Indexed OCR Text
Pages 561-580
٥٦١ كتاب الزهد والرقائق / باب حديث جابر الطويل وقصة أبى اليسر (٣٠٠٧) قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ أَنَا: يَا عَمِّ، لَوْ أَنَّكَ أخَذْتَ بُرْدَةَ غُلامكَ وَأَعْطَيْتَهُ مَعَافرَّكَ، وأخَذْتَ مَعَافريَّهُ وَأَعْطَيْتُهُ بُرْدَتَكَ ، فَكَانَتْ عَلَيْكَ حُلَّةٌ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ . فَمَسَحَ رَأْسِى وَقَالَ : اللَّهُمَّ، بَارِكْ فِيهِ . يَا ابْنَ أخِى، بَصَرُ عَيْنِىَّ هَاتَيْنِ ، وَسَمْعُ أذُنِىَّ هَاتَيْنِ، وَوَعَاهُ قَلْبِى هَذَاَ - وَأَشَارَ إِلى مَنَاطِ قَلْبِهِ - رَسُولَ اللهِ عَّهُ وَهُوْ يَقُولُ: ((أطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ، وَأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلَسُونَ)). وَكَانَ أَنْ أَعْطَيْتُهُ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا أَهْوَنَ عَلَىَّ مِنْ أنْ يَأْخُذَ مِنْ حَسَنَاتِى يَوْمَ القِيَامَةِ . وأكثر أهل العربية لا يجيزون فيه غير الكسر . وحكى أبو عبيد عن الكسائى : كل يمين ليس فيها واو قسم - يعنى أو أخواتها - فهى نصب ، إلا فى قولهم : الله لا آتيك ، فإنه خفض . وذلك أن القسم فيه عندهم معنى الفعل ، أى أقسم وأحلف والله أو بالله ، فإذا حذفوا حرفه عمل الفعل عمله . وقوله: ((فأشهد بصر عينى)) ، قال القاضى : كذا رواه الرواة بفتح الصاد وضم الراء، وكذا [ ((سمع أذنى)) بسكون الميم. قال سيبويه: العرب تقول ](١): سمع أذنى زَيدًا ، ورأى عينى يقول ذلك ويفعل ذلك ، وأنشدوا : ورأى عينى الفتى أخاك يعطى الجزيل فعليك ذاك وعند العذرى: ((بصَر عينى)) بفتح الصاد وفتح الراء و((عيناى)) بالرفع . وكذا (سمع أذناى)) بكسر الميم على الفعل، لكن قوله: ((ووعاه قلبى)) تحول بين الفعل ومفعوله ، وهو قوله بعد : (( رسول الله )) . وقوله: (( وأشار إلى نياط قلبه )) هذه رواية العذرى ، ولغيره (( مياط)) بالميم . ونياط القلب : عرق معلق منه ، قاله صاحب العين . وقوله : (( ولو أخذت بردة غلامك وأعطيته معافيرك ، وأخذت معافرته وأعطيته برديك فكانت عليك حلة وعليه حلة)) : كذا رويناه عن الجميع ، وكذا هو فى سائر النسخ والأصول التى رأيت ، والروايات الواقعة لنا ، وقد نبهنا على اختلال(٢) الرواية فيه بعض شيوخنا وقال: لعله : (( لو أخذت معافرته وأعطيته برديك لأن مفهوم الكلام إنما أراد أن يكون على كل واحد بردتان أو معافرتان وهذا إنما يستقيم بأو كما قال . وأما بواو العطف فيقتضى أن بيدك كل واحد ما عليه من برد ومعافرى بما على الآخر ولا ثمرة لهذا ولا فائدة . (١) سقط من ز، والمثبت من ح . (٢) فى الرسالة : اختلاف . ٥٦٢ كتاب الزهد والرقائق / باب حديث جابر الطويل وقصة أبى اليسر (٣٠٠٨) ثُمَّ مَضَيْنَا حَتَّى أَتَيْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله فى مَسْجِده، وَهُوَ يُصَلِّى فِى ثَوْب وَاحِدٍ ، مُشْتَمِلاً بِهِ فَتَخَطَّيْتُ القَوْمَ حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةَ. فَقَلْتُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، أُنُصَلِّى فِى ثَوْبٍ وَاحدٍ وَرَدَاؤُكَ إِلى جَنْبكَ؟ قَالَ : فَقَالَ بِيَدِه فِى صَدْرِى هَكَذَا ، وَفَرَّقَ بَيْنَ أَصَابِعِه وَقَوَّسَهَا : أَرِدْتُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَىّ الأَحْمَقُ مِثْلُكَ، فَيَرَانِ كَيْفَ أَصْنَعُ، فَيَصْنَعُ مثْلهُ . وقوله : ((فكانت عليك حلة وعليه حلة)): قال أبو عبيد (١) : الحلة: إزار ورداء، ولا يسمى حلة حتى يكونا ثوبين ، ومنه فى الحديث أنه (( رأى رجلاً عليه حلة قد انتزر بإحداهما وارتدى بالآخر)) قيل: سميت حلة لحلولها أحدهما على الآخر ، وقيل : لا يقال الحلة إلا للثوب الجديد الذى يحل من طيه . وقوله: (( فتخطيت القوم حتى جلست بينه وبين القبلة)) : كل ذلك حرصا على القرب منه والسماع والمزاحمة فى طلب العلم . وقوله: (( يصلى مشتملا فى ثوب واحد )) لعله غير اشتمال الصماء ، والمنهى عنه إنما هى الشملة الصماء ، وقد مضى تفسيرها (٢)، وما عداها من أنواع الاشتمال من الاعتطاف والاصطناع (٣) وغيره فليس بمنهى عنه . وفى هذا الحديث دليل على صلاة الرجل فى ثوب واحد ليس عليه غيره . وقول جابر: ((ليرانى الأحمق مثلك فيصنع مثله)): لئلا يلتزم الناس الرداء أبدًا فى ١٣٢/ ب الصلاة، فيظنه من لا علم عنده أنه لباس الرداء / أبدًا فيها من حدودها اللازمة. ولا خلاف أنه من مستحبات الصلاة وفضائلها ، لا سيما للأئمة وفى المساجد . وقد قيل ذلك فى قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾ (٤) . وقيل : المراد بالآية : لبس الثياب وستر العورة . وقيل : لبس الثياب فى الطواف بالبيت . وفيه أن قول هذا اللفظ ومثله لمغير المنكر فالمؤدب والحاكم والزاجر لا حرج فيه ، إذا قاله لمن يستوجبه ؛ لأنه ليس بهتك عرض ولا كشف سريرة ، إذ كل أحد فيه نوع من الحمق والغفلة عن مصالحه ، والنظر ، فيما ينجيه ، ومنه قول ابن عباس : الناس كلهم حمقى، ولولا ذلك [ ما عاشوا. ومثل ذلك: الشتم بظالم إذ كل ](٥) أحد ظالم لنفسه، فيمثل هذه الألفاظ زجرًا ولو التقى من استحق الزجر والتغيير فى الأغلاط لا بغيرها من الألفاظ السفهة والقزع . ولعله سماه أحمق لما لم يوافقه من فعله ، وترك توقيره، لما فى تخطيه إليه الناس وجلوسه بينه وبين القبلة . (١) انظر: غريب الحديث ١ / ٢٢٨ . (٢) فى ك اللباس ، ب النهى عن اشتمال الصماء ، برقم (٧٠) . (٣) فى ح و الرسالة : والاضطباع . (٥) سقط من ز ، واستدرك فى ح . (٤) الأعراف : ٣١ . ٥٦٣ كتاب الزهد والرقائق / باب حديث جابر الطويل وقصة أبى اليسر أَتَانَا رَسُولُ اللهِ عَّهُ فِى مَسْجِدْنَا هَذَا، وَفِى يَدِهِ عُرْجُونُ ابْنِ طَابٍ ، فَرَأَى فِى قِبْلَةِ المَسْجِد نُخَامَةً فَحَكَّهَا بالعُرْجُون. ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْنَا فَقَالَ: ((أَيُّكُمَّ يُحِبُّ أنْ يُعْرِضَ اللهُ عَنْهُ؟)) قَالَ: فَخَشَعْنَا. ثُمَّ قَالَ: (( أَيُّكُمْ يُحبُّ أنْ يُعْرِضَ اللهُ عَنْهُ؟)) قال: فخشعنا . ثم قال: ((أيكم يحب أن يعرض الله عنه؟)) قُلْنَا: لاَ أَيْنَا، يَا رَسُولَ الله. قَالَ: ((فإنَّ أحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّى، فَإِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قِبَلَ وَجْهِهِ ، فَلَا يَبْصُقَنَّ قِبَلَ وَجْهِهِ ، وَلا وقوله : (( وفى يده عرجون ابن طاب))، قال الإمام : العرجون : عود الكباسة . والكباسة والعذق بكسر العين والعثكال والُعثكول كله واحد . وكل غصن من أغصان الكباسة فيه شمراخ ، والشمراخ هو الذى عليه البسر ، من خمس تمرات إلى ثمان . و((ابن طاب)): نوع من التمر. قال ابن حمزة: ((ابن طاب)): عذق بالمدينة . والعذق ، بفتح العين ، هو النخل نفسه . وقوله: ((فخشعنا)): الخشوع : السكون والتذلل، وأيضا الخضوع ، وأيضا الخوف، وأيضا غض البصر فى الصلاة، قال الله تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾(١) أى انخفضت وسكنت وقوله : ﴿ فِ صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (٢) أى خاضعون. وقيل: خائفون. قال ابن سيرين : كان المسلمون يلتفتون فى صلاتهم فنزلت هذه الآية ، فغضوا أبصارهم ، فكان أحدهم ينظر إلى موضع سجوده . ويقال : خشع له ويخشع : إذا تذلل . قال ابن سلام : الخشوع : الخوف الثابت فى القلب . قال الليث : الخشوع قريب المعنى من الخضوع، إلا أن الخضوع [ فى البدن، والخشوع ](٣) يكون فى البدن والبصر والصوت . قال القاضى: كذا رويناه: ((فخشعنا)) بالخاء المعجمة عن الأسدى والخشنى وغيرهما من شيوخنا، كما رواه الإمام أبو عبد الله. ورويناه عن القاضى الشهيد: ((فجشعنا)) بالجيم وكسر الشين ، وكذا هو فى كتاب القاضى التميمى بخطه بالجيم ، ومعناها صحيح. فبالخاء من الخشوع ، على ما فسره وبالجيم بمعنى القرع، ومنه الحديث الآخر: ((فبكى معاذ جشعا لفراق رسول الله عَّ)) (٤). قال الهروى : أى جزءا لفراقه. والجشع الحرص على الأكل وغيره . وقوله: ((فإن الله قبل وجهه)): [ أى قبلة الله المعظمة. وقوله : (( فلا يبصقن قبل وجهه ] (٥) ولا عن يمينه ، وليبصق عن يساره تحت رجله اليسرى)) : تعظيم أيضا لجهة اليمين ، ولأنها منزهة أبدًا عن الأقذار وعن استعمالها فى الأقذار فاستعمل فيها جهة اليسار وتحت الرجل ؛ لئلا يؤذى من على يساره ، إلا إذا دعته الضرورة فيباح له أن يبصق حيث أمكنه ويدفن . (١) طه : ١٠٨. (٣) سقط من ز ، والمثبت من ح . (٥) من ح . (٢) المؤمنون : ٢ . (٤) أحمد ٥ / ٢٣٥ . كتاب الزهد والرقائق / باب حديث جابر الطويل وقصة أبى اليسر ٥٦٤ -- عَنْ يَمِينِه ، وَلَيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ، تَحْتَ رِجْلِهِ الْيُسْرَى . فَإِنْ عَجِلتْ بِهِ بَادِرَةٌ فَلْيَقُلْ بِثَوْبِه هَكَذَا)) ثُمَّ طَوَى ثَوْبِهُ بَعْضَهُ عَلَى بَعْض، فَقَالَ: ((أرُونِى عَبِيرًا)) فَقَامَ فَتَّى مِنَ الحَىِّ يَشْتَدُّ إِلَى أَهْلِهِ، فَجَاءَ بِخَلُوقِ فِى رَاحَتَه . فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللهِ نَّهُ فَجَعَلَهُ عَلَى رَأْسِ العُرْجُونِ، ثُمَّلَطَخَ بِهِ على أثَّرِ النُّخَمَّةِ . فَقَالَ جَابِرٌ : فَمِنْ هُنَاكَ جَعَلْتُمُ الْخَلُوقَ فِى مَسَاجِدِكُمْ . (٣٠٠٩) سرْنَا مَعَ رَسُول الله عَّهُ فِى غَزْوَةَ بَطْن بُوَط، وَهُوَ يَطْلُبُ الَجْدِىَّ بْنَ عمرٍو الْجُهَنِىَّ، وَكَانَ النَّاضِحُ يَعْبُهُ مِنَّا الَخَمْسَةُ وَلَسَّةُ وَالسَّبَعَةُ. فَدَارَتْ عُقْبَةُ رَجَّلٍ مِنَ وقوله: ((فإن عجلت به بادرة)): أى غلبته بصقة أو نخامة بدرت منه فلم يقدر على حبسها . وقوله : أرونى عبيرًا ، قال الإمام : قال أبو عبيد : العبير عند العرب الزعفران ١/١٣٣ وحده. وقال الأصمعى: / هو أخلاط تجمع بالزعفران . قال ابن قتيبة : ولا أدرى القول إلا ما قاله الأصمعى لقوله - عليه السلام -: ((أتعجز إحداكن أن تتخذ تومتين ثم تخلطهما بعبير وزعفران)) . والتومة حبة تعمل من فضة كالدرة . قال القاضى: وقوله: ((فأتى بخلوق)): هو طيب يخلط بزعفران وهو العنبر(١) على ما تقدم تصحيحه قبل، ويدل عليه قوله: ((أرونى عنبرًا)) ثم قال: ((فجاء بخلوق)). وإمساك النبى عليّه العرجون فى يده على عادة العرب من إمساك المخاصر فى أيديها ، وكان عَُّ يفعل هذا. وفى حديث قبله: ((وفى يده عسيب نخلة)). وفى الحديث تعظيم المساجد وتنزيهها عن الأقذار ، وقد تقدم هذا فى الصلاة ، وجواز تطييبها وتجميرها ، إلا أنّ مالكا رأى أنّ الصدقة أفضل ، لا أنه كره التجمير ، وكفى فى ذلك بإجزائه عمل المسلمين على مر الأعصار فى المسجد الحرام، ومسجد النبى معَّه فى ذلك . وقوله: ((فثار فتى من الحى يجهد)): أى قام يجرى ، كما جاء فى الرواية الأخرى. وقوله : ((بطن بُواط)) : هكذا ضبطه أهل اللغة بضم الباء وتخفيف الواو ، هى أكثر روايات المحدثين ، كذا قيده البكرى . وهو جبل من جبال جهينة . وهو عند العذرى بفتح الباء ، وصحح لنا هذا الوجه ابن سراج . وقوله: ((وهو يطلب المجدى بن عمرو)) بالميم ، كذا لعامة الرواة والنسخ ، وفى بعضها: ((النجدى بن عمرو)) بالنون، وكذا فى كتاب القاضى التميمى . والمعروف (١) فى ح : العبير . ٥٦٥ كتاب الزهد والرقائق / باب حديث جابر الطويل وقصة أبى اليسر الأنْصَارِ عَلَى نَاضِحِ لَهُ ، فَأَنَاخَهُ فَرَكَبَهُ ، ثُمَّ بَعَثَهُ فَتَلَدَّنَ عَلَيْهِ بَعْضَ التََّدُّنْ. فَقَالَ لَهُ : شَأْ. لَعَنَكَ اللهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: (( مَنْ هَذا اللاعنُ بَعِيرَهُ؟)) قَالَ: أَنَا ، يَا رَسُولَ الله . قَالَ: (( انْزِلْ عَنَّهُ، فَلا تَصْحَبْنَا بِمَلْعُون. لا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسكُمْ، وَلا تَدْعُوا عَلَى أَوْلادِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ ، لا تُوَافِقُوا مِنَ اللهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ ، فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ )) . (٣٠١٠) سرْنَا مَعَ رَسُول اللـه عَّهُ حَتَّى إِذَا كَانَتْ عُشَيْشِيَةٌ، وَدَنَوْنَا مَاءً منْ مياه العَرَب، قَالَ رَسُولُ اللهِ عَهُ: (( مَنْ رَجُلٌ يَتَقَدَّمْنَا فَيَمْدُرُ الحَوْضَ فَيَشْرَبُ وَيَسْقِينَا؟)) قَالَ جَابِرْ: فَقُمْتُ فَقُلْتُ: هَذَا رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهِ: ((أَىُّ رَجُل مَعَ بالميم، وهو الذى ذكره الخطابى (١) فى هذا الحديث ، وهو المجدى بن عمرو الجهنى. وقوله: ((كان الناضح يعتقبه منا الخمسة))، قال الإمام : الناضح : جمل السقى، ((ويعتقبه)) أى يتدارك ركوبه . وقال صاحب الأفعال : اعتقبت الرجل : ركبت عقبه وركب أخرى ، وعقبت بعده : أى جئت بعده . قال القاضى : قال صاحب العين فى العقبة : مقدار فرسخين . وقد جاء هذا الحرف فى رواية الفارسى: ((يعقبه منا الخمسة)) وهو بمعنى ، يقال فى هذا وغيره عقبه يعقبه. وكذلك فى كل ما ذهب وخلفه آخر مكانه ، ويقال فيه : اعتقبا وتعاقبا . قال الإمام : وقوله : (( فركبه )) يقال : ركبته بكسر الكاف أركبه ركوبا ، أى علقته، وركبته بفتح الكاف أركبه ركبا ، ضربته بركبتك وضربت ركبته . وقوله (( فتلدن عليه بعض التلدّن)) : أى تلكأ ولم ينبعث . وقوله: (( شأ. لعنك الله))، قال القاضى : كذا رواه بعضهم بالشين المعجمة ، وعند العذرى ((سر)) بالسين المهملة والراء، وعند بعضهم، وكذا فى أصل ابن عيسى: (( سأ)) بسين مهملة مهموز، وخرجه عليه (( سر)) وكتب عليه بخطه (( جأ وشأ)) زجر للبعير . وفى كتاب العين ((سأ)) بالسين المهملة زجر الحمار ليحتبس وشأشأت بالحمار : إذا قلت له تشؤتشؤ ؛ لزجره للسير . وقوله: ((عشيشية)): كذا الرواية لأكثرهم على التصغير . قال سيبويه : صغروها على غير مكبرها. وقوله: ((فيمدر الحوض))، قال الإمام : يقال : مدرت الحوض مدرًا: إذا طينته لئلا يتسرب منه الماء . (١) انظر: غريب الحديث ١ / ١٢٥ . ٥٦٦ كتاب الزهد والرقائق / باب حديث جابر الطويل وقصة أبى اليسر جَابِرٍ؟ )) فَقَامِ جَبَّارُ بْنُ صَخْر. فَانْطَلَقْنَا إلى البئرِ، فَتَزَعْنَا فِى الْحَوْضِ سَجْلاً أَوْ سَجْلَيْنِ . ثُمَّ مَّدَرْنَاهُ. ثُمَّ نَزَعْنَا فِهِ حَتّى أفْهَقْنَاهُ. فَكَانَ أَوَّلَ طَالِعٍ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ عَهُ، فَقَالَ: (أَتَذَتَانِ؟ )) قُلْنَا: نَعَمَّ، يَا رَسُولَ اللهِ، فَأَشْرَعَ نَاقَتَهُ فَشَرِبَتْ. شَقَ لَهَا فَشَجَتْ قَبَالَتْ، ثُمَّ عَدَلَ بِهَا فَأَنَاخَهَا. ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللهِ عَّهِ إلى الحَوْضِ فَتَوَضَّأْ مِنْهُ ثُمَّ قُمْتُ فَتَوَضأتُ مِنْ مُتَوَضَّأَ رَسُولِ اللهِ عَُّ. فَذَهَبَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ يَقْضِى حَاجَتَهُ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ عَُّ ١٣٣/ ب وقوله: ((فنزعنا فى الحوض سجلاً أو سجلين)): قال صاحب / الأفعال : نزعت الدلو : جريتها ، ونزعت بالسهم : رميت به ، ونزعت بآية من القرآن : أى تلوتها محتجا بها . قال الهروى (١): والسجل : الدلو ملأى . وقوله: ((أفهقناه)): أى ملأناه. والفهق: الامتلاء ، يقال: أفهقت الإناء ففهق ، وبئر مفهاق : أى كبيرة . قال القاضى: وقع فى رواية السمرقندى: (( حتى أضففناه)) وهو صحيح المعنى. قيل: معناه : ملأناه ، كأنه - والله أعلم - بلغنا بالماء ضفتيه وهما جانباه ، أو جمعنا فيه الماء . وضفة الناس : جماعتهم بفتح الضاد . وقول النبى معَّه لهما: ((أتأذنان)) قلنا: نعم ، هو - والله أعلم - لأنهما كانا أحق بالماء أولاً لأنفسهما وظهرهما لسبقهما إلى الماء ، واستقائهما إياه ، وعملهما الحوض لقوله عَّ: ((من يتقدمنا فيمدر الحوض فيشرب ويسقينا)) فلما كان هو أول طالع عليهما احتاج إلى إذنهما فى تقديمه ، وإن كان - عليه السلام - تقديمه واجبا فى كل شىء ، ولكن هذه الحقوق المالية حائزها بالملك أو بالسبق أحق بها ، مع علمه - عليه السلام - بتقديمها له وإيثاره على أنفسهما ، لكنه أخذ بأفضل الأخلاق واستعمل من الآداب الشرعية والنفيسة ما يقتدى به فيها . وقوله: (( فأشرع ناقته))، قال الإمام : يقال : شرعت الدواب فى الماء : إذا شربت منه وأشرعتها أنا [ منه ] (٢). وقوله: (( فشنق لها)): يقال : شنقت الناقة وأشنقتها : كففتها بزمامها . قال القاضى : شرع الرجل الماء : ورده ، ويختص الشروع بالشرب بالفم من الماء بغير آنية ولا آلة . وشنقت البعير : إذا جذبت خطامه إليك وأنت راكبه . وقال فى الجمهرة (٣) : شنقت الناقة: إذا جذبت رأسها بذمامها حتى تقارب قفاها قادمة الرحل. (١) انظر: غريب الحديث ١ / ٣٥٤ . (٣) انظر: ٣ / ٦٧ مادة ((شنق)). (٢) ساقطة من ز . ٥٦٧ - كتاب الزهد والرقائق / باب حديث جابر الطويل وقصة أبى اليسر لُيُصَلِّىَ، وَكَانَتْ عَلَىَّ بُرْدَةٌ ذَهَبْتُ أنْ أخَالفَ بَيْنَ طَرَفَيْهَا فَلَمْ تَبْلُغْ لِى، وَكَانَتْ لَهَا ذَبَاذبُ فَنَكّسْتُهَا ثُمَّ خَالَفْتُ بَيْنَ طَرَفَيْهَا، ثُمَّ تَوَقَصْتُ عَلَيْها ، ثُمَّ جْتُ حَتَّى قُمْتُ عَنْ يَسَارِ رَسُول اللـه عَّهُ، فَأَخَذَ بِيدِى فَأَدَارَنِى حَتَّى أَقَامَنِى عَنْ يَمِينِهِ . ثُمَّ جَاءَ جَبَّارُ بْنُ صَخْر فَتَوَضَّأْ، ثُمَّ جَاءَ فَقَامَ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللهِ عَّهُ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ بَيَدَيْنَا جَميعًا ، فَدَفَعَنَا حَتَّى أَقَامَنَا خَلْفَهُ. فَجَعَلَ رَسُولُ الله ◌َّهُ يَرْمُقُنِى وَأَنَا لا أَشْعُرُ، ثُمَّ فَطَنْتُ بِهِ . وقوله: ((فثجت وبالت)): كذا بالثاء والجيم عند العذرى، وعند غيره: ((فشجت)) بالشين المعجمة . وصوبه بعض الشيوخ وضبطناه هنا بتخفيف الجيم والفاء فيه أصلية ، ومعناه على هذا : باعدت بين رجليها وتفاجت لتبول . وإلى هذا نحى الجيانى فى تصويب الحرف ، وروايته عن العذرى ما تقدم ، وقال: صوابه: ((وفشجت))، وإن كان بعضهم روى هذه الرواية (( فشجت)) بتشديد الجيم ، ولا معنى لها ولا لرواية العذرى هنا . وأنكر بعضهم الجيم مع الشين وقال: إنما هو (( فشحت )) بالحاء المهملة ، كأنه من قولهم : شحى فاه: إذا فتحه، من معنى (( تفاجت)) المتقدم . ووجدت معلقاً عن بضعهم : صوابه: (( فشجت)) . قيل: لعل معناه : أمسكت عن الشىء (١) من قولهم : الحديث ذو شجون ، أى يمسك بعضه بعضا . وقد ذكر الخطابى (٢) هذا الحديث ورواه: ((ففسحت)) كما اختاره الجيانى وفسره : تفاحت وفرجت ما بين رجليها لتبول ، وكذا ذكره الهروى (٣). وقوله : ((لها ذباذب)) قال الإمام : الذباذب : أسافل الثوب . قال الهروى : قال ابن عرفة : المذبذب : المضطرب الذى لا يبقى على حالة مستقيمة ، يقال : تذبذب الشىء إذا اضطرب ، ومنه قيل لأسافل الثوب : ذباذب . قال القاضى: الذباذب هنا : الأطراف والأهداب ، والذلاذل مثله . وقوله: (( ثم تواقصت عليها))، قال الإمام : يقول : أمسكت عليها بعنقى ، وهو أن يحنى عليها عنقه. / والأوقص (٤): الذى قصرت عنقه. والوقص ، بفتح القاف: قصر العنق ، وبإسكانها : دق العنق ، قاله ابن السكيت وغيره . ١/١٣٤ وقوله: ((فجعل يرمقنى وأنا لا أشعر)) : يقال : رمقت الشىء رمقاً : أتبعت النظر إليه . وقوله: (( فقال هكذا بيده )) : يعنى شد وسطك . قال القاضى : فيه جواز الإشارة فى الصلاة ، لاسيما بما يعود على مَنْ معه فيها ، (١) في الرسالة والأبي : المشي. (٢) انظر: غريب الحديث ٢ / ١٢٧ . (٣) انظر: غريب الحديث ٢ / ١١٠ . (٤) فى ز : الأقوص ، والمثبت من ح . ٥٦٨ كتاب الزهد والرقائق / باب حديث جابر الطويل وقصة أبى اليسر فَقَالَ هَكَذَا، بَيَدِه. يَعْنِى شُدَّ وَسَطَكَ. فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِلَّهُ قَالَ: ((يَا جَابِرُ )) قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ . قَالَ: (( إِذَا كَانَ وَاسعًا فَخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ . وإِذَا كَانَ ضَيِّقًا فَاشْدُدْهُ عَلَى حِقْوِكَ)). (٣٠١١) سرْنَا مَعَ رَسُول الله عَّهُ، وَكَانَ قَوتُ كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا، فِى كُلِّ يَوْمٍ، تَمْرةً . فَكَانَ يَمَصُّهَا ثُمَّ يَصُرُّهَا فِى ثَوْنِهِ، وَكُنَّا نَخْتَبِطُ بِقِسِيِّنَا وَنَأكُلُّ، حَتَّى قَرِحَتْ أَشْدَاقُنَا . فَأَقْسِمُ أخْطِئَهَا رَجُلٌ مِنَّا يَوْمَا . فَانْطَلَقْنَا بِهِ نَنْعَشُهُ، فَشَهِدْنَا أَنَّهُ لَمْ يُعْطَهَا ، فَأَعْطِيهَا فَقَامَ فَأَخَذَهَا . وكذلك العمل الخفيف فيها ، كرده عليه [ لجابر من على ](١) شماله إلى يمينه ، كما فعل بابن عباس فى الحديث الآخر (٢)، ورده له ولجبار خلفه، وأنّ هذا حكم المصلين خلف الإمام ؛ إذا كان واحداً فعن يمينه ، وإن كانا اثنين خلفه . وقد يفسر هذا ويقدر فى الصلاة، وتقدم هناك (٣) ذكر العمل فى الصلاة وما فيه من خلاف . وقوله: ((اشدده على حقوك)): هو شد الإزار من الجسد وهو الخصر ، وقد يسمى به الإزار لكونه هناك، ومنه الحديث: (( فأعطانا حقوه )) (٤) . وفيه أن الصلاة بما يشغل الإنسان من لباس أو غيره ممنوعة وإن لم يكن عليه سواه عند الضرورة وأنه أولى من تغطية الجسد به ، ومنه النهى عن صلاة الحازق وهو الضيق الخف ، وفيه جواز الصلاة فى المئزر [وإن لم يكن عليه سواه عند الضرورة، وأنه أولى من تغطية الجسد به ] (٥) وحبسه (٦). وقوله: ((نختبط بقسينا))، قال الإمام : أى نضرب بها الشجر ليتحات ورقه ، واسم الورق المخبوط : خبط بفتح الباء ، وهو من علف الإبل . والمخبط : العصا التى يخبط بها أوراق الشجر . وقوله: ((ينعشه)): قال صاحب الأفعال : نعش الله فلانًا نعشاً : أى جبره ، والرجل غيره كذلك ، وأنعشه لغة . وقال غيره : النعش : الارتفاع ، ومنه سمى نعش الجنازة لارتفاعه . ونعشت الرجل : أى رفعت منزلته . قال الهروى : وقالت عائشة فى أبيها: (( فانتاش الدين ينعشه إياه)) أي: استدركه بإقامته إياه من مصرعه . وانتعش العليل : إذا أفاق . (١) فى ز : جابر بن على . (٢) سبق فى ك صلاة المسافرين، ب الدعاء فى صلاة الليل، برقم (٣٦٣). (٣) سبق فى ك المساجد، ب جواز لعن الشيطان أثناء الصلاة، برقم (٤٠). (٤) سبق فى ك الجنائز ، ب غسل الميت برقم (٩٣٩). (٥) سقط من ز ، والمثبت من ح . (٦) فى ز : وجنسه . ٥٦٩ كتاب الزهد والرقائق / باب حديث جابر الطويل وقصة أبى اليسر (٣٠١٢) سرْنَا مَعَ رَسُول الله عَّهُ حَتَّى نَزِلْنَا وَادِيَا أَفْيَحَ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللهِعَّهُ يَقْضِى حَاجَتَهُ ، فَاتَّبَعْتُهُ بِإِدَاوَةَ مِنْ مَاءِ. فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا يَسْتَرُ بِهِ ، فَإِذَا شَجَرَتَانِ بِشَاطِئِ الوَادِى . فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ إِلَى إِحْدَاهُمَا فَأَخَذَ بِغُصْنِ مِنْ أَغْصَانِهَا. فَقَالَ: ((انْقَادَى عَلَىَّ بَإِذْن الله )) فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَالَبَعِيرِ الْمَخْشُوشِ ، الَّذِى يُصَانِعُ قَائِدَهُ، حَتَّى أتَى الشَّجَرَةَ الأَخْرَى، فَأَخَذَ بِغُصْنِ مِنْ أَغْصَانِهَا، فَقَالَ: (( انْقَادِى عَلَىَّ بإذْن الله )) فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَذَلِكَ، حَتَّى إذا كَانَ بِالَّنْصَف ممَّا بَيْنَهُمَا، لأمَ بَيْنَهُمَا - يَعْنِى جَمَعَهُما - فَقَالَ: ((التَثَمَا عَلَىَّ بَإِذْنِ اللـه)) فَالتَأمَا. قَالَ جَابِرٌ : فَخَرَجْتُ أَحْضِرُ مَخَافَةَ أنْ يُحسَّ رَسُولُ اللهِ عَهُ بِقُرْبِى فَيَبْتَعِدَ - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنَ عَبَّاد: فَيَتَبَعَّدَ - فَجَلَسْتُ أحَدِّثُ نَفْسِى ، فَحَانَتْ مِّى لَفْتَةٌ، فَإِذَا أنا برَسُول الله عَّهِ مُقْبِلاً، وَإِذَا الشَّجَرَتَانِ قَد افْتَرَقَنَا. فَقَامَتْ كُلُّ وَاحِدَةَ مِنْهُمَا عَلَى سَاقٍ. فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ لَّهُ وَقَفَ وَقْقَةٌ. فَقَالَ برَأْسِهِ هَكَذَاَ - وَأَشَارَ أَبُو إِسْمَاعِيلَ بِرأسِهِ يَمِينًا وَشمالاً - ثُمَّ أقْبَلَ. فَلَمَّا انْتَهَى إلىَّ قَالَ : (( يَا جَابرُ، هَلْ رَأَيْتَ مَقَامِى؟)) قُلْتُ: نَعَمْ، يَا رَسُولَ الله. قَالَ: ((فَانْطِلَقْ إِلَى الشَّجَرَتَيْنِ فَاقْطَعْ مِنْ كُلِّ وَاحِدة مِنْهُمَا غُصْنَا، فَأَقْبِلْ بِهِمَا، حَتَّى إذَا قُمْتَ مَقَامِى فَأَرْسِلْ غُصْنَا عَنْ يَمِينكَ وَغُصْنَا عَنْ يَسَارِكَ)) . قال القاضى : قال بعضهم : معناه هنا : يرفعه ويقيمه - والله أعلم - من شدة الضعف والجهد ، وهو من نحو ما تقدم من التفسير . والأشبه عندى هنا أن يكون معنى (ننعشه)): أى يشد منه ويشهد له، كما قال فى الحديث: ((فشهدنا له أنه لم يعطها)) يعنى الثمرة (( فأعطيها)). وقوله : ((واديا أفيح)) : أى واسعا . وقوله فى الشجرة: (( فانقادت عليه كالبعير المخشوش)): هو الذى يجعل فى أنفه خشاش ، وهو عود يعرض فى أنفه إذا كان صعبا ، ويشد فيه حبل لينقاد ويذل ، وهو مع ذلك يتمانع لصعوبته، فإذا شُدَّ عليه وألمه نزع العود انقاد شيئا ؛ ولذا قال: ((الذى يصانع قائده )). وقوله : ((بالمنصف)) : أى نصف المسافة . وقوله : (( فلأم بينهما)): كذا لابن عيسى مهموز مقصور بغير مد، ولغيره: ((لاءم)) بالمد - والهمز، وكلاهما صحيح، أى جمع بينهما، كما قال: ((التئما علىّ بإذن الله)) ٥٧٠ كتاب الزهد والرقائق / باب حديث جابر الطويل وقصة أبى اليسر قَالَ جَابِرٌ: فَقُمْتُ فَأَخَذْتُ حَجَرًا فَكَسَرْتُهُ وَحَسَرْتُهُ ، فَانْذَلَقَ لِى . فَأَتَيْتُ الشَّجَرَتَيْنِ فَقَطَعْتُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا غُصْنَا، ثُمَّ أَقْبَلْتُ أَجُرُّهُمَا حَتَّى قُمْتُ مَقَامَ رَسُولِ اللهِ عَه، أَرْسَلْتُ غُصْنَا عَنْ يَمِيْنِى وَغُصْنًا عَنْ يَسَارِى، ثُمَّ لَحِقْتُهُ فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ، يَا رَسُولَ اللهِ، فَعَمَّ ذَكَ؟ قَالَ: (( إِنِّى مَرَرْتُ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ، فَأَحْبَيْتُ، بِشَفَاعَتِى، أنْ يَرَقَّهَ عَنْهُمَا، مَدَامَ الغُصْنَانِ رَطَبَيْنِ )) . فالتأمتا. وعند العذرى: (( فالام)) بغير همز رباعى ، وليس بشىء وهو تغيير. وقوله: (( فخرجت أحضر))، قال الإمام : أى أجرى . قال فى الأفعال : أحضر : جرى جرياً شديدًا. والحضر : المطلق . قال الهروى : أحضر إذا عدى ، واستحضر دابته: إذا حملها على الحضر وهو العدو . قال القاضى: وقوله: (( فحانت منى لفتة)) بفتح اللام ، أى نظرة والتفاتة. وعند ١٣٤/ ب الصدفى: ((حالت)) باللام، وهما بمعنى الحين، والحال : الوقت ، أى اتفقت وكانت /. وقوله: ((فأخذت حجراً فكسرته فحسرته))، قال الإمام : يعنى غصنًا من أغصان الشجرة ، يريد قشرتها ، ومنه يقال : حصرت الدابة : إذا أتعبتها فى السير حتى تتجرد من بدانتها . قال القاضى : هذا تفسير الهروى لهذا الحرف فى هذا الحديث، [ (١) ولا يعطى مساق الكلام ولا صحته أن يريد بحسرته قشرة الغصن كما قال ، فإنه بعد لم يصل إليه وبعد ذلك قال: (( ثم أتيت الشجرتين فقطعت من كل واحدة منهما غصنا )) فكيف وقد قال : ((فحسرته فانزلق)» ؟ وهذا يدل أنه إنما أراد الحجر نفسه وأنه كسره ، كما قال : ثم أزال عنه كل ما تشظى وتكسر منه ، حتى اندلق وبقى حاداً يمكن به القطع . وإلى هذا نحا الخطابى ، وكذا رويناه عنه فى كتابه(٢) بالسين المهملة . وأما روايتنا عن جميع شيوخنا فى هذا الحرف فى الأم فإنما هى بالشين المعجمة ، وهو أصح ، ومعناه : حشر : أى خفيف . وقوله : ((فاندلق)) بذال معجمة ، أى انحد . وذلق كل شىء حده . وسنان مزلق : أی محدد . وقوله - عليه السلام -: ((فأحببت بشفاعتى أن يرفه عنهما ما دام الغصنان رطبين)) يفسر مشكل قوله فى الحديث الآخر: ((لعله يخفف عنهما ما لم بيبسا (٣)))، وأن ذلك بدعوته لهما بذلك ، لا كما قال بعضهم مما ذكرناه أول الكتاب فى الطهارة . (١) بداية سقط من ز . (٢) انظر: غريب الحديث ١/ ١٢٧. (٣) الحديث أخرجه مسلم ، ك الطهارة، ب الدليل على نجاسة البول ، برقم (١١١). ٥٧١ كتاب الزهد والرقائق / باب حديث جابر الطويل وقصة أبى اليسر (٣٠١٣) قَالَ: فَأَتَيْنَا العَسْكَرَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَهُ: (( يَا جَابرُ، نَاد بوَضُوء)) فَقُلْتُ: ألا وَضُوءَ؟ ألا وَضُوءَ؟ ألا وَضُوءَ؟ قَالَ : قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، مَا وَجَدْتُ فِى الرَّكْبِ مِنْ قَطْرَةَ. وَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ يُبَرِّدُ لِرَسُولِ اللهِ عَهُ الْمَاءَ، فِى أَشْجَابِ لَهُ ، عَلَى حِمَارَةَ مِنْ جَرِيد. قَالَ : فَقَالَ لِىَ : ((انْطَلَقْ إِلَى فُلانِ بْنِ فُلانِ الأنْصَارِىِّ، فَانْظُرْ هَلْ فِى أَشْجَابِهُ مِنْ شَىْءٌ ؟ )) قَالَ : فَانْطَلَقْتُ إِلَيْهِ فَنَظَرْتُ فِيهَا فَلَمْ أَجِدْ فيها إلا قَطْرَةٌ فِى عَزْلاء شَجْب مِنْهَا ، لَّوْ أَنِّى أَفْرِغُهُ لَشَرَبَهُ يَابِسُهُ. فَأَتَيْتُ رَسُولَ الله عَّهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ وقوله : ((يبرد الماء فى أشجاب له)»: قيل : أعواد تعلق عليها قرب الماء وأوانيه ، مأخوذة من مشجب الثياب . قوله : (( على حمارة من جريد)) : كذا الرواية الصحيحة عند شيوخنا ، وعند ابن عيسى: (( حمار)) كلاهما بالحاء ، وهى مثل الأشجاب . ومنه سميت الأعواد التى يوضع عليها السرج حماراً. ووقع عند السمرقندى: ((على جمارة)) بجيم مضمومة وميم مشدودة، وليس بشىء لقوله بعد ذلك: (( من جريد)). قال القاضى: بهذا فسر فى الحديث الأشجاب شيوخنا ، وهو صحيح فى العربية . قال ابن دريد : الشجاب والمشجب واحد ، ويقال لها : الشجب أيضاً ، ويسمون الثلاث الخشبات التى يعلق عليها الراعى سقاءه ودلوه : الشجب ، وقد يسمى الحمارة . قال القاضى: ولكنه مع قوله: ((على حمارة له)) لا يستقيم أن يقال: ((فى أشجاب على حمار)) وإنما الأشجاب هنا الأسقية الخليقة ، ويدل عليه الحديث بقوله: ((يبرد الماء فى أشجاب له على حمارة من جريد )) . وقوله: ((فانظر هل فى أشجابه من شىء))، وقوله: ((إلا قطرة فى عزلاء شجب)) فهذا كله يدل أنها السقاء . ومنه فى حديث ابن عباس: (( فقام إلى شجب فاصطب منه الماء)) (١). فهذا هو تفسير الشجب فى هذا الحديث وما قالوه . قال الهروى : الشجب من الأسقية ما استشن وأخلق . وقال بعضهم : سقاء شاجب ، أى يابس . وقوله : ((عزلاء شجب)) : أى فمه ومخرج الماء منه . وقوله: (( لو أنى أفرغه لشربه يابسه)): أى لقلة ما كان فيه من الماء وفرط يبس الشجب، لو فرغ هذا الماء منه لاشتفه الشجب. وهذا كله يدل على أن الأشجاب هنا الأسقية . وقوله : ((يغمزه بيده )) أى يحركه ويعصره . (١) سبق فى ك صلاة المسافرين، ب الدعاء فى صلاة الليل. حديث برقم (١٨٣). ٥٧٢ كتاب الزهد والرقائق / باب حديث جابر الطويل وقصة أبى اليسر الله، إنِّى لَمْ أَجَدْ فِيهَا إلا قَطْرَةً فِى عَزْلاء شَجْب مِنْهَا. لَوْ أَنِّى أَفْرِغُهُ لَشَرَبَهُ يَابِسُهُ. قَالَ : (اذْهَبْ فَأَتَنِى بِهِ )) فَأَتَيْتُهُ بِهِ فَأَخَذَهُ بِيَدَه فَجَعَلَ يَتَكَلَّمُ بِشَىْءٌ لا أدْرِى مَا هُو ، وَيَغْمِزُهُ بَيَدَيْهِ. ثُمَّ أَعْطَانِهِ فَقَالَ : (( يَا جَابِرُ ، نَادِ بِجَقْنَةٍ )) فَقُلْتُ: يَا جَفْنَةَ الرَّكْبِ، فَأَتَيْتُ بِهَا تُحْمَلُ، فَوَضَعْتُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهُ بَيَدَه فِى الْجَفْنَةِ هَكَذَا. فَبَسَطَهَا وَفَرَّقَ بَيْنَ أصَابِعِهِ، ثُمَّ وَضَعَهَا فِى فَعْرِ الجْنَةِ. وَقَالَ: (( خَّذَيَا جَابِرُ ، قَصُبَّ عَلَىَّ وَقُلْ: بِاسمِ اللهِ)) فَصَیَبْتُ عَلَيْه وقلت : باسم الله . فرأيت الماء يفور من بين أصابع رسول الله عَّه ثم فارت الجفنة ودارت حتَّى امْتَلَأتْ. فَقَالَ: (( يَا جَابرُ، نَادِ مَنْ كَانَ لَهُ حَاجَةٌ بماء » قَالَ : فَأَتَى النَّاسُ فَاسْتَقَوْاْ حَتَّى رَوُوا. قَالَ: فَقُلْتُ: هَلْ بَقِىَ أحَدٌ لَهُ حَاجَةٌ؟ فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ عَّهِ يَدَهُ مِنَ الْجَفْنَةِ وَهِىَ مَلأى . (٣٠١٤) وَشَكَا النَّاسُ إِلَى رَسُول الله ◌َّهُ الْجُوعَ. فَقَالَ: ((عَسَى اللهُ أنْ يُطْعِمَكُمْ)) فَأَتَيْنَا سيفَ البَحْرِ، فَزْخَرَ البَحْرُ زَخْرَةً ، فَألْقَى دَبَّةً . فأوْرَيْنَا عَلَى شِقِّهَا النَّارَ. فَاطَبَخْنَا واشْتَوَيْنَا وَأَكَلْنَا حَتَّى شَبَعْنَا. قَالَ جَابِرٌ : فَدَخَلْتُ أَنَا وَفُلانٌ وَفُلانٌ، حَتّى عَدَّ خَمْسَةً ، فى وقوله: (( فأتينا سيف البحر)) : هو ساحله بكسر السين . وقوله: (( فزخر البحر زخرة)) : كذا رواية أكثرهم بالخاء المعجمة ، ووقع للعذرى وابن ماهان ((زجز)) والأول الصواب. وقالوا : زخر البحر يزخر زخوراً: إذا طما موجه. وحجاج العين بفتح الحاء وكسرها : عظمها المستدير بها . وقوله: (( أعظم كفل فى الركب)) : الكفل ، بكسر الكاف وإسكان الفاء : الكساء الذى يحويه راكب البعير على سنامه إذا ارتدفه لئلا يسقط ، فيحفظ الكفل الراكب . قال الهروى (١): قال أبو منصور: ومنه اشتق ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ﴾(٢)، أى نصيبين يحفظانكم من هلكة المعاصى ، كما يحفظ الكفل الراكب . قال القاضى : الكفل هنا : النصيب ، وزيادة أبو منصور تحكم منه ، ويرد عليه قوله تعالى: ﴿وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾(٣) ، أترى هذه تحفظه ؟ ووقعت فى رواية التميمى والصدفى فى هذا الحرف ](٤): ((كفل)) بفتح الكاف والفاء ، والصحيح ما تقدم. وكذا روى الجيانى وغيره عن العذرى فى الحرف الآخر قبيل هذا: ((أعظم رحل )) (١) انظر: غريب الحديث ٤ / ٤٢٨، ٤٢٩ . (٢) الحديد : ٢٨. (٤) نهاية السقط من ز، والمثبت من ح . (٣) النساء : ٨٥ . ٥٧٣ كتاب الزهد والرقائق / باب حديث جابر الطويل وقصة أبى اليسر حِجَاجٍ عَيْنِهَا، مَا يَرَنَا أحَدٌ ، حتَّى خَرَجْنَا فَأَخَذْنَا ضِلَعًا مِنْ أضْلاعِهِ فَقَوَّسْنَاهُ، ثُمَّ دَعَوْنَا بِأَعْظَمِ رَجُلٍ فِى الرَّكْبِ ، وَأَعْظَمْ جَمَلٍ فِى الرَّكْبِ ، وَأَعْظَم كِفْلٍ فِى الرَّكْبِ ، فَدَخَلَ تَحْتَهُ مَا يُطَاطِئُ رَأْسَهُ . ولغيره: ((رجل)) وهو أصوب وأشبه بمساق الكلام. وكذلك اختلف فيه رواة البخارى(١) أيضا . وفى هذا الحديث غرائب من معجزاته الباهرة وعجائب من علامات نبوته الظاهرة ؛ من طاعة الشجرتين له وانقيادهما والتئامهما ثم افتراقهما ، وتكثير الماء ونبعه من بين أصابعه ، وهذه فى ذاتها قد رويت عنه فى مواطن بروايات متفقة المعنى (٢). ومن بركته فى بيوتهم بالثمرة ، ومن الكلام فى خبر هذه الدابة التى ألقاها البحر فى غزوة أبى عبيدة فى الجهاد ، ويظهر أنها قصة أخرى لسياق الحديث. وظاهره أن ذلك لمحضر النبى عَّ وفى هذه الغزوة. وقد يحتمل أنها تلك وأوردها جابر هنا بعد ذكره ما شاهده مع رسول الله عَ ◌ّه مما ذكر ، وعطف هذه القصة عليه . (١) البخارى، ك المغازى، ب غزوة سيف البحر ٥ / ٢١٠ . (٢) أشار إلى بعضها الإمام مسلم فى صحيحه ، ك الفضائل ، ب معجزات النبى - عليه السلام - فى أحاديث رقم (٤ - ٧، ١٠ ). ٥٧٤ كتاب الزهد والرقائق / باب فى حديث الهجرة ... إلخ (١٩) باب فى حديث الهجرة. ويقال له : حديث الرَّحْل ٧٥ _ (٢٠٠٩) حدّثَنِى سَلَمَةُ بْنُ شَبِيب، حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أُبُو إِسْحَقَ قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ بْنَ عَزِبَ يَقُولُ: جَاءَ أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ إلَى أبِى فِى مَنْزِله، فَاشْتَرَى مِنْهُ رَحْلاً ، فَقَالَ لِعَازِب: ابْعَثَ مَعِىَ ابْنَكَ يَحْمِلُهُ مَّعِىَ إِلَى مَنْزِلِىٍ. فَقَالَ إلى أبى: احْمِلُهُ. فَحَمَلْتُهُ، وَخَرَجَ أبِى مَعَهُ يَنْتَقِدُ ثَمَنَهُ. فَقَالَ لَهُ أَبِى : يَا أَبَا بَكْرٍ ، حَدِّنِى كَيْفَ صَنَعْتُمَا لَيْلَةَ سَرَيْتَ مَعَ رَسُولِ اللهِ عَّهِ. قَالَ: نَعَمْ. أَسْرَيْنَا لَيْلَتَنَا كُلَّهَا، حَتَّى قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ ، وَخَلا الطَّرِيقُ فَلا يَمُرُّ فيه أَحَدٌ، حَتَّى رُفِعَتْ لَنَا صَخْرَةٌ طَوِيلَةٌ لَها ظِلٌ، لَمْ ءِ تَأَت عَلَيْهِ الشَّمْسُ بَعْدُ ، فَزَلْنَا عِنْدَهَا، فَأَتَيْتُ الصَّخْرَةَ فَسَوَّيْتُ بَيَدِى مَكَانًا ، يَنَامُ فِيهِ النَّبِىّ وقوله فى حديث الهجرة: (( حتى قام قائم الظهيرة)) : الظهيرة : هى الهاجرة، وهى ساعة الزوال وانتصاف النهار ، ومنه سميت صلاة الظهر . قال يعقوب : الظهيرة : نصف النهار فى القيظ حتى تكون الشمس بحيال رأسك وتركد ، وركودها أن تدوم حيال رأسك ، كأنها لا تبرح. وهذا معنى قوله: ((قام قائم الظهيرة))، كأنه وقف ولم يبرح، إما كناية عن الشمس أو الظل لوقوفه عن الزيادة حينئذ ، حتى يستبين زوال الشمس . وقوله : ((فرفعت لنا صخرة طويلة)): أى ظهرت وارتفعت لأبصارنا . وقوله : (( لها ظل لم تأت عليه الشمس بعد )) : يريد ظل أول النهار ، أى لم يف عليه. والظل : ما كان من غدوة إلى الزوال مالم يصبه شمس ، وهو أبرد وأطيب . والفىء : ما كان بعد الزوال ورجوعه من المشرق إلى المغرب ، مما كانت عليه الشمس وأصابت أرضه . وقوله: ((فبسطت عليه فروة، ثم قلت: نم)) قيل : أراد بالفروة هنا حشيشة من النبات ، لكنه ورد فى صحيح البخارى: ((فروة معى)) (١)، وهذا يبعد هذا التأويل - والله أعلم. وفى حديث الخضر : أنه جلس على فروة بيضاء وحصير تحته خضراً . وقال عبد الرزاق : أراد بالفروة الأرض اليابسة . وقال الهروى : قال غيره : يعنى الهشيم اليابس ، شبه بالفروة . وقال الخطابى (٢): هى الأرض البيضاء . (١) البخارى، ك مناقب الأنصار، ب هجرة النبى عَه وأصحابه إلى المدينة ٥ / ٨٢ . (٢) انظر: غريب الحديث ١ / ٢٢٢ . ٥٧٥ كتاب الزهد والرقائق / باب فى حديث الهجرة ... إلخ ◌َِّ فى ظلِّهَا، ثُمَّ بَسَطْتُ عَلَيْهِ فَرْوَةً. ثُمَّ قُلْتُ: نَمْ يَا رَسُولَ الله، وَأَنَا أنْفُضُ لَكَ مَا حَوْلَكَ . فَنَامَ، وخَرَجْتُ أَنْفُضُ مَا حَوْلَهُ ، فَإِذَا أَنَا بِرَعِى غَنَم مُقْبِلِ بِغنمِهِ إلى الصَّخْرَةِ، يُرِيدُ مِنْهَا الَّذِى أرَدْنَا. فَلَقِيتُهُ فَقُلْتُ: لَمَنْ أَنْتَ يَا غُلامُ؟ فَقَالَ: لَرَّجُل مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ . قُلَتُ: أفى غَنَمَكَ لَبَنٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: أَفَتَحْلُبُ لِى؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأَخَذَ شَاءً فَقُلَتُ لَهُ: انْفُضَِ الضَّرْعَ مِنَ الشَّعَرِ وَالْتُرَبِ والقَذَى - قَالَ: فَرَأَيْتُ البَرَاءَ يَضْرِبُ بِيَدِهِ عَلَى الأخْرَى يَنْفُضُ - فَحَلَبَ لِى، فِى قَعْبِ مَعَهُ، كُتْبَةً مِنْ لَبَنِ . قَالَ : وَمَعِى إِدَاوَةٌ أَرْتَوَى فِيهَا لنَّبِّ عَّةِ، لِيَشْرَبَ مِنْهَا وَيَتَوَضَّأَ. قَالَّ: فأَتَيْتُ النَّبِىَّ عَّهُ، وَكَرِهْتُ أَنْ أَوْقَظَهُ مِنْ نَوْمِهِ، فوَفَقْتُهُ اسْتَيْقَظَ . فَصَبَيْتُ عَلَى اللَّبَنِ مِنَ الَمَاءِ حَتَّى بَرَدَ أسْفَلُهُ . فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، اشْرَبْ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ. قَالَ: فَشَرِبَ حَتَى رضِيتُ. ثمَّ قَالَ: ((أَلَمْ يأنِ لِلرَحِيلِ؟)) قُلْتُ : بَلَى. قَالَ: فَرْتَحَلْنَا بَعْدَ مَا زَالَت الشَّمْسُ، وَتَّبَعَنَا سُرَاقَةُ بْنُ مَالِك . قَالَ : وَنَحْنُ فِى وقوله: ((وأنا أنفض لك ما حولك)): أى أفتش وأبحث لئلا يفجأك من يغتالك . والنفيضة : الجماعة تتقدم العسكر فتنفض ما أمامه ، قال ابن دريد : كالطليعة . وقوله فى الراعى: ((رجل من أهل المدينة)): قيل : هو وهم ، وصوابه : من أهل مكة. وكذا وقع فى البخارى(١) من رواية إسرائيل: (( لرجل من قريش)) وفى رواية غيره :. (( لرجل من المدينة أو مكة )) (٢). وقوله: ((أفى غنمك لبن)): ضبطناه / كذا بفتح اللام والباء، و (( لُبْن )) بضم اللام وسكون الباء على وصف جماعة الشياه ، أى ذوات ألبان ، ويقال : شاة لبنة ، وشاة لبن ، وقد تسكن مثل هذا . والقعب : إناء من خشب مقعر معروف . ١/١٣٥ ((وكثبة من لبن)) بضم الكاف ، وهى قدر الحلبة ، قاله يعقوب . وقيل : القليل منه، قاله ابن الأعرابى . وفيه جواز الشرب من الغنم التى عند الرعاة إذا كانت بالبوادى ، وحيث يعرف أنّ أربابها لا يطلبون لبنها ، وأنه مباح للرعاة أو حيث العادة أن ذلك لا يمنع ويباح لشاربه . وقد سئل مالك عن المسألة على الجملة فقال: لا يعجبنى ، وقد تقدم الكلام على هذا . (١) البخارى، ك اللقطة ٣ / ١٦٦. (٢) البخارى، ك المناقب، ب علامات النبوة ٤ / ٢٤١ . ٥٧٦ كتاب الزهد والرقائق / باب فى حديث الهجرة ... إلخ جَدٍ مِنَ الأرْضِ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أُتَيْنَا. فَقَالَ: (( لا تَحْزَنْ إِنَّاللهَ مَعَنَا)) ، فَدَعَا عَلَيْهَ رَسُولُ اللهِ عَّهِ. فَارْتَطَمَتْ فَرَسُهُ إلى بَطْنِها. أُرَى فَقَالَ: إِنِّى قَدْ عَلَمْتُ أَنَّكُمَا قَدْ دَعَوْنُمَا عَلَىَّ، فَادْعُوَاَ لِى، فَاللهُ لَكُمَا أنْ أَرُدَّ عَنْكُمَا الطَّلَبَ . فَدَعَا اللهَ، فَنَجَى ، فَرَجَعَ لا يَلْقَى أحَدًا إلا قَالَ: قَدْ كَفَتُكُمْ مَ هَهُنَا. فَلا يَلْقَى أحداً إلا رَّهُ. قَالَ: وَوَفَى لَنَا . ( .. ) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ. ح وَحَدَّثَنَاه إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، كَلَاهُمَا عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أبِى إِسحَقَ ، عَنِ الْبَرَاءِ . قَالَ : اشْتَرِى أَبُو بَكْر مِنْ أبِى رَخْلاً بثلاثَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا. وَسَاقَ الَحَدِيثَ ، بِمَعْنِى حَديث زُهَيْرِ عَنْ أَبِى إِسْحَقَّ . وَقَالَ فِى حَدِيثِهِ، مِنْ رِوَيَةٍ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ : فَلَمَّا دَنَا دَعَا عَلَيْهَ رَسُولُ اللهِ بَّهُ، فَسَاخَ فَرَسُهُ فِى الأَرْضِ إِلَى بَطْنِهِ، وَوَثَبَ عَنْهُ. وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، قَدَّ عَلَمْتُ أنَّ هَذَا عَمَلُكَ ، فَادْعُ اللهَ أنْ يُخَلَّصَنِى مَمَّا أَنَا فِيهِ ، وَلَكَ عَلَىَّ لْأُعَمِّيَنَّ عَلَى مَنْ وَرَأَئِى . وَهَذِه كِنَانَتِى ، فَخُذَ سَهْمًا مِنْهَا فَإِنَّكَ سَتَمُرُّ عَلَى إِبلِى وَغِلْمَانِ بِمَكَانٍ كَذَا وَكَذَ، فَخُذْ مِنْهَا حَاجَتَكَ. قَالَ: (( لا حَاجَةً لِى فِى إِبلِكَ)) . فَقَدَمْنَا الَدينَةَ لَيْلاً ، فَتَنَازَعُوا أَيُّهُمْ يَزِلُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ عََّ فَقَالَ: (( أَنْزِلُ عَلَى بَنِى النَّجَّارِ، أخْوَاَلِ عَبْدِ الْمُطَِّبِ، ((وجدد الأرض)) بفتح الجيم : الخشن منها ، قاله لنا ابن سراج . وفى الجمهرة والغريبين : هو المستوى ، كذا رواه العذرى. ولغيره: ((جلد)) باللام بمعنى الأول ، أى صلب خشن غليظ. واحتاج لذكر (( جدد الأرض)) هاهنا ارتطام فرس سراقة فيها ، وتسوخها (١) لتبين المعجزة وتظهر الآية ، إذ لو كانت الأرض سبخة ورخوا دهنية لم يستغرب مثل ذلك فيها . وقوله: ((لأعمين على من ورائى)) : أى أخفى أمركم وألبسه عليهم ، حتى لا يتبعوكم . وقوله: (( ارتطمت فرسه إلى بطنها))، قال الإمام : أى ذهبت وساخت . قال القاضى: وقوله - عليه السلام -: (( أنزل على بنى النجار ، أخوال عبد المطلب، أكرمهم [ بذلك ] (٢): فيه صلة القرابة وبرهم وإيثارهم. (١) فى ح : وسؤوخها . (٢) من ح . ٥٧٧ كتاب الزهد والرقائق / باب فى حديث الهجرة ... إلخ أكْرِمُهُم بِذَلِكَ)) فَصَعَدَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فَوْقَ الْبُيُوت، وَتَفَرَّقَ الغِلْمَانُ وَالَخَدَمُ فِى الطُّرُقُ. يُنَادُونَ: يَا مُحَمَّدُ، يَا رَسُولَ الله، يَا مُحَمَّدُ، يَا رَسُولَ الله . وقوله: (( فصعد الرجال والنساء فوق البيوت ، وتفرق الخدم والغلمان فى الطريق ينادون يا محمد ، يا رسول الله)): فيه ما كان أتى الله نبيه - عليه السلام - من المحبة فى القلوب ما خص الله به هذا الحى من الأنصار ؛ لما أراده الله بهم من الخير ، وما قضاه من إظهار دينه على أيديهم . ٥٧٨ - كتاب التفسير بسم الله الرحمن الرحيم ٥٤ - کتاب التفسير ١ - (٣٠١٥) حدّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافع، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّام أبْنِ مُنَبِّهِ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَّنْ رَسُول اللـه عََّ. فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: ((قيلَ لَبَنِى إِسْرَائِيلَ: ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُواَ حِطَّةً يُغْفَرْ لَكُم خَطَايَاكُمْ. فَبَدَّلُوا. فَدَّخَلُوا الْبَابَ يَزْخَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمِ . وَقَالُوا: حَبَّةٌ فِىَ شَعَرَةِ » . ٢ - (٣٠١٦) حدّثَنِى عَمْرُو بْنُ مُحَمَّد بْنِ بُكَيْرِ النَّاقِدُ وَالحَسَنُ بْنُ عَلَىِّ الْحُلْوَانِىُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - قَالَ عَبْدٌ: حَدَّثَنِى. وَقَالَّ الآخَرَانَ: حَدَّثَنَا - يَعْقُوبُ - يَعْنُونَ أَبْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِدٌ - حَدَّثَنَا أبِى، عَنْ صَالِحٍ - وَهُوَ ابْنُ كَيْسَانَ - عَنِ ابْنِ شِهَابٍ . قَالَ : أخْبَرَنِى أَنَسُ بْنْ مَالِك؛ أَنَّ اللهَ - عَزَّ وَّجَلَّ - تَابَعَ الوَحْىَ عَلَى رَسُولِ اللهِعَّهُ قَبْلَ وَفَاتِهِ، حَتَّى تُوُقِّىَ، وَأَكْثَرُ مَا كَانَ الوَحْىُ يَوْمَ تُوُفِّىَ رَسُولُ اللهِ عٍَّ . ٣ - (٣٠١٧) حدّثَنِى أَبُو خَيْثَمَةَ، زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُنَّى - وَاللَّفْظُ لابْنِ الُثَنَّى - قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ - وَهُوَ ابْنُ مَهْدِىٌّ - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ؛ أنَّ الَيَهُودَ قَالوا لِعُمَرَ : إِنَّكُمْ تَقْرَؤُونَ آيَةٌ ، لَوْ أَنْزِلَتَ فِينَاَ لاَتَّخَذْنَا ذَلِكَ الَيَّوَمَ عَيدًا. فَقِّالَ عُمَرُ : إِنِّى لأعْلَّمُ حِيْثُ أَنْزِلَتْ، وَأَىَّ يَوْم أنْزِلَتَّ، وَأَيْنَ رَسُولُ اللهِ نَّهُ حَيْثُ أُنْزِلَتْ. أَنْزِلَتْ بِعَرَفَةَ، وَرَسُولُ اللهِ عَّْ وَاقِفٌ بَعَرَفَة . قال الإمام: وقول عائشة: ((فيعضلها)) (١): العضل : التضييق أو المنع، يقال : عضلنى عن الأمر : أى منعنى عنه ، وأعضل فى الأمر : إذا ضاقت عليك الحيل فيه . وأصله من عضلت الناقة : إذا نشب ولدها فلم يسهل مخرجه ، والدجاجة نشب بيضها ، والمسألة المعضلة : الصعبة المخرج ، وداء عضال: شديد . وقول علىّ - رضى الله عنه -: معضلة ولا أبا حسن . قال الفراء : هذه معرفة وضعت موضع النكرة ، كأنه قال : ولا رجل كأبى حسن ؛ لأن التنزيه (٢) لا يقع على المعارف . وقال غيره من البصريين : فى الكلام حذف مضاف نكرة لا يتعرف بما أضيف إليه ، والتقدير : معضلة ولا مثل معضلة أبى حسن . قال : والمعنى يقتضى ذلك . (١) حديث رقم (٨) بالباب. (٢) فى ح : التبرئة . ٥٧٩ كتاب التفسير قَالَ سُفْيَانُ: أَشُكُّ كَانَ يَوْمَ جُمُعَةٍ أَمْ لا يَعْنِى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ ٥٤٥٠٠ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى ﴾(١) . ٤ - ( .. ) حدّثنا أَبُو بَكْر بْنُ أبى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْب - وَاللَّفْظُ لأبِى بَكْر - قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ إِدْرِيسَ، عَنَّ أبيهِ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمَ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابَ ، قَالَ : قَالت اليَهُودُ لِعُمَرَ: لَوْ عَلَيْنَا، مَعْشَرَ يَهُودِ، نَزَلَّتَ هَذهَ الْآَيَةُ: ﴿الْيَّوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾، نَعْلَمُ اليَوْمَ الَّذِى أَنْزِلَتْ فيه ، لاتخذنا ذلك اليوم عيداً . قال: فقال عمر: فَقد علمت اليَوْمَ الذى أُنْزِلَتْ فِيهِ، وَالسَّاعَةَ، وَأَيْنَ رَسُولُ اللهِ عَّلْ حِينَ نَزَّلَتْ. نَزَلَتْ لَيْلَةَ جَمْعٍ، وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ عَّهِ بِعَرَفَات . ٥ - (.) وَحَدَّثَنِى عَبْدُ بْنُ حُمَيْد، أخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْن، أخْبَرَنَا أَبُو عُمَيْس عن قيس بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ اليَّهُودِ إِلَى عُمَرَ . فَقَالَ : يَا أميرَ المؤمنينَ ، آيَةٌ فِى كِتَابِكُمْ تَقْرَؤُونَهَا، لَوْ عَلَيْنَا نَزَلَتْ، مَعْشَر اليَّهُودِ، لاَّخَذْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا. قَالَ : وَأَىُّ آيَةٍ؟ قَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيْنَكُمْ وَأَتْمَمَّتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾. فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّى لِأَعْلَمُ اليَوْمَ الَّذِى نَزَلَتْ فِيهِ، وَالَكَانَ الَّذى نَزَلَتْ فِيهِ، نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ لَّهُ بِعَرَفَاتٍ، فِى يَوْمٍ جُمُعَةٍ . ٦ - (٣٠١٨) حدّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ أحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجْبِىُّ - قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ حَرْمَلَةُ : أَخْبَرَنَاَ - ابْنُ وَهْبَ، أخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، أخْبَرَنِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَأَلَ عَائشَةَ عَنْ قَوْل الله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَا قال القاضى: وقوله فى حديث ابن أبى شيبة فى قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ : نزلت ليلة جمعة ونحن مع رسول الله عَّه بعرفات. كذا لابن ماهان، ولغيره: ((ليلة جمع))، والوجه الأول صحيح كما قال فى سائر الأحاديث ، وكما جاء فى الحديث بعده: ((يوم جمعة) . وقوله: (( يريد أن يتزوجها بغير أن يقسط فى صداقها)) أى يعدل ، قال الله تعالى: ◌ِ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّ تُقْسِطُوا فِى الْيَامَى﴾(٢) : أى تعدلوا. (١) المائدة : ٣ . (٢) النساء : ٣ . ٥٨٠ کتاب التفسير تُقْسِطُوا فِى الْيَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾(١) قَالَتْ: يَا ابْنَ أخْتِى ، هِىَ الَتِيمَةُ تَكُونُ فِى حِجْرٍ وَلِيِّهَا، تُشَارِكُهُ فِى مَالِهِ، فَيُعْجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَلُهَا ، فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أنْ يَتَزَوَّجَهَ بِغَيْرٍ أنْ يَّفْسَطْ فِى صَدَاقِهَا، فَيُّعْطِيهَا مِثلَّ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ. فَنُهُوا أنَّ يَنْكحُوهُنَّ إلا أنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ، وَيَبْلُغُوا بهنَّ أَعْلَى سُتَتَهِنَّ مِنَ الصَّدَاقِ ، وَأَمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ . قَالَ عُرْوَةُ : قَالَتْ عَائشَةُ: ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ اسْتَفْتُوا رَسُولَ الله عََّ، بَعْدَ هَذه الآيَة فيهنَّ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِى الْكِتَابِ فِى يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّتِى لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُن﴾ (٢). قَالَتْ: وَالَّذِى ذَكَرَ اللهُ تَعَلَى؛ أَنَّهُ يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِى الكِتَابِ ، الآيَةُ الأولَى التِى قَالَ اللهُ فِيهَا: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّ تُقْسِطُوا فِى الْيَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ . قَالَتْ عائشَةُ: وَقَولُ الله فى الآيَةِ الأخْرَى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُن ﴾ رَغْبَةَ أحَدِكُمْ عَنِ الَتِيمَةِ الَّتِى تَكُونُ فِى حَجْرِهِ ، حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ الَمَالِ وَالْجَمَالِ . فَنُهُوا أنْ يَنْكِحُوا مَا رَغِبُوا فِى مَالِهَا وَجَمَالِهَاَ مِنْ يَتَامَ النِّسَاءِ إِلا بِالِسَطِ ، مِنَ أَجْلِ رَغَتِهِمْ عَنَّهُنَّ. ( .. ) وحدّثنا الحَسَنُ الْحُلْوَانِىُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيَد، جَمِيعًا عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْد، حَدَّثَنَا أبِى عَنْ صَالِحِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. أخْبَرَنِى عُرْوَةُ ؛ أَنَّهُ سَألَ عَائشَةَ عَنْ قَول الله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِى الْيَتَامَى﴾ وَسَاقَ الحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ يُونُسَ عِنِ ١ الزُّهْرِىِّ. وَزَادَ فِى آخِرِهِ: مِنْ أجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنّهُنَّ، إذا كُنَّ قَلِيلاتِ الْمَالِ وَالْجَمَالِ . ٧ - ( ... ) حدّنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْب، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو أسَامَةَ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أبيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ، فِى قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَّ تُقْسِطُوا فِى الْيَامَى﴾ قَالَتْ: أَنْزِلَتْ وقوله: (( فنهوا أن ينكحوا ما رغب فى جمالها ومالها إلا بالقسط)) : أى طلبوا . وقوله: (( من أجل رغبتهم عنهن)): يعنى تركهم وكراهتهم لهن إذا كن قليلات ١٣٥/ ب المال والجمال ، قال الله تعالى: ﴿وَتَرْغَبُونَ / أَن تَنكِحُوهُن﴾ رغبت فيه، إذا أردته، ورغبت عنه ؛ إذا كرهته . (١) النساء: ٣. (٢) النساء : ١٢٧ .