّكْرِ
عَبْدُ الإِلَهِ أَحْمَدُ بْنُ بَكْرٍ
إلخ.
ومنها: ((المختصر الجامع لمعرفة مصطلح الحديث النافع))، وهو مرتَّب على: مقدمة،
ومقاصد، والمقاصد مرتبة على أربعة أبواب:
المقدمة: في بيان أصول الحديث واصطلاحاته.

٢٣٥
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
والباب الأول: في أقسام الحديث وأنواعه.
والباب الثاني: في الجَرْح والتعديل.
والباب الثالث: في تحمُّل الحديث.
والباب الرابع: في أسماء الرجال.
ومنها: ((المنظومة البيقونية في مصطلح الحديث)) في أربع وثلاثين بيتًا، أولها: [من الرجز]
أَبْدَأْ بِالْحَمْدِ مُصَلِّبًا عَلَى
مُحَمَّدٍ خَيْرٍ نَبِيِّ أُرْسِلا
شرحها السيد العلّامة صِدِّيق بن حسن القِنَّوْجِيُّ، سماه: ((العُرْجُون في شرح
البَيْقُون))، أوله: ((الحمد لله الذي رفع أهل الحديث مكانًا عليًّا))، وشرحها الشيخ محمد
الزرقاني، أوله: ((الحمد لله العزيز القوي الغافر ... )) إلخ، وعلى ((شرح الزرقاني)) حاشية
للشيخ العلامة عطية الأجهوري الشافعي الأزهري، أولها: ((الحمد لله حمدًا يوافي
نعمه ... )) إلخ، قال: هذه حواشٍ على شرح الرسالة المسماة بـ((منظومة البيقوني)) للعالم
الرباني؛ سيدي محمد الزرقاني وهي مأخوذة من شرحي الحَمَوِيِّ والدِّمْياطي، لهذه
المنظومة، ومن شرح شيخ الإسلام على ((ألفية العراقي))، وبعض حواشيها، كـ((حاشية
الطوخي))، و((العلامة العدوي))، ومن ((شرح النخبة)) للحافظ ابن حجر العسقلاني، وبعض
حواشيه، ومع يسير من ((القاموس)(١) و((المختار)(٢) و((المِصْبَاح))(٣) وتكملة أحاديث من
((الجامع الصغير)) وغيره.
ومنها: ((منظومة ابن فَرَحِ)) شهاب الدين الإشبيلي في أصول الحديث، لامية، في
ثلاثين بيتًا، أولها: [من الطويل]
غَرَامِي صَحِيحٌ وَالرَّجَا فِيكَ مُعْضَلُ
... إلـ
ـخ.
شَرَحَهَا عِزُّ الدين محمد بن أحمد بن جماعة، وسماها: ((زَوَالَ التَّرَح))، وتوفي سنة
ست وثمانمائة، وله شرحان غيره، وشرحها يحيى بن عبد الرحمن القَرَافي أوله:
(«الحمد لله الذي قبل بصحيح النية ... )) إلخ.
(١) يعني: ((القاموس المحيط)) للفيروز آبادي.
(٢) يعني: ((مختار الصحاح)) للرازي.
(٣) يعني: ((المصباح المنير)) للفيومي.

٢٣٦
مقدمة تحفة الأحوذي
ومنها: ((ألفية الحديث)) للحافظ السيوطي، أولها: [من الرجز]
وَمَا يَنُوبُ فَعَلَيْهِ أَعْتَمِدْ
لله حَمْدِي وَإِلَيْهِ أَسْتَنِدْ
خَيْرُ صَلَاةٍ وَسَلامٍ سَرْمَدِ
مَنْظُومَةٌ ضَمَّنْتُهَا عِلْمَ الأَثَرْ
فِي الْجَمْعِ وَالْإِنْجَازِ وَاتِّسَاقٍ
ثُمَّ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ
وَهذِهِ أَلْفِيَّةٌ تَحْكِي الدُّرَرْ
فَائِقَةٌ أَلْفِيَّةَ الْعِرَاقِي
وقال في آخرها: [من الرجز]
نَظَمْتُهَا فِي خَمْسَةِ الأَيَّامِ
خَتَمْتُهَا يَوْمَ الْخَمِيسِ الْعَاشِرِ
مِنْ عَامِ إِحْدَى وَثَمَانِينَ الَّتِي
وقد طبع هذا الكتاب بمصر سنة ١٣٥٢ هـ.
بِقُدْرَةِ المُهَيْمِنِ العَلَّمِ
يَا صَاحٍ مِنْ شَهْرٍ رَبِيعِ الآخِرِ
بَعْدَ ثَمَانِمِائَةٍ لِلْهِجْرَةِ
ومنها: ((توجيه النظر إلى أصول الأثر)) (١) للشيخ طاهر بن صالح بن أحمد الجزائريِّ
الدمشقي، قال مؤلفه: ((قد وقع الفراغ من إتمامه في سَحَرٍ ليلة الأربعاء، لثلاث بقيت من ذي
القعدة، من شهور سنة ألف وثلاثمائة وثمانية وعشرين من الهجرة، وذلك في مدینة مصر)).
ومنها: ((قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث)) (٢) للشيخ السيد محمد جمال
الدين بن محمد سعيد بن قاسم القاسمي الدمشقي، فرغ من تصنيفه سنة عشرين بعد ألف
وثلاثمائة.
الْفَصْلُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: في ذِكْرٍ كُتُبٍ غَرِيبِ الحدِيثِ
قال أبو سليمان حَمَد بن محمد بن أحمد الخَطَّابِيُّ: الغريب من الكلام: إنما هو
الغامضُ البعيد من الفهم، كما أن الغريب من الناس إنما هو البعيد عن الوطن المنقطِعُ
عن الأهل، والغريب من الكلام، يقال به على وجهين:
أحدهما: أن يراد به أنه بعيدُ المعنَى غامضُه، لا يتناولُهُ الفَهْمُ إلا عن بُعْدٍ ومعاناة
فكر.
(١) طبع بمكتبة المطبوعات الإسلامية بحلب، بتحقيق: عبد الفتاح أبو غدة.
(٢) طبع بدار الكتب العلمية ببيروت.

٢٣٧
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
والوجه الآخر: أن يراد به الكلام من: ((بَعُدَتْ به الدار)) من شواذٌ قبائل العرب، فإذا
وقعتْ إلينا الكلمة من كلامهم استغربناها. انتهى(١).
وفي ((التقريب)) وشرحه ((التدريب))(٢): غريب الحديث، وهو: ما وقع في متن
الحديث من لفظة غامضة بعيدة من الفهم؛ لقلة استعمالها، وهو فن مهم يقبُحُ جهله بأهل
الحديث، والخوضُ فيه صعب حقيق بالتحرِّي، جدير بالتوقي، فليتحرَّ خائضُهُ، وليتق الله
أن يُقْدِمَ على تفسير كلام نبيه وَِّ بمجرَّد الظنون، وكان السلف يتثبّتون فيه أشدَّ تثُبُّت، فقد
روينا عن أحمد أنه سئل عن حرف منه، فقال: سَلُوا أصحاب الغريب، فإني أكره أن
أتكلّم في قول رسول الله وَ﴿ِ بالظنِّ(٣)، وسئل الأصمعي عن معنى حديث: ((الجَارُ أَحَقُّ
بِسَقَبِهِ))(٤)، فقال: أنا لا أفسر حديثَ رسول الله ◌َّهِ، ولكن العرب تزعُمُ أن السَّقَبَ
الَّلَزِيقُ(٥)، وقد أكثر العلماء التصنيف فيه، قيل: أول من صنفه النَّضْر بن شُمَيْل؛ قاله
الحاكم. وقيل: أبو عُبَيْدة مَعْمَر بن المُثَنَّى، ثم النضر، ثم الأصمعي، وكتبهما صغيرة
قليلة، وألَّف بعدهما أبو عُبَيْد القاسم بن سَلَّام كتابه المشهور، فاستقصَى وأجاد، وذلك
بعد المائتين، ثم تتبع أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدِّينَوَرِيُّ ما فات أبا عُبَيْد في
كتابه المشهور، ثم تتبَّع أبو سليمانَ الخَطّابيُّ ما فاتهما في كتابه المشهور، ونبه على
أغاليطَ لهما، فهذه أمهاته، أي: أصوله.
ثم ألف بعدها كتب كثيرة فيها زوائدُ وفوائدُ كثيرة، ولا يقلَّد منها إلا ما كان مصنّفوها
أئمة أجِلَّة، كـ((مَجْمَعَ الغرائب)) لعبد الغافر الفارسيِّ، و((غريب الحديث)) لقاسم
السَّرَقُسْطِيِّ، و((الفائق)) للزمخشري، و((الغريبَيْنِ)) للهَرَوِيِّ، و((ذَيْلِهِ)) للحافظ أبي موسى
المديني، ثم ((النهاية)) لابن الأثير، وهي أحسن كتب الغريب وأجمعها وأشهرها الآن،
وأكثرها تداولًا. انتهى.
(١) انظر ((أبجد العلوم)) (٣٨٧/٢) و((الحطة)) للقنوجي، (٩٥/١).
(٢) السيوطي في ((تدريب الراوي)) (١٨٤/٢).
(٣) رواه الميموني - واسمه: عبد الملك بن عبد الحميد - عن أحمد. انظر ((علل الحديث ومعرفة الرجال))
(ص/ ١٧٤).
(٤) أحمد (٢٦٦٣٩، ٢٣٣٥٩)، والبخاري، کتاب الشفعة، حدیث (٢٢٥٨)، وأبو داود، كتاب البيوع، حديث
(٣٥١٦)، وابن ماجه، كتاب الأحكام، حديث (٢٤٩٥).
(٥) أخرجه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٨١/٣٧).

٢٣٨
مقدمة تحفة الأحوذي
وقال ابن الأثير في ((النهاية)(١): وقد عرفْتَ - أيدك الله وإيانا بلطفه وتوفيقه - أن
رسول الله وَ﴿ كان أفصَحَ العرب لسانًا، وأوضحهم بيانًا، وأعذبهم نطقًا، وأسدهم لفظًا،
وأبينهم لهجة، وأقومهم حُجَّة، وأعرفهم بمواقع الخطاب، وأهداهم إلى طرق الصواب؛
تأييدًا إلهيًّا، ولطفًا سماويًّا، وعنايةً ربانيةً، ورعايةً روحانية، حتى لقد قال له علي بن
أبي طالب - كرم الله وجهه - وسمعه يخاطب وَقْدَ بني نهد: ((يا رَسُولَ اللهِ، نَحْنُ بَنُو أَبٍ
وَاحِدٍ، وَنَرَاكَ تُكَلِّمُ وُفُودَ العَرَبِ بِمَا لَا نَفْهَمُ أَكْثَرَهُ، فَقَالَ: أَدَّبَنِي رَبِّي فَأَحْسَنَ تَأْدِيِي،
وَرُبِيتُ فِي بَنِي سَعْدٍ)(٢)، فكانِ يخاطبُ العرب على اختلاف شعوبهم وقبائلهم،
وتباين بطونهم وأفخاذهم وفصائلهم، كُلَّا منهم بما يفهمون، ويحادثهم بما يعلمون،
ولهذا قال - صَدَّق الله قوله -: ((أُمِرْتُ أَنْ أُخَاطِبَ النَّاسَ عَلَى قَدْرٍ عُقُولِهِمْ)(٣)، وكان الله
عزَّ وجلَّ قد أعلمه ما لم يكن يعْلَمُهُ غيره من بني أبيه، وجمع فيه من المعارف ما تفرَّق
ولم يوجد في قاصِي العَرَب ودَانِیه.
وكان أصحابه ﴿ه ومن يَفِدُ عليه من العَرَبِ يَعْرِفُونَ أكثر ما يقوله، وما جهلوه سألوه
عنه فيوضحه لهم، واستمر عصره ◌َّله إلى حين وفاته على هذا السَّنَنِ المستقيم، وجاء
العصر الثاني، وهو عصر الصحابة، جاريًا على هذا النمط، سالكًا هذا المنهج، فكان
اللسان العربي عندهم صحيحًا محروسًا لا يتداخله الخلل، ولا يتطرّق إليه الزلل، إلى أن
فتحت الأمصار، وخالط العربُ غير جنسهم: من الروم، والفرس، والحبش، والنبط،
وغيرهم من أنواع الأمم الذين فتح الله على المسلمين بلادَهُم، وأفاء عليهم أموالَهُم
ورقابَهُمْ، فاختلطَتِ الفِرَقُ وامتزجت الأَلْسُن، وتداخلت اللغات، ونشأ بينهم الأولاد،
فتعلَّموا من اللسان العربي ما لا بد لهم في الخطاب منه، وحفظوا من اللغة ما لا غِنَى
لهم في المحاورة عنه، وتركوا ما عداه لِعَدَم الحاجة إليه، وأهملوه لِقِلَّة الرغبة في الباعث
(١) ابن الأثير في ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) (٢٢/١ - المعرفة).
(٢) أخرجه العسكري في ((الأمثال)» - كما في ((كنز العمال)) (٨٤/٧)- وقال السخاوي في ((المقاصد الحسنة))
(ص/ ٧٣): وسنده ضعيف جدًّا. قلت: قال شيخ الإسلام أبو العباس: معناه صحيح، ولكن لا يعرف له
إسناد ثابت. قلت: يريد المرفوع منه، والله أعلم.
(٣) بهذا اللفظ أخرجه الديلمي في مسنده - كما في ((المقاصد الحسنة)) (ص/ ١٦٤) - قال السخاوي: وسنده
ضعيف. وانظر ((كشف الخفاء)) (٢٢٦/١).

٢٣٩
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
عَليه، فصار بعد كونه من أهم المعارف مُطَّرَحًا مهجورًا، وبعد فرضيته اللازمة كأنه لم
يكن شيئًا مذكورًا، وتمادَتِ الأيام - والحالة هذه - على ما فيها من التماسك والثبات،
واستمرت على سنن من الاستقامة والصلاح إلى أن انقرض عصر الصحابة والشأن قريب،
والقائمُ بواجب هذا الأمر لقلَّته غَرِيب، وجاء التابعون لهم بإحسان فسَلَكوا سبيلَهُمْ؛
لكنهم قَلُّوا في الإتقان عددًا، واقتفَوْا هديهم، وإن كانوا مدوا في البيان يَدًا، فما انقضَى
زمانهم على إحسانهم إلا واللسانُ العربيُّ قد استحال أعجميًّا أو كاد، فلا ترى المستقلَّ به
والحافظ عليه إلا الآحاد، هذا والعَصْرُ ذلك العَصْرُ القديم، والعَهْدُ ذلك العهدُ الکریم،
فَجَهِلَ الناس من هذا المهم ما كان يلزمهم معرفته، وأخَّروا منه ما كان يجبُ عليهم
تقدمته، واتخذوه وراءهم ظهريًّا، فسار نَسْيًا منسيًّا، والمشتغل به عندهم بعيدًا قصيًّا، فلما
أعضل الداء، وعز الدواء، ألهم الله - عز وجل - جماعة من أولي المعارف والنُّهى،
وذوي البصائر والحِجى، أن صرفوا إلى هذا الشأن طرفًا من عنايتهم وجانبًا من رعايتهم،
فشرعوا للناس مواردًا، ومهدوا فيه لهم معاهدًا؛ حراسة لهذا العلم الشريف من الضياع،
وحفظًا لهذا المهم العزيز من الاختلال، فقيل: إن أول من جمع في هذا الفن شيئًا وَأَلَّفَ
أبو عُبَيْدَة مَعْمَرُ بن المُثَنَّى التميمِيُّ، فجَمَعَ من ألفاظ غريب الحديث والأثر كتابًا صغيرًا ذا
أوراق معدودات، ولم تكن قِلَّته لجهله بغيره من غريب الحديث، وإنما كان ذلك الأمرین؛
أحدهما: أن كل مبتدئ لشيء لم يُسْبَقْ إليه، ومبتدعٍ لأمْرٍ لم يُتقدم فيه عليه فإنه يكون
قليلًا ثم يكثر، وصغيرًا ثم يكْبَر، والثاني: أن الناس يومئذٍ كان فيهم بقيةٌ، وعندهم
معرفة، فلم يكن الجهل قد عَمَّ، ولا الخطب قد طَمَّ.
ثم جمع أبو الحسن النضر بن شُمَيْل المازني بعده كتابًا في غريب الحديث، أكبر من
كتاب أبي عُبَيْدة، وشرح فيه وبَسَط على صغر حجمه ولطفه.
ثم جمع عبد الملك بن قُرَيْب الأصمعيُّ - وكان في عصر أبي عُبَيْدة، وتأخّر عنه -
كتابًا أحسن فيه الصنع وأجاد، ونَيَّفَ على كتابه وزاد، وكذلك محمد بن المستنير،
المعروف بـ((قُطْرُبٍ))، وغيره من أئمة اللغة والفقه، جمعوا أحاديث تكلَّموا على لغتها
ومعناها في أوراقٍ ذوات عدد، ولم يكد أحدهم ينفرد عن غيره بكبير حديث لم يذكره
الآخر، واستمرت الحال إلى زمن أبي عُبَيْد القاسم بن سَلَّام، وذلك بعد المائتين، فجمع

٢٤٠
مقدمة تحفة الأحوذي
كتابه المشهور في غريب الحديث والآثار، الذي صار وإن كان أخيرًا - أولًا؛ لما حواه
من الأحاديث والآثار الكثيرة والمعاني اللطيفة والفوائد الجمة، فصار هو القدوة في هذا
الشأن، فإنه أفنَى فيه عمره، وأطاب به ذكره، حتى لقد قال فيما يروى عنه: إني جمعتُ
كتابي هذا في أربعين سنة، وهو كان خلاصة عمري، ولقد صدق - رحمه الله - فإنه احتاج
إلى تتبُّع أحاديث رسول الله وَّر على كثرتها، وآثار الصحابة والتابعين علَى تفرقها
وتعددها، حتى جمع منها ما احتاج إلى بيانه بطرق أسانيدها، وحفظ رواتها، وهذا فَىُّ
عزيز شريف، لا يوفَّق له إلا السعداء، وظن - رحمه الله - على كثرة تعبه، وطول نصبه -
أنه قد أتى على معظم غريب الحديث وأكثر الآثار، وما علم أن الشوط بَطِين، والمنهل
مَعِين، وبقي على ذلك كتابه في أيدي الناس يرجعون إليه، ويعتمدُون في غريب الحديث
عليه، إلى عصر أبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدِّينَوَرِيِّ - رحمه الله - فصنف كتابه
المشهور في غريب الحديث والآثار، حذا فيه حذو أبي عُبَيْد، ولم يودعه شيئًا من
الأحاديث المودعة في كتاب أبي عُبَيْد إلا ما دَعَتْ إليه حاجة من زيادة شرح وبيان أو
استدراك أو اعتراض، فجاء كتابه مثل كتاب أبي عُبَيْد أو أكبر منه، وقال في مقدمة
كتابه(١): ((وقد كنت زمانًا أرَى أن كتاب أبِي عُبَيْد قد جمع تفسير غريب الحديث، وأن
الناظر فيه مستغنٍ به، ثم تعقّبت ذلك بالنظر والتفتيش والمذاكرة، فوجدت ما ترك نحوًا
مما ذكر، فتتبّعتُ ما أغفل وفسرته على نحو مما فسَّر، وأرجو أَلَّا يكون بقي بعد هذين
الكتابين من غريب الحديث ما يكون لأحد فيه مَقَالٌ)). وقد كان في زمانه الإمامُ إبراهيمُ بن
إسحاق الحَرْبِيُّ - رحمه الله - وجمع كتابه المشهور في غريب الحديث، وهو كتابٌ كبيرٌ
ذو مجلَّدات عدة، جمع فيه وبسط القول، وشرح واستقصى الأحاديث بطرق أسانيدها،
وأطاله بذكر متونها وألفاظها، وإن لم يكن فيها إلا كلمة واحدة غريبة، فطال لذلك كتابه،
وبسبب طوله تُرِكَ وهُجِرَ، وإن كان كثيرَ الفوائد، جَمَّ المنافع، فإن الرجل كان إمامًا
حافظًا متقنًا عارفًا بالفقه والحديث واللغة والأدب - رحمة الله عليه - ثم صنَّ النَّاسُ غَيْرُ
من ذكرنا في هذا الفَنِّ تصانيفَ كثيرة، منهم: شمر بن حَمْدَوَيْهِ، وأبو العباس أحمد بن
يحيى اللغوي المعروف بـ((ثَعْلَب))، وأبو العباس محمد بن يزيد الثمالي المعروف
(١) ابن قتيبة في ((غريب الحديث)) (١/ ١٥٠).