Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
وقال ابن الأثير: وسأله بعض الأمراء عن كتابه: ((السنن الكبرى)) أكلُّه صحيحٌ؟
فقال: لا، قال: فاكتب لنا الصحيح منه مجردًا، فصنع ((المجتبى من السنن)) (١) ولخص
منها، ((الصغيرة)) وترك كلَّ حديث أورده في ((الكبيرة)) مما تكلّم في إسناده بالتعليل؛ رواه
ابن عساكر، وسمَّاه: ((المجتنى)) بالنون أو الباء الموحدة، والمعنى قريب، والأشهر هو
الأخير، وإذا أطلق أهل الحديث على أن النسائي رَوَى حديثًا، فإنما يريدون: ((المجتبى))
لا («السنن الكبرى))، وهي: إحدى الكتب الستة، قال الحافظ أبو علي: للنسائي شرط في
الرجال أشدُّ من شرط مسلم، وكذلك الحاكم والخطيب كانا يقولان: إنه صحيح، وإن له
شرطًا في الرجال أشدُّ من شرط مسلم، لكن قولهم غير مسلّم.
قال البقاعيُّ في ((شرح الألفية)) عن ابن كثير: إن في النسائيّ رجالًا مجهولين(٢) إما
عينًا، أو حالًا، وفيهم المجروحُ، وفيه أحاديثُ ضعيفةٌ ومعلَّلة ومنكرة.
وقال الشوكاني(٣): وله مصنفات كثيرة في الحديث والعلل، منها: ((السنن))، وهي
أقل السنن الأربع بعد الصحيح حديثًا ضعيفًا، قال الذهبي والتاج السبكي: إن النسائي
أحفظ من مسلم صاحب الصحيح.
وذكر في ((كشف الظنون)) (٤) من شروحه: شرح الشيخ سراج الدين عمر بن علي بن
الملقّن الشافعي زوائده على الأربعة - أعني: ((الصحيحين))، و((أبي داود)) و((الترمذي)) - في
مجلد، وتوفي سنة أربع وثمانمائة، وعلى ((السنن)) تعليقة لجلال الدين عبد الرحمن بن
أبي بكر السيوطي، المتوفى سنة إحدى عشرة وتسعمائة، وللشيخ أبي الحسن السندي -
أيضًا - تعليقة بالقول، لكنها أبسط من تعليقة السيوطي بالقول [انتهى](٥).
وأما النَّسائي - مصنِّف هذا الكتاب - فهو: أحمد بن شُعَيْب بن علي بن سنان بن
بحر بن دينار، أبو عبد الرَّحمن النَّسائِيُّ، القاضي الحافظ، سمع من خلائق لا يحصون،
(١) قال الذهبي في ((السير)) (١٤/ ١٣١) في ردّ عليه: هذا لم يصح بل ((المجتبى)) اختيار ابن السني.
(٢) كأنه يريد شيوخه، وفيه نظر؛ قال الذهبي: النسائي نظيف الشيوخ. وقال الحافظ في بعض مشايخه: معروف
يكفيه رواية النسائي عنه. ((المغني)) للذهبي (٦١/١)، ((تهذيب التهذيب)) (٨٠/١- عطا).
(٣) الشوكاني في ((نيل الأوطار)) (١٥/١).
(٤) حاجي خليفة في ((كشف الظنون)) (١٠٠٦/٢).
(٥) ليست في الأصل، وأثبتها تمييزًا عن غيرها .

١٤٢
مقدمة تحفة الأحوذي
وروى القراءة عن: أحمد بن نصر النيسابوري، وأبي شعيب السوسي، وعنه ابنه
عبد الكريم، وأبو بكر أحمد بن محمد بن إسحاق بن السني، وأبو علي الحسن بن
الخضر الأسيوطي، والحسن بن رشيق العسكري، وأبو القاسم حمزة بن محمد بن علي
الكناني الحافظ، وأبو الحسن محمد بن عبد الله بن زكريا بن حبويه، ومحمد بن معاوية بن
الأحمر، ومحمد بن قاسم الأندلسي، وعلي بن أبي جعفر الطحاوي، وأبو بكر أحمد بن
محمد المهندس، هؤلاء رواة كتاب السنن عنه، وأبو بشر الدولابي، وهو من أقرانه،
وأبو عوانة في ((صحيحه))، وأبو جعفر الطحاوي، وأبو بكر بن الحداد الفقيه، وأبو جعفر
العقيلي، وأبو علي بن هارون، وأبو علي النيسابوري الحافظ، وأُمَمٌ لا يحصَوْنَ.
قال ابن عدي: سمعت منصورًا الفقيه، وأحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي
يقولان: أبو عبد الرحمن إمام من أئمة المسلمين(١)، وقال محمد بن سعد الباروديُّ:
ذكرت النسائي لِقَاسِم المطرِّزِ فقال: هو إمام، أو: يستحقُّ أن يكون إمامًا، وقال أبو علي
النيسابوري: سألت النسائي - وكان من أئمة المسلمين -: ما تقول فِيَّ؟ - فيه - وقال في
موضع آخر: أنا النسائي الإمامُ في الحديثُ بلا مدافعة، وقال في موضع آخر: رأيت من
أئمة الحديث أربعةً في وطني وأسفاري: اثنان بنيسابور: محمد بن إسحاق، وإبراهيم بن
أبي طالب، والنسائي بمصر، وعبدان بالأهواز، وقال مأمون المصري: خرجنا إلى
طرسوس، فاجتمع من الحفاظ عبد الله بن أحمد، ومرتع، وأبو الآذان، وكيلجة،
وغيرهم، فكتبوا كلهم بانتخاب النسائي، وقال أبو الحسين بن المظفر: سمعت مشايخنا
بمصر يعترفون لأبي عبد الرحمن النسائي بالتقدُّم والإمامة، ويصفون من اجتهاده في
العبادة بالليل والنهار، ومواظبته على الحج والجهاد، وإقامته السنن المأثورة، واحترازه
في مجالس السلطان، وأنَّ ذلك لم يزل دأبه إلى أن استشهد.
وقال الحاكم: سمعتُ علي بن عمر الحافظ غير مرة يقول: أبو عبد الرحمن مقدَّم
على كل من يذكر بهذا العلم من أهل عصره (٢)، وقال - مرة - : سمعت علي بن عمر
(١) أخرجه ابن نقطة في ((التقييد)) (ص/ ١٤٠). انظر ((تهذيب الكمال)) للمزي (٣٣٣/١)، و((البداية والنهاية)) لابن
کثیر (١٢٣/١١).
(٢) الحاكم في ((معرفة علوم الحديث)) (ص/ ٨٣)، ومن طريقه ابن أبي جرادة في ((بغية الطلب)) (٧٨٤/٢)، وابن
نقطة في ((التقييد)) (ص/ ١٤٠).

١٤٣
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
يقول: النسائي أفقه مشايخ مصر في عصره، وأعرفهم بالصحيح والسقيم وأعلم بالرجال،
فلما بلغ هذا المبلغ حسدوه فخرج إلى الرملة، فسئل عن فضائل معاوية، فأمسك عنه
فضربوه في الجامع، فقال: أخرجوني إلى مكة، فأخرجوه وهو عليل، وتوفي مقتولًا
شهيدًا(١)، وقال الدار قطني - أيضًا - : سمعت أبا طالب الحافظ يقول: من يصبر على ما
يصبر عليه أبو عبد الرحمن؟ كان عنده حديث ابن لَهِيعَةَ ترجمة ترجمة، فما حدث بها،
وكان لا يرى أن يحدث بحديث ابن لهيعة(٢)، وقال الدارقطني: كان أبو بكر بن الحداد
الفقيه كثير الحديث، ولم يحدث عن أحد غير أبي عبد الرحمن النسائي فقط، وقال:
رضيتُ به حجة بيني وبين الله تعالى، وقال أبو بكر المأموني: سألته عن تصنيفه كتاب
((الخصائص))، فقال: دخلت دمشق والمنحرف بها عن عليٍّ كثيرٌ، وصنف كتاب
((الخصائص)) رجاء أن يهديهم الله، ثم صنف بعد ذلك كتاب ((فضائل الصحابة)) وقرأها
على الناس، وقيل له - وأنا حاضر -: ألا تخرج فضائل معاوية؟ فقال: أي شيء أخرج؟:
((اللهم، لا تشبع بطنه))(٣)، وسكت وسكت السائل، وقال النسائي: يشبه أن يكون مولدي
في سنة ٢١٥؛ لأن رحلتي الأولى إلى قتيبة كانت في سنة ٢٣٠، أقمت عنده سنة
وشهرين، وقال ابن يونس: قدم مصر قديمًا، وكتب بها، وكتب عنه، وكان إمامًا في
الحديث ثقة ثَبْتًا حافظًا، وكان خروجه من مصر، في ذي القعدة سنة ٣٠٢، وتوفي
بفلسطين، يوم الإثنين لثلاث عشرة خلت من صفر سنة ٣٠٣، قال الحافظ: قال الذهبي
في ((مختصره)) (٤) عاش ثمانيًا وثمانين سنة(٥)، وكأن بناه على ما تقدَّم من مولده، فهو
تقريب. كذا في ((تهذيب التهذيب))(٦).
(١) انظر ((العبر)) للذهبي (١٣٠/٢)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد (٢٤٠/٢)، و((تهذيب الكمال)» للمزي (٣٣٨/١).
(٢) انظر ((السير)) للذهبي (١٣١/١٤)، و((الوافي بالوفيات)) للصفدي، و((تهذيب الكمال)) للمزي (٣٣٥/١).
(٣) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة، حديث (٢٦٠٤)؛ قلت: قد قال النبي ﴿ لبعض نسائه ((عقرى حلقى))،
و((تربت يمينك))، وقال في حديث أنس ليتيمة: ((لا كبر سنك)) فهل أراد وقوع ذلك؟! الجواب: لا: وأحسن ما
وجدته ما ذكره بعض الشراح، فقال: الظاهر أن هذا الدعاء منه * غير مقصود، بل هو ما جرت به عادة
العرب في وصل كلامها بلا نية.
(٤) يريد بمختصره: ((الكاشف)).
(٥) الذهبي في ((الكاشف)) (١/ ٤٦٤) (٣٩).
(٦) ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) (٣٣/١).

١٤٤
مقدمة تحفة الأحوذي
فائدة: قال القاضي ابن خَلِّكَان: ونسبته إلى (نَسَأ)) بفتح النون، وفتح السين المهملة،
وبعدها همزة، وهي: مدينة بخراسان، خرج منها جماعة من الأعيان. انتهى.
وقال القاري في ((المرقاة)): النَّسائِي، بفتح النون والمَد، كما في ((جامع الأصول))،
واقتصر عليه المصنف، وبالقصر كما في ((طبقات الفقهاء)) نسبة إلى بلد بخراسان قريب
من مرو. انتهى.
وقال صاحب ((مجمع البحار)) في ((المغني)) (١): النَّسائي، بنون مفتوحة، وخفة سين
مهملة، ومد، وهمزة، نسبة إلى ((نساء)) مدينة بخراسان(٢) . انتهى.
قلت: النَّسَائِيُّ: بالمدِّ والنَّسَنيُّ بالقصر كلاهما صحيح، فإن الظاهر: أن مدينة (نَساء))
التي هي بخراسان، يقال لها (نَسَاء، و: نَسَأ)) بالوجهين، والله تعالى أعلم.
وأما ((سنن ابن ماجه))، فهو: سادسُ الصِّحاح الستة، قال الذهبي في («تذكرة
الحفاظ))(٣) عن ابن ماجه قال: عرضت هذه السنن على أبي زُرْعة، فنظر فيه، وقال: أظن
إن وقع هذا في أيدي الناس تعطّلت هذه الجوامع أو أكثرها، ثم قال: لعله لا يكون فيه
تمام ثلاثين حديثًا مما في إسناده ضعف ... قال(٤) ((سنن أبي عبد الله)) كتاب حسن، لولا
ما کدره من أحاديث واهية، ليست بالكثيرة، وعدد کتب سننه: اثنان وثلاثون كتابًا، قال
أبو الحسن القطّان(٥) صاحبُ ابن ماجه: في السنن ألف وخمسمائة باب، وجملة ما فيها
أربعة آلاف حديث. انتهى ما في ((التذكرة)).
وقال ابن الأثير: كتابه كتاب مفيد، قوي النفع في الفقه، لكن فيه أحاديث ضعيفة
جدًّا، بل منكرة، حتى نقل عن الحافظ المزي أن الغالب فيما تفرد به الضعف، ولذا لم
يضفه غير واحد إلى الخمسة، بل جعلوا السادس ((الموطأ))(٦)، وفيه عدة أحاديث ثلاثيات
(١) أراد بـ ((المغني) كتاب: ((المغني في ضبط أسماء الرجال ومعرفة كنى الرواة وألقابهم وأنسابهم)) للعلامة محمد
طاهر بن علي الهندي الفتني المتوفى سنة ٩٨٦هـ، وقد طبع بدار الكتاب العربي ببيروت.
(٢) الفتني في ((المغني)) (ص/ ٢٦١).
(٣) الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (٦٣٦/٢).
(٤) يعني: الذهبي كما في ((التذكرة))، وقد أخرجه ابن عساكر في ((تاريخه)) (٢٧٢/٥٦).
(٥) هو علي بن محمد بن عبد الملك الحميري المعروف بابن القطان الفاسي قال الذهبي: الشيخ الإمام العلامة
الحافظ الناقد المجود. وانظر: ((تاريخ الإسلام)) و ((السير)» للذهبي (٣٢١/٤٥)، (٣٠٦/٢٢) تباعًا .
(٦) انظر ((الحطة)) للقنوجي (ص/ ٢٢١).

١٤٥
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
من طريق جبارة بن المغلس، وفيه حديث في فضل قزوين منكر، بل موضوع؛ ولذا طعنوا
فیه وفي مصنفه، وواضعه رجل اسمه ميسرة.
قال صاحب ((كشف الظنون))(١): شرح قطعةً منها في خمس مجلدات الحافظ
علاء الدين مُغَلْطاي ابن قَلِيج المتوفى سنة ٧٦٢ اثنتين وستين وسبعمائة، ولجلال الدين
السيوطي المتوفى سنة ٩١١ إحدى عشرة وتسعمائة تمامًا، سماه: ((مصباح الزجاجة على
سنن ابن ماجه))، أوله: ((الحمد لله ذي الجلال والإكرام))، وشرحها الحافظ برهان الدين
إبراهيم بن محمد الحلبي سبط ابن العجمي، المتوفى سنة ٨٤١ إحدى وأربعين وثمانمائة،
وشرحها الشيخ كمال الدين بن موسى الدَّمِيْرِيُّ الشافعيُّ، المتوفى سنة ٨٠٨ ثمان
وثمانمائة، في نحو خمس مجلدات، سماه: ((الدِّيباجة))، مات قبل تحريره، وشرح الشيخ
سراج الدين عمر بن علي بن الملقن الشافعي، المتوفى سنة ٨٠٤ أربع وثمانمائة زوائدَهُ
على الخمسة، أعني: ((الصحيحين)) و((أبي داود)) و((الترمذي)) و((النسائي))، في ثمان
مجلدات، وسماه: ((ما تمسُّ إليه الحاجة على سنن ابن ماجه)) وألحق في خطبته بيان من
وافقه من باقي الأئمة الستة مع ضبط المشكل من الأسماء والكنى، وما يحتاج إليه من
الغرائب مما لم يوافق الباقين، ابتدأه في ذي القعدة سنة ثمانمائة، وفرغ في شوال من
السنة التي تليها، وشرحه الشيخ أبو الحسن السندي ابن عبد الهادي المدني المتوفى سنة
١١٣٩ تسع وثلاثين ومائة وألف، وهو شرح لطيف بالقول. انتهى.
قلت: وشرَحَه الشيخ الصالح التقيُّ عبد الغني ابن الشيخ أبي سعيد المجدِّدي
الدهلويُّ نزيل المدينة المنورة - على صاحبها الصلاة والتحية - وسماه: ((إنجاح الحاجة))،
وإني قد طالعت النصف الثاني من شرح المُغْلَطَاي، وهو موجود في خزانة الكتب
لخدابخش خان في بانكي يور، وشرحه العلامة أبو البقاء الدميري صاحب ((حياة
الحيوان))، قال الشوكاني في ((البدر الطالع)) (٢) محمد بن موسى بن عيسى بن الكمال،
أبو البقاء الدَّمِيْرِيُّ الأصل، القاهريُّ الشافعي، ولد في أوائل سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة
تقريبًا، كما كتب ذلك بخطه، ونشأ بالقاهرة، فتكسب بالخياطة، ثم أقبل على العلم،
(١) حاجي خليفة في ((كشف الظنون)) (١٠٠٤/٢).
(٢) الشوكاني في ((البدر الطالع)) (٢٧٢/٢). وانظر ((الضوء اللامع)) لشمس الدين السخاوي (٥٩/١٠).

١٤٦
مقدمة تحفة الأحوذي
فقرأ على التقي السبكي، وأبي الفضل النُّوَيْري، والجمال الإسنويِّ، وابن الملقِّن،
والبُلْقِينِيِّ، وأخذ الأدب عن القيراطي، والعربية وغيرها عن البهاء بن عقيل، وسمع من
جماعة، وبرع في التفسير والحديث، والفقه وأصوله، والعربية والأدب، وغير ذلك،
وتصدى للإقراء والإفتاء، وصنف مصنفات جيدة، منها: ((شرح سنن ابن ماجه))، في نحو
خمس مجلدات، سماه: ((الديباجة))، مات قبل تبييضه، وشرح ((المنهاج)) في أربع
مجلدات، سماه: ((النجم الوهاج))، لخصه من شرح السبكي، والإسنوي وغيرهما، وزاد
على ذلك زوائد نفيسةً، ونظم في الفقه أرجوزة مفيدة، وله تذكرة حسنة، ومن مصنفاته:
((حياة الحيوان)) الكتاب المشهور، الكثير الفوائد، مع كثرة ما فيه من المناكير، واختصر
شرح الصفدي لِـ ((لامية العجم))، وأفتى بمكة، ودرس بها في أيام مجاورته، ومات في
ثالث جمادى الأولى سنة ثمان وثمانمائة. انتھی.
وأما ابن ماجه فهو: أبو عبد الله محمَّد بن يَزِيدَ ابن مَاجَه الرَّبِعِيُّ بالولاء، القزويني
الحافظ المشهور، كان إمامًا في الحديث، عارفًا بعلومه وجميع ما يتعلَّق به، ارتحل إلى
العراق والبصرة والكوفة وبغداد ومكة والشام ومصر والري؛ لكَتْبِ الحديث، وله تفسير
القرآن الكريم، وتاريخ مليح، وكتابه في الحديث أحد الصحاح الستة، وكانت ولادته سنة
٢٠٩ تسع ومائتين، وتوفي يوم الإثنين، ودفن يوم الثلاثاء، لثمان بقين من شهر رمضان،
سنة ثلاث وسبعين ومائتين - رحمه الله تعالى - وصلى عليه أخوه أبو بكر، وتولى دفنه
أخواه: أبو بكر، وعبد الله، وابنه عبد الله، و((ماجه)) بفتح الميم والجيم، وبينهما ألف،
وفي الآخر هاء ساكنة، و((الرَّبعِيُّ))، بفتح الراء والباء الموحدة، وبعدها عين مهملة هذه
النسبة إلى رَبِيعَةَ، وهي اسم لعدة قبائل ولا أدري إلى أيها ينسب المذكور، و((القَزْويني))،
بفتح القاف، وسكون الزاي، وکسر الواو، وسكون الياء المثناة من تحتها، وبعدها نون،
هذه النسبة إلى ((قَزْوِينَ))، وهي من أشهر مدن عراق العجم، خرج منها جماعة من
العلماء. قاله القاضي ابن خَلِّكَانَ(١).
وقال الذهبي في ((التذكرة))(٢): قال أبو يعلى الخليلي: ابن ماجه ثقة كبير متفق عليه
محتجّ به، له معرفة وحفظ، ارتحل إلى العراقين ومكة والشام ومصر. انتهى.
(١) ابن خلكان في ((وفيات الأعيان)) (٢٧٩/٤).
(٢) الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (٦٣٦/٢).

١٤٧
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
تنبيه: اختلف في ((ماجه))، فقيل: إنه لقب والد محمد بن يزيد، وقيل: إنه اسم أمه،
قال القاري في ((المرقاة)) - في شرح قول صاحب ((المشكاة)): ((وأبي عبد الله محمد بن
يزيد ابن ماجه القزويني)) ما لفظه: بإثبات ألف ((ابن)) خطأ، فإنه بدل من ((ابن يزيد))، ففي
(القاموس)) (١): ((ماجه)) لقب والد محمد بن يزيد صاحب السنن لا جدِّه، وفي ((شرح
الأربعين)): إن ((ماجه)) اسم أمه. انتهى.
وقال صاحب ((الحطة))(٢): والصحيح أن ((ماجه)) اسم أمه، وعلى كلا القولين يكتب
الألف على لفظ ((ابن)) في الرسم؛ ليعلم أنه وصف لـ ((محمد)) لا لما يليه، فهو مثل:
((عَبْدُ الله بن مالِك ابنُ بُحَيْنَةَ، وإِسْماعِيلُ بْنُ إبرَاهِيمَ ابْنُ عُلَيَّةَ))، في ((إنجاح الحاجة)):
((ماجه)) على ما ذكر المجد في ((القاموس)) والنووي في ((تهذيب الأسماء)): لقب والده
لا جده. انتهى. والصحيح هو الأول. انتهى ما في ((الحطة)).
الفَصْلُ الحادِي وَالْعِشْرُونَ: في بَيَانِ أَنَّ الأحادِيثَ الصِّحَاعَ
لَيْسَتْ كُلُّهَا مُتَسَاوِيَةً في الصخَّةِ، بل بعضها أَعلَى مِنْ بَعْضٍ
قال الشيخ عبد الحق الدهلوي في مقدمة ((شرح المشكاة)): اعلم: أن الذي تقرر عند
جمهور المحدثين. أن ((صحيح البخاري)) مقدَّم على سائر الكتب المصنفة، حتى قالوا:
أصح الكتب بعد كتاب الله ((صحيح البخاري))، وبعض المغاربة رجحوا ((صحيح مسلم))
على ((صحيح البخاري))، والجمهور يقولون: إن هذا فيما يرجع إلى حسن البيان، وجودة
الوضع والترتيب، ورعاية دقائق الإشارات، ومحاسن النكات في الأسانيد، وهذا خارج
عن المبحث، والكلام في الصحة والقوة وما يتعلق بهما، وليس كتاب يساوي ((صحيح
البخاري)) في هذا الباب، بدليل كمال الصفات التي اعتبرت في الصحة في رجاله.
وبعضهم توقف في ترجيح أحدهما على الآخر. والحق هو الأول.
والحديث الذي اتفق البخاري ومسلم على تخريجه يسمى ((متفقًا عليه))، وقال الشيخ:
بشرط أن يكون عن صحابي واحد، وقالوا: مجموع الأحاديث المتفق عليها: ألفان
(١) ((القاموس المحيط)) للفيروزآبادي. مادة (موج).
(٢) القِنَّوجي في ((الحطة)) (ص/ ٢٥٥).

١٤٨
مقدمة تحفة الأحوذي
وثلاثمائة وستة وعشرون، وبالجملة ما اتفق عليه الشيخان مقدَّم على غيره، ثم ما تفرد به
البخاري، ثم ما تفرد به مسلم، ثم ما كان على شرط البخاري ومسلم، ثم ما هو على
شرط البخاري، ثم ما هو على شرط مسلم، ثم ما هو رواه منْ غيرهم من الأئمة الذين
التزموا الصحة وصحّحوه، فالأقسام سبعة.
والمراد بشرط البخاري ومسلم: أن يكون الرجال متصفين بالصفات التي يتصف بها
رجال البخاري ومسلم: من الضبط والعدالة، وعدم الشذوذ والنكارة والغفلة، وقيل:
المراد بشرط البخاري ومسلم: رجالهما أنفسهم. انتهى.
وقال الحافظ في ((شرح النخبة)): ويتفاوت رتبه - أي: رتب الصحيح - بسبب تفاوت
هذه الأوصاف المقتضية للتصحيح في القوة، فإنها لما كانت مفيدة لغلبة الظن الذي عليه
مدار الصحة اقتضت أن يكون لها درجاتٌ، بعضها فوق بعض، بحسب الأمور المقوية،
وإذا كان كذلك، فما يكون رواته في الدرجة العليا من العدالة والضبط وسائر الصفات
التي توجب الترجيح كان أصحَّ مما دونه، إلى أن قال: فالصفات التي تدور عليها الصحة
في كتاب ((البخاري)) أتمُّ منها في كتاب ((مسلم)) وأشد، وشرطه فيها أقوَى وأسد.
أما رجحانه من حیث الاتصالُ فلاشتراطه أن یکون الراوي قد ثبت له لقاء من روى
عنه ولو مرة، واكتفى مسلم بمطلق المعاصرة، وألزم البخاريَّ بأنه يحتاج ألّا يقبل العنعنة
أصلًا، وما ألزمه به ليس بلازم؛ لأن الراوي إذا ثبت له اللقاء مرة لا يجري في روايته
احتمال ألا يكون قد سمع؛ لأنه يلزم من جريانه أن يكون مدلِّسًا، والمسألة مفروضة في
غير المدلِّس.
وأما رجحانه من حيث العدالةُ والضبطُ، فلأن الرجال الذين تكلِّم فيهم من رجال
مسلم أكثر عددًا من الرجال الذين تكلّم فيهم من رجال البخاري، مع أن البخاري لم يُكْثِر
من إخراج حديثهم، بل غالبهم من شيوخه الذين أخذ عنهم، ومارس حديثه، بخلاف
مسلم في الأمرین.
وأما رجحانه من حيث عدمُ الشذوذ والإعلال، فلأن ما انتقد على البخاري من
الأحاديث أقل عددًا مما انتقد على مسلم.
هذا مع اتفاق العلماء على أن البخاري كان أجلَّ من مسلم في العلوم وأعرف منه

١٤٩
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
بصناعة الحديث، وأن مسلمًا تلميذه وخرِّيجه، ولم يزل يستفيد منه ويتبع آثاره حتى قال
الدارقطني: لولا البخاري لما راح مسلم ولا جاء. ومن ثَمَّ - أي: ومن هذه الجهة،
وهي: أرجحية شرط البخاري على غيره - قُدِّم ((صحيح البخاري)) على غيره - من الكتب
المصنفة في الحديث، ثم («صحيحُ مسلم))، لمشاركته للبخاري في اتفاق العلماء على تلقي
كتابه بالقبول - أيضًا - سوَى ما علّلَ، ثم يقدَّم في الأرجحية من حيث الأصَحيَّةُ: ما وافقه
شرطهما؛ لأن المراد به رواتُهما مع باقي شروط الصحيح، ورواتُهُما قد حصل الاتفاق
على القول بتعديلهم بطريق اللزوم، فهم مقدَّمون على غيرهم في رواياتهم، وهذا أصل
لا يخرج عنه إلا بدلیل.
فإن كان الخبرُ على شرطهما معًا، كان دون ما أخرجه مسلم أو مثلهُ، وإن كان على
شرط أحدهما، فيقدَّم شرط البخاري وحده على شرط مسلم وحده، تبعًا لأصل كل
منهما، فخرج لنا من هذا ستة أقسام يتفاوت درجاتها في الصحة، وثَمَّ قسم سابع، وهو:
ما ليس على شرطهما اجتماعًا وانفرادًا، وهذا التفاوت إنما هو بالنظر إلى الحيثية
المذكورة. انتهى.
فظهر من هذا أن مراتب الصحيح متفاوتة (١)، وأن الترجيح لـ ((صحيح البخاري))
حاصلٌ على سائر الكتب الحديثية عند جمهور العلماء من المحدِّثين والفقهاء، وخالف
هذا القولَ المجمَعَ عليه الشيخ ابن الهمام، وقلَّده في ذلك الشيخ عبد الحق الدهلوي.
ورد عليهما الشيخ العلامة محمد الملقَّب بـ ((المعين)) في دراساته ردًا حسنًا، وأبطل
قولهما إبطالًا بالغًا، حيث قال:
الدراسة الحادية عشرة: في إبطال قول من يدعي مساواة حديث غير ((الصحيحين))
بحديثهما في الصحة.
قال كمال الدين بن الهَمام في ((التحرير)): كون ما في ((الصحيحين)) راجحًا على ما
رُوِيَ برجالهما في غيرهما، أو على ما تحقَّق فيه شرطهما بعد إمامة المخرج تَحَكُّمٌ، زاد
في ((فتح القدير)): تحكّم لا يجوز التقليد فيه؛ إذ الأَصَحِّيَّةُ ليست إلا لاشتمال رواتهما
(١) انظر ((توضيح الأفكار)) للأمير الصنعاني (٨٦/١).

١٥٠
مقدمة تحفة الأحوذي
على الشروط التي اعتبراها، فإذا فرض وُجودُ تلك الشُّروط في رواة حديث في غير
الكتابين فلا يكون الحكم إلا بأصحية ما في الكتابين غَيْرَ التحكّم، ثم حكمُهُما أو
أحدِهِما بأن الراوي المعيَّن مجتمع فيه تلك الشروط ليس مما يقطع فيه بمطابقة الواقع،
فيجوز كون الواقع خلافه، وقد أخرج مسلم في كتابه عن كثير ممن لم يسلم من غوائل
الجرح، وكذا في البخاري جماعة تكلّم فيهم، فدار الأمر في الرواة على اجتهاد العلماء
فيهم في الشروط، حتى إن من اعتبر شرطًا وألغاه الآخر يكون ما رواه الآخر مما ليس فيه
ذلك الشرط عنده مكافئًا لمعارضة المشتمل على ذلك الشرط، وكذلك فيمن ضَعَّفَ راويًا
وثَقَهُ آخر، نعم تسكن نفس غير المجتهد ومن لم يختبر أمر الراوي بنفسه إلى ما اجتمع
عليه، أما المجتهد في اعتبار الشروط وعدمه، والذي اختبر الراوي، فلا يرجع إلا إلى
رأي نفسه. انتهى.
أقول - وبالله التوفيق ومنه السداد، وإليه التبرِّي وعليه الاعتماد -: يريد بهذا الكلام
الانقداح فيما تمالأت عليه كلمة المحدِّثين سلفًا وخَلَفًا، والفقهاءِ المتقدِّمين والمتأخرين
إلا الشيخَ المذكور ومن تبعه من تلامذته، وبعضَ الحنفية المتأخرين، من الترتيب المشهور
بين صحَاح الأحاديث، وأنها خمسة أقسام: أعلاها: ما اتفق عليه البخاري ومسلم، ثم
ما انفرد به البخاري، ثم ما انفرد به مسلم، ثم صحيحٌ على شرطهما ولم يخرِّجه واحدٌ
منهما، ثم صحيح على شرط البخاري، ثم صحيح على شرط مسلم، ثم صحيح عند
غيرهما مستوفي فيه الشروط المعتبرة في الصحة.
وغرضه من ذلك - كما قال الشيخ الدهلوي في مقدمة شرح ((سفر السعادة))، بعدما
مشى ممشاه، ورضي بما ارتضاه - تأييدُ مصادمة الفقهاء الحنفية بالمحدِّثين، ومعارضَتِهِمْ
إياهم، قال الشيخ الدهلوي: ومجال مقال الفقهاء فيما قرَّره المحدثون واسع، وقال -
مشيرًا إلى كلام ابن الهمام السابق -: وهذا نافعٌ مفيدٌ في غرضنا من شرح هذا الكتاب -
يعني السفر - وهو تأييد المذهب الحنفي، وهذا صريح في إقرارهم بأن تأييد مذهب
الحنفية إنما يتأتَّى بصيرورة الصحيحين كغيرهما من الصحاح بإبطال الخصوصية منهما
صحةً وثقةً، وأن محاولة الانقداح المذكور في الترتيب المتقدِّم إنما هو لكون هذا
المذهب في الأغلب على خلاف ما في ((الصحيحين))، هذا ما حاولوا وأرادوا، ولكن الله

١٥١
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
- سبحانه وتعالى - ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وإنزالُ العالي من علوه لما كان أحد
القدحين، ليتهم لم يقدموا على القدح في منيع مرتبة ((الصحيحين))، ورفيع قدرهما،
وكونهما أصحَّ كتاب في الصحيح المجرَّد تحت أديم السماء، وأنهما أصح الكتب بعد
القرآن العزيز، بإجماع من عليه التعويل في هذا العلم الشريف قاطبة في كل عصر،
وإجماع كل فقيه مخالف وموافق على ما لا يوجد مثلُ ذلك الإجماع على فَضْل أبي حنيفة
على الفقهاء الثلاثة من المعاند والمخالف، مع دعوى ذلك عن أكثر أهل المذهب.
ومن ثبوت الأصحية لهذين السِّفْرَيْن المباركين لا يلزم خلاف الحديث الصحيح
القادح على أبي حنيفة فيما خالف أحاديثهما على ما ستعرف - إن شاء الله تعالى - حتى
يلجئهم ذلك إلى الوقيعة فيهما بإبطال ما به اخْتَصًا، وصار قرير عين من أقر الله عينه،
وبعد سلامة صاحب المذهب عن الطعن وأيَّةُ مبالاة من وهن الروايات المخالفة
بأحاديثهما وتركها لما صح عن النبي ◌ِّ، على أن المنصف البَطَلَ القائلَ بصريحِ الحَقِّ
وطريقه إذا رأى تمام الحجة على إمامه في شيء ينفك عقدة تقليده له فيه، وليس تمام
الحجة عليه من الطعن في شيء، وهذا أبو جعفر الطحاوي - مع مبالغته المفرطة في نصر
المذهب - إذا تمت الحجة على أبي حنيفة تراه في ((معاني الآثار))، كيف يأتي بكلام
جديدٍ، حتى يقول في بعض المواضع: ((فما قال أبو حنيفة باطلٌ)). وأمثال ذلك مما
لا يرتضيه كل مقلِّد متعصّب.
ولنشتغل بما أردنا الإفصاح عنه مما ظهر علينا - بحمد الله سبحانه - في إبطال قول
المبطل لمنيع منزلتهما في تجريد الصحيح، ولله الحجة البالغة.
فاعلم، واستمع، وأنت تنفض يديك عن لَوْث التقليد والتزليق، وتَمْسَحُ عينيك عن
قذى العصوبة في نظرك إلى شواهق ذروة التحقيق: أن الحُذَّاق الكبراء من هذا الفن
تكلَّموا في تعيين شروط الشيخين في ((الصحيحين))، على اختلاف كثير، لم يقض وطرًا
عن تعيين تلك الشروط، وآلت كلمتهم إلى أن شرطهما فيهما بَذْلُ جهدهم في التيقظ من
كل وجه في الأسانيد والمتون من حيث ما أمكن لهم من صرف مجهودهما في كونهما
سلطانَيْ سلاطين الصنعة، ولما لم يَبْقَ ريب بإجماع العلماء في تقديم البخاري على
مسلم، ثم مسلم على أهل عصره ومن بعده من أئمة هذا الفن في معرفة الصحيح والعلل،

١٥٢
مقدمة تحفة الأحوذي
فإنهم لا يختلفون أن ابن المدِينيِّ كان أعلم أقرانه بعلل الحديث، وعنه أخذ البخاري
ذلك، ومع ذلك كان ابن المديني إذا بلغه عن البخاري شيء يقول: ما رأى مثل نفسه(١).
وعرض مسلم كتابه على أبي زُرْعَةَ الرازي، فما أشار أن له علةٌ تركه(٢).
قال شيخ الإسلام في ((مقدمة شرح البخاري)) لم يبق سبيلٌ إلى ضبط ما راعياه،
واحتاطاه على مبلغ كمالهما وخبرتهما في دقائق التصحيح والعلل في كتابيهما، وقد ثبت
أنهما أخرجاهما عن ألوف من الصحاح الثابتة عندهما، حتى قال البخاري: أحفظ مائة
ألف حديث صحيح، ومِائتَيْ ألفٍ حديث غير صحيح. وقال مسلم: ليس كل شيء عندي
من الصحيح وضعته هاهنا، وإنما وضعت ما أجمعوا عليه، فدقّقا النظر في الصحيح
عندهما وأخرجا منه اللب، وكل ما به وقع التدقيق فهو شرطهما، فلا يعرف شرطهما إلا
بتصريحهما ولم يصرِّحا، فلا محيص إلى الفوز بشروطهما إلا الإخراجُ عن رجالهما
بأعيانهم، ولهذا قال الإمام النووي وغيره ممن نظر فيما فصَّلنا لك: إن المراد بقولهم:
((على شرط الشيخين)): أن يكون رجال إسناده في كتابيهما .
وعلَّل النووي كلامه هذا بقوله: لأنه ليس لهما شرط في كتابيهما ولا في غيرهما (٣).
انتهى. يعني: لم يصرِّحا به، ولم يوجد الإجماع في عصرهما، ولا فيما بعد ذلك مثلُهُما
في هذا الفن وإمامتِهِ، فلا سبيل إلى إتيان مثل شروطهما في حذاقتهما، من غير الرواية
عن رجالهما بالأعيان، وذلك - أيضًا - برواية غيرهما عنهم - لا يوجب المساواة بهما،
ولا يزول به خصوص أصحية ما فيهما بالنسبة إلى غيرهما، وذلك من وجوه:
الوجه الأول: أن الشيخين لا يكتفيان في التصحيح بمجرَّد حال الراوي في العدالة
والاتصال من غير نظر إلى غيره؛ بل ينظران في حاله مع من رَوَى عنه في كثرة ملازمته له
أو قلتها، أو كونه من بلده ممارسًا لحديثه، أو غريبًا من بلدٍ مَنْ أخذ عنه.
الوجه الثاني : - وهو أدقُّ من الأول -: أنهما يرويان عن أناس ثقات، ضعفوا في
أناس مخصوصين من غير حديثٍ الذين ضُعِّفُوا فيهم، فيجيء عنهم حدِيثُ غَيْرِ مَنْ ضعفوا
(١) أخرجه الخطيب البغدادي في ((تاريخ بغداد)) (٢/ ١٧ - ١٨).
(٢) انظر (تاريخ دمشق)) لابن عساكر (٢٧٢/٥٦).
(٣) انظر ((تدريب الراوي)) (١٢٧/١).

١٥٣
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
فيه برجالٍ كلُّهم في الكتابين أو في أحدهما، فنسبة أنه على شرطهما أو أحدهما غلَطُ،
كأن يقال - في هشيم عن الزهري -: وكل من هشيم والزهري أخرجا له فهو على
شرطهما، فيقال: بل ليس على شرط واحد منهما؛ لأنهما إنما أخرجا لهشيم من غير
حديث الزهري، فإنه - يعني: هشیمًا - ضعف فيه؛ لأنه كان دخل عليه، فأخذ عنه عشرین
حديثًا، فلقيه صاحبٌ له، وهو راجعٌ عنه، فسأله روايتها، وكان ثَم ريحٌ شديدة، فذهبت
بالأوراق من يده، فلقيه الرجل، فصار هشيم يحدث بما علق منها بذهنه، ولم يكن أتقَنَ
حفْظَها، فوهم في أشياء منها ضُعِّفَ في الزهريِّ بسببها، وكذا هَمَّام ضعيف في ابن
جريج، مع أن كلا منهما أخرجا له، لكن لم يخرِّجا له عن ابن جُرَيْج شيئًا، ولهذا قال
ابن الصلاح في ((شرح مسلم)) (١): من حكم لشخص بمجرَّد رواية مسلم عنه في ((صحيحه))
بأنه من شرط الصحيح فقد غفل وأخطأ، بل ذلك يتوقّف على النظر في كيفية رواية مسلم
عنه، وعلی أي وجه اعتمد عليه.
الوجه الثالث: من روى إسنادًا بلفظه من رجالهما، كـ: سماك [عن عكرمة] عن ابن
عباس: فسِماك على شرط مسلم فقط، وعكرمة انفرد به البخاري، فالحق فيه: أنه ليس
على شرطٍ واحد منهما .
الوجه الرابع: قد يُروى عن رجالهما أو أحدهما في حالة اختلاطهم التي ما رَوَيَا
عنهم إلَّا قبلها، كأحمد بن عبد الرحمن ابن أخي عبد الله بن وهب اختلط بعد الخمسين
ومائتين بعد خروج مسلم من مصر، وإنما أخذ عنه قبل ذلك.
الوجه الخامس: أخرج مسلم عن بعض الضعفاء، ولا يضرُّهُ ذلك، فإنه يذكر أولًا
الحديث بأسانيد نظيفة، ويجعله أصلًا، ثم يتبعه بإسناد أو أسانيد فيها بعضُ الضعفاء على
وجه التأكيد والمبالغة، فَمَنْ أَتَى بسند فيه هؤلاء فقد أتَى على رجال مسلم بعينه، وليس
على شرط مسلم.
الوجه السادس: ربَّما يدخل مسلم من حديث غير الأثبات ما رواه الثقات عن
شيوخهم، إلا أنه بسند نازل، فيعمد إلى رواية غيرهم للارتفاع، ولا يضره، کروايته عن
(١) ابن الصلاح في ((صيانة صحيح مسلم)) (ص/ ١٠٠)، ونسبه للنووي في شرحه لصحيح مسلم أولى. انظر ((شرح
مسلم)» للنووي (٢٦/١).

١٥٤
مقدمة تحفة الأحوذي
أسباط بن نصر، وقطن، وأحمد بن عيسى المصري، ولما لامه أبو زرعة على روايته عن
هؤلاء قال له: إنما أدخلت من حديثهم ما رواه الثقات عن شيوخهم، إلا أنه ربما وقع
إِلَيَّ عنهم بارتفاع، ويكون عندي برواية أوثَقَ منهم بنزول، فأقتصر على ذلك(١)، وليس
من الحوامل على ذلك علو السند وحده، بل ربما يوجد محاسن كثيرة في إسناد فيه مبهم
كمروان في بعض أسانيد البخاري، فيعمدون إلى ذكر الحديث بذلك السند بعد الوقوف
عليه من طريق آخر عندهم، ومما يحمل على ذلك إلزام من يعتقد شخصًا وقع في رجال
السند، فيسرد الحاذق الخبير ذلك الإسناد حين البحث مع من يحسن الظن إليه، ومن هذا
القبيل رواية علي بن حسين بن علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنهم - عن مروان بن
الحكم، مع ماله من موبقات الأعمال وشنائع الأفعال، فَعَدَّ من لا خبرة عنده مروان من
مشايخه، وهذا - والله - لجفاء عظيم ليؤاخذ الله سبحانه به الجافي.
والحاصل: أن الحُذَّاق ربما يَرْؤُونَ عن رجال ليسوا على بالةٍ، ولا يضرهم ذلك بما
رزقوا من البصارة في أمرهم على ما رواه النووي عن سفيان، أنه كان يقول: حدثني فلان
وهو كذاب، فقيل له: أنت تروي عنه، وتقول: هو كذاب؟! قال: إني أعرف كذبه من
صدقه(٢) : وهذا الذي بسطنا لك يعطيك أن رواية غير الشيخين عن رجال الشيخين
لا يوجب مساواة مرويه بمرويهما .
وقد أطال صاحب الدراسات - هاهنا - الكلام في عدَّة أوراق، وأجاد فيه ثم قال ما
لفظه: قال - أي: ابن الهمام رحمه الله تعالى - تحكّمَ لا يجوز فيه التقليد؛ إذ الأصحية
ليست إلا لاشتمال رواتهما ... )) إلخ.
أقول: قد مر الجواب عن ذلك ما مَرَّ، وعرفت - إن شاء الله تعالى - وهو غير بعيد،
فراجعه .
قال: ((فإذا فرض وجود تلك الشروط في رواة حديث غير الكتابين .. )) إلخ.
أقول: فرْضُ وجود تلك الشروط في حديث غيرهما مسلّم؛ إذ لم يقم دليل على
الامتناع العقلي، وليس لإثباته محاول، لكن لا يلزم من تسليم فرض الوجود - نفسُ ذلك
(١) أخرجه الخطيب البغدادي بسنده في ((تاريخ بغداد)) (٢٧٢/٤).
(٢) أخرجه الترمذي في ((العلل الصغير)) (ص/ ٧٣٩)، ومن طريقه ابن حبان في ((المجروحين)) (٢٥٦/٢).

١٥٥
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
الوجود، وإنما الكلام في وجود الشروط، وانتفاءُ ذلك في الغير قد بيََّّا دليلَه، فلا مَعْنَى
لکون رجحان ما في «الصحيحين» تحگُّمًا .
قال: ((ثم حكمهما أو أحدهما بأن الراوي المعيَّن المجتمع فيه تلك الشروط مما
يقطع فيه بمطابقة الواقع، فيجوز كون الواقع خلافه)).
أقول: رجحان ما في ((الصحيحين)) في الصحة على غيرهما - وهو المتنازع فيه -
لا يتوقَّف على القطع المذكور، وإنما يكفي فيه غلبة الظن بدليل يُورِثُ ذلك، وقد حكم
الحفاظ المتقنون طبقة بعد طبقة، حتى لم يشذّ منهم واحد بأن الشروط التي توجد من
رواتهما لا توجد في غيرهما وليس حكمهم هذا بمجرَّد حسن الظن إليهما إجمالًا من غير
فحص بليغ عن أحوال الرواة في كمال حذاقة الحفاظ في فن الجرح والتعديل ومعرفة
الأحوال، مما يتعجَّب الناظر في كتب ذلك الفن من جملة الفنون الحديثية، فما زال إلا
عن علم تفصيلي عن طريق تعين لحصوله، ولولا ذلك لما وقع الانتقاد من رواتهما على
من وقع، ومثل هذا عن كل حافظ في الأمة، بل وعن كل فقيه موافق ومخالف أيضًا إلا
عن ابن الهمام وتوابعه، لو لم يورث غلبة الظن، ولم يقم دليلًا على أرجحية ما في
الكتابين على غيرهما لم يثبت في الشريعة المطهرة كثيرٌ مما ثبت من الظن الغالب، بل
لا يثبت أبدًا حديث صحيح، فإن صحة الحديث - بمعنى: الظَّنِّ الغالب في صدق صدوره
عن النبي ◌َّ له* في غير ((الصحيحين))، فإنها فيهما بمعنى القطع عند المحققين، فإن لم يثبت
الظن الغالب بإجماع الحفاظ، فَلأَنْ لَا يثبت بحكم المخرِّج الواحد الإمام في الفنِّ بصحة
سند - كابن خزيمة مثلًا - أولَى، وهذه مفسدة يتعوَّذ منها إلى الله سبحانه، فإنها تسد باب
إثبات الصحة في كلام الرسول وَّه، وأيَّةُ مفسدة أعظمُ؟! فإذا ثبتت غلبة الظن للقريب من
القَطْع بوجود شروط فيهما لا توجد في غيرهما إجمالًا، وإن لم يحصل ذلك تفصيلًا في
كل شرط ادعاه بعض المشايخ وجودَهُ فيهما من غير تصريح من الشيخين ثبت الرجحان
المطلوب في أغلب أحاديث الكتابين إلا الأحرف اليسيرةَ التي عددناها فيما تقدَّم، فلا
تأييد لقوله :
((وقد أخرج مسلم ... )) إلخ، لما أراد تأييده من إثبات التحكم في الحكم برجحان ما
في ((الصحيحين))، على أنه قد مَرَّ من حكم ذلك المنتقد، وأنه مما تُعُقِّبَ الانتقاد فيه،

١٥٦
مقدمة تحفة الأحوذي
وأثبت وجود الشرائط فيها بحكم الجم الغفير من العلماء، بل كلهم غير قائل منهم حكموا
بذلك من غير بصيرة، وقد تقرر عند مَنْ غلب عليه فن الحديث من الحنفية أن التعديل متَى
غلب على الجرح جعل الجرح كأن لم يكن، صرح بذلك الخُوَارزْمِيُّ في مقدمة ((مسند أبي
حنيفة)) .
قال: ((فدار الأمر في الرواة على اجتهاد العلماء فيهم في الشروط .... )) إلخ.
أقول: إن أراد بهذا التفريع تفريعَ دَوَرَانِ كون الرواة مجتمعًا فيهم الشروط على حكمهم،
ويكون تفريعه على قوله: ((فإذا فرض وجود تلك الشروط .... )) إلخ - وإن كان خلاف الظاهر
بالسباق والسياق - فالحكم بهذا الدوران مسلّم، لكن حصل العلم بوقوع الاجتهاد، ووجدانِ
الشروط في ((الصحيحين)) على ما لم يوجَدْ في غيره، فالرجحان ثابت بدليله.
وإن أراد بهذا التفريع تفريع دوران أمر الرواة في وجود شرط دون شرط على
حكمهم، ويكون تفرعه على قوله: ((ثم حكمهما أو أحدهما ... )) إلخ على ما هو الظاهر،
بل المتعين بدليل السياق، وهو قوله: ((حتى إن من اعتبر شرطًا وألغاه الآخر يكون ما
رواه الآخر مما ليس فيه ذلك الشرط - مكافئًا لمعارضة المشتمل على ذلك الشرط، وكذا
فيمن ضعف راويًا ووثقه آخر)). انتهى، فهو وإن سلمنا صحته من حيث إن باختلاف
الاشتراط والإلغاء في شرط يكون الحكم عند كل من المشترط والمُلْغي على ما بَيَّنَ من
الكفاية للمعارضة، لكن لا نسلم أن ذلك مما يثبت التحكم في رجحان الكتابين، وذلك
لأنه ليس الكلام في الترجيح عند المشترط والملغي وحدهما، بل الكلامُ على الترجيح من
الحفاظ الناظرين في شرائط المخرِّج، بل وفي ترجيح الفقهاء المستدلِين على دعاويهم
بأحاديث الصحيحين وأحاديث غيرهما، ولهذا قال ابن الهمام في مبحث الترجيح في
كتابه: ((التحرير)) في عَدِّ ما به ترجيح الحديث: ((وكالمنسوب إلى كتابٍ عُرِفَ بالصحة
على ما لم يلتزمها))(١) . انتهى.
قال الشارح(٢): أي: كترجُح المرويِّ في كتاب عُرِفَ بالصحة، كـ ((الصحيحين))،
على منسوب إلى كتاب لم يلتزم الصحة.
(١) انظر ((التقرير والتحرير)) (٤٠/٣)، و((تيسير التحرير)) (١٦٦/٣).
(٢) هو ابن أمير الحاج كما في ((التقرير والتحرير)) (٤٠/٣).

١٥٧
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
قال: ((فلو أبدى سندًا اعتبر الأصحیة)). انتهى.
قال الشارح: أي: أظهر من يلتزم الصحة سندًا لذلك المرويّ اعتبر الأصحية بينهما
طريقًا، فأيهما فاز بها فاز بالتقديم. انتهى.
وهو صريح في أن الترجيح المتنازع فيه هو ترجيحُ الناظرين في أحاديث كتب
الحديث من الحفاظ والفقهاء، لا الترجيح الواقع بين المخرِّج المشترِطِ لشرْطِ، وبين
الآخر الملغِي لذلك الشرط، وإذا كان كذلك كان الأصحيةُ والرجحانُ عند الحفاظ
والفقهاء بل كلِّ عاقل لما ضُيِّق في شرائطه ودُقِّقَ فيها، فمرويُّ مسلم حيث ألغى اللقاءَ
بعد المعاصرة لا يساوي مروي البخاري مع اشتراطه اللقاء، بل الروايةَ أيضًا، فلو صَحَّ
عنعنة المعاصر عند مسلم - وحده - لمعارضة ما في البخاري مما فيه الرواية عن ذلك
المعاصر، فهو ما لم يقبله الحفاظ والفقهاء قاطبة، ولا يقبله أيضًا كل ذي بُخَّةٍ صادقة؛
ولهذا قدم ((صحيح البخاري)) على ((صحيح مسلم)).
هذا حال ((صحيح مسلم))، فما ظنك بمن لم يتضيَّق على نفسه تضييقه في صحيحه
بالنسبة إلى ((صحيح البخاري))، فهذا الكلام من شيخ الحنفية وإمامهم في تحكّم القول
برجحان ((الصحيحين)) من المحدِّثين والحفاظ مما يتعجَّب منه، والله تعالى أعلم.
قال: ((نعم تسكُنُ نَفْسُ غير المجتهد ومن لم يختبر أمر الراوي بنفسه إلى ما اجتمع
عليه الأكثر، وأما المجتهد في اعتبار الشرط .... )) إلخ.
أقول: لا نسلم أن المختبر الممتحن لحال الراوي ليس ممن تسكن نفسه إلى ما اجتمع
عليه الأكثرون، لا يحكم على ما حكموا عليه من اجتماع الأمَّة على عدالة رواة
الصحيحين، ولا يرجع إلا إلى ما اختبره بنفسه، فيقدِّم حديث الراوي الذي اختبره بنفسه
على حديث الراوي المجتمع على اختباره وامتحانه أُلُوفٌ من جهابذة فَنِّ الجرح والتعديل؛
لأن اختبار الواحد - وإن كان إمامًا في الفن - لا يعدل اختبار آلاف من أئمته، وليس من
ضرورة اختباره بنفسه ألَّا يرى لاختبار الأمة فضلًا على اختباره، وهذا ظاهر لا سترة به،
فالمختبر في ترجيح ما اجتمع عليه الأكثر كالعامي الغير المختبر، فكل من علم أن حقَّاظ
الأمة اختبروا أمر رواة ((الصحيحين)) وامتحنوهم يرجّح حديثهما على حديث غيرهما، وإن
اختبر فيه أمر رواته بنفسه، فرجحان ((الصحيحين)) عنده متحِّم من غير تحكّم.

١٥٨
مقدمة تحفة الأحوذي
وأما المجتهد في اعتبار الشرط وعدمه، فيلزم عليه رجحان ما هو أضيقُ شرطًا في
الواقع؛ لكونه أحوط وأقرب إلى الصدق والصواب، وليس كتابٌ أضيقُ في الشروط على
وجه الأرض من ((الصحيحين))، فإن أنصف المجتهد في الشروط لا يرجع إلى رأي نفسه
بإلغاء الشروط إلى ما هو أكثر شروطًا وأضيق، فيقبل حديثه ويقدِّمه على حديث ليس فيه
تلك الشروط، وإن ألغاها باجتهاده ورأيه فيها .
وأيضًا: ما اجتهد الشيخان فيه من الشروط ورأياه رآه أكثر المجتهدين في الشروط،
فيتقوَّى لا محالة عند الملغي رأيهما، كما أن مجتهدًا في فرع إذا رأَى مائة مجتهد يقولون
بخلافة يتقوَّى عنده القول المخالف له إن أنصف، فإن لكثرة الظنون تأثيرًا في الإصابة،
بصريح النصِّ من رسول الله وَّة، فرجحان ((الصحيحين)) على غيرهما ليس بتحكّم عند من
يُلْغِي كثيرًا مما اشترطا أيضًا. انتهى ما في ((الدراسات)).
وقال العلامة سلام الله الحنفيُّ في مقدمة ((المحلَّى شرح الموطأ)) بعد نقل كلام ابن
الهمام المذكور ما لفظه ويمكن أن يجاب بأن للشيخين مزيةً على غيرهما في معرفة علل
الحديث وملازمة الرواة لمن رَووْا عنه وعدمها، وكونِهِمْ من بلد واحد أو بلدین، فقد
يكون حديث برجال كلَّهم في الكتابين أو أحدهما مع كونه ضعيفًا، فقد يكون الراوي ثقة
مع كونه ضعيفًا في الرواية عن أناس ثقات مخصوصين، مثاله عن هُشَيْم عن الزهري،
أخرجا له من أن هُشَيْمًا ضعيفٌ في الزهريِّ؛ لأنه كان رحل إليه، فأخذ عنه عشرين
حديثًا، فهبت ريح شديدة فذهبت بالأوراق فصار هُشَيْم يحدِّث مما عَلِقَ منها بذهنه، ولم
يكن أتقن حفظها، فوهم في أشياء منها، وضُعِّف في الزهريِّ بسببها، وكذا همام ضعيفٌ
في ابن جريج، مع أن كُلَّ منهما أخرجا له، لكن لم يخرجا له عن ابن جريج شيئًا. انتهى
کلا مه .

١٥٩
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
الْفَصْلُ الثَّانِي والْعِشْرُونَ: في ذِكْرِ الكُتُبِ الصِّحَاحِ
الَّتِي هِيَ غَيْرُ الصِّحَاحِ السَّتَّةِ
وهي عدة كتب، ومنها :
((صحيحُ ابنٍ خُزَيْمَةَ))، وهو: الحافظ الكبير، إمام الأئمة، شيخ الإسلام، أبو بكر
محمد بن إسحاق بن خُزَيْمَةَ بن المغيرة بن صالح بن بكر السلمي النيسابوري، قال الذهبي
في ((التذكرة))(١) ولد سنة ٢٢٣ ثلاث وعشرين ومائتين، وعني بهذا الشأن في الحداثة،
وسمع من إسحاق بن راهويه، ومحمد بن حميد، ولم يحدث عنهما لصغره، ونقص إتقانه
إذ ذاك، وسمع من محمود بن غيلان، وعتبة بن عبد الله اليحمدي المروزي، ومحمد بن
أبان المستملي، وإسحاق بن موسى الخطمي، وعلي بن حجر، وأحمد بن منيع،
وأبي قدامة السرخسي، وبشر بن معاذ، وأبي كريب، وعبد الجبار بن العلاء، وطبقتهم،
فأكثر وجَوَّد وصنف واشتهر اسمه، وانتهت إليه الإمامة والحفظ في عصره بخراسان.
حدث عنه الشيخان خارجَ ((صحيحيهما))، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم أحَدُ
شيوخه، وأحمد بن المبارك المستملي، وإبراهيم بن أبي طالب، وأبو علي النيسابوري،
وإسحاق بن سعيد النسوي، وأبو عمرو بن حمدان، وأبو حامد أحمد بن محمد بن
بالويه، وأبو بكر أحمد بن مهران المقرئ، ومحمد بن أحمد بن بصير، وحفيده محمد بن
الفضل بن محمد، وخلق لا يحصون.
قال أبو عثمان الحيري: حدثنا ابن خزيمة، قال: كنت إذا أردتُ أن أصنف الشيء
دخلت في الصلاة مستخيرًا، حتى يقع لي فيها، ثم قال أبو عثمان الزاهد: إن الله لَيَدْفَعُ
البلاء عن أهل نيسابور بابن خُزَيْمَةَ، وقال أبو بكر محمد بن جعفر: سمعت ابن خزيمة،
وسئل: مِنْ أين أُوتِيتَ هذا العلم؟! فقال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ
لَهُ)) (٢)، وإني لما شربت ماء زمزم سألت الله علمًا نافعًا، وقال أبو علي النيسابوري: كان
ابن خزيمة يحفظ الفقهيَّات من حديثه، كما يحفظ القارئ السورة، قال الذهبي(٣): هذا
(١) الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (٧٢١/٢).
(٢) صحيح أخرجه أحمد (١٤٤٣٥)، وابن ماجه، كتاب المناسك، حديث (٣٠٦٢).
(٣) الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (٧٢٣/٢).

١٦٠
مقدمة تحفة الأحوذي
الإمام كان فريدَ عَصْرِهِ، فأخبرني الحسن بن علي، أنبأنا ابن الليثي، أنبأنا أبو الوقت،
أنبأنا أبو إسماعيل الأنصاري، أنبأنا عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن صالح، أنبأنا
أبي، أنبأنا أبو حاتم محمد بن حبان التميمي، قال: ما رأيت على وجه الأرض من
يحسن صناعة السُّنَنِ، ويحفظ ألفاظها الصِّحَّاحَ وزياداتِهَا، حتَّى كأن السنن بين عينيه، إلا
محمَّدَ بن إسحاق بن خُزَيْمَةَ فَقَطْ .
وقال الحاكم في كتاب ((علوم الحديث))(١): فضائل ابن خزيمة مجموعة عندي في
أوراق كثيرة، ومصنفاته تزيد على مائة وأربعين كتابًا سوى المسائل، والمسائل المصنفة
مائة جزء، وله ((فقه حديث بَرِيرَةً)) في ثلاثة أجزاء، قال الذهبي: قد استوعب الحاكم سيرة
ابن خزيمة وأحواله، وساق أنه عمل دعوة عديمة النظير في بُستانٍ خرج إليه، يمر في
أسواق نيسابور، ويعزم على الناس، ويبادرون معه فرحين مسرورين، حاملين ما أمكنهم
من الشواء والحلوى والطيبات، حتى لم يتركوا في المدينة شيئًا من ذلك، واجتمع عَالَمٌ
لا يُحْصَوْنَ، وهذه دعوة لم يتهيأ مثلها إلا لسلطان، وكانت وفاته في ثاني ذي القعدة سنة
٣١١ إحدى عشرة وثلاثمائة، وهو في تسع وثمانين سنة.
ومنها: (صحيح ابن حبَّان))، وهو: الحافظ العلّامة أبو حاتم محمد بن حِبَّان بن
أحمد بن حِبّان بن معاذ التميميُّ البُسْتِيُّ، صاحب التصانيف، سمع الحسين بن إدريس
الهروي، وأبا خليفة الجمحي، وأبا عبد الرحمن النسائي، وعمران بن موسى بن مجاشع،
والحسن بن سفيان، وأبا يعلى الموصلي، وأحمد بن الحسن الصوفي، وجعفر بن أحمد
الدمشقي، وأبا بكر بن خزيمة، وأُمَمًا لا يحصون من مصر إلى خراسان، حدث عنه
الحاكم، ومنصور، وعبد الله الخالدي، وأبو معاذ عبد الرحمن بن محمد بن رزق الله،
وأبو الحسن محمد بن أحمد بن عبدون الروزني، ومحمد بن أحمد بن منصور البوقاني،
وخلق، قال أبو سعد الإدريسي(٢): كان على قضاء سمرقند زمانًا، وكان من فقهاء الدين
وحفاظ الآثار، عالمًا بالطب والنجوم وفنون العلم، صنف ((المسند الصحيح)) و((التاريخ))،
و ((كتاب الضعفاء))، و((فقه الناس))، بسمرقند.
(١) الحاكم في ((علوم الحديث)) (ص/ ٨٣).
(٢) أخرجه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢٥١/٥٢).