Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً فِي مَهْمهٍ بَلْفَعِ مَا فِيهِ مُرْتَفَقُ نَأَوْا عَنِ الحَقِّ بالأوْهَامِ وانطلقُوا أَعِرْهُمْ أُذُنّا صَمَّا إِذا نَطَقُوا وَجَادِلُوا بِأَبَاطِيلٍ بِهَا مَرَقُوا وَكُنْ إِذَا سَألُوا تُعْزِى إِلَى خَرَسِ فَهْوَ السَّحَابُ وَلكِنْ مَا بِهِ مَطَرُ وابْعُدْ عَنِ الرَّأيِ بُعْدَا يَعْدُكَ الخَطَرُ مَا العِلْمُ إلَّا كِتَابُ اللهِ أوْ أَثَرُ الرَّأَيُّ أَغْصانُ سِدْرٍ ما بِهَا ثَمَرُ يَجْلُو بِنُورِ سَنَاهُ كُلَّ مُلْتَبِسٍ لَمْ يَنا عَنْهُ سِوَى ذِي الغَيِّ وَالهَوَسِ إِنَّ الحَدِيثَ زُلَالٌ خَيْرُ مُنْبَجِسٍ نُورٌ لِمُقْتَبِسٍ خَيْرٌ لمُلْتَمِسٍ فاعمل پِهِ لَا تَكُنْ عَنهُ پِمنخَیِس حِمىّ لِمُخْتَرِسٍ نُعْمَى لِمُبْتَئِسِ خَيْرُ القُرُونِ وَجَدُّوا فِي اطّلابِهِما وَإِنَّ للدِّينِ أَصْلَيْنِ اعتَنى بِهما فاعكُفْ بِبَابِهِما على طِلَابِهِما یا وَيْلَ مَنْ [قد] جَرَى عَلی اجْتِنابِھما تَمْحُو العَمى بِهِما عن كُلِّ مُلْتَمسٍ وَلَا تَمَلَّنَّ يَوْمًا مِن عِرَاضِهِما وَدَعْ فَرِيقًا جَرَوْا على نِقاضِهِما وَرِدْ بِقَلْبِكَ عَذْبًا مِنْ حِيَاضِهِما وسَرِّحِ الطَّرْفَ وارْتَعْ فِي رِیَاضِهِما تَغِلْ بماءِ الهُدى ما فِيهِ مِنْ دَنَسٍ فَذَاكَ جَهْلٌ عَظِيمٌ فِي الصُّدُورِ كَمَنْ لَا تَرْكَنَنَّ لِتَقْلِيدٍ بِأَيِّ زَمَنْ وَاقْفُ النَّبِيّ وَأَتْبَاعَ النَّبيِّ تَكْنِ إِنَّ المُقَلِّدَ بَيْتَ العنكبوتِ سَكنْ مِن هَذْبِهِم أَبَدًا تَدْنُو إِلَى قَبَسٍ وَاحْذَرْ فِدَيْتُكَ يَومًا أن تُعاكِسَهُمْ شُدَّ الرِّحَالَ إِلَيْهِمْ كَيْ تُجالِسَهُم وَالزَمْ مَجَالسَهُمْ وَاحْفَظْ مُجَالِسَهُمْ لا تَحسُدَنْهُمْ وَلكِنْ كِنْ مُنافِسَهُمْ وانْدُبْ مَدَارِسَهُمْ بِالأرْبُعِ الدُّرُسِ وَكُن مُجَالِسَهُمْ تَشْرَبْ رَحِيقَهُمُ واطْلُبْ مَوَدَّتَهُمْ وَكُنْ صَدِيقَهُمُ وَاسْلُكْ طَرِيقَهُمُ وَاتْبَعْ فَرِيقَهُمُ وَقِّرُهُمُ كُلَّهُمْ وَاعْرِفْ حُقُوقَهُمُ ٤٢ مقدمة تحفة الأحوذي تَكْن رَفِيقَهُمُ فِي حضرَةِ القُدُسِ كَفِيلَةٌ للتُّفُوسِ بِاسْتِراحَتِها هِيَ الشَّرِيعَةُ فانظُرْ فِي سَمَاحَتِها تِلْكَ السَّعَادةُ إِن تَلْمُمْ بِسَاحَتِها في حَظْرِها حِكْمَةٌ وَفِي إِيَاحَتِها فَحُظَّ رَحْلَكَ قَدْ عوفيتَ مِن تَعَسٍ وقال بعض علماء الهند: [من الطويل] أيا عُلَماءَ الهِنْدِ طالَ بقاؤُكُمْ رَجَوْتُمْ بِعِلْمِ العَقْلِ فَوْز سعادةٍ فَلا فِي تصانيفِ الأثيرِ هدايةٌ وَلا طَلَعَتْ شَمْسُ الهُدى من مطَالعٍ ولا كَان شَرُْ الصَّدر للصَّدْرِ شارِحًا وَبَازِغَةٌ لَا ضوءَ فيها إذا بَدَتْ وَسُلَّمُكُمْ مِمَّا يُفِيدُ تَسَقُّلًا فَمَا عِلْمُكُمْ يَوْمَ المَعادِ بِنَافِعٍ أخَذْتُمْ عُلُومَ الكُفْرِ شَرْعًا كَأَنَّما مَرِضْتُمْ فَزِدْتُمْ عِلَّةً فَوْقَ عِلَّةٍ صِحَاحُ حَدِيثِ المُصْطَفَى وَحِسَانُهُ وَزَالَ بِفَضْلِ اللهِ عَنْكُمْ بَلاؤُكُمْ وَأخشى علَيْكُمْ أن يَخِيبَ رَجَاؤكُمْ وَلا فِي إِشَاراتِ ابْنِ سِيئًا شِفَاؤُكُم فأورَاقُها دَیْجُورُكُمْ لَا ضِيَاؤكُمْ بَلِ ازدادَ مِنْهُ في الصُّدُورِ صدَائكُمْ وَأَظْلَمُ مِنها كاللَّيالِي ذَكَاؤُكُمْ ولَيْسَ بِهِ نَحْوَ العَلِيِّ ارْتِقاؤُكُمْ فَيَا وَيْلَتى مَاذا يَكُونُ جَزَاؤُكُمْ؟! فَلَاسِفَةُ الهُونَانِ هُمْ أَنْبيَاؤكُمْ! تَدّاوُوا بِعِلْمِ الشَّرِعِ فَهْوَ دَواؤكُم شِفاءٌ عَجيبٌ فَلْيَزُلْ مِنْهُ دَاؤُكُمْ الفَصْلُ الثَّالِثُ: فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِتَدْوِينِ الحَدِيثِ اعلم - علَّمني الله وإياك - أن آثار النبي ◌َِّ لم تكن في عصر أصحابه وتَبَعِهم مدونةً في الجوامع ولا مرتبةً؛ لأمرين: أحدهما : أنهم كانوا - في ابتداء الحال - قد نهوا عن ذلك، كما ثبت في ((صحيح مسلم))(١) خشية أن يختلط بعض ذلك بالقرآن العظيم. (١) أخرج مسلم في (صحيحه)) (٣٠٠٤) من حديث أبي سعيد مرفوعًا: ((لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه». ٤٣ الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً وثانيهما: لسعة حفظهم، وسيلان أذهانهم، ولأن أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة، ثم حدث في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار، وتبويبُ الأخبار؛ لما انتشر العلماء بالأمصار، وكثر الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار. فأوّل من جمع ذلك: الربيع بن صُبَيْحِ، وسعيدُ بن أبي عَرُوبَةَ، وغيرهما، فكانوا يصنفون كل باب على حدة، إلى أن قام كبار أهل الطبقة الثالثة في منتصف القرن الثاني، فدونوا الأحكام: فصنف الإمام مالك ((الموطأ))، وتوخى فيه القَوِيَّ من حديث أهل الحجاز، ومزجه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصَنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثوري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة، وَهُشَيْم بواسط، ومَعْمَرٌ باليمن، وابن مبارك بخراسان، وجَرِيرُ بن عبد الحميد بالري، وكان هؤلاء في عصر واحد، فلا يُدرى أيهم سبق . ثم تلاهم كثير من أهل عصرهم في النسج على منوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يفرد حديث النبي ◌َّ ف خاصة، وذلك على رأس المائتين، فصنفوا المسانيد. فصنف عبيد الله بن موسى العبسي الكوفي مسندًا، وصنف مسدَّد بن مسرهد البصري مسندًا، وصنف أسد بن موسى الأموي مسندًا، وصنف نعيم بن حماد الخزاعي نزيل مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أثرهم، فقلّ إمام من الحفاظ إلا وصنَّف حديثه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء. ومنهم مَنْ صنف على الأبواب وعلى المسانيد معًا، كأبي بكر بن أبي شيبة. كذا في مقدمة ((فتح الباري))(١). وقال الحافظ ابن الأثير الجزري في مقدمة ((جامع الأصول)) (٢) لما انتشر الإسلام، (١) للحافظ ابن حجر (ص/٦). (٢) (٤٠/١ - ٤٢). ٤٤ مقدمة تحفة الأحوذي واتسعت البلاد، وتفرقت الصحابة في الأقطار، وكثرت الفتوح، ومات معظم الصحابة، وتفرق أصحابهم وأتباعهم، وقل الضبط احتاج العلماء إلى تدوين الحديث، وتقييده بالكتابة، ولعمري إنها الأصل، فإن الخاطر يغفل، والذهن يغيب، والذكر يهمل، والقلم يحفظ ولا ينسى، فانتهى الأمر إلى زمان جماعة من الأئمة؛ مثل: عبد الملك بن جُرَيْج، ومالك بن أنس، وغيرهما ممن كان في عصرهما، فدوّنوا الحديث، حتى قيل: إن أول كتاب صنف في الإسلام كتاب ابن جُرَيْج، وقيل: ((موطأ مالك))، وقيل: أول من صنف وبوب ابن جريج والربيع بن صُبَيْح بالبصرة، ثم انتشر جمع الحديث وتدوينه وسَطْره في الأجزاء والكتب، وكثُر ذلك، وعظم نفعه إلى زمن الإمامين أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاريِّ وأبي الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري، فدوَّنا كتابيهما وفعلا ما الله مجازيهما عليه من نصح المسلمين والاهتمام بأمور الدين، وأثبتا في كتابيهما من الأحاديث ما قطعا بصحته، وثبت عندهما نقله، وسمَّيا كتابيهما ((الصحيحَ)) من الحديث، وأطلقا هذا الاسم عليهما، وهما أول من سمى كتابه بذلك، ولقد صدقا فيما قالا، وبَرًّا فيما زعما؛ ولذلك رزقهما الله حسن القَبُول في شرق الأرض وغربها، وبَرِّهَا وبَحْرِها، والتصديق لقولهما، والانقياد لسماع كتابيهما، وهو ظاهر مستغن عن البيان، وما ذلك إلا لصدق النية، وخلوص الطوية، وصحة ما أودعا كتابيهما من الأحاديث. ثُم ازداد انتشار هذا النوع من التصنيف والجمع والتأليف، وكثر في أيدي المسلمين وبلادهم، وتفرقت أغراض الناس، وتنوعت مقاصدهم، إلى أن انقرض ذلك العصر الذي كانا فيه حميدًا، وعن جماعة من الأئمة والعلماء قد جمعوا وألفوا، مثل: أبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي، وأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، وأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النّسائي، وغيرِهِمْ من العلماء الذين لا يُحصون كثرة، وكأنَّ ذلك العصر خلاصة العصور في تحصيل هذا العلم وإليه المنتهى، ثم من بعده نقص هذا الطلب، وقل ذلك الحرص، وفترت تلك الهمم، وكذلك كل نوع من أنواع العلوم والصنائع والدول وغيرها، فإنه يبتدئ قليلًا قليلًا، ولا يزال ينمى ويزيد ويعظم إلى أن يصل إلى غاية هي منتهاه، ويبلغَ إلى أمد أقصاه، فكأنَّ غايَةَ هذا العلم إلى زمان البخاري ومسلم ومن كان في عصرهما من علماء الحديث، ثم نزل وتقاصر إلى زماننا هذا، وسيزداد تقاصر الهمم قصورًا. انتهى. ٤٥ الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث و کتبه وأهله عموماً وقال الحافظ الذهبيُّ في ((تذكرة الحفاظ))(١) - بعد ذكر الطبقة الرابعة من الحفاظ -: وفي عصر هذه الطبقة تحولت دولة الإسلام من بني أمية إلى بني العباس في عام اثنين وثلاثين ومائة، فجرى بسبب ذلك التحول سيول من الدماء، وذهب تحت السيف عَالَمٌ لا يحصيهم إلَّ الله، بخراسان، والعراق، والجزيرة، والشام، وفعلت العساكر الخراسانية الذين هم المسوّدة كلَّ قبيح، فلا حول ولا قوة إلا بالله، قال: وفي هذا الزمان ظهر بالبصرة عمرو بن عُبَيْد العابد، وواصل بن عطاء الغَزَّال، وَدَعَوا النَّاس إلى الاعتزال والقول بالقدر، وظهر بخراسان الجَهْمُ بن صفوان، ودعا إلى تعطيل الرب عز وجل، وَخَلْقِ القرآن، وظهر بخراسان - في قبالته - مقاتل بن سليمان المفسِّر، وبالغ في إثبات الصفات حتى جسم، وقام على هؤلاء علماء التابعين وأئمة السلف، وحذروا من بدعهم، وشرع الكبار في تدوين السنن، وتأليف الفروع، وتصنيف العربية، ثم كثر ذلك في أيام الرشيد، وكثرت التصانيف وأَلَّفُوا في اللغات، وأخذ حفظ العلماء ينقص، ودونت الكتب واتَّكلوا عليها، وإنما كان قبل ذلك علم الصحابة والتابعين في الصدور، فهي كانت خزائن العلم لهم. انتھی. وقال صاحبُ ((الكَشْفِ))(٢) قال الحافظ ابن الأثير الجزريُّ في ((جامع الأصول)): وأما مبدأ جمع الحديث وتأليفه وانتشاره، فإنه لما كان من أصول الفروض وجب الاعتناء به، والاهتمام بضبطه وحفظه، ولذلك يسر الله سبحانه وتعالى للعلماء الثقات الذين حفظوا قوانینه، وأحاطوا فيه، فتناقلوه کابرًا عن كابر، وأوصله كما سمعه أول إلى آخر، وحيبه الله تعالى إليهم لحكمة حفظ دينه وحراسة شريعته. فما زال هذا العلم من عهد الرسول عليه الصلاة والسلام أشرف العلوم وأجلها لدى الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، خلفًا بعد سلف، لا يشرف بينهم أحد بعد حفظ كتاب الله سبحانه وتعالى إلا بقدر ما يحفظ منه، ولا يعظم في النفوس إلا بحسب ما يسمع من الحديث عنه، فتوفرت الرغبات فيه، فما زال لهم من لدن رسول الله وَل﴿ إلى أن انعطفت الههم على تعلمه، حتَّى لقد كان أحدهم يرحل المراحل، ويقطع الفيافي والمفاوز، ويجوب البلاد شرقًا وغربًا في طلب حديث واحد ليسمعه من راويه فمنهم: من يكون الباعث له على الرحلة طَلَبَ ذلك الحديث لذاته. (١) (١٥٨/١). (٢) حاجي خليفة في ((كشف الظنون)) (١/ ٦٣٦). ٤٦ مقدمة تحفة الأحوذي ومنهم: من يقرن بتلك الرغبة سماعه من ذلك الراوي بعينه، إما لثقته في نفسه، وإما لعلو إسناده، فانبعثت العزائم إلى تحصيله، وكان اعتمادهم أولًا على الحفظ والضبط في القلوب، غير ملتفتين إلى ما يكتبونه، محافظةً على هذا العلم، كحفظهم كتاب الله سبحانه وتعالى. فلما انتشر الإسلام، واتسعت البلاد، وتفرقت الصحابة في الأقطار، ومات معظمهم، وقلَّ الضبطُ احتاج العلماء إلى تدوين الحديث، وتقييده بالكتابة. ولعمري إنها الأصل، فإن الخاطر يغفل، والقلم يحفظ، فانتهى الأمر إلى زمن جماعة من الأئمة، مثل: عبد الملك بن جُرَيْج، ومالك بن أنس، وغيرهما، فدونوا الحديث، حتَّى قيل: إن أول كتاب صنف في الإسلام كتاب ابن جُرَيْج، وقيل: ((موطأ مالك بن أنس))، وقيل: إن أول من صنف وبوّب الربيع بن صُبَيْح بالبصرة، ثم انتشر جمع الحديث وتدوينه وتسطيره في الأجزاء والكتب، وكثر ذلك وعَظُم نفعه إلى زمن الإمامين: أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وأبي الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري، فدونا كتابيهما وأثبتا فيهما من الأحاديث ما قطعا بصحته وثبت عندهما نقله، وسُمِّيَا الصحيحين من الحديث، ولقد صدقا فيما قالا، والله مجازيهما عليه، ولذلك رزقهما الله تعالى حُسْن القبول شرقًا وغربًا(١). ثم ازداد انتشار هذا النوع من التصنيف، وكثر في الأيدي وتفرقت أغراض الناس، وتنوعت مقاصدهم، إلى أن انقرض ذلك العصر الذي قد جمعوا وألَّفوا فيه، مثل: أبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي، ومثل: أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، وأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النَّسَائي، وغيرهم، فكان ذلك العصر خُلاصَةَ العصور في تحصيل هذا العلم وإليه المنتهى. ثم نقص ذلك الطلب، وقل الحرص وفترت الهمم، فكذلك كل نوع من أنواع العلوم والصنائع والدول وغيرها، فإنه يبتدىء قليلاً قليلاً، ولا يزال ينمو ويزيد، إلى أن يصل إلى غاية هي منتهاه ثم يعود. وكانت غاية هذا العلم انتهَتْ إلى البخاريِّ ومسلم ومن كان في عصرهما، ثم نزل (١) انظر ((الحطة)) القنوجي (ص/ ٦٠). ٤٧ الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً وتقاصر إلى ما شاء الله، ثم إن هذا العلم - على شرفه وعلو منزلته - كان علمًا عزيزًا مشكِلَ اللفظ والمعنى؛ ولذلك كان الناس في تصانيفهم مختلفي الأغراض. فمنهم: من قصر همته على تدوين الحديث مطلقًا؛ ليحفظ لفظه، ويستنبط منه الحكم، كما فعله عبيد الله بن موسى العبسي، وأبو داود الطيالسي، وغيرُهُما أولًا، وثانيًا أحمد بن حنبل ومن بعده، فإنهم أثبتوا الأحاديث في مسانيد رواتها، فيذكرون مسند أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه - مثلاً - ويثبتون فيه كل ما رَوَوْهُ عنه، ثم يذكرون بعده الصحابة واحدًا بعد واحد على هذا النسق. ومنهم: من يثبت الأحاديث في الأماكن التي هي دليل عليها، فيضعون لكل حديث بابًا يختص به، فإن كان في معنى الصلاة ذكروه في باب الصلاة، وإن كان في معنى الزكاة ذكروه فيها، كما فعل مالك في ((الموطأ))، إلا أنه لقلة ما فيه من الأحاديث قلَّتْ أبوابه، ثم اقتدى به من بعده، فلما انتهى الأمر إلى زمن البخاريِّ ومسلم، وكثرت الأحاديث المودعة في كتابيهما كثرت أبوابهما، واقتدى بهما من جاء بعدهما، وهذا النوع أسهل مطلبًا من الأول؛ لأن الإنسان قد يعرف المعنى الذي يطلب الحديث لأجله وإن لم يعرف راويه، بل ربما لا يحتاج إلى معرفة راويه، فإذا أراد حديثًا يتعلق بالصلاة طلبه من كتاب الصلاة؛ لأن الحديث إذا أُورِدَ في كتاب الصلاة عَلِمَ الناظر أن ذلك الحديث هو دليل ذلك الحكم، فلا يحتاج أن يفكر فيه، بخلاف الأول. ومنهم: من استخرج أحاديث تتضمّن ألفاظًا لغوية ومعاني مشكلة، فوضع لها كتابًا قصره على ذِكْرٍ متن الحديث، وشرح غريبه، وإعرابه، ومعناه، ولم يتعرض لذكر الأحكام، كما فعل أبو عُبَيْدٍ القاسم بن سلام، وأبو محمد عبد اللهِ بن مسلم بن قتيبة، وغیرُهُما . ومنهم: من أضاف إلى هذا الاختيار ذِكْرَ الأحكام، وآراءِ الفقهاء، مثل أبي سليمان حمد بن محمد الخطابي في ((معالم السنن))، و((أعلام السنن))، وغيرُه من العلماء. ومنهم: من قصد ذكر الغريب دون متن الحديث، واستخرج الكلمات الغريبة ودوَّنها ورتَبها وشرحها، كما فعل أبو عبيد أحمد بن محمد الهرويُّ، وغيرُه من العلماء(١). (١) انظر ((كشف الظنون)) (٦٣٨/١)، و((الحطة)) (ص/ ٦٣). ٤٨ مقدمة تحفة الأحوذي ومنهم: من قصد إلى استخراج أحاديث تَرْغيبًا وترهيبًا، وأحاديث تتضمَّن أحكامًا شرعيةً غير جامعة، فدوَّنها، وأخرج متونها وَحْدها، كما فعله أبو محمد الحسين بن مسعود البغويُّ في ((المصابيح))، وغَيْرُ هؤلاء. ولما كان أولئك الأعلام هم السابقون فيه لم يأت صنيعهم على أكمل الأوضاع، فإن غرضهم كان أولًا حِفْظَ الحديث مطلقًا، وإثباتَهُ، وَفْعَ الكذب عنه، والنَّظَرَ في طرقه، وحفظَ رجاله، وتزكيتَهُمْ، واعتبارَ أحوالهم، والتفتيشَ عن دخائل أمورهم، حتى قدحوا وجرحوا، وعدلوا، وأخذوا وتركوا - هذا بعد الاحتياط والضبط والتدبر - فكان هذا مقصِدَهُم الأكبر، وغرضهم الأوفى، ولم يتسع الزمان لهم والعمر لأكثر من هذا الغرض الأعم، والمهم الأعظم، ولا رأوا في أيامهم أن يشتغلوا بغيره من لوازم هذا الفن التي هي كالتوابع، بل ولا يجوز لهم ذلك، فإن الواجب - أولًا - إثبات الذات، ثم ترتيبُ الصفات، والأصل إنما هو عين الحديث، ثم ترتيبه وتحسينُ وضعه، ففعلوا ما هو الغرض المتعيِّن، واخترمتهم المنايا قبل الفراغ والتَّخلِّي لما فعله التابعون لهم، والمقتدون بهم، فتعبوا لراحة مَنْ بعدهم، ثم جاء الخلف الصالح فأحبوا أن يظهروا تلك الفضيلة، ويشيعوا تلك العلوم التي أفنوا أعمارهم في جمعها، إما بإبداع ترتيب، أو بزيادة تهذيب، أو اختصارٍ وتقريب، أو استنباط حُكْمٍ وشرح غريب. فمن هؤلاء المتأخرين مَنْ جمع بين كتب الأولين بنوع من التصرف والاختصار، کمن جمع بین کتابي البخاري ومسلم، مثل: أبي بكر أحمد بن محمد الرقاني، وأبي مسعود إبراهيم بن محمد بن عبيد الدمشقي، وأبي عبد الله محمد الحُمَيْدِي، فإنهم رتبوا على المسانيد دون الأبواب، كما سبق ذكره، وتلاهم أبو الحسن رَزِينُ بن معاوية العبدريُّ، فجمع بين كتب ((البخاري))، و((مسلم))، و((الموطأ لمالك))، و((جامع الترمذي))، و((سنن أبي داود))، و((النسائي))، ورتب على الأبواب، إلا أن هؤلاء أودعوا متون الحديث عاريةً من الشرح، وكان كتاب رَزِينٍ أكبرها وأعمها، حيث حوى هذه الكتب الستة التي هي أم كتب الحديث وأشهرها، وبأحاديثها أخذ العلماء، واستدل الفقهاء، وأثبتوا الأحكام، ومصنّفوها أشهر علماء الحديث وأكثرهم حفظًا، وإليهم المنتهى(١). (١) انظر ((الحطة)) للقنوجي (ص/ ٦٤). ٤٩ الباب الأول: فیما يتعلق بعلم الحدیث و کتبه وأهله عموماً وتلاه الإمام أبو السعادات مبارك بن محمد بن الأثير الجزري، فجمع بین کتاب رَزِینٍ وبين الأصول الستة بتهذيبه، وترتيب أبوابه، وتسهيل مطلبه، وشرح غريبه في ((جامع الأصول»، فکان أجمع ما جمع فيه. ثم جاء الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السّيُوطي، فجمع بين الكتب الستة والمسانيد العشرة وغيرها في ((جمع الجوامع))، فكان أعظم بكثير من ((جامع الأصول)) من جهة المتون؛ إلا أنه لم يبال بما صنع فيه من جمع الأحاديث الضعيفة، بل الموضوعة، وكان أول ما بدأ به هؤلاء المتأخرون أنهم حذفوا الأسانيد؛ اكتفاء بذكر من روى الحديث من الصحابيِّ إن كان خبرًا، وبذكر من يرويه عن الصحابي إن كان أثرًا، والرمز إلى المخرِّج؛ لأن الغرض من ذكر الأسانيد كان - أولًا - لإثبات الحديث وتصحيحه، وهذه كانت وظيفةَ الأولين، وقد كُفُوا تلك المؤنة، فلا حاجة بهم إلى ذكر ما فَرَغُوا منه، ووضعوا لأصحاب الكتب الستة علامَةً ورمزًا بالحروف. فجعلوا للبخاري: (خ)؛ لأن نسبته إلى بلدِهِ أُشهرُ من اسمه و کنیته، وليس في حروف باقي الأسماء خاء. ولمسلم: (م)؛ لأن اسمه أشهر من نسبه وکنیته. ولمالك: (ط)؛ لأن اشتهار كتابه بـ ((المُوَظَأ)) أكثر، ولأن الميم أول حروف اسمه، وقد أعطوها مسلمًا، وباقي حروفه مشبهة بغيرها . وللترمذي: (ت)؛ لأن اشتهاره بنَسِهِ أكثر. ولأبي داود: (د)؛ لأن كنيته أشهر من اسمه ونَسَبِهِ، والدال أشهر حروفها وأبعدها من الاشتباه. وللنَّسَائي: (س)؛ لأن نسبه أشهر من اسمه وكنيته، والسين أشهر حروف نسبه. وكذلك وضعوا لأصحاب المسانيد بالإفراد والتركيب، كما هو مسطور في الجوامع، ثم إن أحوال نقلة الحديث في عصر الصحابة والتابعين معروفة عند كل أهل بلدة، فمنهم بالحجاز، ومنهم بالبصرة والكوفة من العراق، ومنهم بالشام ومصر. وكانت طريقة أهل الحجاز في الأسانيد أعلى ممن سواهم وأمتَنَ في الصحة؛ لاشتدادهم في شروط النقل، من العدالة والضبط، وسيد الطريقة الحجازية - بعد السلف - ٥٠ مقدمة تحفة الأحوذي الإمام مالك عالم المدينة، ثم أصحابه، مثل: الشافعي، والقعنبي، وابن وهب، ومِنْ بعدهم الإمام أحمد بن حنبل. وكتب مالك - رحمة الله تعالى عليه ـ ((الموطأ))، أودعه أصول الأحكام من الصحيح، ثم عنى الحفاظ بمعرفة طرق الأحاديث وأسانيدها المختلفة، وربما يقع إسناد الحديث من طرق متعددة عن رواة مختلفين، وقد يقع الحديث - أيضًا - في أبواب متعددة، باختلاف المعاني التي اشتمل عليها . وجاء البخاري فخرج الأحاديث على أبوابها بجميع الطرق التي للحجازيين، والعراقيين، والشاميين، واعتمد منها ما أجمعوا عليه، وكرر الأحاديث، وفرق الطرق والأسانيد في الأبواب، ثم جاء مسلم فألف مسنده، وحذا فيه حذو البخاري، وجمع الطرق والأسانيد، وبوبه، ومع ذلك فلم يستوعبا الصحيح كله، وقد استدرك الناس عليهما في ذلك، ثم كتب أبو داود والترمذي والنَّسائي في السنن، فتوسعوا من الصحيح والحسن وغيرهما. انتهى ما في ((الكشف)). وقال الجزائريُّ في ((توجيه النظر))(١): ولما توفي النبي ◌َليو - بادر الصحابة إلى جمع ما كتب، (أي: من القرآن) في عهده في موضع واحد، وسمَّوْا ذلك ((المصحف))، واقتصروا على ذلك، ولم يتجاوزوه إلى كتابة الحديث وجمعه في موضع واحد كما فعلوا بالقرآن، لكن صرفوا هممهم إلى نشره بطريق الرواية إما بنفس الألفاظ التي سمعوها منه - عليه الصلاة والسلام - إن بقيت في أذهانهم، أو بما يؤدي معناها إن غابت عنهم، فإن المقصود بالحديث هو المعنى، ولا يتعلق في الغالب حكم بالمَبْنى بخلاف القرآن، فإن لألفاظه مدخلًا في الإعجاز فلا يجوز إبدال لفظ منه بلفظ آخر، ولو كان مرادفًا له؛ خشية النسيان مع طول الزمان، فوجب أن يقيد بالكتابة، ولا يكتفى فيه بالحفظ. قال(٢): ولم يزل أمر الحديث في عصر الصحابة وأول عصر التابعين - عَلَى ما ذكرنا، ولما أفضت الخلافة إلى من قام بحقِّها - عمر بن عبد العزيز - أمر بكتابة الحديث. وكانت مبايعته بالخلافة في صَفَر سنة تسع وتسعين، ووفاته لخمس بَقِينَ من رجب (١) (٤٥/١). (٢) أي: طاهر الجزائري في ((توجيه النظر)) (٤٧/١). ٥١ الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً سنة إحدى ومائة، وعاش أربعين سنة وأشهرًا، وكان موته بالسُّمِّ، فإن بني أمية - ظهر لهم: أنه إن امتدت أيامه أُخرج الأمر من أيديهم، ولم يعهد به إلا لمن يصلح له، فعاجلوه. قال البخاريُ(١) في ((صحيحه)) في كتاب العلم: وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حَزْم: ((انظر ما كان من حديث رسول الله و ﴿ فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء)). وأبو بكر هذا كان نائب عمر بن عبد العزيز في الإمرة والقضاء على المدينة، روى عن السائب بن يزيد، وعباد بن تميم، وعمر بن سُلَيْمِ الزُّرْقِيِّ، وروى عن خالته عَمْرَةَ، وعن خالدة ابنة أنس، ولها صُحْبة. قال مالك: لم يكن أحد بالمدينة عنده من علم القضاء ما كان عند أبي بكر بن حزم، وكتب إليه عمر بن عبد العزيز أن يكتب له من العلم ما عند عمرة والقاسم، فكتبه له(٢). وأخذ عنه معمر، والأوزاعي، والليث، ومالك، وابن أبي ذئب، وابن إسحاق، وغيرهم، وكانت وفاته ــ فيما قاله الواقدي، وابن سعد، وجماعة - سنة عشرين ومائة. وأول من دوَّن الحديث بأمر عمر بن عبد العزيز: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري المدني، أحد الأئمة الأعلام، وعالم أهل الحجاز والشام، قال عبد الرزاق: سمعت معمرًا يقول: كنا نرى أنا قد أكثرنا عن الزهري حتَّى قتل الوليد بن يزيد فإذا الدفاتر قد حملت على الدوابٍّ من خزائنه، يقول: من علم الزهري(٣). ثم شاع التدوين في الطبقة التي تلي طبقة الزهري. ولوقوع ذلك في كثير من البلاد وشيوعه بين الناس اعتبروه الأول، فقالوا: كانت الأحاديث في عصر الصحابة وكبار التابعين غير مدونة، فلما انتشرت العلماء في الأمصار، وشاع الابتداع دونت ممزوجةً بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين، قال: ولم يزل (١) البخاري، كتاب العلم، باب كيف يقبض العلم. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم في مقدمة ((الجرح والتعديل)) (٢١/١) بسند صحيح. (٣) أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء)) (٣٦١/٣). ٥٢ مقدمة تحفة الأحوذي التأليف في الحديث متتابعًا إلى أن ظهر الإمام البخاري، وبرع في علم الحديث، فأراد أن يجرد الصحيح، ويجعله في كتاب على حدة؛ ليخلص طالب الحديث من عناء البحث والسؤال، فألف كتابه المشهور، وأورد فيه ما تبين له صحته، واقتفى أثر الإمام البخاري في ذلك الإمامُ مسلم بن الحجاج، ولقب هذان الكتابان بـ ((الصَّحِيحَيْنِ)) فعظم انتفاع الناس بهما، ورجعوا عند الاضطراب إليهما وألفت بعدهما كتب لا تحصى، فمن أراد البحث عنها فليرجع إلى مظان ذكرها. انتهى ملخصًا . الفَصْلُ الزَّابعُ: فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِكِتَابَةِ الحَدِيثِ قد ظن بعض الجهلة - في هذا الزمان - أن الأحاديث النبوية لم تكن مكتوبة في عهد رسول الله وَّلفيه، ولا في عهد الصحابة ﴿ه وإنما كتبت وجمعت في عهد التابعين. قلت: ظَنُّ بعض الجهلة هذا فاسد، مبني على عدم وقوفه على حقيقة الحال، فاعلم: أن الأحاديث النبوية قد كانت تكتب على عهد رسول الله وَلقر، وعلى عهد الصحابة أيضًا، ويدل على ما قلنا أحاديث كثيرة. منها: ما رواه أحمد(١) في ((مسنده)) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: ((قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّا نَسْمَعُ مِنْكَ أَحَادِيثَ لَا نَحْفَظُهَا، أَفَلا نَكْتُبُهَا؟ قَالَ: بَلَى، فَاكْتُبُوهَا))، وفي رواية له (٢): ((قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ أَشْيَاءَ، أَفَأَكْتُبُهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: فِي الغَضَبِ وَالرِّضَا؟ قَالَ: نَعَمْ، فَإِنِّي لَا أَقُولُ فِيهِمَا إِلَّا حَقًّا)). وفي رواية أخرى له، ولأبي داود، والدارمي(٣): ((كُنتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيءٍ سمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَحِ، فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ ... )) الحديثَ، وفيه: ((اكْتُبْ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّ الْحَقُّ». (١) أحمد (٦٩٧٩)، والرامهرمزي في ((المحدث الفاصل)) (ص/ ٣٦٥)، والخطيب البغدادي في ((تقييد العلم))، (ص/ ٧٤-٧٥)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢٥٩/٣١). (٢) أحمد (٦٩٨١)، والبزار (٢٤٧٠)، والرامهرمزي في ((المحدث الفاصل)) (ص/ ٣٦٤)، والطبراني في ((الأوسط)) (١٥٥٣)، والخطيب البغدادي في ((جامع بيان العلم)) (١/ ٧١)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق) (٢٥٨/٣١). (٣) أحمد (٦٤٧٤)، والدارمي، المقدمة، حديث (٤٨٤)، وأبو داود، كتاب العلم، حديث (٣٦٤٦). ٥٣ الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث و کتبه وأهله عموماً ومنها: ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما، عن أبي هريرة: أن خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ عَامَ فَتْحِ مَكَّة بقَتِيلٍ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ◌َّهِ، فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَخَطَبَ، فَقَالَ: ((إِنَّ اللّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّة الْقَتْلِ أَوِ الفِيلَ ... )) الحديث، وفي آخرهِ: ((فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ، فَقَالَ: اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: اكْتُبُوا لِأَبِي فُلانٍ ... )) إلخ. قال الحافظُ(١): قوله: ((فجاء رجل من أهل اليمن)): هو أبو شَاهٍ، بهاء منونة، وسيأتي في (اللقطة) مسمَّى، وهناك من الزيادة عن الوليد بن مسلم، قلت للأوزاعي: ما قول: ((اكْتُبُوا لي))؟ قال: هذه الخطبة التي سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ وَلِ(٢). ومنها: ما رواه البخاري(٣) عن وهب بن منبه، عن أخيه قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: ((مَا مِنْ أَصحَابِ النَّبِيِّ وَ﴿ أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِلَّ مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلا أَكْتُبُ)). قال الحافظ في ((الفتح)) (٤): هذا استدلال من أبي هريرة على ما ذكره من أكثرية ما عند عبد الله بن عمرو - أي: ابن العاص - على ما عنده، ويستفاد من ذلك أن أبا هريرة كان جازمًا بأنه ليس في الصحابة أكثر حديثًا عن النبي وَلفي منه إلا عبد الله، مع أن الموجود المرويَّ عن عبد الله بن عمرو أقلُّ من الموجود المروي عن أبي هريرة بأضعافٍ مضاعفةٍ. فإن قلنا: الاستثناء منقطع، فلا إشكال؛ إذ التقدير: لَكِنِ الذي كان من عبد الله - وهو الكتابة - لم يكن مني، سواء لزم منه كونه أكثر حديثًا لما تقتضيه العادة أم لا . وإن قلنا : الاستثناء متصل فالسبب فيه من جهات: أحدها: أن عبد الله كان مشتغلًا بالعبادة أكثر من اشتغاله بالتعليم، فقَلَّتِ الرواية عنه. ثانيها: أنه كان أكثر مقامه - بعد فتوح الأمصار - بمصر أو بالطائف، ولم تكن الرحلة إليهما ممن يطلب العلم كالرحلة إلى المدينة، وكان أبو هريرة متصدِّيًا فيها للفتوى (١) ابن حجر في ((فتح الباري)) (٢٤٩/١). (٢) البخاري، كتاب اللقطة، حديث (٢٤٣٤). (٣) البخاري، كتاب العلم، حديث (١١٣). (٤) ابن حجر في ((فتح الباري)) (١/ ٢٠٧). ٥٤ مقدمة تحفة الأحوذي والتحديث، إلى أن مات، ويظهر هذا من كثرة من حمل عن أبي هريرة، فقد ذكر البخاري أنه روى عنه ثمانمائة نفس من التابعين، ولم يقع هذا لغيره. ثالثها: ما اختص به أبو هريرة من دعوة النبي وَّر له بألا ينسى ما يحدِّثه به (١). رابعها: أن عبد الله كان قد ظفر في الشام بِحِمْل جَمَلٍ من كتب أهل الكتاب، فكان ينظر فيها ويحدِّث منها، فتجنَّب الأخذَ عنه لذلك كثيرٌ من التابعين. ومنها: ما أخرجه ابن وهب من طريق الحسن بن عمرو بن أمية، قال: تُحُدِّث عند أبي هريرة بحديث، فأخذ بيدي إلى بيته، فأرانا كتبًا من حديث النبي ◌َّ، وقال: هذا هو مکتوبٌ عندي(٢). وَرَوَى الحاكم(٣) في ((المُسْتَدْرَكِ)) عن حسن بن عمرو، قال: حدثت عن أبي هريرة بحديث، فأنكره، فقلت: إني سمعته منك، قال: إن كنتَ سمعتَهُ فإِنَّه مكتوب عندي، فأخذ بيدي إلى بيته، فأراني كتابًا من كتبه من حديث رسول الله مصلية، فوجد ذلك الحدیث، فقال: قد أخبرتك أني إن کنت حدثتك فهو مكتوب عندي. فإن قلت: قول أبي هريرة: ((هو مكتوب عندي)) في هذا الحديث مخالف لقوله: ((لا أكتب)) في حديث البخاري المذكور، فكيف التوفيق؟ . قلت: قال الحافظ: لا يلزم من وجود الحديث مكتوبًا عنده أن يكون بخطه، وقد ثبت: أنه لم يكن يكتب، فتعين أن المكتوب عنده بغير خطه، وقال ابن عبد البر: حديث البخاري أصحُّ، ويمكن الجمع بأنه لم يكن يكتب في العهد النبوي، ثم كتب بعده. ومنها: ما رواه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه (٤) عن أبي جُحَيْفة قال: قلتُ (١) أخرج البخاري في ((صحيحه)) (١١٩) عن أبي هريرة قال: قلت: ((يا رسول الله إني أسمع منك حديثًا كثيرًا أنساه، قال - أي: رسول الله ـ: ابسط رداءك، فبسطه، قال: فغرف بيديه، ثم قال: ضُمَّه، فضممته، فما نسيت شيئًا بعده)). انظر أيضًا صحيح البخاري، كتاب البيوع، حديث (٢٠٤٧). (٢) أورده الخطيب البغدادي في ((جامع بيان العلم)) (١/ ٧٤)، وأخرجه عبد الله بن أحمد في ((العلل)) (٢/ ٥٩١) من طریق أخری عن أبي هريرة به نحوه. (٣) (٦٢٢٦). (٤) البخاري، كتاب الحج، حديث (١٣٧٠)، والنسائي، كتاب القسامة، حديث (٤٧٤٤)، وابن ماجه، كتاب الدیات، حدیث (٢٦٥٨). ٥٥ الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث و کتبه وأهله عموماً العلي رَُّه: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلا كتابُ الله، أو فَهْمُ أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة، قال: قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: الْعَقْلُ، وَفِكَاكُ الأَسِيرِ، وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ))، قال الحافظ: قوله: ((الصحيفة))، أي: الورقة المكتوبة، وللنسائي(١) من طريق الأشتر. ((فأخرج كتابًا من قراب سيفه))، وقوله: ((العقل))، أي: الدية، قال: ووقع للمصنّف ومسلم(٢) من طريق يزيد التيمي عن علي قال: ((ما عندنا شيء نقرؤه إلا كتابُ الله، وهذه الصحيفةِ، فإذا فيها: ((المَدِينَةُ حَرَمٌ .... الحَدِيثِ، ولمسلم(٣) عن أبي الطفيل عن علي: ما خَصَّنَا رسولُ اللهِّهِ بشيءٍ لم يَعُمَّ به الناس كافَّةً إلا ما في قراب سيفي هذا، وأخرج صحيفة مكتوبة فيها: (لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ ... )) الحديث، وللنسائي(٤) من طريق الأشتر وغيره عن علي: فإذا فيها: ((المُؤمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ ... )) الحديث، ولأحمد(٥) من طريق طارق بن شهابٍ، ((فِيهَا فَرَائِضُ الصَّدَقَةِ». والجمع بين هذه الأحاديث: أن الصحيفة كانت واحدةً، وكان جميع ذلك مكتوبًا فيها، فنقل كل واحد من الرواة عنه ما حفظه. انتهى. ومنها: ما رواه النسائي والدارمي(٦)، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جَدِّهِ: أَنَّ رَسُولِ اللهِوَهِ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ اليَمَنِ، وَكَانَ في كتابِهِ: ((أَنَّ مَنِ اعْتَبَطَّ مُؤْمِنًا قَتْلًا، فَإِنَّهُ قَوَدُ يَدِهِ، إِلَّ أَنْ يَرْضَى أَوْلِيَاءُ المَقْتُولِ، وفيه: أَنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بِالمَرْأَةِ، وَفيه فِي النَّفْسِ الدِّيَةُ: مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ، وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ، وَفِي الأَنْفِ إِذَا أُوْعِبَ جَدْعُهُ الدِّيَّةُ؛ مِائَةٌ مِنَ الإِلِ ... )). الحديث. ومنها: ما رواه البخاري(٧)، عن أنس؛ أن أبا بكر كَتَبَ له هذا الكتاب لَمَّا وجهه (١) النسائي، كتاب القسامة، حديث (٤٧٣٤). (٢) مسلم، كتاب الحج، حديث (١٣٧٠). (٣) مسلم، كتاب الأضاحي، حديث (١٩٧٨). (٤) النسائي، كتاب القسامة، حديث (٤٧٤٦). (٥) أحمد (٧٨٤). (٦) النسائي، كتاب القسامة، حديث (٤٨٥٣)، والدارمي، كتاب الديات، حديث (٢٣٥٢). (٧) البخاري، كتاب الزكاة، حدیث (١٤٥٤). ٥٦ مقدمة تحفة الأحوذي إلى البحرين: ((بسم الله الرحمن الرحيم: هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله وَ لقول على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله، فمن سُئِلَهَا من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يعط في أَرْبَعِ وَعِشْرِينَ من الإبل فما دونها من الغنم من كل خمس شاةٌ، فإذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أنثى ... )) الحديث. ومنها: ما رواه أحمد(١) عن عبد الله بن عمر قال: ((كان رسول الله ◌َّ ه قد كتب الصدقة، ولم يخرجها إلى عماله حتى توفي، قال: فأخرجها أبو بكر من بعده، فعمل بها حتى توفي، ثم أخرجها عمر من بعده، فعمل بها، قال: فلقد هلك عمر يوم هلك، وإن ذلك لمقرون بوصيته، فقال: كان فيها: ((في الإِبلِ في كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ، حَتَّى تَنْتَهِيَ إلى أَرْبَعِ وَعِشْرِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ إِلَى خَمْسٍ وَعِشْرِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ إِلَى خَمْسٍ وَثَلاثِينَ ... )) الحدیث. ومنها: ما رواه الدارمي ، عن أبي [قبيل](٢)، عن عبد الله بن عمرو قال: بينما نحن حول رسول الله وَ﴿ نكتب، إذا سُئِلَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((أَيُّ المَدِينَتَيْنِ تُفْتَحُ أَوَّلًا، قُسْطَنْطِينِيَّةُ أَوْ رُومِيّةُ؟ .... ))(٣). ومنها: ما رواه الترمذي(٤) عن أبي راشد الحُبْرَانِيِّ قال: أتيتُ عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت له: حدِّثنا مما سمعت من رسول الله وَطاهر، فألقى إِليَّ صحيفة، فقال: هذا ما كتب لي رسول الله وَ﴿، قال: فنظرْتُ فيها، فإذا فيها: ((أَنَّ أَبَا بَكْر الصِّدِّيقَ قَالَ: يا رسولَ اللهِ، عَلِّمْنِي مَا أَقُولُ إِذَا أَصْبَحْتُ وَإِذَا أَمْسَيْتُ، قَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، قُل: اللَّهُمَّ، فَاطِرَ السَّمَوَاتِ والأرْضِ ... )) الحديثَ. ومنها: ما أخرجه الدارمي(٥) عن بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ قال: كنت أكتبُ ما أسمع من أبي هريرة، فلما أردت أن أفارقه - أتيته بكتابه، فقرأته عليه، وقلت له: هذا ما سمعتُ منك؟ قال: نعم. (١) أحمد (٤٦٢٠). (٢) في الأصل: قابيل؛ وهو غلط، والصواب ما أثبتُّ، وهو حيي بن هانئ المعافري. (٣) صحيح. أخرجه الدارمي في (سننه))، المقدمة، حديث (٤٨٦). (٤) الترمذي، كتاب الدعوات، حديث (٣٥٢٩) وقال: حسن غريب من هذا الوجه. (٥) الدارمي، المقدمة، (٤٩٤). ٥٧ الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً ومنها: ما رواه الدارمي (١) - أيضًا - عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، قال: ما يرغبني في الحياة إلا الصادقة والوهط، فأما الصادقة فصحيفة كتبتها من رسول الله وَظلت، وأما الوهط، فأرض تصدق بها عمرو بن العاص، كان يقوم عليها . ومنها: ما رواه الدارمي(٢) - أيضًا - عن سعيد بن جبير يقول: كنت أسير مع ابن عباس في طريق مكة ليلًا، وكان يحدثني بالحديث، فأكتبه في واسطة الرحل حتَّى أصبح، فأكتبه . ومنها: ما رواه أبو داود (٣) في ((الدعوات)) عن مسلم بن الحارث بن مسلم التميمي، عن أبيه: ((أَنَّ النَّبِيََِّ﴿ بَعَثَنَا فِي سَرِيَّةٍ، فَلَمَّا بَلَغْنَا المَغَارَ اسْتَحْثَْتُ فَرَسِي، فَسَبَقْتُ أَصْحَابِي، وَتَلَقَّانِي الْحَيُّ بِالرَّبِينِ، فَقُلْتُ لَهُمْ: قُولُوا: لَا إِلهَ إِلَّ اللهُ تَحْرَزُوَا، فَقَالُوهَا، فَلَامَنِي أَصْحَابِي، فَقَالُوا: حَرَمْتَنَا الغَنِيمَةَ! فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ وَأَخْبَرُوهُ بِالَّذِي صَنَعْتُ، فَدَعَانِي، فَحَسَّنَ لِي مَا صَنَعْتُ، وَقَالَ: ((أَمَا إِنَّ الهَ قَدْ كَتَبَ لَكَ مِنْ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ كَذَا وَكَذَا))، قال عبد الرحمن: فَأَنَا نَسِيتُ الثَّوَابَ، ثُمَّ قَالَ رسول اللهِ وَّةِ: ((أَمَا إِنِّي سَأَكْتُبُ لَكَ بِالوَصَاةِ بَعْدِي))، قَالَ: فَفَعَلَ، وَخَتَمَ عَلَيْهِ وَدَفَعَهُ إِلَيَّ. فإذا عرفْتَ هذه الأحاديث والآثار ظَهَرَ لَك أن الأحاديث النبوية كانت تكتب في عهد النبي ◌َّ وفي عهد الصحابة أجمعين، وبطل قول من زعم أنها لم تكن مكتوبة في العهد النبوي وعهد الصحابة. فإن قلت: ما وجه الجمع بين هذه الأحاديث المرفوعة والآثار، وبين ما رواه مسلم (٤) في ((صحيحه)) عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﴿ قَالَ: ((لَا تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ)» ؟ قلت: وجه الجمع بينهما: أن النهي خاصٌّ بوقت نزول القرآن؛ خشية التباسه بغيره، والإذن في غير ذلك، أو أن النهي خاصٌّ بكتابة غير القرآن مع القرآن في شيء واحد، (١) الدارمي، المقدمة (٤٩٦). (٢) الدارمي، المقدمة (٤٩٩). (٣) أبو داود، كتاب الأدب، حديث (٥٠٧٩). (٤) مسلم، كتاب الزهد والرقائق، حديث (٣٠٠٤). ٥٨ مقدمة تحفة الأحوذي والإذن في تفريقها، أو النهي متقدِّم، والإذن ناسخٌ له عند الأمن من الالتباس، وهو أقربها، مع أنه لا ينافيها . وقيل: النهي خاصٌّ بمن خشِيَ منه الاتكال على الكتابة دون الحفظ، والإذن لمن أمِنَ منه ذلك، ومنهم من أعل حديث أبي سعيد وقال: الصواب وقفه على أبي سعيد، قاله البخاري وغيره، قال العلماء: كره جماعة من الصحابة والتابعين كتابةً الحديث، واستحبوا أن يؤخذ عنهم حفظًا، كما أخذوا حفظًا، لكن لما قصرت الهمم، وخشي الأئمة ضياع العلم دوَّنوه. وأول من دون الحديث ابن شهاب الزهري على رأس المائة بأمر عمر بن عبد العزيز، ثم كثر التدوين، ثم التصنيف، وحصل بذلك خير كثير، فالله الحمد. ذكره الحافظ في ((الفتح))(١). الفَصْلُ الخَامِسُ: في إثْبَاتِ حُجِّيَّةِ الأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ وَوُجُوبِ العَمَلِ بِهَا بِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى قال الله تعالى: ﴿وَمَآ ءَالَنَّكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَكُمْ عَنْهُ فَأَنْتَهُواْ وَأَتَّقُواْ اللَّهُّ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ اٌلْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧]. قال الرازيُّ: يعني: ما أعطاكم الرسول من الفيء فخذوه، فهو لكم حلال، وما نهاكم عن أخذه فانتهوا، ﴿وَأَتَّقُواْ اللّهَ﴾ في أمر الفيء؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ على ما نهاكم عنه الرسول. والأجود أن تكون هذه الآية عامَّة في كل ما آتى رسول الله وَل نيل ونهى عنه، وأمر الفيء داخل في عمومه. انتهى كلامه(٢). قلت: بل الحق والصواب: أن الآية عامة في كل شيء يأتي به رسول الله وَّله من أمر أو نهي، أو قول أو فعل، وإن كان السبب خاصًّا، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وكل شيء أتانا به من الشرع فقد أعطانا إياه وأوصله إلينا، فهذه الآية الكريمة نص صريح في أن كل ما أتانا به رسول الله وَ ﴿ وبلغه إلينا من الأوامر وغيرها - سواء كانت مذكورة في الكتاب، أي: القرآن المجيد، أو السنة - أي: الأحاديث النبوية الثابتة (١) ابن حجر في ((فتح الباري)) (١/ ٢٥١). (٢) الرازي في ((التفسير الكبير)) (٢٤٩/٢٩ - علمية). ٥٩ الباب الأول: فیما یتعلق بعلم الحدیث و کتبه وأهله عموماً المحكمة - واجبٌ علينا امتثاله، والعمل به، وكذا كل ما نهانا عنه من المنهيات والمنكرات المبينة في الكتاب أو السنة واجب علينا الاجتناب منه، والانتهاء عنه. فإن قلت: قال الله تعالى: ﴿وَمَآ ءَانَنَكُمُ الرَّسُولُ﴾، ولم يقل: ((وما آتاكم محمد))، فلفظ ((الرسول)) يدل على أن ما آتاكم الرسول من حيث إنه رسول الله فنحن مأمورون بأخذ ما آتاناه رسول الله وَ﴿ من قبل الله تعالَى، أي: مما أوحى الله إليه من الكتاب، ولسنا مأمورين بأخذ ما آتانا من قبل نفسه، أي: مما لم يوح إليه من الأحاديث. قلنا: كل ما آتانا رَسُول اللهِ وَ له من قبل نفسه من أمر الدين فهو مما أوحى الله تعالى إليه، كما قال تعالَى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْمَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤]، وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١] أمر الله - سبحانه وتعالى - في هذه الآية كل من يدعي محبته أن يتبع محمدًا وَّر، وما معنى اتباعه إلا اتباعه ◌َّ﴿ في جميع أقواله، وأفعاله، وأحواله، وهديه، ومجموعُ أقواله وأفعاله وأحواله وهديه هو المعنيُّ بالأحاديث النبوية، فثبت أن من لم يتبع الأحاديث النبوية، ولم ير العمل بها واجبًا فهو في دعوى محبته لله تعالى كاذبٌ، ومن كان في هذه الدعوی کاذبًا فهو في دعوی إيمانه بالله تعالى كاذب بلا مرية. وقال الله تعالى: ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن نَزَعْتُمْ فِ شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِّ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]. قال الحافظ ابن جرير: اختلف أهل التأويل في معنى قوله: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولٌ﴾، فقال بعضهم: ذلك أمر مِنَ الله باتباع سنته .... وقال آخرون: ذلك أمر من الله بطاعة الرسول في حياته ... والصواب من القول في ذلك أن يقال: هو أمر من الله بطاعة رسوله في حياته فيما أمر ونهى، وبعد وفاته باتباع سنته، وذلك أن الله عم بالأمر بطاعته، ولم يخصص بذلك في حال دون حال، فهو على العموم حتى يخصّ، ذلك ما يجب التسليم له (١) ... قال(٢): وقوله: ﴿فَإِن تَزَعْهُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اَللَّهِ وَّسُولِ﴾ ... إلخ: يعني بذلك جل ثناؤه: فإن اختلفتم - أيها المؤمنون - في شيء من أمر دينكم، أنتم فيما بينكم، (١) ابن جرير الطبري في تفسيره (جامع البيان)» (٥/ ١٤٧ - فكر). (٢) أي: ابن جرير في «تفسيره)) (١٥٠/٥). ٦٠ مقدمة تحفة الأحوذي أو أنتم وولاة أمركم، فاشتجرتم فيه فردوه إلى الله، يعني بذلك: فارتادوا معرفة حكم ذلك الذي اشتجرتم أنتم بينكم، أو أنتم وأولوا أمركم فيه من عند الله، يعني بذلك: من كتاب الله، فاتبعوا ما وجدتم، وأما قوله: ﴿وَالرَّسُولَ﴾ فإنه يقول: فإن لم تجدوا إلى علم ذلك في كتاب الله سبيلًا فارتادوا معرفة ذلك - أيضًا - من عند الرسول إن كان حيًّا، وإن کان ميتًا: فمن سنته. انتهى. وقال الحافظ في ((الفتح))(١) والنكتة في إعادة العامل في ((الرسول)) دون ((أولي الأمر)) مع أن المطاع - في الحقيقة - هو الله تعالى: كون الذي يعرف به ما يقع به التكليف هما القرآن والسنة، فكان التقدير: أطيعوا الله فيما نص عليكم في القرآن، وأطيعوا الرسول فيما بيَّن لكم من القرآن، وما ينصه عليكم من السنة، أو المعنَى: أطيعوا الله فيما يأمركم به من الوحي المتعبَّد بتلاوته، وأطيعوا الرسول فيما يأمركم به من الوحي الذي ليس بقرآن. انتھی. وقال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] دلت هذه الآية على أنه وَ ل﴿ كان مبيّنًا لمجملات القرآن، ومفسِّرًا لمشكلاته، وليس بيانه وتفسيره ◌َّي إِلَّ في أحاديثه، فكل حديث ورد في الصلاة فهو بيان وتفسير لقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوةَ﴾، وكل حديث جاء في الزكاة، فهو بيان وتفسير لقوله: ﴿ وَءَاتَّوَّأْ الزَّكَوَةَ﴾، وكل حديث جاء في الصوم فهو بيان وتفسير لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِقُواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وكل حديث ورد في الحج فهو بيان وتفسير لقوله تعالى: ﴿وَأَنِقُواْ الْحَجَّ وَالْعُبْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وهكذا، ومن المعلوم أن الأخذ ببيانه وَّي لمجملات القرآن، وتفسيره لمشكلاته، والعمل بمقتضاه واجبٌ علينا، فالأحاديث النبوية - بأسرها - واجبة الأخذ والعمل، فإنها كلها بيان وتفسير لكتاب الله تعالَى. وقال الله تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٨٠]، فيه أن طاعة الرسول 05* هي طاعة الله بعينها، وفي هذا - من النداء بشرف رسول الله مَّة، وعلو شأنه، وارتفاع مرتبته - ما لا يُقَادَرُ قدره ولا يُبْلَغُ مداه، ووجهه: أن الرسول لا يأمر بما أمر الله به، ولا ينهى إلا عما نهى عنه، ولولا بيانه ◌َ﴿ ما كنا نعرف كل فريضة في كتاب الله كالحج، (١) ابن حجر في ((فتح الباري)) (١١١/١٣ - المعرفة).